الفصل 26 | من 45 فصل

رواية مهمة زواج الفصل السادس والعشرون 26 - بقلم دعاء فؤاد

المشاهدات
28
كلمة
5,465
وقت القراءة
28 د
التقدم في الرواية 58%
حجم الخط: 18

مساءً عادت نرمين من الشركة إلى فيلتها التي تعيش فيها بمفردها مع الخادمة والبستاني. قامت بركن سيارتها ثم صعدت إلى غرفتها وقامت بالاتصال بشقيقها بعدما أرسل لها رسالة برقم شخص يدعى راغب. "ألو… أيوه يا نادر.. رقم مين ده اللي أنت بعتهولي؟ رد عليها ببسمة واثقة: "ده يا ستي رقم أشطر هاكر في مصر والشرق الأوسط..واد داهية مالهوش حل." قطبت جبينها باستغراب: "هاكر؟! .. وده هعمل بيه إيه؟! رد ببسمة ماكرة:

"هقولك بس ركزي معايا كويس قوي…" استمرت المكالمة بينهما قرابة الساعة يشرح لها خطته اللئيمة وهي تستمع له بانبهار، فتلك الخطة سوف تقضي على العلاقة بين معتصم وحبيبته تمامًا دون أن يشعر بأن لها يد في ذلك. بمجرد أن أنهت المكالمة معه لم تكذب خبرًا وبدلت ملابسها فورًا واتصلت بالمدعو راغب وعرفته بنفسها وأخبرته أنها تريد مقابلته الآن، فرحب بذلك وأرسل لها مكانه عبر رسالة على الواتساب.

قادت سيارتها قرابة النصف ساعة حتى وصلت إلى مركز لصيانة المحمول وهو صاحبه، فقط يتخذ منه ستارة يواري بها أعماله المشبوهة في تهكير الهواتف والحواسب النقالة وغيره، والتي تدر عليه أموالًا طائلة. استقبلها راغب استقبالًا حارًا وجلسا سويًا في ركن بالمركز به صالون صغير، فأدار دفة الحديث قائلًا بجدية: "عشان نكون متفقين يا هانم…العملية دي هتكلفك كتير." ردت بلهفة:

"أنا ميهمنيش الفلوس خالص…أهم حاجة تنفذ اللي أنا عايزاه بالحرف وبدون أي غلط." "من الناحية دي متقلقيش.. حضرتك هتاخدي من إيدي شغل احترافي." تحمست للغاية وهي تقول: "تمام يلا نبدأ." أعطاها ورقة وقلم ثم قال: "اكتبيلي هنا رقم تليفون الباشا وحساباته على الفيس والإنستا وإكس وكل مواقع السوشيال ميديا اللي مشترك فيها." بدأت تكتب كل ما تتذكره وتعرفه واستعانت بالطبع بهاتفها ثم سألته وهي تكتب:

"على فكرة أنا مش عارفة أي حاجة عن البنت اللي بيحبها ولا حتى اسمها." رد بثقة: "متقلقيش يا هانم..دلوقتي هفتحلك الواتس بتاعه وهتشوفي محادثاته كلها، وأكيد طبعًا في بينهم كلام على الواتس وهقدر أوصلها وأهكر الواتس بتاعها بسهولة." ازدادت بسمتها اتساعًا وهي تفكر بحماس في نجاح تلك الفكرة الشيطانية. "هاتي تليفونك." نظرت له بشك: "ليه؟!

"هفتحلك الواتس بتاعه من تليفونك عشان تتعاملي براحتك في أي مكان وتبعثي الرسايل اللي انتي عايزاها من رقمه كأنه هو اللي بيبعتها." ابتلعت ريقها بقلق لتسأله: "طب هو كده مش هيكشفني ولا هياخد باله؟! "لأ ما أنا هعلمك إزاي تبعتي من غير ما يكتشف إن في حد بيبعت من رقمه غيره."

