تجري على شاطئ البحر وهي تضحك، وضحكاتها تدوي خلفها. وهو يركض ضاحكًا خلفها لعله يلحقها، وكلما اقترب منها تزيد من سرعتها وهي تصرخ بضحكة عالية إلى أن أمسك بها. ومن فرط سرعتها وقعت ووقع فوقها، لتواجه عينيه المبتسمة عينيها، لا يفصلهما سوى إنس واحد ليقول بنبرة هائمة سلبت عقلها: "بحبك يا ريم"
وفجأة صرخت ببكاء وكأنها كانت بغيبوبة واستيقظت منها، وأخذت تركله وتبعده عنها تحت دهشته البالغة، فاضطر إلى أن ينهض ويبتعد عنها. فنهضت وركضت بعيدًا عنه حتى اختفت تمامًا وهو يناديها مرة واثنتين وثلاثًا: "ريم... ريم... ريم" إلى أن فتح عينيه فجأة ليجد نفسه نائمًا على الأريكة الجلدية بمكتبه بالشركة. أخذ يدور بعينيه في أنحاء الغرفة ويستغفر ربه ويمسح وجهه وشعره من أثر النوم ويستعيد أحداث ذلك الحلم القصير وهو يفكر بها...
متى ستخرج من رأسه يا ترى؟ ... لقد شغلته إلى الحد الذي أصبحت فيه تراوده بأحلامه وتؤرق نومه من كثرة التفكير بها... كيف سيتركها وشأنها إذن؟! كيف سينساها ويكمل طريقه بدونها إذن؟! عودة إلى أدهم.. خرج من الشرفة بعدما تلقى ذلك الخبر الصادم من اللواء سامي، ليدلف إلى الغرفة متهدل الكتفين وملامحه واجمة ينظر إليها بارتباك، لا يدري كيف سيخبرها بمقتل أبيها الذي لم يبق لها سواه في هذه الدنيا. كانت حينئذ جالسة على الأريكة تنتظره،
فنظرت له باستفهام: "مالك يا أدهم، شكلك متغير كدا ليه؟! في حاجة حصلت في الشغل؟! تقدم منها حتى أوقفها أمامه ثم قبض على خصرها بتملك حتى لا تسقط منه حين تسمع الخبر: "بصي يا ندى... عايزك تتأكدي إن أنا هفضل معاكي لحد آخر نفس فيا ومش هسيبك أبدًا مهما حصل... أنا ليكي كل حاجة في الدنيا... أنا جوزك وأبوكي وأخوكي وصاحبك وعمري ما هتخلى عنك أبدًا... أنتي فاهمة؟! هزت رأسها بصمت وقد انتابها القلق الشديد بعد تلك المقدمة المؤثرة،
ثم سألته بقلق: "في إيه يا أدهم؟! ترك خصرها ثم أمسك وجهها بين راحتي يديه وابتلع ريقه وهو يقول: "المافيا اغتالت والدك في بيتكم اللي في أمريكا... البقاء لله." اتسعت عينيها ثم ما لبثت أن امتلأت بالدموع التي عرفت مجراها على وجنتيها فانهمرت بغزارة، وهي تهز رأسها بعدم تصديق: "بابا؟! لأ... بابا... هو فين؟! لا إله إلا الله... إنا لله وإنا إليه راجعون... لا لا... أنا عايزة أشوفه... هو فين؟! وديني لبابا يا أدهم...
تركته وأخذت تفتح درف الخزانة واحدة تلو الأخرى تبحث عن ملابس لها ترتديها لتذهب إليه، ولكنها تبحث بعشوائية وكأنها لا تعي ما تفعله، تفتح الدرفة وتغلقها ثم تفتحها مرة أخرى وهي تبكي بانهيار إلى أن خارت قواها وسقطت على حافة الفراش وأدهم يراقبها بقلب منفطر. جذبها إلى صدره وهو يحتضنها بشدة ويواسيها بالكلمات بينما هي انخرطت في بكاء مرير ازداد أكثر من ذي قبل وهي تقول: "كان نفسي أشوفه يا أدهم... كان عندي أمل أرجعله ونعيش سوا...
