في شقة أدهم…. تململت بفراشها حين تسلل إلى أذنيها صوت أذان الظهر، ففتحت عينيها ببطء وهي تحاول تذكر أين ومتى هي الآن، فقد انتابتها حالة من فقدان الذاكرة استمرت معها لثوانٍ معدودة إلى أن تذكرت أخيرًا آخر ما حدث بينها وبين أدهم. نهضت لتجلس بالفراش وهي تردد أذكار الاستيقاظ، ثم ما لبثت أن تنهدت بحيرة، فلا تدري بما عليها أن تشعر الآن! أتشعر بالسعادة أن أصبح مالك قلبها أمامها وبين يديها؟
ولما لا، وهي التي لطالما حلمت فقط بالجلوس معه ولو لدقائق. أم تشعر بخيبة الأمل والخذلان؟ فحبيبها لا يهتم لشأنها ولا يشعر بها من الأساس.. تزوجها فقط كتأدية واجب لا أكثر. استعاذت بالله من الشيطان الرجيم، ثم تركت الفراش واتجهت للمرحاض لتتوضأ لصلاة الظهر.
انتهت من الصلاة، ثم شرعت في ترتيب الغرفة وقامت بوضع ملابسها في الخزانة. وحين فتحت إحدى درفها تفاجأت بملابس له بداخلها، فابتسمت بتهكم مرير، ثم تركت درفته الخاصة بملابسه كما هي واستكملت ترتيب ملابسها، وقد خصصت رفًا لتحتفظ به بكتبها الخاصة بالفقه والشريعة وبعض الكتب الأخرى. أخيرًا انتهت، ثم ألقت نظرة رضا إلى الغرفة، ثم قررت الخروج إلى المطبخ لتعد الإفطار.
ارتدت أسدالها وتوجهت للمطبخ، فوجدت وفاء الخادمة تعد الطعام، فتنحنحت حتى انتبهت لها، لتقول وفاء: صباحية مباركة يا ندى هانم… الست تيسير هانم بعتتني عشان أحضرلكو الفطار.. ثواني هرصه ع السفرة و أمشي علطول.
أومأت برأسها وهي تبادلها بسمة باهتة، ثم استدارت لتخرج إلا أنها اصطدمت بصدر أدهم، فقامت رغماً عنها بالاستناد على صدره بكفيها، فقام هو بإحاطة خصرها بيديه لكي لا تسقط، فتوترت ندى للغاية وحاولت أن تبتعد عنه إلا أن يدي أدهم طوقتها بقوة منعتها من الحركة، فنظرت له بغضب، ولكن أشار بحاجبيه إلى الخادمة، ولكنها أصرت على الابتعاد عنه، فلمساته تجعلها تشعر وكأنها ترتكب إثمًا. قامت بفك يديه المتشبثة بها، ثم قالت بنبرة تحذيرية:
أنا هستناك على السفرة. أمسك كفها عنوة وهو يقول ويدفعها أمامه بلطف: تعالي بس عايزك. صدرت ضحكة مكتومة من الخادمة، فقد فهمت شيئًا ما جعل وجنتي ندى تتوردان خجلًا، فرمقته ندى بنظرة تحذيرية، فضحك وقال لها بهمس وهو يخرج بها من المطبخ: أنا غرضي شريف على فكرة… هي اللي دماغها شمال.
