الفصل 14 | من 45 فصل

رواية مهمة زواج الفصل الرابع عشر 14 - بقلم دعاء فؤاد

المشاهدات
24
كلمة
2,850
وقت القراءة
15 د
التقدم في الرواية 31%
حجم الخط: 18

بينما كانت ندى تجالس السيدة تيسير يتمازحان ويضحكان على مواقف من الطفولة حين كانت ندى طفلة صغيرة تعيش بينهم قبل اغتيال والدتها وانتقالها مع أبيها إلى الولايات المتحدة، تفاجأا بأدهم يخرج من غرفته ركضاً مرتدياً بنطال جينز أسود وقميص أسود ينتعل حذائه، فركضت إليه ندى تسأله بقلق: ـــ أدهم إنت بتجري كده ليه؟! .. إيه اللي حصل ورايح فين؟! أجابها باستعجال وهو يعقد رباط حذائه:

ـــ لسة مكلم آسر دلوقتي بعد ما جاتلي رسالة إنه تليفونه متاح.. وقالي إن خطيبته عملت حادثة وفي المستشفى بين الحياة والموت. شهقت السيدة تيسير حين استمعت لذلك وأخذت تردد: ـــ لا حول ولا قوة إلا بالله… حبيبي يا آسر… ربنا ينجيهاله يا بني.. خلي بالك من نفسك يا أدهم وإنت سايق عشان خاطري.. وابقى طمني يا بني. أومأ عدة مرات ثم فتح باب الشقة سريعاً وهبط الدرج ركضاً ثم استقل سيارته متجهاً إلى مشفى الدكتور رؤف…

بعد حوالي نصف ساعة وصل أدهم إلى طابق العناية المركزة ليلفت انتباهه تلك المشاجرة القائمة بين آسر وحماه في ركن ما بالطابق.. ـــ يا عمي قولتلك سيب ميريهان هنا وأنا هفضل جنبها مش هسيبها… صاح بها آسر بانفعال بالغ وهو يلوح بيده ويبدو أن الشجار قائم منذ فترة وقد احتدم بينهما للغاية، فمن ثم رد محمد بانفعال أشد:

ـــ دول بناتي أنا.. وإنت مالكش الحق تقرر عني.. أنا هاخد بناتي الاتنين وهسافر شئت أو أبيت.. ورأيك ميهمنيش ومش مستني أخد الإذن منك. استنفرت عروق آسر بغضب جامح ليصيح بصوت حاد: ـــ أنا مش هسيبها.. إنت عارف إن بينها وبين الموت شعرة… ليه تبهدلها في السفر.. سيبها تموت هنا قدام عيني. أخذ محمد يلوح بيده موجهاً حديثه لوالد آسر:

ـــ ما تلم ابنك يا سعيد… أنا حر في بناتي أنا الوحيد اللي هنا صاحب القرار… هو مالهوش أي صفة.. خطيبته خلاص ماتت… خده بقى وامشوا من هنا.. التمس سعيد العذر لمحمد ولم يعاتبه أو ينجرح من كلماته اللاذعة، فجرحه غائر ويبدو من مظهره الغاضب أنه يموت في اللحظة ألف مرة، فأي شخص في مكانه لما تحمل ما يتحمله الآن… بينما كان أدهم يتابع المشاجرة بذهول… فهل حقاً ميريهان ماتت؟!

نفض رأسه سريعاً ثم تدخل ليجذب آسر من ذراعه بعيداً عن حماه فلا الوقت ولا المكان مناسبان لتلك المهزلة.. ـــ آسر ميصحش تزعق قصاد حماك بالطريقة دي… أوشك آسر على البكاء ليقول بمرارة: ـــ ميريهان خلاص مخها مات وكلها ساعات والقلب يقف والسر الإلهي يطلع… ياخدها يعالجها برا ليه يا أدهم والعقل بيقول إن حالتها مالهاش علاج. ربت أدهم على كتفه بمواساة وهو بالكاد يسيطر على حزنه الذي أثاره صديقه بداخله ليقول بجدية وهدوء في ذات الوقت:

