عودة إلى الوقت الحالي… حفل الزفاف البسيط المقام على متن باخرة نيلية، انتهى الحفل على خير رغم غضب أسرته من جفائه الظاهر واللامبالاة التي تحلى بها. استقل أدهم سيارته بعروسه إلى منزله الكبير المكون من طابقين وأمامه حديقة صغيرة وجراج للسيارات.
كان من ضمن شروط موافقته على الزواج بندى هو إقامته بشقة والدته التي يقيم بها حاليًا، ناوياً في قرارة نفسه أن شقته والذي كان يقوم بتجهيزها لن تدخلها عروس أخرى سوى “دارين” ولو بعد حين. وقد وافقت السيدة تيسير بل واستحسنت ذلك الأمر حتى تقوم بتوجيهه في تعامله مع ندى دائمًا، فهي تعلم أنه طالما تزوجها رغماً عنه فسوف يكون فظًا معها حتى وإن لم يقصد ذلك.
ولكنها قررت أن تتركهما لثلاثة أيام وتقيم عند روان ابنتها حتى يخلو لهما الجو في تلك الأيام القلائل. بعد عدة دقائق كانت ندى تخطو بقدميها إلى داخل الشقة الواسعة بقلب وجل وأطراف مرتعشة، تتمنى أن تمر الليلة على خير ما يرام. أغلق أدهم باب الشقة في حين تقف ندى أمامه مولية ظهرها ناحيته، فأخذ نفساً عميقاً، وحاول رسم ابتسامة صافية على شفتيه، فكسر الخواطر ليس من شيمه.
ثم تقدم حتى أصبح خلفها تماماً تستطيع سماع أنفاسه الهادئة، فتجرأ وقام بإحاطة خصرها بيديه الأمر الذي أصابها بالقشعريرة. وقام بإدارة جسدها نحوه لتصبح بمواجهته، لتقابل هي تلك الابتسامة الساحرة التي أذابتها، بينما اتسعت ابتسامته حين رأى خجلها ظاهراً في اشتعال وجنتيها بحمرة جميلة زادت ملامحها الطفولية براءة وجاذبية. "مبروك يا ندى." ابتسمت بخجل وهي مطرقة الرأس قائلة: "الله يبارك فيك يا أدهم."
ترك خصرها ثم أمسك يدها وسار بها باتجاه إحدى الغرف وقام بفتحها ودلفا إليها سوياً، ثم قال لها بنبرة جادة: "دي أوضتنا يا رب تعجبك… روان هي اللي اختارت كل حاجة فيها على ذوقها." أخذت تدور بعينيها في أنحاء الغرفة بإعجاب واضح، فقد كانت رقيقة للغاية، مطلية باللون الوردي الزاهي وأثاثها من اللون الأبيض وستائر من الشيفون في منتهى الرقة. "ذوقها جميل قوي.. تسلم إيديها." أومأ برأسه موافقاً ثم قال:
"أنا هسيبك تغيري براحتك وهروح أغير هدومي في أوضتي." ردت باستنكار: "أوضتك؟! ازدرد لعابه بتوتر قائلاً بمراوغة: "آه ماهي دي أوضة روان قبل ما تتجوز أصلاً وهي جهزتها لينا إحنا الاتنين… إنما أنا ليا أوضة هناك في الناحية التانية من الشقة وفيها هدوم ليا وكل متعلقاتي الشخصية." تجهم وجهها بضيق بالغ، فمرة أخرى يجعلها تخشى من فكرة لطالما أنكرها قلبها بشدة وتهرب منها. هزت رأسها دون أن تنطق، فالصدمة جعلتها غير قادرة على الرد.
"في هنا حمام صغير عشان تكوني براحتك… عن إذنك." بمجرد أن خرج وأغلق الباب، هوت بجسدها على حافة الفراش والصدمة قد احتلت جسدها بالكامل. ثم ما لبثت أن انخرطت في بكاء مرير حاولت كتمانه حتى لا يسمعها، فيبدو أن أباها قد خدعها، فمن الواضح أن أدهم مجبور على تلك الزيجة، وأنها غير مرحب بها في حياته، فليس هذا بسلوك عريس انتظر عروسه وتلهف للقائها.
بعد فترة من البكاء والرثاء لقلبها الملتاع، قررت أن تتعامل معه على أساس أنها أيضاً مجبرة على الزواج منه مثله تماماً، فيكفيها صدمات وبعثرة لكرامتها إلى هذا الحد.
