تحميل رواية «ملاك يغوي الشيطان» PDF
بقلم مايسة ريان
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
كان اليخت الأبيض الضخم الذى هو أقرب الى سفينة صغيرة متوقفا فى عرض البحر على بعد ثلاثة أميال من ميناء أثينا. فتحت زينة الباب الزجاجى الجرار وخرجت الى السطح تسير بالسرعة التى تسمح لها بها تنورتها القصيرة الضيقة وحذائها ذو الكعب العالى وقد أرتسم الذعر والهلع على محياها. راحت تتمايل بحدة وتلتوى قدماها من تحتها حتى أوشكت لأكثر من مرة على السقوط فتوقفت للحظة وخلعت الحذاء وألقت به فى الماء غير آسفة عليه. ضربت موجه شقية جانب اليخت وألقت برزازها عليه فشعرت بطعم ملوحة ماء البحر على شفتيها. أم انها كانت دم...
رواية ملاك يغوي الشيطان الفصل الحادي والعشرون 21 - بقلم مايسة ريان
وضعها خالد في حجرته الخاصة، وأغلق الباب عليها من الخارج بالمفتاح. كانت قد استسلمت لمصيرها، ولم يعد لديها القدرة على المقاومة.
دارت بعينيها تتأمل ما حولها: فراش أسود وأغطيته حريرية سوداء، وسجادة الأرض والستائر أيضًا كانت سوداء، أما الجدران وحدها فكانت شديدة البياض.
طلب منها خالد أن تستعد لكتب الكتاب، ولكنها لا تعرف كيف تستعد. انساابت دموعها من جديد وهي تقف في منتصف الغرفة لا حول ولا قوة لها.
فتح الباب ودخل خالد ونظر إليها عابسًا وقال:
"هل ما زلت تقفين هكذا؟"
اقترب منها وكان يحمل شيئًا مغلفًا بين ذراعيه وعلبة مستطيلة وتابع:
"ارتدي هذا. لقد وصل المأذون."
تجمدت الدماء في عروقها واتسعت عيناها من الخوف. جز خالد على أسنانه غاضبًا من ردة فعلها وصاح:
"لا تختبري صبري يا زينة. حتى الآن أنا أتعامل معك بطريقة جيدة، فلا تدفعيني لكي أغير معاملتي لكِ."
ثم ألقى بما في يده على الفراش وقال قبل خروجه:
"أمامك نصف ساعة فقط، بعدها سأعود وإن لم أجدك جاهزة سأضطر إلى مساعدتك بنفسي."
انكمش جسدها وارتجفت شفتها السفلى فتابع بنفاذ صبر:
"وبالله عليكِ كُفي عن البكاء."
***
رن جرس الباب وانتظر، ولكن لم يجبه أحد. انتظر قليلًا وطرق الباب بقوة، وكانت النتيجة واحدة. أصابه اليأس، فأمله الأخير كان في أن تكون قد عادت إلى بيت والديها، ولكن لا يوجد أحد هنا.
جلس آدم على درجة السلم المواجه للباب ودفن وجهه بين كفيه بتعب. أخبره فراس من قبل أن غضبه سوف يفقده، وقد فقد أهم شيء حصل عليه في حياته. لو كان فكر وتريث لأدرك أن زينة ليست فتاة تلقي بنفسها على رجل، وكان من الأولى أن يكون هو ذلك الرجل. لقد أحبته، وكان من السهل عليه أن يكتشف ذلك من شدة تعلقها به وعيناها التي تبحث عنه باستمرار. إنها شفافة كطفل صغير يسهل قراءة مشاعره. أراد أن يحتفظ بها بجواره سعيدًا بامتلاكها. أعجبه شعور الصفاء الذي يشعر به وهي بجواره. فكرة أن يمتلك امرأة بمواصفاتها كانت تغريه. وعندما شعر بمنافسة أصدقائه له، هب ووقف كجدار عازل بينها وبينهم، وكان على استعداد لخسارتهم من أجلها، وأدرك أخيرًا أن ما يدفعه لذلك لم يكن حب الامتلاك ولكنه حب من نوع آخر.
مشاعر الغيرة الحارقة صدمته وهو يراها بين ذراعي حميد. أعمته الغيرة والغضب إلى حد جعله يفكر بقتلهما في تلك اللحظة. ذهب وقرر تركها وهو يلعن نفسه لأنه أحب بعد أن كان يعتقد بأنه أصبح محصنًا ضد مشاعر الضعف التي تسمى الحب. فقد خانته جليلة، وأحس بالقهر مما فعلته به، ولكن خيانة زينة كادت أن تفقده عقله، وحرقت قلبه، وتقريبًا تمنى الموت عن ذلك الإحساس.
