حين كانت ريم تخطط بغضب إلى داخل الحفل، اصطدم كتفها بكتف نرمين التي كانت في طريقها إلى الخارج بحثًا عن معتصم. صرخت نرمين بألم: ــ أي.. إيه! ماشية تخبطي في الناس كدا ليه؟! نظرت لها ريم نظرة شاملة، وبالطبع عرفتها، فقالت بأسف مصطنع: ــ آه، سوري، ما أخدتش بالي. لم تخفَ على نرمين معرفة ريم بها أيضًا، فابتسمت بانتصار لوصولها لبغيتها، وسألتها بميوعة كي تستفزها:
ــ بقولك، مشوفتيش شاب حتة كدا لابس بدلة رصاصي كاجوال وشعره بني وناعم وعينه عسلية واسمه معتصم؟! رفعت إحدى حاجبيها باستنكار، ولكن بالطبع لم يخفَ عليها كيدها، فردت باستفزاز: ــ آه، اللي كل البنات كانت بتعاكسه؟! .. اممم، كان برا من شوية.. تعرفيه منين؟! اتسعت ابتسامتها بافتخار: ــ الحتة ده يبقى جوزي. فتحت فمها بتفاجؤ مصطنع وهي تضع أطراف أصابعها عليه: ــ إيه دا بجد؟!
.. مع إن اللي يشوفك ويشوفه يقول إنك أكبر منه بعشر سنين… لا بجد مش لايقة عليه خالص. انتفخت أوداجها بغضب بالغ، فاسترسلت بمزيد من الاستفزاز: ــ من شوية شوفته واقف مع بنت جميلة وصغيرة، افتكرتها مراته… كانت لايقة عليه أكتر.
جذبتها من كتفها لتنحني برأسها إلى رأس ريم وهي تجز على أسنانها بغيظ تريد سحقها، ولكن في تلك اللحظة قطع تواصلهما البصري نداء معتصم لنرمين التي كانت على وشك ضرب ريم. فخطى نحو الغريمتين بسرعة قبل أن تضرب إحداهما الأخرى، إلى أن أصبح قبالتهما. نظر لمعتصم بغضب بالغ، وقام بإنزال يدها عن كتف ريم وهو يقول بغضب مكتوم: ــ إيه اللي انتي بتعمليه دا؟! مش ملاحظة إن شكلك ملفت للنظر؟!
نظرت له بعينين تنطقان بالشر، فتجاوزها ونظر لريم قائلاً باعتذار دون أن يلفظ اسمها: ــ أنا آسف… اتفضلي. رمقته ريم بازدراء، ثم تركتهما وذهبت باتجاه الدرج المتحرك لتبحث عن خالد بالأعلى. بينما هو بقي مع نرمين ليسألها بحدة: ــ ممكن أفهم إنتي قولتي لها إيه؟! وإنتي تعرفيها منين أصلًا؟! أصابها بعض الارتباك لتقول بنبرة مهتزة: ــ مـ.. معرفهاش… ثم استرسلت بوافر من الغل:
ــ هي اللي واحدة حيوانة ماشية زي الطور وخبطتني في كتفي وهي ماشية. علت نبرته بنبرة تحذيرية: ــ نرمين… الزمي حدودك. ــ إيه مالك اتحمقت كدا ليه؟! إنت تعرفها؟! رمقها بنظرة غاضبة، ثم تركها دون أن ينبس ببنت شفة وغادر إلى الخارج. استقل سيارته إلى حيث لا يدري، لعله ينفس عما يكتظ بصدره من دوامة مشاعر متضاربة ما بين الغضب والحنين. بينما نرمين، أخذ صدرها يعلو ويهبط من فرط الغضب والغيظ. فسحبت هاتفها من حقيبة يدها لتتصل براغب،
وحين رد عليها قالت بغل: ــ راغب، نفذ اللي اتفقنا عليه بكرة… بكرة يا راغب.. أنا مش عايزاها تعرف نفسها من كتر الضرب اللي هتاكله يا راغب… مفهوم؟! ….. هحولك الفلوس بكرة الصبح قبل التنفيذ… عرفني بالموعد عشان أتفرج بنفسي وهي بتاخد علقة عمرها.. تمام… سلام.. تنفست براحة وهي تتخيل غريمتها تتلقى ضربًا مبرحًا نظير سرقتها لقلب وعقل زوجها.
