الفصل 9 | من 45 فصل

رواية مهمة زواج الفصل التاسع 9 - بقلم دعاء فؤاد

المشاهدات
18
كلمة
3,469
وقت القراءة
18 د
التقدم في الرواية 20%
حجم الخط: 18

استيقظت ندى لصلاة الفجر، وبعد أن أدّت الصلاة أنهت أذكار الصباح، ثم تلت وردها القرآني. بقيت مكانها شاردة تفكر فيما أملته عليها أدهم بالأمس. تؤلمها تلك الكذبة التي افتعلها لكي يضمن تغاضي أمه عن انفصالهما في بيت الزوجية، ولكنها مضطرة لمجاراته إلى أن يقضي الله أمرًا كان مفعولًا. استمرت بشرودها حتى بدأت خيوط الشمس تتسلل إلى الغرفة عبر النافذة لتضيئها رويدًا رويدًا. إلى أن انتبهت لوقت الشروق، فأخذت تدلك رقبتها

من الألم وهي تتمتم لنفسها: ــــ ياااه، أنا قعدت كل دا سرحانة… ثم تنهدت بقلة حيلة ونهضت من مكانها لتبدل أسدال الصلاة إلى فستان قطني بسيط ومريح، وفي ذات الوقت لا يظهر من جسدها شيء. ثم غطت رأسها بحجاب صغير وخرجت من الغرفة لتسير باتجاه المطبخ لتعد ثمة شطيرة تسد بها جوعها.

لم تكد تصل إلى باب المطبخ حتى استمعت إلى صوت جلبة آتٍ من غرفة أدهم، فأدركت أنه قد استيقظ وربما يتجهز الآن للذهاب إلى عمله. فابتسمت بحالمية وهي تفكر في شيئ ما، فلا ضير من إعداد مزيد من الشطائر لتناولها سويًا.

بينما أدهم في غرفته حائر تائه بين ملابسه وأحذيته وأحزمته الميري. الغرفة تعمها فوضى هائلة، فقد كانت أمه من تعد له ملابس العمل وتوفقها مع بعضها البعض، حتى حذائه هي من تتولى أمره وتضعه بجوار بدلته الرسمية، وما عليه إلا أن يرتدي ما أعدته وحسب. أخذ يزفر أنفاسه بعنف، فقد ضاق ذرعًا بهذا الأمر ونفد صبره، ولكن لا مجال الآن للحيرة، فعليه أن يختار عاجلًا أم آجلًا.

بعد حوالي عشرين دقيقة كان أدهم يقف أمام المرآة يضع اللمسات الأخيرة على مظهره بعدما مشط شعره ونثر عطره النفاذ. ثم قام بإحكام حزامه الميري حول خصره وغرس سلاحه بالجيب المخصص له في الحزام. وأخيرًا وبعد عناء ألقى نظرة رضا على نفسه، فقد انتهت المهمة بنجاح.

في تلك الأثناء كانت ندى تجلس إلى الطاولة الصغيرة القريبة من غرفة أدهم حتى يرى ما أعدت له من إفطار. فقد كانت تنتظره بملل إلى أن خرج أخيرًا وهو يعبث بهاتفه غير منتبه لها. ولكن حين أطل عليها بتلك الطلة التي تراه بها لأول مرة بحلته حالكة السواد وشارتي الشرطة ذات النسر الذهبي على كتفيه، وشعره المصفف بعناية، وذقنه الحليقة تمامًا والتي جعلته يبدو أصغر من عمره بكثير، وذلك الحزام الأسود حول خصره والسلاح الذي يزينه، وفوق كل ذلك رائحة عطره التي تصيبها بالثمالة. انحبست أنفاسها بصدرها من فرط الإثارة واتسعت حدقتاها بإعجاب بالغ. وكل ما أثار حفيظتها الآن هل تراه البنات وهو على تلك الشاكلة؟

حتمًا ستصاب بالجنون إن اتبعت أفكارها تلك. حين رفع رأسه عن هاتفه وخطى نحوها حين انتبه لها. نفضت رأسها سريعا من لحظات الإعجاب والصدمة وتصنعت أنها مشغولة بإعداد الشطائر رغم أنها جاهزة بالفعل للأكل. ــــ صباح الخير يا ندى. ــــ صباح النور. ــــ صاحية بدري كدا ليه؟ ــــ عادي.. أنا بصلي الفجر ومبنامش. هز رأسه ثم ما لبثت أن تنحنحت بخجل وقالت:

