يا نهار مش طالعله شمس!! ايه اللي انت بتقوله دا يا معتصم… انت عايزني أنا أتجوز البت الهبلة دي اللي اسمها صافية؟! طاب ياخي قول كلام يتعقل. هتف بها حمد في ذهول وغضب في آن واحد وهو يلوح بيديه هنا وهناك، بينما معتصم رغم إشفاقه على شقيقه إلا أنه تحلى بالصرامة هاتفا به بغلظة:
بقولك ايه يا حمد… اهدى كدا وافهم… انا شرحتلك لحد دلوقتي أكتر من عشر مرات إن دي عوايدنا ومش معنى إنك عيشت سنين كتير من عمرك في القاهرة واطبعت بطباع أهلها إننا خلاص هنغير جلدنا وننسى عوايدنا واللي أهلنا ربونا عليه. لوح بيديه بعصبية مفرطة: خلاص اتجوزها انت… مش انت الكبير!! لكزه بخفة في كتفه فارتد للخلف خطوة فاسترسل معتصم بحدة: انت أهبل يلا… دا أنا عمري قد عمرها مرتين… انت أنسب واحد لصافية يا حمد وسنك قريب من سنها.
رد بعناد: يا عم أنا مش عايز أتجوز دلوقتي… أنا لسة يادوب متخرج ومخلص جيشي ولسة بقول يا هادي في شغل البيزنس…مش هتجوز قبل ما أبني نفسي يا معتصم. أخذ معتصم يفرك وجهه بكفيه وهو يستغفر ربه بخفوت لعله يتخلص من وساوسه التي تأمره بلكمه، ثم حاول التحلي بالصبر قائلا بنبرة من اللين: قولي يا حبيبي… في بنت معينة في دماغك أو بتحبها عشان كدا انت رافض؟! أجابه بنبرة صادقة:
لا يا معتصم مفيش… ولو في هتكون انت أول واحد عارف… أنا مش في دماغي الحب والعواطف والكلام دا. طاب خلاص إدي نفسك فرصة يمكن تحبها… صافية بنوتة حلوة ومؤدبة وغير كدا انت اللي هتربيها على ايدك وهتطبعها بطبعك. لوح بيده بانفعال كما اعتاد منذ بداية الحوار وهو يقول بسخرية:
حلوة ايه بس يا معتصم… هو أنا أعرف شكلها أصلا… وبعدين بعيدًا عن الشكل والأدب… مكانش دا طموحي في البنت اللي هتجوزها… أنا نفسي اتجوز بنت متعلمة تعليم عالي.. مثقفة.. متكلمة.. واحدة تربي ولادي أحسن تربية.. واحدة تليق بحمد البدري رجل الأعمال المستقبلي… مش طفلة يادوب مخلصة الإعدادية!! قال عبارته الأخيرة بمرارة جعلت معتصم يتنهد بحيرة، فماذا عساه أن يفعل.. لقد وقعوا في الفخ وقضي الأمر.
حمد… احنا قدام أمر واقع ولازم هنقبل بيه… فحاول كدا تبلع الجوازة دي بمزاجك وتقنع نفسك بيها… وبعدين جوازك من صافية مش هيعوق حياتك في حاجة…. كدا كدا هتتجوز في الدوار وهتسيبها هنا مع الحاجة وروح شوف أشغالك وانزلها البلد أجازات.. رمقه حمد بعينين حمراوتين من الغضب، فاسترسل معتصم بنفاذ صبر: يا سيدي ابقى اتجوز البنت اللي على مزاجك هناك في القاهرة وابني معاها مستقبلك زي ما انت عايز و… قاطعه بانفعال بالغ:
أنا مش هغلط غلطتك يا معتصم… احتقن وجه معتصم بالغضب حين لفظ أخوه تلك الكلمات، ولكن حمد لم يسكت عند هذا الحد، بل استرسل بمزيد من الجلد والتأنيب: أنا مش هعمل زيك وأفضل خايف للسر ينكشف وأعيش بشخصيتين زي ما انت بتعمل. خرج معتصم من صمته الغاضب وانفجر فيه بحدة: معتصم البدري مبيخافش يا حمد…
جوازي من نرمين أنا مخبيه عن أمك عشان مش هتقبل بيه.. وإذا كنت خايف من الجوازة دي تتكشف فدا خوفي على أمي وصحتها لو عرفت… أما أي مخلوق تاني ميهمنيش وانت عارف. كان يصيح حتى برزت عروق رقبته للغاية الأمر الذي أثار شفقة حمد عليه وجعله يشعر بالذنب أن استفزه لتلك الدرجة، فاقترب منه يربت على كتفه بحنو مرددا باعتذار: معتصم أنا… أوقفه بإشارة من كفه وهو يقول بحدة دون أن ينظر إليه:
بس ولا كلمة… اعمل حسابك هنوصل دار عمك الليلة نطلب يد البنتة ونتفاجأ بكل حاجة وتنزل معاها بكرة انت وأمها تنجوا الشبكة اللي تعجبها… وحسك عينك تجول كلمة أكده ولا أكده ولا يصدر منك أي حركة ملهاش لازمة يا حمد.. هنزل دلوق أصلي العصر وتحصلني على الغدا.