كان خايف عليا... يا ريتني فضلت معاه وكنا متنا احنا الاتنين وما كانش سابني لوحدي... آآآه... فرت دمعة من عينه حين لفظت تلك الآهة التي تردد صداها بصدره فشعر بمدى ألمها وانكسار قلبها، فشدد من احتضانها أكثر وهو يسألها بلوم: "لوحدك ليه يا ندى؟! طاب أنا روحت فين؟! أنا معاكي يا حبيبتي ومش هسيبك! أمي هي أمك وأختي هي أختك... احنا عيلتك وأنتي مش لوحدك يا حبيبتي... أبعدها قليلًا عن صدره وحاوط وجهها براحتي يديه ثم أخذ يمسح
عبراتها بإبهاميه وهو يقول: "أنتي مش لوحدك يا روحي... أنتي أحلى هدية باباكي قدمهالي... ووعد هحافظ عليكي وأفديكي بروحي كمان... اصبري... اصبري يا ندى ورددي إنا لله وإنا إليه راجعون." أخذت تشهق وهي تردد خلفه إلى أن هدأت قليلًا ثم تركته ودلفت إلى المرحاض تغسل وجهها بينما هو بدل ملابسه لينطلق إلى مبنى العمليات الخاصة لمقابلة اللواء سامي ليتفقد موعد وإجراءات استلام الجثمان لدفنه بالأراضي المصرية...
بينما بقيت ندى بحضن تيسير تبكي وبجوارهما ريم تواسيها في انتظار مكالمة من أدهم يخبرهم بها بموعد وصول جثمان والدها الحبيب. مرت عدة أيام عسيرة على ندى وكانت حالتها النفسية سيئة للغاية حتى أنها كانت تنام بغرفتها بعيدًا عن أدهم من فرط الكآبة وحتى لا يراها بتلك الحالة. بينما هو بقي بغرفته ينعي نفسه مرة لفقدان حماه ومرات لعدم تمكنه من الحصول على لذة حياته مع زوجته التي عشقها حتى النخاع. في شركة معتصم...
أمر السكرتيرة بإبلاغ الموظفين بعقد اجتماع بعد نصف ساعة في قاعة الاجتماعات... وفي الوقت المحدد التف الموظفون حول طاولة الاجتماعات الكبيرة وكان من بينهم نرمين وهشام، ليدلف إليهم معتصم فحياهم باحترام ثم جلس على رأس الطاولة وأدار دفة الحديث قائلًا برسمية: "طبعًا سمعتوا في الآونة الأخيرة عن شركة الرشيدي للمعمار واللي ماسكة مشروعات ضخمة في العاصمة الجديدة...
هما عاملين حفلة افتتاح ضخمة لمول تجاري متكامل بيعرض كل اللي يخطر على بالكم من أول المواد الغذائية لحد الأجهزة الطبية وتجهيزات العيادات والشركات ومكاتب المحاماة... مشروع ضخم جدًا... ومن حسن حظنا إن أحد شركاء المشروع يبقى صديق قديم من أيام الجامعة وبعتلي ٥٠٠ دعوة لحفلة الافتتاح... طبعًا الدعوات دي هتتوزع على كل موظفين الشركة ومسموح لكل شخص ياخد دعوتين أو تلاتة على حسب العدد... ممكن يهادي بيها أصحابه أو حد من عيلته...
وطبعًا دي خطة دعائية ذكية جدًا عشان صيت المشروع يوصل لأكبر عدد من الشركات وكل من يهمه الأمر... الأستاذة هدى هتوزع عليكم الدعوات... وعايزكم تشرفوا شركتنا في الحفلة... بالتوفيق... نهض معتصم من كرسيه مغادرًا الغرفة، بينما بطاقات الدعوة تقوم السكرتيرة بتوزيعها، وفي تلك الأثناء شردت نرمين التي كان رأسها مشغولًا بمعتصم وعلاقته بحبيبته السابقة ومحاولاتها المتكررة لرده لها، بينما دائمًا يقابلها بالرفض.