أومأت وهي تعطيه الهاتف بعدما فتحته له، فأخذه منها ثم أخذ يعبث به حوالي عشر دقائق حتى تمكن من فتح تطبيق الواتساب الخاص بمعتصم من هاتفها، فاتسعت عيناها بدهشة بالغة وهي ترى محادثاته كلها أمام عينيها على هاتفها، وكادت أن تطير من السعادة لنجاح أولى خطوات خطتها، فأخذت الهاتف وتفقدت المحادثات الواحدة تلو الأخرى حتى فتحت محادثته مع ريم وقرأت آخر رسالة منه لها والتي كتب فيها:

"عمري ما ندمت في حياتي على حاجة عملتها قد ندمي على جوازي من غيرك… بس والله العظيم لو كنت أعرف إني هحبك ما كنت اتجوزت قبلك أبدًا.. أنا عارف إني غلطت إني خبيت عليكي من الأول بس كنت خايف تكرهيني وتبعدي عني.. عايزك تسمعيني لو مرة واحدة بس وبعدين قرري.. وأيًا كان قرارك هقبله يا ريم مهما كان."

حين قرأت تلك الرسالة انتفخت أوداجها بغضب بالغ بسبب تقريره بندمه على زواجه بها، ولكن ما هون عليها الأمر قليلًا أن بدا من محتواها أنها ترفضه، فحانت منها نصف ابتسامة وهي تقول بسخرية: "غبية.. في واحدة عاقلة ترفض عصومي! رد عليها راغب باستغراب: "نعم؟! "ها؟! .. لأ ده أنا بتكلم مع نفسي.. بجد ميرسي قوي يا راغب.. بص كده.. ده رقم البنت اللي بيحبها."

أخذ منها الهاتف ثم دون الرقم بورقة، وفي خلال عشر دقائق أخرى كان قد فتح الواتس الخاص بريم أيضًا، فازدادت بسمة نرمين اتساعًا وانبهارًا وأحست أنها قد سيطرت عليهما وأنهما أصبحا لعبة بيديها. استمرت جلستها معه لساعة أخرى يشرح لها كيف يمكنها إرسال الرسائل من أرقامهما من هاتفها دون أن يكتشف ذلك أي منهما، وفي نهاية الجلسة قامت نرمين بتحويل مبلغ هائل لراغب على حسابه البنكي الأمر الذي زاد من حماسته للعمل معها. نهضت أخيرًا لتمد

يدها تسلم عليه وهي تقول: "بجد أنت أبهرتني… وطبعًا دي مش هتكون أول مقابلة لينا." "أنا تحت أمرك يا هانم… وإحنا مع بعض على التليفون…. بس كل طلب بحسابه." حانت منها بسمة صفراء وهي تقول: "آه طبعًا حقك… أنت تستاهل تلقى دهب." هز رأسه وهو يبتسم لها ثم قام بتوصيلها إلى حيث صفت سيارتها، فاستقلتها وانطلقت عائدة إلى منزلها وهي تشعر بنشوة الانتصار.

فقد معتصم كامل تركيزه في أعماله بعدما أخبرته ريم بأنها ستخطب لشخص آخر، وأخذت الأفكار تتوالى على رأسه… ترى من يكون؟! .. هل هو أفضل منه؟! .. هل تحبه؟! .. هل يحبها؟! .. هل وهل وألف هل سألها لنفسه، إلى أن نفذ صبره وضاق أنفاسه من فرط التفكير. بعد وقت طويل من التفكير وعدم التركيز تحدث مع نفسه بصوت عالٍ: "لأااا أنا هفضل قاعد في مكاني كده وأقعد أقول يا ترى!! التقط هاتفه ثم استخرج رقمًا ما ومن ثم قام بالاتصال به فرد عليه

الطرف الآخر ليقول معتصم: "فريد باشا كنت عايز حضرتك تبعتلي بودي جارد يكون ثقة.. مش شرط يكون طول وعرض وعضلات.. أنا عايز واحد عادي هكلفه بحراسة حد عزيز عليا….. تمام يا باشا.. يا ريت تبعته بعربية من عندك وضيف حسابها عليا… يا ريت دلوقتي لو أمكن… تمام أنا في الانتظار.. مع السلامة." أغلق الخط ثم عاد يستند إلى كرسيه وهو يزفر أنفاسه بضيق ويفكر فيما نوى عليه لعله يرتاح قليلًا.

