في المساء غرفة ماريا تحفر ماريا الأرض ذاهبة وإيابة وهي تزفر بغضب كبير وعيناها تقذف الشرر. تهتف بعصبية وهي تجز على أسنانها: = إزاي يا ماما تغلطي الغلط ده! مش قلتلك إوعي تغلطي، أديكي بوظتي كل الخطة. تطالع كوثر ابنتها ببرود: = ما تخافيش، مش هيلاقوها بالسرعة دي. يزداد غضب ماريا قائلة بحدة: = وإفترضي لقاها؟ ده هددني إنه لو طلع كلام كذب حيندمني. كوثر بثقة:
= ما تخافيش، لغاية لما يلاقي الساعة، حيكون أصلاً طلقها. ماهو مش معقول يسيب واحدة حرامية في بيته. تلمع عينا ماريا بالطمع بعد ما قالته والدتها، فهي محقة. إلى أن يعرف الحقيقة، تكون ملاك قد غادرت حياته. تلتردف بتساؤل: = ما قولتليش يا مامي، إشمعنا أخدتي الساعة دي؟ ما يمكن ما يهموش الموضوع خالص. تلمع عينا كوثر طمعاً وخبثاً ثم تقول بخيبة أمل:
= آآه يا ماريا، يا ريتني قدرت أجيبها. ماهو أنا مش شفتها، دي ساعة ذهبية وكمان فيها ألماس، شكلها غالية أوي، ويمكن أغلى من الشقة اللي إحنا عايشين فيها. تبتسم ماريا ابتسامة مليئة بالسعادة، وها هي قد تأكدت أن خطتها نجحت. ربما لم تكتمل، ولكنها نجحت. ثم تردف قائلة بسعادة: = تمام كده، أنا حروح أحتفل مع صحابي بنجاح الخطة. ثم تقبل خد والدتها وتكمل قائلة: = باي يا ماما. تطالعها كوثر بفخر شديد. على الطريق (سيارة زياد)
يسير زياد بسرعة كبيرة منذ الصباح ولا يجيب على مكالمات والدته ولا حتى صديقه. ثم يوقف السيارة ويضع رأسه على مقود السيارة. يغمض زياد عينيه بحزن كبير على حاله. فها هو خاب أمله مرة أخرى. يقول بصراخ كبير: = آآآه يا ملاك! لييييييه! أنا حبيتك والله حبيتك، ليييييه تعملي فيا كدا! أنا وكل فلوسي كنا ملكك، ليه تسرقيني لييييه! يضرب زياد رأسه على مقود السيارة بغضب حتى جرحت جبهته.
ليغمض عينيه بألم مرة أخرى، لتعود ذاكرته إلى الماضي الحزين. فلاش باك. (قبل سبع سنوات) بعد زواج دنيا بسنة، استطاع زياد بهذا الوقت القصير أن يستعيد كل ثروته، وليس فقط، بل أسس إمبراطوريته الدمنهوري وأصبح من أكبر رجال الأعمال الشباب، ليس فقط في الشرق الأوسط بل في العالم. يجلس زياد على كرسيه الوثير وهو منهمك في دراسة ملفات الصفقات. ليقاطعه من تركيزه صوت رنين هاتفه. ليجيب بعملية: = ألو. أيوه. ليأتيه صوت ناعم من الطرف الآخر:
= أيوه يا زياد، أزيك؟ أنت وحشتني أوي. يصدم زياد من هذا الصوت الذي يعرفه جيداً: = د. دنيا. تقول دنيا بحزن مصطنع: = أيوه دنيا، وحشتني أوي يا زياد. ليجيبها زياد ببرود: = عايزة إيه يا دنيا. دنيا بدموع التماسيح: = أرجوك يا زياد، سامحني. أنا فعلاً ندمت وندمت أوي كمان. اديني فرصة أصلح غلطتي. ليهتف زياد بسخرية: = فرصة عشان إيه؟ لتجيبه دنيا بلهفة: = عشان حبنا يا زياد. أنا آسفة، سامحني. ثم تنهار ببكاء مزيف:
= أنا مش عايزة غيرك يا زياد. ليضحك عليها، يهتف ببرود: = قولي عايزة فلوس زياد، شركات زياد، اسم زياد. إنما زياد نفسه؟ أشك. وبعدين مش اتجوزتني وقلتي كل حاجة انتهت؟ يبقى انتهى. لتقول هي بسرعة: = أنا ممكن أسيبه عشانك يا زياد، أرجوك اديني فرصة. لتكمل بحزن كاذب مصطنع، محاولة اللعب على مشاعره: = أنا لسه بحبك. ليصمت للحظات ثم يردف بجمود: = إيه هي فلوس ماجد ما جفتكيش؟
اسمعيني كويس، تنسي الرقم ده خالص. وأقسم بالله يا دنيا لو كلمتيني تاني لأخليكي تندمي. أنتِ فضلتِ الفلوس على حبي ليكي، يبقى اشبعي بيها. طبعاً ده لو ماجد فضل عنده فلوس. ثم يقفل الخط دون سماع ردها، ويلقي بهاتفه على الحائط ليتحطم إلى شظايا. وعيونه مليئة بالقسوة. فكيف له أن ينخدع بها، فقد باعته مسبقاً لأجل المال، وها هي تبيع نفسها مرة أخرى لنفس السبب.
