حين خرج أدهم من غرفة مكتبه، وقف معتصم ينظر في أثره وصدره يعلو ويهبط، وملامحه منكمشة من فرط الانفعال. فوجد نفسه يطيح بكل ما على سطح المكتب بيده وهو يصرخ بعصبية، لعله يفرغ غضبه في تلك الجمادات. فاستند بكفيه إلى حافة المكتب وهو يحاول السيطرة على عصبيته الزائدة.
وبعد ثوانٍ، قام بإطفاء المكيف ثم فتح نافذة الغرفة الكبيرة على آخرها، والتي تطل على الطريق. وأخذ ينظر من خلالها في اللاشيء وهو يستنشق الهواء، لعل صدره يتسع بعدما ضاق لحد الاختناق. بعدما هدأ تمامًا، أمسك هاتفه وأتى برقم ريم. ينظر له ونفسه تراوده بأن يتصل بها ويحاول إقناعها مجددًا، لعله ينجح تلك المرة. ولكن عاد لينهر نفسه ويحدثها:
"إيه يا معتصم، اتغيرت أوي… كفاية بعثرة في كرامتك لحد كده.. من امتى وانت بتجري ورا حاجة مش ليك.. كفاية عليك الكام ذكرى اللي عيشتهم معاها، وسيبها بقى تعيش حياتها زي ما اختارتها وحافظ على شوية الكرامة اللي باقيين لك." ألقى بالهاتف على سطح المكتب، ثم طلب من السكرتيرة أن ترسل عاملًا لتنظيف المكتب وإعادة ترتيبه.
حاول أن يستعيد تركيزه قدر المستطاع حتى يتمكن من استئناف أعماله. وفي خضم انشغاله، دخلت إليه نرمين وجلست قبالته بعدما ألقت عليه التحية. ترك ما بيده من عمل، ثم نظر لها بملامح واجمة في انتظار ما ستقوله. فحمحمت لتقول بتوتر وهي تفرك كفيها: "معتصم… مش هنرجع لبعض بقى؟! قطب ما بين حاجبيه ناظرًا لها باستفهام، وكأنه يقول: لماذا؟ فأسرعت ترد موضحة: "يعني البنت اللي انت طلقتني عشانها اتخطبت لواحد تاني خلاص والموضو…"
قاطعها ليسألها بدهشة: "انتي عرفتي منين إنها اتخطبت؟! ارتبكت وأخذت تحاول اختلاق كذبة لإنقاذ نفسها من ذلك المأزق، إلى أن قالت وهي تبتلع ريقها بتوتر: "هشام…. هشام قالي… بس أنا اللي ألحيت عليه يعني… ماكنش راضي يقولي.. بس أنا ذنيت على دماغه لحد ما قالي." أخذ ينظر لها بشك، فقد كانت حالتها مثيرة للشك حقًا، ولكن تجاوز ذلك على أية حال، ثم قال بجدية: "مفيش حاجة هتتغير يا نرمين… خلينا كده أحسن.. أنا كده مرتاح أكتر."
"بس أنا مش مرتاحة وأنا بعيد عنك." هز كتفيه لأعلى ليقول وهو يزم شفتيه: "دي مشكلتك انتي مش مشكلتي.. وبعدين ما إحنا مع بعض طول الوقت في الشركة، ومافيش يوم بيعدي من غير ما أشوفك." تنهدت بضيق ثم قالت: "معتصم، أظن أنا مش محتاجة أشرحلك قصدي إيه ببعدي عنك.." اقترب برأسه من رأسها ليقول وهو يصوب عينيه لعيينها، لعلها تفهم أكثر: "قولتلك مفيش حاجة هتتغير.. وأظن مش محتاج أشرحلك أكتر من كده." بادلته النظرة بأخرى ساخطة،
ثم قالت بنبرة مغتاظة: "واضح إن لسه عندك أمل إنها ترجعلك." رمقها بنظرة حارقة ليصيح بها بعصبية: "ميخصكيش… واتفضلي برا.. وقتك خلص." نهضت وهي ترمقه بنظرات متوعدة، ولكن لم يهتم بنظراتها. وبمجرد أن خرجت وأغلقت الباب من خلفها، دار بكرسيه حول نفسه وهو يضرب المكتب بقبضته ويصرخ بعصبية: "أنا كنت ناقصك انتي كمان… سيبوني بقى.. عايزين مني أييييه!!