في المساء تناولت ريم وجبة العشاء مع أمها وشقيقها وهي شاردة في مكالمة معتصم وأيضًا طلب خالد الذي جاء في وقت قاتل، لتقرر أن تتحدث مع أدهم ليتناقشا سويًا. "أدهم كنت عايزة أتكلم معاك في موضوع كده بعد العشا.." أومأ وهو يمضغ الطعام بفمه: "ماشي يا حبيبتي أنا تحت أمرك." ابتسمت له بحب وامتنان وبعدما انتهوا قامت ريم بإعداد الشاي ومن ثم قدمته له لتجلس بجواره وأدارت دفة الحديث قائلة:

"في دكتور زميلي أعرفه من أيام الكلية.. بالصدفة قابلته في المستشفى بعد ما نقلت وشغال معايا في قسم الاستقبال… هو أكبر مني بسنتين.. والنهاردة اتكلم معايا واعترفلي إنه بيحبني وعايز يتقدملي." سكت أدهم مصدومًا من كلام شقيقته، كيف تسأله عن مسألة محسومة كهذه… يبدو أن مشكلة معتصم قد أثرت على نفسيتها ما جعلها تتخطى ذلك بتصرف خاطئ كهذا. "إيه يا أدهم… أنت ساكت ليه؟! "لأ ما أنا مستني أشوفك بتتكلمي بجد ولا بتهزري."

"بتكلم بجد طبعًا يا أدهم… هي المواضيع دي فيها هزار؟! "ماهو ده بالظبط اللي عايز أقولهولك." "بمعنى؟! "بمعنى إنك لسه مفوقتيش من صدمة معتصم وإن تفكيرك في غيره بالسرعة دي يعتبر هذيان من الصدمة." هزت رأسها بنفي لترد بإصرار: "لأ يا أدهم الحكاية مش كده خالص." "فهميني الحكاية إيه؟! "معتصم رميته ورا ضهري من اللحظة اللي عرفت فيها حقيقته… معادش فارق معايا.. أنا أصلًا مشاعري ناحيته كانت هشة بدليل إني اتخطّيته بسرعة."

نظر في عمق عينيها ليسألها وهو يضيق جفنيه: "انتي متأكدة إنك اتخطيتيه؟! سكتت لوهلة ثم سرعان ما أومأت بتأكيد: "أيوة متأكدة." "و بالنسبة لزميلك ده… إيه مشاعرك ناحيته؟! هزت كتفيها لأعلى: "مفيش مشاعر تقريبًا.. بس هو محترم جدًا وطول دراستي معاه مشوفتش منه حاجة وحشة ده غير سمعته الطيبة في الكلية وحاليًا في المستشفى كمان." "يعني ده في رأيك كافي لإنك ترتبطى بيه؟! ردت وهي ترفع كتفيها لأعلى وتهز رأسها بتعجب:

"أيوه طبعًا كفاية… بعد اللي مريت بيه مع معتصم اكتشفت إن أهم حاجة الاحترام والوضوح." "والحب يا ريم؟! حانت منها بسمة متهمة لتقول: "حب؟! … الحب ممكن ييجي بعد الجواز عادي." رفع حاجبيه بتعجب من رأيها فاسترسلت بجدية تامة: "يعني انت مثلًا أقرب مثال… أنت اتجوزت ندى ومكنتش تعرف حتى شكلها إيه؟! .. ومع العشرة واضح إنك حبيتها… تنكر؟! رد بجدية وهو في حالة ذهول من تفكيرها وحوارها بالكلية:

"لأ منكرش طبعًا… أنا فعلًا حبيت ندى بعد الجواز.. بس دي مش قاعدة." أمسكت كفيه لتضغط عليهما برجاء: "سيبني أجرب." "الجواز مينفعش فيه تجارب.. دي حياة كاملة وخطوة لازم تخططي لها كويس وتفكري ألف مرة قبل ما تخطيها." "هنتخطب لفترة يا أدهم و أكيد خلال الفترة دي هكون أخدت قراري الصحيح." "أنا خايف تاخدي الخطوة دي بهدف الانتقام من معتصم.. أو عايزة ترديله الضربة مثلًا… ساعتها هتلاقي نفسك بتنتقمي من نفسك مش منه."