ثم تركه بصدمته وغادر الغرفة، فجلس حمد على حافة فراشه منكسا رأسه بين كفيه يحاول تهدئة ذلك الغليان برأسه، فيبدو أن أخيه قد أخذ القرار ولن يتراجع مهما فعل… وهو لن يستطيع أن يكسر كلمته أو بالأحرى هيبته بين أهل بلدته. عودة للقاهرة.. أمام إحدى الكافيهات الراقية قام آسر بصف سيارته ثم ترجل منها ليفتح الباب الخلفي لخطيبته لتخرج ميريهان تلتها شقيقتها مودة فقام آسر بغلق السيارة إلكترونيا واصطحبهما إلى الداخل..
ايه رأيكو في الترابيزة اللي هناك دي أشار إلى إحدى الطاولات النائية التي تطل على النيل فأومأت ميريهان بحماس: حلوة يا آسر… يلا. حين وصلوا للطاولة وجلس كل من آسر وميري أردفت مودة ببسمة خالصة: طب هروح أنا بقى أستناكم في الترابيزة اللي هناك دي.. أشارت إلى أخرى بعيدة في الجهة المقابلة، فقال آسر بجدية: طب اقعدي نشرب أي حاجة الأول. ردت بمرح: لا يا عم… أنا هروح أمارس هوايتي المفضلة..
قالتها وهي ترفع أمامهما حقيبتها التي تحوي أدوات الرسم. فأومأ آسر ببسمة ممتنة فأسرعت بالاستئذان منهما وذهبت إلى حيث أشارت. بتحبك أوي مودة… قالها آسر وهو يراقبها بعدما انصرفت، فردت ميري بتنهيدة حزينة: بتفضلني على نفسها في كل حاجة… عايزاني أعيش اللي هي مش قادرة تعيشه… انت متعرفش أنا قلبي واجعني عليها قد إيه يا آسر.. رد بلهفة: لا يا حبيبتي سلامة قلبك… كفاية هي… ربنا يشفيها.
يا رب… نفسي تخف وتعيش حياتها زي أي بنت.. بس للأسف كفاءة القلب كل مدى بتقل لولا الأدوية اللي لو فوتت يوم وماخدتهاش الدنيا تبوظ خالص وغالبا بتبات اليوم دا في المستشفى. ربت على كفها المستقر على الطاولة وهو يقول بحزن: نصيبها كدا من الدنيا يا ميري… ربنا يجعل مرضها في ميزان حسناتها. زفرت أنفاسها وهي تتمتم بالحمد لله، فغير آسر مجرى الحديث: ها يا حبي… تشربي ايه؟!