وهنا زاد كره زياد وقسوته أكثر. فلم يتوقع أن تعود له مرة أخرى بعد كل ما فعلته. هل تظنه ضعيفاً لهذه الدرجة؟ يباً. يستيقظ زياد من دوامة أفكاره على صوت هاتفه الذي لم يتوقف عن الرنين. ليجده صديقه أحمد. فيقفله تماماً ويلقي به في المقعد الذي بجانبه. ويقود سيارته عائداً إلى قصره من جديد. في قصر الدمنهوري
يحمل أحمد هاتفه يحاول الاتصالات بزياد. وتقف بجانبه هاجر بخوف على وحيدها. بينما تجلس لمى على الكنبة وهي تهز ساقها بغضب. أما تلك المسكينة، فتقف بعيداً عندهم تبكي بحرقة. تهتف هاجر بلهفة: = ها يا أحمد، طمني. يقول أحمد بقلق: = التليفون مقفول. لتزفر هاجر بخوف. فتهب سلمى واقفة وهي تتجه نحو ملاك. تقول بصراخ وهي تقبض على ذراع تلك المسكينة بقسوة: = أنتِ عملتي إيه؟ ها، انطقي. أكيد إنتِ السبب. فتتعالى شهقات تلك المسكينة.
وتكمل سلمى بقسوة: = من يوم ما دخلتي البيت ده والمشاكل بتكتر. تصرخ السيدة هاجر بصوت عالٍ على غير العادة وهي تطالع سلمى التي تجاوزت كل الحدود: = ما ذنب تلك المسكينة؟ = سلمىييييي! سبيها حالا و ه... ولكن قبل أن تكمل جملتها، يدخل زياد بتعب وحزن واضح على ملامحه. تترك سلمى ذراع ملاك وتركض بسرعة تلقي نفسها بأحضان زياد. وتتجه هاجر نحوه بلهفة وخوف هي الأخرى.
ليطالع أحمد تلك المسكينة التي لا يظهر منها سوى عينيها المحمرة والمنتفخة من آثار البكاء. ثم يتنهد بقوة ويتجه ناحية زياد. لتبقى تلك المسكينة وهي تطالعهم وهم يحتضنونه الواحد تلو الآخر، وهي تحس أنه لا مكان لها بينهم. أما عند زياد، فقد أبعد سلمى عن أحضانه واقترب من والدته. وهو يرى الدموع في عينيها. يقبل جبهتها بحب ويمسح لها تلك الدموع بحنان: = ليه الدموع دي يا أمي؟ أنا كويس قدامك أهو، كنت بس مشغول شوية. لتهتف هاجر بلهفة:
= بس يا حبيبي، كان لازم تط... يُقاطع جملتها وهي تشاهد جرح زياد الظاهر على جبهته. لتشهق بفزع وتسأله بلهفة أكبر: = إيه الجرح ده؟ مالك يا حبيبي؟ أنت كويس؟ حصلك أي حاجة؟ طمنيني. يجيبها بحنان: = ما تخافيش، ده جرح بسيط. لتصرخ هاجر على نوران: = نوراااااان! جيبي بسرعة علبة الإسعافات. فتومئ لها نوران باحترام وتذهب لإحضار علبة الإسعافات. ثم ينظر زياد إلى صديقه الواضح عليه علامات القلق. ليقول أحمد: = كنت فين يا زياد؟
شغل إيه ده؟ وبعدين أنت اتجرحت إزاي؟ يطالعها زياد بمعنا: سوف أخبرك بعد قليل. ليصمت أحمد ويردف زياد بجدية: = يلا بينا يا أحمد على المكتب، عايزك في موضوع مهم. تهتف هاجر: = بس يا حبيبي، أنت تعبان وبعدين تستنى نعالج الجرح. ليقول زياد بحنان: = أنا كويس يا أمي، هروح على المكتب مع أحمد وابعثيلي علبة الإسعافات على هناك. ثم يتجه إلى مكتبه وخلفه صديقه أحمد. ليمر بجانب تلك المسكينة ولم يعرفها أي اهتمام، وكأنها ليست موجودة.