ـــ الله يكون في عونه يا آسر… محدش حاسس باللي هو فيه… سيبه يعمل اللي يريضيه طالما كده هيكون مرتاح.. مش كفاية الابتلاء اللي هو فيه؟! رد عليه بنبرة قاطعة: ـــ مش هقدر أسيبها… سفرها ألمانيا مالوش أي لازمة.. ليه عايز يبعدها عني الشوية اللي فاضلة في عمرها!! أقبل عليهما سعيد والد آسر ليقول موضحاً:

ـــ اللي إنت متعرفهوش يا أدهم إن مودة هي كمان حالتها خطيرة ومحتاجة تدخل جراحي في أقرب وقت ومحمد هيسفرها ألمانيا وهياخد ميري نفس المستشفى… أب وعايز بناته معاه أيا كانت حالتهم إيه.. مالناش أي حق إننا نعترض على قراره. هز أدهم رأسه عدة مرات ثم تطلع لآسر بعتاب: ـــ لا يا آسر مالكش حق في وقفتك واعتراضك.. الراجل في البلاء الشديد ده وإنت عمال تقاوح معاه؟!

… يا أخي سيبه يعمل اللي في مصلحة بناته.. ده بدل ما تقوله اللي تشوفه يا عمي أنا معاك فيه؟! أطرق رأسه بحزن وضيق وهو يكاد يختنق من فرط الضغط سواء من أدهم أو من أبيه ليقول بأسى: ـــ محدش حاسس بيا… ميري واخدة روحي معاها.. مش هقدر أسيبها… مش قادر.

جذبه أدهم إلى حضنه ليربت على ظهره يواسيه، فأطلق آسر لعينيه العنان ليفرغ ما بقلبه من حزن.. أسى… انكسار.. علاوة على ذلك الخواء الذي خلفته تلك المسكينة في قلبه ليهتز جسده من شدة البكاء. ـــ اصبر يا آسر… أومال أبوها يعمل إيه… هو ده عمرها.. محدش بياخد ساعة زيادة عن عمره اللي ربنا كاتبهوله… إن شاء الله يا حبيبي تقابلها في الجنة.

بدأ يهدأ رويداً رويداً إثر كلمات أدهم التي نزلت على قلبه كالماء البارد، فاستخرج منديلاً من جيبه أعطاه له فأخذه آسر منه وأخذ يجفف عينيه وهو يردد بصوت متحشرج من أثر البكاء: ـــ إنا لله وإنا إليه راجعون… ـــ ادخل ودعها وبص عليها للمرة الأخيرة قبل ما الإسعاف ياخدها. أومأ بخضوع ثم ابتعد عن صديقه ليسير بلا روح إلى العناية المركزة يستأذن الطبيب ليودعها الوداع الأخير في حين كان محمد ينهي إجراءات سفره بابنتيه.

صدح أذان الفجر في سماء القاهرة حين أقلعت الطائرة المجهزة بوحدة عناية مركزة متحركة تقل مودة وميريهان ووالدهما والدكتور رؤف ومعهما فريق طبي لاحتمالية حدوث أي أمر غير مرغوب فيه أثناء نقل المريضتين. وبمجرد أن أقلعت الطائرة نزل آسر على ركبتيه على أرضية المطار وبكى وكأن روحه تصعد في السماء… لا يصدق أن هذا نهاية طريقه مع من استحوذت على قلبه وملكته بلا منازع.

نزل أدهم إلى مستواه ليحيط كتفيه بذراعه وتركه يفرغ ما بنابضه… فقد امتلئ القلب حتى فاض بالحزن. بينما ندى لم تنم ليلتها قلقاً على أدهم، فقد أدت صلاة الفجر وقرأت وردها وها هي الشمس قد أوشكت على الشروق ول م يعد بعد. خرجت لتجلس في صالة الاستقبال المقابلة للباب حتى تراه حين يعود لعل قلبها يطمئن.

غفت على الأريكة دون أن تشعر وقد كانت لازالت بملابس الصلاة، وفي تلك الأثناء عاد أدهم وعلامات الإرهاق متجلية على ملامحه ليقابل ندى وهي غافية على الأريكة. ـــ ندى.. ندى. فتحت عينيها بصعوبة لتقول بصوت ناعس: ـــ أخيراً رجعت يا أدهم؟! ـــ إنتي إيه اللي منيمك هنا؟! اعتدلت لتأخذ وضع الجلوس ثم أجابته بصوت متحشرج من أثر النوم: ـــ قلقت عليك لما اتأخرت… فصليت الفجر وقعدت أستناك هنا. حانت منه ابتسامة باهتة ثم انحنى ليجذبها من