كان هذا هو شغلها الشاغل وهمها الأكبر... أن يخرج حبيبته من رأسه وينعدم أمله في عودتها إليه.. فخطرت ببالها فكرة شيطانية ربما تستطيع بها التفريق بينهما وقطع كل الطرق التي من الممكن أن تجمعهما من جديد لعله يعود لرشده كما تظن. التقطت خمس بطاقات ثم دستها في حقيبتها وهي تبتسم بمكر وشكرت الظروف التي هيأت لها تلك الخطة. في اليوم التالي بالمشفى أقبل خالد على ريم بابتسامة واسعة وبيده بطاقتان وحين وقف أمامها تحدث بسعادة: "ريم...
جاتلنا فرصة خروجة ما حصلتش." مد يده لها بالبطاقتين فأخذتهما وفتحت إحداها تقرأها بينما هو استرسل حديثه بحماس: "الدكتور سالم مدير المستشفى بعت الدعوتين دول لينا ومعانا ٣ دكاترة تانيين لحضور حفلة افتتاح مول ضخم في العاصمة الجديدة." نظرت له باستغراب: "واحنا مبعوت لينا دعوات بصفتنا إيه مش فاهمة؟! شفتيه ليجيبها بلامبالاة: "عادي يعني يا ريم...
أصحاب المشروع عاملين دعوات لكل الكوادر المهنية كنوع من أنواع الدعاية لأن المشروع فيه أقسام مختصة بتجهيز العيادات والمستشفيات... فطبيعي إنهم يدعونا كدكاترة." "أيوه يعني إشمعنا احنا بالذات... أنا وإنت؟! رفع كتفيه لأعلى قائلًا: "مش عارف... المدير هو اللي اختارنا... يمكن عشان احنا كابل... بس أكيد مش هقوله اختارنا ليه يعني... المهم إننا هنخرج وهنغير جو وهنشوف أجواء مختلفة بعيدًا بقى عن المرضى والمستشفى... نظر في عينيها
بعمق وهو يقول بهيام: "من ساعة ما اتخطبنا وأنا نفسي أخرج معاكي بس أنتي مش سايبالي أي فرصة." أخذت تفرك كفيها بتوتر وهي تتحاشى النظر بعينيه وتقول: "آآآ أنت عارف إن أدهم ما بيحبش كدا وأنا بحترم رغبته... ثم ابتسمت لتسترسل حديثها بحماس: "بس خلاص إن شاء الله نروح الافتتاح دا طالما أنت متحمسله كدا... ضحك وهو يقول: "يعني أعتبر إنك كدا بتصالحيني... أو بتعوضيني عن رفضك للخروج؟! لكمته في كتفه وهي تقول بتذمر طفولي: "خالد بقى...
لا طبعًا... عادي يعني عايزة أكون مبسوط." تأملها بنظرة هائمة: "بجد؟! عايزاني أكون مبسوط؟! أومأت بخجل فاسترسل حديثه بمزيد من الهيام: "طول ما أنتي معايا هكون دايما مبسوط." ابتسمت بمجاملة، فحقا مهما أسمعها من غزل لا يحرك بها ساكنًا ولكنها مضطرة لمجاراته ربما يهتز له قلبها يومًا.
عاد أدهم من عمله بعد يوم طويل في التحقيقات في جريمة قتل حماه ودوافع وأسباب تلك العصابة التي أدت بهم إلى قتله وعما كانوا يبحثون في منزله الذي كان منقلبًا رأسًا على عقب ويبدو أنهم لم يجدوا ضالتهم فاضطروا إلى قتله ليتخلصوا من خطر تهديده لهم بما لديه من مستندات وأسرار.