لتطالعه ملاك بحزن شديد على تجاهله لها ومعاملته القاسية معها، وهي لم تفعل شيئاً. ولكن لابأس، المهم أنه عاد. هذا ما قالته في نفسها، فهي حقاً كانت خائفة عليه وقلبها يتألم عليه بشدة، وهي لا تعلم لماذا. ثم تتجه ناحية الدرج بحزن شديد، صاعدة إلى جناحها بعد تأكدها أنه لا مكان لها في هذا القصر. تتابعها نظرات كوثر الحزينة على حالها، ونظرات سلمى الشامتة، تعتقد أن خطتها قد نجحت. في أحد النوادي الليلية
تجلس تلك الشمطاء مع أصدقائها وهي ترتشف من مشروبها. لتسمع صوت ريم تسألها بفضول: = ها يا سلمى، احكي لنا بقى عملتي إيه في الخطة بتاعتك؟ يا ترى نجحت؟ لتهتف ماريا بغرور: = طبعاً يا حبيبتي نجحت، وحسمعكم الأخبار الحلوة عن قريب. ليقول أنس باستغراب: = أنا مش عارف انت بتعملي كده ليه؟ ما وضعكم تحسن، وبعدين أنتِ بتكرهي البنت دي أوي كده ليه؟ تهم ماريا بإجابته ليقاطعها صوت خالد: = أكيد بتغير منها، أصل سمعت من ريم إنها مزة جامدة.
لتصرخ ماريا بغضب شديد وعيناها تشتعل حقداً وغيره، فها هو شخص آخر يمدح جمالها: = مين دي اللي بغير منها؟ هي تيجي جنبي حاجة. لتقول ريم وهي تحاول تهدئة غضب ماريا: = اهدي يا ماريا، خالد بيهزر معاكي، مش كده يا خالد؟ ليقول خالد: = قولي لها، هي دي تعرف الهزار؟ فتجلس ماريا وهي تزفر بغضب، وهي تكمل سهرتها. (ملاحظة: ريم شافت ملاك مرة لما راحت عند ماريا بيتها القديم) في قصر الدمنهوري (داخل مكتب زياد)
يجلس زياد بتعب بعدما عقم له أحمد جرح جبهته ووضع له لاصق طبي. ثم يقول أحمد: = إيه اللي حصل يا زياد؟ وإيه اللي وصلك للحالة دي؟ تنهد زياد بحزن ليحكي لصديق عمره، فهو لا يخبيء عليه أي شيء. ثم أخذ يقص له كل ما حدث معه بداية من حديث سلمى إلى مغادرته القصر في الصباح. أخذ أحمد يسمع لما يقوله صديقه بذهول ثم يقول: = أكيد في حاجة غلط. إحنا مش فاهمينها يا زياد. وبعدين أنت إزاي تثق في كلام واحدة متعرفهاش؟ ليقول زياد بغضب:
= لا، مفيش حاجة غلط. بدليل الساعة اللي اختفت. لتنهد أحمد بحزن مردفاً: = مش عارف يا صاحبي، خايف تكون ظلمتها. أصلك ما شفتهاش من شو... ولكن قبل أن تكمل أحمد كلامه، صرخ زياد بغيرة وتملك واضح: = شفتها، شفتها! فين و إزاي؟ ليبتسم أحمد على غيرة صديقه الواضحة، فهو يعرف أنه متملك على أي شيء يحبه، حتى لو كان تافه. = اهدا يا زياد، أنا مشفتهاش. لما كانت منهارة من العياط وواضح أوي إنها كانت خايفة عليك.