خلعت فستانها وألقت به بعنف على أرضية الغرفة، والتقطت ملابسها ودخلت المرحاض المرفق بالغرفة وقامت بالاغتسال وتوضأت وارتدت بيجامة صيفية ثم ارتدت فوقها إسبال الصلاة، وقامت بتشغيل بوصلة هاتفها للتعرف على اتجاه القبلة ثم شرعت في الصلاة تتصبر بها على ما أصابها من خذلان وهوان. أما أدهم قام بالاغتسال وتبديل ملابسه لتي شيرت وبنطال منزلي وصلى ما فاته من فروض، ثم وقف بشرفة غرفته يتنفس هواءً عليلاً لعله يلملم شتات نفسه.
أخذ يدور بالغرفة ذهاباً وإياباً، غير قادر على أخذ الخطوة التالية مع من هي من المفترض أن تكون زوجته، حتى أعياه التفكير، فاضطر لأن يحادث آسر عبر الهاتف لعله يساعده أو يحصل منه على نصيحة…
"ألو.. آسر……اسمعني يا زفت للآخر……مش قادر آخد الخطوة…..حاسس إنها غريبة عني……إزاي عايزني أقرب من بنت لا كنت شفتها ولا أعرفها ومطلوب مني أحبها بين يوم وليلة……أنا مش ساحر يا آسر…….مش قادر……مش قادر………مش عايز أكسر بخاطرها وفي نفس الوقت حاسس إني هكسرها أكتر لو قربت منها غصب عني لأنها أكيد هتحس وهتفهم…….خلاص اقفل مش عايز منك مساعدة" لم ينتظر رده وأغلق الهاتف سريعاً، فقد كان كل كلام آسر اتهامات وهجوم على أدهم.
بعد وقت ليس بالطويل قرر الذهاب إليها وليترك الأمور تسير كما هو مقدر لها أن تسير. قام بطرق باب غرفتها ففتحت له لتطل عليه بإسبال الصلاة، فتنحنح قائلاً بتوتر: "يلا عشان نتعشا؟! أومأت له بإيجاب، فاسترسل قائلاً: "الشغالة جهزت الأكل على السفرة ومشيت.. تعالي ناكل قبل ما الأكل يبرد." "ماشي يلا." ناظرها بدهشة قائلاً: "هتاكلي بإسبال الصلاة؟! ردت بابتسامة صفراء لم تتخط شفتيها: "عندك مشكلة؟! "لا أبداً براحتك."
سبقها إلى طاولة الطعام وسارت خلفه، فأجلسها إلى الطاولة وجلس قبالتها وشرعا في تناول الطعام في صمت تام، صمت بليغ جعلها تتأكد من أنه بالفعل لا يحبها ولا تتوق ولو للحظة للقائها كما زعم أبوها. أنهت طعامها سريعاً، فقام بدوره بإنهاء طعامه، ثم نهضت لتلملم الأطباق وتذهب بها إلى المطبخ حيث أشار لها.
عادت من المطبخ وتوجهت مباشرة إلى غرفتها، فتفاجئت به يجلس على حافة الفراش ينتظرها وتبدو على ملامحه علامات التوتر، فقد كان شعره الطويل أشعث من كثرة تخليل أصابعه بخصلاته كناية عن توتره، وعيناه تدوران في أنحاء الغرفة سواها، كما أنه كان جالساً وظهره مائلاً للأمام مستنداً بذراعيه إلى ركبتيه وهو يتنفس بوتيرة سريعة.
حين دخلت بقي على وضعه فقط رفع عينيه لينظر إليها نظرة خاوية من أي مشاعر، نظرة فهمتها جيداً، ثم حاد بناظريه بعيداً عنها. "أدهم…إنت مكبر الحكاية كدا ليه… خلاص مهمتك خلصت وتقدر دلوقتي تروح تنام في أوضتك." عقد ما بين حاجبيه باستغراب، ثم نهض ليقف أمامها بقامته الطويلة بالنسبة لقامتها القصيرة متسائلاً بدهشة: "قصدك إيه بالظبط." ردت بنبرة موجعة حاولت جعلها عادية:
"أقصد إن خلاص التمثيلية خلصت… واضح إنك وافقت على الجوازة دي وانت مضطر… زيي بالظبط.." راح ينظر إليها بعدم تصديق، لقد أتى الفرج من حيث لا يتوقع، لا تدري أنها بكلماتها تلك أزاحت عن كاهله حملاً ثقيلاً، وجعلت مهمته معها أكثر سهولة. "ندى إنتي بنوتة جميلة وأي شاب يتمناك.. كل الحكاية إن مكانش في وقت نتعرف على بعض ونقرب لبعض عشان الجوازة دي تتم زي أي جوازة."
