الفصل 3 | من 45 فصل

رواية مهمة زواج الفصل الثالث 3 - بقلم دعاء فؤاد

المشاهدات
23
كلمة
2,953
وقت القراءة
15 د
التقدم في الرواية 7%
حجم الخط: 18

عاد من عمله في ساعة متأخرة من الليل، فقد كان مشتتا طيلة اليوم، متعصبا لأقصى درجة، نادم كل من اقترب منه أو حاول التحدث معه في ذلك اليوم، فقد كان ينفعل ويصرخ لأتفه الأسباب. استقبلته أمه بلين وهي تحاول امتصاص غضبه، فأيقنت أن حالته الرثة هذه بسبب مهمة اللواء سامي صبيحة اليوم. أخذ حماما باردا وبدل ملابسه الرسمية بأخرى منزلية، وبعدما استرخى قليلا بفراشه وهو يفكر، سمع طرقات والدته فأذن لها بالدخول بعدما اعتدل احتراما لها.

أقبلت والدته ببسمتها المريحة وهي تحمل بيديها صينية صغيرة عليها وجبة عشاء خفيفة وكوب من اللبن الساخن. "لا لا يا أمي مش هقدر أكل أي حاجة… أنا مرهق وعايز أنام." تقدمت حتى وضعت أمامه الصينية وهي تقول بحنو: "عشان خاطري يا حبيبي انت لازم تاكل كويس طالما مرهق وتعبان… مش معقول اهمالك في صحتك دا يا أدهم." "بصي أنا مش هشرب غير اللبن عشان خاطرك بس." "كدا برضو يا أدهم؟! "أنا آسف يا أمي مش هقدر صدقيني." ربتت

على كتفه بحنو وهي تقول: "مالك يا حبيبي فيك إيه احكيلي." تنهد تنهيدة عميقة تحمل أثقالا، تنهيدة أخبرتها عن مدى ضيقه وتحمله مالا يطيق، فأشفقت عليه ثم قبضت على يده القريبة منها بلين قائلة: "يااا يا أدهم… قد كدا يا حبيبي تعبان؟! … احكيلي يا ابن قلبي يمكن ترتاح شوية." أراح رأسه للخلف وهو يتأمل السقف قائلا بشجن: "أنا واقع في مشكلة ومش عارف أتصرف فيها إزاي ولا عارف آخد قرار." تصنعت جهلها بالأمر هاتفة بقلق مصطنع:

"مشكلة إيه يا حبيبي كفانا الله الشر." بدأ يقص عليها أدهم الأمر برمته إلى أن انتهى بتهديد اللواء له وخشيته من تنفيذه. بدى الثبات والهدوء على وجه أمه الأمر الذي أثار حنقه ودهشته في آن واحد، ولكنها تنفست بعمق ثم قالت: "انت عايز رأيي يا أدهم؟! "طبعاً يا ماما." "توافق على المهمة دي." قطب جبينه باستنكار شديد هاتفا: "بالسهولة دي بتقوليلي وافق!! استرسلت بمنتهى الهدوء والثبات:

"حبيبي أولاً شغلك ومنصبك حساس جدا وطبيعي إنك هتقدم تنازلات وتضحيات في سبيل إنك تعلى وترتقي في منصبك ودا اللي والدك الله يرحمه كان بيعمله ودايما كان بيدرسهولك.. ثانياً البنت لو وحشة أنا كنت رفضت بغض النظر عن أي حاجة.. بس ندى دي انت مش واعي عليها لأنك كنت وقتها في الكلية ومش بنشوفك غير كل فين وفين… بس فعلاً يا حبيبي بنت ولا كل البنات.. تربية إيدي وأضمنهالك بعمري كله.. هي دي فعلاً البنت اللي أدهم يستاهلها."

"ماما حضرتك بتتكلمي وكأني مش مرتبط ببنت تانية بحبها وبتحبني." ردت بعقلانية: "أكيد مش ناسيه…بس دارين حساها نزوة سريعة كدا جات بسرعة وهتروح زي ما جات… أنا أكتر واحدة فاهماك وعارفة إن علاقتك بدارين مش علاقة حب أبداً… هي مجرد إعجاب حصل بعده وعد بالجواز وانت مش عايز تخلف بوعدك لأن دا مش من طبعك ولا من أخلاق رجولتك… أنا متأكدة إن قلبك لسه مدقش لبنت ولا الحب عرف طريق لقلبك يا أدهم… مش انت اللي واحدة تخطف قلبك بالسهولة دي."