ليبتسم زياد بشرود. هل حقاً تخاف عليه؟ وما هي إلا لحظات حتى تحولت نظراته إلى القسوة فور تذكره. ثم ينهض أحمد ليغادر القصر: أحمد: أنا لازم أمشي يا زياد، اتأخرت على حنين أوي. ليبتسم زياد بحب لصديقه، فهو يعلم كم يعشق تلك الحنين: = ماشي يا صحبي، مع السلامة. أشوفك بكرة في الشركة. فيغادر أحمد القصر متجهاً لفيلته وهو حزين على حال صديقه ومتأكد تماماً ببراءة تلك المسكينة.
يدخل زياد الجناح بتعب بعد مغادرة صديقه. متجهًا إلى غرفة الملابس محاولاً تجاهل تلك النائمة على الأريكة. لحظات ليخرج زياد وهو يرتدي شورت قصير ويبقى عاري الصدر كالعادة. يطالع زياد تلك النائمة وعينيها منتفخة وأنفها وشفتاها محمرة دليلاً على كثرة بكائها. فآثار الدموع لا تزال على وجنتيها الجميلة. ليتنهد بعنف وهو ينهر نفسه على تأمله لها، ويحاول إقناع قلبه العاشق، المصدق لبرائتها، أنها مخادعة كبقية النساء ولا تعشق إلا المال.
ثم يتجه إلى سريره مستلقياً على ظهره. وما هي إلا لحظات حتى يغط في نوم عميق. ليمُر الليل بسكونه على الجميع، وكل منهم يتخبط بين مشاعره وأحزانه. في صباح اليوم التالي قصر الدمنهوري (جناح زياد وملاك)
يستيقظ زياد من نومه على الخيوط الأولى من الصباح. ثم يغادر سريره. تسقط عيناه على تلك المسكينة النائمة وهو يحس بقبضة تعتصر قلبه على حزنها الواضح عليها وهي نائمة. ثم ينفض هذه الأفكار بسرعة من رأسه وهو يذكر نفسه بأنها مخادعة وكل ما تريده منه هو ثروته فقط، مثلها مثل سلمى ودنيا، عبدة للمال.
يتجه بخطوات متثاقلة نحو الحمام. يأخذ حماماً بارداً لربما تهدأ نيران قلبه. دقائق ويخرج وهو يلف خصره بمنشفة سوداء قصيرة وأخرى في يده يجفف بها شعره، متوجهاً إلى غرفة الملابس وهو يحاول بشدة تجاهل تلك الجميلة النائمة. لحظات ويخرج زياد وهو في قمة وسامته بتلك البدلة الرمادية مع قميص أبيض وربطة عنق سوداء التي زادت من وسامته.
يغادر زياد الجناح باكراً حتى يتجاهل رؤيتها. ينزل من الدرج بخفة ليجد والدته تقف في بهو القصر وأمامها حقيبتها. ليطالعها باستغراب لثوانٍ قبل أن يردف بتساؤل: = أنتِ رايحة فين يا أمي؟ وإيه الشنطة دي؟ تطالعه هاجر ثم تجيبه بحب: = خالتك كلمتني وطلبت مني أروح عندها إسكندرية عشان أقضي معاها كام يوم. ليردف زياد بتساؤل: = مش هتتأخري؟ تجيبه بود: = لا يا حبيبي، ثلاث أيام بس.
يومئ لها زياد برأسه بنعم ثم يحتضنها بحب شديد، فهو يعشق أمه بشدة. ثم يردف: = خلي بالك من نفسك، وحبعت معاكي سيارة حرس عشان أطمن عليكي، وكلميني أول ما توصلي، ومتنسيش أدويتك، وسلّمي لي على خالتك. لتبتسم هاجر بحب، فهي تعلم مدى حب زياد لها وخوفه عليها: = ماشي يا حبيبي، يلا خلي بالك من نفسك. ثم تكمل بجدية: = أتمنى لما أرجع يبقى سوء التفاهم اللي بينك وبين ملاك اتحل.