دفن رأسه بين كفيه وهو يتنفس بسرعة، وبقي على تلك الحالة لفترة طويلة. فلم يستطع البقاء بالشركة أكثر من ذلك، وترك ما أمامه من ملفات والتقط سترته ومفتاح سيارته وغادر الشركة بأكملها إلى حيث لا يعلم بعد. خرجت نرمين من مكتب معتصم وهي تستشيط غيظًا. فذهبت إلى غرفة مكتبها بالطابق العلوي، وحين دخلتها أخذت تدور حول نفسها بغضب وهي تتحدث مع نفسها:
"هي للدرجادي واكلة عقلك يا معتصم… بجد أنا مش مصدقة… آه لو أشوفك يا زفتة انتي.. والله ما أخلي فيكي حتة سليمة.. نفسي أعرف فيكي إيه مش فيا.." استخرجت هاتفها من حقيبتها، ثم قامت بالاتصال براغب، وبعد قليل أتاها رده لتقول: "ازيك يا راغب عامل إيه؟! "تمام يا هانم… إيه الأخبار؟! "لسة مش قادرة أوصل لحاجة… رغم إنها اتخطبت لكن لسة بيحبها ومنتظر ترجعله ومش عايزنا نرجع لبعض تاني." "اصبري شوية يا هانم… لسة الجرح مفتوح."
"أصبر لحد امتى… لحد ما شهور العدة تخلص ويبقى طلاق رسمي! سكتت مليًا، ثم أخذت تقول وهي تعض أناملها من الغيظ: "أنا نفسي أمسك البت دي أديها علقة موت وأشفي غليلي منها." حانت منه بسمة ماكرة وهو يقول: "سيبي الموضوع ده عليا يا هانم؟! قطبت جبينها باستغراب: "قصدك إيه يعني؟ … هتضربها؟! "لأ طبعًا مش هينفع أضربها أنا… بس عندي اللي هيجيبهالك من شعرها قدام عينيكي وأشفي غليلك براحتك… بس كله بحسابه." هزت رأسها بحماس:
"تمام، اوكي حلو أوي… وطبعًا اللي تطلبه أنا تحت أمرك." "تمام.. ابعتيلي بس عنوان شغلها وخلّي الباقي عليا." "اوكي.. معتصم كان بعت عنوان شغلها للي اسمه عمر ده ع الواتس.. هبعتهولك حالا.." "تمام… وساعة التنفيذ هكلمك عشان تشوفيها وهي بيتعمل معاها الجلاشة.. سلام يا هانم." أغلقت المكالمة وهي تبتسم بشماتة وتمني نفسها برؤية تلك الدخيلة وهي تنزف دمًا نظير سرقتها لأغلى ما تملك كما تظن.
أخيرًا، عادت مودة إلى أرض الوطن وتم حجزها بمشفى الدكتور رؤوف لاستكمال فترة النقاهة، وقد استعادت قدرًا كبيرًا من عافيتها. ولكنها منذ وطأت قدماها أرض الوطن لم تنفك عن السؤال عن أختها ورغبتها الشديدة في رؤيتها، وإن كانت مازالت نائمة في غيبوبتها العميقة. ولكن محمد لم يعد يجد من المبررات ما يمنعها من رؤيتها، إلى أن نفذ صبره واستدعى آسر، الذي وعده بالمرور إليه عقب انتهاء عمله مباشرة.
