كانت نرمين تراقب ما حدث بنيران مشتعلة بصدرها، فقد انقلب سحرها عليها. بدلاً من أن تشفي غليلها من غريمتها، قربتها أكثر من معتصم بمكيدتها الفاشلة التي حاكتها لها. انطلقت خلف سيارة معتصم تتفقد أثره بعدما قادتها غيرتها بتعقبه لتكون على علم بمدى تطور علاقته بها. وأثناء سيرها خلفه بحذر، قامت بالاتصال براغب تخبره بما حدث ولتحيك معه مؤامرة أخرى ضد تلك المسكينة.
«ألو. أيوة يا راغب… ملحقتش تاكل العلقة بنت الـ… مكنتش اعرف ان الزفت اللي اسمه عمر دا لسة بيراقبها و بينقله أخبارها…. ايوة هو اللي كلمه و جه جري خلصها من ايديهم…. ماهو لما بطل يبعتله رسايل بصورها ع الواتس افتكرته بطل يراقبها…. المهم اسمعني كويس.. هتروح دلوقتي على الفيلا بتاعتي تاخد مفتاح شقة معتصم من الشغالة و هبعتلك العنوان بعد ما اقفل معاك ع الواتس…. في خطة كدا في دماغي هعملها و اهي محاولة يا تصيب يا تخيب.. المهم هتروح الشقة و تاخد معاك…»
ظلت طوال طريقها خلف معتصم تسرد له تفاصيل خطتها اللئيمة. بينما معتصم يقود السيارة وريم بجواره نائمة بسكينة، كان في حيرة من أمره إلى أين سيذهب بها وهي بتلك الحالة. إلى أن هداه تفكيره لمكان هادئ وهو عبارة عن قرية سياحية جديدة تحت الإنشاء توقفت أعمال البناء بها منذ فترة، ولا يوجد بها سوى أحد الخفر يتناوب مع الآخر على حراستها على أطراف التجمع الخامس.
ولكن تلك القرية تابعة لزوج نرمين المتوفي وقد ورثتها عنه نرمين وقد عمل معتصم على استكمال بنائها، ولكن توقفت لعدم توفر سيولة لاستكمالها. حين تبينت له وجهته، أخذت تجز على أسنانها بغيظ وهي تردد بحقد: «هي حصّلت تاخدها ع القرية بتاعتي كمان؟! يا بجاحتك يا أخي.»
عبر معتصم عبر بوابة القرية بعدما اتصل بحارسها ليفتح له بابيها على مصرعيها ثم دخل وأغلق خلفه البوابة ليسير عدة أمتار إلى الداخل ثم قام بصف السيارة أمام إحدى المباني وقام بإيقاف محرك السيارة ثم أراح جذعه العلوي إلى الخلف وهو يتنهد بتعب مغمضاً عينيه لعدة ثوانٍ ثم فتحهما ليدير رأسه إليها يتفقدها فوجدها كما هي ساكنة تتنفس ببطء.
حانت منه نصف ابتسامة فهو لا يصدق أن القدر أتاح له تلك الفرصة التي انتظرها طويلاً وفي مكان ملائم تمامًا، فلا مهرب لها منه. بينما نرمين قامت بصف السيارة بعيدًا عن بوابة القرية حتى لا يراها أثناء خروجه، فإن تتبعته إلى الداخل حتمًا سيكشف أمرها، فأوقفت محرك السيارة وجلست تنتظر خروجه وهي تتخيل نجاح خطتها الجديدة التي رسمتها جيدًا. ربما تأتي بثمارها كما أرادت ولتكن تلك القاضية.
لم يشأ أن يوقظها فتركها نائمة واستخرج هاتفه يعبث به قليلاً، تارة ينهي بعض الأعمال العالقة عبر تطبيقات التواصل الاجتماعي وتارة أخرى يتصفح الأخبار وبقي على ذلك الحال قرابة الساعة حتى بدأت تتململ في نومتها وتأن بخفوت، فترك الهاتف جانبًا ثم أبعد ناظريه عنها حتى لا تتوتر حين تراه.