يومئ لها زياد بحزن، فيبدو أن حتى أمه خدعت في براءتها المزيفة. فتغادر هاجر القصر، ويتبعها زياد مغادراً نحو شركته. في شركة الدمنهوري جروب يجلس زياد على مقعده الوثير شارد في أفكاره. ليقاطعه شروده دقات على الباب، ليأمر بالدخول. فتدخل نهى تحمل كوب القهوة وهي تترنح في مشيتها بذلك الفستان القصير جداً. ليطالعها زياد بقرف. ثم تضعه على المكتب. ليقول زياد: = ابعتيلي أحمد.
فتومئ له باحترام وتغادر المكتب. لحظات ويدخل أحمد بدون دق الباب كالعادة. ثم يجلس على المقعد المقابل لزياد. يردف زياد بعملية شديدة: = جهز نفسك عشان اجتماع الغدا مع الشركة الإيطالية الساعة اتنين. ليطالعه زياد بانتباه ثم يهتف بتساؤل: = هما كلموك إمتى؟ يجيبه زياد: = أول امبارح. ليقول زياد بتوتر: = زياد، بخصوص ملاك. ليقاطعه زياد بتملك وحدة في نفس الوقت:
= أولاً، اسمها مدام زياد الدمنهوري. ثانياً، مش عايز أتكلم في الموضوع ده خالص. يطالعه أحمد بدهشة من تملكه الشديد. ألهذا الدرجة أحبها؟ ثم يردف بجدية: = اسمعني بس، أنا أصلاً حاسس الموضوع متفبرك. وكمان مش برتاح للي اسمها ماريا دي خالص. هي آه شغلها كويس، بس طول عمري بحس تصرفاتها غريبة واهتمامها فيك مبالغ فيه. يبتسم زياد بسخرية: = والله؟ طب تقدر تفهمني الساعة راحت فين؟ لو هي فعلاً بريئة زي ما بتقول. يقول أحمد بتفكير:
= ماهو ده اللي مجنني. ثم يكمل بجدية: = حاول تعرف الحقيقة يا صاحبي. جائز بجد تكون مظلومة، وساعتها هتندم طول عمرك. ثم ينهض مغادراً المكتب، تاركاً زياد في بحر أفكاره. هل يعقل حقاً أن تكون مظلومة؟ ولكن إذا كانت فعلاً مظلومة، فأين اختفت الساعة؟ فلم يكن في الجناح غيرها ووالدها وزوجته. ليزفر بحدة وهو يفكر. قصر الدمنهوري (غرفة المعيشة) تجلس تلك المتغطرسة وهي نائمة على الأريكة. ثم تردف بصوت عالٍ وهي تنادي خادمتها:
= سااااااره! أنت يا زفتة! تأتي الأخرى مهرولة لإطاعة سيدتها. لتقول باحترام: = تؤمري بحاجة يا هانم؟ لتقول سلمى وهي تلوي شفتيها: = أيوه، جيبي لي القهوة بتاعتي عشان مصدعة. ثم تكمل بتساؤل: = فين الباقية؟ تجيبها سارة: = أصل سمعت هاجر الصبح بتقول لزياد باشا إنها رايحة إسكندرية ومش حترجع قبل تلات أيام. وبعدين راح الشغل من بدري، وهاجر هانم مشيت كمان، والهانم الصغيرة... ولكن قبل أن تكمل جملتها، تقاطعها سلمى بصراخ:
= ما فييش هاااانم هنااا في البيت ده غيري. لتلمع في رأسها فكرة شيطانية، وهي تستغل خلو البيت من هاجر التي لم تعد إلا بعد ثلاثة أيام، وزياد المشغول في الشركة الذي لم يعد قبل المساء. سلمى وهي تقول بأمر: = روحي نادِي لي فتحية بسرعة. (فتحية مديرة القصر) وكمان اطلعي صحّي بنت الـ****** اللي نايمة فوق دي، وقولي لها تيجي حالاً. فتومئ الأخرى بطاعة. وما هي إلا دقائق جاءت فتحية. تقف فتحية بكل احترام: = خير يا هانم، في حاجة؟ لتقول
سلمى بحسم لا يقبل الجدال: = بصي، مش عايزة رغي كتير. أنتي وباقي الشغالين كلكم إجازة النهاردة، وبكرة الصبح تكونوا هنا. تهتف فتحية باعتراض: = بس... لتقول سلمى بحسم أكبر: = ما فيش خمس دقايق. مش عايزة أشوف حد فيكم. تومئ لها فتحية بطاعة. وما هي إلا دقائق حتى غادروا القصر.
