تحميل رواية «ملاك يغوي الشيطان» PDF
بقلم مايسة ريان
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
كان اليخت الأبيض الضخم الذى هو أقرب الى سفينة صغيرة متوقفا فى عرض البحر على بعد ثلاثة أميال من ميناء أثينا. فتحت زينة الباب الزجاجى الجرار وخرجت الى السطح تسير بالسرعة التى تسمح لها بها تنورتها القصيرة الضيقة وحذائها ذو الكعب العالى وقد أرتسم الذعر والهلع على محياها. راحت تتمايل بحدة وتلتوى قدماها من تحتها حتى أوشكت لأكثر من مرة على السقوط فتوقفت للحظة وخلعت الحذاء وألقت به فى الماء غير آسفة عليه. ضربت موجه شقية جانب اليخت وألقت برزازها عليه فشعرت بطعم ملوحة ماء البحر على شفتيها. أم انها كانت دم...
رواية ملاك يغوي الشيطان الفصل الأول 1 - بقلم مايسة ريان
كان اليخت الأبيض الضخم الذى هو أقرب الى سفينة صغيرة متوقفا فى عرض البحر على بعد ثلاثة أميال من ميناء أثينا.
فتحت زينة الباب الزجاجى الجرار وخرجت الى السطح تسير بالسرعة التى تسمح لها بها تنورتها القصيرة الضيقة وحذائها ذو الكعب العالى وقد أرتسم الذعر والهلع على محياها.
راحت تتمايل بحدة وتلتوى قدماها من تحتها حتى أوشكت لأكثر من مرة على السقوط فتوقفت للحظة وخلعت الحذاء وألقت به فى الماء غير آسفة عليه.
ضربت موجه شقية جانب اليخت وألقت برزازها عليه فشعرت بطعم ملوحة ماء البحر على شفتيها.
أم انها كانت دموعها؟
راحت تتلفت حولها بيأس تبحث عن مكان تلجأ اليه وتختبئ فيه.
دارت حول السطح ووجدت سلم يؤدى الى أسفل.
لا تعرف الى أين.
ولكنها لم تتردد ونزلت بسرعة على الدرجات الحديدية الزلقة بفعل الرطوبة.
أنزلقت قدماها وسقطت فجرحت ساقها بشدة ولكنها تحاملت على نفسها ووقفت متشبثه بالسياج الحديدى تعض على شفتها السفلى لتمنع صرخة ألم كادت ان تفلت منها وأكملت طريقها بحذر وقد بدأ جسدها يرتعش بوهن ويئن بعد سقطتها القوية.
وجدت نفسها فى غرفة المحركات وكانت من حسن حظها فارغة فلا أحد من البحارة يعمل فى تلك الساعة المتأخرة من الليل.
بحثت بعينيها عن مكان يصلح للأختباء.
كان هناك فى احدى الزوايا خلف أحد المحركات غطاء من البلاستيك مكوم بأهمال.
أسرعت وجلست على الأرض وغطت نفسها به لا تدرى بما قد يفيدها هذا فسيجدها أحدهم عاجلا أو آجلا فأين يمكن لها ان تذهب وهى على هذا اليخت فى عرض البحر.
أنتابها الغثيان وهى تتذكر المنظر البشع للرجل الضخم وهو ممدد على الأرض وعيناه جاحظتان والدماء تنزف بغزارة من رأسه.
لقد دفعته بقدميها بقوة لم تكن تدرى بأنها تملكها أو ربما لأنه كان سكيرا قد أختل توازنه وسقط الى الخلف ليصطدم رأسه بحافة طاولة الزينة ويسقط بكل ثقله على الأرض مصدرا صوتا شبيها بخوار الثور ليسكن جسده بعدها بدون حراك.
لم تجرؤ على الأقتراب منه وهربت من الحجرة بسرعة.
لم تساعدها رائحة الشحم الملتصقة بالغطاء على ألتقاط نفسا يبعد عنها ذلك الأحساس بالغثيان فوضعت رأسها بين ركبتيها حتى يزول الدوار.
بعد قليل سمعت أصوات خطوات على السطح أعقبها أصوات صياح وغناء صادرة عن عدة أشخاص جمدتها فى مكانها وجعلت كل عصب فى جسدها يتنبه وراح قلبها يدق بسرعة وقوة حتى انها كانت تسمع صوت طنينه داخل أذنيها.
سكنت بلا حراك وكتمت أنفاسها وبعد لحظات بدأت الخطوات تبتعد والأصوات تنخفض وما كادت تلتقط أنفاسها من جديد حتى سمعت من جديد صوت خطوات ثقيلة وبطيئة تقترب من الحجرة التى تختبئ فيها.
أرهفت السمع ولكن صخب دقات قلبها وفوران أعصابها منعاها من التركيز ولما سحب الغطاء عنها فجأة أطلقت صرخة ليس لها صوت فلم تكن رئتاها تحملان هواء بداخلهما.
أطل عليها من أعلى رجل أربعينى متوسط الطول قوى البنية كان يرتدى أفرول أزرق خاص بطاقم البحارة شملها بنظرة أحتقار وهو يقول بالعربية وبلهجة أهل الشام:
– ما الذى تفعلينه هنا؟
الأحتقار فى صوته كان جليا ولكنها لم تهتم فلقد كانت تعتقد أن كل طاقم البحارة من الأجانب لذلك قالت بأنفعال هستيرى وأصابعها تتشبث بسرواله وهي تشعر بأنفراجة أمل:
– أنت عربى؟ أنت عربى.. ساعدنى أرجوك.. أريد أن أذهب من هنا.. أريد الرجوع الى بلدى.
عاد خطوة الى الوراء مشمئزا من ملامستها له وقال:
– وما الذى جعلك تتركين بلدك من الأصل وتأتين الى هنا؟
أنسابت الدموع غزيرة على وجهها:
– أنا لست كما تعتقد.. أنا لست مثلهم.. صدقنى أرجوك.
عقد الرجل حاجبيه ينظر اليها فى شك ثم وقعت عيناه على جرح ساقها وقميصها الممزق والذي يكشف عن جزء كبير من جسدها وسألها:
– هل الرجل الذى جاءوا بك من أجله هو من فعل بك هذا؟
لملمت زينة أطراف قميصها الممزق عند العنق بأصابع مرتعشة وحاولت سحب تنورتها لتغطية فخذيها ولكن من دون جدوى.
– نعم.
ثم أستطردت ببؤس مرير:
– لقد خدعت ولم أكن أعرف ما ينتظرنى هنا.. أرجوك أن تصدقنى.
لانت تعابير وجه الرجل قليلا وداخلت نظراته الشك فأنتهزت زينة الفرصة لتسرد عليه قصتها.
الفصل الأول.
كانت زينة فى الخامسة من عمرها عندما أنتقلت الى شقة جارتها وكان هذا شئ قد أعتادت عليه منذ أن أصبحت أمها مريضة وتقضى فى المشفى أسبوعا من كل شهر تتلقى فيه العلاج فكانت تأخذها جارتهما أم علياء لتبقى عندها لحين عودة امها الى البيت.
وفى احدى المرات طالت أقامتها لديهم عن كل مرة وتأخرت أمها فى العودة حتى أسرت لها علياء ابنة جارتهم التى تكبرها بعامين قائلة:
– هل تعرفين أن أمك لن تعود أبدا مرة أخرى؟
سألتها زينة ببراءة:
– ولماذا لن تعود؟
– لن تعود لأنها ماتت.. لهذا كانت أمي تبكي بالأمس.
لم يستطع عقلها الصغير وقتها أستيعاب فكرة الموت وكيف أنها لن ترى أمها مرة أخرى ولأنها أعتادت على غيابها ورقادها الطويل بسبب المرض لم يبلغ بها الحزن مبلغا.
وبعد أيام جاء الى بيت أم علياء رجل يدعى مختار ومعه زوجته وكانت زينة جالسة على الأرض مع علياء وشقيقيها الصغيرين داخل غرفة صغيرة كانت تستخدم كغرفة جلوس تلعب بقصاصة ورق قد صنعت منها مركبا صغيرا.
قالت لها أم علياء برقة وهي تمسك بيدها وتقدمها للضيفين:
– هذا عمك مختار يا زينة وزوجته السيدة أمينة.. سلمي عليهما.
كانا شخصين لم تراهما زينة أبدا فى حياتها من قبل.
صافحتهم بخجل وابتسمت لهما فكافآها بأن أعطياها كيس ملئ بالحلوى أخذته وراحت تقسم ما به بينها وبين علياء وشقيقيها أمام أعين الضيفين المبتسمين.
وعند مغادرتهما قالت لها أم علياء والدموع فى عينيها:
– أنهما أقاربك وسوف يأخذانك لتعيشي معهم.
تقبلت زينة الأمر بهدؤ وذهبت معهما.
أعجبت زينة ببيتهم فهو أفضل كثيرا واكبر من الحجرة التى كانت تسكن فيها مع أمها كما كان لديهم تلفاز ملون وشرفة تقف فيها لترى الأولاد فى الشارع وهم يلعبون وكان لديهما ايضا أبنة جميلة وحيدة تدعى نبيلة وكانت تكبرها بخمس سنوات.
وطلب منها مختار وزوجته أن تناديهما بأبى وأمى كما تفعل نبيلة.
ولأنها كانت خجولة وقليلة الكلام أخذت فترة طويلة الى أن تجرأت على منادتهما بهذين اللقبين.
لم تفرح نبيلة بوجودها ولم تتقبل بسهولة ان تأتى فتاة لا تعرفها وتشاركها حب والديها وتشاركها فى أشياء أخرى كحجرتها وسريرها وألعابها ولذلك لم تتركها تنسى ولو لمرة واحدة أنها متبناة.
عندما كبرت زينة عرفت أن أمها كانت قد تزوجت من أحد رجال قريتها الذى يعمل فى القاهرة فى مجال البناء وأنتقلت من قريتها فى دلتا مصر وبعد عام من زواجهما سافر الى السعودية للعمل وترك زينة وأمها وحدهما وبعد أشهر قليلة من سفره أنقطعت أخباره عن زوجته وجاءتها أخبار متضاربة عنه.
فهناك من قال أنه أدين فى قضية سرقة وحبس وهناك من قال أنه تعرض لحادث وقتل وهناك من قال أنه تزوج وغير عمله ولم يعد أحد من رفاقه الذين سافر معهم يعرف عنه شيئا فأضطرت أمها أن تخرج للعمل فقد كانت غير قادرة على العودة الى قريتها حيث زوجة والدها التى لن تقبل بعودتها بعد أن تخلصت منها بتزويجها.
وبعد ثلاث سنوات من العمل الشاق أصاب أمها المرض الذى لا شفاء منه وماتت تاركة زينة وحدها وكان مختار قريب والدها الوحيد فى القاهرة وعندما ذهب لرؤيتها وقع حبها فى قلبه وقلب زوجته.
ولأنهما كانا يعرفان ما سيؤول اليه مصيرها ان أعطياها الى عمها شقيق والدها المعروف فى العائلة بقسوته فقد عرضا أن يأخذاها لتربى مع أبنتهما ولم يجدا منه معارضة.
كبرت زينة ودخلت الى الجامعة وتخرجت منها وكان حلمها الأول أن تصبح مضيفة طيران أو مرشدة سياحية ان لم تتوفر لها الأمنية الأولى فقد كانت تعشق السفر وشغوفة لرؤية الأماكن الجديدة ولكن أحوالهم المادية لم تكن لتسمح لهم الا بالسفر كل عام الى مصيف متواضع يستطيع فيه والدها دفع أجرة شقة لمدة أسبوع وتأجير شمسية وأربعة كراسى على شاطئ البحر.
وكانت الأسكندرية ومطروح من المصايف التى فى متناول اليد الى أن كبرت نبيلة ولم يعد يعجبها هذا النوع من الرحلات الأسرية المتواضعة فتوقفوا عن التصييف نهائيا ولم يحالف زينة الحظ للعمل فيما كانت تتمنى وحصلت بدلا من ذلك على وظيفة كموظفة أستقبال فى الفندق الذي تعمل به أختها لأتقانها لغتين أجنبيتين.
وفى صباح أحد أيام شهر يونيه التى بدأت فيه نسائم الصيف الحارة فى الظهور كانت زينة قد أنتهت من أرتداء ملابسها أستعدادا للذهاب الى العمل عندما دخلت نبيلة الى الغرفة خارجة لتوها من الحمام وأثار النوم مازالت بادية على وجهها الجميل ولم تكن قد أرتدت ملابسها بعد.
فقالت لها زينة عابسة:
– ألم ترتدى ملابسك بعد.. سوف نتأخر على العمل هكذا.
ردت نبيلة وهى تتثائب:
– أعطنى نصف ساعة وأكون قد أنتهيت.
هزت زينة رأسها باستياء:
– لو كنت تنامين باكرا لما أصبحت بهذا الشكل.
تأففت نبيلة بضجر:
– بالله عليك.. أرحمينى من مواعظك قليلا.
وهما فى طريقهما الى العمل أخبرتها نبيلة أنها سوف تأخذها معها الى زفاف صديقة لها.
فوجئت زينه بعرضها فهي دائما كانت حريصة على ابعادها عن دائرة معارفها وزينة لا تعرف حتى من يكونوا أصدقاءها فشعرت بالسعادة لأن نبيلة قررت أخيرا دمجها فى حياتها الخاصة.
فقالت بفرح:
– حقا؟ وزفاف من يكون؟
– صديقة لي لا تعرفينها.
فكرت زينة بغبطة.
ان هذا لا يهم.
فيكفي أنها سوف تصطحبها معها فحياتها خارج العمل فارغة لا حياة حقيقية تعيشها.
ثم سألتها بقلق:
– وهل سأحتاج الى فستان سهرة؟
قالت نبيلة وهي ترمقها بنظرة ضيق:
– بالطبع.. هل تفكرين فى الذهاب بالجينز؟
خبت فرحتها وقالت:
– ولكن أنا ليس لدي واحدا يصلح لمثل هذه المناسبات.
فهى لا تذكر متى آخر مرة ذهبت فيها الى زفاف احد ما.
قالت نبيلة:
– عندما نتلقى أجورنا آخر الأسبوع سوف نذهب معا لشراء ثوب لك وآخر لى.
فكرت زينة.
ولكن مرتب هذا الشهر مخصص معظمه لعلاج والدها فهو بحاجة لعمل أشعة وتحاليل كان الطبيب قد طلبها وهى مكلفة جدا ولكنها قررت ان لا تجعل هذا الأمر البسيط يقف فى طريقها فهي تستطيع أن تستعير واحدا من أحدى رفيقاتها بالعمل.
رفعت هذه الفكرة من معنوياتها ومر الاسبوع سريعا وعادتا يوم القبض وكانت أمهما فى أنتظارهما وعلى الفور أعطتها زينة كل راتبها بعد أن خصمت منه مصروف المواصلات.
وعندما لم تفعل نبيلة مثلها سألتها أمها:
– وأنت يا نبيلة؟
علا الحزن محياها وهى ترد:
– آسفة حقا يا أمى.. أشعر بالخجل منك.. أنت لم تقولى شيئا عن تحاليل أبى هذه الا منذ بضعة أيام فقط وأنا كنت قد أشتريت أشياء من صديقة لى تملك متجرا للملابس وقد أجلت الدفع لحين الحصول على راتبى.. هذا غير أن المدير قد خصم منى أسبوعا بسبب مشكلة حدثت بيننا فى العمل.
نظرت اليها زينة بدهشة فهى لم تسمع عن أى مشكلة قد حدثت بين نبيلة وعماد فهو مفتون بها ويميزها عن غيرها من زملاءها وهذا لطالما أحدث المشاكل بين أصطف العمل فى مطعم الفندق.
قالت نبيلة بعد أن قبلت وجنة أمها لتسترضيها:
– وهناك شئ آخر يا أمى.. اذا أمكن أن تعطى زينة بعض المال فهى بحاجة الى شراء ثوب جديد لتحضر به حفل الزفاف.. حرام.. فهى ليس لديها شئ لترتديه.
أحمر وجه أمها حرجا ومدت يدها بالمال كله الى زينة وهى تقول:
– سامحينى يا حبيبتى.. خذى ما تريدين لا نريد أن نثقل عليك.
تضايقت زينة من تصرف أختها وقالت بسرعة وهى تدفع يد أمها برقة:
– لا يا أمى لقد تدبرت أمرى وأستعرت ثوبا من سمر.
قالت نبيله بحدة:
– ومصاريف السفر.. سوف تحتاجين الى بعض المال من أجل السفر.
نظرت اليها زينة وأمها بدهشة وقالت تلك الاخيرة:
– سفر ماذا؟ أنت لم تقولى شيئا عن هذا السفر من قبل؟
قالت نبيلة:
– ألم أقل لك أن حفل زفاف زميلتنا سوف يكون بالأسكندرية؟
دهشت زينة.
فعن أي زميلة كانت تتحدث!!
لم يكن لديها علم بأن هناك زميلة لهما فى العمل سوف تتزوج.
وسمعت أمها تقول:
– وهل تعتقدين أن والدك سيقبل أن تسافرا وحدكما؟
ردت نبيلة بتوسل:
– ولماذا لن يرضى ولقد حجز لنا غرفة فى الفندق الذى سيقام به الحفل.. ستحزن زينة ان لم تذهب فالعروس صديقتها المقربة.
نظرت اليها زينة بحدة فرمقتها نبيلة بنظرة محذرة اياها أن تكذبها.
قالت أمها بحيرة:
– لا أعرف ماذا سيقول والدكما.
قالت نبيله بألحاح:
– قولي له أن زينة تريد الذهاب وستحزن ان رفض.
بعد خروج أمها واجهتها زينة بغضب:
– لماذا كذبت؟
نظرت اليها نبيلة ببرود:
– لأننى أعرف أبى.. سيرفض فكرة سفرنا بمفردنا لحضور زفاف أحد لا يعرفه كلانا ولأنه يثق بك ولا يثق بى.. وكأنك أنت أبنته وليس أنا.
أحمر وجه زينة.
ليس ذنبها أنها هادئة ومطيعة ووالدها يعجبه سلوكها ولا يعجبه سلوك أبنته الذى يسبب له الكثير من القلق والأرتياب فى معظم الأحيان ونبيلة هي المسؤولة عن ذلك فلا يجب أن تلوم الا نفسها.
وافق والدهما على سفرهما كارها وكانت زينة تتمنى لو أنه رفض فلم تكن معتادة على الكذب عليه وقررت أن لا تشارك نبيلة فى أكاذيبها بعد ذلك أبدا ولكن فى نفس الوقت كانت متحمسة رغما عنها للسفر بصحبتها والتعرف على أصدقاءها المجهولين كما أنها أشتاقت الى الأسكندرية والى نسيم بحرها.
ولكن فيما بعد أكتشفت زينة أن أكاذيب نبيلة لم تنتهى عند هذا الحد.
رواية ملاك يغوي الشيطان الفصل الثاني 2 - بقلم مايسة ريان
اكتشفت زينة أن أكاذيب نبيلة لم تنتهِ عند هذا الحد، ففي الواقع لم يكن هناك زفاف من الأصل، وأنهما كانتا مسافرتان إلى الساحل الشمالي وليس إلى الإسكندرية كما ادعت.
بل كانتا ذاهبتين لحضور حفل في فيلا يملكها أحد أصدقاء نبيلة، وكانت الفيلا في مكان منعزل ولها شاطئها الخاص على البحر.
كان الضيوف من الأثرياء، يدل على ذلك السيارات الفارهة التي جاءوا بها، وكانتا هما الوحيدتين اللتين جاءتا بسيارة أجرة.
استغربت زينة أن نبيلة كانت تعرف معظم الحضور واندَمَجَت بينهم سريعًا كأنها واحدة منهم، وتساءلت زينة في نفسها: كيف ومتى تعرفت إليهم؟
توالت الصدمات على زينة عندما رأت نبيلة ترتدي ثوب سباحة فاضح وتستلقي على الشاطئ بلا حياء أمام أعين الشباب دون أن تبالي.
لم تكن الوحيدة التي ترتدي هكذا، بل إن كل الفتيات كن يرتدين مثلها وأقل منها، ولكن نبيلة كان لها جسد جميل وهي تعرف هذا وتتباهى بما لديها.
ودت زينة لو كان لديها الجرأة والقدرة لتذهب إليها وتصفعها على وجهها وتجبرها على الرحيل من هذا المكان، ولكنها لا تستطيع أن تفعل هذا واكتفت بأضعف الإيمان.
تعرفت زينة على بعض من الحضور، ولكنها لم تستطع مجاراتهم في الكلام أو المزاح، ففضلت أن تبقى وحيدة وجلست بعيدًا عن الجميع على أحد مقاعد الشاطئ.
كانوا يقيمون حفل شواء وبالكاد تناولت الغداء.
عند الغروب، بَرَدَ الجو، فتركوا الشاطئ ودخلوا إلى الفيلا لتغيير ملابسهم والاستعداد لحفل المساء.
وفي الغرفة التي خصصت لإقامتهما، أخرجت زينة ثوبها من الحقيبة وقد فارقها الحماس الذي كانت تشعر به في وقت سابق.
قالت نبيلة ساخرة عندما رأت الثوب في يدها:
– هل سترتدين هذا الشيء حقًا؟
نظرت إليها زينة بقلق وسألتها:
– ماذا به؟
– موضته انتهت منذ قرن.. اتركيه.. معي فستان آخر سيكون واسعًا قليلاً عليك ولكنه أفضل من هذا الشيء.
أعادت زينة الثوب إلى علاقته بإحباط.
انتهت نبيلة من تبرجها وارتداء ملابسها، وقد ساعدتها زينة في تجفيف شعرها وتصفيفه.
وبطبيعة الحال، لم تستطع زينة التعليق على ثوبها الصغير جدًا، فهي كانت تعرف أنها ستغضبها ولن تستطيع منعها من ارتدائه.
وبعد خروجها، بدأت زينة في ارتداء ملابسها بدورها.
أخرجت الثوب الذي أخبرتها عنه نبيلة ولم تجد غيره في الحقيبة.
وصُعِقَتْ لدى رؤيته: هل اعتقدت نبيلة حقًا أنها قادرة على ارتداء مثل هذا الثوب؟ كان بلا أكمام وبلا صدر تقريبًا وقصيرًا جدًا.
ارتدته زينة لتجربته من باب الفضول، وكان واسعًا عند الصدر والردفين، وهاتان منطقتان تتميز بهما أختها عنها.
وتذكرت مبتسمة عندما كانت مراهقة نحيفة جدًا تنظر إلى جسد أختها الكامل الأنوثة بحسد وإعجاب.
وفي مرة، قامت بارتداء حمالة صدر من عندها وحشتها بالجوارب ليصبح لديها صدر كبير مثلها.
واكتشفت نبيلة ما فعلته بمجرد أن نظرت إليها، فضحكت وسخرت منها وأخبرت أمها التي قالت لها بابتسامة حنونة:
– لا تتعجلي.. سوف تكبرين وجسدك سيتغير ويمتلئ مثل كل البنات.
وعندما كبرت، امتلأ جسدها النحيف واستدار، ولكن لم يصل إلى درجة الأنوثة المتفجرة التي تتمتع بها نبيلة.
خلعت زينة الثوب وارتدت ثوب صديقتها الذي كان من الحرير الصناعي، لونه أسود بأكمام طويلة من الشيفون. كان بسيطًا ورقيقًا. لم يكن مميزًا ولكنه جميل وقد أعجبها.
صففت شعرها البني الطويل الذي يصل إلى أسفل ظهرها بخصلات متعرجة ولكن ناعمة وكثيفة، ثم وضعت القليل من مساحيق التجميل، فقد كانت عازفة عن لفت الأنظار إليها.
لاحظت زينة عند نزولها أن عدد المدعوين قد ازداد، وقد خصصوا مكانًا للرقص في منتصف القاعة.
وسرعان ما لمحت نبيلة بثوبها الأخضر وهي تتنقل أثناء الرقص من شاب لآخر وهي تضحك بسعادة، فعبست زينة بقلق وحزنت من أجل والدها الرجل الطيب التقي.
كيف سيكون حاله لو رأى ابنته الوحيدة بهذا الشكل؟ وأمها.. المرأة الطيبة ربة المنزل التي لا تخرج من بيتها إلا لتذهب إلى سوق الخضار والتي حملت بها بعد أن فقدت الأمل في الإنجاب لسنوات. ماذا سيكون رأيها في تربيتها لابنتها؟
تركت زينة الفيلا بقلب مثقل بالحزن وخرجت إلى الشرفة ومنها إلى الشاطئ.
وكان الجو قد أصبح باردًا عما كان عليه في النهار، ولم تكن تملك سترة، ولكنها قررت البقاء في الخارج، فالبرد أهون عليها من رؤية أختها في هذا الوضع المخجل.
جلست على الرمال وضمت ركبتيها إلى صدرها ونظرت إلى البحر الذي بدا مرعبًا بسواده القاتم.
وكان الظاهر منه فقط هو تلك الموجات الصغيرة التي تأتي إلى الشاطئ لتلقي بزبدها الأبيض عليه، ثم تنحصر عائدة إلى الظلام لتعود مرة أخرى محملة بالمزيد، فهو بالنسبة لها عمل لا ينتهي.
أخرجها من تأملاتها صوت همسات، فأدارت رأسها إلى جهة اليسار التي يأتي منها الصوت، وقد شعرت بالخوف فقد كانت تظن نفسها وحيدة على الشاطئ.
دققت النظر، وعلى بعد أمتار قليلة شاهدت شابًا وفتاة يجلسان على الرمال مثلها.
الفتاة بثوب أحمر براق والشاب مستلقٍ على الرمال ويضع رأسه على حجرها، وكانت الفتاة تميل عليه وتقبله.
شعرت زينة بالحرج الشديد ورمشت بعينيها غير مصدقة لما تراه وتساءلت: منذ متى وهما هنا وهي أيضًا هنا؟
وقفت بحدة لتترك المكان، فلفتت حركتها المباغتة انتباههما، ونظرا إليها غير مُفْزَعين أو مُحرَجين.
فأسرعت الخطى عائدة إلى الفيلا وهي تسمع الشاب يقول شيئًا ما للفتاة جعلها تضحك.
عادت زينة إلى داخل الفيلا حيث صوت الموسيقى الصاخب، وبحثت بعينيها عن نبيلة فلم تجدها، وأنتابها القلق.
فصعدت إلى غرفتهما لتبحث عنها ولم تجدها هناك أيضًا، فعادت إلى أسفل خائفة وقلقة من سبب اختفائها.
وصورة الفتاة والشاب على الشاطئ ما زالت في ذهنها وتخشى أن تكون.. ولكنها وجدتها قد عادت إلى قاعة الرقص، فهدأ خوفها.
أشارت لها بيدها تحاول لفت انتباهها، ولكنها كانت مشغولة بمحاولة شد انتباه شاب لم تره زينة من قبل.
يبدو أنه وافد جديد، فلا يمكن أن ينساه المرء إن سبق ورآه.
كان وسيمًا.. لا.. بل كان جميلًا.. إن صح أن يطلق هذا الوصف على رجل.
حتى أن زينة عجزت عن إشاحة نظرها بعيدًا عنه.
كان يرتدي قميصًا رمادي اللون من الحرير أو ما شابه، يفصل العضلات البارزة لصدره وبطنه المسطحة، وسروالًا أسود حيك خصيصًا من أجل ساقيه الطويلتين.
بدا لها كملك يقف بين الرعية، وخاصة النساء منهم.
لم تكن خبيرة حكم على الشخصيات، ولكن هذا الشاب الذي لم يتجاوز الثلاثين من عمره لا يمكن أن يكون عاديًا.
كانت زينة تتأمله بتركيز شديد.. فضولًا أكثر منه إعجابًا، فقد شعرت أن تحت جماله الظاهري تختبئ القسوة لا اللين.
ولم يريحها أن ترى نبيلة وهي شبه ملتصقة به.
ومع شرودها في تأمله، لم تلاحظ نظراته التي سلطها عليها إلا بعد أن وصلت بتفحصها إلى عينيه، فأجفلت واحمر وجهها حرجًا وأشاحت به بعيدًا عنه بسرعة، وراحت تلهي نفسها بمراقبة الراقصين حريصة ألا تنظر في اتجاهه مرة أخرى.
بعد فترة، شعرت زينة بالجوع، فأخذت طبقًا وضعت به القليل من الطعام وخرجت إلى الشرفة.
وكانت قد بدأت في تناول طعامها عندما جاء صوت عميق هادئ من خلفها يقول:
– مساء الخير.
ألتفتت إلى صاحب الصوت بدهشة، فطوال الحفل لم يعرها أحد اهتمامًا.