قبل أن يدخل آسر إلى مودة، استوقفه محمد ليأخذه إلى المقهى الملحق بالمشفى حتى يتحدثان بأريحية أكثر. "آسر… أنا مش قادر أقول لمودة خبر موت أختها.. خايف عليها وفي نفس الوقت مش هقدر أشوفها وهي منهارة… عشان كده أنا وكلتك انت للمهمة دي.. أنا عارف إنها هتكون صعبة عليك.. بس أنا متأكد إنك هتعرف تهديها أكتر مني.. أنا أصلًا قلبي مش مستحمل وهنهار قبل منها." سكت آسر مليًا يفكر في طلب حماه، إلى أن قال بحزن:
"كتير عليا أوي يا عمو محمد… انت كده هتحطني في موقف صعب ومش قادر أتوقع رد فعلي لو مودة انهارت قدامي… هتقلب عليا المواجع والأحزان." ربت على كتفه بحب وهو يقول ببسمة واثقة: "أنا متأكد إنك قدها يا آسر… معلش يابني أنا عارف إني بتّقل عليك… ومش هنسالك الجميل ده أبدًا." تنهد بقلة حيلة ثم هز رأسه بموافقة، فاتسعت بسمة محمد واسترسل قائلًا: "اطلع لها دلوقتي سلم عليها وقولها ع الحقيقة وأنا هستناك هنا… مش هقدر أشوفها بعد ما تعرف."
أومأ بموافقة ثم نهض وهو يقول: "عن إذنك يا عمو…" صعد آسر إلى غرفتها، وقبل أن يطرق الباب أخذ نفسًا عميقًا وهو يغمض عينيه استعدادًا لهذا الموقف الثقيل، ثم طرق الباب ودلف إليها ليجدها تجلس بمنتصف الفراش وبيدها هاتفها تتصفحه. وبمجرد أن التفتت له تنظر بابتسامتها الجميلة، دق قلبه بعنف وكأنه يرى ميريهان أمامه للمرة الثانية، ولم يكن حال مودة بأقل منه، فقد كاد قلبها أن يخرج من مكانه حين طل عليها.
حاول آسر السيطرة على حالة التخبط التي أصابته، ثم أخذ نفسًا عميقًا وتقدم من فراشها وهو يقول برسمية: "حمد الله على سلامتك يا مودة… نورتي مصر كلها.." ردت برقتها المعهودة: "الله يسلمك يا آسر.. مصر منورة بأهلها." جذب كرسيًا وجلس بجوار فراشها، ثم سألها بابتسامة سحرتها: "ها يا جميلة… عاملة إيه النهاردة؟! تاهت منها الكلمات وهي تتأمله عن قرب وكأنها تراه لأول مرة. لم تكن تلك أبدًا نظرتها له سابقًا، ماذا تغير إذن؟
نهرت نفسها أن فكرت في خطيب أختها بتلك الطريقة، ثم ابتلعت ريقها وهي تقول: "الحمد لله أنا بقيت كويسة ونفسي أخرج عشان أشوف ميري." حمحم آسر بتوتر وهو ينظر للجهة الأخرى يحاول استجماع الكلمات التي سيقولها ليخبرها بالحقيقة، إلى أن قال بجدية: "هتقدري تقومي من السرير؟! .. تعالي نقعد على الكنبة دي عشان عايز أتكلم معاكي في موضوع كدا."
هزت رأسها بإيجاب، ثم تزحزحت حتى وصلت إلى حافة الفراش، ثم أنزلت قدميها على الأرض. وبمجرد أن وقفت أصابها دوار طفيف وكادت أن تقع، ولكن آسر أسرع بإسنادها من خصرها. فتوترت كثيرًا من قربه واحمرت وجنتاها خجلًا، بينما هو تسارعت دقات قلبه أكثر، ورغمًا عنه أخذ نفسًا عميقًا يستنشق عبيرها، إلى أن عاد إلى وعيه وقال بتوتر وهو مازال يسندها: "خلاص خليكي في السرير طالما بتدوخي." هزت رأسها بنفي:
"لأ لأ أنا زهقت من رقدة السرير.. اسندني بس لحد الكنبة." أومأ وهو يبتلع ريقه من فرط الارتباك، ثم أسندها إلى أن جلسا على الأريكة. فنظر آسر في عينيها ثم قال بجدية:
"مودة انتي عارفة إن ميري حالتها كانت وحشة بسبب الحادثة، وانتي كمان ساءت حالتك أكتر، ولكِ أن تتخيلي باباكِ كانت حالته عاملة إيه وهو حاسس إن بناته اللي طلع بيهم من الدنيا خلاص هيروحوا منه… بس ربنا أراد إنه يتكتب لكِ عمر جديد عشان يخفف عن والدك شوية… بس للأسف ميري… ميري مكملتش واتوفت." انكمشت ملامحها بعدم تصديق أو ربما عدم استيعاب، وأخذت تهز رأسها والدوع تنهمر من عينيها بغزارة وتهذي بلا وعي: "لأ.. انت بتقول إيه؟!