أمر بيدرو بتحضير القارب للإبحار، ولم يجب على أسئلة الشاب عن الآخرين، وصرخ في وجهه أن ينفذ الأمر أو يترك القارب هو الآخر. وظل يدور حول نفسه ككتلة من النار يلعن نفسه ويلعن الجميع. وكان تقريبًا في منتصف الطريق إلى إسبانيا عندما بدأ يفكر. فقط عندما بدأ يشتاق إليها. فقدها كان أكثر قسوة على قلبه من أي شيء آخر.
تذكر عندما هجروها وحدها في ميلانو. عندما اختفت وكاد يفقد الأمل في العثور عليها، ثم رآها وهي تعبر الطريق شاردة وجسدها النحيف منكمش بخوف، وكادت سيارة أن تصدمها، فتوقف قلبه لحظتها عن الخفقان. صورتها وهي تحدق في وجهه بلهفة وعدم تصديق، ثم إلقاءها بنفسها بين ذراعيه تحتضنه بقوة وتتهمه باكية بأنه تركها وحدها وذهب. كل ذلك جعله يفكر بعيدًا عن الغضب المدمر الذي كان يلغي عقله، وجملة واحدة ظلت تتردد: مستحيل أن تكون زينة خائنة، ولا يمكن أن تتحول لفتاة مستهترة.
لذلك أمر بيدرو بأن يدور بالقارب والعودة به إلى مونت كارلو، وهو يدعو أن لا يكون تأخر كثيرًا، وأن لا تكون قد سقطت بين أيدي مطارديها. لقد فعل الكثير كي يمنعهم عنها ويخفيها. وفي الفندق وجد الجميع قد رحل، وكانت حجرتها الوحيدة التي لم يتم تسليمها، ووجد ملابسها القليلة ما زالت هناك، ولكن هي كانت قد اختفت. بحث عنها في كل المدينة ولم يعثر لها على أثر، وقد قابل أحد أصحاب القوارب التي كانت ترسو جوارهم وأخبره أن فتاة كانت تبحث عن قاربه وبدت قلقة وخائفة. وكانت تبكي. بكى قلبه وتقريبًا دمعت عيناه التي لم تعرف البكاء يومًا، وكان أمله الأخير والواهي أن يجدها قد عادت إلى بيت والديها.
رفع وجهه ونظر إلى الباب الموصد والذي يعتليه الغبار. في المرة السابقة التي جاء فيها إلى هنا، لم يكن يكسوه الغبار وفتحت له الباب فتاة جميلة شاحبة الوجه بدت خائفة ومضطربة، فعرف على الفور من تكون. إنها أخت زينة، فشعر بالاشمئزاز وسألها بقسوة:
"هل السيد مختار موجود؟"
كان هنا في مهمة مقابلة والد زينة وطمأنته عليها قبل أن يباشر بتغيير هويتها لإخفائها عن من يطاردها بعد أن جاءته التحريات التي طلبها بأن أصحاب ذاك اليخت يبحثون عنها.
دمعت عينا الفتاة وقالت بصوت يرتجف:
"لقد مات أبي."
عبس آدم شدة وشعر بالتعاطف مع زينة وليس مع تلك الفتاة وقال:
"البقاء لله. وزوجته هنا؟"
سألته بريبة:
"من أنت؟"
ابتسم ساخرًا وقال بلهجة آمرة جعلت الفتاة تقفز فزعًا دون سبب حقيقي لذلك:
"أريد مقابلتها من فضلك."
"تبدو مثله. هل هو من أرسلك؟"
ضاقت عيناه:
"من هو؟"
تراجعت إلى الخلف فتبعها إلى الداخل، وسمع صوتًا مرهقًا يقول:
"من بالباب؟"
التفت برأسه إلى اتجاه مصدر الصوت:
"هل هذه والدتك؟"
لم تجب وظلت تحدق به بخوف، خروج والدتها شتت انتباهه بعيدًا عنها وسألت:
"من الأستاذ يا نبيلة؟"
ولدهشته ظهر الخوف عليها هي أيضًا، وتساءل عن السبب وإن كان هناك من يرهبهما:
"أنا هنا بخصوص زينة."
كادت المرأة أن تفقد وعيها، فأسرع يمسك بيدها فقالت له بتوسل:
"هل تعرف أين هي زينة؟ هل هي بخير؟ طمني عليها."
ثم انخرطت في البكاء وأخذها إلى أحد المقاعد وأجلسها عليها وقال يطمئنها:
"زينة بخير. إنها تعمل عندي ولكن خارج مصر. لا تقلقي عليها، جئت لكي أطمئنكم عليها فهي كانت قلقة من أجلكم. وآسف بشأن وفاة والدها فقد كانت متعلقة به جدًا كما فهمت منها."