"مفيش داعي تقول أي مبررات يا أدهم… أنا فاهمة كل حاجة كويس أوي… وأنا مش زعلانة منك.. بالعكس أنا ممتنة ليك إنك نفذت رغبة بابا واتعهدت بحمايتي وخليته مطمن عليا…. هنضطر نستحمل بعض فترة كدا لحد ما الأمور تهدى وبابا يطمن عليا وبعد كدا كل واحد يشوف طريقه." أغمض عينيه بارتياح كبير، الأمر الذي جعلها تحدث نفسها قائلة: "يا يا أدهم.. للدرجادي أنا كنت هم تقيل على قلبك." اغرورقت عيناها بالعبرات ولكنها أخفضتهما سريعاً
للأسفل وهي تقول: "ممكن تخرج عشان تعبانة وعايزة أنام." أومأ بإيجاب ثم مر من جانبها وهو يقول: "أوضتي قصاد أوضتك في الجهة التانية لو احتاجتي حاجة تعاليلي في أي وقت… يا ريت متتكسفيش مني… تصبحي على خير." أومأت برأسها دون أن تنطق أو حتى ترفع عينيها إليه، فقد اختنق صوتها بالبكاء، وفي الأخير أطلقت لدموعها العنان حين سمعت صوت الباب ينغلق.
بينما أدهم تمدد بفراشه بأريحية بعدما أحس بأنه أصبح حراً وكأنها كانت تقيده من رقبته، وأخذ يفكر بدارين وكيف هي الآن وكيف ستكون خطته التالية تجاهها…
فكر أيضاً في موقف والدته إن علمت بما حدث الليلة بعد عودتها من منزل روان شقيقته، حتماً لن تمررها له مرور الكرام، ربما تتأزم حالتها الصحية أيضاً، فهو يعلم جيداً مكانة ندى لديها وأنها لن تقبل بتاتاً البتة بذلك الوضع… لذلك أقر أن يتفق مع ندى على إخفاء ذلك الأمر عن أمه لحين إشعار آخر.
نام كل منهما في غرفته، وحين أذن الفجر، نهضت ندى لتؤدي صلاتها، وبعدما انتهت أحست أن حلقها قد جف، فخرجت من غرفتها وهي مرتدية إسبال الصلاة ولكن شعرها مكشوف وطرحتها متدلية على كتفيها.
سارت باتجاه المطبخ ثم دخلته وقامت بملء كوب ماء من المبرد وشربته وحين همت بإعادته لمكانه تفاجئت بأدهم يدخل من باب المطبخ بملامح ناعسة وشعر أشعث ووجهه محمر من أثر النوم، فوضعت الكوب سريعاً على المنضدة ثم قامت بلف طرحتها لتغطي شعرها بالكامل باضطراب، الأمر الذي أثار دهشة أدهم للغاية، وراح يحدثها بنبرة متحشرجة وهو مقطوب الجبين: "إنتي بتغطي شعرك مني ليه؟! .. دا أنا جوزك برضو." ابتسمت بسخرية ثم ربعت
يديها أمام صدرها وهي تقول: "بعد الكلام اللي قولناه امبارح مبقتش جوزي ولا أنا مراتك." رفع حاجبيه متسائلاً: "بمعنى؟! تنهدت بألم حاولت إخفائه ثم قالت بجدية: "عقد الجواز كان هيكون صحيح لو مفيش فيه الشرط اللي اتفقنا عليه امبارح." "شرط إيه مش فاهم." "إحنا اتفقنا إننا هنستحمل بعض فترة معينة وبعدين ننفصل ودا معناه إن العقد مؤقت والشرط دا أبطل عقد الزواج… وأنا دلوقتي مش مراتك وميحقش ليك أي حقوق من حقوق الزوجة على زوجها."