فتحت عينيها وأخذت تعاين ما حولها وهي تحاول أن تتذكر آخر ما حدث لها إلى أن وقعت عينيها عليه وكان حينئذ ينظر إليها بطرف عينه، فتذكرت فورًا ما حدث واعتدلت في جلستها لتقول بفزع: «إحنا فين؟! أنا نايمة من امتى؟! و ليه سيبتني أنام أصلاً..» اقترب منها قليلاً وهو يقول برفق:
«ريم اهدي شوية… قبل أي حاجة خودي موبايلك و كلمي مامتك طمنيها عليكي… رنت عليكي كذا مرة.. و واحدة تانية اسمها ندى رنت عليكي برضو…. يا ريت تقوليلها ان عندك نبطشية و هتتأخري لأني مش ناوي أروحك دلوقتي.» رمقته بعينين مشتعلتين بالغضب ثم صاحت به: «يعني ايه مش ناوي تروحني دلوقتي؟ … خطفتني مثلا و انا مش حاسة؟! رد بنبرة باردة: «اعتبريها كدا.» اصتكت فكيها من الغيظ ثم رأت أن تطمئن أمها أولاً ثم تحاسبه على كلامه لاحقًا.
«ألو أيوة يا ماما يا حبيبتي انا اسفة مسمعتش الفون….. لا هتأخر شوية… هكمل النبطشية مكان واحدة زميلتي… تمام يا حبيبتي ابقي طمني ندى لأنها رنت عليا… مع السلامة..» أغلقت المكالمة ثم نظرت إليه ليسألها بفضول: «ندى دي تبقى أختك؟! ردت بجمود: «لأ… مرات أدهم..» رفع حاجبيه متفاجئًا: «هو أدهم متجوز؟! «ايوة… متجوز من قريب.» «و يا ترى بقى متجوزها عن حب؟! ردت بنظرة مطولة كناية عن ضيقها البالغ من تدخله وفضوله ثم قالت:
«و دا يخصك في ايه؟! رفع كتفيه لأعلى: «عادي.. فضول مش أكتر… مع اني متوقع انه مجربش الحب قبل كدا و إلا كان عذرني.» ردت بصوت مرتفع: «انت مالكش أي عذر.» رد بنبرة أعلى:
«لأ ليا….. لما أحبك في وقت مكنتش متخيل فيه اني ممكن اقع في الحب بعد ما كنت اقلمت حياتي و اكتفيت بالست اللي اتجوزتها… لما حبك كل مدى يتمكن مني مع اني قاومته و كنت كل ما بقاومك بتشد ليكي أكتر… لما عرفت يعني ايه اني احب و روحي تتعلق بيكي لدرجة اني أخاف من فراقك مع ان عمري ما عرفت يعني ايه خوف… حطي نفسك مكاني.. كنت متأكد انك لو عرفتي اني متجوز هتعملي اللي عملتيه.. اضطريت اطلبك للجواز قبل ما ترجعي بيتك و تنقطع علاقتنا للأبد… طلبتك للجواز قبل ما اصلح الغلطة اللي دمرتني… و للأسف محستش انها غلطة غير لما حبيتك…»
قاطعته بانفعال: «أنا مش بحاسبك على حاجة عملتها من قبل ما تعرفني.. مع ان مش غلط انك تتجوز.. بس الغلط هو انك تحب واحدة و انت في انسانة في حياتك.. الغلط انك تخليني أتعلق بيك و أحبك.. لو كنت صارحتني من أول لحظة مكنتش سمحت لنفسي اني أكلمك و لا سمحت لعلاقتنا انها تتطور… كنت هعرف ازاي اوقفك عند حدك و اخليك تصرف نظر عني تماما و كأنك معرفتنيش… بس دي غلطتك انت.. انت خدعتني و خدعت نفسك و خدعت مراتك.» ضرب تارة
القيادة بعصبية و هو يصرخ: «كنت هقولك… مكنتش هخبي عليكي..» «بعد ايه؟! .. بعد ما خلاص كنا هنتخطب… اتأخرت… اتأخرت أوي يا معتصم بيه..» ثم قامت بفتح باب السيارة لتخرج منها الا أنه قبض على ساعدها ليقيد نزولها فنظرت له بغضب و لكنه لم يبالي:
«غلطت و عايز أصلح غلطي…. ريم انا خلاص طلقتها… هي من اول يوم في جوازنا و هي عارفة اني هتجوز غيرها لأنها مش مناسبة ليا بس أنا كنت مضطر أوافق على جوازي منها لأسباب هقولهالك بعدين.. بس كانت نيتي اني هتجوز بنت من البلد زي ما امي بتتمنى.. جواز صالونات يعني.. لأني كنت مخرج موضوع الحب دا من حساباتي… ببساطة كنت شايف ان كل البنات اللي اتعاملت معاهم تافهين و سطحيين.. مفيش واحدة فيهم لمست قلبي.. و كان انطباعي عن البنات كدا.. بس
لما قابلتك و شوفت كبريائك و عنيكي اللي كانت كلها ثقة و قوة.. حسيت انك غير.. حسيت انك عاقلة و مش تافهة و متأثرتيش بشكلي ولا مظهري.. يعني مش عارف قلبي و كل كياني اتحركو تجاهك في لحظة ازاي.. انتي قلبتي كل موازيني يا ريم.. لقيت نفسي اتغيرت و كل معتقداتي اتغيرت… بس للأسف كنت متنيل متورط في جوازي من نرمين..»