"حمدًا لله. حمدًا لله. إنها فتاة طيبة ويتيمة وتستحق الخير. مات أبوها حزينًا ومقهورًا عليها."
جاء صوت نبيلة ضعيفًا ومترددًا من خلفه:
"هل هي بخير حقًا؟ لم تمت أليس كذلك؟"
استدار إليها ووجد الدموع تغرق وجهها وتتابع:
"لا تجعله يجدها. إنه يبحث عنها ولن يرتاح إلا إذا وجدها."
سألها بحدة:
"من هذا؟"
"إنه الشيطان الذي فعل بنا كل هذا."
وكانت قد وضعت يدها على بطنها بطريقة جعلت عينا آدم تتسع بإدراك. إنها حامل ومن ذاك القواد. فهزت له رأسها:
"نعم. وهو يريدها كذلك وأكثر مما أراد أي شيء في حياته."
قالت أمها بتوسل:
"ولا تخبرها بأن والدها قد مات يا بني. ليس في غربتها هذه."
خرج يومها من عندهم وهو مصر أكثر على حمايتها وبأي شكل.
***
في الحديقة كان فراس يحمل ابنه حمدان على كتفيه ويدور به، والآخر يضحك بمرح، ثم أنزله أخيرًا وقال:
"هذا يكفي لقد أتعبتني."
وضعه على الأرض وبحث بعينيه عن أروى ولم يجدها. كانت تجلس تراقبهما وتضحك ولكنها اختفت، وهذا أشعره بنوع من الحرمان. فكر بمكر، ربما تكون قد صعدت إلى غرفة نومهما، وهذا هو المكان الذي يتمنى أن يجدها فيه. أسرع يعتلي الدرج وهو يُمني نفسه بساعة من الراحة بين أحضانها.
وجدها هناك بالفعل تجلس على حافة الفراش وظهرها إليه. صعد إلى الفراش وطوقها بذراعيه من الخلف دافنًا وجهه في عنقها يتنشق رائحتها التي لا تشبه غيرها:
"أين ذهبتِ؟"
لم تجبه، وبعد لحظات أدرك أنها لا تتجاوب معه كما اعتاد خلال الأيام القليلة الماضية منذ عودته، والخجل الذي أصبح يثيره أكثر من الإغراء الوقح.
سألها:
"هل أنتِ بخير؟"
رفع وجهه ونظر إلى جانب وجهها ولاحظ أنها شاحبة وشاردة وكأنها لا تشعر بوجوده، فاعتدل جالسًا إلى جوارها وأدار جسدها إليه، ورأى نظرة الخواء في عينيها فقال بقلق شديد:
"حبيبتي؟ ماذا بكِ؟"
لم تنظر إلى عينيه فهزها برفق:
"أروى؟"
ودون سابق إنذار انساابت الدموع غزيرة من عينيها ونظرت إلى عينيه. حزن ولوم وعتاب. مرارة وخيبة أمل. رسائل وصلت إليه من خلالهما فقال بضعف وغصة بحلقه:
"أروى. أنا..."
مدت له يدها التي تحمل هاتفها فأخذه منها وهو يحاول ابتلاع ريقه. العديد من الصور له مع كاميليا ومنها صور لهما أُخذت في غرفة نومهما. شعر بالبرودة تجتاح جسده وغار قلبه:
"من أرسلهم؟"
وقفت ببطء وابتعدت عن الفراش تحدق به. للحظات ثم قالت بصوت متحشرج:
"وهل من المهم أن تعرف من أرسلهم؟"
عجز عن الرد فتابعت بصوت أقوى قليلًا:
"المهم هو هل هذه الصور حقيقية أم لا."
وعندما لم يقل شيئًا وأطرق برأسه صاحت:
"صحيحة؟ تتركني هنا بالأيام والأسابيع وحدي أشتاق إليك بحجة الأعمال وأنت تقضي أوقاتك بين ذراعي النساء. كم مرة خنتني؟"
"كنت متزوجًا منها."
قالها بخجل شديد غير قادر على النظر إلى وجهها فقالت بمرارة:
"تزوجتها؟ وكم امرأة تزوجتها دون علمي؟ الشرع حلل لك الزواج ولكن حرمه إن لم تعلم زوجتك به. فهل أعلمتني؟ هل خيرتني بين الموافقة عليه أو تركي لك؟"
رفع إليها وجهه متفاجئًا فتابعت بمرارة:
"هذا حقيقي. من حقي أن أرفض وأطلب الطلاق إن لم يناسبني زواجك بأخرى علي. هذا هو شرع الله الذي ذهبت وخالفته. لقد خنتني وأهنتني وبسبب امرأة يستطيع أي رجل الحصول عليها."