ألحت ريم على خالد لمغادرة الحفل بعدما تعكر مزاجها بسبب ما حدث مع غريمتها، فاضطر لأن يرضخ لرغبتها. ومن ثم غادرا الحفل واستقلا سيارة أجرة أقلتهما أولًا إلى منزل ريم، ثم أوصلت خالد إلى منزله.
دَلفت ريم المنزل وهي شاردة حزينة، تشعر وكأن قطعة غالية من قلبها قد فارقتها، خاصة بعدما رأت معتصم "الحبيب الخائن". لقد انقلب حالها وانهار كيانها بعد تلك الدقائق القليلة التي تحدثت إليه فيها. لا تستطيع أن تنسى نظرته الهائمة بها ونبرته الحنونة وقربه المهلك. "ويحك يا معتصم، ماذا فعلت بقلبي الصغير؟! ألقت بحقيبتها على أقرب كرسي لها، ثم خرجت منها تنهيدة عميقة تحمل الكثير من المشاعر التي لا تستطيع كتمانها أكثر من ذلك.
حسمت أمرها أن تذهب إلى ندى تشاركها ما يجول بصدرها، لعلها ترشدها لرأي صائب وتخفف عنها حمل تلك المشاعر. طرقت باب غرفتها، فسمعتها تأذن لها بالدخول. فدخلت وأغلقت الباب خلفها، ثم سارت إلى حيث تجلس بالفراش. ودون أن تنبس ببنت شفة، اعتلت الفراش وقامت بإسناد رأسها إلى فخذ ندى وتمددت بجسدها، ثم عادت لشرودها مرة أخرى. ففهمت ندى أن هناك خطبًا ما يحدث مع ريم هو ما جعلها ضائعة هكذا ودفعها إليها لعلها تساعدها.
مسدت ندى على حجابها الذي لم تخلعه بعد، ثم قالت بنبرة لينة: ــ الجميل ماله سرحان في إيه؟! يا ترى إيه اللي حصل في الحفلة خلاكي سرحانة كدا. ردت بشرود وهي تنظر في اللاشيء: ــ شفته يا ندى. قطبت ما بين حاجبيها تسألها بترقب: ــ هو مين؟! زفرت أنفاسها ببطء ثم قالت: ــ معتصم. شهقت ندى وهي تكمم فمها بيدها، ثم قالت: ــ مش دا الصعيدي اللي كان متقدملك؟! هزت رأسها بإيجاب، ثم قالت بنبرة تائهة:
ــ آآآه… لما شوفته مقدرتش أشيل عيني من عليه… كان حلو بشكل يخطف القلب… في لحظة مقدرتش افتكرله أي حاجة وحشة.. محستش غير إنه واحشني وبس.. قلبي كان هيخرج من مكانه.. قلبي بيدق بسرعة أوي يا ندى. هزت ندى رأسها بعدم رضا، ثم قالت بعتاب: ــ وإنتي خالد فين من دا كله يا ريم؟! تنهدت بحيرة ثم قالت:
ــ خالد مكانش معايا ساعة ما شفته.. أنا أصلًا نسيت حاجة اسمها خالد… مفتكرتهوش غير لما أخدني من إيدي وكان عايز يركبني عربيته عشان يشرحلي هو ليه اتجوز الست دي.. بس أنا زعقتله وقلتله إني مخطوبة لواحد تاني وسبته ومشيت. حانت من ندى بسمة ساخرة لتقول: ــ وطبعًا الكلام دا كان من ورا قلبك!