كانت تستمع إليه وملامحها متأثرة بكلامه وتنظ ر أمامها بتفكير وحيرة، فقال برجاء: «بصيلي يا ريم.» نظرت له والتردد باديا على وجهها، فاسترسل كلامه بنبرة صادقة: «و الله لو كنت أعرف اني هحبك.. مكنتش فكرت أبداً اني أتجوز قبلك لو هنام على الحصير.» قسمه الصادق لمس قلبها وعزف على وترها الحساس، فهي في كل الأحوال تحبه بل تعشقه وتتمنى مرافقته لآخر لحظة بعمرها، فأطرقت رأسها وهي لا تدري ترى ماذا يكون جوابها؟!
هل ترضخ له بهذه السهولة؟! فتحت الباب ونزلت ولكنه تلك المرة تركها تفعل ما يحلو لها، فنزل خلفها ليراها تستند إلى الباب مولية ظهرها له وتأخذ نفساً عميقاً، ولكن كان الجو بارداً قليلاً، فقد أقبل الخريف بنسماته الليلية الباردة، فأخذت تفرك ذراعيها لعلها تستمد منهما الدفء.
فتح معتصم الباب الخلفي واستخرج من المقعد معطف شتوي ثم استدار لها ودون أن ينبس ببنت شفة قام بوضعه حول كتفها فنظرت له بخجل وقاومته قليلاً ولكنه أصر وهو يقول بنبرة حانية أفقدتها ما تبقى من ثباتها: «هشششش.. جو العربية كان دافي و كدا هتاخدي برد..» استسلمت لإصراره خاصة بعد تلك النبرة التي أصابتها بالثمالة حرفياً وجعلتها تدرك أنها وقعت بشباكه لا محالة ولا مجال للفرار من أسر عشقه.
وما زاد الأمر وبالاً رائحته العالقة بالمعطف والتي داعبت أنفها وجعلتها تستنشقها باستمتاع بالغ… فكيف لها أن تبتعد بعدما سقطت أسيرة عشقه. أخذت تدور بعينيها في المكان بعدما أدركت أخيرًا خلوه من الناس، فسألته بدهشة: «هو احنا فين دلوقتي؟! و ايه المكان اللي مفيش فيه ناس دا؟! «دي قرية تحت الإنشاء تبع شركتي لسة متسكنتش… ملقيتش احسن من المكان دا نتكلم فيه براحتنا و نتفاهم لحد ما نوصل لحل.»
«حل ايه اللي انت عايز توصله يا معتصم؟! اقترب خطوة وهو يقول بنبرة هائمة: «عايزك يا ريم… عايزك مراتي و شريكة عمري و أم ولادي.» تنهدت بحيرة وهي تنظر في اللاشيء بتفكير وشرود، ليسترسل حديثه بمزيد من الجدية: «عايزك انتي و بس… نرمين صفحة و قطعتها و استحالة هرجعلها حتى لو محصلش بينا نصيب لا قدر الله.. هي أكبر غلطة عملتها في حياتي و ندمان عليها فوق ما تتصوري.» استخرجت هاتفها لتتفقد الساعة تهربًا من حصاره لها وقالت بتوتر:
«أنا اتأخرت… أنا لازم أمشي..» تملصت منه وسارت خطوتين بعيدًا عنه ليصيح بها: «انتي رايحة فين؟ … أنا هوصلك.» ردت بإصرار: «لأ طبعاً مش هينفع… أنا هاخد تاكسي.» «مش هكون مطمن عليكي.» «لأ اطمن أنا مش صغيرة… و بعدين هتحصل مشاكل كتير لو حد شافني و انا راكبة معاك و أظن انك مترضاش بكدا..» رأسه بموافقة فسألها بتوجس: «بس انا مسمعتش رأيك في كلامي.» نظرت له مطولًا بحيرة ثم قالت بجدية: «اديني فرصة أفكر شوية مع نفسي.»
ابتسم بعدما تخلل الأمل جوارحه، فحانت منها شبه ابتسامة هيامًا به فأخفتها سريعا ولكن بالطبع لاحظها ثم أكملت سيرها نحو بوابة القرية الظاهرة أمامها. وحين ابتعدت عنه مقدار ثلاث خطوات فقط ناداها لتلتفت له لتجد نفسها في خلال لحظة واحدة رأسها مستقرة على صدره وذراعه الأيمن قابضًا على ذراعها الأيسر ويده اليسرى على ظهرها تضم جسدها إليه على استحياء قاصدًا عدم ضمها بقوة.
