حين انتصف النهار قامت دارين بالاتصال بأدهم لتستكمل بقية خطتها اللئيمة. في بادئ الأمر استغرب من اتصالها بعدما قام بفسخ خطبته بها، ولكنّه لم ينكر على نفسه أنّه ما زال يحب رؤيتها والتحدث إليها. «ألو… الحمد لله يا دارين.. انتي اللي عاملة ايه..» «بخير يا أدهم.. بعد إذنك كنت عايزة خدمة صغيرة منك.» «أنا تحت أمرك طبعاً..» «مرسي يا أدهم ودا عشمي فيك طبعاً… بس ينفع لو مفيش عندك مانع نتقابل وأحكيلك على اللي عايزاه؟!
سكت ملياً يفكر… لم لا؟! فلا ضير من رؤيتها. «تمام يا داري مفيش مشكلة.» ابتسمت حين ناداها بتلك الكنية المحببة إليها ثم قالت بسعادة غامرة: «بجد يا أدهم مش عارفه أشكرك إزاي..» «على إيه يا بنتي.. عادي.. انتي بالنسبالي حد مهم ومقدرش أرفضلك طلب.» تنهدت بحالمية ثم سألته بهيام: «بجد يا أدهم؟! أومأ مؤكداً: «أيوة طبعاً بجد..» «طاب حيث كدا بقى نتقابل في كافيه نايل وشوف الميعاد اللي يناسبك.» «خلينا نتقابل ع الساعة ٨ بالليل كدا.»
«تمام في انتظارك.. باي» «باي..» أغلقت الهاتف وهي تفكر بتركيز شديد في تلك الخطة المحكمة التي أعدتها لتعيدها على نفسها عشرات المرات قبل ساعات قليلة من تنفيذها. في مدينة برلين…. خرج لتوه بعد عملية عسيرة دامت لأكثر من عشر ساعات يزيح حبات العرق عن جبينه ليبشر ذلك الذي كاد قلبه أن يتوقف من فرط الخوف والقلق ليقول له بنبرة منهكة:
«محمد أنا مش عارف أعزيك ولا أهنيك…. الحمد لله مودة لحد اللحظة دي أمورها ماشية تمام وهتخرج من العمليات بعد شوية على جهاز تنفس صناعي لحد ما نطمن إن جسمها اتوافق مع القلب الجديد ومش هيرفضه… إنما ميريهان بقى….. البقاء لله.» تهدل كتفاه من الحزن وكسى الوجوم ملامحه المهمومة، فتمتم بصبر وجلد: «أنا لله وأنا إليه راجعون… الحمد لله على كل حال… ربنا يتمم عملية مودة على خير ويصبرني على فراق أختها…»
قال عبارته الأخيرة ثم انخرط في بكاء مرير اهتز له جسده بالكامل، فأخذ الدكتور رؤوف يربت على كتفه بمواساة وهو يقول: «خليك جامد للآخر يا محمد…. وشوف كدا هتدفن ميري فين؟! أخذ يمسح عبراته بيده ثم قال بنبرة باكية: «هاخد الجثة وأرجع أدمنها في مصر… عشان لما أرجع مع مودة بالسلامة نبقى نزورها في قبرها علطول..» «تمام… احجز وشوف إجراءاتك… إكرام الميت دفنه..»