ــــ احم.. أنا سمعت دوشة جاية من قوضتك فقولت أنك أكيد بتلبس عشان تروح شغلك فعملتلك ساندويتشات معايا. سحب الكرسي المقابل لها ثم جلس عليه وهو يقول: ــــ يا بنتي بتتعبي نفسك ليه.. أنا كنت هفطر في الشغل. هزت كتفيها لأعلى قائلة بخجل: ــــ عادي.. أنا كدا كدا كنت بعمل لنفسي فزودت ليك. التقط إحداها ثم قضَم منها قضمة وهو يقول: ــــ ماشي يا قمر تسلم إيدك.

أجابته ببسمة صغيرة ثم بدأت تأكل على استحياء وهي تستنشق رائحته المسكرة باستمتاع. فبدون وعي منها سألته بتلقائية: ــــ البرفيوم بتاعك حلو أوي.. هو اسمه ايه؟ حانت منه ابتسامة وهو مثبت نظره على الشطائر بيده، فقد فاجأته بسؤالها. ثم ما لبث أن قال: ــــ دخون روز.. بطلبه من دبي مخصوص أونلاين. أومأت بحرج بعدما نهرت نفسها على سؤالها السخيف من وجهة نظرها، فكثيرًا ما يسبق لسانها عقلها. عم عليهما صمت وجيز وهما يأكلان،

قطعته ندى بسؤالها: ــــ أدهم بما إننا أصحاب قولي بقى.. أعجبت ببنت قبل كدا أو حبيتها؟ توقف عن مضغ الطعام للحظة من أثر تفاجئه بسؤالها الذي أربكه قليلا، فهو لا يدري أمن الطبيعي أن يخبرها بأمر دارين أم ماذا. ولكن سرعان ما محى آثار المفاجأة من على وجهه واسترسل بمراوغة: ــــ آه كنت معجب ببنت كدا وخطبتها فترة بسيطة بس محصلش نصيب. صمتت بصدمة لوهلة ثم قالت: ــــ بجد؟ ــــ اممم.. إيه مالك مصدومة كدا ليه؟

ابتلعت ريقها ثم قالت بنبرة جاهدت أن تبدو طبيعية: ــــ لا أبداً.. أصل شكلك جد أوي ومش رومانسي ولا ليك في الحب فعشان كدا استغربت. صدرت منه بسمة ساخرة وهو يقول: ــــ حتى انتي كمان بتقولي كدا! ــــ دا مش رأيي أنا لوحدي بقى؟ هز رأسه بإيماءة بسيطة، فلم يرغب في الدخول في تفاصيل ولا الحديث عن أي شيء يخص دارين. ــــ وانتِ؟

باغتها بسؤاله فلم تحسب له حساب، ولوهلة سكتت تفكر في إجابة تعفيها من الحرج، فمن سواه الذي يمتلك قلبها منذ علمت للحب سبيلا! ولكنها ابتلعت ريقها ثم قالت دون أن تنظر له متظاهرة بالانشغال بالأكل: ــــ قبل ما أسافر أمريكا مع بابا كنت معجبة بشاب جارنا.. بس كنت لسه صغيرة.. هبل مراهقة بقى. ــــ ولما كبرتي؟ التقطت عيناها الحائرتين عينيه المصوبة تجاهها بترقب، تكاد تصرخ بعشقها له ولكن خشيت أن تفضحها نظراتها، فأخفضتهما

سريعا ثم قالت بوجوم: ــــ خلاص بقى عقلت. هز رأسه بإيماءة بسيطة ثم نظر في ساعة يده فوجدها قد دقت الثامنة، فنهض وهو يقول بجدية: ــــ أنا كدا لازم أمشي.. شكرا يا ندى على الفطار. نهضت تباعًا لتقول بخجل: ــــ الشكر لله دا حاجة بسيطة. أومأ بامتنان ثم قال: ــــ ماما كلها ساعة وهتوصل.. مش هوصيكي بقى. أومأت محاولة رسم الثبات على ملامحها حتى لا يلحظ حزنها الكامن بقلبها ثم قالت ببسمة محبة: ــــ لا إله إلا الله.

