الفصل 32 | من 45 فصل

رواية مهمة زواج الفصل الثاني والثلاثون 32 - بقلم دعاء فؤاد

المشاهدات
25
كلمة
4,530
وقت القراءة
23 د
التقدم في الرواية 71%
حجم الخط: 18

حين وصل إلى المنزل قام بصف سيارته في مكانها المعتاد. "انزلي يا ندى يلا." قالها وهو يغلق محرك السيارة، لكنها لم تتحرك. نظر لها ليجدها مستغرقة في النوم. ابتسم له ابتسامة حانية، ثم مدت يده إلى وجنتها يهزها برفق لكي تستيقظ، ولكن دون جدوى.

بعد عدة محاولات فاشلة، اضطر لأن يترجل من السيارة ويفتح الباب من ناحيتها. انحنى ليضع يدًا أسفل ركبتيها والأخرى أسفل خصرها ليحملها بخفة، وأغلق الباب بقدمه. دلف مباشرة ليصعد المصعد إلى حيث شقته، فتح الباب بالمفتاح بصعوبة ثم دلف وأغلق الباب بقدمه. ذهب لغرفته ووضعها برفق على الفراش.

زفر أنفاسه على مهل، ثم خلع لها نعليها وفك حجابها وعدل من وضعية رأسها على الوسادة. طبع قبلة على جبينها، ثم توجه إلى الخزانة ليستخرج ملابس للنوم. بدل ملابسه وتوضأ وصلى الفجر، ثم استلقى بجوارها بارهاق بالغ ليغرق في النوم في غضون ثوان. في تمام الثامنة صباحًا، فتح عينيه ليجدها تنظر له ببسمة واسعة، مرتدية كامل حجابها وعلى فستان رقيق من الكتان. ابتسم لها وهو يقول بصوت متحشرج من أثر النوم:

"صباح الجمال، لابسة كدا ورايحة على فين؟! قبلته من وجنته برقة، ثم قالت بحماس: "قوم بسرعة يلا عشان تلحق تلبس وتوصلني الجامعة عشان مش عارفة الطريق كويس." قطب جبينه بدهشة وقال: "أخيرًا قررتي تروحي؟! "أيوة، فات أسبوعين كاملين من الدراسة ومروحتش ولا يوم، أكيد فاتتني حاجات كتير." نهض من نومته وهو يتثائب، وقال وهو يمد يده لها: "طب شديني بقى قوميني عشان دايخ من قلة النوم."

استجابت له ونهضت من جانبه ووقفت أمامه. ببراءة جذبته من يده، إلا أنه كان أقوى منها ليسحبها من يدها لتسقط فوقه. انقلب بها لتكون هي تحته، ثم استند بكوعيه إلى الفراش محتجزًا رأسها بينهما. أخذت تنظر له بذهول، فدائمًا ما يباغتها بحركاته السريعة. ابتسم أدهم وهو يتأملها بعشق بالغ، بينما هي تبادله النظر بخجل. فلأول مرة منذ زواجهما الذي مر عليه أكثر من ثلاثة أشهر، يقتربان لتلك الدرجة. "مش كفاية بُعد بقى."

قالها بنبرة مثيرة أجفلت منها وجعلت قلبها ينبض بعنف بين جنباتها. ابتلعت ريقها ثم قالت بنبرة مهتزة: "كفاية." نظر لها قليلاً يتأملها بهيام، وكأنه يرسم ملامحها في عينيه حتى ترافقه دائمًا إذا ما أغمضهما. وهي أيضًا أخذت تتأمل تفاصيل وجهه الوسيم ذي الملامح الحادة المريحة. بعد دقيقة أو أكثر، نهض عنها ومد يده لها لتتمسك بها حتى نهضت هي الأخرى لترتطم بصدره العريض. لم يُفلتها، وإنما أحاط خصرها بذراع واحدة ليقول بنبرة شجية:

"لو ما كانش ورانا أشغال استحالة كنت سيبتك، بس ملحوقة. هستناكي وهتستنيني بالليل إن شاء الله، مش كدا؟ هزت رأسها بإيجاب، وهي ترمقه ببسمة هائمة سحرته وجعلته يغمض عينيه بانتشاء. تلك البسمة الصافية ستفقده عقله لا محالة. تركها على مضض ثم توجه نحو الخزانة وهو يقول: "اديني عشر دقايق بالظبط وهكون جاهز يا دكتورة ندى." تمالكت نفسها بعدما بعثر كيانها، ثم ضحكت بعدما نعتها بالدكتورة وقالت: "تمام يا أدهم بيه، يا ريت متتأخرش."