أخذ يحاول استيعاب ما تقوله بتتمعن ثم ما لبث أن سألها بتعجب: "إنتي متأكدة من الكلام دا؟! .. إنتي أصلاً جايبة المعلومات دي منين؟! أجابته بثقة: "أنا عندي مكتبة معظمها من كتب الشريعة والفقه ودايماً بقرا فيها وعندي حصيلة معلومات كبيرة وأي حاجة بتقف قصادي برجع للكتب دي." ناظرها بإعجاب واضح جعله يشعر كم هي رائعة بالنسبة لمثيلاتها من الفتيات، ثم تنحنح متسائلاً بترقب:
"ماشي بس العقد اتكتب بموافقتك وبعلمك… أنا متجوزتكيش من وراكي..و في شهود وإشهار وكل الشروط مظبوطة." "أدهم افهم… أنا قولت العقد صحيح لو مكنش وقفناه على شرط.." أومأ متفهماً، ثم ربع يديه أمام صدره وهو يقول متنهداً بعمق: "لحد امتى يا ندى؟! .. واضح إن الوضع دا هيستمر كتير ومش هنقدر نخبي على الناس اللي حوالينا فترة طويلة…مش عارف أصلاً ماما هتتقبل الوضع دا إزاي؟! تشققت ملامحها بقهر هاتفة به بحدة:
"والله بقى دي مشكلتك انت… وانت المسؤول تحلها.. أنا بالنسبالي اضطريت أقبل بالأمر الواقع وكنت هكمل في الجواز منك عادي على أساس إنك متجوزني بإرادتك…بس كويس إن الحال من بعضه." رد عليها بحدة: "إنتي تقصدي إيه بالظبط؟! … إنتي تطولي أصلاً تتجوزي واحد زيي؟! "الحمد لله مبطولش…" قالت كلمتها بسخرية ثم مرت من جانبه لتتركه منصدماً من ردها وهي تتمتم بغضب (واحد مغرور)
… ثم ما لبث أن ضحك رغماً عنه حين فهم كلمتها ومقصدها من فارق الطول بينهما، فتوقفت عند باب المطبخ وعادت تنظر إليه وهو موليها ظهره وكأنها تذكرت شيئاً لتوها لتقول: "وآه على فكرة….لو كنت أعرف إن دي نيتك في الجواز مني مكنتش سمحتلك تلمسني ولا تمسك إيدي ولا ترقص معايا.. ربنا يسامحنا ويغفرلنا بقى." أنهت كلماتها ثم تقدمت من الباب لتغادر، ولكنها عادت مرة ثالثة لتقول بنبرة جامدة:
"متنساش تصلي الفجر… كلها دقايق ووقت الشروق هيدخل وهيفوتك الفجر." التفت إليها لينظر لها بحدة قائلاً: "والله مش محتاجك تفكريني… إنتي فاكرة محدش بيصلي الفجر حاضر غيرك ولا إيه؟ ابتسمت بانتصار أن استطاعت استفزازه لعلها تثأر ولو قليلاً لكرامتها، ثم تركته يهمهم بضيق واتجهت لغرفتها وأغلقتها عليها جيداً وقررت أن تنعم بنوم هانئ وتنسى ما لاقت من أحداث مؤسفة تلك الليلة. في صباح يوم جديد في إحدى قرى محافظة سوهاج….
ترجل من سيارته حديثة الطراز بطوله الفاره وجسده الرياضي عريض المنكبين ولون بشرته البرونزية من أثر حرارة الشمس الحارقة ولحيته المهذبة النامية، وعينيه العسليتين الثاقبتين مرتدياً بنطال جينز أسود وقميص سماوي كاجوال يعلوه بليزر كاجوال أسود من الشمواه ونظارة شمس قيمة.
ثم ترك السيارة للخفير النحيل ليقوم بتنظيفها، واتجه إلى مضيفة المنزل حيث تجلس أمه، تلك السيدة المسنة التي تتشح بالسواد منذ وفاة زوجها ذات ملامح مصرية أصيلة يشبهها ولدها البكري معتصم كثيراً، لذلك هو حسن الخلقة جميل الملامح مثلها تماماً. انحنى معتصم ليلثم يدها باحترام، فقامت بدورها بمقابلته ببسمة واسعة وهي تقول: "حمد الله على سلامتك يا ولدي." "الله يسلمك يا حاجة… كيفك وكيف صحتك أكده."