ــــ محمد رسول الله. غادر من أمامها بينما بقيت هي تنظر في أثره بشرود وقد أخذ الحزن من قلبها مأخذه، ثم سرعان ما عادت لواقعها لتأخذ الأطباق للمطبخ وتقوم بغسلها. ــــ ألو.. آسر.. بقولك النهاردة عيد ميلاد مودة وأنا أخدت عربية بابا ورايحة خان الخليلي أجيبلها هدية من هناك.. انت عارف أنها بتحب المشغولات والأنتيكات اللي بتتباع هناك. ــــ يا مجنونة انتي سواقتك زي الزفت.. مستنتيش لما أخلص شغلي ليه وكنا روحنا سوا.

ــــ أنا لسه هستناك؟ كدا هتأخر أوي ومش هلحق أعمل حاجة. ــــ طيب يا ميري ربنا يستر.. بس عشان خاطري سوقي ع الهادي كدا وخلي بالك من نفسك. ــــ متقلقش يا حبيبي.. صاحبتك قلبها ميت.. ههه. ــــ ماهو أنا مش مخوفني غير قلبك الميت دا. ــــ خلاص بقى يا آسر متبقاش قلوق كدا. ــــ ماشي يا روح آسر.. اشتري هدية مني ليها على ذوقك. ــــ تمام يا حبيبي.. باي بقى عشان أركز في الطريق.

أغلقت ميريهان الخط وهي تتنهد ببسمة عشق خالصة، ولم تكد تعيد الهاتف إلى جوارها حتى انتبهت على صوت زامور عالٍ أصم أذنيها ثم لم تشعر بشيء بعدها. بينما آسر على الجهة الأخرى أغلق المكالمة وهو يزفر بقلق، لا يدري لما انقبض قلبه هكذا حين أخبرته بأنها تقود سيارة والدها، ولكن نفض تلك الوساوس سريعا عن رأسه وهو يستعيذ بالله من الشيطان الرجيم.

انهمك آسر في أعماله فقد كان يومه حافلا بالمهام والمأموريات حتى أصابه الإرهاق، فقرر أن يذهب لأدهم مكتبه يتمزحان سويًا. ــــ الباشا العريس. هز أدهم رأسه بيأس وهو يقول بغضب: ــــ هتفضل طول عمرك طور.. بتدخل من غير ما تخبط ليه يا حيوان. لوح آسر بيده وهو يقول بسخرية: ــــ عم أنا فتحت عليك باب الحمام؟ رمقه بنصف عين وهو يقول بخفوت حاد: ــــ عديم الإحساس. ابتسم بسماجة هاتفا: ــــ حبيبي يا دومي. ــــ هو أنا بمدحك يلا؟

دا أنا بوبخك. ــــ ضرب الحبيب زي أكل الزبيب.. وأنا بموت في الشتيمة.. وبخني. ــــ أبو تقل دمك. ــــ ها يا عريس.. عامل إيه في الجواز؟ رمقه أدهم بتجهم مردفًا بغيظ: ــــ تعرف تنقطني بسكاتك؟ بادله آسر بأخرى مشمئزة هاتفا بحدة: ــــ تصدق أنا غلطان إني جيت لبأف زيك.. وأنا اللي كنت فاكرك هتفرفشني شوية. رد بنبرة متهكمة: ــــ مالك يا ننوس عين ماما؟ هتف به آسر بحدة: ــــ اتكلم بجد شوية بقى يا أدهم.

اعتدل أدهم في جلسته ليميل برأسه ناحية صديقه متسائلًا بقلق: ــــ واد يا آسر فيك إيه؟ .. حاسك بتحاول تتوه كدا بس شكلك مش مظبوط. تنهد بعمق ومشاعر التيه قد احتلت ملامحه ونبرة صوته: ــــ مش عارف يا أدهم.. مضايق كدا من غير سبب.. مش عارف دا من ضغط الشغل ولا إيه بالظبط. لم يكد يرد عليه حتى رن هاتفه برقم حماه. ــــ دا عمو محمد والد ميري. ــــ طاب رد عليه. فتح الخط ليأتيه صوت حماه الباكي:

ــــ آسر تقدر تيجيلي دلوقتي مستشفى الدكتور رؤف؟ رد بنبرة يشوبها القلق: ــــ خير يا عمي.. هي مودة تعبت تاني ولا إيه؟ سكت مليًا وهو يعصر عينيه بحسرة ثم قال: ــــ تعالى بس.. أنا محتاجلك جنبي دلوقتي. ــــ حاضر يا عمي.. هحاول آخد إذن وأجي لحضرتك.. مع السلامة. أغلق آسر المكالمة وهو في حالة من الحيرة والشك ثم قال متعجبًا: ــــ غريبة أوي.. مودة لما بتتعب ميري هي اللي بتتصل بيا تعرفني. رد أدهم بتفكير:

ــــ يمكن مشغولة معاها يا آسر.. روح انت بس اطمن عليهم وأنا هنا هغطي عليك. أومأ باقتناع ليقول بنبرة حزينة: ــــ فعلاً.. مودة حالتها متأخرة أوي اليومين دول.. ميري كانت قالتلي إنها في المرحلة الأخيرة من المرض ومافيش أي علاج ولا حتى عمليات هتجيب معاها نتيجة وإن هي خلاص كلها أيام وتودع الدنيا. أغمض أدهم عينيه بتأثر متمتمًا بخفوت:

ــــ لا حول ولا قوة إلا بالله.. الحمد لله الذي عافانا مما ابتلى به عباده وفضلنا على كثير ممن خلق تفضيلا. ــــ طاب روح يابني مستني إيه.. أكيد محتاجينك معاهم دلوقتي. نهض آسر وهو يقول: ــــ تمام.. لو اتأخرت مش هوصيك بقى ظبط الدنيا عشان سيادة اللوا ميحسش بحاجة. ــــ امشي يا آسر متحملش هم. في مستشفى القلب التابعة للدكتور رؤف صديق محمد أبو مودة. يقف محمد في حالة يرثى لها وبجواره مودة تزرف الدموع بلا انقطاع وأمامهما الدكتور

رؤف يسرد لهما بأسى: ــــ للأسف يا محمد نزفت كتير جدا لحد تقريبا ما دمها اتصفى.. أنا آسف إني أقولك إن خلايا المخ ماتت وهي حاليا ميتة إكلينيكيا. شهقت مودة بذعر بينما تحشرج صوت محمد ليخرج بصعوبة: ــــ ماتت؟ أردف الطبيب موضحًا: ــــ لا القلب لسه بينبض وهي حاليا متوصلة بجهاز التنفس الصناعي بس خلاص مفيش أمل في رجوعها تاني للحياة.. إحنا في انتظار بس إن القلب يقف.. شد حيلك يا محمد ربنا يصبرك.

بينما هناك آسر يسير بتؤدة حتى لمح محمد يقف أمام العناية المركزة وتقف بجواره مودة. ماذا؟ مودة تقف على قدميها؟ هي مذعورة حقًا ويبدو على ملامحها الإعياء الشديد وكأنها ستسقط في أي لحظة ولكنها بالفعل واقفة. لقد توقع أن يأتي ليجدها مسجية بفراش المرض. لماذا إذن دعاه حماه للقدوم؟ لحظة.. ميريهان؟ أين هي إذن؟

حين واتته تلك الفكرة ركض إليهما وقلبه يكاد يخرج من قفصه الصدري من فرط الخوف والقلق. وما إن وصل حتى خرت مودة فاقدة الوعي فالتقطها آسر بين ذراعيه على الفور ونزل بها على أرضية المشفى الرخامية، وذلك حين لفظ الطبيب أمر انتظاره لتوقف قلب شقيقتها. ــــ بنتي.

صرخ بها محمد في ذهول وحاول قدر المستطاع أن يبقى واقفًا على قدميه اللتين أصبحتا كهلام وألا يسقط فاقدًا للوعي هو الآخر، بينما انحنى الطبيب رؤف على الفور ليتحسس نبض شريانها السباتي على جانب رقبتها فلم يشعر به البتة، فأسرع بدق جرس ما على الحائط وهو يصرخ بصوت عالٍ: code blue.. arrest.. code blue وفي لحظات كان فريق من حوالي ستة أفراد من ممرضين وأطباء قد حضروا للمكان وقاموا بنقل مودة إلى غرفة الإنعاش القلبي

بينما محمد يتوسل لرؤف: ــــ مودة مالها يا رؤف؟ أخذ يلهث بعنف وهو متردد في القول فحثه محمد بتأكيد: ــــ قول يا رؤف أنا راضي. كل ذلك تحت مرأى ومسمع آسر الذي ما زال لا يفهم شيئًا إلى الآن بينما رد رؤف بأسف: ــــ قلبها مستحملش الصدمة ووقف. اتسعت عينا آسر وهو يردد بذهول في نفسه: ــــ صدمة؟ أي صدمة تلك؟ استرسل رؤف يطمئنه:

ــــ بس متقلقش يا محمد.. الفريق مش هيسيبها وشغالين معاها إنعاش قلبي رئوي وإن شاء الله القلب هيشتغل تاني وهتتوصل بأدوية تدعم القلب.. أنا هدخل دلوقتي أشوفها وأطمنك.. عن إذنك. لم تعد قدماه قادرتين على حمله، فحبيبتاه على وشك فراقه، حبتا العين وقرة القلب وزهرتا عمره. يا الله كيف لقلبه أن يتحمل كل هذا! فهبط ليجلس على الأرض ونزل آسر معه يسأله بهلع: ــــ فيه إيه يا عمي فهمني؟ إيه اللي حصل أبوس إيدك؟

نظر له بعينين مغشيتين بالعبرات ثم قال بصوت جريح بالكاد تخطى حنجرته: ــــ ميري عملت حادثة ونزفت كتير لحد.. لحد ما دمها اتصفى ويعتبر ماتت.. رؤف.. رؤف بيقول إنها ميتة إكلينيكيا. أخذ يهزه بلا وعي وهو يردد بعدم تصديق: ــــ ميتة إزاي؟ لا ميري مماتتش.. ميري كويسة وهتقوم.. دي كانت بتكلمني من ساعتين بتقولي إنها رايحة خان الخليلي تشتري… هي فين؟ عايز أشوفها.. هي فين؟

نهض وهو يبحث عنها كالمجنون ويحاول فتح باب العناية بيدين مرتعشتين ولكن بلا جدوى. ــــ اصبر يا آسر.. هتشوفها بس اصبر. كان ذلك هتاف محمد الضعيف ولكن لم يتوانى عن الطرق على الباب الكبير إلى أن خرجت ممرضة من الداخل ليهتف بها برجاء: ــــ لو سمحتي دخليني عايز أشوف خطيبتي. ــــ أنا آسفة جدًا مش هينفع. ــــ أرجوكي أنا مش هعمل أي حاجة.. أنا هبص عليها من بعيد. أشفقت على حالته المزرية لتقول بعد برهة من التفكير:

ــــ بس من فضلك بسرعة قبل ما دكتور رؤف ييجي ويشوفك عندها. ــــ حاضر متقلقيش. أفسحت له الطريق فدلف مسرعًا وهاله ما رأى من مشهد يخلع القلب.

ميريهان مسجية على الفراش الأبيض ترتدي عباءة طبية زرقاء وغطاء رأس طبي، بشرتها شاحبة شحوب الموتى، عينيها نصف مفتوحة ولكن بؤبؤيها ثابتان تمامًا، وأكثر ما آلم قلبه تلك الأنبوبة المغروسة بحنجرتها والموصولة بخراطيم غليظة متصلة بجهاز التنفس الصناعي حيث الأصوات الصاخبة والعديد من الأجهزة الأخرى المتصلة بذراعيها.

تقدم منها حتى اقترب كثيرًا ثم انحنى لمستوى رأسها وانفرج ثغره لينادي عليها ولكن لسانه أبى من فرط صدمته، حاول كثيرًا إلى أن تخطى تلك الغصة الأليمة التي علقت بحلقه ثم ردد اسمها بصعوبة: ــــ مـ ميري.. ميريـ هان.. حبيبتي.. أنا آسر يا روحي.. سامعاني؟ انتي هتقومي.. هتبقي كويسة وأنا هستناكي.. هستناكي العمر كله يا كل حياتي. سكت يتأملها بصمت لعله يرى منها أي حركة أو حتى رمشة من عينيها إلا أنه لم يحدث وكأنها ميتة حقًا.

انتابته حالة من الهيستيريا حين أدرك حقيقة موتها وفراقها الأبدي فأخذ يهزها وهو يبكي بنحيب وصل الممرضة: ــــ ميري ردي عليا.. طاب ارمشي بعنيكي.. اعملي أي حاجة.. أي إشارة.. ميري الله يخليكي يا حبيبتي ردي عليا.. ميري.. ميري. استمر في تحريكها وهو يناديها بلا كلل حتى هرولت إليه الممرضة ومعه زميل آخر وأخذا يجذبانه بعيدًا عنها حتى أخرجاه من الغرفة وهو في حالة من الانهيار التام.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...