لتمر ربع ساعة حتى تجد ملاك تنزل من الدرج وهي ترتدي فستاناً رائع الجمال، وقد زادها جمالاً على جمالها. ويبدو على ملامحها الحزن الشديد. لتطالعها تلك المتغطرسة بحقد وغيره من جمالها. ثم تردف سلمى بأمر وهي تنظر لها من الأعلى إلى الأسفل: = الخدم كلهم مشيوا، ما فيش غيرك دلوقتي. عايزك تنضفي القصر كله، وكمان تجهزي لي الغدا ويكون راقي طبعاً عشان عزومة صحابي. مفهوم؟ لتطالعها ملاك بذهول. لتصرخ الأخرى بصوت عالٍ: = مفهوم!
تومئ تلك المسكينة بخوف من بطش سلمى. فتكمل الأخرى بغيرة: = غيري هدومك دي، مش لايقة عليكي. حتلاقي هدوم الخدم في المطبخ، البسيها، وابدأي الشغل بسرعة. لتومئ لها ملاك بحزن أكبر وعيناها تمتلئ بالدموع. فها هي قد عادت خادمة مرة أخرى، ولكن هذه المرة في منزل زوجها. ثم تتجه إلى المطبخ لتجد ثياب الخدم معلقة، فترتديها وعيناها تذرف الدموع. ثم تحمل أدوات التنظيف. بعد أربع ساعات
انتهت ملاك أخيراً من تنظيف القصر. لتسمع صوت تلك الشمطاء تناديها. فتتجه لها. سلمى بغرور: = ها، إسمك إيه؟ امممم، مش مهم. خلصتي تنضيف؟ تومئ لها ملاك بنعم. لتكمل سلمى: = روحي جهزي الغدا عشان صحابي. تتجه ملاك بطاعة مرة أخرى ناحية المطبخ تحت عيون سلمى الشامتة. ثم تحمل هاتفها تتصل بمرام. سلمى: أيوه يا مرام، اسمعيني كويس. ثم تبدأ بقص خطتها لإهانة تلك المسكينة. ثم تكمل: = ها، فهمتيلها؟ تهتف مرام بخبث:
= طبعاً فهمت. ساعة بالظبط وأكون عندك. لتقول سلمى: = آه، وجيبي معاكي جيسي صاحبتك، وافهميها كل حاجة كويس. (جيسي صديقة مرام نفس طباعها) مرام: طب ماشي، مش هتأخر. لتقفل الخط وتردّف في نفسها: = شكلنا حنتسلى أوي النهاردة.
بعد ساعة تصل مرام ومعها جيسي. لتأمر سلمى ملاك بتجهيز بعض المقبلات الخفيفة والمشروبات. تومئ ملاك بطاعة وتتجه نحو المطبخ. لتخرج بعد لحظات وهي تحمل صينية كبيرة بها عصائر ومقبلات. فتمد مرام قدمها لتتعثر تلك المسكينة وتقع أرضاً. ليقع كل ما كان في الصينية على رأسها. فتنفجر كل من مرام وجيسي وسلمى بالضحك عليها. لتقول جيسي من بين ضحكاتها: = مش دي يا سلمى اللي جوزك اتجوزها؟ لتقول سلمى بضحك هي الأخرى:
= آه، أصل هو اشتراها بالفلوس عشان يجيب له ولد وكمان تخدمني. تهتف مرام هي الأخرى بسخرية: = أهو كسبتي خدامة فوق البيعة. لينفجروا من الضحك مرة أخرى. تطالع سلمى بسعادة ملاك الملقاة على الأرض وحالتها مزرية، وهي تصرخ بشدة من البكاء من كلامهم الجارح والذي مزق قلبها. وكل هذا بسبب والدها الذي باعها. فما ذنبها؟ ليهتف سلمى بقسوة: = أصل الزبالة اللي زيك مكانها الـ... = سلمىييييي!