ــ مكدبش عليكي يا ندى.. أنا فعلًا كنت بزعق من ورا قلبي.. يعني كان نفسي أسمعه وألاقي له عذر أو مبرر.. بس كرامتي مسمحتليش.. حسيت إني هأهين كرامتي لو كنت وافقته. هزت رأسها لتقول بوجوم: ــ إنتي لسه بتحبيه يا ريم. سكتت ريم كناية عن إقرارها بذلك. فاسترسلت ندى بجدية تامة: ــ طالما لسه بتحبيه يبقى مينفعش تكملي مع خالد.. إنتي كدا هتظلميه وهتظلمي نفسك معاه. أومأت بتأييد لتقول بجدية:
ــ أنا محستش إن علاقتي بخالد هشة أوي غير لما لقيت كياني اتلغبط لما شفت معتصم. سكتت ندى تفكر بحيرة وتردد، إلى أن قالت: ــ طب… طب اديله فرصة تانية واسمعيه… يمكن يكون فعلًا معذور.. وجايز أدهم فهمه غلط، وبالتالي حكمه عليه كان غلط من وجهة نظره… يعني إنتي أكيد هتفهميه أكتر من أدهم. سكتت ريم لبرهة ثم قالت بشرود: ــ أنا بفكر في كدا… نفسي أشوفه تاني.. حاسة إني ناقصني حاجة كبيرة أوي من غيره. عادت لتمسد على
حجابها وتقول بنبرة حالمة: ــ يا حبيبتي، لو كان فيه خير ليكي ربنا يجعلك نصيب فيه.. بس عشان متوقعيش نفسك في غلط كبير، انهي خطوبتك بخالد طالما قلبك متعلق بغيره. هزت رأسها بإيجاب، ثم نهضت لتقبل ندى من وجنتيها وشكرتها كثيرًا. ومن ثم عادت إلى غرفتها وبدلت ملابسها، ثم استلقت على الفراش تستعيد لقاءها بحبيبها الوسيم. في ذات التوقيت بمشفى الدكتور رؤوف.
استعار آسر سيارة أدهم ليقل مودة إلى شقة أبيها الذي استأجرها فور عودته من ألمانيا، بعدما باع ما يقرب من ثلاثة أرباع أملاكه لكي يتمكن من إجراء عملية زراعة القلب لابنته الغالية. فقد قرر الدكتور رؤوف بإمكانية خروجها إلى المنزل مع اتباع أقصى وسائل التعقيم والنظافة لكي تحافظ على جهازها المناعي، بعدما تعاطت ما يكفي من مثبطات المناعة لكي لا يرفض جسدها القلب المزروع. ــ حمد الله على سلامتك يا مودة… هتنوري الشقة الجديدة.
ابتسمت بسعادة: ــ الله يسلمك يا آسر… معلش بقى تعبينك معانا.. مرة تجيبني من المطار ومرة توصلني البيت.. والله بجد بقيت محرجة منك.. اقترب منها ثم مال بجسده إليها ليقول بنبرة لينة: ــ عيب يا مودة متقوليش كدا… إنتي أختي. نظرت له بوجوم حين نعتها بتلك الصفة، وكأنها لم تعجبها الكلمة. وفي تلك اللحظة اقتحمت عليهما الغرفة والدتها التي وصلت لتوها من المطار لكي ترى ابنتها بعدما تماثلت للشفاء. ركضت أم مودة إليها ثم
احتضنتها بلهفة وهي تردد: ــ حمد الله على سلامتك يا حبيبتي… الحمد لله إنك بقيتي كويسة… أنا مش مصدقة نفسي إنك أخيرًا هترجعي البيت وتعيشي حياتك اللي اتحرمتي منها يا قلب أمك. بمشاعر باردة بادلتها مودة العناق، وكأنها فقط تعانقها من باب الواجب وليس من باب المحبة. وقد كانت في حالة من التعجب من نفسها… أين ذهبت لهفتها على أمها؟! .. أين تلك البسمة المحبة التي عادة ما كانت تستقبلها بها؟!
.. حقًا لم تستطع رسمها على شفتيها ولو بالكذب. بينما آسر يراقبهما بدهشة بالغة: هل يعقل أن تكون هذه مودة التي يحفظها عن ظهر قلب؟! .. حقًا وكأنه يرى أمامه ميريهان للمرة الثالثة… يرى عنادها وقسوة قلبها مع أمها متمثلة في عناقها البارد لوالدتها. ابتعدت أمها عنها قليلًا لتحاوط وجهها بين كفيها وهي تذرف دموع الفرح وتقول بسعادة بالغة: ــ الحمد لله يا قلبي… الحمد لله إن ربنا حفظك ليا ورجعك لينا بالسلامة وفي أحسن حال.