"بخير طول مانت بخير يا وليدي….عملت إيه مع الناس اللي كنت رايح لهم في مصر." جلس بجوارها ثم قال بجدية: "كل خير يا أمايا… الحمد لله مضينا عقد الشراكة والمصنع بقى مصنعين وعينت هشام جوز أختي رئيس مجلس الإدارة وحمد أخوي امعاه طبعاً، أهو يتعلم منه الشغل… إنتي خابراه هشام واعر أف شغل الإداريات وقُمان مش هلاقي حد أحسن منه يدير الشركة وأني أهنه في البلد." مسدت على كتفه بحنو وهي تقول بنبرة عاتبة:
"جولتلك يا ولدي خليك أهناك ف مصر حدا شركاتك ومصانعك واحمل هم مالك وأني أهنه مرتاحة وعايشة في خير أبوك الله يرحمه… مش طالبة حاجة من الدنيا واصل غير إني أسمع عنك انت وخواتك خير.. بدل البهدلة كل شوية بين أهنه وأهناك.. المسافة طويلة وأني بجلج عليك طول ما إنت سايج ومسافر." انحنى ليقبل رأسها ثم قال بنبرة حانية:
"مقدرش أسيبك يا أماي…ميعديش يومي من غير ماأصبح بالجمر اللي جاعد جدامي ده… إلا بجى لو ناوية تيجي تعيشي معايا أهناك." ردت بسرعة وبنفي قاطع: "لاه… البلد والدار دياتي روحي فيهم… مش راح أفارقهم واصل لحد ما أندفن في تربتي." قبض على كفيها وهو يقول: "بعد الشر عنيكي يا جمري…دا إنتي نوارة البلد كلها..غير مجرى الحديث وهي تقول بضيق نوعاً ما: "روح… روح غير خلجاتك على ما البت نعمة تجهزلك الفطور… إني هستناك نفطروا سوا."
"حاضر يا أمايا… ربع ساعة بالكثير وأدلي أفطر امعاكي." غادر معتصم مجلس والدته متجهاً إلى غرفته وهو نادماً على ما تفوه به من حديث تكرهه والدته دائماً وأبداً، ليأخذ حماماً بارداً ثم يبدل ملابسه إلى الجلباب الصعيدي المعروف، ثم يعود لأمه مرة أخرى بهيئته الصعيدية التي دائماً تفضلها وتحب أن تراه بها.
ما كاد معتصم يدس قطعة الفطير المشلتت في طبق العسل حتى أتاه صوت أحدهم يكتسح المضيفة ومن خلفه خفيره النحيل سمعان يصيح به ويحذره من الدخول بدون استئذان، بينما الآخر لم يبالي له، فقد كان في أقصى درجات غضبه، وحين أصبح ماثلاً أمام كبير البلدة “معتصم البدري” أخذ يلوح بيده بانفعال بالغ: "بجى أكده يا كبيرنا… حتت بت مصراوية متسواشي في سوق الحريم بصلة تجولي إني يا جاهل يا متخلف؟!
…والله يا كبير لولا إنها حرمة لكنت جلتها ورميتها لكلاب السكك ينهشوا بلحمها." وقف معتصم أمامه والغضب قد تجلى بملامحه الحادة وهتف بالماثل أمامه بترقب: "إوعاك تكون بتتحدث عن ضاكتورة الوحدة اللي لسة جاية من مصر مبجلهاش يامين؟! "هي بعينها يا مِعتِصم بيه." أخذ يصتك فكيه من الغيظ وهو يتمتم بغضب جامح: "واه يا بت الفرطوس… بجى حتت مفعوصة زيكى تخلي كل يوم رجالة بشنبات يجروا يشتكوا منكِ!!
… أومال لو جعدتي شهر قُمان عاد هتعملي فينا إيه أكتر من أكده؟! هتف بصوت رج أنحاء المنزل… "سمعاااان… تروح للبت دي الوحدة وتجيبها لي دلوق… مفهوم." أخذ يرتجف وهو يقول باهتزاز: "ما… مفهوم يا كبير." كانت الحاجة أم معتصم تتابع ما يحدث باستنكار شديد، وطلبت من ولدها أن يقوم بردع تلك الفتاة الطائشة والتي تخطت حدودها مع رجال القرية، فعاد لمجلسه مرة أخرى وهو يتوعد لها. يتبع…
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!