هز رأسه بإيجاب ثم أخذ يفكر في تلك الدوامة التي أخذته إلى القاع حتى أنه لا يدري كيف أنه واقفاً على قدميه إلى الآن… ولكنها تلك القوة التي أمدها الله بها لكي ينقذ ما يمكن إنقاذه. لم يطق آسر البقاء في عمله… فليس لديه من التركيز ما يعينه على ممارسة مسؤولياته المعتادة، فاستأذن من مديره الذي التمس له العذر بعدما علم بما حدث مع خطيبته… خرج من المبنى ليسير بسيارته في الشوارع بلا هدف… كل مكان يمر به يراها فيه…
فقد مرت معه في كل الأماكن… تركت له ذكرى هنا وأخرى هناك.. يا إلهي كيف سيعيش بدونها؟! لقد كان قاب قوسين أو أدنى من خطوة الزفاف.. ذلك العش الذي طالما انتظره طويلاً لكي يجمعهما… جائته تلك الريح العاصفة التي خسفت به الأرض وبقي هو يبكي على الأطلال…
بينما هو في خضم تيهه بين الشوارع والطرقات أتاه اتصال من حماه يخبره أن ميريهان قد فارقت الحياة وأنه سيعود بها في الطائرة التي ستصل مطار القاهرة صباح الغد، وأغلق الهاتف سريعاً قبل أن يسمع من آسر ما لا يرضيه من لوم أو عتاب… فهو يجهل الأمر برمته ولا يعلم شيئاً عن ضرورة سفر ميريهان مع شقيقتها…
بمجرد أن انقطع الاتصال أصبح جسد آسر كالهلام… وكأنه جسد خاوٍ بلا روح.. نعم يدرك النهاية جيداً ولكن دائماً حدوث الحقيقة وتحولها إلى أمر واقع وقعها صعب على العقل تحمله أو استيعابه. ركن سيارته على جانب الطريق حتى يتمالك أعصابه التي انفلتت منه للغاية، وأخذ يلتقط أنفاسه المتلاحقة…. ثم رغماً عنه خرج صبره عن السيطرة وصاح بعلو صوته بآهة ألم مزقت كيانه ثم هدأ بعدها قليلاً حتى ثقل رأسه وأسندها على عجلة القيادة.
عاد من عمله في السابعة مساءً وكانت حينئذٍ ندى خارجة لتوها من المطبخ، وحين سمعت صوت انغلاق الباب توقعت عودته فاستقبلته ببسمة واسعة وكانت مرتدية بيجامة بيتية بنصف كم راسم تفاصيل جسدها، فكانت مثيرة حقاً… اجفلت بخجل حين رمقها بنظرات الإعجاب، فاخفضت جفنيها وهي تقول بحياء: «حمد الله على السلامة..» «الله يسلمك..» اقترب منها في حركة فاجأتها وقبّل مقدمة رأسها بغرض تقريب المسافات بينهما، فازداد خجلها أكثر، ولكنها
تغلبت على ذلك ثم قالت: «على ما تغير هدومك هكون جهزت العشا.» رد عليها بتعب: «لا أنا مش هتعشى دلوقتي… عندي مشوار كدا هخلصه ولما أرجع هبقى أتعشى… أنا داخل آخد شاور..» هزت رأسها بإحباط… فهي كانت تتطلع لتناول العشاء برفقته… «طاب هعملك ساندوتش تاكله ع السريع..» لم يُرد أن يحرجها فاومأ موافقاً ثم تركها وسار باتجاه غرفته.
نزع ملابسه العسكرية ثم جلس على حافة الفراش حين داهمه صداع قوي، فتمدد بجسده على الفراش بملابسه الداخلية لعل الصداع يقل… ولكنه غفى دون أن يشعر من فرط التعب. بعد قليل دلفت ندى وبيدها طبق به شطيرتين، فوجدته هكذا نائماً بتلك الملابس، فاقتربت منه تقف بجواره وهي في حيرة من أمرها… أتوقظه ليأكل ويذهب إلى حيث أخبرها أم تتركه يكمل نومه… «أدهم… أدهم..» أخذت تهزه برفق ولكنّه لم يصدر عنه أي حركة وكأنه مقتول.
هزت رأسها باشفاق، ووضعت الطبق جانباً ثم جلست بجواره على حافة الفراش، تأملته ملياً تريد أن تتحسس ملامحه التي تعشقها ولكنها مترددة… تخشى أن يستيقظ من لمستها تلك… ولكنها أقنعت نفسها أنه لا ضرر من الاستمتاع ولو بثوانٍ برائحته التي أدمنتها وكأنها مادة مخدرة لم تعد تستغني عنها….