أومأت برأسها إيماءة بسيطة دون أن تنطق. فتجعدت ملامح أمها بدهشة بالغة: ــ مالك يا مودة؟! إنتي زعلانة مني يا بنتي؟! سكتت ولم ترد، فاسترسلت أمها بتوضيح: ــ حقك عليا يا حبيبتي… أنا عارفة إني مقصرة معاكي بس والله غصب عني… كان نفسي أكون معاكي في ألمانيا بس الظروف مسمحتش… وكنت كل يوم بكلم باباكي أسأله عليكي وكنت بدعيلك في صلاتي إن ربنا يتم شفاكي على خير… عمري ما نسيتك لحظة… لا إنتي ولا أختك الله يرحمها.
أدمعت عينيها على ذكر شقيقتها المتوفاة. فتدخل آسر في الحديث: ــ ومن إمتى مودة بتزعل منك يا طنط!! هي عارفة ظروفك كويس ومقدرة… مش كدا يا مودة؟! نظرت له مودة بحيرة، ثم أومأت في الأخير ولم تستطع أن توافقه الرأي بلسانها حتى لا تكسر خاطر أمها. في تلك اللحظة دلف إليهم محمد وبيديه عدة أوراق تشمل تقارير وأشعة وتحاليل معملية خاصة بمودة، بالإضافة إلى خطة العلاج التي ستتلقاه في المنزل. فقام بتحية زوجته السابقة،
ثم وجه حديثه إلى مودة: ــ يلا يا قمري عشان نرجع على الشقة الجديدة… بإذن الله هتعجبك لأني مشطبها على ذوقك. ابتسمت له بحب: ــ أكيد هتعجبني طالما حضرتك اللي مختارها يا بابا. أحست أمها ببعض الغيرة حين ابتسمت لأبيها ولم تنل منها تلك البسمة الصافية المحبة، وأدركت أن هناك شيئًا ما يجري بغرابة في ابنتها الحبيبة… فلم يكن ذلك موقفها منها مسبقًا.
قام والدها بإسنادها حتى جلست على الكرسي المتحرك، ثم خرجوا جميعًا من الغرفة باتجاه المصعد حتى خرجوا من المشفى متجهين إلى سيارة أدهم. فتح آسر الباب الخلفي لمودة، ولكنها لم تستطع الركوب نظرًا لقلة لياقتها من طول فترة مكوثها بالفراش. فهز رأسه وهو يقول لها بلطف: ــ خلاص متضغطييش على نفسك… أنا هساعدك. قاطعه محمد قائلًا: ــ طب على ما تركبها هروح الاستقبال أتأكد إن الحساب خلصان. ــ تمام يا عمو اتفضل إنت. تدخلت أم مودة:
ــ طب افتحلي شنطة العربية عشان أشيل الشنط دي فيها. ــ حاضر يا طنط. فتح لها حقيبة السيارة، ثم تركها تضب أغراض مودة وعاد إليها. فقام بإسنادها من خصرها لتدخل السيارة، ولكن قربه منها بهذه الطريقة قضى على ما تبقى لديها من ثبات وأصبحت قدماها كهلام، فلم تستطع رفعهما. فتنهد بحيرة ولم يجد بدا من حملها، فهي في كل الأحوال خفيفة الوزن ولن تجهده.
باغتها بانحنائه عليها وحملها حتى أسندها إلى صدره، ثم دلف بها إلى السيارة. وحين وضعها على المقعد اصطدم رأسه برأسها لينظر لها معتذرًا. فرآها تبادله بنظرة هائمة وكأنها مغيبة… وكأنهما انفصلا عن العالم في لحظة من التواصل البصري تسارعت خلالها نبضات قلبيهما. فبدون وعي من مودة أمسكت بكفه ووضعته على موضع قلبها، ثم قالت له بنبرة تائهة وهي تبتلع رمقها: ــ حاسس بقلبي.
كان قلبها حقًا يقرع بصدرها كالطبول، ينبض بعنف تحت كفه، ولم يكن حال قلبه أقل منها. تزلزل كيانه وتبعثرت روحه خلال تلك اللحظات التي قطعتها مجيء والدتها تقول بصوت مرتفع: ــ خلاص يا آسر مودة قعدت؟! عاد لرشده بعدما ابتعد عنها بتوتر، خارجًا برأسه من السيارة، ثم هز رأسه بموافقة وهو يبتلع رمقه بارتباك: ــ آه آه تمام… أنا هدور العربية على ما عمو محمد ييجي.