وقف فراس وقد شحب وجهه بشدة. حتى أروى تعرف عن كاميليا ما لم يكن يريد أن يصدقه عنها. مد يده محاولًا لمسها فانتفضت تبتعد عنه وهذا آلمه بشدة:
"لقد أخطأت ولكني عرفت خطأي وتعلمت منه، وجئتك نادمًا تائبًا، وأريد أن أكرس بقية عمري لك ولأولادنا."
ضحكت بمرارة ساخرة:
"وهل علي أن أصدقك؟ وهل يجب علي أن أسامحك بهذه البساطة؟"
قال يترجاها:
"أعرف أن مسامحتك لي لن تكون سهلة ولكن..."
قاطعته بغضب وعنف شديد أذهله أن يراه منها:
"لن يكون هناك سماح من الأصل. لقد انتهى كل شيء. تحملت أنانيتك وجفاءك على أمل أن يأتي يوم وتراني فيه كما أراك. كنت أصبر نفسي بأنك نوع من الرجال يأتي عمله في المرتبة الأولى قبل زوجته، وقدرت تعبك من أجلنا وقمت بدور الزوجة الوفية العاقلة، ولكن اتضح لي أنني مجرد زوجة غبية. هل تعرف ما الذي ضحيت به من أجلك؟"
لم يرد لأنه لا يعرف فتابعت:
"كنت قد بدأت بتحضير أوراقي للسفر إلى أوروبا لعمل دراسات عليا، وكان هذا حلمي وأمل أبي ورغبته، وكان يشجعني. أراد أن يراني أستاذة جامعية يفتخر بها. وعندما تقدمت لخطبتي تركت حلمي وحلم عائلتي من أجلك، ورضيت أن أصبح فقط زوجة وأم، وكنت فخورة بذلك. وهل تعرف بماذا أشعر الآن؟"
أشعر بأنني ضيعت سنين عمري هدرًا على رجل لا يستحق مجرد التفكير به.
ابتئست نظرات فراس وانقبض قلبه وهو ينتظر ما هو آت.
أريد الطلاق، سوف أعود إلى بيت أبي وأرجو أن تتم إجراءات الطلاق دون مشاكل.
تركته وانصرفت برأس شامخ ووقف هو مطرق الرأس يتجرع مرارة الهجر.
****
خرجت زينة من الغرفة ترتدي ثوب زفاف أبيض وحذاء أبيض عالي الكعبين. وقف خالد أمامها ببذلة سهرة وكان رائعًا، يخطف أنفاس أية امرأة بوسامته المدمرة وشخصيته الطاغية وابتسم لها بحب ورقة وقال وعيناه تلمعان:
رائعة كما تخيلتك دائمًا.
أمسك بيدها فارتجفت فقال وهو يحتضن يدها إلى صدره:
أحبك، أستطيع أن أبادل العالم كله بك.
ثم وضع ذراعها بذراعه وسار بها إلى الصالون حيث يوجد المأذون واثنين من الرجال.
تم كتب الكتاب ومرت الإجراءات كالحلم على زينة وانهالت المباركات من الشيخ والشهود وبعد لحظات كانوا قد رحلوا وأصبحت وحدها مع خالد، مع زوجها.
****
تفاجأت نبيلة بذلك الرجل يجلس على درجة السلم أمام باب بيتهم.
أنت؟
رفع آدم نظره بلهفة ورأى أخت زينة تقف أمامه وكان الإرهاق جليًا على وجهها فسألها على الفور بلهفة:
هل عادت زينة؟
قالت بحدة:
ألم تقل أنها معك؟
لقد أضعتها ولا أستطيع العثور عليها.
شحب وجهها أكثر وقالت:
قد يكون خالد وجدها.
هب واقفًا وقال:
هل تعرفين أين يمكن أن أجده؟
أعرف بيته، نعم.
سحبها من يدها إلى السلم بعنف:
خذيني إليه.
تراجعت برعب وهزت رأسها بذعر:
لا، لا، أنت لا تعرف ماذا يمكن أن يفعل بي، سوف يقتلني.
غلى صدره وسرى الخوف في أوصاله، زينة، قد تكون الآن تحت رحمة ذلك الشيطان.
جذبها بشدة:
كفري عن ذنبك في حقها، يجب أن أجدها.
رواية ملاك يغوي الشيطان الفصل الثاني والعشرون 22 - بقلم مايسة ريان
ظلت زينة جالسة في مكانها على الأريكة بعد رحيل المأذون والشهود.
وقف خالد عند الباب يتأملها بحزن.