رغم غضبه منها لأنها اعتزلته بغرفتها كل تلك الفترة منذ مقتل والدها إلا أنه مشفق عليها للغاية، فقد كان الخطب جلل والامتحان صعب وأي شخص مكانها ربما لما تحمل فقدان عزيزه بطريقة قاسية كتلك مع بعد المسافات بينهما. تحامل على نفسه ليذهب إلى غرفتها لكي يطمئن عليها، فمنذ ذلك الحادث وهي تتحاشاه وكأنه هو من قتل أباها ولم تسأل عنه ولو مرة...
طرق باب غرفتها فلم ترد، زفر بعنف من فرط غضبه ولكنه حاول السيطرة على نفسه ثم فتح الباب ودلف مباشرة مغلقًا خلفه، فوجدها نائمة بوسط الفراش متكومة على نفسها وكأنها في ملكوت آخر.. ذهب إلى فراشها واستلقى بجوارها ثم أخذ يزيح غرتها من على جبينها ليرى عينيها وهو يناديها برفق إلى أن فتحت عينيها وليتها لم تفتحهما، فقد صعق من شدة احمرارهما وتلك الهالات السوداء التي ظهرت أسفلهما.. "ليه عاملة في نفسك كدا يا ندى؟!
بقى أنتي ندى المؤمنة اللي محافظة على صلاتها وأذكارها ووردها القرآني؟! ما كنتش أصدق أنك تتحولي كدا مهما كان صعوبة الابتلاء.." تنهدت بعمق ثم نهضت من نومتها فأسندها حتى جلست بالفراش ثم قالت بنبرة حزينة وعينين زائغتين: "الحمد لله أنا راضية بقضاء الله وقدره... ورغم حزني الكبير أوي على بابا بس ما قصرتش أبدًا في صلاتي ولا أذكاري... بالعكس بقيت أصلي أكتر وأدعي ربنا أكتر إنه يرحم بابا ويغفرله ويصبرني على ابتلائي."
مسد على شعرها ثم اقترب منها حتى التصق بها وأسند رأسها إلى صدره وهو يقول بنبرة حانية: "أومال مالك بس يا حبيبتي... شكلك اتغير ونفسيتك وحشة والدنيا معاكي مش تمام خالص يا ندى." بدأت شهقاتها بالبكاء في الظهور وهي تجيبه: "غصب عني يا أدهم... أنا بشر واللي حصل كان فوق احتمالي... حاسة إني فقدت الشغف في كل حاجة... ما ليش نفس أعمل أي حاجة... أنا بحمد ربنا إني لسه قادرة أصلي... حاسة إني مشلولة... اتكسرت بعده...
كان نفسي بس أكون معاه... ما كنتش عايزاه يموت وأنا بعيدة عنه... أنا ندمت إني وافقته ورجعت مصر وسبته هناك لوحده... حاسة إني هموت من إحساسي بالذنب... هموت يا أدهم... هموت... ظلت تردد تلك الكلمة وهي تبكي بحرقة، بينما هو أخذ يشدد من احتضانها ويمسد على شعرها لعلها تهدأ قليلًا. أدهم: عشان خاطري اهدي... كفاية عياط... عنيكي مش حمل العياط دا كله... يا ريته بيرجع حبيب يا ندى.. مكناش بطلنا بكى. ابتعدت قليلًا عنه ثم أخذت تجفف
عينيها وهي تقول باعتذار: ندى: أنا عارفة إني زودتها معاك قوي، وعارفة إن هجري ليك دا إثم عليا... بس أتمنى إنك تعذرني وتسامحني عشان أنا مش قد الوزر دا. تنهد وهو يبتسم شبه ابتسامة ليقول بنبرة حانية: أدهم: ولا يهمك يا حبيبتي... يعني من جملة الأيام اللي كنا فيها بعيد. رغمًا عنها ابتسمت بسخرية من تلميحه الذي فهمته جيدًا لتشدد من قبضتها على كفيه وتقول بنبرة حزينة: ندى: لسه ما آن الأوان.