لم يكن ينوي فعل هذا ولكن قلبه ألح عليه بشدة حتى انجذب إليها تلقائيًا وبعدم تخطيط مسبق منه ورغم مقاومته لنفسه الأمارة بالسوء. حين انتهى سحرها باللحظة عادت لرشدها سريعًا فقامت بدفعه عنها بقوة حتى ارتد خطوة إلى الخلف وأخذت تناظره بغضب ثم صاحت بانفعال: «ايه اللي انت عملته دا؟! .. مش معنى انـ…» لم يستطع منع نفسه من الابتسام فرحة بقربها الذي تتوق إليه كثيرًا، فقاطعها وما زالت البسمة الواسعة مرتسمة على ثغره:
«آسف… معرفش انا عملت كدا ازاي.» ناظرته بغيظ وهي تقول: «واضح اوي انك آسف بدليل ابتسامتك اللي مالية وشك.» رغمًا عنه ضحك بدون صوت حتى ظهرت نواجذه، فرمقته بنظرة مشتعلة ثم أولته ظهرها لتخطو إلى الخارج ولكنها هي أيضًا لم تستطع نفسها من الابتسام، فرغم يقينها بخطيئته إلا أن قلبها يرفرف بين جنباتها من السعادة.
بالطبع رأتها نرمين تخرج من البوابة والبسمة الواسعة تزين ثغرها، الأمر الذي جعلها تشتعل غيظًا وحقدًا وإصرارًا على استكمال خطتها والتفريق بينهما حتى ولو لم يعد لها معتصم انتقامًا منه. رأتها تستقل سيارة أجرة بمفردها، فأدارت سيارتها وغادرت سريعًا قبل أن يخرج معتصم ويلمحها.
بعد مرور حوالي عشر دقائق كان معتصم لا يزال متأثرًا بعناقه القصير لها جالسًا بسيارته شارداً في الدقائق القليلة التي قضاها بصحبتها ممنيًا نفسه بليان قلبها وعودتها إليه هائمة. وبينما هو في خضم شروده وصلته رسالة من ريم كتبت فيها: «يا ريت متفكرش تتعرضلي ولا تكلمني تاني.. كفاية بقى و خلي عندك كرامة و ابعد عني.» تحولت كامل جوارحه إلى صدمة عارمة، تهدمت أحلامه وانهارت طموحاته بمجرد أن قرأ تلك الكلمات، فكتب لها بأنامل مرتعشة:
«مع ان كلامنا مع بعض و شكلك و ردود افعالك مكانتش بتقول كدا… ايه اللي حصل فجأة كدا؟! .. انا هكلمك.» «لأ.. انا في التاكسي و في ناس غريبة راكبة معايا متحاولش تكلمني.» «ايه اللي حصل يا ريم فهميني.» «انا بس كنت بجاريك لحد ما امشي من المكان المقطوع اللي كنت حابسني فيه.. خوفت لو قولتلك كدا في وشك تعمل فيا حاجة وحشة.» أخذ يهز رأسه بعدم تصديق وقد انهارت أعصابه للغاية ثم كتب: «خوفتي؟ «أيوة طبعا خوفت منك.»
«أنا مش مصدقك… انا اكتر انسان في الدنيا دي بتحسي معاه بالأمان.. لو بتخافي مني ازاي كنتي بتهدي و بتنامي اول ما بحضنك لما بتجيلك النوبة.. دا انتي مجرد بس ما شوفتيني النهاردة بعد اللي حصل معاكي اطمنتي.. ما تقولي كلام يتصدق.» انتظر طويلاً حتى أتاه ردها مكتوبًا: «في كل الأحوال احنا مننفعش لبعض.. انساني بقى و متكلمنيش تاني.. أنا ليا أخ بيعرف يحميني كويس.. أنا اسفة بس مضطرة أعملك بلوك.»
لم تنتظر رده وإنما قامت على الفور بعمل حظر له من التطبيق ومن المكالمات أيضاً، الأمر الذي جعله يشعر بالخذلان وكأنها طعنته بخنجر مسموم. هامت به الدنيا وزادت وتيرة تنفسه، فأخذ يحاول التنفس ببطء لعله يهدأ قليلاً ويسيطر على نبضاته المتسارعة، يتمنى لو كان ذلك حلماً ويستيقظ منه سريعاً.. أبعد ما حلق في السحاب يسقط على عنقه بغتة وفي غضون عشر دقائق فقط؟! الويل لك يا معتصم.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!