فأمالت برأسها عليه تستنشق عبير عطره مستندة بكفها الأيمن على كتفه الأيسر، فتذكرت ذلك الحلم الذي راودها في الصباح حين كانت في حلمها بين ذراعيه تدفن رأسها بين رأسه وكتفه وتتنفس رائحته، فابتسمت بحالمية وهي تأخذ نفساً عميقاً تملأ بعبيره رئتيها، ولكن لحظها العثر سقط شعرها الناعم القصير على عينه ليفتحهما بغتة وكأنه لم ينم لحظة، ليجدها مائلة عليه هكذا وأنفاسها تلفح عنقه فامتدت يده اليمنى الحرة البعيدة عنها لتقبض على ذراعها المستند على كتفه، فانتفضت مفزوعة وقامت سريعاً من عليه، فنهض هو الآخر من نومته ليجلس وهو يمسح وجهه من أثر النوم بينما هي أصابها التوتر البالغ وتجمد الدم في عروقها ووقفت أمامه كالمذنب ثم أخذت تفرك كفيها بتوتر
وهي تقول بنبرة مهتزة: «أنا… أنا كنت بصحيك عشان… عشان تاكل وتخرج.» نظر لها باستنكار وهو يتأمل ارتباكها، ثم هتف بدهشة: «في إيه يا ندى إيه اللي حصل يعني.. اهدي كدا… ليه التوتر دا كله..» «ها! ..» أشفق على خجلها فقام بتغيير مجرى الحديث: «أنا فعلاً جوعت أوي… فين السندوتشات؟! انحنت سريعا لتعطيه الطبق فأخذه منها ثم قضم قطعة من إحداهما وسألها وهو يلوك الطعام بفمه: «هو أنا نمت كتير؟! هزت رأسها بالنفي:
«لا.. أنا عملت السندوتشات بسرعة ودخلت لقيتك نايم.» هز رأسه عدة مرات وهو يتطلع إليها بسرحان، فقد حقاً أفقدته عقله بقربها الزائد منه… ترى هل حقاً كانت توقظه أم أنها فعلت معه ما فعلته معها ذلك الصباح… نفض تلك الأفكار عن رأسه ثم نهض من الفراش وهو يقول بجدية: «أنا كدا هتأخر على الميعاد..» حمحمت ثم قالت بتهرب: «طاب أنا هروح أشوف ماما تيسير..»
أومأ ولم يعقب، فهو أراد أيضاً أن يهرب من أمامها بعدما بعثرت كيانه خلال تلك اللحظات وأصبح مشتتاً للغاية… هل أحبته أيضاً كما أحبها؟! بينما هي فرت إلى غرفتها وهي تعض على أناملها من الندم… ما كان ينبغي أن تبادر هي بالقرب… ما كان ينبغي أن تلمسه… فهي المطلوبة ولا بد ألا تكون سهلة المنال هكذا. ظلت تجلد ذاتها وهي تدور بغرفتها ذهاباً وإياباً ولم تجرؤ على الخروج منها حتى لا تواجه بعد فعلتها تلك.
وفي تلك الأثناء تماماً … وصلت دارين إلى المقهى مبكراً عن موعدها مع أدهم لتراقب ذلك النادل الذي يدور بصينية المشروبات هنا وهناك، فنادته بأدب ليقبل عليها.. «أي خدمة يافندم؟! «أيوه.. أنا فعلاً عايزة منك خدمة واللي تطلبه أنا تحت أمرك.» اللمعت عيناه بطمع فأومأ يحثها على قول طلبها، فاستخرجت تلك الزجاجة الصغيرة من حقيبتها ثم قالت له بصوت أقرب إلى الهمس:
«بص.. أنا جوزي جاي يقابلني كمان شوية عشان في مشاكل بينا كدا هنحاول نحلها… أصل في واحدة حيوانة عملتله عمل وخطفتة مني وأنا عايزاه يرجعلي تاني بأي طريقة.. فأرجوك عايزاك تساعدني وكوباية العصير بتاعته تحطله فيها من العمل دا عشان يرجعلي..» اتسعت عينا النادل باستنكار وأخذ يردد برفض: «لا لا طبعاً.. أنا مستحيل أعمل كدا.. افرض دا سم يبقى أنا كدا قتلته بإيدي..» أسرعت تقول بلهفة:
«لا والله ماهو سم… أنا عندي استعداد أشرب منه قدامك عشان تتأكد… دا مجرد عمل أو سحر يعني عشان يرجعلي.. وللأسف لو كان رضي نتقابل في بيتنا كنت أكيد مش هلجأ لحضرتك بس هو مش عايز يرجع البيت حتى نتقابل فيه ونحل مشاكلنا.. الله يخليك يا أستاذ ساعدني والمبلغ اللي تطلبه أنا تحت أمرك… إيه رأيك تاخد ألفين جنيه؟! «ألفين جنيه؟!