نظر لها متأملًا ملامحها التي افتقدها كثيرًا، ثم قال بنبرة هائمة: أدهم: كله يهون يا روحي... أهم حاجة إنك تكوني بخير ومعايا دايمًا. أطرقت رأسها بخجل من إطراءاته، فقبل رأسها ثم قال: أدهم: تصبحي على خير يا حبيبتي. رفعت رأسها لتجيبه: ندى: وأنت من أهل الخير. رفع حاجبيه كناية عن عدم رضاه عن ردها، فابتسمت لتستكمل ردها: ندى: يا حبيبي. اتسعت ابتسامته الهائمة ثم تركها على مضض وعاد لغرفته...
لم ينكر أنه انتظر أن تعود معه، ولكنها خيبت آماله وتركته يذهب وحيدًا وحتى لم تطلب منه البقاء معها بغرفتها، ولكنه أقنع نفسه بالصبر، فمصابها لم يكن بالهين. قابلته ريم في طريقه إلى غرفته لتقول له: ريم: أدهم... كنت عايزة أستأذنك في حاجة كدا... أدهم: قولي بسرعة لأني مرهق جدًا وعايز أنام. ريم: حاضر حاضر... إحم... أنا وخالد جات لنا دعوة لحفلة افتتاح مول تجاري في العاصمة الجديدة، ونفسنا نحضر الحفلة دي... ممكن؟!
قطب جبينه باستغراب: أدهم: وأنتوا إيه علاقتكم بالمول دا؟! ريم: مؤسسين المول دعوا كل الكوادر المهنية؛ لأن عندهم أقسام لكل ما يخص كل المهن، ومنهم مهنة الطب... والدعوات وصلت لمدير المستشفى، والمدير اختارنا أنا وخالد وثلاثة تانيين من الزملاء. سكت أدهم قليلًا يفكر، فنظرت له ريم باستعطاف وهي تتوسل إليه: ريم: عشان خاطري يا أدهم ما تكسفنيش معاه... وبعدين دا مكان عام وهيكون مليان ناس أشكال وألوان... يعني خليك كول بقى. حانت منه
نصف ابتسامة ثم قال بجدية: أدهم: ماشي يا لمضة روحي... بس طبعًا، مش هوصيكي تـ.. قاطعته وهي تومئ برأسها: ريم: تمام تمام ما تقلقش... حافظة الوصايا العشر ومش هنساهم. قرصها من وجنتها: أدهم: مش بأقول لك لمضة... وغلباوية كمان. ضحكت بملء فمها: ريم: تربيتك يا حضرة الظابط. حمحم وكأنه تذكر شيئًا للتو: أدهم: ريم... عايزك تقعدي مع ندى وتحاولي تخرجيها من جو الكآبة اللي هي فيه.
ريم: على فكرة كل يوم بأدخل لها أقعد معاها وبنتكلم، بس هي معذورة مش قادرة تتخطى اللي حصل بسهولة وبسرعة كدا... بصراحة يا أدهم الله يكون في عونها... اللي حصل دا ما كانش سهل أبدًا... ربنا يصبرها. تنهد بحزن وهو يردد: أدهم: يا رب... طيب أنا هاروح أنام بقى... تصبحي على خير. ريم: وأنت من أهل الخير يا حبيبي.
مرت ثلاثة أيام أخر، وها هو يوم حفل الافتتاح التي انتظرته نرمين طويلًا لكي تكتمل خطتها بعدما أرسلت خمس بطاقات لمدير المشفى التي تعمل بها ريم عن طريق أحد الوسطاء، والذي أوصاه بإعطاء اثنتين منهم إلى خالد وخطيبته بالذات، وقد حصل ما أرادت وكان عرضًا مغريًا لخالد. أرادت لريم أن ترى معتصم حبيبها بصحبتها بصفتها زوجته الأولى التي أخفاها عنها حتى تقطع بينهما سبل العودة إلى الأبد... فهل يتحقق ما أرادت؟!
مر خالد على ريم بمنزلها ليأخذها بسيارة أجرة ويذهبا سويًا إلى الحفل، وبالطبع رآها عمر الذي لم تنتهي مهمته معها بعد واستقل سيارته وسار خفية خلفهما، وحين تبين وجهتهما قام بالاتصال بمعتصم ليخبره ولكنه لم يسمع رنين هاتفه من أصوات الموسيقى الصاخبة والازدحام... حاول كثيرًا التواصل معه وإخباره بأن ريم في طريقها لذلك الحفل ولكن دون جدوى.