يدها لتقف قبالته ثم قال: ـــ طيب ادخلي نامي بقى… أنا قدامك أهو كويس. هزت رأسها ثم سحبت يدها من يده ومن ثم سارت باتجاه غرفتها، وحين تبين له ذلك سار خلفها ليستوقفها بقبضة يده على يدها وهو يقول: ـــ إنتي رايحة فين؟! أجابته ببراءة: ـــ رايحة أنام في قوضتي.. أدارها لتقف في مواجهته ثم رفع يديه لمستوى رأسها ليقوم بفك حجابها وهو يقول: ـــ احنا مش اتفقنا إننا هننام في قوضة واحدة؟! .. وشعرك ده ميتغطاش قدامي؟! أطرقت رأسها بخجل:

ـــ إنت مقولتش إننا هننام في قوضة واحدة. صدرت منه ضحكة بسيطة ثم قال بمكر: ـــ أومال احنا هنتجوز إزاي؟! .. هنتجوز عن بعد مثلاً؟! احمرت وجنتاها خجلاً وهي تنظر له بجحوظ ثم تهربت بعينيها من النظر بعينيه، فازدادت ضحكاته أكثر من ذي قبل، ثم رأف بحالة التوتر التي أصابتها بالتزامن مع خجلها الزائد وأخذها من يدها وسارا سوياً باتجاه غرفته وقد سارت معه بلا اعتراض.

ـــ أنا هدخل الحمام أخد شاور وأتوضأ عشان أصلي وإنتي خدي راحتك.. اعتبري نفسك لوحدك في القوضة. أومأت بصمت وبمجرد أن اختفى عن ناظريها، خلعت إسدالها لتظهر تلك البيجامة البيضاء من الستان التي أظهرت ذراعيها، ثم تمددت على أقصى طرف الفراش وتدثرت جيداً بالغطاء الخفيف بعدما ضبطت درجة حرارة المكيف على البارد، ودون أن تشعر هوت في سبات عميق… فأحداث اليوم لم تكن بالقليلة ما جعلها تهرب من تلك البداية الجديدة بالنوم.

بعد عدة دقائق خرج أدهم من المرحاض مرتدياً ملابس النوم، فتفاجأ بها نائمة بأقصى الفراش وكأنها على حافة السقوط ليضحك بسخرية وهو يهز رأسه بيأس، ثم قام بفرد سجادة الصلاة ليؤدي صلاته وبعدما انتهى تمدد بجوارها، ثم أخذ يتأملها قليلاً وصديقه آسر وفقدانه لحبيبته ما زال يحتل تفكيره، واتته مشاعر غريبة لم يختبرها من قبل حين تخيل أنه يمكن أن يفقدها، شعر بأن قلبه يكاد ينخلع من موضعه إن حدث معه ذلك… فأغمض عينيه يستعيذ بالله من تلك الوساوس.. ودعا ربه بألا يذيقه مرارة الفقد… فمذاقها أمر من الحنظل.

مسح على شعرها الذي لم يعشق منها سواه حتى الآن، ثم انحنى ليزيح تلك الغرة الكثيفة التي غطت جبينها حتى حاجبيها ليظهر له ذلك الجرح الصغير ثم لثم جبينها ببطء، وأخذ يتمتم بهمس وهو ما زال يمسح على شعرها: ـــ ربنا يخليكي ليا يا ندى.. ترك شعرها ثم عاد لينام بالطرف الآخر تاركاً بينهما مسافة مناسبة احتراماً لرغبتها… أو يمكننا القول رأفة بخجلها… فهو يدرك جيداً مدى حيائها وأنها لم تعتاده بعد.

انقضى يوماً حافلاً بالأحداث المصيرية ليأتي يوماً جديداً ينتظر أبطالنا ربما تنقلب به الموازين… في محافظة سوهاج….

استيقظ معتصم بعد ليلة قضاها في نوم متقطع لا يشبع ولا يسمن من جوع، فقد سيطرت ريم على تفكيره واحتلت كيانه بالكامل… رغماً عنه كان يتذكر أحداث تلك الليلة حين كانت بين ذراعيه وحين نزل على ركبتيه أمامها.. شخصيته الصارمة التي تحولت إلى شخص آخر لا يعرفه.. لا يدري متى ظهر ذلك الجانب الحنون منه.. ولما ظهر لها هي بالذات!