وكاد أن يقف الطعام في حلقها عندما رأت أنه نفس الشاب الجميل الذي كانت تتأمله منذ قليل.
حدقت به صامتة، فأبتسم قائلًا:
– الجو بارد هنا.
هزت رأسها موافقة، فمد يده ليصافحها وقال يعرف عن نفسه بابتسامة هادئة:
– أنا اسمي خالد.
ترددت للحظة قبل أن تمد يدها مضطرة وصافحته، ثم سحبت يدها بسرعة قبل أن يتسنى له الضغط عليها بأصابعه.
رفع حاجبيه بدهشة ولكنه لم يعلق وسألها مازحًا:
– ألن تقولي لي اسمك؟
قالت بارتباك وهي تدعو أن يخرج صوتها طبيعيًا:
– اسمي زينة.
اتسعت ابتسامته الرائعة وقال:
– اسمك جميل يا زينة وكذلك صوتك.. مع من أنت هنا؟
– مع نبيلة أختي.
عبس يفكر وكأنه لم يسمع بهذا الاسم من قبل:
– نبيلة؟ لا أعتقد أنني أعرف أحدًا بهذا الاسم.
كيف لا يعرفها وقد كانت تقف معه منذ لحظات ملتصقة به تقريبًا؟
فقالت بتوتر:
– بالتأكيد ليس من الضروري أن تكون على معرفة بكل الموجودين هنا.
ردد كلماتها الخرقاء مازحًا:
– بالعكس.. يجب أن أكون على معرفة بكل الموجودين.. وهذا ما جعلني آتي خلفك لكي أتعرف عليك.. لأنك في الحقيقة ضيفة عندي.
أربكها رده وأشعرها بالخجل.
إذًا هذا هو صاحب الفيلا الذي لم يكن موجودًا عند حضورهما في الصباح، وكانت أختها قد شعرت بخيبة الأمل عندما لم تجده في استقبالها.
ولكن على حسب ما قاله لتوه، فهو لا يعرف نبيلة ويظن أنهما متطفلتان على حفلته.
مدت له يدها بطبق الطعام، فأخذه منها مندهشًا وقالت بحرج شديد:
– أنا آسفة جدًا.. لم أكن أعرف أن أختي جاءت من دون دعوة.. على أية حال، سوف نرحل حالًا.
همت بالذهاب، فاستوقفها بلمسة من يده قائلًا بحيرة:
– انتظري.. سترحلين إلى أين؟
– القاهرة.. نحن من هناك.
قال ضاحكًا:
– سترحلين لأنني سألتك عن اسمك؟
– لقد قلت أيضًا أنك لا تعرف أختي.
– صفيها لي.. هناك بعض من معارفي مسموح لهم بدعوة أصدقائهم.
– كانت تقف معك منذ قليل.. تلك التي كانت ترتدي الفستان الأخضر.
رفع حاجبيه بتعجب:
– أنت تقصدين ناني؟
تنهدت براحة. ناني هو اسم التدليل الذي تفضله نبيلة عن اسمها الحقيقي والذي ترى أنه قديم ولا يناسبها، ولكنها ارتاحت على الأقل لأنه يعرفها.
وقالت مبتسمة:
– هذا هو الاسم الذي تحب أن ندللها به، ولكن أبي يرفض ويقول أن اسم نبيلة أجمل وله معنى وقيمة.
ضحك ثم مد لها يده بطبق الطعام وقال:
– والآن أكملي طعامك.
أخذت منه الطبق وانتظرت منه أن يذهب، ولكنه ظل واقفًا يتأملها بفضول.
فشعرت بالضيق إضافة إلى الخجل، وكان يهم بالكلام عندما خرجت نبيلة إلى الشرفة وهي تقول بصخب:
– خالد.. أنت هنا؟
ثم نظرت إلى زينة بحدة وقالت:
– آه.. لقد قابلت زينة.
رد عليها وعيناه لا تفارقان وجه زينة:
– لم تقولي أبدًا أن لديك أخت جميلة هكذا.
خشيت زينة للحظة أن تحرجها نبيلة أمامه وتنكر أنهما شقيقتان حقًا، ولكنها لم تفعل وتأبطت ذراعه وقالت مازحة:
– خفت عليها منك.. لأنها ليست ند لك.
لوى شفتيه وقال بخبث:
– هل تقصدين أخافتها مني؟
ضحكت بدلال:
– زينة غير معتادة على جوّنا هذا ومن الصعب أن تغير لها رأيها.
لم تهتم زينة لما كانا يقولانه وودت لو يذهبا ويتركاها وحدها.
وقد ارتاحت عندما استطاعت نبيلة أخيرًا أن تقنعه بالدخول معها ليرقصا، فتنفسّت الصعداء وأخيرًا ستكمل تناول طعامها بهدوء.
وما كادت تبتلع اللقمة الثانية حتى اندفعت فتاتان إلى الشرفة.
تعرفت زينة على إحداهما، وكانت تلك هي نفس الفتاة التي رأتها على الشاطئ تقبل الشاب بلا حياء، وعرفتها بسبب ثوبها الأحمر اللامع.
وكانت الآن منفعلة وغاضبة وهي تقول لصديقتها:
– من تظن نفسها تلك الشحاذة النكرة لتقف أمامي.
حاولت صديقتها تهدئتها إلى أن لمحت زينة، فمالت على أذنها وهمست شيئًا ما جعلها تلتفت إلى زينة بحدة.
غص حلق زينة بالطعام مرة أخرى وشعرت بالخوف من نظراتها الشرسة وهي تسألها:
– أنتِ شقيقة ناني؟
ردت بتلعثم:
– نعم.
– قولي لها أن لا تأكل ما لا تستطيع هضمه.. وأنصحيها بأن تبتعد عن خالد فهي لا تعرف مع من تتعامل فهو..
ولكن صديقتها منعتها من المتابعة بأن جذبتها من ذراعها وهمست لها بشيء آخر جعلها تتوقف وتعود معها إلى الداخل بعصبية ظاهرة.
وقفت زينة مذهولة لا تعرف معنى ما قيل أو ماذا أرادت الفتاة أن تقول لها قبل أن تمنعها صديقتها.
هذا الموقف زاد من إحباطها وفقدت شهيتها، فوضعت طبق الطعام من يدها على سور الشرفة ودخلت إلى الفيلا وقررت أن تصعد إلى غرفتها لتنام وهي تدعو الله أن يأتي الصباح سريعًا وترحلا من هنا بسلام.
دارت زينة من حول الراقصين وكانت متوجهة إلى الدرج عندما اعترض طريقها شاب مخمور وسألها:
– لما أنتِ كئيبة هكذا؟
انكمشت زينة مبتعدة عنه باشمئزاز، ورد عليه آخر ضاحكًا وهو يقترب منها بدوره حاملاً كأسًا به خمر:
– لأنها لم تجد أحدًا يعطيها كأسًا.
أجابه الآخر ضاحكًا:
– نحن نعطيها.
وقبل أن تستوعب ما يحدث، استدار الشاب الأول وأحاط بها بذراعيه من الخلف ليشل حركتها وهو يقول:
– سأمسك أنا بها وأنت أسقها.
أقترب منها الشاب الآخر وقرب كأسه من فمها وهو يضحك.
اتسعت عينا زينة رعبًا وهي تضم شفتيها بقوة.
في ثوانٍ، أصبحت كلعبة بينهم، فقد تجمع حولهم بقية المدعوين يصفقون ويشجعون.
حاولت زينة بيأس التملص من آسرها وراحت تتلوى بعنف وتدير وجهها يمينًا ويسارًا، تستميت حتى لا تلمس حافة الكأس شفتيها.
ونتيجة لذلك، سكب الشاب الشراب على وجهها وملابسها، فشعرت بغضب شديد لم تشعر به من قبل في حياتها.
فرفعت ركبتها وضربته بقوة ما بين ساقيه.
صرخ الشاب من الألم وهو يسقط بركبتيه على الأرض وسط عاصفة من الضحك.
تركها الشاب الآخر الذي كان يكبلها وأسرع يختبئ خلف أصدقائه وهو يضحك بشدة.
ملأت الدموع عيني زينة ونظرت حولها بيأس تبحث عن الوجه الوحيد الذي تعرفه وتأنس إليه.
ورأتها تقف بعيدًا تنظر إليها بغضب وبجوارها وقف خالد يدخن سيجارة وهو يتابع ما يحدث لها متسليًا كالجميع.
كسرت زينة الدائرة المتحلقة حولها واندفعت إلى الدرج تصعده بسرعة وهي تبكي بحرقة من الإهانة والإذلال الذي تعرضت له على أيدي بضعة حمقى.
لحقت بها نبيلة في الغرفة وراحت تعنفها بقسوة:
– ما الذي حدث لكل هذا.. لقد كانوا يمزحون معك.
ثم وصفت تصرفها بالتزمت المبالغ فيه.
فقالت زينة بغضب وهي تبكي:
– يمزحون؟ لقد حاولوا إجباري على الشرب.
ثم أشارت إلى ثوبها المبلل والذي تفوح منه رائحة الخمر وتابعت بمرارة:
– انظري إلى نتيجة المزاح كما تسمينه.. يجب أن نرحل من هنا حالًا.. أنا لن أبقى بصحبة أمثالهم وما كان لنا أن نكون بينهم من الأساس.
صاحت بها نبيلة بغضب:
– ما كان لك أنتِ أن تأتي إلى هنا.. لولا أبي ومعارضته لما فكرت في دعوتك فأنتِ تخجلينني بتصرفاتك المعقدة.
كان غضب زينة قويًا ولأول مرة تتهجم بالقول على أختها:
– تصرفاتي أنا التي تخجلِك!! وماذا عن تصرفاتك أنتِ وتلك الأشياء التي ترتدينها بلا حياء؟.. ومن تدعينهم بأصدقائك هم مجموعة فاسدين وأنتِ مثلهم فاسدة.
ثم أخبرتها بالكلام الذي قالته لها الفتاة ذات الثوب الأحمر وتابعت باحتقار:
– هل هؤلاء هم من تخجلين مني أمامهم؟.. أنا التي يجب أن أخجل من وجودي معهم ولولا خوفي على صحة أبي وما يمكن أن يحدث له لأخبرته بما تفعلينه.
قالت كل ما كان عليها قوله، فما كان من نبيلة إلا أن صفعتها بقوة على وجنتها.
وقفت زينة مصدومة من تجرؤ نبيلة على ضربها.
وبعد خروجها، مسحت دموعها بعنف وبغضب ارتدت سترتها الجينز فوق فستان السهرة وحملت حقيبة ظهرها التي كانت تضع فيها ملابسها على كتفها وقررت أن ترحل من هذا المكان في الحال وأنها لن تنتظر حتى الصباح.
تركت الفيلا عن طريق شرفة الطابق الأول والتي بها سلم يؤدي إلى الشاطئ حتى لا تجعل أحدًا يراها.
الليل والقمر والنجوم.. صوت البحر ورنة كعب حذائها.. هذا كل ما كانت تراه وتسمعه.
بدت الفيلات الأخرى مهجورة لا يسكنها أحد.
كان الغضب هو ما أعطاها الشجاعة لتخرج وحدها في هذا الليل البهيم، ولكن هذه الشجاعة المزعومة تبخرت بعد دقائق وبدأ الخوف والرعب يحلان محلها.
سارت زينة مسافة طويلة يحثها عقلها على العودة وتأبى عليها كرامتها أن تفعل.
خرجت من بوابة القرية السياحية تشيعها عيون حراس الأمن الناعسة، وتمنت لو يستوقفها أحدهم وينصحها بالعودة.
من بعيد تراءى لها الطريق السريع وظهيره الصحراوي الصامت المظلم على بعد مائة متر تقريبًا، فراحت خطواتها تتباطأ حتى توقفت تمامًا ونظرت برعب إلى السيارات التي تعبر بسرعة كالسهام على الأسفلت.
وعاد عقلها للعمل: ما الذي هي بصدد القيام به؟ وتخيلت نفسها واقفة على الطريق تنتظر سيارة لتقلّها.
وفي هذا الوقت من الليل.. ما نوعية السيارات التي ستقف من أجلها؟
وأخذت قرارها بأن تستدير وتعود من حيث أتت.
وفي تلك اللحظة تناهى إلى مسامعها صوت دراجة نارية تزأر من خلفها، فأستدارت ورأتها تقترب منها بسرعة كبيرة وتتجه نحوها مباشرة وكأن قائدها يقصد دهسها.
فتجمدت في مكانها وقد شلت حركتها وأغلقت عينيها بقوة تنتظر لحظة الاصطدام.
صرير مكابح الدراجة كان مرعبًا وعجلاتها تحتك بقوة بالأرض وتتوقف على بعد خطوات منها.
فتحت زينة عينيها على اتساعهما ونظرت بذهول إلى خالد وهو يترجل عن الدراجة ويقترب منها بوجه غاضب:
– هل أنتِ مجنونة؟.. إلى أين تظنين نفسك ذاهبة وفي هذا الوقت من الليل؟
ردت بحدة وقد عاد إليها الغضب الذي شعرت به من إهانة ضيوفه لها في بيته وهو يقف متسليًا بما كان يحدث لها:
– أي مكان هو أفضل لي من البقاء بصحبة أصدقائك السكارى.
هدأ قليلًا وقال بلهجة اعتذار:
– كانوا يقصدون المزاح فقط.. وأنا أعتذر عما بدر منهم وأعدك أن لا أجعل أحدًا يتعرض لكِ مرة أخرى.
ما زالت نظراتها تحمل الشك والحذر بجانب الغضب، فتابع يقول بجدية:
– قلت أعدك.. لن يجرؤ أحد منهم على مضايقتك مرة أخرى.
أطرقت برأسها. لقد ندمت بالفعل على تسرعها في الهرب وكانت تنوي العودة.
رفعت رأسها ونظرت إليه بعيون دامعة وقالت بضعف:
– سوف أعود معك فقط لأنني خائفة من أن أذهب وحدي.
تجهم وجهه وقال:
– أنتِ فتاة غريبة.. أو ربما أنتِ غريبة على محيطي أنا.. لقد نسيت أن هناك في هذا العالم أمثالك.
ثم أردف ساخرًا عندما رأى عدم الفهم في عينيها:
– كنت أظن أن من هن مثلك قد انقرضن منذ زمن.
همت لتسأله عما يقصد بأمثالها وقد أخذتها العزة بالنفس لتظن أنه يقصد تزمتها كما سبق لنبيلة ونعتتها به، ولكنه سبقها بالقول:
– هيا بنا نعود قبل أن يفتقدنا أحد ويظن بنا الظنون.
شهقت وقد احمر وجهها حرجًا، فضحك وقال:
– أنا أمزح لا تقلقي.
ابتسمت بخجل وتبعته حتى دراجته النارية وأمرها:
– اركبي.
تراجعت بحدة إلى الخلف فسألها:
– هل تخافين؟
تلعثمت:
– لا.. ولكن.. لا يصح أن أركب خلفك.
حدق بوجهها المحمر خجلًا للحظة دهشًا، ثم انفجر ضاحكًا، فشعرت بالضيق بسبب سخريته منها.
إن كان يراها متزمتة كما قالت نبيلة فهذا شأنه، ولكنها راضية عن نفسها هكذا ولن تغير من مبادئها كي يرضى عنها المتحررون أمثاله.
حاول أن يسيطر على ضحكه ويبدو جادًا عندما شعر بضيقها:
– المسافة طويلة.
صممت على موقفها قائلة:
– لا شكرًا.. أحب المشي.
لن تجرؤ على الركوب معه أبدًا.. هذه الفكرة مستبعدة تمامًا.
وتخيلت نفسها في إحدى أحلام اليقظة السريعة وهي تركب خلفه وتحيط خصره بذراعيها ووجهها يستريح على ظهره والدراجة تسير بهما بسرعة والريح تطير خصلات شعرها.
إن مجرد التخيل جعل قلبها يقفز بين ضلوعها، فماذا سيحدث فيما لو كان واقعًا؟
لذلك أصرت على موقفها قائلة بعناد عندما رأت وجهه يعبس وكان يهم بمعارضتها:
– سوف أسير على قدمي.
استسلم خالد لإرادتها، وإن بدا متأففًا وهو يدفع دراجته بصعوبة ويسير بجوارها.
وأدركت أن الدراجة ثقيلة جدًا لتدفع هكذا، فأشفقت عليه قليلًا، ولكنها لم تكن لتتراجع.
مرا من خلال البوابة عائدين، وعيون رجال الأمن التي كانت ناعسة غير مبالية منذ دقائق أصبحت الآن متسعة عن آخرها، يتلألأ فيهما مزيج مقزز من الخبث والسخرية.
أحتقن وجهها وكأنها تسمع ما يدور في أذهانهم عنها.
سألها فجأة:
– إذا كانت طريقة حياتنا لا تروق لك.. ما الذي جعلكِ تنضمين إلينا؟
أجابت بصراحة والمرارة في صوتها:
– لقد كذبت نبيلة علي كما كذبت على والدينا.. كنت أعتقد أننا ذاهبتان إلى الإسكندرية لحضور زفاف صديقة لها، ولكني بدلاً من ذلك وجدت نفسي هنا.
– آه.. فهمت.
ثم ترنم قائلًا بسخرية:
– وهكذا وجدت زينة البريئة نفسها داخل وكر الخطيئة.
ثم راح يضحك بصوت مكتوم.
فقالت بتلعثم:
– لم أقصد.. لا أقصد إهانتك أو إهانة ضيوفك.. آسفة.. أنا فقط..
لوى شفتيه وقال وقد رفع كفه يمنعها عن المتابعة:
– لا عليك.. أفهم قصدك جيدًا وفي الحقيقة لا ألومك.. فبرغم أنهم أصدقائي إلا أنني لست بغافل عن عيوبهم والتي هي عيوبي كذلك.
ثم سارا صامتين لفترة، وكانت أثناء السير تحاول أن تضع مسافة بينهما، فكان ينظر إليها من جانب عينيه وبدا متسليًا بحركاتها.
وقالت في نفسها بعدما أصبحت خلفه بخطوتين: (هكذا أفضل).
ولكنه توقف فجأة مما جعلها تصطدم به ثم ترتد بسرعة إلى الخلف متفاجئة وهو يقول:
– لقد تعبت.. لم أعد أقوى على دفع الدراجة أكثر من ذلك.
– اركبي أنت.
– وأنت؟
– كما أنا.
ابتسم لها متملقًا:
– لقد تعبت حقًا.. ألن تشفقي علي؟
ثم أمال رأسه إلى جانب واحد بحركة مداعبة، ففغرت فاها كالحمقاء تحدق في وجهه الوسيم وابتسامته الرائعة ببلاهة.
ولكنها أجبرت نفسها على القول بصوت مبحوح:
– لا.
– لدي اقتراح.. سوف تجلسين خلفي دون أن تلمسيني وتتشبثين بالمقعد جيدًا وسأقود ببطء.. ما رأيك؟
نظرت إليه بثبات وزجرته بنظرة صارمة ثم استأنفت سيرها أمامه بخيلاء وهي تتساءل بحيرة: هل حقًا يقوم بإغرائها أم أنها تتخيل؟
قال متوسلًا:
– أرجوكِ.
ألتفتت إليه بحدة ورأت عيناه غارقتين في الضحك، فعقدت حاجبيها وزمت شفتيها.
أشار هو إلى الدراجة وتابع:
– جربي.
نظرت إلى كرسي الدراجة النارية. كان كبيرًا وفكرت أنها تستطيع الجلوس خلفه دون ملامسته.
وبعد تردد هزت رأسها موافقة، فهي أيضًا قد تعبت وقدميها تؤلمانها بسبب الكعب العالي الذي لم يتسن لها الوقت لاستبداله.
جلست زينة من جانب واحد بعيدًا عنه قدر استطاعتها وتشبثت بالمقعد بقوة وحقيبتها معلقة على ظهرها.
إنها المرة الأولى التي تركب فيها دراجة نارية.
سألها:
– جاهزة؟
تنهدت وقالت:
– جاهزة.
انطلق ببطء فشعرت بالراحة وبدأ توترها يزول ومخاوفها تتبدد.
ولكن بعد بضعة أمتار زاد من سرعته بغتة، جعلتها تصرخ وتنزلق تجاهه وتتشبث بخصره بقوة مخافة أن تقع.
جلجل صوته ضاحكًا وتردد صداه في ظلام الليل، فصرخت به غاضبة وتجاهل مطالبتها له بأن يتوقف.
وصلا إلى الفيلا بسرعة، وذهب غضبها مقابل دهشتها عندما وجدت نبيلة تنتظرهما أمام باب الفيلا وتسرع إليها تعانقها وهي تبكي وتعتذر لها لما بدر منها وتخبرها:
– زينة حبيبتي.. كم قلقت عليكِ عندما ذهبت إلى الغرفة لأعتذر لكِ ولم أجدك.. كدت أموت من شدة خوفي لما قد يحدث لك.
شعرت زينة بالأسف لما سببته لها من قلق وقالت بأسف:
– آسفة.. أنا بخير.
ثم التفتت إلى خالد وقالت بخجل:
– لقد وجدني.
ابتسم لها وقال:
– من دواعي سروري.
ابتسمت زينة ومن ثم أطرقت برأسها.
فقالت نبيلة بمرح:
– هيا بنا إلى الداخل.
سأل خالد زينة:
– هل ستنضمين إلينا؟
لم يكن هذا واردًا على الإطلاق، فقالت:
– شكرًا لك.. أنا متعبة ومعتادة على النوم باكرًا.
لم يجادلها أي منهما.
صعدت زينة إلى الغرفة عن طريق الشرفة، رافضة أن تمر عبر الصالة لمواجهة المزيد من أصدقاء نبيلة.
رواية ملاك يغوي الشيطان الفصل الثالث 3 - بقلم مايسة ريان
أستيقظت زينة فى الصباح الباكر وكانت نبيلة نائمة فى الفراش المجاور لها فشعرت بالأرتياح لرؤيتها هناك .
ذهبت الى الحمام للأغتسال وكانت قد بدلت ملابس النوم عندما رن هاتفها النقال فأخرجته بسرعة من حقيبتها متوقعة أن يكون والدها وكانت على حق وقد غلفها شعورا من الذنب لما ستضطر اليه من كذب
– صباح الخير بابا .
– صباح الخير حبيبتي .. كيف هو حالكما ؟
– بخير .. أستيقظت لتوي .
– ونبيلة ؟ .. مازالت نائمة بالطبع .
ألقت زينة نظرة على نبيلة التى تنام كالميتة رغم نور الصباح الذي كان يملأ الغرفة وقالت بخفة
– آه .. أنت تعرفها الأستيقاظ باكرا ليسمن شيمها .
سمعت تنهيدته الحارة قبل أن يقول
– نعم معك حق .. أخبريني .. كيف كان الزفاف ؟
أخبرته كاذبة أن الزفاف كان رائعا والعروس كانت جميلة وسعيدة , عقب والدها قائلا
– عقبالك يا حبيبتى أنت وأختك .. وأفرح بكما عن قريب ان شاء الله .
أنتهت المخابرة بعد أن وعدته بعدم التأخر فى العودة ثم جلست على حافة الفراش تحدق بحزن فى الهاتف ومن ثم الى نبيلة وتمتمت
– ربنا يهديك .
نزلت زينة الى الشاطئ والذي كان مهجورا في مثل هذه الساعات المبكرة من الصباح .. خلعت حذائها وسارت حافية فوق الرمال تداعب حبيباتها الصغيرة الناعمة بأصابع قدميها العارية والرائحة المميزة لهواء البحر المالح يدخل كالمسكرات داخل أنفها , مدت بصرها الى نهاية البحر حيث تتلاقى السماء اللبنية مع المياه الفيروزية وتمنت فى تلك اللحظة لو ترى ما يوجد فى الناحية الأخرى من العالم .. ولم تكن تعرف فى هذه اللحظات أن القدر سيحقق لها هذه الامنيه بأسرع مما تتوقع .
***
كادت نبيلة ان تطير من شدة الفرح وهى توضب ملابسها فى الحقيبة فسألتها زينة وكانت قد تغاضت عما حدث منها فى حقها بالأمس خاصة عندما رأت ما كانت تعانية من قلق عليها
– تبدين سعيدة جدا !!
أبتسمت لها نبيلة وتقريبا ضحكت وهي تقول
– هل تعرفين من عرض أن يوصلنا بنفسه الى القاهرة ؟
ولم تنتظر لتجيبها وتابعت
– خالد .
عبست زينة وقالت
– ولماذا ؟ دعينا نسافر وحدنا كما جئنا .
توقفت نبيلة عما كانت تفعله وقد أختفت ابتسامتها ونظرت اليها بغضب
– أسمعي .. يكفى أننى تحملت الفضيحة التى قمت بها بالأمس وخاصة عندما هربت كالغبية وقد أرعبنى من أن يطردنى خالد بسببك .. فقد كان قلقا من أن يحدث لك شئ وتتسببين له بمصيبة .
أغتم وجه زينة .. اذن هب لم تكن قلقة من أجلها وانما قلقة من أن يطردها صديقها من حفلته , وتابعت نبيلة وقد عاد اليها حماسها
– لم أصدق نفسى عندما عرض علي توصيلي .
سألتها بحنق
– وماذا عن صديقته ؟
ضحكت نبيله بأستهزاء
– صديقته ؟.. وهل لخالد صديقة معينه ؟ .. أنه يغيرهم كما يغير قمصانه .
كانت تدرك بأنه ليس بشخص مثالى ولكن سماعها لنبيلة تقر بتلك الحقيقة وهى غير مبالية لما قد يحدث لها معه جعل القلق عليها يتفاقم بداخلها .
بعد الظهر كان كل المدعوين اللذين قضوا ليلتهم فى الفيلا يستقلون سياراتهم أستعدادا للمغادرة ووقفت زينة مع نبيلة بجوار سيارة خالد الفارهة , كانت نبيلة تشعر بالخيلاء ورأتها تنظر بتشفى الى تلك الفتاة التى كانت ترتدى الثوب الأحمر بالأمس والتى بادلتها نظراتها بنظرة نارية قبل أن تستقل احدى السيارات وكان وجهها شاحبا بشدة كما لو كانت مريضة , مرت فكرة ببال زينة جعل بدنها يقشعر أشمئزازا .. ان كانت هذه الفتاة هى حبيبة خالد ومن المفترض أنها تحبه وتغار عليه من أختها .. فمن يكون ذلك الشاب الذى كانت تقبله على الشاطئ فى الظلام بالأمس !!
– هل أنتما جاهزتان ؟
على الفور تعلقت نبيلة بذراع خالد بدلال وقالت
– بالطبع جاهزتان .
وأطلقت ضحكة مرحة لا لزوم لها وهي تنظر بأتجاه السيارة التي استقلتها الفتاة الأخرى
– كيف حالك اليوم ؟
أنتبهت زينة انه كان يتحدث اليها مبتسما لها فردت بأقتضاب
– بخير .. شكرا لك .
أستحوذت نبيلة طوال الطريق على الحديث كله مع خالد ورغم ذلك لم يكف عن رمق زينة بنظراته طوال الوقت من خلال مرآة السيارة الأمامية مما جعلها تشعر بالحرج وعدم الراحة فأختبأت خلف نظاراتها الشمسية متظاهرة بعدم ملاحظتها له .
توقفوا أثناء الطريق عند احدى محطات البنزين وهناك أخرج خالد رزمة من النقود أعطاها الى نبيلة وطلب منها أن تشترى طعاما ومشروبات ليتسلوا بها أثناء الطريق , أخذت نبيلة منه المال دون تردد وخرجت من السيارة .
بعد أن أنتهى خالد من من دفع حسلب البنزين لعامل المحطة أستدار الى زينة وأبتسم قائلا
– لم أسمع صوتك منذ أن غادرنا .. هل أنت متعبة أم مازلت غاضبة ؟
قالت وهى تتمنى لوكانت ذهبت مع نبيله بدلا من البقاء معه بمفردها فى السيارة
– لا هذا ولا ذاك .. أنا فى الواقع بخير .
هز رأسه وقال بجدية
– أخبرتنى ناني عن الكلام الحقير الذى قالته لك نجلا بالأمس عنى فأرجو ألا تكوني قد صدقتها ؟
تململت زينة فى مجلسها .. كانت لا اعرف بماذا أخبرته مبيلة بالضبط وقالت
– لا يحق لى الحكم على شخص لا أعرفه جيدا من خلال الأقاويل .
ثم أطرقت برأسها تنظر الى أصابع يديها فى حجرها لتتجنب النظر اليه وهي تدعو أن تعود نبيله سريعا , قال بقسوة أجفلتها بعد صمت قصير
– عموما .. لقد أخذت عقابها بالطريقة التى تستحقها .