"لأ لأ لأ مش كده خالص يا أدهم… معتصم غلطة وندمت عليها وخلصنا.. مش بفكر انتقم ولا أي حاجة من اللي في دماغك دي." نظر لها مطولًا ثم تنهد وهو يقول: "أتمنى ذلك." "يعني مقولتش رأيك برضو." "أقول إيه.. أنا شايف إنك واخدة قرارك أصلًا.. بس مترجعيش تلومي إلا نفسك." ضغطت على كفيه وهي تقول بجدية: "إن شاء الله مش هيحصل لوم ولا عتاب." هز رأسه عدة مرات ثم قال:

"ابعتيلي اسمه وعنوانه وكل اللي تعرفيه عنه في رسالة على الواتس عشان أسأل عنه." احتضنته بامتنان وهي تقول: "ربنا ما يحرمني منك يا حبيبي." في مكتب معتصم يجلس أمامه شاب طويل في الثلاثين من عمره أرسله مدير شركة الأمن الذي يتعامل معها معتصم كما طلب منه آنفًا. "أهلاً يا عمر… أنا عايزك في مهمة محددة الهدف منها تراقبلي بنت أمرها يهمني جدًا وفي نفس الوقت تحرسها وتحميها من أي أذى ممكن تتعرضله."

أومأ الحارس باحترام، فاسترسل معتصم موضحًا أكثر: "أنا عايزك معاها زي ضلها.. أي حاجة غريبة تشوفيها تبلغني بيها فورًا.. أي حد يكلمها أو تخرج معاه تصوره وتبعثلي الصور على الواتس.. خط سيرها تبلغني بيه… متقلقش المهمة هتكون سهلة لأن هي مالهاش أي علاقات وغالبًا من البيت للشغل ومن الشغل للبيت." أومأ وهو يقول: "أنا تحت أمرك يا فندم.. فهمت اللي حضرتك عايزه." هز رأسه عدة مرات ثم قال:

"هبعتلك اسمها ومكان شغلها وكل اللي أعرفه عنها في رسالة… بس عايزك تعرفلي بالظبط عنوان بيتها لأن ده بقى اللي معرفهوش… هي ساكنة في كومباوند في التجمع الخامس بس معرفش مكان البيت بالظبط… وأهم حاجة مش عايزها تحس إنك بتراقبها… مفهوم؟! أومأ بجدية: "مفهوم طبعًا يا فندم حضرتك مش محتاج تنبه عليا في حاجة زي دي." "تمام… مهمتك هتبدأ من بكرة الصبح… هتستناها قدام المستشفى قبل معاد حضور الموظفين عشان تشوفها وتتعرف عليها…"

فتح هاتفه على صورتها وأعطاه الهاتف لكي يراها ويعرفها، فتمعن عمر فيها النظر ليطبع صورتها بذاكرته ثم أعاده لمعتصم وهو يقول: "تمام يا فندم أنا كده حفظت شكلها." هز رأسه عدة مرات ثم قال: "لو نفذت أوامري بالحرف واتبسطت منك هيكون ليك مني مكافأة بخلاف مرتبك من فريد بيه." اتسعت ابتسامته وهو يقول: "إن شاء الله يا فندم أكون عند حسن ظن سيادتك." "إن شاء الله… ده الكارت بتاعي يا ريت تبعتلي رسالة برقمك." أخذ منه الكارت

ثم نهض من مكانه وهو يقول: "أي أوامر تانية يا فندم؟! نهض معتصم ثم مد يده يسلم عليه ليقول مبتسمًا: "متشكر جدًا يا عمر… فرصة سعيدة.. مع السلامه.." خرج عمر من المكتب مغلقًا الباب خلفه، فعاد معتصم لكرسيه مسترخيًا عليه وهو يتنهد بارتياح… فعلى الأقل سيعرف إن كانت تتلاعب به أم أنها جادة فيما يخص خطبتها من آخر. عودة لحمد بمحافظة سوهاج…