قالها بذهول وهو يحك مؤخرة رأسه بتفكير، فحركة كهذه لن تكلفه شيئاً ولن تأخذ من وقته ثوانٍ ستدر عليه نصف راتبه تقريباً.. «حضرتك متأكدة إن دا مش سم… وإن دا مش هيضره ولا يشيلني ذنبه؟! «لا لا لا اطلاقاً… والله ما هيجراله أي حاجة.. دا جوزي وأنا هخاف عليه أكتر من أي حد في الدنيا.» مد يده أخذ الزجاجة بتردد ثم قال بقلة حيلة: «ماشي… بس هاخد الفلوس دلوقتي.»
فتحت حقيبتها لتستخرج المال الذي أعدته مسبقاً وناولته إياه وهي ترسم على شفتيها ابتسامة الانتصار فأخذ منها الأموال ودسها سريعاً في جيب سترته قبل أن يراه أحد ثم دس الزجاجة في جيب بنطاله.. «العصير بتاعه هتحطه قدامه ناحيته بالظبط وأنا بسرعة هاخد كوبيتي قبل ما الكوبايات تتبدل.» أومأ موافقاً وهو يرتعش من الخوف ثم انصرف إلى زبون آخر… في محافظة سوهاج..
كانت الأجواء احتفالية والزينة والأضواء الملونة منتشرة على امتداد الدوار وصوت الطبل والمزمار يغطي على أي صوت، وقد انقسمت حديقة الدوار الكبيرة إلى قسمين… قسم للرجال وقسم للسيدات تفصلهما حاجز كبير من قماش الخيام المزخرفة بالنقوش الإسلامية. وقد كان قسم الرجال مكتظاً على آخره بأعيان البلدة والبلاد المجاورة وكان حمد يجلس بين الحضور بالجلباب الصعيدي، فهو الزي الرسمي لتلك المناسبات.
كان يجلس وبجواره شقيقه الأكبر يستقبلان الضيوف تارة ويرقصان بالخيول تارة أخرى في أجواء حماسية للغاية. بينما في الجهة الأخرى تجلس العروس بفستانها الذهبي وطرحتها البيضاء المزرقشة بين السيدات تراقبنهن وحسب.. وكانت عائشة تحثها على الرقص ولكنها لم تستجب أبداً بحجة الخجل…
بينما هي في الحقيقة كانت تنتظر الإشارة من أمها.. وكانت ريم تجلس بين السيدات تصفق على تلك الأغاني الفلكلورية الخاصة بالصعيد وحده وتتابع رقص الفتيات ومستمتعة للغاية بتلك الأجواء الجديدة التي تراها لأول مرة وبالطبع رافقها مارتينا بالتصفيق والضحك.
على الجهة الأخرى… همس معتصم بأذن أخيه ببضع كلمات ثم استأذن من الحضور وذهب باتجاه خيمة النساء، وقبل أن يحمحم بصوت عالٍ ليعلمن بقدومه، وقف منبهراً تغمره حالة من الإعجاب حين وجد ريم تتمايل مع مارتينا وتضحك بسعادة غامرة وتصفق مرتدية فستان أبيض قصير مزين بزهور حمراء صغيرة يُظهر كاحليها ولكن تغطيهما بـ “ليج ان” طويل أبيض وتنتعل حذاء أبيض وحجاب قصير أحمر فكانت مميزة وجميلة بتلك الضحكات التي زينت ملامحها المريحة… كما أنه لأول مرة يراها ترتدي شيئاً آخر بخلاف البناطيل الضيقة والقمصان الطويلة… يا إلهي لقد كاد يفقد عقله من فرط انبهاره بها.
سرق من الزمن لحظات يتأملها بابتسامة حالمة وكأنه لم يكن هو… هو حقاً بدأ ينسى أنه الكبير في حضرتها… ثم سرعان ما عاد لرشده مستعيداً هيبته ووقاره ومن ثم حمحم بصوت عالٍ حتى تنتبه لهن النساء ويتوقفن عن الرقص وبالفعل قد فعلن… أقبل على العروس التي كانت تجلس بين أمه وأمها ثم قال بصوته الغليظ: «مبارك يا عروستنا…. حمد هيجي دلوقتي يلبسك الشبكة… ربنا يتمم بخير إن شاء الله.»