بمجرد أن ابتعدت عن ناظري الخادمة، نفضت يدها من يده وتركته وذهبت لغرفتها بخطوات غاضبة أشبه بالركض، بينما أدهم لحق بها ودخل خلفها ثم أغلق عليهما الباب. هبت به بانفعال: انت كمان بتقفل علينا الباب؟! صاح بها بعصبية: اهدي شوية بقى… كلها خمس دقايق و تمشي. أخذ صدرها يعلو ويهبط بانفعال بالغ، فاسترسل بنفس نبرته المتعصبة: و بعدين انتي هتفضلي لابسة الاسدال دا كدا علطول؟! … لو حد لاحظ على فكرة هنبقى مكشوفين اوي. ردت بانزعاج:
أنا مش هقعد معاك في بيت واحد بلبس مكشوف و لا هقعد من غير طرحة… مكشوفين بقى مش مكشوفين دي مشكلتك انت مش مشكلتي. سار نحوها حتى أصبح بمواجهتها وهتف بحدة: انتي بتعانديني يعني ولا انتي ايه بالظبط. مش بعاندك…. أنا بعمل اللي يبرأني قدام ربنا.. كون انك مش حاسس إن دا غلط فانت حر… انما أنا لأ يا أدهم بيه. انتي كدا هتتعبيني معاكي.. أشاحت بيدها بدون اهتمام وهي تقول: اتفضل بقى اخرج من هنا… كفاية كدا.
نظر لها بغيظ، ثم تركها وخرج من الغرفة صافعًا الباب خلفه، وكل ما يشغله أنه كيف سيستمر معها على هذه الشاكلة أمام أمه وبقية أفراد أسرته… لابد وأن يجد لها حلاً قبل قدوم والدته. بينما ندى نزعت غطاء رأسها بعصبية وهي تبكي بحسرة على حالها، تحبه وتتمنى قربه، تود لو ترمي نفسها بين أحضانه ولكنها لا تستطيع أن تستمتع بقربه طالما أنه ليس حلالاً. ماذا تفعل وكيف تتصرف! كيف ستستمر معه هكذا وإلى متى؟
حتى وإن أنهى زواجه بها كيف ستواجه صدمتها! ليتها لم تطع أباها.. ولكنها وافقت على أساس أنه طلبها للزواج بكامل إرادته وليس تحت ضغط، حتمًا لو تعلم بنيته ما وافقت من الأساس مهما كانت قدر عشقها له. انتهيا من الإفطار كعادتهما في صمت مطبق، ثم قامت بإعادة الأطباق إلى المطبخ وقامت بتنظيفها، وما كادت تسير إلى غرفتها حتى استوقفها أدهم هاتفا بها: استني يا ندى… احنا لازم نتكلم و نحط حد للموضوع دا.
سارت نحوه بقلب مضطرب، فأكثر ما تخشاه أن ينهي زواجهما الذي لم يبدأ بعد. جلسا في إحدى أركان الصالة الواسعة حيث يوجد الصالون كأرض محايدة، ثم استطرد حديثه قائلًا: اللي انتي عايزاه هعملهولك… عايزة جوازنا يبقى رسمي أنا موافق… عايزاه مؤقت برضو أنا موافق. صدمتها كلماته، فقد وضعها في موقف لا تحسد عليه، لم تتوقع أن يبدأ حديثه بهذه الطريقة من فرض الخيارات وكأنها في امتحان، بما يتعين عليها أن تجيبه الآن، فإن اختارت أولهما…
عند هذا الحد، ثارت خلاياها العصبية بطريقة مفرطة، جعلتها تتحدث بغضب مكتوم: بالله عليك دا سؤال تسأله ليا… يعني أنا مش عارفه انت بتفكر ازاي.. انت بتتكلم كأنك بتقولي اختاري إن جوازنا يبقى مؤقت… ماهو مستحيل هقولك و النبي عشان خاطري خليه رسمي. كور قبضتيه بعصبية، ثم قال وهو يكظم غيظه: لا بقى انتي اللي صعبة في التعامل… أنا مبقتش عارف أتعامل معاكي ازاي. ولا عمرك هتعرف.. اللي انت شايفه صح اعمله..