لاحظ أن صافية لم تصل منذ صلى بها ليلة الزفاف، فانتهى من تناول غدائه معها ثم أجلسها بجواره على الأريكة وأدار دفة الحديث قائلًا برفق: "صافية انتي مبتصليش ولا إيه؟! أطرقت رأسها بخجل وهي تقول: "لأه." "ليه؟! .. عندك عذر يعني يمنعك من الصلاة؟! رفعت رأسها له لترد بعفوية: "لأه.. بس أمي…" لم تكمل كلامها وأسرعت تكمم فمها بكفها خوفًا من تحذيره السابق من ذكر سيرة أمها أمامه، فضيق جفنيه بترقب متسائلًا: "إيه؟!

.. أوعي تقوليلي إن أمك قالتلك متصليش؟! أسرعت تصحح بعفوية: "لأه.. إني كنت هقول أمي معلمتنيش الصلاة… يعني بصلي كده كل فين وفين." هز رأسه بعدم رضا ليقول بنبرة لينة: "طب ينفع بنوتة كبيرة زيك كده متصليش؟! زمت شفتيها وهي تقول: "مبعرفش… بس بدي أشوف حد بيصلي وأني راح أصلي زيه." "قصدك حد يشجعك يعني؟! هزت رأسها بإيجاب فابتسم لها وهو يقول: "وأنا روحت فين؟! .. من النهاردة نشجع بعض ونصلي سوا… تمام؟!

ابتسمت وهي تومئ بموافقة، فشعر بكثير من الارتياح، على الأقل بدأت تستجيب. "حمد." "اممم." "عايزة أقولك على حاجة بس سايق عليك النبي ماتزعلش عليا." "قولي متخافيش." أخذت تفرك كفيها بتوتر وهي تقول: "أمي اااااا….." حثها بقوله: "كملي.. قالتلك إيه؟! "سألتني على الجماشة البيضا." انتفخت أوداجه بغضب ولكنه كظم غيظه وهو يسألها: "و قولتلها إيه؟! ردت بعفوية: "قولتلها إنك لحجتها (رميتها) في الزبالة." "اممم وقالتلك إيه؟!

"زعجت عليا وقالت أبصر شرفك ولا مدري كيف… مفهمتش من كلامها حاجة واصل." ضحك حمد بملء فمه وهو يقرص وجنتيها ويقول: "طفلة يا ربي… والله طفلة." أنزلت يده بغضب وهي تقول بضيق: "لأه إني مش طفلة يا حمد… إني زميلاتي اتجوزوا وخلفوا كمان." سكت مليًا يتأمل ملامحها المتذمرة بغضب طفولي، ثم احتضن كفيها بين كفيه وهو يقول:

"أنا خايف عليكي يا صافية… انتي صغيرة أوي على الجواز ومسؤولياته… انتي اللي قدك لسه بيلعبوا وبيتعلموا وبيخرجوا وبيتفسحوا.. لسه بدري على الخطوة دي." ردت عليه ببراءة وهي تضحك: "الكلام اللي بتقوله ده بيحصل في الأفلام بس يا واد عمي… خيتي كريمة عنديها عشرين سنة ومعاها أربع عيال ربنا يخليله." ضحك حمد من تلك العقيدة المترسخة في ذهنها كما لقنها والديها والناس من حولها ثم سألها وهو يرفع حاجبيه بمكر:

"طب انتي عارفة الناس بتخلف العيال إزاي؟! اقتربت برأسها من أذنه فقام بدوره بتقريب رأسه منها وهو في حالة من الدهشة ثم تحدثت بهمس وكأن أحدهم سيسمعها: "إني سألت كريمة خيتي كتير… بس مراضيتش تجولي… طوالي تزعج عليا وتجولي اتحشمي يا بت.. هتعرفي لما تتجوزي." رفع حاجبيه وكأنه متفاجئ يسألها بذات الهمس: "بجد؟! هزت رأسها بإيجاب وهي تقول بثقة هامسة: "أيوه… زي ما بجولك كده." ضحك للمرة التي لم يعرف عددها وهو يجذبها إلى حضنه ويحيطها