بينما هناك على طاولة مودة، بينما هي منهمكة في الرسم، رن هاتفها برقم ما، فنظرت للاسم واتسعت بسمتها تباعا ثم فتحت المكالمة لترد: ألو… ماما حبيبتي وحشتيني أوي.. وانتي يا روحي وحشاني موت… عاملة إيه يا ميمو وميري أخبارها إيه؟! الحمد لله يا ماما احنا بخير.. انتي اللي عاملة ايه؟! بخير يا حبيبتي طول ما انتو بخير… ميري صوتها وحشني أوي…مش ناوية قلبها يحن وتكلمني بقى؟! ابتلعت مودة ريقها ثم قالت بحزن:
متزعليش منها يا ماما… هي بتحبك بس انتي عارفة إن قلبها جامد شوية ولسة شايلة منك.. اممم… مش قادرة تسامحني وتنسى اللي فات.. أنا تعبت ومش عارفة أعملها إيه تاني عشان تسامحني. معلش يا ماما إديها شوية وقت… إن شاء الله هتروق وهترجع المية لمجاريها. يا رب يا مودة يا رب… وصلي سلامي ليها وآسر.. حاضر يا حبيبتي يوصل… مع السلامة يا روحي..
أغلقت ريهام والدة مودة الهاتف وهي تزفر بحزن، فمنذ أن انفصلت عن والدها وتزوجت بآخر وسافرت معه إلى الخارج وبنت ابنتها ميريهان سدا منيعا بينها وبين والدتها لم تتخطاه بعد رغم مرور أكثر من عشر سنوات على ذلك الأمر، ورغم كل محاولات التودد من قبلها، إلا أنها كلها قابلتها ميريهان بالرفض على عكس مودة تماما، والتي رق قلبها لأمها على الفور وسامحتها وكأن شيئا لم يكن. في شقة أدهم…. طرق باب غرفتها فردت عليه من خلف الباب ليقول لها:
ندى أنا هستناكي في الصالون….عايز أتكلم معاكي. أتاه صوتها من خلف الباب: حاضر ثواني وجاية. بعد قليل أقبلت عليه مرتدية إسدال الصلاة ثم جلست بالكرسي المقابل له، فأدار دفة الحديث قائلا بجدية: إن شاء الله بكرة الصبح ماما هترجع من عند روان وأنا هنزل شغلي…. وطبعاً ماما هتلاحظ إن كل واحد مننا بيبات في أوضة لوحده وطبعاً هتقوم الدنيا ومش هتقعدها.. ردت بتجهم: والمطلوب؟! رد عليها بهدوء وترقب:
أنا فكرت في فكرة كدا مش عارف هتوافقي عليها ولا لأ؟! قول أنا سامعاك. أخذ نفسا عميقا ثم قال وبؤبؤي عينيه يتحركان بعشوائية كناية عن توتره: عايزك تقوليها إنك اقترحتي نتعرف على بعض فترة معينة كأننا لسة في فترة خطوبة لحد ما نتعود على بعض وبعدين هنمارس حياتنا الزوجية طبيعي بعد كدا. سكتت مليا تراقب توتره ثم أردفت بوجوم: وليه أنا اللي اقترحت… ليه ما يكونش انت؟! تنهد بنفاذ صبر:
عشان هي مش هتتقبل مني أنا الاقتراح دا… إنما هتقبله منك انتي وهتحاول قدر الإمكان ما تضايقكيش حتى لو هتيجي عليا أنا. هزت رأسها بإيجاب وملامحها يبدو عليها الحزن العميق ثم قالت بنبرة خاوية: تمام يا أدهم ربنا يسهل. رسم بسمة صغيرة على شفتيه ثم قال بنبرة جادة فيها شيء من الإعجاب: بس تعرفي! .. أنا اتبسطت أوي إني اتعرفت عليكي… بجد انتي شخصية جميلة ومثيرة وأنا متأكد إن كل ما هنقعد مع بعض هكتشف فيكي حاجات أجمل.
تورّدت وجنتاها من الخجل وهربت بعينيها من مرمى ناظريه حياءا ثم قالت بنبرة مهتزة من أثر الخجل: احم… وأنا.. وأنا كمان اتشرفت بمعرفتك… عن إذنك. هبت واقفة لتسير نحو غرفتها بخطوات سريعة، فلا تدري أهي غاضبة، حانقة، محبطة، خجلى أم كل تلك المشاعر امتزجت بوجدانها.
بينما أدهم راقب طيفها بحيرة، لا يدري أقراره ذلك معقول أم أنه قد بالغ فيه… ولكنها لطالما هي من اقترحت عليه علاقة الصداقة… إذن فالأفكار متبادلة والرأي واحد… ندى جذابة حقا وربما تتطور العلاقة بينهما لأبعد من ذلك… ولكن في الوقت الراهن قلبه لا يميل لها وهي بالنسبة له مهمة عمل وأمانة من والدها وعليه المحافظة عليها بأقصى ما يستطيع… هذا كل شيء.