.. المفروض أنا اللي كنت أموت… ميري لأ.. أنا.. أنا كنت مستنية موتي إنما هي لأ.." أخذت تهذي بتلك الكلمات وهي تلوح بيديها هنا وهناك، وجسدها ينتفض بعنف من فرط الصدمة، وآسر يحاول تهدئتها ولكن بلا فائدة، فقد خرج الأمر عن سيطرتها.
أخذت تبكي بحسرة بكاء هيستيري وهي تتأوه بصوت عالٍ وتمسك موضع قلبها، وآسر يحاول معها بشتى الطرق، فتارة يقيد يديها وتارة يحيط وجهها بكفيه ويهدئها بالكلمات، ولكن أيضًا بلا فائدة، إلى أن ساءت حالته هو أيضًا وكأن عدوى الصدمة انتقلت إليه، فبكى رغمًا عنه وهو يراقب انفعالاتها بقلب مكلوم.
من فرط صدمتها، نهضت من مكانها تحاول السيطرة على نوبة البكاء الهيستيري التي أصابتها، فنهض آسر سريعًا يسندها من كتفيها قبل أن تسقط. فأمسكته من ياقة قميصه وأخذت تهذي وهي تبكي: "مش هشوفها تاني يا آسر؟! .. إزاي هعيش من غيرها.. ها قولي.. أنا عايزة أشوفها.." رد عليها وهو بالكاد يسيطر على أعصابه:
"مودة انتي إنسانة مؤمنة وعارفة إن كل واحد لينا له عمر وساعة… وهي خلاص عمرها خلص.. احمدي ربنا إنك لسة عايشة وإلا باباكِ كان هيجراله حاجة." ردت وهي مازالت تبكي بهذيان: "أنا كده كده هموت.." لم يتحمل كلمتها وكأنه تخيل فراقها وانشطار قلبه للمرة الثانية، فجذبها إلى حضنه وهو يقول بنبرة شبه باكية:
"لأ متقوليش كده… إن شاء الله هتعيشي كتير وهتتجوزي وهتخلفي.. الدكتور رؤوف قال إن انتي اتحسنتي كتير بعد العملية وتقدري تمارسي حياتك زي أي شخص عادي." بدأت شهقاتها تقل رويدًا رويدًا وكأنها عادت لوعيها، فابتعدت عن حضنه وهي تسبل جفنيها بخجل، فابتسم آسر من بين ملامحه الحزينة، ثم استرسل بجدية:
"ميري زمانها مبسوطة دلوقتي إنك رجعتي تاني للحياة… وإنك هتقدري تعملي كل حاجة كنتي محرومة منها… عشان خاطري يا مودة.. لو ليا عندك خاطر، جمدي قدام باباكِ.. هو فيه اللي مكفيه وخلاني أقولك أنا خبر وفاتها لأنه مش مستحمل يشوفك وإنتي منهارة."
أخذت تمسح عبراتها من وجنتيها وهي تومئ برأسها، ثم سارت إلى الفراش حتى جلست على حافته، ولكنها لم تستطع أن توقف عينيها عن زرف العبرات. فتركها آسر تفرغ ما بجعبتها من حزن وعاد يجلس على كرسيه مرة أخرى وهو يراقبها بحزن شديد.
مساءً، عاد أدهم لتوه مع ندى من عند طبيب الصدر التي تتابع زوجته معه منذ أن أصيبت بالكورونا. فتح باب الشقة والابتسامة الواسعة لم تفارق محياه، فدلفَت ندى ودلف خلفها يحيط كتفيها بذراعه، ثم سار بها مباشرة إلى غرفته تحت دهشتها واستغرابها. فضحك وهو يجرها إلى الغرفة ويقول: "هش… من النهاردة مفيش اعتراض على أي حاجة… من النهاردة مش هتباتي برا الأوضة دي." ضحكت وهي تقول: "طيب اصبر بس آخد نفسي وأطمن ماما." "بعدين بعدين."