ضحك بقهقهة ثم جذبها ليحتضنها وهو يهمس: "شامم ريحة تريقة في كلامك." "امممم... لأنك فكرتني بأول مقابلة بينا وأنت بتستقبلني في المطار وبتقولي 'حمد الله على السلامة يا دكتورة ندى'." كانت تحاول تقليد نبرة صوته وجديته في الحديث، الأمر الذي أثار ضحكاته أكثر. توقف بصعوبة عن الضحك ثم قرصها من وجنتها وهو يقول بمزاح: "مكنتش أعرف إن دمك خفيف أوي كدا يا حياتي." "طب يلا بقى عشان العشر دقايق كدا خلصوا وهنتأخر إحنا الاتنين."

تركها على مضض واتجه للمرحاض ليأخذ حمامه الصباحي. بعد حوالي ربع ساعة، كانا في طريقهما إلى الجامعة الخاصة الذي كان قد قدم أوراقها فيها آنفًا فور عودتها من الولايات المتحدة. قام بتوصيلها إلى كلية الصيدلة حيث تستكمل ندى دراستها بعدما أنهت أربعة أعوام دراسية هناك. قام أولًا بمساعدتها في التعرف على مدرج فرقتها وأحضر لها جدول محاضراتها. تركها بعدما اطمأن عليها وانصرف إلى مقر عمله.

أخذت ندى تتجول بالجامعة تحاول استكشافها. جلست قليلًا في كل مكان تمر به ويعجبها. بعد مرور ساعة تقريبًا، شعرت بأنامل تطرق على كتفها. التفتت للطرق لتجد أمامها شابًا طويلًا عريض المنكبين يرتدي حلة سوداء ونظارة شمس سوداء، يشبه الحراس الشخصيين. قال لها بنبرة رسمية: "حضرتك ندى هانم، مدام أدهم بيه الكيلاني؟ "أيوة أنا... حضرتك مين؟ "أدهم باشا يبقى مديري...

هو للأسف عمل حادثة وهو رايح الشغل من شوية وهو حاليًا في المستشفى وبعتني لحضرتك عشان عايز يشوفك." اضطرب كيانها وتوعكت معدتها من الخوف لتصيح بقلق بالغ: "إيه؟! إزاي؟! طب... طب هو فين وعامل إيه؟ "الحمد لله جات سليمة... اتفضلي معايا حضرتك وأنا هوصلك لحد المستشفى." سارت خلفه وهي تشعر بأن قلبها سيخرج من مكانه من الرعب على من امتلك قلبها ووجدانها. هي لن تتحمل فقدًا جديدًا. قلبها لن يتحمل.

بمجرد أن ركبت السيارة مع ذلك الغريب، امتدت يد من الخلف نثرت بخاخًا في وجهها. غابت عن الوعي في الحال بمجرد أن استنشقت ذلك الرذاذ. ابتسم صاحب تلك اليد بانتصار وهو يقول لصاحبه: "good job". ظلت تضرب صدره بكلا كفيها لعله يتراجع، ولكنها ظل يتابع مقاومتها التي كانت بلا جدوى بتسلية. فجأة اقترب منها ليقبل عنقها ببطء، مما جعل مقاومتها تزداد عنفًا لتحاول وقتها تحر...

أشد الجروح ألمًا ليست التي تبدو آثارها في ملامح أبطالنا، بل التي تترك أثرًا لا يشاهده أحد في أعماقهم. هي ✨ لم تخبره بمخاوفها ... ولكن نقطة نور في أعماقها المظلمة صرخت بـ ... استيقظ معتصم ليجد أن جذعه العلوي عارٍ وشعره أشعث، ويشعر بآلام متفرقة في كامل عظام جسده.

نهض ليجلس بالفراش وهو يحاول تذكر آخر ما حدث معه وكيف أتى إلى شقته وما حدث بعد ذلك، ولكن أبداً لم يتذكر سوى تلك الرسالة اللعينة التي وصلته من ريم والتي أنهت على قلبه وحولته إلى قلب أسود يحمل كرهًا وحقدًا على قدر ما حمل لها من حب.