لم يكن هذا ما توقعه وحلم به عن ليلة زفافهما.
أرادها عروس سعيدة تنتظر تودده إليها بلهفة وسعادة لا أن تجلس وكأنها في انتظار حكم بالإعدام.
لوى شفتيه بمرارة ثم تمالك نفسه واقترب منها وجلس إلى جوارها.
انتفضت تبتعد عنه فوضع يده على ذراعها يمنعها من الابتعاد وهمس في أذنها بعشق وقلبه يخفق تأثرا وكان هذا غريبا عليه يجربه فقط لأول مرة معها.
– أحبك.
وضع فمه على شعرها وقبلها برقة فشهقت وكادت أن تبكي ولكنها تمالكت نفسها حتى لا تغضبه فقال بحنان حزين.
– لا تخافي.. أنا لن أجبرك على شيء حبيبتي.
رفعت وجهها إليه لهفة.
– حقا لن تفعل.
ربت على وجنتها وعيناه تحوم على ملامحها الرقيقة بنظرة شوق لم يستطع إخفاءها.
– نعم.. سأعطيك كل الوقت الذي تريدين حتى تعتادين علي.
ثم طوقها بذراعيه وقال وهو يدفن وجهه في شعرها.
ولكنه لن يتوانى عن محاولة إغوائها.
واقسم أنه سيجعلها تأتي إليه راغبة وقريبا جدا.
فهو في شوق كبير إليها ولن يكفيه العمر كله كي يطفئ نيران شوقه.
تابع.
– يكفي أن تكوني قربي.. ملكي.. لا يجرؤ أحد على أخذك بعيدا عني.
ظل يحتضنها ويهدهدها كطفل صغير.
سحب دبابيس شعرها وجعله ينساب على ظهرها وراح يمسح عليه بحب وهو يقول.
– شعرك يعجبني.. إنه عكس شخصيتك.. يبدو ثائرا متمردا ولكن أنت.. أنت كالماء الرائق.. صافية القلب والنية.. والأهم أنك أصبحت لي.
غامت عينا زينة وهي قابعة في حضنه.
تخشى أن تبتعد فيغضب فكانت شبه مستسلمة لما قد يفعله بها ولكنه وعدها أن لا يجبرها على شيء وهي تصدقه فهو لم يحاول فرض نفسه عليها منذ أن وجدها.
صوت جرس الباب أجفلها وجعل ذراعي خالد تشتد عليها وقال بضيق.
– من القادم الآن؟
ابتعدت زينة عن ذراعيه ولم يمنعها ووقف ليرى من القادم.
****
أنها تتجاهله عمدا.. تختفي من أي مكان يظهر فيه.
دخل حميد عابس الوجه إلى غرفة الجلوس الملحقة بحجرة نوم أمه والتي كانت تجلس على الأريكة وبيدها فنجان قهوة تحتسيه بهدوء وسألته.
– ماذا بك؟
قال بتشدق.
– لا شيء.. أشعر بالملل.
– ولماذا لا تخرج أو تذهب للعمل.. لم أعتاد على مكوثك في البيت هكذا.
وضع يديه في جيب سرواله وقال.
– ما زلت في إجازة ولا أشعر بالرغبة في الخروج.
نظرت إليه أمه بتمعن لبعض الوقت مستغربة من توتره.
– أنت وشقيقتك تبدوان في حالة غريبة.. لا أعرف ما الذي حدث بينكما.. أخشى أن تنتكس حالتها مرة أخرى وتكون أنت السبب.
قال بحنق.
– أعتقد أننا يجب أن نتركها تواجه واقعها وحدها ونكف عن تدليلها.. إنها تلجأ إلى لي أذرعنا باستمرار بسبب ما مرت به وتنسى أنها هي من تسببت بكل هذا لنفسها.
سألته أمه بتردد.
– وماذا عن آدم.. كانت تأمل في أن يعود إليها و..
قاطعها حميد وقد أزداد حنقه عند ذكرها لآدم.
– بالله عليك يا أمي.. لا أعرف كيف تفكرين أنه سيقبل بها بعد ما فعلته به.. وأنت تعرفين جيدا مدى قسوته.
اعترضت أمه قائلة.
– إنه رجل جيد وصديقك المقرب.
– ولكنه لم يعد يحبها وأستطيع أن أؤكد لك أنه وقع في حب فتاة أخرى وجليلة تعلم ذلك.. يجب عليها الآن أن تتخطى حبها القديم وتفيق مما هي فيه.
هزت أمه رأسها بأسف.
– معك حق.
سألها بعد تردد.
– جنة ليست هنا؟
ابتسمت أمه وقالت بمكر.