سارت معه باستسلام، ولكن استوقفتهما تيسير قبل أن يفتح باب الغرفة وهي تسأل بتفاجؤ: "إيه ده انتوا جيتوا امتى؟! استدارا إليها لينظر لها أدهم باحباط ثم قال بعجلة: "الدكتور قال إنها بقت كويسة الحمد لله.. عن إذنك يا ماما.." قالها وهو يستدير ويضع يده على مقبض الباب، فرفعت تيسير حاجبيها باستنكار لتقول بغضب: "ما تستنى يبني فهمني الدكتور قال إيه بالظبط؟! تنهد بنفاذ صبر ثم عاد ينظر لها بضيق يحاول إخفاءه فقال:
"كويسة يا ماما.. كويسة.. إيه اللي مش مفهوم في كلامي؟! كممت ندى فمها لتوري ضحكتها التي تكتمها بصعوبة، فرمقها بغيظ، ثم وضع يده على المقبض للمرة الثالثة وهو يقول: "عن إذنك يا ماما.." ثم فتح الباب ودفعها إلى داخل الغرفة، ومن ثم نظر لأمه وهو يبتسم بسماجة ثم أغلق الباب. كل ذلك تحت نظراتها المتعجبة من تصرفاته الغريبة، فانفجرت في الضحك بمجرد أن انغلق الباب، ثم أخذت تهز رأسها يمنة ويسارًا وذهبت لغرفتها.
أما بالداخل، أخذت ندى تفرك كفيها بتوتر من نظرات أدهم الهائمة، فقالت بارتباك حتى تهرب من نظراته: "أنا هروح أوضتي أجيب هدوم ليا عشان آخد شاور وأغير." استند بجسده على الباب وكأنه يمنعها من الخروج، ثم قال بمراوغة: "انتي ناسيه إن ليكي هدوم هنا… وبعدين مش عاجبني حوار أوضتي وأوضتك دي." رفعت حاجبها وهي ترد بتحدي: "مش ده كان اختيارك من الأول؟! .. وبعدين في الأساس أوضتي دي كانت أوضتنا اللي المفروض ننام فيها سوا لو تفتكر."
لوى فمه ببسمة معجبة، ثم سار نحوها بخطى متمهلة ما زاد من توترها أكثر حتى أصبح في مواجهتها تمامًا وتفصلهما إنشات قليلة. فمد يده فك حجابها وألقاه على الفراش، ثم فك عقدة شعرها وسمح لغرتها أن تنسدل على جبينها، ثم أخذ يتأملها بهيام وهو يقول بنبرة مبحوحة: "كنت مغفل." ابتسمت وهي تطرق رأسها بخجل، ثم تهربت من مرمى عينيه وهي تقول بنبرة مهتزة: "احم… طيب أنا.. أنا هدخل آخد شاور.."
ثم فرت سريعًا من أمامه إلى المرحاض الداخلي بالغرفة، وتركته يضحك باستمتاع متمتمًا بخفوت: "كويس إنها نسيت تفتح الدولاب.. ههههه." بعد ثوانٍ نادته: "أدهم ناولني بيجامة من الدولاب.. نسيت آخدها." سكت لوهلة يفكر ماذا سيقول لها، إلى أن رد: "اخرجي بالبرنس واطلعي لنفسك.. أنا مش هعرف أطلعلك هدوم." ضربت الأرض بقدمها وهي تقول بغيظ: "مش هينفع… يلا يا أدهم بطل غلاسة." رد بعناد: "طيب غلاسة بغلاسة بقى مش جايب حاجة…"
أصدرت صوتًا مكتومًا كناية عن غيظها البالغ، فضحك بخفوت وهو يقول: "متخافيش أنا هدخل بعدك طولًا ومش هخرج من الحمام غير لما تخلصي لبس." استخرج من الخزانة ملابس له، وكانت بادي أبيض كات وبنطال قصير بالكاد يغطي الركبتين من اللون البيج، ثم جلس بحافة الفراش ينتظر خروجها وهو يتحدث مع نفسه بصوت خافت: "يا رب تكوني عملتي اللي قولتهولك عليه يا ريم واللي فكرت فيه يحصل زي ما أنا عايز."