بذراعيه ويقول بخفوت: "والله يا ربي متجوز طفلة." سمعته لتضرب صدره بكفها الصغير بتذمر وهي تتمتم بغضب: "سامعاك يا واد عمي." "أي إيدك تقيلة يا طفلة." أخذت تزيد في ضربه كلما نعتها بتلك الكلمة وهو لا يتوقف عن ترديد تلك الكلمة عنادًا لها ولكي يرى غضبها الطفولي الذي أحبه منها ووجهها المرح الذي يراه لأول مرة. ترك أدهم شقيقته بتخبطها ثم سار نحو غرفة ندى، وحين دخل الغرفة وجد أمه تجلس معها في انتظاره لتسأله بقلق:

"إيه يا أدهم… ريم كانت عايزراك ليه.. أنا سبتكم تتكلموا براحتكم عشان هي بتضايق لما بتدخل بينكم." "قبل كفها بحب: "حبيبتي انتي تدخلي زي ما انتي عايزة…دا انتي الخير والبركة يا ست الكل." "يابني قول قلقتني." تنهد بعمق ثم قال: "مش هتصدقي يا ماما…بتكلمني على واحد زميلها في المستشفى عايز يتقدملها." اتسعت عينيها بدهشة: "نعم؟! ..هي اتجننت دي ولا إيه؟! "وده بالظبط كان رد فعلي."

"طب وبعدين…انت عارف إنها بتتصرف كده من صدمتها..و أكيد هي مش واعية للي بتعمله ده..آه يا ريم هتجننيني." "أنا عارف يا ماما إن تفكيرها في الوقت الحالي مشوش بس للأسف هي مصممة تخوض التجربة…انتي عارفاها عنيدة قد إيه؟ ..ومبتقتنعش غير لما تنفذ اللي في دماغها." "آه انت هتقولي…فاكر لما صممت تستلم شغلها في الصعيد؟! ..مع إنك كنت هتنقلها في لحظة بس هي صممت وفي الآخر مكملتش هناك شهر ورجعت تقول يا ريتني." هز رأسه بقلة حيلة:

"أنا بحاول مزعلهاش عشان حالتها النفسية مش مظبوطة وبسيبها تجرب بنفسها عشان تتعلم… بس الظاهر إني كنت غلطان… وكان لازم أشد عليها شوية." تدخلت ندى في الحديث قائلة: "اسمحيلي يا أدهم… ريم شخصيتها قوية جدًا وفي نفس الوقت هشة جدًا وأقل حاجة بتدمرها… فخليها تكتشف بنفسها إيه القرار الصح وإيه الغلط ساعتها هتكون مقتنعة أكتر… وفي الأول والآخر دي هتكون مجرد خطوبة.. لو ليهم نصيب في بعض هيكملوا.. والعكس صحيح." هز رأسه

عدة مرات ثم قال بجدية: "أنا للأسف مضطر أسايرها المرة دي كمان لحد ما نشوف آخرتها إيه؟! ربتت أمه على فخذه تطمئنه: "خير يا حبيبي إن شاء الله… خير." توالت الأيام على الأبطال دون جديد يذكر سوى أن عمر يراقب ريم كما أمره معتصم وقد عرف عنوانها تفصيليًا وأرسله إليه، كما أنه التقط لها صورًا مع خالد أثناء خروجهما من المشفى وأرسلها أيضًا إلى معتصم.

علم عمر مؤخرًا من رجال الأمن بقسم الاستقبال أن حفل خطبة خالد وريم ستقام يوم الخميس المقبل وهو آخر يوم لندى في أيام عزلها بسبب الكورونا. بالطبع أصابته صدمة بالغة وشعر أن الدنيا تهيم به وأحس بالعجز التام… فحبيبته التي يحلم ليل نهار باقتران اسمها باسمه ستكون ملكًا لغيره.