أومأت بخجل وهي تنظر أرضاً، وبعد قليل دلف إليهم حمد وتقدم منهن فنهضت أم صافية لتحضر علبة الذهب فجلس حمد مكانها وهو ينظر بطرف عينه إلى عروسه الخجلى فقد كانت جميلة حقاً، ولكن آه لو اكتمل جمال وجهها بجمال عقلها.. ولكن ليس كل ما يتمناه المرء يناله. وقف معتصم خلف شقيقه ثم قام بإلباسها الذهب وقامت بإلباسه خاتم الخطبة الرجالي ثم علت الزغاريد من قبل النساء وانطلقت الطلقات النارية تدوي في السماء.. «مبارك يا صافية..»
قالها حمد برقة فابتسمت تلك البسمة التي أظهرت غمزتها الوحيدة، فحاول تناسي لقائه الأخير بها وركز أكثر على تلك الابتسامة الساحرة التي سلبت عقله. تقدمت منهما ريم لتبارك لهما فراقبها معتصم بنظرة معجبة لم تخفَ عليها ولكنها تجاهلت نظراته ولم تعره اهتماماً ثم قالت برقتها المعهودة: «مبروك يا عروسة.. مبروك يا أستاذ حمد… ما شاء الله عروستك زي القمر..» «الله يبارك فيكي يا دكتورة… عقبالك.» اتسعت بسمة السيدة أم معتصم لتقول بسعادة:
«عقبالك يا بتي… والله نورتي الجعدة الزينة دي..» «شكراً يا حاجة.. أنا مبسوطة أوي إني في وسطكم النهاردة..» أتاها صوت معتصم الغليظ: «عقبالك يا دكتورة..» كتمت ريم ضحكتها بشق الأنفس، فهناك فارق كبير بين وجهه الآن ووجهه الآخر الخفي، وأجابته وهي تكتم ضحكتها بصعوبة: «ميرسي يا معتصم بيه.. عقبالك انت كمان.»
بالطبع لاحظ ضحكتها التي تحاول إخفاءها وقد فهم سبب تلك الضحكة، فابتسم هو الآخر محاولاً كبت ضحكته… فلولا ذلك الجمع من الناس لانفجرا سوياً في الضحك. عادت ريم لمجلسها بجوار مارتينا وهي تتحاشى النظر تجاهه، بينما هو غادر مجلس النساء سريعاً قبل أن تفضحه نظراته لها بينهن. رن هاتف ريم التي كانت تحمله بيدها طيلة الوقت، وكانت أمها هي المتصل… «مارتينا أنا هخرج برا أكلم ماما أصل الصوت هنا عالي أوي ومش هنسمع بعض..»
أومأت لها ثم تابعت التصفيق والغناء، بينما ريم فتحت الخط بعدما ابتعدت كثيراً عن محيط الحفل حتى يتسنى لها سماع أمها… استمرت المكالمة بينهما دقائق قليلة اطمأنت خلالها تيسير على ابنتها المغتربة، ثم انتهى الاتصال..
ولم تكد ريم تخطو خطوة واحدة في طريق عودتها للدوار حتى سمعت نباح الكلاب يأتيها من الاتجاه الذي من المفترض أن تسير ناحيته، انقبض قلبها وتجمدت الدماء في عروقها حين ظهرت لها من العدم مجموعة من الكلاب تنبح بقوة وكأنها تنتظر إشارة الهجوم عليها…
ازدادت ضربات قلبها بالتزامن مع زيادة معدل التنفس من فرط الخوف، ولم تجد بداً من الركض من أمامهم لعلها تنجو بنفسها، فركضت في الجهة الأخرى بعيداً عن الدوار لتركض الكلاب بدورها خلفها ويا ليتها ما فعلت… أدركت أنها أخطأت حين ركضت فقد ازدادت الكلاب شراسة وازداد ركضهم خلفها ولكنها استمرت في الركض على أي حال وهي تبكي من الخوف وتكاد تسقط في أي لحظة…
ولكن لسوء حظها لحقها أحد الكلاب لينهش كاحلها فصرخت بعلو صوتها من شدة الألم والخوف بذات الوقت، ولكن من سيسمعها في هذا الطريق الزراعي غير المأهول بالسكان.. يبدو أن الكلاب قد خافت فتركتها مسجية على الأرض وانسحبت بعيداً عنها… بينما بقيت هي تتنفس بصعوبة بالغة وجسدها متعرق للغاية وينتفض من شدة الخوف، فان نجت من الكلاب.. فهل ستنجو من الظلام الدامس الذي يحيطها؟! .. ثم من أين لها طريق العودة؟!