بعد عدة دقائق كان آسر قد انطلق إلى منزل حماه، وقد كان يقود وهو شارد فيما حدث بينه وبين مودة قبل قليل، حتى أنه من فرط شروده ضل الطريق. ولم يكن حال مودة بأقل منه، فتارة تهيم به وبعينيه عبر مرآة السيارة الأمامية، وتارة أخرى تنهر نفسها وتشعر بالذنب تجاه أختها أن دق قلبها لقلب يخصها.
يوم جديد أتى بأحداث جديدة… حيث أرسل راغب سيدتان غليظتان تبدو عليهما أمارات العنف والإجرام، قامتا بمراقبة المشفى ينتظران خروج ريم حتى تنفذا المهمة المسندة إليهما. كانت ريم قد نوت التحدث مع خالد لإنهاء الخطبة حين وُضع قلبها في ذلك الاختبار الذي بيّن لها مدى تعلقها بمعتصم وعدم قدرتها على العيش مع غيره، وإن لم يكن لها فيه نصيب، على الأقل في الوقت الحالي إلى أن يقضي الله أمرًا كان مفعولًا.
لسوء حظها أن خالد طرأ له طارئ ولم يأتِ إلى المشفى، فقررت تأجيل قرارها لحين عودتها إلى المنزل والاتصال به. في تمام الثانية بعد الظهيرة، خرجت ريم من المشفى وعبرت إلى الجانب الآخر من الطريق لتأخذ تاكسي إلى منزلها، ولكن السيدتين رأينها وأقبلتا عليها لتسألها إحداهما: ــ لو سمحتي يا أبلة أروح مستشفى الأطفال منين؟! ردت ريم بعفوية: ــ هتمشي من الشارع الجاي دا لآخره وبعدين…
قاطعتها بقولها وهي تنظر بعيدًا لكي تستدرجها إلى مكان أبعد بعيدًا عن المارة: ــ فين كدا؟! من هنا؟! ــ لأ… بصي تعالي ورايا كدا. ابتسمت السيدة بمكر لتأخذهما ريم إلى ناصية الشارع، وقد بعدت قليلًا عن المشفى. وفي تلك اللحظات كانت نرمين تركب سيارة راغب وتتخفى بنظارة شمس وترتدي كمامة، وتنتظر على جانب الطريق حتى ترى ما سوف يحدث لريم لتشفي غليلها منها.
وفي ذات الوقت لم تغفل عيني عمر عن مراقبة ريم، وقد شك في أمر تلك السيدتين وتعقبهما أثناء سيرهما معها. وفي لحظة كانت السيدة الأخرى تجذب ريم من ملابسها لتوقفها خلف شجرة ضخمة، ثم صفعته صفعة قوية جعلت الدم يسيل من أنفها. ليصعق عمر حين رأى ذلك من بعيد، وقام فورًا بالاتصال بمعتصم ليرد عليه بعد ثوان قليلة: ــ الحق يا معتصم بيه… في اتنين ستات بلطجية بيضربوا الدكتورة ريم وأنا مش عارف أتصرف إزاي عشان مااتكشفش.
نهض معتصم بسرعة وخرج من مكتبه باتجاه سيارته وهو يتحدث مع عمر: ــ روح عليهم بسرعة وحجز بينهم كأنك واحد ماشي في الشارع وشوفتهم… حاول تعطلهم لحد ما أجلك يا عمر… إن شاء الله عشر دقايق بالكتير وأكون عندك… سلام. ركب سيارته وانطلق بها بسرعة هائلة لدرجة أن إطاراتها احتكت بشدة بالأرض مصدرة صريرًا عاليًا مخلفة غيمة كبيرة من الغبار. فعل عمر كما أمره معتصم ليصل إلى السيدتين، فوجد ريم تنظر لهما
بصدمة ولسان حالها يقول: "ماذا فعلت لأصفعاني؟! " وقد احمر وجهها بشدة وزادت وتيرة تنفسها وارتعش جسدها. فحال عمر بينها وبينهما ليقول بغلظة: ــ إيه يا ست إنتي… إنتو مستفردين بالدكتورة ليه؟! ثم نظر لريم: ــ لا مؤاخذة يا دكتورة أنا عارفك.. أصلك كنتي كاشفة على مراتي في الاستقبال من يومين ولسة فاكرك. لم تعقب ريم فلم تزل في صدمتها. فزاحته السيدة من كتفه وهي تصيح بنبرة غليظة:
ــ وإنت مالك إنت… دا حساب بينا وبينها متدخلش أحسن لك. أخذت ريم تتلفت حولها تريد الهرب من ذلك الكابوس. فكادت أن تركض، ولكن لحقتها الأخرى لتجذبها من ذراعها بقوة آلمتها: ــ إنتي رايحة فين يا حلوة تعالي هنا لسه مخلصناش.