رفعت رأسها اليه مجفلة من نبرة صوته .. ورأت وجهه وقد تحول بالكامل الى قسوة عنيفة أرعبتها وللعجب لم تعد ترى أى جمال فى ملامح وجهه وعندما لاحظ اجفالها أبتسم بسرعه لتلين ملامحه وكأن الوجه الآخر لم يكن له وقبل أن يتابع رن جرس هاتفه فعبس وهو ينظر الى رقم المتصل ثم رد وهو ينظر الى زينة نظرة أعتذار
– آسف .. أنه العمل .
تحدث بالأنجليزية الى أمرأة تدعى فريدريكا وفهمت من مكالمته أنه يدير عملا له علاقة بالسياحة والرحلات البحرية وبعد أن أنهى أتصاله سألته بفضول
– هل تعمل فى مجال السياحة ؟
أبتسم وقد تهللت أساريره وكأنه قد أسعده أنها صارت تتحدث اليه براحه وأجاب
– تستطيعين قول هذا .. عمل من ضمن أعمال آخرى .
قالت بحماس
– كنت أحلم دائما بالسفر وتمنيت لو عملت كمضيفة طيران حتى يتسنى لي الطواف حول العالم .
أبتسم وقد تألقت عيناه بنظرة طامعة
– عندما نتزوج .. أعدك برحلة معي حول العالم .
شعرت زينة بالصدمة ولكن لم يتسنى لها الوقت للتعليق فقد عادت نبيلة تحمل مشترياتها وأكملوا الرحلة كما بدأوها .. نبيله تتحدث وخالد يستمع اليها وزينة صامتة ولكن هذه المرة كان صمتها ملئ بالحيرة والتساؤلات .. هل كان جادا فيما قاله أم أنه كان يمزح ؟
*****
ما حدث فى الأيام التالية أثبت لزينة أنه لم يكن يمزح أبدا فقد تعرضت الى مطاردة شرسة من قبله ..
حصل على رقم هاتفها بطريقة ما ولكن ليس عن طريق نبيلة بالتأكيد فما كانت ستتركها فى حالها خاصة وأنها مهتمة به ..
وفى أول مرة أجابت على أتصاله لم تكن تعلم أن الرقم له وعندما سمعت صوته ألتهبت مشاعرها وتباينت ما بين الفرح والخوف وصوته الأجش المثير يكاد يسحرها ويخرجها عن أتزانها
– لقد أفتقدتك يا زينة .. فهل أفتقدتني ولو قليلا ؟
عجزت عن الرد من المفاجأة فتابع
– أعلم أنني فاجأتك بأتصالي .. ولكنني أردت أن أسمع صوتك وأطمع بأن تسمحي لي برؤيتك .
قالت بصوت مهزوز
– لا .. أعني آسفة أنا لا أستطيع رؤيتك و.. ومع السلامة .
وأنهت المكالمة بقلب خافق .. أعاد الأتصال بها ولكنها رفضت الرد عليه فأنهمرت عليها رسائل الواتس آب وبعد قراءتها لأول رسالتين رفضت أن بقية الرسائل فقد كان تأثير كلماته على مشاعرها يوازى تأثير صوته وأكثر فخافت أن تضعف فأنطباعها عنه من طريقة حياته التى رأتها دليلا على أنه ليس شخصا جادا ولا يجب أن تأتمنه الفتاة على نفسها ولم تجرؤ على اخبار نبيلة بأتصالاته تلك فسوف تجعل من حياتها جحيما ان هي عرفت أنه مهتم بها الى حد أن يلح عليها بأتصالاته ورسائله .
تجاهلها لمكالماته ورسائلة جعله يظهر بنفسه …
وكان ذلك فى نهاية أحد أيام العمل المرهقة جدا وقد مر اليوم عليها بطيئا وعندما جاءت ساعة الأنصراف لم تصدق أن الشيفت أخيرا قد أنتهى وأنها قادرة على المغادرة .. بدلت ملابسها بسرعة وقابلت نبيلة أثناء خروجها من غرفة تبديل الملابس فطلبت منها أن تنتظرها ليعودا الى البيت معا فقالت لها
– سأنتظرك بالخارج .
وما كادت أن تخرج من الباب الخلفي للفندق المخصص للعاملين حتى سمعت صوته قريبا منها
– مساء الخير .
صوته العميق الأجش صوت لا يمكن أن تنساه فقد كانت تحلم به فى يقظتها ومنامها .
كان ينتظرها .. أنيق وجميل وجذاب وقد لفت نظر كل أمرأة مرت به وأجبر خطواتهم لأن تتمهل لتطيل النظر اليه ولكنه كان ينظر اليها وحدها مما أشعرها بأهميتها وغذى غرورها وتساءلت .. كيف عرف بموعد أنتهاء مناوبتها ؟!!
– كيف حالك يا زينة ؟
– أنا بخير .
– هل أستطيع أن أدعوك الى مكان ما لنتكلم ؟
أكتفت بالتحديق فيه مما دفعه ليطلق ضحكة غنى لها قلبها طربا ثم قال
– متى ستتخلين عن خجلك هذا معي ؟
خرجت نبيلة فى تلك اللحظة لتحول دون ردها عليه وفكرت زينة .. أنها دائما تأتي فى وقتها , صاحت بفرحة
– خالد .
تغيرت أبتسامته نوعا ما ولكن نبيلة لم تلاحظ ذلك ووقفت متعلقة بذراعه مما جعل وجه زينة يحمر خجلا , قالت نبيلة
– ما هذه المفاجأة الحلوة .. ماذا أتى بك الى هنا ؟
نظرت اليه زينة بأهتمام لتسمع رده
– كنت قريبا من هنا فقلت أمر عليكما وأدعوكما الى العشاء .
ونظر مباشرة الى عيني زينة التى أتسعت عيناها رهبة , أدارت نبيلة ظهرها لزينة وتعلقت أكثر بذراع خالد
– ليس لدي أي مانع .
لم تفارق عيناه زينة وسألها
– وأنت يا زينة ؟
ألتفتت اليها نبيلة بحدة ونظرت اليها نظرة معناها ( لا تقبلي ) أمتقع وجه زينة وردت
– شكرا لك .. أبي لن يعجبه هذا .
نظر الى نبيلة رافعا أحد حاجبيه ساخرا وسألها
– وأنت ؟
ضحكت بأستهتار
– لا داعي لأن يعرف .
ثم قالت لزينة
– أخبريهم فى البيت أنني سأتأخر فى العمل اليوم .
عبست زينة بشدة وقالت وقد شعرت ببعض التمرد
– أتصلي أنت بهما وقولي ما تشائين .. أنا لن أكذب بدلا منك .
أمسكتها نبيلة من ذراعها وتنحت بها جانبا
– هل تقصدين أحراجي أمامه ؟ أفعلي كما قلت لك ..لن يصدقني أبي ان لم تدعميني أمامه .
قالت بعناد
– لا .. لن أتستر عليك بعد اليوم .. أكذبي كما تشائين أما أنا فلا .
تفاجأت نبيلة من تمردها الذي لم تعتاد عليه ورمقتها بنظرات نارية غاضبة قبل أن تستدير الى خالد وتقول له
– آسفة .. تذكرت أن لدينا ضيوف على العشاء اليوم .. ربما فى يوم آخر .
هز رأسه بأدب
– نعم .. ربما فى يوم آخر .
وقبل أن يذهب هز رأسه لزينة والتسلية فى عينيه .
لم تنسى لها نبيلة هذا الموقف وعملت على جعل أيامها التالية جحيما خاصة وأن خالد لم يعاود الظهور مرة أخرى فكانت تغضب وتصيح بها بسبب ومن دون سبب وعلى أشياء تافهة فقد خرجت مرة من حجرتها غاضبة وبيدها علبة الكريم المرطب الخاص بها وصاحت بزينة
– قلت لك مائة مرة أن لا تستعملي أشيائي .. لقد خلصت الكريم .. هل تعلمين كم ثمنه ؟
أنكرت زينة التهمة
– أنا لم أستخدمه أبدا منذ آخر مرة طلبت مني ألا أفعل .
– كاذبة .. كانت العبوة ممتلئة وأنظري كيف أصبحت .
وألقت العبوة فى وجهها وعادت الى غرفتها تاركة زينة على وشك ابكاء .
وبعدها بيومين تطور الأمر بينهما الى شجار كانت فيه نبيلة الأقوى كالعادة وهذه المرة أتهمتها أنها وضعت بلوزتها البيضاء مع قميصها الأحمر فبهت عليه وزينة أقسمت باكية لأمها التى جاءت من المطبخ مهرولة على صوت شجارهما
– أقسم لك بالله أنني لم ألمس بلوزتها .
سبتها نبيلة بلفظ قبيح صدمها ودفع أمها الى نهرها وتعنيفها بشدة فأتهمتها نبيلة قائلة
– أنت تتعمدين تمثيل دور البريئة الطيبة وتقلبين أبي وأمي علي أيتها الخبيثة .
صاحت زينة ودموع القهر تملأ عينيها
– هذا ليس صحيحا وكل شجار أنت من تبدأي به وليس أنا .
لكزتها نبيلة بسبابتها فى صدرها
– وهذا دليلا على لؤمك .. تقومين بأستفزازي ومضايقتي بحركاتك الخبيثة مدعية البراءة وأنا من غبائي أسهل لك الأمور فأظهر أمام والداي المخطئة فيعنفوني من أجلك .
تدخلت أمها للمرة الثانية تدفع مبيلة بعيدا عنها
– سيعود والدكما فى أي لحظة الأن وان سمع صوتكما العالي فى الشارع لن يرحم أي منكما .
قالت نبيلة ناظرة الى أمها بمرارة
– تقصدين لن يرحمني أنا .. فأنا دائما المخطئة .
رقت ملامح أمها وأبتئس وجهها وقالت
– والدك يحبك ولكنه قلق عليك ..
قاطعتها نبيلة صائحة بالبكاء
– أنت تدافعين عنه و ..
هزت زينة رأسها بأسف وتركتهما ودخلت الى غرفتها وأغلقت الباب خلفها فنبيلة فى طريقها الى اعادة تمثيل الدور الذي تلجأ الى القيام به دائما كلما أصبحت فى مأزق وتنجح فى أستمالة قلب أمها بدموعها
****
عاد خالد للظهور من جديد وكان ذلك بعد أسبوع من النكد المتواصل من قبل نبيلة
رأته زينة يقف بجوار سيارته أمام الباب الخلفي للفندق بأنتظارهما كما في المرة السابقة وهذه المرة لم تدع نبيلة الفرصة تطير من يدها وتجاهلت زينة وأسرعت تصعد الى السيارة , أقترب خالد من زينة متجاهلا نبيلة وهو يتمعن النظر فى وجهها وكأنه مغرم مشتاق .. أحمر وجهها كالعادة خجلا وهو يقول بصوته المثير والغير عادي
– زينة .. لقد أفتقدتك بشدة .
خفق قلبها وأكتشفت فى لحظة أنها مثله .. قد أشتاقت اليه .. لمعت عيناه وقد لاحظ تأثرها
– كنت مسافرا فى عمل ولقد عدت اليوم فقط ولم أطيق صبرا حتى أراك .
قالت بقلب خافق
– حمدا لله على سلامتك .
سألها بأمل
– هل ستسمحين لي بتوصيلك أو قد أطمع فى أن تقبلي الخروج معي ؟
نظرت زينة بسرعة الى نبيلة التى تجلس فى السيارة تنظر اليهما بغضب وشك وكانت عاجزة عن سماعهم من تلك المسافة فقالت وبداخلها شئ من الأحباط
– لا .. شكرا لك .. لا أستطيع .
أبتسم بحزن ولكنه لم يصر
– على راحتك .. ولكن أريدك أن تعلمي أنني مهتم بك حقا وبصورة جدية .
أصبحت فى قمة الخجل والسعادة معا وقد توهج وجهها بلون جميل رقت له نظراته أكثر, أطلقت نبيلة بوق السيارة بنفاذ صبر وعلقت يدها عليه بطريقة مزعجة جعلت زينة تجفل وأشتد وجه خالد واختفت أبتسامته وأستدار ببطئ رهيب لينظر الى نبيلة .
لم ترى زينة وجهه ولكنها رأت وجه نبيلة يشحب ويدها تتجمد على عجلة القيادة وعيناها تتسعان بنظرة رعب وبسرعة سحبت يدها ووضعتها فى حجرها وأطرقت برأسها لأسفل .. حدث كل ذلك فى ثوان ولكنه جعل زينة تشعر بالذهول وبالقلق وعندما عاد خالد ينظر اليها كان مسيطرا وهادئا ولكن شفتاه كانتا متوترتان , لاحظ قلقها ونظرتها المسلطة بحيرة على نبيلة فقال بأبتسامة كانت غريبة ..
أنها لا تفهم ما يحدث معه .. أنها ليست المرة الأولى التى ترى فيها مزاجه يتغير بتلك الطريقة التى تثير الخوف فى نفسها حتى ولو لم تكن هي المقصودة بذلك
سألها
– ماذا كنا نقول ؟
قالت بتوتر وهي تشعر فجأة برغبة شديدة في الهروب منه
– أرجوك يجب أن أذهب فلا يصح أن نقف هكذا أمام مقر عملي فهذا يسئ الى سمعتي .
ثم أنصرفت بسرعة من أمامه ولم يحاول أن يوقفها ولم تتمهل هي لتلقي نظرة أخرى على أختها .
وعندما عادت الى البيت سألتها أمها عن نبيلة فقالت بقنوط لم تستطع أخفاءه
– لا اعلم .
عبست أمها بشدة وقالت بنبرة قلقة
– والدك يصلي الأن وسوف يسأل عنها عندما ينتهي .. هل خرجتما معا ؟
زفرت زينة وأضطرت أن تقول كاذبة بعد أن رأت وجه أمها يشحب من القلق
– لا .. لقد تغيب زميل لها فى العمل فطلب منها المدير أن تبقى لسد العجز .
أرتاح وجه أمها وأختفى القلق منه فشعرت زينة بالشفقة عليها فهي تظن أحيانا أن أمها تعلم كل شئ عن سلوك أبنتها وليست جاهلة كما تبدي ولكنها تحاول أن تحميها وتغطي على أفعالها حتى لا يغضب والدها عليها .. أرادت زينة عدة مرات أن تحذرها ولكنها تتراجع دائما لأنها تعتقد أنها لا تريد حقا أن تعلم .
وعندما عادت نبيلة الى البيت بدت فى حالة غريبة .. شاحبة وشاردة وشيئا آخر كانت تراه زينة فى عينيها وهي تنظر اليها وكأنها…
تكرهها ..
وفي اليوم التالي وبعد خروجهما من البيت قاصدتان العمل فاجأتها نبيلة بالقول
– لن أذهب الى العمل اليوم .. قدمي لي على اجازة عارضة .
– وماذا أقول فيها ؟
قالت متجنبة النظر الى وجهها
– أي شئ .. قولي أبي مريض .
ثم تركتها وأسرعت الخطى ووقفت زينة فى منتصف الشارع تشيعها بنظرها بحيرة .. تتساءل .. ما الذي يحدث معها ؟!!!!
وبعد يوم عمل كان أطول يوم عمل مر عليها فى حياتها عادت زينة الى البيت وفوجأت بنبيلة قد عادت الى البيت لم يتثنى لها رؤيتها فقد نادى والدها عليها فور دخولها الى المنزل وطلب أن يتحدث اليها فتبعته الى حجرة الجلوس وما أستطاعت زينة فهمه أخيرا من حديثه المطول والذى تخلله بعض من خجل الأباء الطبيعى فى تلك الحالات هو أن شابا قد تقدم لخطبتها وعندما ذكر أسم خالد لم تصدق نفسها وسألها عن رأيها ولكنها أمتنعت عن أعطاءه جوابا شافيا قائلة
– أريد أن أفكر فى الأمر أولا .
قال والدها برزانة
– أنت تعرفينه أليس كذلك ؟
أحمر وجهها قليلا وأجابت
– نعم .. تقابلنا فى الزفاف الذي حضرناه بالأسكندرية .
كانت كارهة لكذبها عليه ولكن نصف الحقيقة أفضل من لا شئ , هز رأسه متفهما وقال
– هذا ما أخبرني به أيضا .
زاد وجهها أحمرارا من الخزي فهو كذب أيضا لأجلها
سألته
– وهل جاء الى هنا ؟
– نعم .. أحضرته نبيلة بعد ظهر اليوم .
ذهلت زينة .. هل كانت تعرف بنيته أم أنه فاجأها هي أيضا ؟
أستأذنت زينة من والدها لتعود الى غرفتها .. قابلت أمها وهى خارجة منها ونظرت اليها بأبتسامة شاحبة مفتعلة وضمتها اليها ضمة سريعة ولكن حنونة وهي تتمتم
– مبارك لك يا حبيبتى .
هناك شئ جعل أمها عاجزة عن النظر الى وجهها وهي تبارك لها وعرفت السبب عندما وجدت نبيلة متكورة فوق فراشها تغطى جسدها حتى رأسها فأدركت زينة أنها حزينة وأن خبر خطبة خالد لها صدمها وأحزنها .. رؤيتها لأختها بهذا الشكل جعلها تتخذ قرارها .. لن تقبل بالزواج من رجل تريده أختها .
رواية ملاك يغوي الشيطان الفصل الرابع 4 - بقلم مايسة ريان
لم تذهب نبيلة إلى العمل في اليوم التالي وظلت في المنزل بحجة المرض، وكان شحوب وجهها وذبول عينيها يدعمانها.
أبلغت زينة والدها بقرارها النهائي قبل خروجها، وتركَت له مهمة إبلاغ خالد به. فابتسم لها والدها بحزن، فهو تقريباً يفهم سبب رفضها، وقد قال:
"لا تلقي بالاً لأختك، فأنت تعرفينها جيداً... وهي ما زالت شابة وجميلة وسيأتيها نصيبها قريباً بإذن الله، وستفهم أن خطبتك قبلها لا تعني أنها بارت ولن تجد من يريدها."
ابتسمت بأسى، فقد كانت مخطئة، فهو لا يفهم الأمر على حقيقته، وأن نبيلة تريد نفس الرجل الذي يريدها. فقالت:
"ليس هذا هو السبب يا أبي... فأنا لست مقتنعة به، كما أنه غريب عني."
قال:
"أفهمك تماماً... لذلك أنصحك بأن تأخذي وقتك في التفكير قبل أن تقرري."
قالت بإصرار:
"لقد قررت بالفعل... أنا لن أرتبط به."
***
للمرة الثالثة تنقذها سمر وتقوم بتعديل الحجوزات التي سجلتها زينة بطريقة خاطئة. وقالت وهي تقوم بالتعديل على جهاز الكمبيوتر:
"ماذا بك؟"
"أشعر ببعض التعب اليوم... آسفة."
نظرت إليها سمر عابسة:
"لماذا أشعر بأن لنبيلة دخلاً في تعبك هذا، خاصة وأنها متغيبة عن العمل لليوم التالي على التوالي؟"
نفت زينة الأمر بسرعة:
"لا... لا دخل لنبيلة في الأمر... إنه أمر شخصي."
ربتت سمر على ذراعها وقالت:
"إذا أردتِ الحديث، فكلي آذان صاغية."
ابتسمت لها زينة بامتنان. فتابعت سمر:
"والآن ركزي في العمل، فالمدير يراقب من بعيد."
في منتصف نهار العمل، فوجئت زينة بخالد يقف أمامها في قاعة الاستقبال، وكان ينظر إليها بتجهم. كان كاملاً كعادته وجعل قلبها ينتفض داخل صدرها، واحتارت فيما يجب أن تقوله له. ولكنه لم يمهلها الوقت لتقول شيئاً، وقال:
"سأنتظرك بالخارج بعد أن تنتهي من عملك اليوم، وقبل أن تعترضي... لقد طلبت الإذن من والدك ووافق."
كانت زميلتها سمر شبه منومة مغناطيسياً وهي تتبعه بعينيها وهو ينصرف بعد أن أنهى كلماته. وسألتها:
"من هذا ال... ال... ما اسم إله الجمال عند الإغريق؟"
من داخلها شعرت زينة بالفخر لأن هذا الشاب الرائع يريدها، ولكن للأسف هي على وشك قول لا له. أغتم وجهها بعد هذه الفكرة، وقالت رداً على سمر:
"أبولو... إله الشمس، الموسيقى والشعر... وليس الجمال."
قالت سمر مبتسمة وهي تتأمل وجه زينة الحالم:
"وماذا يريد منك هذا الأبولو على أية حال؟"
أنقذها من الرد وصول زوجين من الألمان للاستفسار عن شيء لم تستمع إليه زينة وهي شاردة تفكر في لقائها القادم معه.
***
قالَت له سبب رفضها، فما كان منه إلا أن ضحك. فسألته بحزن عن سبب ضحكه، وكانا جالسين في كافيه قريب من الفندق، فقال:
"أنت تفترضين أشياء غير صحيحة."
"غير صحيحة؟... أنت لم ترَ كيف هي حالتها."
"من دون أن أرى... هل سألتها؟"
"لا... ولكن..."
قاطعها بثقة:
"اسأليها."
كان موقفها صعباً، ولا تريد أن تكون ناكرة لجميل والديها وأن تتعس قلبيهما على ابنتهما الوحيدة.
سألها:
"هل هذا فقط سبب رفضك لي؟"
هزت رأسها إيجاباً بخجل.
تنهد براحة وقال:
"إذن بعد أن تتأكدي من نبيلة، سأحصل على موافقتك، أليس كذلك؟"
هزت رأسها مرة أخرى وابتسمت. ولكنها في الحقيقة كانت قلقة من مواجهة أختها.
عندما عادت زينة إلى البيت، استجمعت شجاعتها وفاتحت نبيلة في الأمر. ولدهشتها، ضحكت نبيلة. رد فعل لم تكن تتوقعه. واتهمتها بالحمق:
"أنتِ حمقاء... لو كنت مكانك لما فكرت حتى أن أسألك. شاب مثل خالد لا يقال له لا."
ارتبكت زينة وسألتها بحيرة:
"أنتِ لا تحبينه إذن؟"
هزت نبيلة كتفيها باستخفاف وقالت بتكبر:
"لا أنكر أنني كنت أتمناه لنفسي، غني ووسيم... لكنني أستطيع اصطياد الأفضل منه، فلا تقلقي علي."
***
ساء والدها أن خالد عندما جاء لخطبتها، جاء وحده من دون والديه. وعندما جلس معه ليتفقا على أمور الزواج وقراءة الفاتحة، جاء وحيداً مرة أخرى وتسبب هذا بالحرج لها ولوالدها. فتحدث مع زينة قائلاً بضيق بعد ذهابه:
"اسمعيني يا ابنتي... يبدو شاباً جاداً فيما يخصك، ولكني لن أسلمك لرجل لا أعرف شيئاً عن عائلته، فأنتِ أمانة لدي."
وافقته زينة الرأي ووعدته قائلة:
"سأتحدث إلى خالد وأنقل له وجهة نظرك."
كانت ما تزال تشعر بالخجل من خالد، والأحاديث بينهما معظمها من جانب واحد، جانبه هو. لذلك فكرة أن تتصل به لمناقشته في أمر كهذا ليست سهلة، فهي لم تعتد عليه بعد. استجمعت شجاعتها وبعد تردد اتصلت به. أجاب على اتصالها من الرنة الثانية وسمعت صوته سعيداً بمكالمتها، وقال:
"إنها المرة الأولى التي تتصلين فيها بي."
احمر وجهها. سألها مازحاً عندما طال صمتها:
"هل هناك سبب معين لاتصالك أم أنك اشتقتِ إلي فقط؟"
ازداد حرجها فقالت بتلعثم:
"اشتقت إليك."
كتمت بعدها أنفاسها واستمعت إلى صوت زفرة ارتياح، قال بعدها:
"أنتِ لا تعرفين كم أشتاق لسماع كلمات كهذه منك... أنا أيضاً قد اشتقت إليك لدرجة لا تعلمينها حبيبتي، وقد مرت ساعة واحدة فقط على رؤيتي لك... ولا أطيق صبراً حتى يأتي يوم زواجنا."
ابتلعت ريقها وهي تحاول تهدئة دقات قلبها. ضحك قائلاً بنعومة:
"ماذا حدث... هل عاودك الخجل من جديد؟ أستطيع أن أتصور وجهك الآن ووجنتيك ملتهبتين... حبيبتي الخجولة البريئة."
إنها المرة الثانية التي يدعوها بحبيبتي، فشع وجهها بالسعادة، وكانت داخل عالمها الرومانسي الحالم. فلم ترَ نبيلة وهي تقف عند الباب ونظراتها المسمومة بالحقد مسلطة عليها. لقد ظلت طوال فترة زيارة خالد تجلس على مقعدها متيبسة، ترسم ابتسامة غريبة على شفتيها.
أنهت زينة مكالمتها مع خالد ولم تتطرق فيها لموضوع عائلته، ولكنها طلبت أن تراه، فوعدها بأن يكون عندها غداً بعد أن تنتهي من عملها.
***
كان يمسك بباقة ورد كبيرة، وردات حمراء قانية تخطف الأنفاس بجمالها. أسرعت زينة الخطى إليه، وخطفتها تقريباً من يده وهي سعيدة بها لدرجة جعلتها لا تكف عن الثرثرة وشكره وهي تعرب عن مدى حبها لتلك الوردات. فقال ضاحكاً:
"لو كان لدي علم أن الزهور من ستدفعك لفك عقدة لسانك، لأتيت لك بدزينة منها كل يوم."
ضحكت زينة بمرح ونسيت خجلها منه تماماً، وصعدت إلى سيارته وهي تحتضن الباقة إلى صدرها:
"إنها جميلة... شكراً لك."
نظر إليها برقة:
"وأنتِ تماثلينها جمالاً... بل أجمل منها بكثير."
ابتسمت بسعادة. هل هي جميلة حقاً كما يقول؟ ثم راحت تفكر بكل الفتيات الجميلات المتألقات اللاتي كن في حفلته وقارنت نفسها بهن، وكانت النتيجة مؤسفة لها. تجهم وجهها ولأول مرة تتساءل... لماذا هي؟... ما الذي يميزها ويثيره فيها؟ فهي ترى نفسها عادية مقارنة بهن... ملابسها عادية ومتواضعة... تصفيفة شعرها مملة... وجهها لطيف ولكن ليس رائع الجمال.
سألها بعد أن جلسا في كافيه ملحق بأحد الفنادق الكبرى:
"لما أنتِ متوترة... هل هناك ما يضايقك؟"
تلفتت حولها ثم قالت وهي ما زالت متأثرة بأفكارها السابقة عن عدم ملائمتها له:
"لو كنت أعرف أنك ستأخذني إلى مكان مثل هذا، لارتديت شيئاً لائقاً أكثر."
فقد كانت ترتدي جينز عادياً وقميص أزرق شاحب. كانت تعتقد أنهما أفضل ما لديها، ولكنهما ليسا الأفضل لمثل هذا المكان الباهظ والذي لا يرتاده سوى الأثرياء.
قال بترفع ولامبالاة وهو ينظر حوله:
"لا تهتمي... أنتِ رائعة مهما كان ما ترتدينه، فلا تغرك المظاهر، جميعهم نفوسهم أقل قيمة مما يرتدون."
دهشت من قوله ولم تفهم سبب مرارته، وتأملت ملابسه التي قد تبدو عادية، ولكنها بالتأكيد باهظة الثمن وتحمل علامة ماركة عالمية.
وكأنما شعر بما يدور بخلدها، فمال إلى الأمام وأمسك بيدها ونظر إلى عينيها التي حاولت أن تتهرب بهما من عينيه:
"انظري إلي... ستصبحين قريباً زوجتي."
قالها بفخر ثم تابع:
"ويجب على زوجتي أن تشعر بقيمتها الحقيقية."
سألته:
"قيمتي كزوجة لك؟"
"ليس فقط كزوجة لي... بل لأنكِ أفضل من معظم النساء في هذا العالم... وصدقيني، لقد رأيت منهن الكثير وأستطيع أن أحكم جيداً."
دمعت عيناها تأثراً من مديحه لها بتلك الطريقة الراقية. ولاحظت بعد لحظات أن يدها محجوزة داخل يده، فسحبتها ببطء وقد احمر وجهها من السعادة وليس من الخجل. ابتسم خالد براحة كذلك وهو يراها تسترخي وتعتدل في مجلسها بثقة، وقال:
"هكذا أريد أن أراكِ دائماً يا حبيبتي."
طلبت المثلجات وطلب هو القهوة... أذواق مختلفة، جعلتها تشعر بأنها طفلة تجلس أمام رجل محنك، ونظراته المتسلية وهو يراقبها تأكل المثلجات دعم هذا الإحساس لديها.