.. لم تكن الأولى بحياته… فقد مرّ به الكثيرات ومنهن أشد منها جمالاً… فحتى زوجته رغم جمالها الفتاك وقوامها المثير لم تحرك فيه ما حركته تلك القطة المتمردة… ماذا فعلت به ومن أين ألقاها عليه القدر… ـــ كنتي مستخبيالي فين يا ريم…. أنا كنت عايش ومزاجي حلو ولا كان في دماغي حب ولا شوق … جيتي قلبتيلي كياني كله…. يا ريتني ما شوفتك ولا عرفتك.

وكانت تلك آخر فكرة واتته ثم بعدها غفى حتى أشرقت الشمس وتسلل نورها عبر ستائر غرفته لتداعب جفنيه اللذين استجابا سريعاً لها واستيقظ وكأنه لم ينم قط. بعد حوالي نصف ساعة كان معتصم يجلس بجوار أمه بأريكتها المفضلة يقص عليها ما حدث ليلاً أثناء نومها وبالطبع أخبرها بوجود ريم ومارتينا بالمضيفة.. ـــ أباااه يا ولدي… كيف جلبهم طاوعهم يسرقوا ضيوف الكبير… كانهم مفكرين راح ينفدوا بعملتهم الواعرة.. ربت معتصم على فخذها وهو يقول:

ـــ باينهم أغراب يا مايا… ماهو محدش من البلد يتجرأ يعمل العملة دي… بس أني هعرف كيف أتوبهم. قاطع مجلسهم الخفير سمعان مقبلاً عليهما وهو يلهث وبيده حقيبة سوداء ثم قال بنبرة مفتخرة: ـــ ربطتهم في مزرعة المواشي مع البهايم كيف ما أمرت يا كبير. حانت من معتصم ابتسامة واثقة ثم هتف بقوة: ـــ وفين اللي سرقوه؟! ركض سمعان إليه واضعاً تلك الحقيبة على الطاولة الرخامية أمام كبيره:

ـــ دياتي يا كبير… الدهبات والفلوسات وحتى التلفونات… كله رشّعته يا كبير. أومأ معتصم بفخر: ـــ عفارم عليك يا سمعان… إنت أكده صوح دراعي اليمين… عدي ع المزرعة إنت والرجالة اللي كانو معاك وكل واحد فيكم يختارلو نعجة على كيفه.. وخد الفلوسات دي فرّجوها على بعضيكم.. قالها وهو يستخرج رزمة من المال من جيب جلبابه، فأخذها سمعان وهو يقبل يد معتصم، فسحبها سريعاً وهو يقول:

ـــ استغفر الله.. دي حقك إنت والرجالة اللي تعبت.. يلا روح ومت نساش تسيب حد عينه على الكلبين دول.. وفيش أكل ولا شرب لحد ما أفكر هعمل إيه بيهم. أومأ سمعان وهو يكاد يطير من الفرح بتلك الغنيمة التي حصل عليها، بينما السيدة أم معتصم أخذت تتطلع إلى ولدها بفخر وإعجاب ثم ما لبثت أن قالت بتأثر: ـــ كاني شايفة الحاج حمدان البدري الله يرحمه هو اللي جاعد جدامي دلوقتي… مخابش ظن أبوك يوم ما جالي إنك خليفته من بعده في البلد دي.

ابتسم معتصم متأثراً بإطراء أمه ثم انحنى يقبل ظهر كفها وهو يقول: ـــ ربنا يخليكي ليا يا مايا… أني دايماً أجولك هذا الشبل من ذاك الأسد.. و بعدين أني من غير وجودك جاري مسواش حاجة.. مسكت على شعره بحنو، ثم أخذت تدعو له بدعواتها التي تدمع العين من شدة إخلاصها وخشوعها، وهو يؤمن خلفها. عمَّ عليهما صمتاً وجيزاً قطعه معتصم بقوله:

—بقولك يا أمايا… يعني لما الدكتورة ريم تصحى واجب تجي معاها وتعزميها هي وزميلتها على شبكة حمد وصافية الليلة طالما هيشرفونا في الدوار يامين دول. ابتسمت السيدة بمغضبى، فهي قد لمست إعجابه بها رغم عدم إظهاره لذلك، ثم قالت بجدية: —من غير ما تقول يا ولدي.. أني كنت ناوية على أكده.. زي ما قولت ده واجب.. وإحنا الواجب ميفوتناش واصل.