لتصرخ ريم من شدة الألم، بينما عمر انشغل بشجاره مع الأولى. وحين همت الأخرى برفع كفها لتصفعها مرة ثانية، تعلق كفها في الهواء بغتة. لتنظر إليه لتجد شابًا طويلًا وسيم الخلقة يقيد كفها وينظر لها بشر. فارتعدت أوصالها وظنته ضابط شرطة. فسألها وهو يجز على أسنانه: ــ إيدك لو اتمدت عليها هقطعهالك. قام بسحب ريم ليوقفها خلفه متخذًا من نفسه درعًا واقيًا لها. فاسترسل حديثه مع السيدة: ــ مين اللي بعتك يا بت؟!
ارتعش جسدها وخافت أن ترد، ليصرخ فيها بقسوة: ــ انطقي يا بنت الـ…. قولي مين اللي بعتك يا أما، وربنا هكون ملبسك قضية وواخدك حالا ع المركز… ومش بس كدا… دا أنا هوصي عليكي كمان عشان يظبطوكي إنتي والزبالة اللي معاكي. حين استمعت الأولى لحديثه خافت وركضت بعيدًا، تاركة زميلتها تتلقى مصيرها المجهول. فأخذت الأخرى تسبها، ثم قالت من فرط خوفها وهي تتلعثم في الكلام:
ــ هقولك.. هقولك يا باشا.. اللي.. اللي متفق معانا واحد اسمه راغب.. معرفهوش.. مش عارفه غير اسمه.. حتى كان قايلنا إنه اسمه أشرف وبعدين غلط في الكلام وقالنا اسمه الحقيقي وهو مش واخد باله.. وعطانا المبلغ اللي اتفقنا عليه والعنوان وإحنا جينا نعمل اللي اطلب مننا.. بس يا باشا هو دا اللي حصل.
في تلك اللحظة قبضت ريم على قميصه من الخلف وكأنها تتمسك به حتى لا تسقط على الأرض من فرط انفلات أعصابها. فاضطر لأن يؤجل ذلك التحقيق لحين الاطمئنان عليها. فترك السيدة وهو يتوعد لها ولمن أرسلها. ثم استدار إلى ريم التي ساءت حالتها للغاية، وقام بإسنادها من كتفها حتى أوصلها إلى سيارته بعدما أومأ برأسه إلى عمر لينصرف. ثم أجلسها في المقعد الأمامي بجواره، وقد كانت مستسلمة له تمامًا… فقد كانت في حالة لا تسمح لها بالمقاومة.
استقل مقعد السائق ثم أدار السيارة وانطلق بها، وقبض على كفها الأيسر وهو يقود، فوجده باردًا للغاية. فأخذ يردد عليها بنبرة حنونة: ــ ريم… اهدي يا حبيبتي ومتخافيش من حاجة… خلاص إنتي دلوقتي بقيتي في أمان… اهدي وخدّي نفسك براحة.. أنا معاكي ومش هسيبك. استجابت له وأخذت تتنفس ببطء حتى هدأت أنفاسها قليلًا. وظل قابضًا على كفها لم يتركه، وكأنه يبثها الأمان من خلال لمسته لها، حتى استكانت ونامت كعادتها حين تأتيها تلك النوبة.
تنهد معتصم بارتياح قليلًا… فعلى الأقل هي بجواره الآن وتشعر بالأمان بوجوده معها. ولكنّه ظل غاضبًا متوعدًا في نفسه بالويلات لمن فعل بها هذا.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!