بعد دقائق قليلة خرجت ندى مرتدية برنس الاستحمام، فدلف أدهم خلفها مباشرة دون أن ينبس ببنت شفة حتى لا يثير خجلها أكثر ولتكون أكثر استعدادًا للحظات القادمة.
فتحت درفتها لتجدها خالية إلا من رداء واحد فقط عبارة عن هوت شورت قصير جدًا جدًا وبادي بحمالات بالكاد يغطي الصدر ويظهر البطن. كممت فمها وهي تنظر لهاتين القطعتين بذهول. لقد اشترت مثلها الكثير من الولايات المتحدة، ولكن لترتديها أسفل ملابسها أو حين تكون بمفردها في غرفتها المغلقة عليها. متى أتت بهما إلى تلك الخزانة… حقًا لا تتذكر. "يا ربي هلبس دول قدامه إزاي.. لأ ده أنا كده هيغمى عليا من الكسوف.. أووف."
خطرت لها فكرة، فقامت بارتداء القطعتين سريعا قبل أن يخرج أدهم، ثم فتحت ضرفته و…… بعد دقائق قليلة خرج من المرحاض ليتفاجأ بها تجلس في شقها من الفراش وترتدي تي شيرت خاص به وتغطي ساقيها بالغطاء، وتنظره بابتسامة مصطنعة تواري بها فعلتها. تسمر بمكانه ينظر لها بذهول إلى أن نطق أخيرًا: "انتي لابسة التيشيرت بتاعي؟! هزت رأسها وزمت شفتيها: "ملقتش هدوم ليا في الدولاب." اتسعت عيناه وهو يحدث نفسه:
"يخربيت غبائك يا ريم انتي نسيتي تسيبلها هدوم! ولكنه قال بتوتر: "ملقتيش أي هدوم خالص؟! ردت بخجل: "لقيت اندر وير بس ولبست عليهم التيشيرت بتاعك." أخذ يضرب فكيه بغيظ وهو يسب ريم في سره، فذلك لم يكن اتفاقه معها. "ممكن تخرج بقى تجيبلي بيجامة من أوضتي." لم يكترث لطلبها، وإنما ذهب ليجلس بشقه بالفراش بأريحية ثم قال ببرود: "اللي عايز حاجة يجيبها لنفسه."
"أوفف.. يا أدهم هخرج إزاي بهدومك… افرض ماما ولا ريم شافوني ماشية في الشقة كده هيقولوا عليا إيه؟! "خلاص اقلعي هدومي… أنا أصلًا عايز التيشيرت بتاعي." نظرت له بتغيظ شديد أثار استمتاعه، ولكن بادلها بنظرة باردة ليثير استفزازها، فازاحت عنه الغطاء بعصبية فكشف عن ساقيها المثيرتين، ولكنها لم تهتم من فرط غيظها. فأخذ أدهم يراقبها بابتسامة ماكرة وهو يقول: "هتخرجي برا كده؟! ردت بانفعال طفيف: "أيوه."
فتحت باب الغرفة ثم أغلقته سريعًا وهي تستند إليه من الداخل وهي توشك على البكاء، فضحك أدهم بقهقهة على مظهرها وسألها من بين ضحكاته: "مروحتيش ليه؟! ضربت الأرض بقدميها وهي تقول: "ريم قاعدة برا." قفز من الفراش بحركة رشيقة ثم سار نحوها حتى احتجزها بجسده بينه وبين الباب واستند بكوعه إلى الباب من خلفها، واقترب بوجهه من وجهها حتى اختلطت أنفاسهما، ثم قال بصوت مبحوح:
"مش مهم خليكي بالتيشيرت… أصلًا هياكل منك حتة.. وبعدين مش أول مرة أشوفك بالهوت شورت." رمشت بأهدابها عدة مرات من فرط الخجل والتوتر من ناحية، ومن قربه المهلك من ناحية أخرى.