تنهد بارتياح، ثم استل هاتفه لكي يوقظ شقيقه… فاليوم حافل ولا بد من تجهيز الدوار استعداداً لتلك المناسبة الهامة. بدأت ملامح والدته بالعبوس، وكأنها تذكرت شيئاً سيئاً، ليهتف بها معتصم بقلق بعدما استشعر حزنها المفاجئ: —مالك يا مايا؟! .. أنتي شربتي دوا الضغط النهاردة؟! أومأت وهي تقول بملامح واجمة: —متخافيش يا ولدي… أني زينة. —لا يا مايا… شكلك مش يطمنش واصل.

تطلعت إليه وقد غشّت الدموع عينيها، الأمر الذي جعل قلبه يكاد ينخلع من موضعه، ثم قالت بصوت متحشرج: —كان بدي الخطوبة دي تكون خطوبتك أنت… أنت ولدي البكر وأول فرحتي.. كيف يعني الصغير يتجوز قبل الكبير.. أني مخبرش راسك اللي زي الحديد دي عطلينا ميتى يا معتصم. أغمض عينيه يهدئ من ضربات قلبه التي تسارعت من فرط القلق، ثم أخذ نفساً عميقاً بعدما رسم بسمة مصطنعة على شفتيه، ثم قال بمزاح: —يا ولية وجعتي جلبي في رجليا.. بس أكده؟!

.. بقى هو ده اللي خلى الهم يغير ملامحك الزينة دي؟! تطلعت إليه بحنق، فهو دائماً ما يقلل من أهمية ذلك الأمر، فضحك أثر تلك النظرة المغتاظة، ثم حاوط كتفيها بذراعه وهو يقول بنبرة مقنعة:

—ياما أنتي خابرة إني مفاضيشي للجواز ومسؤولياته… أني ملاحظش على المزارع والأراضي ومشاكلها أهناك، دا غير مشاكل أهل البلد والجعدات العرفية اللي كل يوم والتاني بنعملوها في المضيفة.. غير بقى شركتي ومصنعي اللي في بحري… مين اللي هيحمل دي كلها يا مايا… همت لتقاطعه بينما هو سبقها ليقول: —أني خابر إن دي مش حاجة.. بس على الأجل استني هبابة يكون حمد اتجوز وأهو بدأ يشيل عني كتير في الشغل أهناك… يعني خلاص هانت يا مايا.

جففت عينيها، ثم تحدثت بنبرة جاهدت أن تبدو صارمة: —هستنى هبابة يا معتصم… بس مش راح استنى كتير… نفسي أشيل ولدك قبل ما أجيبل وش كريم.. احتضنها بحب وهو يردد: —بعيد الشر عنيكي يا مايا.. والله قريب… قريب جوي يا تاج راسي. وعدها، وحينها تمثلت أمام عينيه صورة ريم وكأنها أتت لتقول له أنا قدرك، فابتسم بحالمية شارداً بها ومازال يسند رأس أمه إلى صدره. بعد قليل ترك أمه وذهب إلى المزرعة حيث اللصين اللذين احتجزهما هناك…

قام بجلدهما على ظهرهما العاريين بالسوط بقسوة حتى أخذا يعتذران منه بتوسل، ولكنه أبى أن يطلق سراحهما، ثم تركهما مربوطي الأيدي وعاد مرة أخرى إلى الدوار، ليجد ريم تجلس بمكانه بجوار أمه، ومارتينا تجلس بكرسي قريب منهما. أقبل عليهم محاولاً الحفاظ على صرامته أمامها، فيبدو أنه قد فقد الكثير من هيبته أمامها بالأمس، الأمر الذي أثار ضيقه البالغ.. بمجرد أن اقترب منهم هبت ريم واقفة لتقول برقة قبل أن يتفوه بأي شيء:

—معتصم بيه أنا متشكرة أوي على ضيافتك لينا وإنك رجعتلنا الحاجات اللي اتسرقت مننا… بس بعد إذنك عايزة الموبايل بتاعي عشان أكلم أدهم عشان أعرفه إني راجعة القاهرة النهاردة. قطب جبينه باستنكار ثم سألها بثبات: —ومين قال إنك هتعودي القاهرة النهاردة؟! بدأت أعصابها تثور، فيبدو أنه سيعاندها أو سيجبرها على أمر لا تريده، ثم صاحت بحدة طفيفة: —أنا اللي قولت.. وافتكر قولتلك امبارح إني مش هقعد في البلد دي تاني..