بعد عدة دقائق من التفكير فيما مر به من ذكريات معها، تحولت ملامحه إلى القسوة ليقرر أن يقيد قلبه بسلاسل من حديد حتى لا ينبض مرة أخرى لا لها ولا لغيرها. فقد أدرك مدى حماقته حين ترك لقلبه العنان وسمح له بأن تمتلكه أنثى تتلاعب به وفي النهاية تقتله بخنجر مسموم. أخذ يبحث عن هاتفه حتى وجده، فقام بفتحه ليجد عدة مكالمات فائتة من نرمين بالأمس، ولكن لم يهتم كثيرًا. كانت أيضًا توجد مكالمات فائتة من شقيقه حمد. اتصل

بحمد ليأتيه صوته بعد ثوان: "صح النوم يا عصوم... إيه يا بني برن عليك من بدري." رد عليه بصوت متحشرج من أثر النوم: "معلش يا حمد كنت نمت متأخر ومسمعتش الموبايل." "ولا يهمك يا عمي، إيه الأخبار؟! مش ناوي تنزل البلد بقى؟ أنا زهقت ومش عارف أدير المزارع زيك ومشاكل الفلاحين كتير وكلهم بيسألوا عليك." "أنا جاي النهاردة إن شاء الله...

هعدي بس ع الشركة الأول هخلص شوية شغل كدا وأعرف هشام إني نازل عشان يعمل حسابه وياخد مكاني لحد ما أنت ترجع." "يا معلم أنا من بكرة إن شاء الله هكون في القاهرة." "أومال زهقت في شهر العسل؟! ضحك حمد بسخرية ثم قال: "يا عمي كفاية عليا كدا عسل، حاسس إني هيجيلي السكر من كتر العسل اللي غرقان فيه." ضحك معتصم رغم بركان الغضب الثائر بداخله ثم قال: "لا خلاص إن كان كدا يبقى ترجع القاهرة... أنا برضه ما يرضنيش يجيلك سكر لا قدر الله."

"تمام يا معلم هستناك... عشان فيه كلام كتير عايزين نتكلم فيه." "تمام يا كبير... سلم لي ع الحاجة وعرفها إني هكون عندكم على آخر اليوم بإذن الله." "ماشي يا حبيبي في انتظارك، توصل بالسلامة إن شاء الله." "الله يسلمك، مع السلامة." وصل أدهم إلى مقر عمله متأخرًا ليستقبله آسر بسخرية: "ناموسيتك كحلي يا أدهم باشا... إنت مش عارف إن فيه اجتماع بعد خمس دقايق بالظبط مع سامي باشا والمفروض إننا نحضرله من ساعة فاتت؟

ارتمى على الكرسي وهو يتثائب من قلة النوم ثم قال بارهاق: "أنا عارف إن إنت صاحب جدع وخلصت التحضيرات كلها... معلش بقى يا أسور حصلت ظروف في البيت خلتني أتأخر غصب عني." "إن شاء الله يكون خير." "خير، روان أختي كانت تعبانة شوية بس الحمد لله عدت على خير وبقت كويسة." "ألف سلامة عليها...

المهم جاتلنا أخبار من الإنتربول بمكان العصابة المتورطة في قتل أنور باشا في أمريكا. وفيه خبر بس مش متأكدين منه إنهم على اتصال بناس هنا في القاهرة بتخلصلهم شغلهم وحاليًا فيه حاجة بيدوروا عليها بس مش عارفين إيه هي. وفي الاجتماع هنناقش التفاصيل ونحاول نوصل للمعلومات اللي بيدوروا عليها وبيحاولوا يوصلوا لها... ولو إن المهمة دي صعبة أوي يا أدهم." ربت أدهم على كتفه وهو يقول بثقة:

"إن شاء الله هنلاقيهم يا آسر وهنخلص عليهم كلهم... وإن محصلش يبقى مستاهلش أقعد في مكاني دا يوم واحد بعدها." ابتسم له آسر قائلًا بحماس: "وإنت قدها يا أدهم يا برهام... يلا بينا عشان منتأخرش." "يلا." انتصف النهار حين عادت ندى إلى المنزل وهي تدخل الشقة بارهاق شديد وتبدو على ملامحها الاعياء والبكاء. ومن سوء حظها اصطدمت بتيسر وهي في طريقها لغرفتها لتستوقفها مذعورة: "إيه دا مالك يا ندى؟!