تنهد بحيرة، فحقا هو غير قادر على حسم ذلك الأمر، ينتظر منها هي الحل الأمثل ولكنها أيضًا تراوغه. سكتت مليًا، ثم قالت بأسى بنبرة طفولية بحتة: أنا بتمنى لو أرجع لبابا تاني.. حاسة بغربة فظيعة من غيره.. لو قدرت ترجعني يبقى انت عملت معايا معروف مش هنساهولك أبداً. نظر لها بإشفاق، ثم قال بهدوء: صدقيني يا ندى لو ينفع مش هتأخر أبداً… بس حياتك في خطر و انتي أمانة عندي مينفعش أفرط فيها. اغرورقت عيناها بالعبرات، ثم أخفضت رأسها وهي
تقول بصوت مختنق بالبكاء: أمانة أه فعلاً.. ازداد إشفاقه عليها رغم جموده الظاهر ناحيتها، واقترب منها في المقعد حتى أصبح لا تفصلهما سوى عدة سنتيمترات، ثم التقط منديلًا من علبة المناديل وقام بتمريره على عينيها وهو يقول بحزن: أنا مقدر اللي انتي فيه، عشان كدا عايز أعملك اللي انتي عايزاه واللي تحبيه.. مش عايز أفرض عليكي وضع انتي مش حباه.
أنزل يده عن عينيها، بينما هي كانت ساكنة تمامًا مستسلمة على عكس عادتها معه، الشيء الذي أثار دهشته ولكن لم يُعقب حتى لا يثير حنقها مرة أخرى، كانت تشعر أنها ضعيفة.. ضعيفة لأقصى درجة.. تود لو كان بإمكانه أن يحتويها بين ذراعيه لعلها تطمئن قليلًا.. ربما يهدأ قلبها مليًا… لعلها تستعيد شتات نفسها. بدون وعي منها، وكأنها كانت مغيبة، قالت بصوت مبحوح: ممكن تاخدني في حضنك؟!
أصابه صدمة كبيرة لثوانٍ وكأن التي أمامه ليست ندى، وكأنها قد أصابها فصام في الشخصية، ولكن صدمته لم تدُم طويلًا، فقد كان مشفقًا على حالتها الرثة هذه، ظن أن ذلك نبع من حاجتها لأبيها وافتقادها له، فاقترب منها أكثر ودون أن ينطق قام بجذبها من كتفيها لتستقر على صدره، ثم لف ذراعيه حول خصرها واستند بذقنه إلى كتفها، بينما هي قامت بلف ذراعيها بضعف حوله، ثم بدأت شهقاتها تعلو شيئًا فشيئًا حتى اهتز جسدها بالكامل بين ذراعيه من فرط البكاء، فشدد من قبضته على خصرها وضمها إليه أكثر ربما يهدأ بكائها قليلًا..
ظلا على هذا الوضع لدقائق.. لا يتكلم.. فقط ترك العنان لها لكي تفرغ كل ما يحويه صدرها من هموم وأحزان لتلقي بها على صدره الذي تستقر عليه الآن. ابتعدت ندى وتركت حضنه وهي تجفف عبراتها، ولم تقو على النظر إليه، بل نهضت سريعًا إلى غرفتها تاركةً إياه ينظر في أثرها بحالة من التيه والتخبط، فقد استطاعت إثارة شيء ما بقلبه أحب قربها، ولكن نفض ذلك عن رأسه مقنعًا ذاته أنه فقط مشفق عليها وعلى ما يحدث لها.
حين انتبهت لوضعها وهي بين ذراعيه، ابتعدت عنه ثم ركضت إلى غرفتها وهي في حالة من الندم ترثى لها. أغلقت على نفسها الباب ثم جلست أمام المرآة لتتأمل وجهها الباكي وهي تحدث نفسها بذهول: ايه اللي انا عملته دا!! .. إزاي سيبت نفسي للشيطان كدا! .. أنا امتى بقيت جريئة ووقحة كدا! … لا أنا مينفعش أعيش معاه لوحدنا…. مينفعش.. قالت كلمتها الأخيرة وهي تبكي ندمًا والشعور بالذنب يكاد يقتلها.