انتهت نزهة آسر مع ميري ومودة ثم أخذهما بسيارته عائدين إلى منزلهما حيث جلست ميري بجوار آسر في المقعد الأمامي بينما جلست مودة بالمقعد الخلفي، وأثناء ذلك تحدثت مودة إلى ميريهان عبر مرآة السيارة الأمامية: صحيح يا ميري ماما كلمتني لما كنتي قاعدة مع آسر… نفسها تسمع صوتك… بتقول إنك وحشتيها أوي. تجهم وجهها على إثر سيرة أمها وقالت ببرود: امممم…. ماشي. رمقها آسر بنظرة من جانب عينه تنم عن عدم رضاه عن رد فعلها ثم قال بحدة طفيفة:
ميري ميبقاش قلبك أسود كدا… دي مهما كانت مامتك وربنا ميرضاش بالمعاملة اللي بتعامليها بيها دي. رمقته بنظرة حارقة ثم هتفت بعصبية: أنا قلبي أسود وزي الزفت… ويا ريت محدش يكلمني تاني في الموضوع دا….ممكن؟! هم آسر ليتحدث إلا أن مودة قاطعته: خلاص يا آسر سيبها براحتها.
شدد من قبضته على المقود كناية عن تعصبه وصمت بينما ميري أشاحت بناظريها بعيدا عنه تراقب الشوارع عبر النافذة بشرود وتيه… تشعر بنصال حادة تمزق قلبها… فلا هي قادرة على مسامحة أمها ولا تستطيع التخلص من إلحاح شقيقتها وخطيبها… فماذا عساها أن تفعل بنابضها الذي يأبى الغفران. في محافظة سوهاج…. بت يا صافية… البَسي الدريل البنفسچي بتاع العيد الصغير عشان تجابلي بيه حمد واد عمك. سكتت مليا تفكر ثم ما لبثت أن قالت بتردد:
بس أني كنت عايزة ألبس الدريل البني يا أمايا. أخذت تحرك شفتيها لجانب فمها كناية عن عدم رضاها لتقول بسخرية: بني يا مايلة!! .. كانك اتچنيتي اياك! .. أني جولت تلبسي البنفسچي يا مجصوفة الرجبة.. انتي عايزة تلبسي غامق وتچرسينا؟! زمت شفتيها بضيق ثم قالت بانصياع: حاضر يامايا بنفسچي بنفسچي.. ضيقت عيناها بمكر وهي تقول: إيوة اكده… أنا خابراكي معتچيشي غير بالعين الحمرا يا بت حمد. ضربت صدرها بخفة لتقول باستنكار: أني يامايا؟!
…دا أني بالذات لو جولتيلي لجحي روحك بالجنايا هلجحها طوالي.. دا أني عمري ما كسرتلك كلمة واصل.. أني طوالي.. قاطعتها أمها بنفاذ صبر هاتفة: اتكتمي يا بت… ايه ياختي ماصدجتي تنفتحي في حديتك الماسخ ده… إنچري يلا روحي احلبي الچاموسة عشان تتشطفي وتغيري خلجاتك قبل ما عريس الغبرة ياچي.. أطرقت رأسها بانكسار وهي تردد بخنوع: حاضر يا امايا أني رايحة الزَريبة أهو…
راقبته أمها وهي تسير ناحية حظيرة الحيوانات وهي تبتسم بانتصار، فها هي فتاتها المطيعة لم تخيب ظنها أبداً وأينما توجهها تذهب كيفما شائت هي… ألغت شخصيتها ومحت تفكيرها ولم تسمح لها بأن تفكر أو تختار… فحتى زواجها بابن عمها لم يكن سوى إقراراً منها بالموافقة على ما تراه أمها في صالحها وحسب، فصافية أيضاً حالها من حال حمد، لم تراه منذ سنوات ولم يخطر ببالها من الأساس أن تُخطب له.
ولكن هي كل ما تعرفه أنها ترى بعين أمها وتفكر برأس أمها وتسير كما يحلو لأمها وحسب.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!