ابتعد قليلًا عنها رأفة بخجلها، ثم أطبق على كفها وسار بها إلى الأريكة أجلسها عليها، ثم سحب الكرسي الصغير الخاص بطاولة الزينة وجلس عليه قبالتها تمامًا بحيث أصبحت ساقاها المضمومة بين ساقيه. ثم أمسك كفيها يحتضنهما بين كفيه وبدأ حديثه بنظرة مطولة هائمًا بملامحها التي عشقها وذاب بها، ثم قال بنبرة هائمة: "كنت عايز أسألك في حاجة وأتمنى تفيديني." أومأت دون أن تنطق، فقد أفقدها وضعها المخجل أمامه قدرتها على النطق، فاسترسل
حديثه بنبرة مبحوحة: "لما يكون في حد شاغل تفكيري أوي وبيوحشني دايما حتى وهو معايا.. تفتكري ده يبقى إيه؟! نظرت له بشبه ابتسامة وكأنها تنتظر أن يقول المزيد، فاسترسل حديثه: "طيب لما أحس إن قلبي هيخرج من مكانه وهو قدامي ومابكونش قادر أشيل عيني من عليه طول ما أنا شايفه… تفتكري ده يبقى إيه؟ ازدادت بسمتها وضوحًا وهي مازالت تتأمله، فاسترسل حديثه: "طيب لما أحس إني عايز أقرب منه أوي وأحضنه وأدخله جوايا…"
قال تلك العبارة وهو يقف ويوقفها معه، ثم جذبها إلى صدره وطوق خصرها بذراعيه، فقامت بلف ذراعيها حول عنقه. فأحس بانهيار كامل دفاعاته أمامها، فتجرأ ورفع التيشيرت حتى نزعه من عليها، ولم تقاومه، بل تركت نفسها له يفعل بها ما يشاء، فأخذ يتأملها بإعجاب بالغ وهو يقول بهيام مستندًا بجبهته إلى جبهتها: "أنا شايف قدامي جمال أمريكاني محصلش.." ابتسمت وهي تقول بخجل: "ماهو ده يعتبر الزي الرسمي للبنات هناك."
أغمض عينيه بإستمتاع بحالة العشق التي غمرته، وأخذ يتمتم بصوت مبحوح: "متعرفيش أنا مستني اللحظة دي بقالي قد إيه؟! ابتسمت وهي تشدد من عناقه كناية عن مبادلتها له لنفس المشاعر، فاتسعت ابتسامته الهائمة وهو يسألها: "عرفتي ده يبقى إيه؟! أومأت برأسها وهي تدفن وجهها في تجويف عنقه، فاسترسل قائلًا: "عايز أسمعك." ردت بنبرة خافتة: "بحبك…"
انفرجت أساريره بابتسامة واسعة، وكاد أن يرد عليها معبرًا عن مشاعره تجاهها، إلا أن رنين الهاتف قطع تلك اللحظات النادرة، ليتأفف أدهم بضجر وهو يبتعد قليلًا: "أوووف… نسيت أقفل التليفون… لحظة واحدة خليكي زي ما انتي هقفله وأرجعلك." هزت رأسها بصمت، فتركها على مضض وذهب إلى الكومود حيث وضع الهاتف، فتفقده ليجد أن اللواء سامي هو من يهاتفه، فلم يستطع تجاهل الأمر. فطالما أنه يتصل بنفسه إذًا الأمر لا يحتمل التأجيل. نظر لها بأسف:
"معلش يا ندى مضطر أرد." هزت رأسها وهي تقول: "عادي رد يمكن حاجة مهمة." فتح الخط ليأتيه صوت اللواء المذعور يقول: "أدهم لو ندى جنبك ابعد عنها.. مش عايزها تسمع أو تحس باللي هقوله." استأذن من ندى بالخروج متعللًا بأن الشبكة سيئة بالغرفة، ثم خرج إلى الشرفة: "اتفضل يا فندم أنا بعدت عنها." "مصيبة يا أدهم… المافيا قتلت أنور أبو ندى واتنين من الحرس اتصابوا وواحد مات." "إيه؟!
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!