بينما نرمين أخذت تسير بين المدعوين بفستانها الأزرق الملكي المجسم ذو الحمالات العريضة والطويل وبفتحة كبيرة تصل حتى ركبتها، وأسدلت شعرها الأشقر المموج على ظهرها وكتفيها فكانت فاتنة... كتلة فتنة متحركة. أخذت تبحث بعينيها في كل ركن بالحفل عن ريم ولكنها لم تجدها، فأخذت تحدث نفسها بضجر: نرمين: وبعدين بقى... هي مش هتيجي ولا إيه... أوف... وأصلًا لو جات هأشوفها إزاي في وسط الناس دي كلها.
أقبل عليها معتصم بملامح لا تنذر بالخير أبدًا، إلى أن وقف قبالتها وقال بغضب مكتوم: معتصم: إيه اللي أنتي لابساه دا يا مدام نرمين؟! هو ما فيش فايدة فيكي أبدًا... ما فيش مرة تخيبي ظني وتلبسي لبس محترم زي الستات المحترمة. ردت عليه بتذمر: نرمين: قصدك إيه بقى يا معتصم؟! عايز تقول إني ست مش محترمة؟! رد بانفعال طفيف حتى لا يثير انتباه الناس من حوله:
معتصم: أنتي شريكتي، وأي تصرف منك أو أي مظهر بتظهري بيه بيسيئ لي قبل ما بيسيئ لك يا هانم... وأنتي عارفة كويس إني ما بأحبش أخرج معاكي وأنتي لابسة اللبس المفتوح دا... أنا مهما كان صعيدي ودمي حر. نظرت له بشبه ابتسامة وهي تعدل من ربطة عنقه وتقول بدلال: نرمين: أنت بتغير عليا يا عصومي. أنزل يديها وهو يصك فكيه بغيظ: معتصم: بأغير على شكلي وسمعتي وشركتي يا نرمين هانم.
قال تلك العبارة ثم تركها تغلي من الغيظ وذهب ليسلم على أحد أصدقائه. وصلت ريم مع خالد ودلفا سويًا إلى الحفل، فقد كان خالد يرتدي بدلة رسمية كاجوال من اللون الأسود، وريم ارتدت فستان أسود من الستان ضيق من الصدر والخصر ثم يتسع من الخصر للأسفل، وارتدت حجاب قصير فضي اللون مع قليل من الزينة ومستحضرات التجميل فكانت حقًا جميلة رقيقة هادئة تسر من ينظر إليها.
تجولت معه في المكان الواسع من هنا إلى هناك، وأخذت تراقب الحضور بمختلف طبقاتهم وبالطبع النساء منهم خاصة، وقد كانت مستمتعة بالأجواء. شعرت نرمين بأن عيناها سيصيبها الحول من كثرة بحثها عن ريم، فاعتقدت أنها لن تأتي واستسلمت للأمر الواقع وأقرت بفشل خطتها.
بينما في تلك الأثناء كانت ريم مع خالد في الطابق العلوي حيث يتجمع مجموعة من الأطباء والطبيبات يتعرفن إلى بعضهم البعض، فصدح في الأجواء صوت موسيقى هادئة جعلت كل زوجين يرقصان الرقصة البطيئة المعروفة "slow"، فأثار المشهد فضولها وهمست بأذن خالد: ريم: خالد أنا هأنزل أتفرج عليهم من تحت، ولما تخلص كلامك انزلي. خالد: هألاقيكي إزاي؟! أنتي مش شايفة الزحمة؟! ريم: اتصل بيّ، وأنا ها أخلي التليفون في إيدي. خالد: تمام...
ما تبعديش ولو روحتي أي مكان كلميني. ريم: حاضر... باي. في الأسفل، ذهبت نرمين إلى معتصم الذي كان مشغولًا بالتحدث مع أحد عملائه، فاستغلت الموقف واستندت على كتفه لتقول بدلال: نرمين: بعد إذنك يا فندم هآخد منك عصومي خمس دقايق... هنرقص سلو مع بعض.