"لماذا أردت مقابلتي اليوم؟"
رفعت وجهها إليه وبدا عليها الشعور بالذنب. فقال بابتسامة متساهلة:
"شعرت بذلك عندما تحدثت إلي بالأمس، وطلبك لرؤيتي اليوم جعلني أفكر بهذا."
تركت الملعقة من يدها بالطبق ولعقت شفتيها لتمحي أي أثر للمثلجات عليهما. فقال وعيناه تلمعان بخبث مرح:
"لا تلعقي شفتيك بتلك الطريقة... أنكِ بذلك قادرة على تحطيم أعصاب أي رجل."
ابتسمت له قليلاً وعادت لتشعر بعدم الراحة. فهذه الطريقة الحسية التي يتحدث وينظر بها إليها تجعلها تكاد تذوب من الداخل وتحس أكثر بسذاجتها، فليس لديها القدرة أو الخبرة التي تجعلها قادرة على مجاراته وإيجاد الردود المناسبة على كلماته. فقالت بارتباك رداً على سؤاله، متجاهلة ملاحظته الحسية:
"أبي كان منزعجاً لعدم حضور أحد من أسرتك معك بالأمس."
هز رأسه متفهماً وقال بهدوء:
"نعم، شعرت بذلك منه... ولكن لدي ظروف تمنعني من إخبارهم بخطوبتنا."
شحب وجهها وسألته بخفوت:
"تقصد أنهم قد يرونني غير مناسبة لك؟"
كان قد علم بالطبع أنها يتيمة وأن نبيلة قريبتها وليست أختها حقاً، فخشيت أن يكون هذا سبباً ليرفضونها. ولكن لدهشتها، أطلق خالد ضحكة عالية جعلت بعض الرؤوس تلتفت إليهم. لم تكن ضحكة مرحة، كانت ضحكة قاسية. فتأملته بحيرة وهو يقول:
"قد تدهشين عندما أقول لك أنهم قد يرون أنني أنا من لا أناسبك."
عقدت حاجبيها:
"هل ستشرح لي؟"
أغلق عينيه للحظات متنهداً ثم فتحهما ونظر إليها قائلاً:
"زينة... أريدك أن تعرفي أن علاقتي بأسرتي مقطوعة منذ سنوات... توفى أبي وأنا في الثانية عشرة من عمري وكنت وحيداً... تزوجت أمي من رجل آخر كان عنده ابن يكبرني بسنوات قليلة، ثم أنجبت أمي منه ابنة... منذ سنوات وقع خلاف شديد بيني وبينهم وجعلني أنفصل عنهم."
أرادت أن تسأله عن هذا الخلاف، ولكنها انتبهت لقوله سنوات. فكم كان عمره وقتها عندما انفصل عن أسرته وأصبح وحيداً؟
"كم كان عمرك وقتها؟"
أجاب:
"عشرون عاماً."
وهو الآن في الواحد والثلاثون، أحد عشر عاماً وحيداً من دون أهل. سالت دمعة وحيدة مثله على وجنتها وقد كسى وجهها الحزن.
تأملها متعجباً ثم قال والدهشة جلية في صوته:
"هل تبكين من أجلي؟"
مسحت دمعتها وتلقت أخرى بأناملها وهي تفكر بأنه مسكين، لم يعتد أن يحزن أحد من أجله... لا أحد يهتم به... يتيم منبوذ من أقرب الناس إليه.
وتابع بنفس النبرة المذهولة:
"حتى دون أن تعرفي إذا ما كنت أنا المخطئ؟"
رفعت وجهها إليه وقالت بانفعال والغضب من أجله يتصاعد بداخلها:
"أي خطأ هذا الذي يجعلهم يتركونك وحيداً؟ ما الذي يمكن أن يفعله شاب صغير فيكون جزاؤه أن يحرم من عائلته؟"
كانت غاضبة ويتألم قلبها من أجله، وهي تتخيل زوج أم قاسٍ وأم عديمة المسؤولية ضعيفة الشخصية، وأخوة كأخوات سندريلا أنانيين ومغرورين ويحقدون عليه.
تهلل وجهه بسعادة ومد يده يحتضن يدها بقوة بين يديه:
"ستكونين أنتِ عائلتي... ولن أحتاج لأحد آخر طالما أنتِ معي."
ابتسمت له بحنان وقالت تعده:
"نعم... سأكون عائلتك وسأهتم بك كثيراً."
أخفض رأسه على يدها وقبلها. ارتجف جسدها وتمتمت بصوت متحشرج من التأثر والخجل:
"خالد... الناس تنظر إلينا."
رفع وجهه وعيناه تشعان بالفرح:
"دعيهم ينظرون... فأنا لا أرى غيرك."
"ولن ترى غيري؟"
"ولن أرى غيرك... فمنذ أن قابلتك وأنا لم يعد لي علاقة بأية فتاة أخرى... أتفهم سبب قلقك نظراً لما رأيته من حياتي، ولكن يجب أن تعرفي أنك ستصبحين كل حياتي... ويجب أن تثقي بي."
سحبت يدها منه بخجل وقالت:
"ولكن ماذا سأقول لأبي؟ فهو ينتظر نتيجة حواري معك."
شرد عابساً لبعض الوقت ثم قال:
"سوف أعطي والدك كل المعلومات التي يريدها عن عائلتي لكي يسأل عنهم ويطمئن قلبه، وسوف آخذك لرؤيتهم يوماً ما، ولكن يجب أن تعلمي منذ الآن أنه لن يكون لهم وجود في حياتنا بالمستقبل، ولا مجال لأن يغيروا رأيهم في."
ظهر الرضى على والدها عندما أعطته زينة اسم وعنوان زوج والد خالد، كما أخبرته عن الخلافات التي بين خالد وأسرته، وكانت متحيزة دون دليل لخطيبها. فقال والدها:
"ربنا يهدي النفوس ويجعلكِ سبباً في رأب الصدع الذي بينه وبينهم."
***
أحتارت زينة فيما ترتدي. لقد دعاها خالد على العشاء غداً ليودعها قبل سفره، ووافق والدها أن تذهب بشرط أن تصطحب أختها معها. فأرادت أن تظهر في صورة جيدة بصحبته، ولكنها لا تملك مالاً تستطيع به شراء ملابس جديدة، وكانت تبحث داخل خزانتها الفقيرة يأمل بأن تجد شيئاً مناسباً.
دخلت نبيلة إلى الغرفة وسألتها بسخرية وهي ترى الملابس وقد انتشرت على الأرض:
"ماذا تفعلين... تضبين أغراضك منذ الآن؟"
استدارت إليها زينة قائلة بإحباط:
"ليس عندي شيء لأرتديه مساء الغد."
ردت نبيلة بقسوة:
"ولماذا لا تطلبين من خالد أن يشتري لكِ طقماً جديداً."
حدقت بها زينة باستنكار قائلة:
"أطلب منه؟ كيف أطلب منه شيئاً كهذا ونحن لم نتزوج بعد... هذا شيء مشين."
هزت نبيلة رأسها هازئة، فقالت زينة بأمل:
"هل من الممكن أن تعيريني شيئاً من عندك؟"
ردت نبيلة على الفور:
"لا."
ثم أردفت بسرعة:
"ملابسي لا تناسبكِ فأجسامنا مختلفة."
كانت لهجتها قاسية برغم أنها حاولت أن تجعل بها شيئاً من الأسف. فقالت زينة بعد تردد وقد احمر وجهها:
"البلوزة الحرير الزهرية مقاسي... جربتها مرة ووجدتها تناسبني... ستليق على سروالي الأسود."
زمت نبيلة شفتيها وظهر عليها الغضب، وتوقعت زينة بحسرة بأنها سترفض. ولكنها قالت بعد فترة وقد لمعت عيناها برضى:
"خذيها."
ابتسمت زينة بسعادة:
"شكراً لك."
ثم فتحت خزانة نبيلة وأخرجت البلوزة بحرص وكأنها شيء ثمين، وقالت:
"لا تقلقي، سأحرص عليها بحياتي ولن أضعها في الغسالة... سوف أغسلها على يدي."
وخرجت من الغرفة يتبعها صوت نبيلة الساخر:
"سوف تعجب خالد كثيراً."
ثم أردفت بحقد وبصوت منخفض لم تسمعه زينة:
"فهو من اشتراها لي."
رواية ملاك يغوي الشيطان الفصل الخامس 5 - بقلم مايسة ريان
وقعت زينة من نبيلة أن تتأنق لتظهر أكثر جمالًا منها، ولكن بينما كانت ترتدي ملابس كلاسيكية مسائية أنيقة، كانت نبيلة ترتدي ملابس كاجوال عبارة عن جينز عادي وقميص فضفاض وحذاء رياضي قديم، فظهر التناقض جليًا بينهما.
عندما جاء خالد في الثامنة لأصطحابهما، صعد ليسلم على والديها قبل انصرافهم، ووقف متجمدًا عند الباب عندما وقعت نظراته على زينة، فاحمر وجهها خجلًا. بالتأكيد مظهرها الجديد قد فاجأه، لأول مرة تكون أنيقة وراقية هكذا. كانت سعيدة وفخورة بنفسها، وقد ساعدتها نبيلة على التزين، وشكرتها على صنيعها عندما عرضت عليها أيضًا أن تصفف لها شعرها.
كان خالد متعجلًا على الذهاب ورفض بأدب دعوة أمها لشرب شيء ما قبل ذهابهم.
وفي السيارة، أحست زينة بأن هناك شيئًا ما يزعجه، فقد كان متجهمًا ولم يتحدث إليها، وكانت نبيلة صامتة كذلك، وجلست بوداعة في المقعد الخلفي ورأسها محني لأسفل. شعرت زينة بعجز غريب يمنعها عن قطع الصمت الموتر للأعصاب بين الثلاثة، وكانت تتساءل عن سبب هذا.
بعدما خرجوا من منطقتهم وأصبحوا في الطريق العام، قال خالد ببرود وعيناه مسلطتان على وجه نبيلة في المرآة الأمامية:
– أين؟
تفاجأت زينة من السؤال الذي لا معنى له بالنسبة لها على الأقل، ولكنه لم يكن كذلك بالنسبة لأختها التي قالت:
– في أي مكان هنا.
أوقف خالد السيارة على جانب الطريق وترجلت نبيلة من السيارة. فاستدارت زينة إليها بحدة وقالت:
– إلى أين أنت ذاهبة؟
نظرت نبيلة إلى خالد نظرة سريعة ثم قالت:
– لدي موعد مع صديقة لي.
قالت زينة عابسة:
– ولكن أبي يعتقد…
قاطعتها نبيلة بملل:
– يعتقد أبي أنني معك، وهذا يكفي.
ثم ابتعدت وهي تشير لهما بيدها.
استأنف خالد السير فسألته زينة:
– كنت تعرف أنها لن تذهب معنا.
قال بهدوء:
– أخبرتني بذلك عندما تركتنا وذهبت لجلب حقيبتك.
قالت بخفوت:
– إذن أعدني إلى البيت، سيغضب أبي إن ذهبت وحدي معك.
قال خالد بصبر وهو مستمر في طريقه:
– لا داعي لأن يعرف.
استدارت إليه بحدة، فابتسم لها ليخفف من حدة الموقف وقال:
– أعلم أنك لا تحبين الكذب عليه، ولكن إن أعدتك الآن، ماذا ستخبرينه عن المكان الذي ذهبت إليه أختك؟ هه؟ ستكون المشكلة أكبر حينها، أليس كذلك؟ ثم لا خوف عليك معي.
ومع ذلك، ظلت قلقة، فلو اكتشف والدها أنها ذهبت من دون نبيلة، سيغضب منهما.
سألها خالد بهدوء بعد وقت، وقد تخللت نبرة صوته بعض الضيق استطاعت أن تتلمسه:
– لماذا ترتدين هذه البلوزة؟
تفاجأت زينة من السؤال واحمر وجهها وقالت:
– ألا تعجبك؟
رد بضيق:
– بلى، لا تعجبني.
الآن أصبحت على وشك البكاء، فابتلعت ريقها وقالت بصوت يختنق:
– كنت أظن أنها…
قاطعها بتوتر وعصبية:
– وشعرك، لا أحبه بتلك الطريقة.
رفعت يدها بعفوية إلى شعرها، وأحتاجت إلى قوة إرادة كبرى لتمنع دموعها عن الانهمار. يبدو أن خالد قد شعر بأنه ضايقها وجعلها تعيسة، فقد أوقف السيارة على جانب الطريق مرة أخرى واستدار إليها قائلًا بندم:
– أنا آسف، لم أقصد أن أحزنك، انظري إلي.
كانت مطرقة الرأس لتخفي الدموع التي بللت رموشها. أمسك ذقنها ليرفع وجهها إليه وقال برقة:
– أنا حقًا آسف، أحيانًا أصبح في مزاج سيء عندما لا تسير الأمور كما أريدها، كما أنني أحب أن أراك على طبيعتك، لا تتلوني وتتشبهي بأحد آخر، فأنت جميلة دون الحاجة إلى كل ذلك.
ابتلعت ريقها وهزت رأسها وحاولت أن تبتسم، فابتسم لها مشجعًا:
– أنت جميلة في كل الأحوال.
شعرت بالراحة قليلًا وقالت بخفوت:
– إنها في الحقيقة ليست لي.
قال بجفاء وقد تصلبت ملامحه:
– أعلم أنها ليست لك، فقد رأيت أختك ترتديها من قبل.
احمر وجهها أكثر وقالت:
– لقد استعرتها منها، أردت أن أكون مميزة الليلة من أجلك.
سمعته يأخذ نفسًا عميقًا وقد اشتدت أصابعه على ذقنها وقال:
– أنت مميزة في كل الأحوال مهما كان ما ترتديه، وقد أخبرتك بهذا من قبل.
وعندما استأنف القيادة، كانت زينة غير قادرة على كبت ابتسامة السعادة التي ارتسمت على وجهها.
***
توقف خالد بالسيارة أمام بناية شاهقة تطل على النيل، فسألته زينة:
– لماذا توقفنا هنا؟
مرت لحظات ظنت أنه لن يجيبها، ولكنه قال أخيرًا:
– هنا تسكن أمي وزوجها.
عادت زينة تتأمل البناية بنظرة جديدة وتسأله بحذر:
– ولماذا نحن هنا؟
ابتسم شارداً:
– فكرت أنك ربما تريدين رؤية بيتنا، أنت لم تسأليني أبدًا عنها، أين توجد أو كيف تبدو؟
جف حلقها ومرت رعشة برد في أوصالها وشعرت به فجأة غريبًا عنها، وخطرًا أيضًا.
– لا، هذا لا يصح.
أدار وجهه إليها ببطء ولم تنبئ ملامحه عن شيء، وللحظات مرت كان يتفرس في وجهها بشدة:
– هل أنت خائفة مني؟
أنكرت بسرعة:
– لا، ولكن…
قاطعها بهدوء:
– ولكنك شاحبة، أنت خائفة.
قالت بصدق هذه المرة:
– مرتبكة وقلقة ربما، لا أعرف، أنت تريدني أن أصعد معك إلى شقتك وهذا أمر غير لائق، فماذا تتوقع أن تكون ردة فعلي.
أدار وجهه ونظر أمامه وقد عاد إلى صمته وبدا وكأنه يفكر، وانتظرت بقلق.
عاد لينظر إليها برقة وقال:
– ألا تثقين بي؟
أصبحت في حيرة من أمرها، وقد وجهت لنفسها نفس السؤال، هل تثق به لدرجة أن تأتمنه على نفسها وتتوقع منه أن يحترمها ويصون شرفها؟ هل تعرفه بما يكفي لكي تمنحه مثل هذه الثقة اللامحدودة؟
– زينة؟
ابتلعت ريقها بصعوبة وحدقت في وجهه، ولمحت نظرة اشفاق تمر عبر نظراته قبل أن يتابع بحزم:
– أنتظر ردك.
لا تعرف ما دفعها لهذا، ولكنها وجدت نفسها تقول وعيناها القلقتان أسيرتان لعينيه:
– بلى، أثق بك.
اتسعت ابتسامته وتألقت عيناه بفرح، وعاد في تلك اللحظة الشاب الذي أسر قلبها:
– إذن هيا بنا.
شعرت فجأة بأنها أسيرة، فقد قبضت أصابعه على أصابعها بقوة كما لو كان يمنعها من الفرار.
أغلق باب المصعد ببطء في وجهها، فتوقف قلبها عن الخفقان لحظة بدء صعوده. وأمسك بها الهلع، ولكنها حاولت مداراة مشاعرها. أرادت أن تخفي ما يعتمل في نفسها من قلق، ولكن هذا لم يستمر طويلًا، فقد انطلق صوتها حادًا:
– حتى وإن رفضت، هذا لا يعني أنني لا أثق بك.
ترك يدها وابتعد عنها حتى يستطيع رؤية وجهها والتفرس به، فقالت بلا حول ولا قوة محاولة إقناعه بوجهة نظرها دون أن تجرحه:
– ماذا سيعتقد الناس عندما نصبح وحدنا بالداخل؟ هذا أمر يجب أن تأخذه في عين الاعتبار، إنها سمعتي. هذا أولًا، وثانيًا، ثالثًا والأهم، أبي سيغضب منا وستتغير نظرته إليك وربما يرفض ارتباطنا.
– ومن سيخبره؟
رفعت حاجبيها بدهشة وقالت بصدق:
– أنا بالطبع، هل تخيلت أنني سأخفي عنه هو وأمي أمرًا كهذا، أنني ذهبت معك لرؤية الشقة التي سوف نتزوج بها؟
حدق في وجهها للحظة، فتح باب المصعد خلالها، ولم تتوقع زينة ردة فعله فقد انفجر ضاحكًا وبشدة. حدقت فيه بدهشة لا تفهم سبب ضحكه، ولكنها شعرت بالراحة، فهو لم يغضب منها على الأقل.
وكانا في السيارة منطلقين في طريقهما من جديد:
– أنت لست غاضبًا حقًا؟
– لا، لست غاضبًا.
ثم نظر إليها مبتسمًا:
– اقتنعت بوجهة نظرك، فأنت مقنعة جدًا في الواقع.
ابتسمت زينة بفرح فقد رضخ لمشيئتها ولم يصر عليها لترى الشقة، وضغط على زر الهبوط، ومن وقتها وهي تكاد تطير من الفرح والراحة معًا:
– آه، شكرًا لك.
ضحك مرة أخرى وقال:
– تشكرينني؟
– نعم، فرأيك بي يسعدني.
***
أوقف خالد السيارة في موقف سيارات تابع لملهى ليلي أنيق يقع في شارع هادئ، فسألته:
– لماذا توقفنا هنا؟
– اتفقت مع نبيلة أن تنتظرنا هنا، فلا يجوز أن تعود كل منكما بمفردها.
كانا قد تناولا العشاء في مطعم الفندق الذي تعمل به، وكانت مفاجأة لها أن يأخذها إلى هناك.
سألته زينة بحدة:
– نبيلة هنا؟
– هنا تعرفت على أختك.
قالت بغم:
– هنا؟
قاطعها اقتراب رجلين في بزات رسمية بعضلات مفتولة يبدوان كحراس شخصيين، بادلهما خالد بالقول:
– لن أنزل، الآنسة ناني بالداخل، أخبراها أننا هنا.
وبإشارة متعجرفة من يده كما لو كان يملك سلطة عليهما، عادا إلى الملهى طائعين.
لم تجرؤ زينة على كسر الصمت، تخشى أن تسأل وتخشى أكثر من إجابته.
– أنا مضطر للسفر من جديد، وعندما أعود، سوف نرتب للزفاف، وسيكون كل شيء جاهزًا حينها.
– ولكني أريد أولًا أن…
قاطعه بحزم:
– الشيء الوحيد الذي يجب أن تعرفيه هو أنني أنوي أن أبدأ حياة جديدة معك، جديدة بكل شيء، سأتخلى عن الكثير من أجلك، ماضي لا أستطيع تغييره، ولكن مستقبلنا سيكون شيئًا آخر.
الوعد في كلامه والصدق في عينيه جعلها تؤنب نفسها على قلة ثقتها به وبحبهما، ولكنها معذورة، فعلاقتهما حديثة جدًا وهي ما تزال لا تعرفه، ولكن ما يشفع له أنه لم يكذب عليها ولم يدعي الصلاح أبدًا.
***
لم يكن الوقت متأخرًا كثيرًا عندما أعادهما خالد إلى البيت، وهناك ترجلت نبيلة من السيارة وصعدت إلى البيت، تاركة زينة وحدها مع خالد في السيارة.
– كما اتفقنا، عندما أعود من السفر، سأجد حلًا مع والدك، وربما أستطيع إقناع أمي بالمجيء لزيارتكم.
قالت:
– تعلم أنني لا أهتم بعائلتك، أنت فقط من يهمني، ولكن أبي يهتم لكي يطمئن علي، فأنا أمانة عنده كما يقول.
– وستكونين أكثر أمانًا معي.
– كم ستغيب في سفرتك هذه؟
– حوالي الشهر أو أكثر قليلًا.
شهقت، لقد ظنت أنه سيسافر لبضعة أيام، أسبوع على أقصى تقدير كما حدث من قبل، ولكن شهر وما زالا في بداية علاقتهما! كان ذلك كثيرًا.
كسى الحزن وجهها، فقال:
– أعلم، أنا أيضًا يصعب علي فراقك، خاصة الآن، ولكن هذا العمل كنت قد اتفقت عليه قبل لقائي بك، وأعدك أنها ستكون المرة الأخيرة، عندما أعود سنتزوج على الفور، لن أنتظر، سيكون منزلنا قد تم تجهيزه من كل شيء، وسوف أحضر لك ثوب الزفاف معي من أوروبا، انتظري وثقي بي، أرجوك، لا أريد غير ثقتك.
هزت رأسها إيجابًا، فتبدد القلق من على وجهه، وابتسم لها ابتسامته المدمرة التي تخطف الأنفاس، وتابع:
– تستطيعين تقديم استقالتك من عملك منذ الآن، فأنت لن تكوني بحاجة إلى العمل بعد الزواج.
كل هذا كان كثيرًا على عقلها لتستوعبه، فراحت تهز رأسها موافقة على كل شيء يقوله، وعندما همت بمغادرة السيارة، استوقفها:
– زينة، قد لا أستطيع الاتصال بك باستمرار، ولكن كلما سنحت لي الفرصة، سأفعل.
– مع السلامة.
ودعته والدموع تكاد تخنقها، فقال برقة:
– لا تبكي.
– آسفة، ولكني سأشتاق إليك، لا تتأخر.
ابتسم لها بحنان:
– سأعود بأسرع ما يمكنني.
ثم خرجت من السيارة وأشارت له بيدها مودعة.
***
– لم أتوقع أن يأخذك خالد إلى هناك.
– وأنا أيضًا، لقد عاملنا الزملاء في المطعم هناك بطريقة رائعة، وخاصة مستر عماد.
لقد ظهرت الدهشة على نبيلة عندما عرفت بأنهما تناولا العشاء في الفندق، وظلت شاردة طوال الطريق إلى البيت ولم تعلق على الأمر.
– لا أقصد الفندق، أقصد الملهى.
نظرت زينة إلى نبيلة بوجوم، وكانتا قد بدلتا ملابسهما استعدادًا للنوم:
– آه، ذلك المكان؟
قالت نبيلة بجمود:
– اعتدنا أن نلتقي فيه مع الأصدقاء، أقصد أنا وخالد.
ثم أشاحت بوجهها وتابعت:
– عذرًا، فأنا لم أتخيلك ترتبطين بشاب عابث مثله.
ردت زينة بتثاقل:
– وعدني بأن يتغير.
رمقتها بطرف عينيها بنظرة ساخرة وسألتها باشفاق ساخر:
– وصدقته؟
– نعم، فأنا أثق به.
هزت نبيلة كتفيها ثم اندست بفراشها ولم تقل شيئًا.
استلقت زينة على فراشها بدورها وعقلها مشوش، استدعت وجه خالد في رأسها، نظرات عينيه الحانية والصدق الذي شعرت به في صوته وهو يعدها بأنه سيتغير من أجلها.
ثم تمتمت لنفسها بصوت منخفض:
– نعم، أنا أصدقه.
***
خبت فرحة زينة بحبها الوليد عندما تعرض والدها لوعكة صحية ولازم الفراش، وقال الطبيب بعد اطلاعه على التحاليل والأشعة أنه يحتاج إلى عملية بالقلب لوضع دعامات للشرايين، وأصر الطبيب عليهم أن يعجلوا بإجرائها، وإلا سيظل يتعرض لهذه النوبات التي ستكون نهايتها سيئة. وكانت العملية تكلف مبلغًا كبيرًا من المال وهم لا يملكون من هذا المال إلا أقل القليل.
فور انصراف الطبيب، اختفت نبيلة في حجرتها، وقد وجدتها زينة تبكي بحرقة فوق فراشها، فأسرعت إليها تحيطها بذراعيها:
– ماذا بك يا حبيبتي؟
حاولت نبيلة دفعها عنها ثم عادت واستسلمت للنحيب مرة أخرى بين ذراعيها، فقالت زينة بحزن:
– أنت حزينة من أجل أبي؟ إن شاء الله سوف تجرى له العملية ويكون بخير، لا تبكي، أنت تحبينه بشدة، أعرف، كلنا كذلك يا حبيبتي.
وانسابت دموعها بدورها.
قالت نبيلة بمرارة وهي تحاول الابتعاد عن ذراعيها مرة أخرى:
– نعم أحبه، لكنه يفضلك علي.
قالت زينة بقلب مثقل:
– أنت مخطئة، إنه يحبك وأكثر مما يحبني.
نظرت إليها نبيلة مجفلة شاحبة الوجه، فتابعت زينة:
– إن كان يحتد عليك أحيانًا، فهذا من شدة خوفه عليك، كل أب يفعل مثله.
وقفت نبيلة وراحت تجفف دموعها وهي تقول بصوت مرتجف:
– معك حق، مرضه أثر في بشدة وجعلني أشعر كم كنت أنانية وكم أتعبته معي وهو مريض.
نظرت إليها زينة مشفقة على حالها:
– لا يجب أن تفكري بتلك الطريقة حبيبتي، المهم الآن أن نفكر كيف ندبر له مصاريف العملية.
قالت نبيلة بعد لحظات وقد لمعت عيناها:
– أنا لدي حل.
سألتها زينة بلهفة:
– حقًا؟ وما هو؟
– أحد معارفي وجد لي عملًا على يخت سياحي لمدة أسبوعين، كمضيفة براتب خمسة آلاف دولار، ولكن وكما تعلمين، فقد استنفدت كل إجازاتي ولن يسمح لي بأخذ إجازة لمدة شهر كامل.
ذهلت زينة من قيمة المبلغ وقالت:
– حقًا؟ كل هذا المال من أجل أسبوعين فقط؟
ثم سألتها وقد تذكرت المكالمة الهاتفية التي تلقاها خالد وهم عائدون من الساحل الشمالي، وكان من سيدة تدعى فريدريكا تمتلك يختًا تقوم بعمل رحلات سياحية على متنه:
– من وجد لك هذا العمل؟ خالد؟
نظرت إليها نبيلة بتوتر:
– وما علاقة خالد بالأمر؟
أخبرتها زينة عن تلك المكالمة التي استمعت إليها، فابتلعت نبيلة ريقها وقد ازداد توترها وقالت:
– نعم، خالد من عرض علي هذا العمل، ولكن كان ذلك قبل خطبتكما، وكنت قد رفضته لأن أبي كان سيرفض، ولكن بعد ما حدث، فكرت أن أقبل.
ثم نظرت إلى زينة وقالت بتصميم:
– لكن أنت من يجب أن تذهب بدلًا مني.
قالت زينة بذعر تقريبًا:
– أنا؟
– لا أحد غيرك، هذا المبلغ سيساعد في عملية أبي، وأنت تستطيعين بسهولة الحصول على إجازة أو تقديم استقالتك، ففي كل الأحوال سوف تتركين العمل قريبًا.
ترددت زينة للحظات ثم قالت بتردد:
– ولكن، هل سيوافق خالد أو أبي على ذلك العمل، وخاصة وأن به سفر؟
أمسكت نبيلة بيديها بقوة بإصرار وهي تضغط على أسنانها:
– لا يجب أن تقولي لهما الحقيقة، ستقولين لأبي أنك ستسافرين إلى فرع الفندق في العين السخنة لسد عجز الموظفين هناك أو لمزيد من التدريب، وخالد مسافر لمدة شهر ويمكن لأكثر من ذلك، فقد تعودين قبل عودته.