رد عليها بنفس نبرة صوتها: —وأنا ما قولتش إنك هترجعي القاهرة… أنا استدعيتك أهناك في الدوار لحد ما أرجعلك حقك.. وشغلك في الوحدة هتكمليه. —مش من حقك تقرر إذا كنت أكمل شغلي ولا لأ. —لا من حقي… أني كبير البلد دي.. ومفيش حاجة بتتم من غير موافقتي.. —أنا لا يمكن أدخل المكان دا تاني… بعد اللي حصل مستحيل. —معناه إيه الكلام ده؟!

.. مفيش مخلوق في البلد عرف باللي حصل… ومش هسمحلك تشوهي شكلي وسط ناسي… أنتي لو سيبتي الوحدة الكلام هيكتر في البلد.. عايزة تجرسيني وسطهم؟! .. عايزاهم يقولوا الكبير ما قدرش يحمي ضيوفه؟! ربعت ذراعيها أمام صدرها لتقول بنبرة ذات مغضبى: —آآآاه قول كدا بقى… أنت كل اللي هامك شكلك ومنظرك في البلد.. أنا عايزة إيه أو هكمل شغل إزاي في مكان مش حاسة فيه بالأمان دي مش مشكلتك… مش كدا؟!

سكت معتصم يريد أن ينفي ما تقوله.. يريد أن يقر لها بأنه يخشى فقدانها… أنه سيفتقدها بعدما امتلكت قلبه… أنه سيشتاق لها إن ابتعدت عنه…، ولكن نهوض أمه من مكانها أنقذه.. فقد قامت تربت على كتف ريم تهدئها وهي تقول: —يا بتي إحنا اتعودنا عليكي وفراقك يعز علينا.. وبعدين لو على الأمان معتصم هيأمن الوحدة وهيجيب حديد على الشبابيك والأبواب وهيسيب لك هناك غفر يحرسوها كمان بالليل وبالنهار.

همت لتعترض لكن مارتينا لم تعطيها الفرصة، فقد أحبت وجودها معها في الوحدة لتقول باستعطاف: —خلاص بقى يا ريم… أنا واثقة ومتأكدة إن اللي حصل دا مش هيتكرر تاني.. معتصم بيه قد الدنيا واستحالة يسمح بحاجة زي دي تتكرر… وبعدين أنتي عايزة تمشي وتسيبي أختك الغلبانة لوحدها؟! عبست ملامحها بضيق لتقول:

—مارتينا أدهم لو عرف اللي حصل استحالة يوافق إني أكمل هنا… هو أصلاً من الأول ما كانش راضي أستلم شغلي في الصعيد وكان بمعارفه قادر ينقلني في أي مكان أختاره بس أنا اللي أصريت أخوض التجربة… ويا ريتني كنت سمعت كلامه من الأول. ضربت أم معتصم على صدرها بخفة لتقول بعتاب: —بأه يا دكتورة… وهو إحنا جسرنا وياكي يا بتي؟! .. دا إحنا الود ودنا نشيلك فوق راسنا. عادت لتقول باعتذار:

—لا طبعاً يا حاجة أنتو مقصرتوش أبداً.. أنا بس خايفة أخويا ياخد مني موقف لو عرف. تدخل معتصم ليقول بنبرة قاطعة: —مالكيشي سؤال بخيك.. أني هكلمه أعتذرله عن اللي حصل وياكي ليلة امبارح ومتحمليشي هم حاجة واصل.

تنهدت ريم بقلة حيلة لتهز رأسها بإيماءة بسيطة كناية عن استسلامها لكلامهم، فاتسعت بسمة الحاجة أم معتصم، وكاد معتصم أن يبتسم فرحاً بذلك ولكنه جاهد نفسه لإخفائها، وتنهد بارتياح كبير وكأنه أنجز أحد أصعب مهماته… تلك العنيدة المتمردة يبدو أنها ستذيقه الويلات حتى يخضعها له.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...