لينظروا جميعاً إلى مصدر الصوت، ولم يكن سوى صوت زياد الغاضب. ثم يكمل بصوت كالرعد وعيونه مظلمة وعروقه بارزة من الغضب، أثار الرعب في نفوس سلمى: = برا كلكوا برااااا! ليهرول الجميع وحتى سلمى معهم. ثم يقترب زياد من ملاك المنهارة من البكاء على نفسها وحالتها. فقد فقدت كرامتها، لا بل مزقتها.
يحمل زياد بين ذراعيه وهي منهارة تماماً بين يديه. وفي نفسه يحمد الله أن الوفد الإيطالي قد قام بتأجيل الاجتماع لحصول بعض المشاكل، وأنه قد عاد إلى القصر. يصل بها زياد إلى الجناح فينزلها. تطالعه ملاك بشكر وتقول بصوت خافت وشفاه مرتجفة من كثرة البكاء: = شكراً. يطالعها زياد لثوانٍ وهو يريد احتضانها بشدة. ولكن توحت عيناه إلى القسوة فجأة. ليهتف:
= متفكريش إني عملت كده عشان أدافع عنك. أنا عملت كده بس عشان أنتِ مكتوبة على اسمي، وأوعي تفكري في مخك الصغير ده أي تفكير عشان جوازنا ده لسبب معين ولازم يصير في أقرب وقت عشان صبري خلص. ليكمل بقسوة وهو يرى صدمتها: = أصل مش عايز الفلوس اللي دفعتها تروح من غير ما أستفيد. تهوي ملاك على الأرض صوت شهقاتها يعلو أكثر ودموعها كالشلالات. ليكمل وشرر يتدفق من عينيه: = يومين بس، والساعة تكون عندك. ثم يبتسم بسخرية:
= أصل الساعة دي أغلى منك أنتِ ومن كل عيلتك. ثم يخرج بغضب كبير، صافعاً الباب خلفه. تاركاً تلك المسكينة تنحب بشدة على حظها. فقد ظنت أنها ستعيش حياة سعيدة وقبلت هرباً من الظلم لتقع في ظلم أكبر. لتصرخ بألم: = آآآآآآه ياااااااااااارب! يااااااااااااربي! يخرج زياد وهو في قمة غضبه. يركب سيارته مغادراً نحو المجهول. في المساء قصر الدمنهوري (جناح زياد وملاك)
يستلقي زياد على سريره بعد عودته من الخارج. ليجد ملاك تجلس في الشرفة. فيتجاهلها ويذهب إلى غرفة الملابس. لحظات ويخرج وهو يرتدي بنطال قطني أسود وعاري الصدر. يفكر في الأحداث الماضي التي حدثت معه. ليرد في نفسه: = معقول أكون بجد ظلمتها وهي بريئة فعلاً؟ ليزفر بحدة مضيفاً في نفسه: = خايف أصدقها أتصدّم أكتر، وخايف أتحايلها أندم كل حياتي. آآآه يا حبيبتي، ياترى إيه هي الحقيقة؟
ثم يسمع صوت شهقات خافتة تأتي من الشرفة. لينهض من سريره وهو يقترب. تصنم مكانه وهو يشاهد حبيبته وملاكه تبكي بشدة وعيونها الجميلة التي عشقها من أول نظرة. يتنهد بحزن دفين. حتى يسمع صوتها تقول من بين شهقاته. تجلس ملاك على الأرجوحة الجميلة الموجودة في الشرفة. حيث تجلس وهي تضم ساقيها وتبكي بشدة على حالها وما أصبحت عليه. تردف من بين شهقاتها والحزن يملأ قلبها على حالها وما وصلت إليه: = ياااارب! هو ليييه أنا بس يحصل معايا كده؟
لييييه؟ كل ذنبي إني أبويا طماع ووافق يبيعني بالفلوس. لتردف بانهيار أكبر مزق قلب زياد: = كل بيدوس عليا، الكل مفيش حد مصدقني ولا واقف جنبي. بس إنت شايف وعارف ياااارب. أرجوك، ماليش غيرك يا رب. خليك جنبي، متسبنيش لوحدي يااااااااارب. وتستمر في البكاء المرير.
ليصدم زياد من ما سمعه وقلبه يتمزق حزناً على صغيرته. فيتجه مسرعاً نحو هاتفه. يحمله من على السرير ليجري اتصالاً وهو عازم على معرفة الحقيقة، وهو خائف أن يكون فعلاً ظلمها.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!