إنتي شكلك مبهدل كدا ليه يا بنتي وعينيكي حمرا؟ إنتي كنتي بتعيطي؟! ابتلعت ريقها بتوتر ثم حاولت أن تختلق حجة تبرر بها حالتها المذرية لتقول بكذب: "لا أبداً يا ماما... أنا بس عديت على قبر بابا الله يرحمه وهناك مقدرتش أمسك نفسي وحالتي النفسية كانت وحشة أوي وأنا قاعدة معاه وبكلمه وغصب عني عيطت كتير." تنهدت باشفاق بالغ ثم قالت بحنو: "ربنا يصبرك يا حبيبتي... بس إنتي عرفتي تروحي هناك؟ ردت بارتباك: "أه...

أه، أخدت تاكسي وقولتله ع العنوان... بعد إذنك يا ماما هدخل أرتاح شوية." "تمام يا حبيبتي... وفاء بتجهز الغدا، لما تخلصي تكوني ارتحتي شوية." هزت رأسها بإيجاب حتى تهرب من أمامها سريعًا، فقدماها أصبحتا كالهلام وتقف عليهما بصعوبة.

بمجرد أن دلفت ندى غرفتها ارتمت على الفراش تحاول تجاوز تلك الصدمة التي أصابتها اليوم. فما حدث سيغير مسار حياتها مع أدهم التي ظنت أنها أخيرًا ستحياها معه كما حلمت دائمًا، ولكن لم يُكتب لها أن تعيش الحلم معه بعد. نهضت بتثاقل لتلتقط هاتفها لتقوم بتشغيل مقطع فيديو للمرة التي لا تعرف عددها. فقد أُرسل لها اليوم في وقت سابق وكان مفاده:

"أدهم يترجل من سيارته بعدما صفها بمكانها المعتاد أمام مبنى العمليات الخاصة، وفي الجهة المقابلة فوق سطح أحد المباني العالية يقف هناك قناص ملثم يصوب ناحية أدهم سلاح الكلاشنكوف، وتلك النقطة الحمراء تسير خلف رأسه تمامًا إلى أن اختفى بعدما دلف المبنى."

لم تستطع منع نفسها من البكاء رغم رؤيتها لذلك المقطع عشرات المرات ورغم اتصالها به وتأكدها من أنه بخير. ولكن تلك العصابة التي أرسلت لها ذلك الفيديو جعلوه تذكيرًا لها لتضعه دائمًا نصب عينيها إن لم تفعل ما أمروها به.

نهضت بصعوبة لتأخذ حمامًا دافئًا لعل جسدها يسترخي قليلًا. ثم بعد ذلك توضأت وصَلت ما فاتها من فروض. ثم صلت ركعتين قضاء حاجة وبكت كثيرًا وهي تتضرع إلى الله بأن ينجيها من تلك المحنة ويحفظ لها زوجها، ولو كان ذلك على حساب روحها. فإن تموت وتفارق الحياة خير من أن تفقده وتكون هي السبب وتزهق روحها حسراتٍ عليه.

عادت ريم من مركز الولادة إلى المنزل بعدما اطمأنت على شقيقتها لتطمئن أمها على حالة روان. ثم استأذنتها لتستريح قليلًا فهي لم تستطع النوم في ذلك المكان. بمجرد أن دلفت غرفتها أتاها اتصال من خالد لترد عليه. فأخبرها أنه قد أخذ موعدًا مع أدهم الليلة ليتفقا على موعد الزفاف. مثلت أنها سعيدة حتى لا يشعر بشيء غريب، وأخبرته أنها ستكون في انتظاره هي وعائلتها.

عند المغيب، عاد أدهم من عمله متلهفًا لرؤية محبوبته. دلف مباشرة إلى غرفته ظنًا منه أنها تنتظره بها، ليفتح الباب وينصدم حين رأى الغرفة خالية. "أكيد قاعدة مع ريم بتساعدها عشان خالد جاي." دخل متوجهًا إلى الخزانة واستخرج ملابس منها، ثم توجه نحو المرحاض ليأخذ حمامه ويبدل ملابسه.

بعد نصف ساعة، كانوا جميعًا ملتفين حول طاولة العشاء يأكلون في صمت. فرُيم هائمة فيما هي مقبلة عليه من تهور. ربما تتخطى معتصم وتعيش حياة سعيدة مع خالد، وربما تصبح أكثر تعاسة. بينما تيسير تفكر في روان وما أصابها من خطر في حملها بعدما أصيبت بتسمم الحمل وارتفع ضغطها وأصبح حملها على المحك.