– لم تعد تدعوها بجهنم.
– حتى لا تغضب.. فهي..
قاطعه دخولها من الباب باندفاع قائلة.
– خالتي.. أنا ذاهبة.
استدار حميد إليها ووقف مصعوقا مما رآه وقد ألجم لسانه.
كانت ترتدي ثوب أحمر ضيق وقصير جدا أظهر تناسق ورشاقة جسدها الذي كان مختفيا داخل القفاطين التي كانت ترتديها باستمرار.
انتبهت جنة لوجوده فشهقت بغضب وهي تضم معطفها لتخفي جسدها عن عينيه الجائعة وهبت في وجهه كالقطة.
– إلى ماذا تنظر يا قليل الأدب؟ .. ألا تخجل من التحديق بي هكذا؟
أفاق حميد من صدمته برؤية جمالها و احتقن وجهه بشدة من سبابها له وسألها بحدة وهو لا يتخيل أنها ستخرج هكذا.
– إلى أين أنت ذاهبة هكذا؟
أشاحت بوجهها بعيدا عنه متجاهلة سؤاله وقالت لأمه.
– إلى اللقاء يا خالتي لن أتأخر.
ثم استدارت وخرجت من الغرفة مارة بجواره وكأنه هواء.
وقف حميد ينظر في أثرها بذهول للحظات ثم استدار إلى أمه وقال بغيظ.
– إلى أين هي ذاهبة بهذه الملابس؟
حاولت أمه إخفاء ابتسامتها ولكن عيناها فضحتها.
– وما هو وجه اعتراضك على ملابسها؟ .. جليلة ترتدي مثلها ولا تهتم لذلك.
احمر وجهه بشدة وأسرع إلى النافذة ورأى جنة تركب السيارة في المقعد الخلفي.
كانت قد أغلقت أزرار معطفها الطويل ولكنه ما زال يعلم أنها ترتدي ذلك الشيء الأحمر الصغير من تحته.
تحرك السائق بالسيارة وظل يتابعها بغيظ إلى أن خرجت من البوابة واختفت.
استدار إلى أمه وقال بعصبية.
– جليلة كبيرة وناضجة ولكن هذه الفتاة ما زالت صغيرة.. صغيرة جدا لترتدي هكذا.
ثم صمت ليبحث عن شيء مقنعا ليقوله وتابع.
– بالله عليك.. كيف تسمحين لها بالخروج وحدها وهكذا؟
لم تتمالك أمه نفسها وانطلقت تضحك مقهقهة بصوت عالي وقالت.
– لا تقلق.. اليوم حنة ابن خالك وهي ليلة للفتيات فقط.
لم يهدئ هذا الكلام مما كان يشعر به.
– ولو.. ذلك السائق ما زال شابا كيف تخرج معه بمفردها.
– وهل ستغار عليها من السائق؟
بهت وجه حميد وقد صدمه ما قالته أمه وقال معترضا.
– أغار؟ .. أغار على تلك السليطة اللسان؟ أنا لا أطيقها.. لا يمكن أن يطيقها أحد.
تنهدت أمه وقالت.
– لماذا لم تعرض عليها أن توصلها بنفسك؟
رد بضيق شديد.
– لم تكن لترضى.. إنها تتجاهلني تماما كما رأيت.. تتجاهلني باستمرار ولا تتذكرني إلا عندما توجه لي السباب فقط.
****
فتح خالد الباب وتحجر وجهه على الفور عندما رأى نبيلة أمامه لم يتوقع أن تتجرأ وتأتي بقدميها إلى عنده ولكنه لم يقف عندها كثيرا وركز انتباهه على الرجل الذي يرافقها ونظر أحدهما إلى الآخر بثبات.
شعر خالد بالحذر منه فنظراته وكأنها تكاد تفتك به وتساءل عن السبب.
واستبعد أن تكون نبيلة هي السبب فهي ليست بالشخص الذي يقاتل المرء من أجله وهنا دق ناقوس الخطر في رأسه.
فتاة واحدة يعرفها قد تدفع الرجل للموت من أجلها.
إنها فتاته هو.. زوجته.
قال ببرود ومن داخله متحفز للقتال.
– نعم.
تحرك الرجل بعصبية وظلت عينا خالد تراقب تحركاته بتأهب وكان قد سد الباب بجسده.
كانت نبيلة تقف مصفرة الوجه وهي تقول بتلعثم سببه الخوف.
– زينة.. هل هي معك؟
ضاقت عيناه ولمعت بشراسة.
– وما شأنك بها؟ .. أشكري ربك أنك نجوت من بين يدي وكان هذا من أجل خاطرها فقط.
انتفض الرجل خلفها وتقدم مزيحا نبيلة من أمامه قائلا بحدة.