– أستطيع إخباره بالحقيقة، سيكون هذا أفضل من الكذب عليه، وهو بالتأكيد لن يعترض خاصة عندما يعرف عن حالة أبي، وسوف يكون مطمئنًا علي لأن أصحاب العمل أصدقاء له.
صاحت نبيلة في وجهها بغضب أجفلها:
– غبية! لو قلت له سيعتقد أننا ندفعه ليتكفل هو بعملية أبي، وكما تعرفين، أبي عزيز النفس وسينظر إلى الأمر على أنه إهانة له وسيرفض بالتأكيد.
أطرقت زينة تفكر، نبيلة معها حق، سيرفض والدها نقود خالد، لقد غضب بما فيه الكفاية عندما أخبرته أن خالد يرغب في التكفل بكل مصاريف الزواج وجهازها أيضًا، وقال لها:
– هل تريدين أن أظهر بمظهر العاجز أمام نسيبي وأنني غير قادر على تجهيز بناتي؟
امتقع وجهها حينها وحاولت الدفاع عن نفسها قائلة:
– لا يمكن أن أقصد شيئًا كهذا.
قال بوجه متجهم:
– كانت أمكما تقوم بتجهيزكما منذ أن كنتما طفلتين.
اعترضت زينة:
– ولكنه جهاز نبيلة.
– إنه لمن تتزوج فيكم أولًا، ولأن نبيلة الأكبر كنا نعتقد أنها من ستتزوج أولًا، لهذا فهو لك.
*****
عندما أصبحت زينة على متن اليخت، شعرت بالخوف، فقد كانت ذاهبة إلى المجهول وستصبح وحدها بين أناس غرباء وسط اللامكان، ولكنها حاولت أن تتشجع من أجل والدها، لقد أخذت نبيلة المال بالفعل وهي مجبرة على أداء عملها نظير ذلك المبلغ الكبير.
لقد وافقت السيدة فريدريكا على استبدالها بأختها عندما ذهبتا لمقابلتها في الفندق بالإسكندرية، أولًا تحدثت معها نبيلة وقد صعدت إليها في غرفتها من دون زينة التي انتظرتها في البهو، ومن ثم اتصلت بها فصعدت إليهم. فوجئت زينة من شكل المرأة وعمرها، فقد كانت تتخيلها متوسطة العمر، ولكنها وجدتها صغيرة في أواخر العشرينات من عمرها تقريبًا وشديدة الجمال، ذلك الجمال الأشقر وكأنها لوحة فنية وليست حقيقية، وفكرت بغيرة أن خالد يعمل معها وقد ضايقها هذا، ولكن ما أراحها قليلًا أنها رأت شخصًا قدمته لها على أنه زوجها، لم يكن يقارن بخالد بالطبع، فقد كان نحيفًا أمهق بنظرات وجدتها زينة منفّرة وخبيثة وهو يتفحصها وكأنها سلعة ما، ووجدت فريدريكا مهتمة برأيه في أن تأخذ مكان نبيلة في العمل، وجاءت موافقته بهزة متعجرفة من رأسه. كان يتحدث العربية، ولكنها فشلت في تحديد جنسيته.
وبعد أن تمت الموافقة، سلمت لهما زينة جواز سفرها ووقعت على بعض الأوراق الخاصة بالعمل، وعادت إلى القاهرة مع نبيلة التي غادرها الحماس فجأة وأصبحت عصبية، خاصة عندما أسرت لها زينة قائلة:
– نبيلة، أنا خائفة، لا أعرف ما هو المطلوب مني عمله هناك بالضبط.
رواية ملاك يغوي الشيطان الفصل السادس 6 - بقلم مايسة ريان
عندما أصبحت زينة على متن اليخت بدأت تشعر بالخوف. فقد كانت ذاهبة إلى المجهول وستصبح وحدها بين أناس غرباء وسط اللامكان. ولكنها حاولت أن تتشجع من أجل والدها.
ولقد أخذت نبيلة المال بالفعل وهي مجبرة على أداء عملها نظير ذلك المبلغ الكبير. لقد وافقت السيدة فريدريكا على استبدال مكانها بأختها عندما ذهبتا لمقابلتها في الفندق الذي تقيم به في الإسكندرية.
تحدثت معها نبيلة أولاً وقد صعدت إليها وحدها وانتظرتها. زينة في بهو الفندق إلى أن اتصلت بها نبيلة على هاتفها الجوال وطلبت منها الصعود وأعطتها رقم الجناح.
فوجئت زينة بشكل المرأة وعمرها فقد كانت تتخيلها متوسطة العمر ولكنها وجدتها شابة صغيرة في أواخر العشرينات من عمرها تقريبًا. كما كانت شديدة الجمال، ذلك الجمال الأشقر وكأنها لوحة فنية وليست حقيقية. وفكرت زينة بغيرة بأن خالد يعمل معها وقد ضايقها هذا.
ولكن ما أراحها قليلاً أنها رأت شخصًا معهما قدمته لها على أنه زوجها. لم يكن يقارن بخالد بالطبع فقد كان نحيفًا أمهق بنظرات وجدتها زينة منفرة وخبيثة وهو يتفحصها وكأنها سلعة ما. ووجدت فريدريكا مهتمة برأيه في ما إذا كانت جديرة بأخذ مكان نبيلة في العمل أم لا. وجاءت موافقته بهزة متعجرفة من رأسه. كان يتحدث العربية ولكنها فشلت في تحديد جنسيته.
وقد سألها:
"هل تحملين جواز سفر؟"
"آه نعم."
وأسرعت بارتباك تخرج جواز سفرها من حقيبتها وسلمته إياه.
وقعت أيضًا على بعض الأوراق الخاصة بالعمل وعادت إلى القاهرة مع نبيلة التي كان قد غادرها الحماس فجأة بعدما أصبحا خارج جناح الفندق وأصبحت عصبية، خاصة عندما أسرت لها زينة بمشاعرها قائلة:
"نبيلة.. أنا خائفة.. لا أعرف ما هو المطلوب مني عمله هناك بالضبط."
صاحت بها نبيلة بغضب وكانتا في القطار مما جعل من حولهما ينظران ناحيتهما:
"هل أنت طفلة صغيرة؟"
أخفضت زينة صوتها وقد أحمر وجهها حرجًا وكذبت قائلة بعد أن وجدت أن اعترافها بخوفها من الذهاب قد أغضب أختها:
"آسفة.. ولكن هذه أول مرة سأسافر بمفردي وسوف أكون مع أناس غرباء عني.. ربما ضايقوني مثلاً إذا لم يعجبهم عملي."
شحب وجه نبيلة وهي تحدق بعصبية في وجه زينة البريء والتي تابعت:
"عملت بعد تخرجي في الاستقبال وخبرتي تكاد تكون معدومة في أمور الخدمة بالمطاعم مثلك."
قالت نبيلة بعينين كئيبتين:
"سوف تتعلمين."
ثم قست نظراتها من جديد وهي تتابع:
"لا مجال للتراجع الآن."
تمتمت زينة باستسلام وهي تتراجع في مقعدها:
"أعرف.. فأبي بحاجة لذلك المال."
وعادت معها نبيلة إلى الإسكندرية بعد يومين وكان والداها قد اقتنعا بحجة غيابها لفترة. وكان والدها أكثر من أبدى قلقه وانزعاجه من هذا التغيير في العمل وراح يوصيها بأن تنتبه لنفسها وتتصل به باستمرار لكي يطمئن عليها.
كانتا صامتتين خلال ساعات السفر. وكان حال نبيلة غريب وشكت زينة في أنها حزينة لفراقها. فأحيانًا كانت تلمحها تراقبها وشيء من الحزن والقلق في عينيها. وعندما كانت تودعها في الميناء قالت لها زينة:
"سوف أتصل لأطمئن على أبي ولا تنسي ما اتفقنا عليه.. عندما يتصل بك خالد اشرحي له الأمر وأجعليه يفهم السبب من وراء قبولي بهذا العمل وأطلبي منه أن لا يغضب مني وأنني سوف أتصل به.. كنت أتمنى لو أخبرته بنفسي ولكن كما قلت أنت ما كان ليقبل أبدًا."
عندما احتضنت زينة أختها مودعة تملصت نبيلة منها سريعًا وكأنها تكره احتضانها لها وبالكاد نظرت إلى وجهها وهي تودعها وقد جرح هذا مشاعرها. وعندما استقلت زينة اليخت المنتظر استدارت لتلوح لها ولكنها وجدتها وقد اختفت عن الرصيف.
أبحر اليخت فور صعودها إليه بدقائق مبحرًا من ميناء الإسكندرية متوجهًا إلى ميناء أثينا اليوناني حيث ستكون أولى محطات الرحلة. ومن هناك سيستقبلون مزيدًا من الضيوف كما سبق وأخبرتها مدام فريدريكا.
وفي أحد صالونات اليخت العملاق تجمع طاقم الخدمة وكانوا جميعًا من الفتيات وليس بينهم شاب واحد. والرجال على متن اليخت هم من البحارة والطباخ ومساعدوه وجميعهم أوروبيون. على عكس زميلاتها كانوا خليطًا من جنسيات عربية وآسيوية وأوروبية. أحصتهم زينة وكان عددهم يفوق الخمسة وعشرين. ودهشت عندما وجدت بينهم ست فتيات ممن قابلتهم في حفلة الساحل. وكانت نجلاء صديقة خالد السابقة واحدة منهن. وقد بادلتها النظر بسخرية عندما تصادمت عيونهما. فأحمر وجه زينة وتجنبت النظر إليها.
فيما بعد وهي تقف تنتظر أوامر وتعليمات رئيسها التي كانت تجلس على مقعد وثير واضعة ساقًا فوق الأخرى وترتدي أقصر تنورة رأتها زينة في حياتها. بدأت تشعر بألم لا يطاق في معدتها ورغبة في التقيؤ. وقد أصاب رأسها صداع يكاد يعمي بصرها. ولكنها حاولت أن تتماسك وتتحامل على نفسها حتى لا تظهر بمظهر سيء أمام مرؤستها.
قالت فريدريكا بصوتها الأجش وهي تنظر إليهم بتعالٍ:
"سوف ينضم الضيوف إلينا في أثينا.. لا أريد أن..."
زاد الألم في معدة زينة وتصبب العرق البارد على جبينها فلم تستطع متابعة ما تقوله فريدريكا. وعندما شعرت بأنها على وشك التقيؤ رفعت يدها كتلميذة مدرسة ولكنها لم تنتظر الإذن وأسرعت تعدو مترنحة إلى خارج الصالون. ومن حسن حظها لمحت سلة مهملات بجوار المدخل وأفرغت فيه ما بجوفها بعد أن كادت أن تفعلها على أرضية الممر.
كانت تنتفض ومعدتها تتلوى بألم وهي تفكر في مدى سوء حظها. أن تتعرض للمرض في أول يوم عمل لها. ربتت يد على كتفها وقالت فتاة بالإنجليزية ركيكة:
"أنت تعانين من دوار البحر.. كان يجب أن تأخذي دواء له قبل الرحلة."
لم تجد زينة شيئًا لتمسح به فمها فظلت دافنة وجهها هناك وقالت بصوت متعب:
"لم أعرف أنني يجب علي ذلك."
أمسكتها الفتاة من كتفها وقالت:
"تعال معي سآخذك إلى غرفتك وأعطيك دواء سيساعد معدتك على الاسترخاء."
وقفت زينة وهي تتمايل واستخدمت طرف بلوزتها مضطرة لمسح فمها.
وفي الغرفة الصغيرة التي تضم فراشين تبينت ملامح الفتاة لأول مرة ووجدتها إحدى الآسويات وقد كان لها وجه لطيف جميل وبشرة ناعمة وتمتلك الملامح المعروفة ببني جنسها. قالت:
"اسمي تشو ونحن شريكتان في هذه الغرفة وبطبيعة الحال لن نستخدمها إلا لتنظيف أنفسنا فقط."
لم تفهم زينة ماذا عنت بتنظيف أنفسهم ورجحت زينة بأن عامل اللغة وعدم إتقانها لها هو ما جعلها تستخدم كلمات غير مناسبة. فابتسمت لها بوهن وقد عاودها الغثيان مجددًا فأسرعت إلى الحمام وهي تشعر بمعدتها تكاد تتمزق.
نامت بعد أن ناولتها تشو الدواء ونصحتها بأن تستريح وأكدت لها أنها ستكون بخير عندما تستيقظ.
ولكن…
عندما استيقظت لم تشعر بأي خير. اختفت آلام معدتها وفارقها الدوار ولكن الآلام الأخرى كانت أصعب وأقسى على قلبها وعلى عقلها.
دخلت عليها تشو وهي ترتدي بالكاد ما تدعى تنورة وبلوزة بيضاء شفافة وكان صدرها الصغير عارياً وظاهراً من تحتها. فغضت زينة بصرها بسرعة خجلة من التحديق بها. قالت لها تشو بلا مبالاة وهي تشير إلى الخزانة:
"ملابسك بالداخل.. وصلنا أثينا وسرعان ما سينضم الضيوف إلينا وستكون فريدريكا غاضبة إن تأخرت.. ألست أحسن حالاً الآن؟"
قالت زينة بارتباك:
"بلى.. أنا بخير."
خرجت تشو وهي تقول:
"إذن لا تتأخري."
استحمت زينة أولاً لتزيل عنها آثار العرق. وجدت الكثير من أدوات التجميل فزينت وجهها بلمسات خفيفة حتى تعوض عن الحالة البائسة التي ظهرت بها أمام رئيسها بالأمس.
وقفت بذهول تنظر إلى الملابس التي من المفترض أن ترتديها والمشابهة تمامًا لما كانت ترتديه تشو. وتساءلت بذعر.. هل هذه ملابس العمل؟ لم تجد غيرها في الجزء الخاص بها من الخزانة وكانت مغلفة بكيس بلاستيك. ووجدت طقمًا آخر بنفس المواصفات وأنما بلون مختلف. ثم فتحت الأدراج لتبحث فيها فوجدت ملابس داخلية وقمصان نوم عبارة عن قصاقص من القماش والجلد وأشياء بشرائط متدلية. جلست على الأرض وكانت ما تزال ملتفة بمنشفتاها الكبيرة وراحت تتمتم:
"هذه الأشياء بالتأكيد ليست لي.. قد تكون لتشو أو قد نساها أحد ممن كان يقيم هنا."
أغلقت الأدراج وذهبت إلى حقيبتها التي لم تفرغ بعد وأخرجت ملابس لترتديها وبعدها ستذهب للتكلم مع فريدريكا.
فور خروج زينة من الباب قابلت نجلاء وكانت مارّة من أمامها وعبست بشدة وهي تراها ترتدي نفس الملابس التي كانت ترتديها تشو والمعلقة مثلها في خزانتها. فأعتراها القلق من أن تصر فريدريكا على أن ترتدي مثلهم.
توقفت نجلاء عند رؤيتها وأقتربت منها زينة بتردد آملة أن تعاونها ولا تأخذها بذنب نبيلة. وان كانت خائفة من أن تكون قد عرفت بخطبتها لخالد. حيّتها قائلة:
"مرحباً.. كيف حالك؟"
وقفت نجلاء تتأملها بغموض ولم ترد على تحيتها. فقالت زينة بتوتر:
"كنت أريد سؤالك عن شيء."
"ماذا تريدين؟"
أحمر وجه زينة ولكنها قالت وهي تشير إلى ما ترتديه نجلاء:
"بخصوص الملابس.. هل يجب علي ارتداء مثل هذا؟"
قالت نجلاء بتأفف:
"ليس طوال الوقت.. سيكون مسموحًا لنا ارتداء ما يحلو لنا أو عدم ارتداء أي شيء إذا رغبنا ولكن بعد الإبحار."
تراجع رأس زينة إلى الخلف بصدمة. فتابعت نجلاء تقول بفضول:
"لم أعتقد أنك هكذا.. عندما قابلتك في المرة الأولى كنت ساذجة.. وأليس من المفترض أن تكون ناني هي التي هنا.. كيف حدث وأن جئت بدلاً منها؟"
ردت زينة بتجهم وهي تتمنى لو لم تأتي:
"لم تستطع الحصول على إجازة فجأت بدلاً منها."
ضاقت عينا نجلاء بحدة وسألتها:
"وهل عرف خالد بهذا التغيير فعلى حسب علمي هو مسافر؟"
شحب وجه زينة وقد تذكرت خالد.. نسيته في خضم مرضها ثم صدمتها بملابس العمل وقالت:
"لا بالطبع.. هو لا يعرف."
اتسعت عينا نجلاء بصدمة:
"هل جُنّت تلك اللعينة؟"
سألتها زينة بقلق:
"ماذا تعنين؟"
قالت بحدة:
"أنت لم تتعاملي معه في العمل من قبل أليس كذلك؟.. إنه لا يرحم من يخالف أوامره."
ظهر عدم الفهم على وجه زينة وقالت:
"لا أفهم.. ما علاقة خالد؟"
تابعت نجلاء ووجهها يتألق بتشفٍ متجاهلة سؤال زينة:
"ولكن ربما كان ذلك أفضل.. فهي تستحق ما سيحدث لها."
تذكرت زينة تلك اللحظات التي كان يفقد فيها خالد القدرة على التحكم بأعصابه ويغضب فتنقلب ملامحه إلى ملامح تثير فيها الرعب وينقلب إلى شخص آخر مخيف. وسألت:
"وما الذي يمكن أن يفعله؟"
قالت هازئة:
"ستعرفين بنفسك عندما ترينه فهو سرعان ما سينضم إلينا.. فريدريكا لا تستطيع الاستغناء عنه طويلًا."
ثم غمزت لها بطريقة وقحة جعلت الدماء تتجمد في عروق زينة وسألتها بانفعال:
"هل سينضم خالد إلى الرحلة؟ وماذا تعنين بأن فريدريكا لا تستطيع الاستغناء عنه؟.. ما الذي بينهما؟ وأليست هي متزوجة؟"
رفعت نجلاء حاجبيها بدهشة وقالت بسخرية ضاحكة:
"ما هذا.. هل أحببتِه بدورك.. يا للشيطان اللعين.. لا يكتفي بأن يجعل من الفتاة عشيقته بل يسعى لاقتحام قلبها لتكون سيطرته عليها كاملة فلا يعد أمامها شيء إلا طاعته وتنفيذ كل رغباته بما فيها ما نحن فيه الآن."
قالت زينة وصوتها يرتعش:
"أنا لست عشيقته.. أنا خطيبته وسنتزوج قريبًا."
نظرت إليها نجلاء بأشفاق ساخر:
"مسكينة أنت.. لقد خطب خالد وتزوج من نصف الفتيات على الأقل إن كانت تلك هي الطريقة لجعلهن يستسلمن له.. ورقة زواج عرفي تمزق بعد أن ينال مآربه وكأنها لم تكن."
صرخت زينة في وجهها بغضب:
"أنت كاذبة."
تلفتت نجلاء حولها بقلق ثم دفعت بزينة إلى داخل الغرفة وأغلقت الباب:
"اخفضي صوتك بدلاً من أن نتعرض للعقاب."
وقفت زينة في منتصف الغرفة وهي تتأرجح ما بين الغضب والخوف. سألتها نجلاء بقسوة:
"بماذا إذن تفسرين سبب وجودك هنا؟"
"للعمل."
ظهر شيء من الإدراك الصادم على وجه نجلاء وسألتها بشك:
"وما نوع هذا العمل في ظنك؟"
أجابتها زينة بتحدٍ ولكن جسدها كان يرتعش:
"مضيفة."
هزت رأسها بذهول:
"ألا تعرفين حقًا لماذا أنت هنا؟ ألم تخبرك أختك؟"
"أخبرتني بأنني سأعمل مضيفة."
قالت نجلاء بقسوة وحدة:
"بل ستعملين بالدعارة."
بهت وجه زينة وتجمدت كما لو كانت قد تحولت إلى حجر. ومرت لحظات لم تستطع أن تستوعب معنى تلك الكلمات وراح عقلها المصدوم يحاول ترجمتها عاجزًا وكأنها قد حذفت من قاموسه. وتمتمت تسألها بصوت أجوف:
"ماذا تعنين بالدعارة؟"
هزت نجلاء رأسها بأشفاق حقيقي وقالت:
"كنت أعرف أنها إنسانة حقيرة ولكنني لم أتخيل أن تغدر بأختها كما سبق وأن غدرت بصديقتها.. نعم كنا صديقتين حتى تعرفنا على خالد ورحنا نتصارع عليه وفي النهاية اكتشفت كلانا الخيبة."
تمتمت زينة:
"خالد.. هو.."
صمتت فأكملت نجلاء بدلاً منها بكلمة واحدة بطيئة اخترقت قلبها كطعنة سكين:
"قواد."
شهقت كمن يلفظ نفسه الأخير وسقطت على الفراش والدموع تنهمر من عينيها. ونجلاء تتابع:
"هو وفريدريكا شريكان يديران شبكة دعارة دولية."
بعد صدمتها المدوية لم تعد تسمع أو تحس. تخدرت كل حواسها. وفكرة واحدة تصرخ داخل عقلها.. أختها وخطيبها.. كيف يفعلان بها هذا؟.. ثم راحت تعيد إلى عقلها كل الشواهد… خطبها خالد ولكنه لم يجعلها تقابل عائلته وكل ما يربطها به كلمات حب قالها. كلمات الحب ونظرات الغزل ما كانت إلا جزء من عملية إغوائها التي اعتاد على القيام بها لتجنيد الفتيات. وهي كانت إحدى هؤلاء الفتيات بالنسبة إليه؟ ثم فكرت بمرارة.. كيف تصورت أن شابًا مثله يقع في حبها بمثل هذه البساطة ويظهر كمسلوب اللب بها. والأكثر هولاً وقد عجزت تمامًا عن تصديقه هو نبيلة.. أختها.. أو من اعتبرتها أختها.. كيف طاوعها قلبها لأن تفعل بها هذا… ماذا فعلت لها لتحقد عليها إلى هذا الحد.. الحد الذي يجعلها تقرر أن تتاجر بجسدها.. تلقي بها في النار وتسير معها طوال الطريق حتى أوصلتها بيدها إلى هنا لتواجه ذلك المصير البشع.
رواية ملاك يغوي الشيطان الفصل السابع 7 - بقلم مايسة ريان
وقفت زينة ملتصقة بالجدار بجوار باب الصالون الكبير. كتفت ذراعيها أمام صدرها تدير عيناها في الأجساد التي تتحرك وقد طمست ملامحهم داخل عينيها المذعورتان. هم فقط قطع من اللحم شبه العاري. أصواتهم خليط من الضحكات وقرقعة الكاسات.
لم يعد التحجج بالمرض يجدي نفعا وجاءها الأمر لكي تنضم لزميلاتها. فقد ذهبت إليها تشو في الحجرة وقالت لها بجفاء ساخر وهي تراها ملتفة بالغطاء:
– الرئيسة تريدك وتقول أن مرضك طال أكثر مما يليق… وأنا أنصحك أن تسرعي. فمن سيأتي في المرة القادمة ليجلبك إليها شخص لن تعجبك معاملته معك.
بعد خروجها قفزت زينة عن الفراش وراحت تدور حول نفسها وكل خلية في جسدها ترتعش بخوف. ماذا تفعل؟ كيف تستطيع مقاومتهم والخلاص منهم؟ أخبرتها نجلا أن لا خلاص لها من هنا إلا إذا كانت جثة هامدة. العقاب الذي قد يلحقوه بها أشد من أي عذاب قد تراه أو تتخيله. إذن لا سبيل لديها إلا أن تطاوعهم وتفعل ما يرغبون به وهذا من المستحيل.
لم تكن تعرف أنها تحت المراقبة إلا عندما اقترب منها زوج فريدريكا مما جعلها تنكمش في الزاوية وتنظر إليه بخوف.
ابتسم لها ابتسامة صفراء زادت من قساوة ملامحه وسألها:
– لماذا تقفين هكذا؟ أليس لديك عمل تقومين به؟
هزت رأسها وقالت بضعف:
– لا.. ليس لدي.. فهذا ليس هذا ما أتيت للقيام به.
اختفت ابتسامته وقال بصوت بطيء بارد جعل جسدها يقشعر:
– بدلي ملابسك وتقدمي بين الضيوف وقومي بعملك الذي قبضت للقيام به.
ارتعشت شفتها السفلى وكانت على شفير البكاء وقالت تتوسل فربما تجد بقلبه شيئًا من الرأفة بها:
– أرجوك.. أريد أن أعود إلى بلدي وسوف أعيد لكم المال الذي أخذته منكم.
لم تكن تعرف كيف ستعيده ولكن من المهم أولاً أن تترك هذا المكان.
صمت الرجل للحظات يقيمها بعينيه بنظرة غامضة ثم قال ما جعلها تنتفض:
– تعرفين ما العقاب الذي سيلحق بك إن عصيت الأوامر؟
نعم تعرف فمما أخبرتها به نجلا عن الأشياء التي قد يفعلونها بها. أقلهم وأرحمهم الضرب والصعق بالكهرباء فهي تستطيع تقبلهم ولكنها لا تعرف إن كانت ستتحملهم. ولكن الألعن هو التهديد بانتهاك جسدها. أخبرتها أن لهم طرق في الاغتصاب لا تتحملها حتى العاهرة.
قالت تتوسل مرة أخرى:
– سيدي أرجوك.. أنا لا أصلح لمثل هذا العمل.
ثم ابتلعت ريقها وتابعت بهمس بالكاد سمعه ووجهها صورة حية عن الرعب:
– أنا لم أفعل ذلك من قبل ولم أكن أعرف نوع هذا العمل قبل أن أكون هنا.
قال بسخرية باردة وقد لمعت عيناه باغتباط:
– حقًا؟ إذن صديقنا المشترك لديه ما يفسره لنا… تعالي معي.
التفت أصابعه التي تشبه المخالب بقسوة حول ذراعها وجذبها تجاه باب جانبي يفضي إلى صالون أصغر وأكثر حميمية ولا يصله من صوت الموسيقى والضجة إلا القليل. وعلى أثر الضوء الخافت رأت جسدين ملتصقين على الأريكة لرجل وامرأة. عرفت المرأة على أنها فريدريكا وكانت تقريبًا تجلس فوق الرجل بطريقة فاحشة وساقيها وذراعيها تلتفان حوله كالأفعى. نظرت زينة بحدة إلى وجه زوجها متوقعة أن ترى عاصفة من الغضب والأزدراء ولكن لذهولها كان هادئًا جدًا وباردًا إلى أقصى حد وهو يقول:
– لدينا مشكلة هنا.
ظنت زينة أن فريدريكا لم تسمعه أو أنها قررت تجاهله ولكنها دفعت بنفسها عن صديقها ببطء ونظرت إلى زوجها بتأفف:
– ماذا حدث؟
أشار إلى زينة ثم تحدث إليها بالألمانية فلم تفهم زينة ما قاله لها وظل وجه فريدريكا على هدوئه ثم قالت موجهة كلامها للرجل الجالس بجوارها بابتسامة إغراء:
– هل تسمح لنا بدقيقة على انفراد حبيبي؟
وقف الرجل مبتسمًا لها وخرج. فذهب زوجها وأغلق الباب الجرار من خلفه وعاد إليهما.
سألتها فريدريكا بلطف لا يمت بصلة لنظرة القسوة في عينيها:
– هل أنت عذراء؟
هزت زينة رأسها:
– نعم.. ولم أكن..
قاطعتها فريدريكا بإشارة ملل من يدها:
– نعم فهمت ذلك.. ولكن ما يجب أن تفهميه أنت أن الخروج من هنا مستحيل.
ثم لوت شفتيها باستغراب وتابعت:
– لم يعتاد خالد على توريد من هن مثلك ولكن لا مشكلة.. لقد حدث ما حدث ولدينا الزبون المناسب لك وبعدها ستعتادين الأمر.. سنعلمك كل شيء لا تقلقي.
صرخت زينة بضعف وقلة حيلة وقد هبط قلبها:
– لا أرجوك.. أتركيني أذهب.
تجاهلتها فريدريكا ونظرت إلى زوجها:
– تعرف ما عليك فعله.. ولا أريد ضجة حول هذا الأمر.
سألها باستغراب:
– ألن تتصلي بخالد لاستيضاح الأمر منه أولاً؟
ردت بصرامة:
– لا.
سارت زينة مع زوج فريدريكا خارج غرفة الصالون وهي تفكر بأن هذه نهايتها.
مر من بين الراقصين ثم هبط بها إلى حيث غرف نوم الضيوف. كانت ساقاها ترتجفان وأضطر أن يرفعها عن الأرض لأكثر من مرة وهو يزمجر غاضبًا وتوسلاتها لا تنقطع وعقلها يفكر بذعر مما هو قادم.
– أرجوك.. أستطيع أن أقوم بأي عمل آخر.. أستطيع العمل في المطبخ أو أقوم بالتنظيف.