انكمشت على نفسها على جانب الطريق الترابي تنتظر النجاة وهي تحاول السيطرة على حالة الهلع التي أصابتها ولكن الأمر قد خرج عن السيطرة.. تباً لتلك الحالة التي ستفقدها حياتها يوماً.. أوشك الحفل على الانتهاء، وقد انتاب القلق مارتينا، فريم لم تعد بعد.. قامت بالاتصال بها عدة مرات ولكن في كل مرة ينفتح الخط ولا تجيب، الأمر الذي أثار رعبها عليها ولم تجد بداً من إخبار معتصم لعله يساعدها.. حين أخبرته بما حدث صاح بها بحدة:
«غايبة بقالها أكتر من ساعة ولسة جاية تقوليلي دلوقتي؟! ردت ببكاء: «أنا أنا اتلهيت في الفرح و…» قاطعها بزمجرة عالية ينادي بها على سمعان: «سمعاااان..» هرول إليه الخفير في لحظات ليهتف به بصوت جهوري: «خد الرجالة وجيب البلد على الدكتورة ريم… ولو لقيتها رن عليا طوالي..» «أوامرك يا كبير.» «عيشة..» أقبلت عليه أخته وهي في حالة من الذهول من قلق أخيها المبالغ فيه ليهتف بها: «خدي نعمة ودوري في الدوار أوضة أوضة… والمضيفة قُمان..»
أومأت بخنوع ثم ذهبت إلى داخل الدوار، بينما الحاجة أم معتصم كادت تبكي من القلق وأخذت تدعو لها بالرجوع سالمة… «ووينه حمد؟! أجابته أمه: «حمد أدلّى يوصل عروسته وخواتها لدارهم يا ولدي..» أخذ نفساً عميقاً ثم استل هاتفه من جيبه ليتصل بـ ريم لعله تجيبه وبالفعل فتحت الخط ولكن صوتها يأبى الخروج ولكن على الأقل اطمئن أنها ربما تكون بخير……. ركض خارج الدوار والهاتف على أذنه ليحثها بقوة على الرد:
«ريم… انتي فين… ردي عليا يا ريم أنا معتصم..» حين أتاها صوته أجهشت في بكاء مرير وصل إليه الأمر الذي دب الرعب في أوصاله وأدرك أن حالة الهلع قد أصابتها وبالطبع السبب مرعب. ابتلع ريقه بصعوبة من فرط القلق ثم قال بهدوء: «ريم عشان خاطري اهدي واتنفسي براحة عشان أعرف مكانك وأجيلك آخدك.» أيضاً لا رد… فقط شهقات عالية هو كل ما يستطيع سماعه، أخذ يركض بعيداً وبعيداً لعله يراها والخط مفتوح، ثم قال وهو يكاد يفقد عقله:
«ريم أنا معاكي ع الخط متخافيش… أنا معاكي يا حبيبتي مش هسيبك.. اهدي عشان خاطري.. حاولي تتنفسي براحة عشان صوتك يطلع… قولولي انتي فين؟! بالكاد استطاعت أن تقول: «معرفش..» أحس بقليل من الارتياح حين أتاه صوتها، ثم حثها على التحدث: «طاب انتي شايفة الزينة والنور اللي في الدوار؟! «لأ.. أنا… بعيد..» أغمض عينيه برعب، ثم واتته فكرة ليقول وهو يركض أبعد وأبعد: «طاب عايزك تركزي معايا كويس… افتحي الـ gps من تليفونك وابعتيلي مكانك..»
لم ترد ولكنها قامت بما قاله بيدين مرتعشتين، فأتته رسالة بموقعها، فتنفس الصعداء ثم قام بخلع جلبابه الذي أعاق حركة ركضه وألقاه على الطريق وبقي بالسروال وبادي كات رجالي، ثم تتبع الـ gps جرياً حتى ينقذها سريعاً قبل أن يصيبها مكروهاً حتى تقريباً وصل لمكانها… قد انقبض قلبه حين تبين له أنها قابعة هنا بهذا الطريق المهجور حيث تكثر الحيات والعقارب ولكنّه لا يراها… أخذ ينادي بملء فمه: «رييييم…. ريييم انتي فين… ريييم..»