– أين هي؟ .. هل هي معك؟
أوقفه خالد بأن دفعه في صدره قائلا ببرود قاتل.
– ومن أنت؟ .. وما الذي تريده من زوجتي؟
لم يعرف خالد من منهما أصبح أكثر شحوبا من الآخر وهو يرى الصدمة على وجهيهما.
– زوجتك؟
لم يعد لدى خالد شك بأن هذا الرجل جاء من أجل امرأته ولكن ما جعل أعصابه تثور هو تساؤله عن من هو بالنسبة لها وما مدى ما وصلت إليه علاقته بها وتذكر ذلك الرجل الذي قابلهم في الميناء.
– نعم زوجتي.
قالها بشراسة وتابع.
– والليلة هي ليلة زفافنا.
دفعه الرجل بقوة إلى الداخل وكاد أن يسقطه على ظهره وراح يتقدم منه مهددا.
– أنا لن أتركها تحت رحمة حقير مثلك.
هب خالد متقدما نحوه ولكن صوت زينة سمره في مكانه.
– آدم.
اللهفة والشوق في صوتها قتله تقريبا.
التفت إليها ورآها تنظر إلى ذلك الرجل وكأنها تنظر إلى روحها فتوقف النفس في حلقه وارتعب.
تقدمت زينة وهي تتعثر في مشيتها وتمد يدها أمامها فاندفع الرجل ليلاقيها ولكنه لم يستطع أن يبقى متفرجا وأسرع يجذبها إلى ما بين ذراعيه.
اختطفها قبل أن تصل إليه وللحظة ظن أنها ستقاومه ولكنها عادت واستكانت بتخاذل ووقف الرجل مذهولا.
يحدق بهما مصدوما وهو يقول بعدم تصديق.
– هل تزوجته حقا؟ .. تزوجت من ذلك السافل؟
هزت رأسها بعجز فشعر خالد بالنار تنهش جسده وقال بغضب مخيف جعل جسد زينة يرتجف بين ذراعيه ولكن ليس لهذا الرجل الذي لم تهتز له شعرة وظل يحدق بزينة.
– خذ هذه الحقيرة وأخرجا من هنا حالا وإلا فعلت ذلك بنفسي.
تراجعت نبيلة إلى الخلف حتى أصبحت عند الباب ولكن آدم ثبت في مكانه رافضا التزحزح وقال بشراسة مماثلة.
– لن أذهب من دونها.. بالتأكيد أنت أجبرتها على الزواج منك رغما عنها.. أعرف أنها ما كانت لتقبل بالزواج منك لولا ذلك.
كان محقا وزاد قوله من غضب خالد.
– وإن يكن.. هذا لا يخصك ولا يعنيك في شيء.
– بل يعنيني.. كنا سنتزوج.
اشتدت ذراعي خالد حولها وقال ببرود قاتل.
– إنها لي الآن.. أنا من فزت بها.
شاط عقل آدم ونظر إلى وجه زينة بمزيج من الألم والغضب.
– كيف وافقت على الزواج منه وأنت تعرفين عنه كل شيء.
همست بضعف.
– من أجل والدي.
شهق آدم.
هذا ما ابتزها به.
لم تكن تعلم بموت والدها وذلك الشيطان استغل جهلها.
– لقد مات أبي يا زينة.. مات بسبب ما فعلته بك وبنفسي.
صاحت نبيلة بتلك الكلمات بصوت معذب وكأنه يقتطع من نياط قلبها.
تراخى جسد زينة بين ذراعي خالد ورمشت بعينيها غير مصدقة لما سمعته من نبيلة والتي كانت ترفض النظر إلى وجهها إلى أن نطقت بتلك الكلمات التي حطمت قلبها.
مات أبوها؟ .. مات وهي بعيدة عنه؟ .. مات الرجل الذي ألقت بنفسها في النار من أجله مرتين.. مات وهو مقهور عليهما؟
نظرت إلى آدم باتهام وقالت.
– أخبرتني أنه بخير.. أخبرتني أنه أجرى الجراحة وأنه يعرف أنني سالمة.. فهل كذبت علي؟
شعر آدم بالحزن مشفقا عليها.
أسود العالم في نظر زينة فللمرة الثانية تصبح تضحيتها بلا جدوى.
أقترب آدم منها وقال.
– نبيلة حامل.
فكر يائسا إن هي عرفت بأن أختها حامل من الرجل الذي تزوجت منه سوف تتركه وتذهب معه.
نظرت إليه مشوشة الذهن وقلبها الحزين الملكوم لم يعد فيه مكان للمزيد.
قال خالد صارخا بغضب في نبيلة.