دفع بها بداخل غرفة كانت خالية وأكبر من الغرفة التي خصصت لها مع تشو وتحتوي على فراش كبير يتوسط الحائط المقابل ورأت بار في إحدى زواياها رصت فوقه زجاجات الخمور.
دفعها بقوة ثم خرج وأغلق الباب وأدار المفتاح فيه من الخارج.
بحثت زينة من حولها لم يكن هناك مخرج. حتى وإن كان فأين ستذهب من هنا؟
فجلست تنتظر وعقلها المفزوع لا يكف عن تصور الأهوال التي سوف تحدث لها. وبعد دقائق فتح الباب وكانت تشو يصاحبها أحد الرجال مفتولي العضلات من حراس فريدريكا. كانت تشو تحمل لها ملابس العمل المقززة ووقفت أمامها بملامح خالية من التعبير وطلبت منها:
– ارتدي هم.. وأعطني ملابسك هذه.
نظرت زينة إلى الحارس ببؤس وقالت:
– اجعله يذهب أولاً.
أجابتها:
– ليس مسموحًا له بالذهاب.. فوجوده ضروري لأن في حالة رفضك لتنفيذ الأوامر لديه تعليمات للتصرف بطريقته.
امتقع وجه زينة وقالت بآخر ما تملك من تصميم وقوة:
– لن أبدل ملابسي أمام عينيه.
طلبت تشو من الحارس ضاحكة أن يدير ظهره فابتسم ساخرًا واستدار بملل.
احتفظت زينة بملابسها الداخلية كاملة وارتدت القميص الأبيض الشفاف والتنورة القصيرة ونظرت بيأس إلى تشو وهي تجمع ملابسها لتأخذها معها وذكرتها وهي تشير إلى قدميها:
– والحذاء.
خلعت زينة حذاءها الرياضي وانتعلت الحذاء العالي الكعبين وشعرت فورًا بالقذارة وبأنها أصبحت مثلهم.
مر الوقت بطيئًا على زينة وهي جالسة وحدها تشعر بروحها تكاد تنسل من جسدها في كل دقيقة تمر منه وتمنت لو تموت بالفعل فالموت أرحم لها وأهون مما ينتظرها على أيدي هؤلاء الشياطين معدومي الضمير.
ظلت عيناها طوال الوقت معلقتين بالباب ترهف السمع لأي صوت يصدر عن قفل الباب. وعندما حدث أخيرًا هبت مذعورة تبحث عن مكان للأختباء. ولجأت إلى أقصى زاوية بالحجرة لتحتمي بها.
من دخل من الباب كان رجلاً ضخمًا بوجه أحمر ونظرات مقززة راح يضحك بسرور عندما رآها. أغبط وكأنه قد وجد هدية أعجبت. وكأنما رؤية ذعرها تسعده. وكأنما يمتعه لعب دور الصياد في مقابل فريسة ضعيفة يتلذذ بتعذيبها ويلهو بها قبل افتراسها.
تقدم بالغرفة وجلس بهدوء وروية على مقعد قرب البار وراح يتجرع الكأس تلو الآخر وعيناه تحومان بمكر عليها ودون أن ينطق بكلمة راح يقيمها ويراقب حركاتها العصبية وهي تقيس المسافة بينها وبين الباب بعينيها. وكان يعرف نيتها للهرب فقد أخذ يضحك. كان هو الأقرب منها إليه وإن فكرت بالعدو نحوه سيكون قد سبقها إليه في خطوتين فقط.
وقف أخيرًا بعد أن مل من المراقبة وراح يقترب منها قائلًا بخبث:
– اقتربي مني.
لم تتعرف زينة من لهجته من أي بلد هو وعندما أصبح قربها لا يفصله عنها سوى سنتيمترات ضغطت أكثر بجسدها على الجدار تتمنى لو يبتلعها وصرخت بصوت مخنوق ويداه تمتدان للإمساك بها. دار بينهما صراع رغبات. رغبة جنسية مقززة في أبشع صورها متمثلة في هذا الكائن الذي تراه وحشًا غير آدمي وبين رغبتها في النجاة بعفتها وطهرها.
استطاع أن يحملها بسهولة رغم نجاحها بخدش وجهه بأظافرها وألقى بها فوق الفراش. ففارقها الضعف وأعطاها الخوف قوة لم تتوقعها. دفعت به بقدميها بمنتصف صدره بقوة وهي تصرخ بشراسة ورأته وهو يسقط إلى الخلف ليصطدم رأسه بحافة طاولة الزينة ويسقط بعدها على الأرض والدماء تنزف من مؤخرة رأسه بغزارة وقد همد جسده بعدها وعيناه ظلتا جاحظتين.
لم تضيع الوقت وخرجت من الغرفة تعدو. تهرب. وهي تتساءل. هل مات؟ أم سيفيق ويلحق بها؟ وانتهى بها الهروب إلى غرفة المحركات بساق تنزف دمًا وقلب ينزف ألمًا.
– يا رب العالمين.. وهل مات.. قتلته؟
قالت زينة بيأس للبحار العربي الذي وقف يستمع إليها وهي تروي له الأسباب التي أوصلتها إلى هنا:
– لا أعرف.. تركته على الأرض غارقًا في دماءه.
– إن مات حقًا سوف تسجنين. سيقومون بتسليمك إلى الشرطة لإخلاء مسؤوليتهم. فهؤلاء الضيوف من الأثرياء ورجال الأعمال المعروفون ولن يمر موته دون محاسبة.
بكت زينة بحرقة. فإن قدر لها الخروج من هنا فلتجد السجن بأنتظارها. لن يصدق أحد أنها كانت تدافع عن نفسها وهي تعمل عملًا كهذا ولن تجد من يرحمها.
جلس البحار القرفصاء بجوارها فقالت له بتضرع:
– ساعدني على الهرب والخروج من هنا أرجوك؟
– لا أعرف حقًا كيف سأساعدك ولكني سأحاول أن أجد لك طريقة وأرجو أن يكون ذلك قبل أن يكتشف أحد ما فعلته.
ثم نظر إلى وجهها بنظرة شفقة وتابع:
– لعل مساعدتي لك تمحو عني ذنب عملي في هذا المكان الموبوء.
ثم وقف على قدميه ثم تابع بعزم:
– ابقي مكانك لا تتحركي.. يجب أن أمسح أولاً آثار الدماء عن الأرض فهي من دلتني على مكانك وسأعود إليك عندما أجد طريقة ما. وأدعي ربك أن لا يعرف أحد بما فعلت حتى أستطيع إخراجك من هنا.
انصرف من أمامها وعادت هي إلى الاختباء تحت الغطاء تدعو الله أن يستطيع هذا الرجل مساعدتها.
مرت ساعة حسبتها عشرة. عاد الرجل وابتسم لها مطمئنًا وهو يقول:
– لك حظ عجيب.. ربك يحبك بالتأكيد.
نظرت إليه بلهفة فأخبرها:
– هناك قارب شراعي يبحر به مجموعة من الأصدقاء عرب الجنسية وكان قد أصاب أحد محركاته عطلًا وقد قابل صاحبه قبطان اليخت في وقت سابق من اليوم وطلب منه أن يرسل له أحد المهندسين لمساعدته في إصلاحه وذهب زميل لي وأخبره أن هناك قطعة تحتاج للتغيير فأرسل في شرائها ومن المفترض أن يعود زميلي لتركيبها قرب الفجر لأنه متعجل ويرغب في الإبحار بسرعة فقد تأخر يومين بسبب ذلك العطل وقد استطعت إقناع زميلي بأن أذهب بدلًا منه وكان هذا سهلًا لأنه شرب كثيرًا الليلة ولم يكن قادرًا حتى على فتح عينيه.
أشرق وجه زينة بأمل وسألته بلهفة:
– ومتى سوف نذهب؟
– قرب الفجر.. ونأمل على الله أن لا يكتشف أحد ما حدث حتى تبتعدي من هنا.
هذا يعني أن أمامهم ما لا يقل عن ساعتين. دفع الرجل بلفافة كبيرة بين يديها:
– ارتدي هذه الملابس.
فتحت اللفافة ووجدت بها أفرول كالذي يرتديه ومعه حذاء ضخم وخوذة وتابع:
– حتى إذا ما لمحك أحد يظنك أحد البحارة.
استوقفته زينة قبل أن يذهب وسألته:
– حضرتك لم تخبرني باسمك؟ ومن أي بلد أنت؟
– اسمي عبد الله من الأردن.. مهندس بحري.
ابتسمت له من بين شحوبها بامتنان:
– أنا سعيدة لأنني قابلتك.
ابتسم لها بعطف وقال:
– لدي ابنة عمرها قريب من عمرك ولا أتمنى أن أراها تقع في ما وقعت أنت فيه ولا تجد من يمد لها يد العون لينقذها.
سالت الدموع على وجنتيها وقد تأثرت بالحنان الذي في صوته وشعرت بالراحة تغمرها ووثقت بأن الله لم يكن ليتركها أبدًا لمثل هذا المصير.
قرب الفجر وقبل أن يبدأ نور الصباح في الظهور جاء عبد الله كما وعدها وكانت قد ارتدت الملابس التي أحضرها لها وكم شعرت بالراحة لأنها تخلصت من تلك الملابس الوقحة التي أجبرت على ارتدائها. خرج عبد الله قبلها ليتأكد من أن لا أحد على السطح سيراها وهي تنزل إلى الزورق.
تمت خطة الهروب بنجاح. اختبأت زينة تحت غطاء من البلاستيك وبعد دقائق انضم إليها عبد الله وعندما بدأوا في الابتعاد عن اليخت ودت لو تصيح فرحًا وهمت بالخروج من مخبئها ولكن عبد الله أمرها أن تظل كما هي حتى يبتعدا أكثر.
قال عبد الله عندما اقتربا من المركب الشراعي الذي كان يرسو بالقرب من الميناء:
– عندما نصل سوف تظلين كما أنت في مكانك حتى تتأكدي من أننا ابتعدنا أنا والرجل.
سألته بدهشة:
– لماذا.. أنت لن تقول له عني؟
– بالطبع لا.. لا يجب أن نخاطر بإخباره فقد يرفض مساعدتك خوفًا من المسؤولية أو قد يسلمك بنفسه إلى الشرطة.
قالت بخوف:
– خذني إلى الميناء إذن.
– هل معك جواز سفرك.. أو تصريح بالخروج من المرفأ؟
– لا.. أخذوا كل أوراقي فور خروجنا من ميناء الإسكندرية.
– هذا ما توقعته.. يجب أن تتركي اليونان اليوم وبأي وسيلة.. سوف تلقي الشرطة القبض عليك بسهولة ما دام معهم جواز سفرك وصورتك.
– وكيف سأبقى على القارب دون أن يعلم أصحابه بوجودي؟
– يجب أن تجدي مكانًا للاختباء ولو لبضعة ساعات فالرجل متعجل على الإبحار فقد تعطلت رحلته بسبب عطل المحرك وعندما ينتهي من إصلاحه سوف ينطلق به على الفور وهو قارب سريع جدًا وعندما سيكتشفون وجودك يكون قد ابتعد كثيرًا ولن يخاطر بالعودة فقط من أجلك.
ونصحها أنه عندما يجدونها لا تقول شيئًا عن المكان الذي أتت منه وتخترع أي شيئًا حتى لو ادعت فقدانها للذاكرة.
سألته بقلق شديد:
– وما الذي سيحدث لي بعد ذلك؟
قال بصرامة:
– اسمعيني جيدًا.. أي شيء سيحدث لك بعد ذلك سيكون أرحم مما كنت ستتعرضين له مع هؤلاء القوادين المعدومي الضمير. ومن السجن الذي قد تقضين فيه بقية عمرك.
فسألته بخوف:
– افرضي أنني وجدت على ذلك القارب مثال للذي هربت منه هناك؟
رواية ملاك يغوي الشيطان الفصل الثامن 8 - بقلم مايسة ريان
قالت زينة بتأثر لعبدالله:
– لن أراك ثانية أليس كذلك؟
ابتسم لها بحنان أبوي:
– تذكريني بالخير.. وأعتني بنفسك جيدا.
أصبحا على بعد أمتار قليلة من القارب الشراعي، وكان هناك رجلاً طويلاً يقف ممسكاً بحاجز المركب الكبير، وكانت الأضواء الصادرة من الكشافات القوية من خلفه تظهره كظل أسود بلا معالم. لمحته زينة للحظة قبل أن يأمرها عبدالله بإخفاء رأسها تحت الغطاء.
توقف الزورق الصغير بجوار المركب الشراعي، وأحست بالزورق يميل بحدّة، وعبدالله يقف ويصيح بالتحية للرجل بلهجته الأردنية وهو يلقي له بالحبل. سمعت زينة الرجل يرد على تحيته بصوت عميق وقوي وباللهجة المصرية التي كان لها وقع الموسيقى على أذنيها، وداعبها الحنين إلى وطنها وبيتها.
اهتز القارب للمرة الأخيرة وعبدالله يتركه، وأبعدت أصواتهم شيئاً فشيئاً وهما يتحدثان عن مشكلة المحرك. خرجت زينة من تحت الغطاء ووقفت تترنح، وقد اجتاحتها موجة ألم رهيبة من جرح ساقها، وقد التصق قماش الأفرول بالجرح ورأت بقعة كبيرة من الدماء على السروال. ولكنها تحاملت على نفسها وتسلقت السلم الذي كان أعلى مما توقعت.
وعندما أصبحت على السطح، وقفت مندهشة تتأمل ما حولها. لم يكن المركب كما توقعته. إنه لا يشبه تلك المراكب الشراعية التي رأتها من قبل، فطوله لا يقل أبداً عن ثلاثين متراً، ولا تقل فخامته عن اليخت الذي كانت فيه.
حاولت أن لا تصدر صوتاً وهي تخطو على السطح الخشبي لكي تبدأ رحلة البحث عن مكان للاختباء. ولكن معدتها كان لها تفكيراً خاصاً بها وأصدرت صوتاً مزعجاً لتذكرها بأنها لم تأكل شيئاً منذ صباح الأمس، وهي أيضاً عطشى وقد يطول اختباءها فيجب أن تحصل على بعض الزاد.
ودون أن تفكر بعواقب ما تفعله، نزلت بضعة درجات إلى قلب المركب. وكانت الأضواء خافتة بالداخل، ولكنها استطاعت أن تميز حجرة جلوس كبيرة تضم عدداً من الأرائك والمقاعد الجلدية الوثيرة، وكان على يمينها مطبخاً مفتوحاً على حجرة الجلوس ببار من الخشب المصقول فوقه رخامة لامعة بلون العسل.
توجهت إلى البراد الكبير ولعابها يسيل. ولم تدرك كم هي جائعة إلا عندما فتحت البراد ووقعت عيناها على كل ما لذ وطاب من لحوم ودجاج وجبن متعدد الأنواع ولحوم باردة ومعلبات لا تعرف على ما تحتوي معظمها.
خلعت خوذتها.. وقررت أنها ستأخذ القليل من اللحم البارد وبعض قطع الجبن وفاكهة، لا يجب أن يشعر أحد بأن شيئاً مفقوداً. ولكنها لم تستطع أن تقاوم شريحة بطيخ رأتها قابعة في طبق على أحد الرفوف. سحبتها دون تردد ووضعتها داخل خوذتها.
أغلقت باب البراد ولمحت سلة الخبز فوق إحدى الخزائن. وقبل أن تمد يدها إليها سمعت صوتاً، باباً يفتح ويغلق. اختبأت تحت البار بسرعة ولعنت نفسها على فجعتها. سيكتشفون وجودها حتى قبل أن يعود عبدالله إلى اليخت.
سمعت صوت خطوات تقترب من حجرة الجلوس. تبدو أنها لامرأة، فكعب نعليها الرفيعين كانا يدقان على الأرضية الخشبية.
“آدم.. آدم.”
كانت تنادي على شخص يدعى آدم وتابعت باللغة العربية وباللهجة المغربية:
– حبيبي أنت هنا؟
راحت زينة تدعو أن لا تدخل تلك المرأة إلى المطبخ وتعود إلى حجرتها. لما هي مستيقظة الآن؟ وعادت تلعن نفسها على غبائها. لم تذهب المرأة كما تمنت زينة. وبعد لحظات بدأت تشم رائحة دخان سجائر، فكادت أن تبكي. ستشرق الشمس بعد قليل وقد يستيقظ الباقون ويكتشفون وجودها وحينها ستفشل خطة هروبها قبل أن تبدأ.
بعد دقائق سمعت صوت زورق عبدالله يبتعد وأحد ما ينزل الدرجات الخشبية إلى غرفة الجلوس، وسمعت صوت رجل يقول بدهشة:
– جليلة؟.. لما أنت مستيقظة؟
صوت الرجل كان هو نفسه الذي استقبل عبدالله على سطح اليخت. تحركت المرأة التي تدعى جليلة وهي تقول بغنج:
– لم أستطع النوم بعد شجارنا بالأمس.. ذهبت إلى حجرتك ووجدتها خالية فقلت إنك ربما تكون مثلي قد جفاك النوم.
رد آدم ببرود:
– هذا غير صحيح.. استيقظت باكراً لأن المهندس الذي طلبته لمساعدتي كنت على موعد معه وقد انصرف منذ لحظات.
يبدو أن جليلة قد قررت تجاهل بروده في معاملتها وقالت بدلال:
– آدم حبيبي.. أنت مازلت غاضباً مني؟
– دعك من هذا الصلف يا جليلة فهو لا يليق بك.. اذهبي الآن إلى النوم سنبحر خلال ساعتين وأنا أحتاج للراحة فقد أتعبني تصليح ذلك المحرك.
كان يريد التخلص منها وهذا ما وصل إلى إدراك جليلة أخيراً وجعلها تستشيط غضباً وانطلق لسانها بكلمات سريعة لم تفهمها زينة، ولكنها بدت كشتائم من العيار الثقيل. وقالتها باللغة الإسبانية ثم انصرفت بخطوات غاضبة. وزفر المدعو آدم بقوة وقال بحنق شديد:
– النساء حتى وإن كن أميرات عندما لا يحصلن على مبتغاهن تصبح ألسنتهن سليطة كفتيات الشوارع.
ذهب آدم بدوره وساد السكون في المكان. وبعد لحظات خرجت زينة ببطء من تحت البار. وقبل أن تذهب سحبت زجاجة ماء وصعدت إلى السطح. وكان نور الصباح قد بدأ في الظهور وتحولت السماء إلى اللون الوردي الباهت الممزوج باللون الأزرق الفاتح وخيوط الشمس الذهبية بدأت تطل بأشعتها على الماء. مشهد كانت تود لو تقف لتتأمله ولكن للأسف يجب أن تجد مكاناً للاختباء قبل أن يستيقظوا.
سارت وهي تعرج إلى مؤخرة القارب تحتضن خوذتها بين ذراعيها. وبعد البحث الذي كاد أن يصيبها بالإحباط وجدت حجرة بابها على السطح. فتحته بحذر فقد تكون خاصة بالبحارة وقد تجد أحدهم نائماً بالداخل. ولكنها لم تجد أحداً. كانت حجرة صغيرة قد تراصت على جدرانها أدوات الصيد بكافة أحجامها واستخداماتها وأنابيب الأكسجين وخزانة بباب جرار علقت فيها بذلات الغطس.
كانت الخزانة مناسبة للاختباء خاصة وأنهم إذا كانوا سيبحرون فلن يحتاجوا إلى بذلات الغطس في الوقت الراهن. وجدت بطانية صغيرة فرشتها في قاع الخزانة حتى تسهل عليها الجلوس. وكانت رائحتها رائحة السمك ولكن لا خيار لديها. وقبل أن تدخل إلى الخزانة تناولت طعاماً سريعاً من خوذتها وحاولت أن تقتصد على قدر الإمكان. وخبأت الخوذة في إحدى الزوايا خلف معدات الصيد. ثم دخلت إلى الخزانة الضيقة وسحبت الباب لتغلقه.
لم تكن تتوقع أنها ستستطيع النوم في هذه الوضعية الصعبة والقاسية، ولكن النوم غلبها وسقطت صريعة له على الفور من شدة التعب والإرهاق.
لم تعرف زينة كم مضى عليها من الوقت وهي نائمة. وعندما حاولت أن تعتدل في جلستها تأوهت من الألم فقد تيبست عظام جسدها وجرح ساقها كان يحرقها ويؤلمها بشدة. لم تسمع أي حركة بالخارج ولكنها كانت أكيدة من أن القارب يتحرك. وتساءلت: كم ابتعدا عن أثينا يا ترى؟ فهي لا تعرف شيئاً عن الإبحار والعقد والمسافات بين الدول.
خرجت من الخزانة تتمطع متأوهة. كان يوجد نافذة زجاجية صغيرة تطل على سطح القارب. اقتربت منها ونظرت عبرها إلى الخارج. الشمس كانت تملأ الكون، وكان القارب وكأنه يطير طيراناً فوق سطح الماء.
ثم فجأة ظهر شخصان من مقدمة القارب. كانا رجلاً وامرأة، وكان الرجل يسير ويسحب المرأة خلفه. وقد كانت ترتدي رداء بحر شفاف فوق ثوب سباحتها، والرجل يرتدي سروالاً قصيراً وقميصاً خفيفاً. وكانا يقتربان من الحجرة التي تختبئ فيها. وتساءلت: هل هما آدم وجليلة؟
أسرعت تختبئ داخل الخزانة وسحبت الباب تغلقه تاركة به فتحة صغيرة تحسباً إذا ما دخلا عندها.
دخلا إلى الحجرة بالفعل وأغلقا الباب ورائهما. وقالت المرأة بالعربية وباللهجة الخليجية محتجة بدلال والرجل يعانقها بحماس:
– حميد.. كن عاقلاً فقد يرانا أحد.
شعرت زينة بالقرف. إن لم يتوقف هذان الشخصان عما يفعلان فسوف تتقيأ.
رد المدعو حميد بلهجة تشبه لهجة جليلة المغربية:
– لا تقلقي.. آدم مشغول في كابينة القيادة وجليلة ملتصقة به منذ الصباح.
– وماذا عن فراس ونيكول؟
– نيكول مازالت نائمة ولن تستيقظ كعادتها إلا بعد الظهر وفراس يتأخر في الاستحمام وتغيير ملابسه. إنه صديقي وأعرف عاداته جيداً.
دفعته المرأة عنها بإصرار:
– لكن لا.. لا يجب أن نخاطر.. لم يمر على زواجي من فراس إلا أسبوعين فقط ولا أريد أن يتم طلاقي بهذه السرعة.
زمجر حميد معترضاً ولكنه أذعن لها في النهاية وخرجا.
اتسعت عينا زينة من الصدمة. زوجة تخون زوجها وهي مازالت في شهر العسل؟ ماذا ستفعل إذن بعد مرور الشهر؟ وهذا الصديق الحقير كيف يدعوه بصديقه وهو يغوي زوجته؟
جلست زينة ذاهلة. ما هذا العالم القذر الذي دخلت إليه؟ منذ أيام قليلة لم تكن تعرف بوجوده على الإطلاق. كيف يقبل بعض الناس أن يعيشوا أشبه بالحيوانات تتحكم فيهم غرائزهم وتلغي إحساسهم بالشرف والوفاء حتى لأقرب الناس إليهم.!!!
فتحت باب الخزانة بعنف وخرجت وقد تحول الذهول والاشمئزاز بداخلها إلى غضب. نظرت من النافذة. لقد قال الرجل إن الجميع مشغولون، إذن هي بأمان لبعض الوقت. أخرجت الخوذة من مخبئها وقررت أن تأكل شريحة البطيخ قبل أن تفسد في هذا الجو الخانق. جلست في قاع الخزانة ومدت ساقها المصابة أمامها على الأرض لتريحها. كان طعم البطيخ لذيذاً فراحت تأكل بنهم والعصير يتساقط من شدقيها فلم تهتم فلا أحد هنا ليراها.
كان وجه زينة غارقاً داخل شريحة البطيخ عندما فتح الباب بغتة وسد جسد رجل طويل الباب. تجمدت زينة في مكانها وكذلك فعل الرجل. رفعت وجهها إليه ببطء وقد تبلد إحساسها تماماً وكاد قلبها أن يتجمد ويتوقف عن الخفقان بدوره. وقف الرجل مذهولاً يحدق فيها قائلاً:
– ما هذا؟.. من أنت؟
تحدث إليها بالعامية المصرية فعرفت هويته. إنه المدعو آدم.
امتنعت زينة عن الرد.. ليس لأنها اتفقت مع عبدالله على ذلك ولكن لأن شفتيها كانتا وكأنهما قد التصقتا ببعضهما بالغراء. فأعاد عليها السؤال بحده أكبر وباللغة الإنجليزية فلم ترد.
تقدم آدم إلى داخل الغرفة وسحبها من ذراعها يوقفها على قدميها. وكان أطول منها بكثير وهزها وهو يسألها بالإنجليزية:
– هل تتحدثين الإنجليزية؟
هزت رأسها إيجاباً. فسألها بغضب:
– من أنت.. وكيف صعدت على متن قارب؟
انفجرت زينة بالبكاء ولم ترد. أصبح وجهه شرساً ونافذ الصبر وهو يسحبها من ذراعها بقسوة إلى الخارج وراح يجرها خلفه إلى مقدمة القارب. وقوة الهواء مع السرعة الكبيرة تكاد تدفعها للسقوط لولا أصابع الرجل القوية الملتفة حول ذراعها تدعمها وهي تعرج بألم. مازالت قشرة البطيخ في يدها متشبثة بها وكأنها سلاحاً ما. وراحت تفكر بشكل محموم.. ماذا سيفعل بها؟ هل سيعيدها إلى اليخت أم سيلقي بها في البحر؟ فقد بدا تعبير وجهه إجرامياً في تلك اللحظة ولم تقو على الكلام من شدة الخوف.
أخذها إلى مقدمة القارب ونزل بها الدرجات إلى حجرة الجلوس ودفع بها وسط ذهول ثلاثة أزواج من العيون: رجلين وامرأة. دارت عيناها فيهم بتوسل صامت وجسدها ينتفض. سألت المرأة بذهول:
– من هذه؟ من أين أتيت بها؟
رد بغضب:
– وكيف لي أن أعرف.. أنا من يريد أن يعرف من أتى بها إلى قارب دون علمي؟
قال رجل من الرجلين الآخرين وعرفته زينة.. أن هذا الرجل وهذه المرأة هما من كانا معاً يتعانقان في الحجرة التي كانت تختبئ بها والمدعو حميد.
قال حميد:
– بالتأكيد ليس أحد منا.. ألم تسألها؟
– لا تريد الإجابة.
قالت المرأة:
– قد تكون صديقة لبيدرو ولا تنسى أنه من تسبب في عطل المحرك.. وتأخيرنا كان بسببه؟
صعد آدم إلى السطح وصرخ بصوت هادر جعل جسد زينة يرتعد بشكل ظاهر:
– بيدرو.. بيدرو.
عاد آدم وبعد قليل ظهر شاب في منتصف العشرينات من عمره قوي البنية ذات عضلات مفتولة ووجه أسمر لطيف رغم ضخامته يرتدي سروالاً رمادياً قصيراً وتي-شيرت أزرق وقبعة خاصة بالبحارة. تقدم الشاب وقد ظهر القلق على وجهه وقال بلهجة مغربية:
– نعم سيد آدم.
أشار آدم إلى زينة:
– هل تعرف من هذه؟
نظر بيدرو إلى زينة بذهول:
– لا سيدي.. لا أعرفها.. من هذه؟
صاح آدم:
– كلكم إذن لا تعرفونها.. لم نرسو في الميناء وبقينا في عرض البحر لثلاثة أيام فكيف ظهرت فجأة على القارب دون أن يساعدها أحد من هنا و..
بتر عبارته ونظر إلى زينة وقد ضاقت عيناه وتحدث إليها بالإنجليزية:
– آه.. عرفت الآن كيف جاءت إلى هنا.
أشار إلى الأفرول الأزرق الذي ترتديه وقال بهدوء يخفي تحته عاصفة من الغضب:
– أنت ترتدين نفس الزي الذي كان يرتديه ذلك المهندس الذي حضر في الصباح لمساعدتي على تصليح المحرك.. كنت مختبأة في الزورق الذي أتى به.