بدأ يبلع ريقه بتفكير وعيناه مسلطتان على نقطة ما في الفراغ وكأن أمه قرأت ما يحدث بقلبه تماماً. ولكنه أصر على الإنكار متمتما: "لا يا أمي الكلام دا مش صح… أنا بحب دارين ومتعلق بيها ومش متخيل موقفها لو دا حصل." ربتت على كتفه وهي تقول بابتسامة متفهمة لما يدور بخلده: "حبيبي اللي انت بتمر بيه دا مجرد إحساس بالذنب ناحيتها مش أكتر… يعني لو مكنتش خاطب دارين كانت الأمور هتكون أسهل كتير بالنسبة لك."

"تمام يا أمي…حطي نفسك مكاني، يرضيكي أكسر بخاطر إنسانة ملهاش ذنب في أي حاجة عشان خاطر واحدة تانية؟! "يا أدهم يعني نسيب البنت تموت؟! مش كفاية الصدمة اللي حصلتلها وهي شايفة أمها بتتقتل قدام عينيها!!

… إزاي يابني يكون في إيدك تنقذ حياة إنسان وتسيبه.. وبعدين دي مش أي حد.. ندى دي بنتي اللي مخلفاتهاش… وبعدين على الأقل دارين عندها أب وأم وعيلة هتهون عليها… إنما دي يتيمة ملهاش حد وأبوها يا عالم هتشوفه تاني ولا هيسيبها في الدنيا لوحدها." "يا أمي…" "أومال فين كلامك عن التضحية والآية اللي دايما بترددها (ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعا) .. ولا هي شعارات في الفاضي." قالت عبارتها الأخيرة بحدة نوعا ما حين لمست صلابة رأيه،

فنظر لها بلوم وهو يقول: "أنا برضو بتاع شعارات يا أمي؟! اقتربت منه أكثر وأخذت تمسد على شعره وهي تقول بليونة:

"يا حبيب قلبي انت أشجع وأرجل ظابط شفته… وأنا اللي بطلب منك يا أدهم إنك توافق على جوازك من ندى وتتعهد لوالدها بحمايتها… مش عشان هي مهمة انت مكلف بيها…لا.. عشاني أنا وعشان أبوك الله يرحمه… ياما اتمنينا أنا وهو إنكم تكونوا لبعض لولا إن الظروف فرقتنا كلنا… اللي مات مات واللي هاجر هاجر والأخبار انقطعت بس مكانتها في القلب متغيرةتش أبداً." أخذ يخلل أصابعه بخصلات شعره الطويل في حركة ملازمة له حين يشعر بالحيرة والتوتر

ثم تنهد قائلا بقلة حيلة: "من فضلك يا أمي سيبيني بس دلوقتي أفكر وأهيأ نفسي للحكاية دي… لأني بجد حاسس إني متلخبط ومش قادر آخد قرار صح." ربتت على ظهره بحنو وهي تقول: "قوم يا حبيبي اتوضى وصلي صلاة استخارة وهي هتتحل بإذن الله بس انت استعين بالذي لا يغفل ولا ينام… وتبات نار تصبح رماد." انحنى ليقبل يدها ثم قال ببسمة بسيطة: "حاضر يا أمي بس انتي ادعيلي." "داعيلك يا حبيبي… ربنا يريح قلبك ويجعلها من نصيبك يا ابن قلبي."

تركته أمه يحترق بنيران حيرته وشتاته وغادرت الغرفة، بينما هو جلس يقلب الأمور في رأسه، لا يصدق أن أدهم برهام ضابط العمليات المخضرم، الذي لا تستعصيه مهمة، ولا يصعب عليه هدف، يقع في ذلك الفخ العويص ولا يستطع الخلاص منه. في الأخير أخذ بنصيحة أمه وتوضأ وصلى صلاة الاستخارة بقلب خاشع، قلب يريد الوصول لما فيه الخير له. وبعدما انتهى نفض دماغه من أي أفكار إيحابية كانت أو سلبية، ثم غط في سبات عميق.