دلفت لتتوضأ ثم جلست بفراشها تستغفر الله كثيرًا، وبعد الكثير من التفكير قررت أن تلفظه من قلبها ثم تغلقه بسلاسل من حديد حتى لا يتكرر مثل هذا الأمر مرة أخرى لعل الله يحدث بعد ذلك أمرًا. أما على الجهة الأخرى.. جلس أدهم بشرفة غرفته المطلة على حديقة صغيرة.. ما زال يشغله ما صدر من ندى منذ قليل.. يسأل نفسه ترى ما الذي دفعها لفعل هذا؟! .. هل تحبه؟!
.. ولكن عاد ليسخر من نفسه أن فكر في ذلك.. فمن المستحيل أن تحبه بين ليلة وضحاها، فهما لم يتقابلا منذ عشر سنوات منذ كانت طفلة، فمتى أحبته إذن.. هو حتى لا يذكر أن تحدث معها ولو مرة حين كانت عائلته مرتبطة بعائلتها، فقد كان منشغلًا في دراسته في كلية الشرطة.
ولكن أكثر ما شغل باله هو استجابته الفورية لها وعدم التفكير كثيرًا وكأن جسده كان متحفزًا للانجذاب إليها، متى أصبح رومانسيًا هكذا.. فالرومانسية لم تعرف طريقًا لشخصيته يومًا، فلم يطلق عليه محمود لقب "قفل" من فراغ. ضحك بسخرية من نفسه وهو يهز رأسه يمينًا ويسارًا، ثم استنشق الهواء العليل ببطء وزفره على مهل، ثم حدث نفسه بصوت مسموع: أنا شاغل نفسي ليه.. الموضوع مش مستاهل التفكير دا كله..
رن هاتفه برقم أمه فابتسم بسخرية، فحتما تتصل به لكي تطمئن عليهما وبالطبع لن تتوانى عن سرد النصائح والتنبيهات.. ألو.. وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته.. الحمد لله يا حبيبتي بخير. ها يا حبيبي كله تمام؟! ازدرد لعابه بتوتر مردفًا: احم.. اه.. اه كله تمام يا أمي. و ندى عاملة ايه.. اوعى تكون زعلتها ولا قولتلها كلمة ملهاش لازمة.. أنا عارفاك. لا يا ماما متقلقيش.. كله تمام.
مش هوصيك على ندى يا أدهم.. البنت صعبانة عليا أوي.. عشان خاطري يابني راعي مشاعرها شوية. حاضر يا ماما ندى في عنيا. طاب اديهالي أصبح عليها و أباركلها. تحرك بؤبؤا عينيه بتوتر، ثم أردف بكذب: هي في الحمام يا أمي لما تخرج هخليها تكلمك. ماشي يا حبيبي.. ابقى سلملي عليها.. هبعتلكو وفاء تطبخ الغدا بعد شوية. بدون تفكير قال لها بتلقائية: لا يا ماما متخليهاش تيجي… هنطلب دليفري و خلاص. ضحكت وهي تقول:
عايز الجو يخلالك… امممم… طيب يا عريس و ماله. تعجب من ظنها، ولكن في ذات الوقت اندهش من حاله أن طلب منها ذلك، ثم قال مغيرا مجرى الحديث: روان و حودة عاملين ايه… سلميلي عليهم كتير.. حاضر يا حبيبي.. سلملي على ندى.. في رعاية الله. حاضر يا ماما مع السلامه. أما عند ندى.. حين فرغت من حفظ وردها اليومي التقطت هاتفها لتحدث أباها، فقد افتقدته كثيرًا رغم أنه كان معها عبر الهاتف في مكالمة فيديو أثناء حفل زفافها أمس.