انكمشت زينة وامتقع لونها. هذا الرجل لا ينقصه الذكاء أبداً وهذا ما لم تعمل له حساب هي أو عبدالله عندما وضعا خطتهما. أصبح صمتها الآن غير ضروري. فتحت فمها وأغلقته أكثر من مرة دون أن تنطق بكلمة فبدت كسمكة تلتقط أنفاسها خارج الماء وعجز لسانها عن التحرك. فهدر في وجهها دون رحمة:
– تكلمي.. ألا تملكين لساناً؟
ارتعدت من الخوف وانفجرت في البكاء من جديد. تقدم الرجل الثالث والذي كان قد اكتفى في البداية بالمراقبة فقط. ودفع آدم بعيداً عنها قائلاً بلهجة خليجية:
– كفى يا رجل وأهدأ.. ألا ترى أن هذه الصغيرة خائفة ومصابة.
– أهدأ؟.. ومن يضمن لي أنها ليست مجرمة هاربة.. أو تكون قد خبأت ممنوعات على القارب لتهريبها.
ارتعدت زينة بشدة. ماذا لو اكتشف أنها مجرمة حقاً وأنها قتلت شخصاً؟
قال له الرجل وقد رجحت زينة أنه المدعو فراس:
– اتركها لي وسوف أعرف منها كل شيء.
– تفضل.. هذا إن عرفت أن تقنعها بعمل شيء غير البكاء.
تقدم منها فراس وطلب منها أن تجلس على أحد المقاعد وجلس هو على آخر مواجهاً لها. وقف آدم خلفه عاقداً ذراعيه على صدره العريض بما يشبه التهديد فتجنبت النظر إليه.
ابتسم لها فراس. كان رجلاً في منتصف الثلاثينات تقريباً له وجه أسمر جذاب وعينان طيبتان رائعتان. وبالتأكيد هو زوج تلك الخائنة التي كانت تجلس بوقاحة بجانبه. سألها بصوت هادئ:
– أنت تتحدثين الإنجليزية؟
هزت رأسها إيجاباً.
– أنت يونانية؟
هزت رأسها نفياً مما جعل آدم يزمجر بفراغ صبر. فرفعت وجهها إليه خائفة ولكن فراس ربت على يدها مطمئناً وتابع:
– ما اسمك؟
همست بصوت خافت مرتعش وباللغة العربية:
– اسمي زينة.
اتسعت ابتسامة وسألها بالعربية:
– أنت عربية؟.. من أي بلد عربي؟
خطفت نظرة سريعة إلى آدم الذي مال إلى الأمام ليلتقط كلماتها الهامسة قبل أن ترد:
– من مصر.
استدار حميد إلى آدم وقال مبتسماً:
– إنها من بلادك يا صديقي.
عقد آدم حاجبيه بشدة وعاد حميد ينظر إلى زينة ويقول بجدية:
– أولاً من أنت؟ ولماذا هربت على متن مركبنا؟
وأكمل آدم كلام صديقه بحدة:
– ومن دون كذب.. أريد الحقيقة كلها.
لن ينفعها الكذب في شيء فروت تقريباً لهم قصتها كما فعلت مع عبدالله وانتهت بعملها على اليخت وما تعرضت له فيه وهروبها بمساعدة عبدالله. ولكنها لم تخبرهم أن الرجل الذي هربت منه قد يكون الآن ميتاً.. خوفاً من أن يقوموا بتسليمها إلى الشرطة.
استمعوا إليها بصمت تام دون مقاطعة. وبعد أن أنهت قصتها نظرت إلى فراس برجاء.. إنه الشخص الوحيد بعد عبدالله الذي عاملها بلطف وقالت:
– أرجوك لا تعيدني إليهم.
تراجع فراس في مقعده وقال وهو عابس الوجه:
– من حسن حظك أننا نعرف هذا اليخت ونعرف أصحابه ونعلم جيداً ما يحدث عليه.. مما يجعلنا أقرب لتصديق قصتك.. لذا لا تقلقي لن نعيدك إليهم.
ثم نظر إلى آدم وتابع:
– أليس كذلك يا صديقي؟
حدق آدم في وجهها وبعد لحظات من الترقب تجمدت خلالها الدماء في عروق زينة رد بصوت صارم كملامح وجهه:
– لا لن نعيدك.
شعرت زينة بالراحة تغمرها وأبتسمت وسط دموعها ولم تدرك مدى براءة ابتسامتها ومدى تأثيرها على قلوب الرجال الثلاثة. سألت زوجة فراس بحدة والقلق في عينيها:
– وأين كانت مختبئة؟
وعندما أجابها آدم توترت المرأة وتبادلت هي وحميد النظرات القلقة. لم ترغب زينة في النظر إلى أي منهما.. يكفي أنهما عرفا أنها رأت وسمعت كل شيء.
قال فراس بعينان ضاحكتان وهو يشير إلى قشرة البطيخ في يدها:
– هل أنت في حاجة إلى هذه؟
نظرت زينة إلى قشرة البطيخ وأحمر وجهها حرجا وتلفتت حولها تبحث عن مكان تضعها فيه، فأخذها فراس منها ووضعها في منفضة السجائر على المنضدة.
شكرته زينة بخجل وسألها آدم ساخراً:
– من أين أتيت بها؟
نظرت إليه وعاد وجهها للأحمرار. وقف فراس وقال ليبعد عنها الحرج:
– هذا يكفي.. هذه الصغيرة تحتاج إلى الراحة وإلى حمام ساخن والعناية بجرحها.
رواية ملاك يغوي الشيطان الفصل التاسع 9 - بقلم مايسة ريان
لقد خلقنا الله على الصلاح فذهبنا وبحثنا بأيدينا عن الضلال. غذينا بذرة الشيطان فنبتت وتأصلت جذور الشر داخل نفوسنا وتمددت فروعها العجفاء حتى توارت خلفها زهور الخير.
الإنسان منا ليس ملاكًا ولا هو شيطان. لقد فُطر على الخير والتقوى، فُطر على الحب والإنسانية، فُطر على التسامح والمغفرة، فُطر على الإيمان.
خالد ليس شيطانًا، وإنما اتبع خطواته فأصبح له عونًا وكان له سندًا ومرشدًا. سار بإرادته في طريق الضلال وهو يدرك جيدًا أن جنة الشيطان ما هي إلا وهم وخداع، ولكن نفسه مالت لملذات تلك الجنان. شهوة الجنس والمال، صناعة اللذة الحرام أصبحت حرفته التي لا يضاهيه فيها إلا أمثاله من أتباع الشيطان.
الآن هو في ستوكهولم يمارس العمل الذي يجيده دونًا عن غيره لصالح منظمات هو نفسه لا يعرف الكثير عن أصحابها.
كان يقف في غرفة الفندق يتابع معاونيه الذين يتراصون أمام شاشات الكمبيوتر والأرقام تجري بلا توقف في صعود. ملايين الدولارات تتسابق أمام صورة كل فتاة، فتياته ليسوا عاديات، إنهن الأجمل في العالم، ومازلن صغيرات وعذراوات، والأهم أنهن راضيات وراغبات بعرضهن للبيع.
ابتسم برضا، فأفضلهن قد احتفظ بها لنفسه. ليست الأجمل فيهن، ولكنها الأطهر والأنقى والأوفى قلبًا. لم يستطع أن يضعها بينهم فلن يقدرها أحد كما يقدرها هو، وقد لا تجذب الملايين من المال كهؤلاء، ولكنها قادرة على جذب القلوب والنبش بداخل الروح.
وكان قد تساءل يوم أن وجدها: هل قلبه قابل للجذب من قبل أية امرأة؟ تعجب لخفقاته في تلك اللحظة من شدة شوقه إليها. اشتاق إلى ذلك اللون الوردي الذي يصبغ وجنتيها كلما همس لها بكلمة شوق، وإلى صوتها الذي يخفت ويتلعثم من الخجل والكسوف.
وفي تلك الليلة الأخيرة التي سبقت سفره، أراد أن يودعها بطريقته، لكي يحمل منها ذكرى يتذكرها بها. ولكن براءتها وصدقها أثرا فيه بطريقة لم يتوقعها، ولم يصدق نفسه عندما تراجع وخضع لمشيئتها. إنه أكثر من قادر على إغواء مطلق امرأة مهما كانت قوة مقاومتها، ولكنه يعرف بأنها ستكرهه إن هو أجبرها.
– سيدي؟
أخرجه صوت مساعده من أفكاره وتابع وهو يمد له يده بالهاتف:
– إنها فريدريكا. تقول أمر هام.
عبس خالد وهو يمد يده ليأخذ الهاتف. إنها تعرف أنه من غير المسموح لها بمخاطرته هنا. العمل سري ولا مجال فيه للأخطاء، فهو يمس سمعة شخصيات مهمة حول العالم وأي خطأ قد تطير فيها رقبته، لذلك رد عليها بغضب.
***
نظرت زينة في مرآة الحمام وهالها ما رأت. كيف كانت تجلس أمامهم وهي بهذا المنظر الشنيع. بشعر أشعث لا شكل له ومتشابك ببعضه، وعيناها كانتا حمراوين ومتورمتان من كثرة البكاء، وقد تلطخت وجنتاها وأنفها وفمها بمزيج من الشحم الأسود وعصير البطيخ الأحمر. أما عن رائحتها فحدث ولا حرج، فقد امتزجت رائحة الشحم من الغطاء البلاستيك الذي كانت تختبئ تحته في اليخت مع رائحة السمك من البطانية التي نامت فوقها في حجرة أدوات الغطس مع العرق ليصنعا مزيجًا مقرفًا ومنفرًا.
تأوهت ببؤس وقالت:
– لا عجب أنهم كانوا ينظرون إلي وكأنني كائن غريب. فأنا أبدو كالقطة الجرباء التي خرجت لتوها من إحدى صناديق القمامة.
أخذت زينة وقتًا طويلاً في فرك جسدها بالصابون المعطر وغسلت شعرها ثلاث مرات. وعندما خرجت كانت تشعر بأنها إنسانة جديدة، نظيفة ومنتعشة، وأكثر من هذا… إنها في أمان. فراس رجل طيب وعاملها برقة، ورغم فظاظة آدم وقسوته إلا أنه قبل بوجودها على قاربه وتركها تستخدم حجرتها واهتم بها وعالج جرحها.
كان قد جلب حقيبة الإسعافات الأولية وأجلسها على المقعد بغرفته وركع أمامها، وكان فراس واقفًا يشرف عليه ويبتسم لزينة مشجعًا، وآدم يشق سروالها بالمقص ثم وضع المطهر على الجرح وهو يقول:
– إنه ليس سيئًا كما يبدو.
بعد أن نظفه وضع عليه ضمادة مضادة للماء، ثم تركاها وخرجا.
ارتدت زينة الملابس التي أحضروها لها: سروال أبيض من الكتان وقميص أخضر فاتح قصير الأكمام. كان ضيقًا قليلاً ولكنه مناسب، على عكس البنطال فقد كان طويلاً عليها بعض الشيء، واستنتجت أن صاحبتهم لابد وأن تكون طويلة القامة ونحيفة.
أخذت فرشاة الشعر عن طاولة الزينة ومشطت شعرها ولم يكن معها شيء لتربطه به فتركته منسدلاً. لم تعتد على استخدام أدوات الزينة إلا أثناء العمل، ولذلك لم تستاء كثيرًا لافتقارها لهم، فقد كان لها وجه آسِر وبشرة نضرة ناعمة تشقى الكثيرات من النساء عند مراكز التجميل للحصول على بشرة مثلها.
واكتشفت عندما همت بالخروج أنها لا تملك حذاء، فخرجت إلى الممر حافية القدمين.
كانت الحوائط من الخشب اللامع، وعلى طول الممر زينت بلوحات زيتية جميلة لعالم البحار، وقد فُرشت الأرض بسجاد ذي وبر عالٍ غاصت قدميها العاريتين براحة في نعيم نعومتها وتعجبت: كيف يمكن لسجادة أن تشعرك بالسعادة!
ابتسمت للمسار الذي اتخذته أفكارها، وقد كانت منذ ساعة واحدة فقط تتأرجح بداخل هوة عميقة تقذف فيها ما بين الخوف والقلق.
عندما وصلت إلى حجرة الجلوس، وقفت عند مدخل الرواق تراقب الجالسين هناك بحذر. لم يشعر أحد منهم بوجودها، فراحت تتأملهم بفضول.
كان يوجد ستة أشخاص، سبق لها أن تعرفت على أربعة منهم. وقف آدم مستندًا على البار وبيده علبة مياه غازية، وكان قد بدل ملابسه ببنطال قصير من الجينز وتي شيرت أسود يعكس مزاجه الحاد. وعلى إحدى الأرائك الجلدية الوثيرة جهة اليمين جلس فراس وبجواره زوجته السمراء الجميلة بعينيها الواسعتين الكحيلتين التي تتميز بهما النساء العربيات، وكانت ذراعه تحيط بخصرها النحيف وهما يتحدثان معًا بهمس، وشعرت زينة في تلك اللحظة بأن وجهها مألوف لها بطريقة ما.
نقلت زينة نظرها جهة اليسار قليلاً، وفوق مقعد فردي جلس حميد باسترخاء يستند برأسه إلى الخلف وعيناه مغلقتان. وعلى ذراع مقعده كانت تجلس فتاة شقراء رائعة الجمال ذات جسد طويل ونحيف وممتلئ في الأماكن الصحيحة، وكانت تداعب شعر رأسه بأناملها وعيناها مركزتان عليه برقة.
وقرب النافذة خلف الجميع، وقفت امرأة في أوائل الثلاثين من عمرها تشبه إلى حد كبير الممثلة المكسيكية سلمى حايك بجسدها المنمق وشعرها الطويل الحالك السواد الذي يكاد أن يغطي ردفيها. وكانت ترتدي ثوبًا قصيرًا برتقالي اللون بحمالات رفيعة يظهر لون بشرتها الزيتونية، وكانت تنفس دخان سيجارتها من النافذة وهي شاردة الذهن ضامة ما بين حاجبيها بعبوس.
فكرت زينة بانبهار: إنها تتواجد في نفس المكان مع ثلاثة نساء فاتنات يتنافسن معًا في الجمال والأناقة والإغراء، وثلاثة رجال وسيمون وأنيقون يستحقونهن عن جدارة. وعندما تقارن نفسها بهن لا تعدو أكثر من فتاة صغيرة لا شكل ولا قيمة لها.
أنبتت نفسها بحنق: كيف فكرت أنها لا تحتاج إلى أدوات للتجميل؟ على الأقل لتحديد عينيها التي تشبه عيون الأطفال وزيادة قليلاً من حمرة شفتيها الباهتتين. ولماذا بحق الله لم تبحث عن مجفف للشعر بدلًا من ترك خصلاته مبللة وملتصقة بفروة رأسها كأذناب الفئران. وتمنت كذلك لو كانت تنتعل حذاءً عالي الكعبين لرفع حاشية البنطال الذي كان يغطي أصابع قدميها الصغيرتين.
فتح حميد عينيه الضجرتين ولوى رأسه فوقعت عيناه على زينة، فتغيرت ملامحه على الفور وتدرجت من الدهشة إلى الإعجاب واعتدل في جلسته بحماس، فلفتت حركته انتباه الباقين. واحمر وجه زينة حرجًا من الأفكار الحاقدة التي كانت تملأ رأسها منذ قليل، وكأنهم قادرون على معرفة ما كان يدور في عقلها بمجرد النظر إليها.
شملها آدم بنظراته التي ازدادت تجهّمًا لرؤيته مظهرها الجديد.
وقف فراس واقترب منها مرحبًا بابتسامة واسعة قائلًا:
– أهلًا زينة. تعالي… أرى أن هناك تغييراً كبيرًا قد حدث.
ثم دفعها بلطف إلى وسط الحجرة وراح يعرفها على الجميع، وبدأ بالشقراء:
– نيكول، عارضة أزياء لبنانية وهي صديقة حميمة لحميد.
لم تفهم ما يعني بصديقة حميمة، وإن كانت قد شبهت الأمر بتلك العلاقات التي يتميز بها الغربيون. صافحتها نيكول بأدب، وكذلك فعل حميد، وقد أبقى يدها في يده أكثر مما يليق. لقد كان أكثر الرجال الثلاثة وسامة وجاذبية، ولكن ما عرفته عنه جعلها تنفر منه.
ثم عرفها فراس على السمراء التي تقف قرب النافذة: الأميرة جليلة، كما دعاها، وقال:
– إنها شقيقة حميد الصغرى.
وتساءلت زينة بانبهار وهي تحدق بها: هل هي أميرة حقيقية؟ وحميد… هل هو أمير كذلك؟ هزت لها جليلة رأسها بتحية فاترة دون أن تمد يدها لمصافحتها، ودخان السيجارة يخفي تعابير وجهها.
ثم عرفها إلى زوجته كاميليا التي صافحتها بأطراف أصابعها وعيناها تتأملانها بحقد تعرف زينة سببه جيدًا. وعادت زينة تشبه عليها، فقال فراس مبتسمًا وقد لاحظ الحيرة والتفكير على وجهها:
– بالتأكيد تعرفينها. إنها كاميليا حمدان، المذيعة.
ثم ذكر لها اسم شبكة القنوات العربية الشهيرة التي تعمل بها، فأدركها الفهم وعرفت أين رأيتها من قبل، فابتسمت لها بأدب:
– آه، بالطبع أعرفها.
أشار حميد أخيرًا إلى آدم وقال ضاحكًا:
– وتعرفين صديقنا آدم. بالطبع هو غني عن التعريف. إنه دائمًا ما يقدم نفسه بطريقة تجعل من يقابله مرة لا ينساه بعدها أبدًا.
نظرت زينة إلى آدم ووجدته متجاوبًا مع مزاح صديقه بابتسامة جعلته مختلفًا وأكثر جاذبية. جذب حميد انتباهها بعيدًا عن آدم وأخبرها:
– عذرًا، لقد سبقناك وتناولنا الغداء.
ثم أخذها إلى حجرة الطعام. وجدت الطعام مكونًا من سباجتي ولحم مشوي وسلطة، ومن شدة جوعها أجهزت على الأطباق كلها. وبعد أن أنهت طعامها حملت الأطباق إلى المطبخ وغسلتهم.
وكان الجميع قد صعدوا إلى سطح القارب وقد وصلت أصواتهم إليها عبارة عن همهمات. وقفت زينة في منتصف المطبخ حائرة ماذا يجب عليها أن تفعل أو أين تذهب، حتى أنها كانت محرجة من أن تصنع لنفسها كوبًا من الشاي أو القهوة.
لقد خف الألم في ساقها بسبب المسكن الذي أعطاه آدم لها، ولكنها تحتاج أيضًا إلى النوم لتستطيع التفكير بصفاء ذهن. لقد تعقدت حياتها بين ليلة وضحاها، فهي لا تصدق أنها تركت بيتها منذ يومين فقط وقد تركت كل ما تملكه من مال وملابس على اليخت الآخر.
ضبطها آدم داخل حيرتها، وكان خارجًا لتوه من الممر المؤدي إلى حجرات النوم، وقد كانت تعتقد أنه على السطح مع أصحابه، ولكنه كان بالتأكيد يتفقد حجرتها بعد أن خرجت منها، فشعرت بالحرج. فقد تذكرت أنها تركت ملابسها المتسخة ذات الرائحة الكريهة في غرفة حمامه، فقالت بصوت مبحوح:
– أنا آسفة. لقد تركت ملابسي المتسخة في الحمام. سأخرجها حالًا.
وهمت بالتحرك ولكنه أوقفها بإشارة من يده وقال وهو يتقدم منها:
– اتركيها الآن. أريد أن أريك المكان الذي سوف تنامين فيه. تعالي معي.
أشار إليها كي تتبعه، ثم سار وزينة من خلفه. وعندما استدار إلى الممر المؤدي إلى غرفة نومه، اعتراها القلق. هذا الجناح الرئيسي وليس به إلا حجرة نوم واحدة وهي حجرتها، وفكرت بقلق في أنهم هنا ربما يعيشون حياة بوهيمية. حميد معه عشيقته ويخون صديقه مع زوجته، وآدم على علاقة ما بجليلة. وهي لا تفهم الطريقة التي يعيشون بها، وما خبرته ورأيته خلال اليومين الماضيين يجعلها لا تستبعد شيئًا.
ويجب أن يفهم منذ البداية أنها لن تنصاع له أو لغيره وأنها لم تعد تلك الساذجة البلهاء التي يسهل خداعها وتخويفها.
توقف آدم قرب باب غرفته واستدار إليها، وكان يهم بالكلام، ولكن تعبير وجهها ألجم لسانه. كانت تنظر إليه بغضب وشفتيها مزمتان وقبضتيها مضمومتان بقوة إلى جانبها. فقال بدهشة:
– ماذا بك؟
ردت بحدة وأنفاسها تتسارع:
– أنا لن أنام معك في غرفتك. ومن الأفضل لك أن تذهب وتصالح صديقتك.
ضاقت عيناه وسألها بحيرة:
– عما تتحدثين أنت؟ وكيف…
قاطعته بحدة ليفهم أنها ليست سهلة كما يعتقد ويجب أن يفهم كل رجل هذا قبل أن يفكر في استغلالها:
– لقد حاولت مصالحتك بالأمس ولكنك رفضت مصالحتها. وإن كنت تعتقد أنني سأكون بديلة عنها فأنت واهم. وإن كانت هي تتحول عند غضبها لفتاة شوارع وهي أميرة، فلك أن تتخيل إلى ماذا أتحول أنا؟
سحبها من ذراعها بقسوة وقال:
– كنت تتنصتين علينا؟ ولديك من الوقاحة ما يجعلك تتبجحين بذلك أمامي؟
هزها فارتاع وسألها بحدة:
– هل تتحدثين الإسبانية؟
أجابت وقد شعرت بأنها بالغت برد فعلها:
– أفهمها قليلاً فقط.
وتابعت بسرعة عندما ضاقت عيناه عليها:
– ولكنني لم أفهم ما قالته كله.
جز على أسنانه وتأملها باحتقار:
– لكنك استنتجته.
لقد أغضبه أنها كانت شاهدة عليهما واستمعت إلى السباب الذي وجهته له جليلة. سحبها بغلظة من ذراعها بعيدًا عن باب حجرتها وفتح بابًا في نهاية الرواق قرب الزاوية لم تلاحظه زينة من قبل ودفعها إلى الداخل وكأنه يلقي بشيء قذر من يده.
وجدت نفسها داخل غرفة صغيرة جدًا تحتوي على فراش بعرض متر يلتصق بالحائط وخزانة ملابس بباب واحد. وعلى الأرض الخشبية فُرشت سجادة خضراء جميلة، وكان هناك نافذة زجاجية مستطيلة صغيرة ككل شيء في الحجرة وقد علقت عليها ستارة باللون الماهوجني.
عجزت زينة عن النظر إليه من شدة الحرج. لقد أساءت الظن به وتسرعت بافتراض سوء النية، ولابد لها من أن تعتذر. فاستدارت إليه والخجل قد صبغ وجهها بحمرة قانية، وكان هو ينظر إليها بغضب ساخر. وقبل أن تتفوه بكلمة عاجلها بقوله:
– كنت أريد أن أعتذر لك عن صغر حجم الغرفة، لكنها الوحيدة الخالية والقارب لا يحتوي إلا على أربعة غرف نوم فقط جميعها مشغولة للأسف.
وأوضح لها أن فراس وزوجته في حجرة، وحميد وصديقته في الثانية، وجليلة في الثالثة، وهي لا تفضل أن يشاركها أحد غرفتها.
تمتمت تعتذر بصوت منخفض وهي تشعر بالخجل الشديد من نفسها:
– أنا آسفة. والغرفة جميلة جدًا وليس لدي أي اعتراض عليها.
جاء رده قاسيًا متعجرفًا وهو يقول:
– ليس لديك الحق في الاعتراض على أي شيء. فأنا لم أدعوك في الواقع. وعلى العموم، أنا مقدر للظروف التي ألقت بك فوق رأسي. ولكن يجب أن تفهمي شيئًا مهمًا.
ومال عليها متابعًا بتهديد:
– تلك الظروف صنعتها أنت بغبائك وساذجتك. ولن أحمل ضميري شيئًا أنا غير مسؤول عنه، فاخفضى رأسك المتعالي هذا عندما تتحدثين إلي. فهمت؟
سحقها ببضعة كلمات وكانت صادقة لكي تعترف بأنها تسببت بكل هذا لنفسها، فقد أهانته بطريقة خرقاء. وتابع وهو يشملها بنظرة متعالية ساخرة:
– ولا تقلقي على نفسك مني. فذوقي من الصعب أن ينحدر لهذا المستوى.
وتركها غارقة في بحر من الذل والمهانة. وراحت تأنب نفسها على تسرعها. فكيف فكرت في أن رجلاً تطارده أميرة كجليلة من عائلة أرستقراطية وتحمل لقبًا ولها جمال كجمالها يمكن أن يفكر في استبدالها بها هي. هي الفتاة الخرقاء اليتيمة التي بلا مال ولا جاه، وهو كما يبدو ثري جدًا يصاحب الأمراء ويمتلك قاربًا يساوي ملايين الدولارات ويمضي إجازته متسكعًا بين الموانئ والمنتجعات.
تنهدت بعمق وضيق. ماذا دهاها وقد أصبحت ناقمة فجأة على حياتها وتتذمر كثيرًا وتقارن نفسها بأناس لا صلة لهم بها وبحياتهم.
ثم جلست على حافة الفراش منهكة القوى. لقد اشتاقت إلى والديها، وخاصة والدها لكي تلتمس من قوته وحنانه الأمان والطمأنينة. وتذكرت عندما دعاها مرة بـ "ابنتي الأغلى". ويومها اعترضت نبيلة غاضبة:
– وماذا عني؟ ألست غالية عندك؟
رد ضاحكًا:
– طبعًا أنت ابنتي الغالية وأغلى عندي من روحي. لكن زينة ابنتي الأغلى. ستدخلني الجنة وعلى يديها سوف أجاور الحبيب المصطفى عليه الصلاة والسلام.
يومها كانت في العاشرة من عمرها تصدق حقًا أن لها بيتًا وعائلة. وتساءلت: هل سيظل والدها يعتبرها ابنته الأغلى التي ستمنحه رخصة دخول الجنة ومجاورة حبيبه المصطفى عليه الصلاة والسلام؟ أم سيندم على إيوائها في بيته وتربيتها مع ابنته؟ وما الذي سيكون عليه رأيه لو عرف بأنها كذبت عليه حتى وإن كان بنية طيبة. وكيف سيتقبل فكرة أنها أصبحت قاتلة هاربة، والمكان الذي هربت منه لن يشفع لها عنده. فعندما يصل إليه الخبر لن تصل الحقيقة معه، ولن تجرؤ نبيلة على فضح نفسها أمامه وتعترف بأنها قامت بخداعها لتنتقم منها على شيء لا تعلمه. فما الذي فعلته لها وجعلها تلقي بها إلى هذا المصير؟ وكيف خدعت في خالد الذي أحبته وصدقت أنه يحبها ويريدها زوجة له؟
كل هذه أسئلة كانت تدور وتدور بإلحاح في رأسها. فالمستقبل بالنسبة لها لا يبشر بالخير، والطريق إلى السجن هو الطريق الوحيد الذي تراه بوضوح أمامها. تمددت على الفراش وعقلها لا يكف عن التفكير حتى استسلم عقلها أخيرًا للنوم.
***
سأل حميد آدم وهو يناوله زجاجة من البيرة، وكان الثلاثة حميد وآدم وفراس يجلسون في كابينة القيادة بدون النساء:
– ماذا ستفعل بها؟
كان يقصد زينة. عبس آدم وقال معنفًا:
– تقصد ماذا سأفعل بشأنها وليس بها.
رفع حميد عينيه إلى السقف وزفر بضجر وقال:
– يا صبر. حسنًا. ماذا ستفعل بشأنها؟
ضحك فراس، وضاقت عينا آدم ولكنه تجاوز عن سخرية حميد وقال:
– سوف أتحرى عنها أولًا حتى أتأكد من أن ما أخبرتنا به حقيقي. ثم سنحاول استرجاع أوراقها، ولو عن طريق التفاوض. فمثل هؤلاء الناس أخطر مما نعتقد دائمًا. فهم يديرون تجارة وقد يرون في هروبها خطرًا على وجودهم.
قال فراس بحزن:
– يا للمسكينة. حظها سيء.
قال آدم بقسوة:
– إنها ليست مسكينة، بل غبية.
قال حميد وقد لمعت عيناه:
– الجميلات دائمًا عرضة للطمع. فلو كانت قبيحة لما…
قاطعه آدم محذرًا بحدة، في حين نظر إليه فراس متأففًا:
– حميد… لا تفكر بالاقتراب منها واكتفِ بما لديك.
لوح حميد بيده وقال يدافع عن نفسه:
– وماذا قلت أنا لكل هذا؟
رد عليه فراس هذه المرة بضيق:
– أنت لا تحتاج للقول، يكفي أن نرى تلك النظرة في عينيك لنعرف نواياك.