أما ندى، كانت تنبش بطبقها بالملعقة شاردة فيما حدث معها اليوم. حادثة لم تكن تتوقعها ولا في أسوأ كوابيسها. الخطر يحوم حولها وحول زوجها بالأخص. كيف تتصرف؟! هل تستسلم لتلك العصابة وتهدم علاقتها به حفاظًا على حياته؟ أم... لا، هي لن تعرضه للخطر ولو كلفها ذلك أن تختفي من حياته إلى الأبد. بينما أدهم كان يأكل وهو يراقبهم باستغراب، فما بالهن كلهن شاردات؟! وكان جل تركيزه مع ندى.

ظن أنها ربما تكون متوترة من لقائهما المرتقب ليلاً بعد انتهاء لقائه بخالد كما طلب منها. نعم، إنها فقط متوترة، لذلك تتهرب من نظراته وغمزاته لها بعينيه كل حين وآخر أثناء تناولها للطعام. هكذا كان يُحدث نفسه. وصل معتصم للبلدة لتوه ليتجه مباشرة إلى مجلس أمه حيث افتقدها للغاية. ركض إليها لتمد إليه ذراعيها فارتمى بأحضانها الحانية، وأخذا يتبادلان الأحضان ويقبل رأسها وكفيها وهو يقول: "اتوُحشتك جوي جوي يا أمايا."

ربتت على كتفه وعيناها دامعتين من فرط الاشتياق، ثم قالت بعتاب: "بجى أكده يا مِعتِصِم... شهر بحاله مشوفش خلجتك الزينة دي؟! انحنى يقبل كفها مجددًا ثم قال باعتذار: "حجك عليا يا ست الحبايب... ما أعملهاش تاني واصل." أخذت تتأمله بوله لتنتبه إلى لمحة الحزن التي كست ملامحه لتقول بوجع: "مالك يا ولدي؟! ... لتكون لسة زعلان عشان محصولش نصيب في چوازك من الدكتوراه." حاول قدر الإمكان أن يبدو طبيعيًا رغم نصال الألم التي تمزق بقلبه،

ثم قال ببسمة مصطنعة: "هزعل ليه عاد؟ ... أديكي قولتي محصولش نصيب." وضعت كفها على وجهه تحتضن وجنته براحتها وهي تقول بحنو: "شاور إنت بس هتلاقي العرايس بتترمى تحت رجليك... ألف مين يتمنى يناسب معتصم البدري كبير البلد وحاكمها." غالب الحزن الذي خيّم عليه رُغمًا عنه ليتهرب من تلك المشاعر بقوله: "أومال فين حمد؟ نادت السيدة آمنة والدته بعلو صوتها على الخادمة لتهرول إليها بعد ثوانٍ، فأمرتها بإخبار حمد بوصول شقيقه معتصم.

فعلت ما أمرتها به سيدتها ليخبرها حمد بقدومه بعد دقائق. كان يرتدي ملابسه حين وقفت خلفه صافية تناظره بضيق بالغ كان متجليًا على ملامحها. لينظر لها عبر المرآة وهو يمشط شعره ويسألها بتوجس: "خير؟! إيه الوش دا؟ ربعت ذراعيها أمام صدرها وسألته بترقب: "إنت هتسافر مصر ميتى؟ "بكرة إن شاء الله." "وهتسافر وتسيبني أكده لا طولت سما ولا أرض؟ توقف عن تمشيط شعره حين لمح تغير نبرتها في الحديث وتكلمها بطريقة مبهمة، ليسألها بدهشة: "بمعنى؟

"يعني إني هحمل إزاي وإنت بعيد عني يا حمد؟ استدار إليها بعدما وضع الفرشاة جانبًا ثم سألها: "وإنتِ عايزة تحملي يا صافية؟ ردت بتصميم: "أيوه... ومحملش ليه عاد؟ "إنتي عارفة إنتي عندك كام سنة؟! دا إنتي لسة عيلة مكملتيش ١٥ سنة." ردت بوقاحة وبصوت مرتفع: "متجوليش عليا عيلة... إني زينة البنات كلها." رد عليها بنبرة أعلى: "والله عال... كبرتي وبقيتي تعلي صوتك عليا كمان." تجاهلت كلامه لتسترسل حديثها بوقاحة:

"إني مش أقل من أي واحدة عشان تهملني أكده وتروح لبنت مصر اللي على كيفك... إني خابرة زين إنك هتسافر عشان تشوفلك بنت زينة من بنات بحري المايصين... بتوع بابي ومامي كيف ما بنشوفهم في التلفزيون... ماهو إني مش كد المجام." أخذ ينظر لها بذهول تام، أيعقل أن تكون هذه صافية؟ متى أصبحت متمردة هكذا؟ "إنتي جايبة الكلام دا منين؟! دا مش كلامك يا صافية... دا كلام الست أمك." ردت عليه بصوت مرتفع للغاية وصل إلى مسامع الموجودين بالدوار:

"ماله كلام أمي... أمي هي اللي عرفتني كل حاجة وفتحت عيني على حاجات مكنتش أعرفها... إني عرفت دلوقتي إنت مرايدنيش أتحدت معاها ليه." علا صوته أكثر مما جعل معتصم يهرول إليه ومن خلفه أمه حيث صاح بعلو صوته: "أنا كام مرة حذرتك متمشيش ورا كلام أمك؟! أمك دي هي اللي هتخرب عليكي... إنتي إمتى بقى هتفكري بدماغك زي البني آدمين يا شيخة؟! في تلك اللحظة، طرق معتصم باب شقته بإلحاح ليتركها ويفتح له الباب ليدخل معتصم وهو يصيح:

"إيه في إيه؟! صوتكم واصل آخر الدوار." اندفعت صافية لتقول ببكاء: "حمد مرايدش مني عيال يا كبير." نظر لها حمد بصدمة، لترد عليها السيدة آمنة والدته: "لسة ماناش الأوان يا بتي." ردت بعدم وعي: "وهيجي ميتى يا خالة وإني وهو عايشين مع بعضنا كيف الأخوات." اتسعت عينا حمد بصدمة بالغة، فقد وضعه في وضع حرج للغاية. بينما معتصم نظر له بخيبة، أما السيدة آمنة شهقت بذهول وهي تضرب بكف يدها على صدرها مرددة: "يا فضيحتك يا آمنة...

يا مرارك الطافح يا آمنة... حاوطها معتصم من كتفها وهو يقول: "معلش يا أمايا انزلي دلوقتي وكل حاجة هتتحل." استجابت له أمه بعدما ألقت نظرة حارقة على حمد لتنزل وهي تندب حظها وتخشى من الفضيحة. في تلك اللحظة، انقض حمد على صافية يجذبها من شعرها لتصرخ بألم وهو يصيح بها بغل: "إيه اللي إنتي قولتي دا يا بنت الـ... ، إنتي اتجننتي.. إنتي خلاص عيارك فلت... أنا خلاص مش عايزك ولا عايز أشوف خلقتك." ثم ألقاها على الأرض بينما معتصم

جذبه من ذراعه لينهره بحدة: "بس بقى... إنت فاكر إن إنت كدا بتداري على خيبتك؟ صاح به بانفعال: "مسمحلكش تقولي كدا يا معتصم." "ياخي بقى تسمح ولا ماتسمحش... إنت إزاي تعمل فينا كدا؟! مفكرتش إن لو حد عرف الكلام دا هيقول عليك إيه؟ "عارف... عارف كويس أوي عقلية الناس اللي هنا... طبعًا محدش فيهم هيقدر إني خايف عليها وعملت كدا لمصلحتها... هي نفسها مقدرتش." "اسمع يا حمد... هي كلمة ومش هتنيها... دخلتك عليها هتكون الليلادي."

أخذ يلوح بيديه بغضب بالغ وهو يقول بانفعال: "مش هيحصل... مش دي كمان هتغصبني عليها." صاح به بنبرة تحذيرية: "حمد... إنت عايز تجرسنا في البلد؟ "أنا مش قاعدلكوا في البلد دي تاني... أقولك أنا هريحكم مني خالص... ثم نظر لصافية المسجية على الأرض تبكي بحسرة: "إنتي... لم يكمل كلامه حيث انقض عليه معتصم ليكمم فمه بيده قبل أن ينطق كلمة الطلاق ليقول له بنبرة قاسية: "وربي إن نطقتها لا إنت أخويا ولا أعرفك... ومتورينيش وشك للأبد."

نزع حمد يد معتصم من على فمه ثم تركه وغادر من أمامه مخلفًا وراءه عاصفة من الغضب والخذلان. وبقي الآخر ينظر في أثره وهو يصك فكيه من الغيظ. يتبع...

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...