في حين أن أباها كان يحترق قلقًا من أن يخيب أدهم أمله فيه، وينكشف خداعه لها أمامه، كان يخشى أن تحدثه حتى لا يسمع منها كلمة لوم أو عتاب وهو لا ينقصه، فيكفيه نيران بعدها عنه المشتعلة بكيانه كله. اتصلت به وانتظرت قليلًا ليأتيها صوته المتلهف: ندى حبيبتي.. عاملة ايه يا قلبي.. وحشتيني وحشتيني وحشتيني اوى. ابتسمت بحب وهي تقول بتأثر: و انت كمان يا بابا وحشتني اوى اوى.. مش عارفه أنا هعيش هنا من غيرك ازاي.
أنا آسف يا حبيبتي اني بعدتك عني بس والله دا من كتر خوفي عليكي.. بس اللي مطمني انك عايشة مع ناس بتحبك و طنط تيسير بتعتبرك بنتها. اغرورقت عيناها بالعبرات، ثم أردفت بنبرة شبه باكية: بس أدهم مش بيحبني يا بابا زي ما كنت مفهماني. انخلع قلبه حسرة عليها، ثم سألها بترقب: هو قالك كدا؟! لا أنا فهمت من تصرفاته… بيتعامل معايا كأني واحدة غريبة عنه.. تنهد بأسى، ثم قال:
سامحيني يا ندى… كان لازم أخليكي توافقي على جوازك من أدهم بأي طريقة وعشان ابعدك عن الخطر. ــــ تقوم تكسر قلبي يا بابا؟! رد بنبرة معذبة: يعني قلبك يتجرح ولا تروحي مني خالص وأموت بحسرتي عليكي.. مش كفاية عليا موت أمك؟! أخذت شهقاتها تعلو شيئًا فشيئًا، فاستطرد بنبرة حانية: أدهم انتي هتعرفي تخليه يحبك يا ندى وأنا متأكد من كدا… هو مين بس يابنتي اللي يعرفك وميحبكيش! ــــ حضرتك بتقول كدا عشان أنا بنتك بس.
لا أنا متأكد من كلامي.. انتي ليكي سحر خاص على كل اللي حواليكي… محبة الناس ليكي نابعة من محبة ربنا.. وانتي ما شاء الله عليكي يا بنتي بتخافي ربنا وبتتقيه في كل حركاتك وسكناتك. ــــ حضرتك بتقول كدا عشان تصبرني.. لا يا حبيبتي بقول كدا بقناعة… وجرح قلبك مسير الأيام تداويه وأدهم قريب أوي هيحبك بجنون بس انتي خلي أملك في الله كبير وفي نفس الوقت احفظي كرامتك.. لأنها هي أغلى حاجة تملكيها. هزت رأسها بإيجاب وهي تقول:
حاضر يا بابا… حضرتك متعرفش كلامك دا ريحني قد ايه. ابتسم بارتياح وهو يقول: إحنا صحاب يا ندى.. وأي حاجة تزعلك كلميني طول وع فضفضي معايا، بكرة لما الدراسة تبدأ وتختلطي بالناس هتتعرفي على أصحاب جدد وهتلاقي نفسك معاهم والحياة هتبقى أحلى يا بنتي إن شاء الله. ابتسمت بأمل وهي تقول: إن شاء الله يا بابا. ــــ وصلي سلامي لأدهم يا حبيبتي. ــــ الله يسلمك يا حبيبي.. لا إله إلا الله ــــ محمد رسول الله. أرخى أنور جسده
بفراشه وهو يحدث نفسه بحزن: ليه كدا يا أدهم؟! …. دا انت لو لفيت الدنيا كلها مش هتلاقي زوجة زي ندا في تدينها وجمالها وأخلاقها… ربنا يهديك وينور بصيرتك. في محافظة سوهاج كان جالسًا بالمضيفة الملحقة بالدوار حيث كان يناقش إحدى العائلات في مسألة تخص الثأر وما يتبعه من خراب في محاولة جادة منه لكي يجعلهم يتنازلون عن هذه الفكرة المدمرة ليقوم بدوره الهام كونه كبيرًا لبلدته وحلال العقد.