مرت الليلة ثقيلة على كل من أدهم وندى، فكل منهما هائم في شتاته، غارق في بحر أحزانه، يخشيا ما ينتظرهما في الأيام القليلة القادمة. في الصباح الباكر.. استيقظ أدهم وهو يشعر بقليل من الارتياح، فقد أقر في قرارة نفسه أن يستسلم للأمر الواقع وليضع نصب عينيه (ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعا) ، فقد اقتنع بحديث والدته له وتأثر به. قام بمهاتفة اللواء سامي قبيل موعد حضوره إلى العمل.. "ألو… صباح الخير يا سيادة اللوا…"

"بستأذن حضرتك عايز النهاردة طارئة." "خير يا أدهم انت تعبان ولا إيه؟! لوى شفتيه بابتسامة متهكمة ثم قال بنبرة ساخرة رافعا إحدى حاجبيه: "المفروض إني داخل على مهمة جواز وعايز أظبط أموري وأستعد كويس للمهمة دي." اتسعت ابتسامة سامي بسعادة بالغة ثم قال: "عفارم عليك يا سيادة الرائد… كنت عارف إن ابن برهام باشا الكيلاني لا يمكن يخذلني أبداً… تمام زي أبوك الله يرحمه." حانت منه نصف ابتسامة قائلا بثقة:

"هذا الشبل من ذاك الأسد يا باشا." "ربنا يحميك يا أدهم… المهم حيث كدا بقى خود النهاردة إجازة واعمل حسابك بكرة نروح نكتب الكتاب عند محامي بالتوكيل اللي أمور عاملهولي… وأنا هكلمه النهاردة أبشره وبالمرة يبعتلي الأوراق المطلوبة لكتب الكتاب." "أوامر سيادتك يافندم." "تمام يا سيادة الرائد… مع السلامه." أغلق سامي الهاتف ثم قام باستدعاء آسر ليأتي إليه بعد دقائق مؤديا التحية الشرطية ثم جلس قبالته ليهتف اللواء سامي بسعادة بالغة:

"أحب أبشرك يا سيادة الرائد إن أدهم برهام وافق على المهمة." اتسعت بسمة آسر مرددا: "على بركة الله يا سيادة اللوا… الحمد لله إنه اقتنع لوحده… حضرتك متعرفش طلع ميتيني إزاي امبارح ومكنتش لسه قولتله ولا كلمة." قهقه سامي ثم سرعان ما عادت ملامحه للجدية وهو يقول: "المهم خليك حافظ دورك كويس… مش عايزك تسيب أدهم لحظة ومن غير ما يحس بيك…. حماية أدهم مهمتك يا بطل." أجابه بحماسة بالغة:

"أوامر سيادتك يافندم… أنا حافظ ومذاكر كويس أوي… وإن شاء الله أكون عند حسن ظنك سيادتك." أومأ سامي متمتما: "إن شاء الله يا آسر… أنا واثق في اختياري ليك." رد آسر بشيء من التردد: "طب حيث كدا يا باشا أنا طمعان في كرم سيادتك… عايز أروح بدري ساعتين." قطب سامي جبينه باستنكار متمتما بضيق مصطنع: "انت بتستغل الموقف بقى ولا إيه؟! "لا لا أبداً يافندم مش قصدي ط….." قاطعه سامي بضحكة بسيطة: "خلاص يابني موافق متتخضش كدا." تنفس

بارتياح متمتما بامتنان: "متشكر جدا يافندم… أي أوامر تانية؟! "لا اتفضل على مكتبك." استأذن منه بالانصراف وبمجرد أن دلف غرفة مكتبه قام بالاتصال بخطيبته.. "ألو.. ميري حبيبتي عاملة إيه" "الحمدلله يا آسر" "بقولك أنا عازمك النهاردة ع الغدا وهكلم عمو محمد أستأذنه" "طب وشغلك؟! "أنا أصلا واخد إذن ساعتين بدري…" "لو بابا وافق فأنا موافقة بس انت طبعاً عارف إنه مش هيرضى يخلينا نخرج لوحدنا." أجابها بانزعاج تلك المرة:

"يعني مودة هتيجي برضو؟! "معلش يا حبيبي أنا مقدرش أخالف أوامر بابا… وبعدين انت عارف مودة بتسيبنا براحتنا وبتقعد بعيد ولا كأنها معانا أصلا." "تمام يا ميري مفيش مشكلة.. إجهزي بدري عشان منتأخرش.." "حاضر يا أسور." "سلام يا قلبي." أغلق الهاتف والبسمة الهائمة مرتسمة على شفتيه بتلقائية حالما يسمع صوتها فقط. أما عند أدهم