قال حميد بحزن زائف:
– أنتما دائمًا تتحاملان علي.
ولكن عيناه كانتا تضحكان بعبث، فأبتسم فراس بتساهل، في حين ازداد تجهم وجه آدم.
رفع حميد يديه لأعلى، وكانت إحداهما تحمل زجاجة البيرة:
– سأقسم بالله…
قاطعه فراس موبخًا:
– أتقسم وبيدك المنكر؟ ألا تخجل من نفسك؟
وضعها حميد فوق المنضدة وقال:
– أقسم أن لا أقترب منها إلا برغبتها الحرة.
صاح به آدم بغضب:
– حميد.
رد حميد ضاحكًا:
– يا أخي أمزح. جديتك هذه تخنق أحيانًا.
قال فراس مدافعًا عن حميد كعادته:
– إنه يمزح. ولا تنسَ أن معه صديقته الشقراء الجميلة، فما حاجته إلى فتاة صغيرة كزينة.
قال آدم ساخرًا:
– فراغة العين. إنه لا يشبع.
قال حميد متحديًا بخبث وهو ينظر إلى عيونهما كل واحد على حدة:
– وهل تنكران تأثركما مثلي بتلك الصغيرة؟ هل تنكران أن براءتها تلك لم تستفز رجولتكما وحركت نزعة الحماية لديكما؟ ألم ترغبا مثلًا في امتلاك ما سعت باستماتة للحفاظ عليه، وأنه سيكون كجائزة لا تقدر بثمن لرجال لم يحصلوا يومًا إلا على المستهلك والمباح من النساء؟
أحمر وجه فراس وارتبكت نظراته، في حين حدق آدم في الفراغ وقد غامت عيناه.
وتجرع حميد ما تبقى من شرابه وتابع قائلًا بواقعية:
– أرجو يا آدم أن تجد حلاً سريعًا لمشكلتها قبل أن نصبح نحن الثلاثة مشكلتها الحقيقية.
غير فراس مجرى الحوار وقد وجد أن آدم وحميد في طريقهما للاصطدام لا محالة. فهميد صريح يعبر دائمًا عما في نفسه بلا مواربة، وآدم يتفنن بالقسوة على نفسه وعلى من حوله، ولن يتوقفا حتى يحدث شجار بينهما.
– المهم أخبرنا متى ستبدأ باتصالاتك بشأنها؟
– لقد بدأتها بالفعل.
رواية ملاك يغوي الشيطان الفصل العاشر 10 - بقلم مايسة ريان
أستيقظت زينة أثناء الليل دون أن تعرف سبب استيقاظها. كانت الغرفة مضاءة بنور القمر، فجعلها هذا قادرة على الإبصار. لمحت على المنضدة الموضوعة بجوار الباب صينية عشاء. لابد وأن أحدهم قد أحضرها وهي نائمة، ولكنها لم تكن جائعة أكثر من حاجتها إلى النوم والراحة، وتفضل العودة إلى النوم. تكورت وحضنت نفسها بذراعيها تلتمس الدفء، فهناك لسعة برد قد تكون هي التي أيقظتها من نومها.
نهضت عن الفراش وتلمست طريقها إلى الخزانة، ووجدت بداخلها غطاءً صوفياً مطوياً. فأخذته وتلحفت به، وبسرعة سرى الدفء في جسدها وغرقت سريعاً في النوم من جديد.
وعندما استيقظت في المرة الثانية، كان نور الصباح موقظها هذه المرة. دفعت عنها الغطاء وطوحت قدميها إلى الأرض، فآلمها الجرح وشد عليها، فوقفت وهي تئن. وجدت علبتي دواء فوق صينية العشاء، فتناولت قرصاً من كل علبة، ثم تركتهما على المائدة الصغيرة وحملت صينية العشاء التي لم تمس، وخرجت إلى المطبخ وتركتها هناك. وبعد أن غسلت وجهها في الحمام الصغير بجوار حجرة الجلوس، صعدت إلى السطح.
كان القارب يشق طريقه في الماء بسرعة. وقفت زينة تمسك بحاجز المركب، رافعة وجهها إلى أشعة الشمس المشرقة لتسمح لها بأن تداعب وجهها بأشعتها الدافئة. وخامرها إحساس جميل بالحرية وأنها تطير مع الهواء، والذي يجعل شعرها يرفرف وراء رأسها.
قررت زينة أن تجعل من نفسها مفيدة، فهي ليست ضيفة هنا على أية حال. فقامت بترتيب المقاعد على السطح، ثم نزلت إلى المطبخ لتنظيفه. بالتأكيد بيدرو هو من يقوم بعملية التنظيف، فهي لا تتخيل السيدات الأنيقات المرفهات، يقمن بأعمال مثل التنظيف والطبخ. وعندما انتهت زينة من ترتيب المطبخ، بدأت بتحضير ما ستحتاج إليه لإعداد الفطور.
كانت قد أخذت دورات تدريبية في العمل بالخدمة في المطاعم، واكتسبت بعض الخبرة من عملها في الفندق، فلم تحتار أثناء تحضير ما ستحتاج إليه لإعداد طعام الإفطار. وهي على معرفة بأنواع وجبات الفطور التي يفضلها الأثرياء وطريقة إعدادها.
نزل آدم إلى حجرة الجلوس آتياً من السطح، ودهشت زينة فقد ظنت أنهم جميعاً نيام. وبنظرة سريعة منه في المكان، فهم ما قامت به. وقال بجفاء دون أن يلقي عليها تحية الصباح:
– إذا كنت ستقومين بتحضير طعام الإفطار، فاجعله لأربعة أشخاص فقط. السيدات هنا لا يستيقظن باكراً.
هزت رأسها بطاعة. فتابع بلهجة تحذير:
– وانتبهي... لا يجب أن تميلي على حاجز المركب بتلك الطريقة التي فعلتها منذ قليل. من حسن حظك أنه يسير بسرعة بطيئة، فلو كان بسرعته الطبيعية لسقطت في البحر وما انتبه إليك أحد.
أنهى جملته ثم تركها وصعد إلى السطح مرة أخرى. لقد رآها في الوقت الذي كانت تظن نفسها وحيدة. كان يجب أن تعرف أن هناك من هو مستيقظ، فالمركب لا يقود نفسه.
كانت زينة منهمكة في تحضير الفطور عندما استيقظ حميد وفراس وألقيا عليها تحية الصباح ببشاشة، مما رفع من معنوياتها قليلاً بعد معاملة آدم الجافة لها.
وضعت الأطباق أمامهم على المائدة التي حضرتها على السطح، وكان بيدرو قد انضم إليهم. أثنى فراس وحميد على الطعام كثيراً، في حين اكتفى آدم بهزة رأس لم تفهم منها شيئاً. وشكرها بيدرو وابتسامة سعيدة على وجهه، فقد خففت عنه بعضاً من عبء العمل الذي كان يقوم به. فأبتسمت له:
– نحن جميعاً نشرب القهوة ثقيلة ومن دون سكر.
أجفلها صوت آدم الحاد وجعلها تعود إلى المطبخ حانقة. إنه حتى لم يدعوها لمشاركتهم الطعام مثل بيدرو. هل لأنه يراها أقل منه مقاماً؟ صنعت لنفسها شطيرة وكوب شاي قبل أن تحضر القهوة، فلينتظر قليلاً، فهي ليست خادمته. وإن كانت قد تطوعت ذوقياً منها لتحضير الفطور، فليس معناه أن يعاملها كخادمة. ولكنها عادت وفكرت أنها لا تستطيع الاعتراض، فهي هنا متطفلة عليه وعلى أصدقائه، ويجب أن تدفع ثمن إقامتها.
وجدت آلة لصنع القهوة السريعة، وكانت قد وضعت الأكواب في الصينية وبدأت بصب القهوة، عندما فوجئت بحميد يقف أمام البار ويبتسم لها ابتسامة ساحرة. كان من الممكن أن تتأثر بها لولا أنها تعرف حقيقته جيداً. قال:
– هل تحتاجين للمساعدة؟
ردت بسرعة كانت فظة:
– لا... شكراً لك.
رفع حاجبيه بدهشة، وكانت قد انتهت من صب القهوة حين قال بجدية:
– أنت لا تحبينني، أليس كذلك؟
أربكت وقالت دون أن تنظر إليه:
– أنا آسفة إن كان قد وصل إليك هذا الانطباع مني... أنا لا أكرهك سيدي.
قال بصراحة:
– كنت تختبئين في حجرة أدوات الغطس عندما كنت مع كاميليا هناك... لقد رأيتنا وسمعتنا، ولا ألومك إن أخذت هذا الانطباع السيئ عني... ولكنك تظلمينني.
دهشت زينة من استخفافه بما فعل بصديقه، فاستفزها لترد عليه:
– أظلمك؟ كنت تخون صديقك مع زوجته وتقول إنني أظلمك؟
– ولماذا لا تقولين إنها زوجة خائنة قامت بإغواء صديق زوجها.
ردت وهي مصدومة من رده:
– وأنت هنا بريء مغلوب على أمرك، أليس كذلك؟
دهشت عندما ضحك بمرح وقال بابتسامة صبيانية:
– لست بريئاً جداً في الواقع... فأنا ضعيف أمام النساء ولست معتاداً على رفض دعوة صريحة من امرأة جميلة.
– وماذا عن صديقك؟ أليس له أي اعتبار لديك؟
هز كتفيه باستخفاف وقال:
– هو الملام... من يتزوج امرأة مثلها ويعرف عنها ما يعرفه، لماذا يلوم الآخرين إذا ما أخذوا ما يعرض عليهم.
ابتئس وجه زينة. فرقت نظرات حميد ومال على البار قائلاً:
– صدمت من كلامي، أليس كذلك؟ أنت صغيرة وبريئة... وآسف لأن أخبرك أن الحياة ليست كما كنت تظنينها... وأعتقد أن تجربتك الأخيرة خير دليل على ذلك.
ثم مد يده ولمس يدها بأنامله، فأجفلت وسحبت يدها بسرعة، فاصطدمت بأحد أكواب القهوة، فانسكب بعض من السائل الساخن على أصابعها فصرخت. أسرع حميد إلى جانبها وأمسك بيدها المحترقة وهو يتمتم بعبارات الأسف:
– أنا آسف حبيبتي، لم أقصد إفزاعك.
جاء صوت آدم بارداً كالثلج من خلفهم:
– ما الذي يحدث هنا؟
أخبره حميد دون أن يستدير إليه:
– لقد أحرقته القهوة يدها.
دخل آدم إلى المطبخ نافذ الصبر، مزيحاً حميد عن طريقه بفظاظة، وأخذ إناءً عميقاً وملأه بالثلج. كانت حركاته عنيفة وسريعة وجعلت زينة تنكمش وتنسى الألم في أصابعها. كما ابتعد حميد عن طريقه بدوره، فقال له آدم بحدة:
– فراس ينتظر القهوة... ألم تقل إنك آتٍ لأخذها؟
تمتم حميد بخفة متجاهلاً فظاظته معه:
– نعم فعلت.
ثم صب فنجاناً آخر بدلاً من ذلك الذي سكب، وحمل الصينية وصعد بها إلى السطح، تاركاً زينة تحت رحمة من لا يرحم.
وضع آدم الإناء في المجلى وملأه بالماء، ثم سحب يد زينة بقسوة لا داعي لها ووضعها في الماء المثلج. فشهقت من برودتها وصعدت الدموع إلى عينيها، وقالت محتجة بعد لحظات:
– هذا يكفي، لقد تجمدت أصابعي.
تركها لتجفف أصابعها بمنشفة ورقية ووقف ينظر إليها للحظات، ثم قال:
– أرجو أن تمر الأيام القليلة التي سوف تقضيها معنا من دون مشاكل... وهذه المرة أنا لا أنصحك... بل آمرك بأن تبتعدي عن طريق حميد... فلا تظني أنه رجل يكتفي بالنظرات البريئة... فهو يسعى وراء أي شيء يرتدي تنورة، حتى وإن كانت مكنسة... وأوامري هذه تشمل بيدرو كذلك... فهو شاب وحيد بيننا وصغير وسريع التأثر... فأرجو منك أن تقللي من ابتساماتك التي تقومين بتوزيعها يميناً ويساراً من دون سبب.
أنهى كلامه وانصرف كعادته دون أن ينتظر ردها، وشعرت زينة أنها بدأت تكرهه.
تلك الفتاة أثارت غضبه بأكثر من طريقة منذ معرفته بها. وإن صح استنتاجهم وكانت قد أنهت حياتها بأن ألقت بنفسها في البحر، يكون هذا رحمة بها نظير ما كان سيفعله بها عندما يراها.
استقبلته فريدريكا بالعناق:
– حبيبي، تأخرت.
– إنه العمل.
أجابها بكلمة واحدة وهو يحل ذراعيها عن عنقه ويتفادى شفتيها التي كانت تطالب بشفتيه، فهو ليس بمزاج لهذا. تأففت فريدريكا وهي تلحق به إلى داخل الصالون الصغير التابع لليخت:
– ماذا فعلتم؟
كان زوج فريدريكا قد لحق بهما ووقف صامتاً بجوار الباب. أجابته:
– كل شيء على ما يرام... الوفاة سجلت على أنها حادث... فقد الرجل توازنه واصطدمت رأسه، وهذا إلى حد ما حقيقة ما حدث. زوجة الرجل بعد حوار صغير بيننا وافقت أن الشكاوى القضائية قد تضر بسمعة عائلتها... وبالطبع اضطررنا أن نودع ضيوفنا مؤقتاً.
هز رأسه مستحسناً ثم قال:
– والفتاة؟
تقدم زوج فريدريكا إلى الداخل وتناول فردة حذاء عن المنضدة ورفعها أمام وجه خالد:
– هذا ما تبقى منها... وجدناه في الماء.
مط خالد شفته بامتعاض. موتها سوف يكون عقبة وسوف يتم تأجيل زواجه من زينة. غلى حقده عليها من جديد أثناء حياتها وبعد موتها.
قال زوج فريدريكا بسخريته المقززة للنفس:
– ولكن أخبرنا... لم تعتد على إرسال فتيات بريئات إلى هنا ودائماً ما تحتفظ بهن للمزاد... فما الذي تغير هذه المرة.
رفع خالد أحد حاجبيه بسخرية:
– بريئة؟ من قال ذلك؟
– هي من قالت ذلك.
– لا تشك أبداً... مهمتي أن أتأكد من أنهن لم يعدن كذلك.
فتح الباب وخرج وهو يفكر. سوف يقوم بالاتصال بزينة لكي يعرف منها مدى معرفتها بمكان أختها ومن ثم يحاول أن...
ظهرت نجلا فجأة أمامه وصاحت في وجهه بانفعال:
– أنت لن تتركها تفلت بفعلتها هذه، أليس كذلك؟ سوف تعاقبها لمخالفتها أوامرك.
أكمل خالد طريقه مزيحاً إياها من أمامه وهو يقول ساخراً:
– أعدك أنه عندما نجد جثتها سوف أمثل بها من أجل خاطرك.
– لا... ليست زينة من يستحق التمثيل بجثتها.
توقف خالد بغتة وللحظة أغلق عينيه بقوة وسحب نفساً عميقاً قبل أن يستدير مواجهاً نجلا:
– من قلت؟ زينة؟ وما علاقتك أنت بزينة؟ ما دخل زينة بالأمر هنا؟
ترقرق الدموع في عين نجلا فقد تأثرت بالفتاة التي ارتكبت جريمة قتل ومن ثم ألقت بنفسها في البحر لكي تحافظ على شرفها:
– لأن زينة من كانت هنا.
للحظات شل عقله عن التفكير واشتعلت به النيران، ثم عاد بخطوات سريعة إلى الصالون. تفاجأت فريدريكا بمظهره المتوحش:
– ما اسم الفتاة التي كانت هنا؟
أسرع زوج فريدريكا وتناول جواز سفر كان على المنضدة بجوار فردة الحذاء وناوله له وهو يحدق في وجه خالد بفضول، وكذلك فريدريكا.
وقعت عيناه على صورتها وفقد وجهه كل نقطة دم به. رفع خالد وجهه ونظر إلى فريدريكا وقال بهدوء قاتل:
– ليست هذه هي الفتاة التي أرسلتها إليك.
– الفتاة الأخرى لم يكن من الممكن استخدامها... أرتنا ما يثبت أنها حامل وقالت إن أختها على استعداد لأن تحل محلها وقد وجدناها مناسبة خاصة وأنها من طرفك كذلك.
نزل كفه بصفعة قوية على وجه فريدريكا التي ترنحت إلى الخلف وهي تشعر بالذهول، ولم يتحرك زوجها نحوها بل تراجع إلى الخلف بهدوء ووقف يتابع ما يحدث بنظرات حادة.
تحرك تجاهها بوحشية:
– لماذا لم تتصلي بي؟ كيف تسمحين لنفسك أن تتصرفي بأمر كهذا دون علمي.
– لم يكن الاتصال بك ممكناً وأنت تعرف ذلك.
صفعها مرة أخرى وبقوة أكبر جعلتها تصرخ. توتر زوجها ولكنه ظل في مكانه، وقد استدار إليه خالد وقد خطف الحذاء وضغط عليه بقوة قائلاً:
– هل هذا فقط ما وجدتموه؟
هز رأسه إيجاباً، فقال خالد وعيناه مشتعلتان بلون أحمر كالدم:
– أجمع لي البحارة... جميع من باليخت بلا استثناء.
لن يسلم أبداً بحقيقة موتها إلا إذا رأى جثتها بأم عينيه. وقتها فقط سيحرق الأخضر واليابس ولن يرحم أحد.
كان فراس الأفضل من بين الجميع. طيباً وبشوشاً ومضيفاً كريماً. عرض أن يأخذ زينة في جولة على القارب للتعرف عليه، ولأنه لم يكن ضمن قائمة الممنوع عليها التعامل معهم، قبلت بعرضه. ولكنها لاحظت أنه تجنب أخذها إلى كابينة القيادة حيث المقر الدائم لآدم. وبرر لها ذلك بقوله:
– إن آدم لا يحب أن يحوم أحد حوله وهو يعمل.
وشرح لها نظرياً كيف يقومون بالإبحار بالمراكب الشراعية الحديثة، وضحك عندما سألته:
– أين الحبال التي تربطون بها الأشرعة؟
صحح لها معلوماتها البدائية قائلاً:
– الأشرعة الحديثة مصنوعة من ألياف الكربون حتى تظل مثبتة بالصاري مثل الأجنحة، وهي تكون متصلة بأسلاك ويتم التحكم بها إلكترونياً عن طريق وحدة تحكم مركزية، ويكفي شخص واحد فقط للإبحار بمركب شراعى بهذا الحجم حتى دون الحاجة للتواجد وراء الدفة... سأريك إياها مرة.
– في وقت لا يكون فيه السيد آدم هناك.
ضحك فراس وقال:
– هذا صحيح... حتى نحن أصدقاؤه أحياناً نجد صعوبة في التعامل معه.
سرت زينة بالوقت القليل الذي خصصه لها فراس، فقد تجاهلها الجميع ما عداه. وفي المساء قامت زينة بمساعدة بيدرو في تحضير العشاء، وأبدى الشاب سعادته برفقتها:
– أنا سعيد بأنك هربت على مركبنا... فأحياناً كثيرة كنت أشعر بالملل وحدي.
سألته زينة وهي تناوله قنينة الزيت التي طلبها:
– من أين أنت تحديداً... اسمك إسباني ولكنك تتحدث العربية جيداً.
– أنا نصف مغربي من جهة أمي ونصف إسباني من جهة أبي... والدي كانا يعملان لدى أسرة السيد حميد وهي من الأسر المغربية العريقة ويتنقلون ما بين إسبانيا وموروكو، وهكذا تقابل والدي وتزوجا.
ابتسمت زينة وقالت:
– وهل هذا القارب ملك للسيد حميد؟
– لا، إنه ملك للسيد آدم... ولكن حميد هو من رشحني للعمل معه بعد أن أنهيت فترة تطوعي بالبحرية الإسبانية وتقاعد القبطان علي الذي كان يعمل هنا قبلي. سيد حميد أراد أن يساعدني فأنا مقبل على الزواج.
– تهانيئي لك.
– شكراً... وقد وعدني أن يجد لي عمل دائم عندما تنتهي الرحلة.
دهشت زينة من الحب والاحترام الذي ظهر في كل كلمة قالها بيدرو عن حميد، وهذا يخالف وجهة نظره عنها. فهي تراه فاسقاً بلا أخلاق. وكما امتدح حميد، ذم في شقيقته جليلة:
– إنها متعجرفة على عكس بقية عائلتها.
وأخبرها وقد أخفض صوته وهو يقول:
– لقد كانت متزوجة من أمير إسباني... أعلن إسلامه وتزوجها ضد رغبة عائلتها، فقد كان يكبرها كثيراً في العمر وما سمعته من والدي أنه كان يعاملها بطريقة سيئة جداً وقد مات منذ عامين، فعادت لتقيم مع عائلتها.
وهنا عرفت زينة لماذا قدمها لها فراس على أنها أميرة.
ودون أن تسأله عن المزيد، تطوع بيدرو في إخبارها عن بقية الموجودين:
– الثلاثة أصدقاء دراسة... آدم شخص جيد وهو رب عمل غير متطلب، ولكنه يعاني من مشكلة مع مزاجه أحياناً... فعندما يغضب يثور كالبركان ويصير مرعباً... لقد تسببت في تعطل محرك القارب في اليونان فكاد أن يقتلع رأسي.
اتسعت عينا زينة بخوف. فضحك قائلاً:
– لا تخافي... تجنبي فقط إغضابه وستكونين بخير.
ثم أخبرها عن فراس:
– إنه كريم جداً... طيب ومتواضع إلى أقصى حد على عكس زوجته... أرى أنه يستحق من هي أفضل منها.
ابتسمت زينة بحزن. فكاميليا تشبه كثيراً نبيلة ومن على شاكلتها. فسألته:
– ونيكول... أنت لم تخبرني شيئاً عنها.
قال ماط شفته السفلى:
– أنها ليست سيئة جداً... لطيفة ولكنها تسير خلف السيدتين ولا تتحدث كثيراً... ولا أظن أن السيد حميد سيحتفظ بها معه لمدة طويلة، فهو دائماً ما يغير صديقاته بوقت قصير.
قالت بدهشة:
– يغيرها؟ ظننته يحبها.
ابتسم لها باشفاق:
– أنه لا يحب أحداً لمدة طويلة.
بالطبع لا يحبها، وإلا ما كان استجاب لإغراء كاميليا. وأرادت أن تسأله عن علاقة آدم بجليلة، ولكنها امتنعت. فتابع بسرور معيداً كلامه الأول:
– أنا سعيد حقاً لأنك هربت على متن قاربنا.
ابتسمت له بكآبة وقالت:
– أخشى أن أقول لك أنني لن أرافقكم في رحلتكم وأنني سأترككم في المرفأ القادم.
رأت خيبة الأمل على وجه الشاب، ولكنها لا تريد أن تعطيه أملاً زائفاً، ولا إعطاء مثله لنفسها. حيث أنها تتوقع أن يطلبوا منها الرحيل عند أول فرصة.
انضمت زينة إليهم أثناء تناول طعام العشاء لهذه الليلة بناءً على دعوة من فراس. وقد أعارتها نيكول بنطال جينز وتي شيرت، وكانت هي من أعارتها الملابس السابقة أيضاً. شكرتها زينة وهي تأخذهم منها، فضحكت لها نيكول وقالت:
– إن احتجت لأي شيء اطلبيه ولا تخجلي مني.
أعجبت زينة بنيكول وشعرت بأنها مختلفة عن كاميليا وجليلة، حتى وإن كانت لا ترضى عن طريقة حياتها وطبيعة علاقتها بحميد. أن تنام معه في غرفة واحدة كالأزواج وهم ليسوا كذلك. وكان الأغرب هو تقبل الباقيين لتلك العلاقة على أساس أنها شيء طبيعي. ولكن وبمجموع الأشياء السيئة التي رأتها واكتشفتها في هذا العالم، ما كان يجب أن تصدمها هذه الأمور.
لاحظت أثناء تناولهم للعشاء أن نيكول قليلة الثقة في نفسها، وعندما تشارك برأيها في أمر ما، كانت تنظر بتوتر في وجوه الآخرين لتعرف ردود أفعالهم على ما قالت. فربما تجد نفسها دخيلة على زمرة من مجتمع لا تنتمي إليه حقاً. وفكرت زينة بأسف عليها وهي ترى فيها أختها نبيلة. أنها مجرد شيء للمتعة بمقابل. ولكن مقابل ماذا؟ المال؟ العيش برفاهية لبضعة أيام؟ صعب أن تصدق أنه من أجل الحب. ثم نظرت إلى كاميليا التي أظهرت ببراعة وبما لا يدع مجالاً للشك أن ليس هناك أحد في هذا الكون أهم لديها من زوجها. إنها حقاً ممثلة بارعة. وهنا أيضاً لا يوجد حب. حب مع خيانة لا يجوز. انتقلت عيناها للحظة إلى جليلة. ونظراتها الحادة مسلطة على آدم البارد المتصلب الذي لا يلين. وهذا أيضاً ليس حباً، فلا يوجد رقة في النظرات بل صراع إرادات. ربما يكون الأمر فقط رغبة في الامتلاك.
لم تعد زينة تشعر بالراحة وهي بينهم، وكانت تتمنى لو أنها تناولت طعامها بمفردها أو بصحبة بيدرو.
رفعت رأسها مصادفة لتجد أن كل من آدم وحميد وفراس ينظرون باتجاهها، وأدركت أنها قد توقفت عن الأكل وغرقت في أفكارها الكئيبة بطريقة لفتت الأنظار إليها. وقال لها فراس مبتسماً باشفاق:
– لماذا لا تأكلين؟ ألم نعدك أننا سنساعدك للعودة إلى بلدك سالمة.
ابتسمت له ممتنة وعادت لتهتم بطعامها.
جلس خالد لأكثر من نصف ساعة يحدق في ملابسها الممزقة بين يديه والملطخة بدماءها. لقد أمر جميع العاملين لتفتيش كل ركن في هذا اليخت حتى عثروا على تلك الملابس. كان يمنع بصعوبة دموعه من الانهمار. لقد جاء اليوم الذي تجعله فيه امرأة يبكي من أجلها. كان وهو ينظر إليهم يتخيل ما حدث لها على يد ذلك الرجل. مزق ملابسها واعتدى عليها. اغتصبها والدماء خير دليل على ذلك. سوف لن يرحمهم جميعاً وأولهم نبيلة. سوف يذيقها من العذاب ما يجعلها تتمنى الموت على ذلك. ولكن أولاً يجب أن يجد زينة.
عاد لينظر إلى عبدالله المقيد أمامه على مقعد في غرفة المحركات والكدمات تغطي وجهه والدماء تنزف من أنفه وجانب فمه:
– أعرف أنك آخر من ترك اليخت في تلك الليلة... فهل هربتها معك؟
لم يقل عبدالله شيئاً وظل ينظر إليه بتحدي. لقد تحمل الضرب المبرح من رجاله رافضاً أن يعطيهم أي معلومة عنها. لقد قرر أن يحمي تلك الفتاة ولو على حساب حياته:
– أنا لا أريد أذيتك لو كنت أنقذتها حقاً... بل سأكافئك ولكن أخبرني إلى أين أخذتها؟
هز رأسه قائلاً:
– لن أخبرك... إنها في أمان بعيداً عن أمثالك، فأتركها لحالها.
أغلق خالد عينيه وابتلع غصة. إنها بأمان بالفعل بعيدة عن هنا ولكنها ليست بخير. ليس بعد ما حدث لها.
– أنت مخطئ... لم أكن السبب في وجودها هنا... زينة تكون خطيبتي وكنا سنتزوج قريباً... وتأكد من أنني سأنتقم لها ممن تسبب في وجودها هنا.
– قالت إنك وأختها خدعتماها للمتاجرة بها.
عاد يغلق عينيه بألم. بالطبع هذا ظنها به بعد ما عرفته عنه. بالطبع هي الآن تكرهه بعد أن عرفت حقيقته.
عاد ليسأله:
– هل هربتها على متن ذلك القارب الشراعي الذي ذهبت لأصلحه؟
صمت عبدالله من جديد ولم يرد، ووقف خالد صارخاً فيه بغضب:
– الشيء الوحيد الذي يمنعني عن قتلك لصمتك هذا هو مساعدتك لها في الوقت الذي لم أكن فيه موجوداً لفعل ذلك بنفسي.
ثم وقف معتدلاً وتابع:
– سأتركك ترحل... من أجلها فقط... وأنا سوف أجدها بطريقتي... وتأكد من أنه لن يرتاح لي بال حتى أفعل.