ــــ راجع نفسك يا حاچ صالح… لو جلت ولده اليوم هيجتل ولدك عشية وهنفضلوا في الدوامة دي ومش راح نخلصو منها واصل… والشباب اللي كيف الورد هو اللي بيدفع التمن. رد الآخر بغلظة: ــــ لو ماخدتش بتار أبوي هتجرس في البلد كلها يا كبيرنا وانت خابر زين.
مالكش صالح بالبلد… أني هانا الكبير والبلد كلها عارفة إن مفيش كلمة بعد كلمتي… وأنا جولت هننهي التار ده للأبد… فوزي الچيار صبيحة الچمعة جدام البلد كلها هيجدملك كفنه على يده وانت هتجبله ونجفلو على السيرة دي وأكده خلص الكلام. ــــ بس يا كبيرنا.. قاطعه معتصم بإشارة من كفه حين رن هاتفه برقم ما، فأخرجه من جيب جلبابه ليسود وجهه بغضب جامح حين رأى هوية المتصل، ثم أعاده مرة أخرى لجيبه، ثم تحدث بصوت مجلجل غير قابل للنقاش:
ــــ مبصش يا حاچ صالح أني جولت هننهي التار يعني هننهيه… خدوا واچبكم انتو مش أغراب.. عن إذنكم.. قالها ثم هب واقفًا من أمام الحضور ليغادر المضيفة ويتجه مباشرة إلى داخل الدوار قاصدًا غرفته بالدور العلوي. بمجرد أن دلف غرفته نزع عنه جلبابه بعصبية، ثم التقط هاتفه وأعاد الاتصال بالرقم المتصل، ثم وضع الهاتف على أذنه، وحين أتاه صوت الطرف الآخر قال بغضب جامح:
ــــ هو أنا مش قولت متتصليش بيا أبدا طول ما أنا في البلد… أنا كلامي مبيتسمعش ليه… انتي كدا جبتي آخرك معايا وبنظامك دا استحالة نكمل مع بعض. ردت بخوف: ــــ أنا اتصلت عشان.. قاطعها بانفعال بالغ: ــــ مهما كانت الأسباب.. لو بتموتي حتى متتصليش بيا.. قولتلك ميت مرة ابعتيلي رسالة ع الواتس ولما اكون لوحدي هكلمك… انما اللي انتي بتعمليه دا مينفعش يا نيرمين. ردت بصوت باكي:
ــــ خلاص يا معتصم أنا آسفة مش هتتكرر تاني… أنا بس اعتبرت نفسي مراتك بجد وحبيت أطمن عليك. زفر بضيق، فتلك الحركات الغبية لا تمل من فعلها أبداً، ثم قال بجدية: ــــ نيرمين إحنا متفقين من الأول إن جوازنا منفعة متبادلة ومافيش مجال للحب بينا وانتِ وافقتي… وكنتي ماشية ع الاتفاق كويس… مش عارف إيه اللي قلب أحوالك كدا وبقيتي تقلقي عليا وشغل الأفلام دا. قال عبارته الأخيرة بحدة وانفعال، فأجابت بلهفة:
ــــ عشان حبيتك يا معتصم… اه في الأول كنت معجبة بيك كزوج ورجل أعمال ناجح وأقنعتك بعرضي… بس معرفش إزاي من غير ما أحس لقيت نفسي مش قادرة أستغنى عنك وبقيت بتوحشني لما بتسافر بلدك.. هو دا غلط إني أحبك؟! ــــ أيوة غلط… غلط يا نيرمين… وبعدين الموضوع دا مينفعش نتكلم فيه في التليفون… لما نتقابل نكمل كلامنا… سلام. ثم أغلق الهاتف وألقى به على الفراش وهو يزفر بعنف، فليس هذا ما كان ينقصه… يتبع…
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!