أنهى المكالمة مع اللواء سامي وهو يتنهد بثقل، هو متعجب من نفسه أنه لم يطلب التحدث إليها أو أن يرى صورة لها، مقنعا نفسه بفقدان شغفه في ذلك الأمر لأنها لا تمثل له أي شيء ولا تعنيه بشيء… فقط مجرد مهمة ومصيرها للانتهاء. خرج من غرفته ليبشر أمه بقراره ويفكر كيف سينهي خطبته من دارين.

بالطبع تهللت أسارير السيدة تيسير بهذه البشرى وأسرعت بالاتصال إلى ابنتها روان لتقص عليها القصة كاملة لتشاركها الفرحة والتي بدورها قصتها على محمود زوجها، فهو ضابط أيضا برتبة رائد ولكن يعمل في شرطة المرور.

علمت ريم الشقيقة الصغرى لأدهم بذلك الأمر ورحبت به أيضا، فهي لم تحب يوما خطيبته دارين وكانت ترى دائما أن أدهم يستحق من هي أفضل منها، ولكنها كانت منشغلة في إنهاء أوراق استلام عملها كطبيبة في إحدى الوحدات الصحية بقرية نائية بمحافظة سوهاج بصعيد مصر. وجاءت اللحظة الحاسمة ألا وهي لحظة إنهاء خطبته بدارين…

اتصل بها ليأخذ معها ميعاد ليتقابلا بإحدى الكافيهات، فلم تصدق نفسها، فإنها المرة الأولى التي يطلب فيها الخروج معها منذ خطبها إن لم تطلب هي منه ذلك. وبالفعل قرب المغيب كانا جالسين بمقهى راق وكان في قمة توتره رغم الثبات الظاهر عليه، طلب لهما مشروبا باردا ثم حمحم قائلا بملامح جامدة:

"دارين أنا مش عارف أبدأ الموضوع منين… بس الحقيقة حصلت شوية ظروف كدا خارجة عن إرادتي، وبقى من الصعب إننا نستمر في خطوبتنا… أنا بجد آسف إني بقول كدا وطبعاً كان نفسي أكمل معاكي للآخر بس…." قاطعته وهي تتنفس بانفعال قائلة بحدة: "بس إيه يا حضرت الظابط؟!

مفيش داعي تقعد تخترع في أسباب مش موجودة… من الأول وأنا حاسة إنك مبتحبنيش… بدليل إنك مقولتيش ولا مرة كلمة بحبك… ولا مرة قولتلي وحشتيني… ولا مرة طلبت مني نخرج سوا… كنت بحاول أقنع نفسي إن طبيعة شغلك مؤثرة على شخصيتك ومش عارف تبقى رومانسي.. واديت لنفسي أمل إننا لما نتجوز ونشوف حبي ليك هتتغير بس واضح إني كنت بحلم.." مد يده ليمسك يدها التي تلوح بها لعلها تهدأ قليلا هاتفا بها بهدوء: "دارين اهدي… انتي فاهمة غلط." نفضت يده عن

يدها وهي تصيح بانفعال أشد: "أوعى إيدك دي… انت حتى مفكرتش تمسك إيدي قبل كدا… ويوم ما تلمسها تقولي صعب نستمر في خطوبتنا؟! غامت عيناه بغضب جامح من فرط انفعالها عليه وزمجر بها بحدة: "دارين متنسيش نفسك وصوتك دا مايعلاش عليا… مش معنى إني سايبك تتكلمي براحتك إنك تتمادي وتكلميني بالطريقة دي."

أخذت تنظر له بمقت شديد، فكل معاني الخذلان قد تجسدت فيه الآن واحتلت الصدمة ملامحها بجدارة الأمر الذي ضايقه للغاية وجعل شعوره بالذنب يكاد يقتله. فأشاح بناظريه عنها وهو يقول بنبرة متحشرجة من فرط الأسى: "الشبكة خليها معاكي اعتبريها هدية مني… ويا ريت توصلي اعتذاري لوالدك ووالدتك… أشوف وشك بخير." ثم هب من كرسيه مغادرا مخلفا ورائه قلبا ساخطا أقسم على الانتقام.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...