لمح ذلك الضوء الخافت والذي يبدو أنه ضوء الهاتف الذي ظهر من الجانب النائي للطريق فسار إليه ركضاً لتظهر له أخيراً وهي متكومة على نفسها وفستانها الأبيض ملطخ بالأسود وحجابها ساقطاً من على رأسها وجسدها ينتفض بشدة وأنفاسها متسارعة للغاية.. «ريم..» بمجرد أن سمعت صوته ورفعت رأسها إليه فرأته أمامها.. لا تعرف كيف ألقت بجسدها على صدره ليلتقطها بين ذراعيه ويطوقها بشدة، فانفجرت في البكاء والنواح بحرقة وكأنها قد فقدت عزيزاً…
بينما هو أخذ يمسح على رأسها تارة ويشدد من احتضانها تارة أخرى وهو يغمض عينيه بألم يعتصر قلبه لأجلها…
لقد كاد أن يفقدها… كان كالمجنون قبل أن يجدها… لا يدري كيف وجد ذلك الهدوء والعقل أثناء بحثه عنها.. كلما تخيل أنها بقيت أكثر من ساعة بمفردها في ذلك المكان الموحش يكاد قلبه ينخلع، كيف تحملت ذلك… تلك الرقيقة التي تشبه قطعة البسكويت في رقتها.. كيف تحملت البقاء هنا.. وماذا لو لم يكن هاتفها معها.. كيف ستسير الأمور حينها… وألف كيف وماذا سألها لنفسه… أخذ يردد على أذنيها من الكلمات ما يهدئها بنبرة شبه باكية:
«أنا آسف… حقك عليا أنا… أنا خلاص جيتلك ومش هسيبك يا ريم… اهدي يا حبيبتي.. اتنفسي براحة انتي خلاص في أمان… أنا مش عارف بس إيه اللي خلاكي تبعدي عن البيت كدا.. ليه بس؟! ليه؟!
بدأت تهدأ رويداً رويداً بعدما شعرت بذلك الأمان الذي أخرجها من تلك الحالة المزعجة حتى كادت أن تفقد وعيها… فبينما حالة الهلع يبقى المخ متيقظاً ومتنبهاً تحسباً لأي خطر قد يهاجم صاحبه وبمجرد ما أن يشعر بأن الخطر زال يحدث له حالة من الخمول بعد فترة عصيبة من الخوف والإنهاك ويحاول استعادة وظائفه بعد فترة من النوم أو فقدان الوعي.. «ريم.. أوعي تنامي.. خليكي صاحية عشان نعرف نرجع.»
هزت رأسها المستندة على كتفه بإيجاب فأبعدها قليلاً ليرى وجهها فوجدها تفتح عينيها بصعوبة فسألها بترقب: «هتقدري تمشي؟! هزت رأسها بالنفي، فسألها بتردد: «أنا كدا مضطر أشيلك.» لم ترد كناية عن موافقتها فكل ما يشغل بالها الآن أن تعود للدوار لتهرب من ذلك الكابوس وتنام لعله ينمحي من ذاكرتها.
هم بالنهوض لكي يتمكن من حملها إلا أنها صرخت بألم حين لمس كاحلها، فأصابه الفزع وقام بتفقد كاحلها ليرى إذا ما كان قد انكسر ولكن وجد به آثار لأسنان كلب، فنظر لها برعب وهو يقول: «إيه دا؟! … هو في كلب عضك؟! هزت رأسها بإيجاب وهي تبكي، فأخذ يسب ويلعن وقد اتضحت له الصورة.. «طاب لازم نرجع الدوار بسرعة عشان نشوف هنعمل إيه في الجرح دا… أنا هشيلك ومتخافيش مش هلمس رجلك..»
أومأت وهي تحاول السيطرة على بكائها، فأحكم الحجاب حول رأسها أولاً وغطى ساقيها بالفستان جيداً حتى تكون مستورة، ثم حملها بخفة وكأنها لا تزن شيئاً وتعلقّت بعنقه بضعف وسار بطريق العودة إلى الدوار وهو يدعو الله أن تمر تلك الحادثة بسلام.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!