وبالطبع نرمين تلك الأفعى مازالت تراقب محادثات معتصم ورأت محادثته مع عمر وما يرسله له من صور لريم، الأمر الذي جعلها تكاد تفقد عقلها… ألهذا الحد قد هُوِسَ بها معتصم؟! .. لدرجة أن يراقبها وينتظر أخبارها؟! كانت ريم تتزين في غرفتها ومعها ندى وقد تحسنت كثيرًا و لكن لا تزال ترتدي الكمامة، وشقيقتها روان استعدادًا لحفل خطبتها على خالد.

ولكن رغم أنه كان من محض اختيارها إلا أنها لم تكن سعيدة أبدًا، كانت تغتصب الابتسامة على شفتيها… فقد سيطرت صورة معتصم بوسامته وهيبته على عقلها تمامًا خاصة في هذا اليوم بالذات، ولكن لا مجال للعودة والتراجع. طرقت وفاء الخادمة الباب لتفتح لها ندى، فاعطتها باقة رائعة من زهور الأورجانزا ثم قالت: "في واحد جاب البوكيه ده للدكتورة ريم." التقطته منها وهي تتأمله بإعجاب بالغ: "متعرفيش مين ده؟!

"لأ يا هانم.. تقريبًا واحد من عمال المحل." هزت رأسها بإيجاب ثم شكرتها وأغلقت الباب، ثم سارت نحو ريم وأعطتها الباقة: "ريم حد باعتلك البوكيه ده." "مين يا ترى؟! التقطت الباقة ثم لمحت تلك البطاقة الحمراء المدون عليها بعض الكلمات فقامت بقرائتها حيث كتب فيها: "مبارك الخطوبة … بتمنالك السعادة من كل قلبي.. وبتمنى إنك تكوني مبسوطة بحياتك الجديدة.. بس للأسف عارف إنك مش مبسوطة…. معتصم."

حين انتهت من قرائتها بدأت يديها ترتجفان وعينيها تتساقط منها العبرات ثم ضاقت أنفاسها قليلًا وعالت شهقاتها، فاحتضنتها روان وهي تصيح بها: "ريـم… مالك يا حبيبتي.. اهدي.. اهدي يا ريم.. إيه اللي حصل بس… ندى بسرعة نادي أدهم." خرجت ندى وهي تركض لتستدعي أدهم لغرفة شقيقته، فدلف الغرفة مذعورًا ليصعق بمظهر ريم المذري ليبعد روان عنها ويحتضنها وهو يقول بحنو: "اهدي.. اهدي يا حبيبتي خلاص أنا معاكي.. إيه اللي حصل يا روان؟!

أعطته تلك البطاقة التي قرأتها ريم للتو فأخذها منها ليقرأها، فانتفخت أوداجه بغضب وهو يسب ويلعن به بخفوت وألقى بها على مد ذراعه ثم عاد يشدد من احتضان أخته المذعورة وهو يتمتم بهمس حانٍ: "ريـم اسمعيني… لو عايزاني أطلع دلوقتي أنهي كل حاجة وأعتذر لخالد هعمل كده لو ده هيريحك… انتي قلبك مش معاكي يا ريم… اسمعيني يا حبيبتي متضغطييش على نفسك أكتر من كده." بدأت شهقاتها تقل رويدًا رويدًا إلى أن هدأت تمامًا ثم ابتعدت

عن حضنه وقالت بجدية تامة: "لأ يا أدهم…في الأول والآخر استحالة هرجعله بعد اللي عمله.. مفيش داعي للي انت بتقوله.. أنا بس كانت أعصابي تعبانة شوية فعيطت غصب عني.. بس الحمد لله أنا بقيت أحسن دلوقتي.. هغسل وشي وهظبط الميكاب وأخرج… زمان خالد وعيلته على وصول." نظر لها مطولًا ثم سألها بتوجس: "متأكدة إنك كويسة يا ريم؟!