لم يستطع الرفض بعدما أحرجته أمام العميل، خاصة وأن تلك الشكليات مهمة في محيط عمله، فاستأذن باحترام من الرجل وذهب معها على مضض إلى ساحة الرقص وقبض على خصرها وهو في قمة غضبه منها ولكنه حاول السيطرة على ملامحه الغاضبة وبدأ يتمايل معها على أنغام الموسيقى الهادئة وهو يبتسم بتمثيل أمام الناس.
بينما هناك ريم تقف في ركن ما تراقب ساحة الرقص بانبهار وتتمايل برأسها مع الموسيقى باندماج إلى أن ظهر أمامها معتصم الوسيم وهو يحتضن تلك الفاتنة التي يصل طولها لطوله تقريبًا، ويبتسم لها بسعادة، فتسمرت قدماها وتجمد جسدها من الصدمة، أيعقل وسامته الفتاكة تلك التي خطفت أنظار النساء وهيبته التي سلبت عقولهن بين يدي أنثى أخرى غيرها؟! وأي أنثى هذه؟ ... إنها تفوقها جمالًا وقوامًا... إنه شيء يدعوها للحسرة.
لو كانت الغيرة تقتل لأردتها صريعة الآن... ولكنها تشعر بأن قلبها يشبه الجبل الذي رغم رساخته انهار حتى استوى بالأرض. بدأت أنفاسها تتسارع وهي تنظر إليهما بحملقة، لا تستطيع زحزحة عينيها عنه... لا تدري أمن الاشتياق أمن تلك النيران المستعرة بصدرها كالجحيم. لم يكن بمخيلتها أن هذا سيكون حالها حين تراه مع زوجته الفاتنة التي أخفاها عنها... ليتها لم تراه... ليتها لم تأتي من الأساس.
بالطبع كان معتصم زائغ العينين يتحاشى النظر إلى عيني نرمين حتى لا يرى رجائها المستمر بهما، كان ينظر في كل مكان عداها هربًا من نظراتها الهائمة، إلى أن التقت عيناه بتلك العينين المتلألئتين بالدموع، وهي تنظر إليه بعتاب، فتجمد جسده وتوقف عن التمايل، فرمقته نرمين باستغراب: نرمين: إيه يا عصومي وقفت ليه؟!
في تلك اللحظة أدركت ريم أنه رآها ففرت من أمامه قبل أن يرى عبراتها التي تمردت وسقطت من عينيها وركضت وهي تتخبط بالناس إلى خارج الحفل. معتصم: نرمين لحظة بس... في واحد مهم بيشاور لي هاروح أكلمه وهأرجع لك. تركته وهي تتأفف بضيق وذهبت إلى المرحاض لتعدل من زينة وجهها بينما هو ركض باتجاه باب الخروج ليجد ريم تسير أمامه بخطى سريعة وكأنها على وشك الركض. معتصم: ريم... ريم... ريم استني.
لم تلتفت له وكأنها لم تسمعه، فأسرع الخطى حتى لحق بها وأمسك معصمها ليوقفها. استدارت له لتنزع معصمها من يده وتنظر له باشمئزاز بينما هو لا يصدق أنها أمامه الآن، تلك الغزالة المتمردة التي أفقدته عقله... كم هي رقيقة وأنيقة... رغم ملامحها المشمئزة إلا أنها سحرته بإطلالتها بتلك اللحظة... رغم تفاجئه بها وهو في وضع غير محبذ ورغم دموعها المتحجرة في عينيها...
ورغم نظرة الكره ورغم كل شيء إلا أنه لم يسعده شيء في تلك الليلة بقدر سعادته برؤيتها الآن. ريم: نعم؟! حضرتك جاي ورايا عشان تفضل تبص لي كدا. أخيرًا استعاد إدراكه بعدما أفقده رؤيتها توازنه وسألها بجدية: معتصم: إيه اللي جابك هنا؟! نظرت له بغيظ وهي تقول بحدة: ريم: والله اللي جابك هو اللي جابني. معتصم: يعني اتبعت لك دعوة؟! ردت بسخرية: ريم: من سوء حظي... ولو كنت أعرف إنك موجود استحالة كنت جيت. رد ببسمة أربكتها:
معتصم: بس من حسن حظي إنك موجودة. أطرقت رأسها وهي تتمالك نفسها وتبتلع ريقها، فوقوفه أمامها بهيبته وأناقته المفرطة ونبرته الحنونة أضعفت دفاعاتها تمامًا، فاقترب منها مقدار خطوتين ثم استرسل بنبرة كادت أن تفقدها وعيها: معتصم: ما تعرفيش أنتي وحشاني قد إيه... ومبسوط قد إيه إني شوفتك. ابتلعت ريقها ثم سألته بتوتر لتغير مجرى الحديث: ريم: أممم... واضح... مراتك دي اللي كنت بترقص معاها؟! هز رأسه بإيجاب ثم أسرع يصحح لها:
معتصم: كانت مراتي... أنا طلقتها. ريم: تؤتؤتؤ... ليه؟! يا خسارة... حد عاقل يسيب الجمال ده كله؟! اقترب برأسه من رأسها ليقول بهمس مثير: -معلش أصل أنا مجنون... في واحدة تانية سحرتني خلتني مش شايف حد غيرها. ابتلعت ريقها بتوتر ثم قالت بنبرة ذات مغزى متهربة من تلميحاته: -بس بجد اللي يشوفها ما يصدقش إنها أكبر منك بعشر سنين... ليك حق تتجوزها وتعيش لك معاها يومين... بجد عذرتك لما شفتها... لايقين على بعض قوي.
أغمض عينيه للحظة محاولًا السيطرة على انفلات أعصابه من تلميحها السخيف، ثم رد بانفعال طفيف: -ريم أنت فاهمة غلط... أنا ما اتجوزتهاش عشان أعيش لي معاها يومين وأسيبها زي ما أخوكي مفهمك... قلت لك قبل كده مش أنا اللي أعمل كده... سكت يزفر أنفاسه بعنف، فردت عليه بحدة وكبرياء: -أنا ما يهمنيش كل اللي أنت بتقوله ده... أنت أصلاً بالنسبة لي ولا حاجة ومش عايزة أعرف حاجة عنك. رد بحدة أجفلت منها: -لا لازم تعرفي... تعالي معايا.
قبض على رسغها ثم جرها خلفه إلى حيث صف سيارته وهي تقاومه وتحاول نزع رسغها من قبضته ولكن بلا جدوى، فقد كانت قبضته فولاذية، إلى أن وصل إلى سيارته وفتح بابها، فقامت بغلق الباب واستندت إليه وهي تصرخ بعصبية: -إيه اللي أنت بتعمله ده؟! أنت فاكرني إيه؟! احتجزها بذراعه بين باب السيارة المنغلق وبين جسده فكاد أن يلتصق بها حتى لا تهرب منه، ثم قال بنبرة لينة مترجية: -عايزك تسمعيني وتفهميني... اديني فرصة واحدة بس...
هتركبي معايا دلوقتي ونروح مكان هادي نتكلم فيه براحتنا... ممكن؟! ردت بحدة: -لا طبعًا! مش ممكن... أشهرت خاتم خطبتها ببنصرها الأيمن أمام عينيه لتسترسل كلامها: -أنا مش حرة نفسي على فكرة... ما تنساش إني مخطوبة لواحد تاني...
أزاحت ذراعه الذي احتجزها به وقد استسلم لها وأنزلها وغادرت من أمامه فاصطدم كتفها بكتفه ولكنه بقي متصنمًا بمكانه من فرط انكساره، فاستند بجسده إلى السيارة وكأنه يلحق نفسه من السقوط ونظر لأثرها الفارغ بحسرة وهو يضع يديه في جيبي بنطاله.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!