هزت رأسها وهي تبتسم له حتى لا تثير ريبته وقلقه، فتركها وهو يتوعد في نفسه لمعتصم أن أحزن شقيقته وأوصلها لتلك الحالة السيئة. لم يكن أحد سعيدًا في ذلك الحفل سوى خالد وعائلته، بينما ريم كانت تتظاهر بالسعادة وأدهم لم يستطع أن يغض الطرف عنها ولو لحظة، فقد كان قلقًا عليها للغاية ويشعر بها تمامًا وما يموج بقلبها من تخبط. انتظر أدهم بزوغ شمس اليوم التالي بفارغ الصبر ليلقن ذلك الأرعن درسًا نظير فعلته بأخته بالأمس.

من حسن حظ أدهم أن معتصم بات تلك الليلة العصيبة بمكتبه بالشركة، فقد كانت حالته سيئة لدرجة لا تسمح له بمواجهة أي شخص ما. استقل سيارته في الصباح الباكر ليأخذ طريقه إلى شركة معتصم وهو يتوعد له.

وصل إلى الشركة وصعد إلى الطابق الذي يقطن به مكتبه، فتخطى السكرتيرة ودلف مباشرة إليه دون أن ينبس ببنت شفة، وحين انفتح الباب فجأة وقف معتصم ليتفاجأ بمثول أدهم أمامه وشرارات الغضب تتطاير من عينيه، فأدرك أنه جاء ليحاسبه على فعلته بالأمس. "مش عيب يا أدهم بيه لما ضابط محترم زي حضرتك يتهجم على واحد في محل عمله." سار إليه بخطى واسعة حتى أمسكه من تلابيبه وهو يصيح بغضب: "هو انت لسه شفت عيب يا ابن الـ…" نفض معتصم

ذراعيه وهو يرد بانفعال: "احترم نفسك ومتشتمش… متنساش إنك في مكتبي." "تصدق خوفت يلا…انت عايز إيه بالظبط من اختي… هو أنا مش حذرتك متقربش منها يا حيوان." رد معتصم وهو يصيح بغضب: "قولتلك متشتمش…" ثم تحولت نبرته للبرود وهو يضع يديه في جيبي بنطاله: "وبعدين حبيت أبارك للدكتورة ريم…. مغلطتش يعني." صاح به بغضب بالغ: "وتباركلها بصفتك إيه؟! .. ها؟! .. وبالنسبة للي كتبته على الزفت؟! رد عليه بنبرة باردة:

"أنا مكتبتش حاجة عيب ولا غلط… أنا كتبت الحقيقة.. آه معلش أصل هي دايمًا كده الحقيقة بتوجع." أخذ أدهم يضغط فكيه بتغيظ شديد، فإنه يذكره بكلماته التي قالها له آنفًا. اقترب أدهم برأسه إلى رأسه للغاية ثم قال بصوت كالفحيح: "وغلاوة ريم عندي لو فكرت تقربلها أو تضايقها لكون حابسك في تأبيدة يا.. يا معتصم بيه." رفع حاجبيه وهو يرد عليه بنبرة تمثيلية: "لأ بجد خوفتني…" ثم علت نبرته ليقول بانفعال بالغ:

"اسمع يا أدهم باشا… ريم هتفضل حبيبتي لآخر يوم في عمري شئت أم أبيت.. وأوعى تفتكر إني خايف منك.. أنا قادر أغلط فيك زي ما بتغلط فيا وأضربك كمان لو لزم الأمر… بس أنا عامل خاطر لريم لأنك أخوها اللي بتحبه وبتحترمه… ولولا ريم بينا لكنت شوفت مني وش ربنا ما يوريهولك." حانت من أدهم بسمة ساخرة ليقول بوعيد: "هدد براحتك يا سي معتصم… وعلى جثتي إن ريم تكون ليك." بالكاد سيطر معتصم على أنفاسه المتسارعة ثم وضع يديه في جيبي بنطاله

وهو يقول بنبرة غليظة: "شرفت يا أدهم بيه." ألقى عليه أدهم نظرة حارقة ثم تركه وعاد إلى سيارته وهو يستشيط غضبًا من ردود فعل معتصم الباردة المستفزة، فقرر العودة للمنزل ليرتدي ملابسه الميري ليستكمل عمله على أية حال.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...