– ألم أطلب منك أن تتخلصي من ذلك الشيء.
التفتت إليه زينة والدموع تنساب من عينيها غزيرة.
– عن أي شيء تتحدث؟
صاحت نبيلة بمرارة وهي تتقدم منهم وقد واتتها بعض الشجاعة.
– عن طفلي.. طفلة… يريدني أن أقتله.
شهقت زينة بالبكاء وقالت وهي تهز رأسها.
– لا.. لا مزيد من القتل.. لا مزيد من الموت.. لا أريد.
حاول خالد احتوائها وتهدئتها ولكنها صاحت بهستيريا وهي تنتقض بعيدة عنه وأمام دهشتهم أسرعت إلى نبيلة تعانقها بقوة وهي تقول.
– لا.. لا تخافي.. لن أتركك أبدا.. ولن أسمح لأحد بأن يؤذيك أبدا.
ضمتها نبيلة بقوة في المقابل وقالت وهي تشهق بالبكاء.
– آه يا زينة.. سامحيني أرجوك.. أنا آسفة.. وليت أبي يسامحني.
وقف خالد وآدم عاجزين عن فعل شيء وكلا منهما في حالة انتظار لما ستقرره زينة وكلاهما مصر على الفوز بها.
****
خرجت جنة من بيت عروس ابن خالها لتجد سيارة مختلفة عن التي جاءت بها بانتظارها فاقتربت قليلا واكتشفت أن السائق أيضا مختلف وجزت على أسنانها غيظا عند رؤيتها لحميد.
صعدت إلى المقعد المجاور له وسألته بغلظة.
– ماذا جاء بك إلى هنا؟ .. وأين السائق؟
أدار المحرك وبدأ بالتحرك بالسيارة وهو يقول.
– فضلت أمي أن آتي بنفسي لأخذك من أن يفعل ذلك شاب غريب.
ابتسمت جنة باستهزاء وقالت.
– حقا؟ .. خالتي قالت ذلك.. عجبا.
سألها عابسا.
– ماذا تعنين؟
– لا شيء.
ثم أشاحت بوجهها بعيدا وبدأت في تجاهله ومرت نصف ساعة كان ينتظر منها أن تقول شيئا ولكنها استمرت على صمتها فكاد أن يصرخ في وجهها فتصرفها معه بتلك الطريقة يستفزه.
قال أول شيء خطر بباله ليفتح معها حوار.
– كيف كانت الحنة؟
– تقصد الفتيات؟ .. كن جميلات.. ليتك كنت معنا حتى تنتقي منهن ما تريد ولكني أشك في أن تقبل أي منهن بك فجميعهن فتيات فضليات من عائلات محترمة وأنت معتاد على انتقاء القاذورات أمثالك.
فاض به الكيل وفكر بأن يوقف السيارة ويصفعها ولكن بدلا من ذلك أوقف السيارة واستدار إليها ومال نحوها وفتح الباب المجاور لها وأمرها بغضب.
– أنزلي من السيارة.
تراجعت إلى الخلف على مقعدها وقالت باستنكار وهي تنظر إلى الشارع المقطوع والغارق في الظلام.
– هل أنت مجنون؟ تريدني أن أنزل هنا.
دفعها بفظاظة وكان قد وصل إلى قمة غضبه.
– نعم أنزلي.
هيا، سقطت جنة من السيارة بسبب دفعه لها على الأسفلت ولم تصدق نفسها، وقد أغلق الباب وانطلق بالسيارة بسرعة غير آبه بنِداءها عليه.
ظل حميد منطلقًا في طريقه وهو يلعن نفسه لأنه قرر أن يجيء لِأصْطِحَابِهَا بِنَفْسِهِ، وكان يفكر في التودُّد إليها بعد أن لفتْ أمُّهُ نَظَرَهُ بِأَنَّهُ يَغَارُ عَلَى جَنَّةٍ، وأدْرَكَ أَنَّهُ خِلَالَ الأَيَّامِ الْمَاضِيَةِ بَدَأَ يَتَعَلَّقُ بِهَا حَقًّا وَيَعْتَادُ عَلَى وُجُودِهَا بِشَكْلٍ شَغَلَ عَقْلَهُ عَنِ الأَشْيَاءِ الْكَثِيرَةِ الَّتِي حَدَثَتْ مَعَهُ خِلَالَ الْفَتْرَةِ الْمَاضِيَةِ، وَالْيَوْمَ عِنْدَمَا رَآْهَا بِذَلِكَ الثَّوْبِ خَطَفَتْ أَنْفَاسَهُ وَعَقْلَهُ وَكَانَ يُرِيدُ أَنْ يَعْرِفَ إِنْ كَانَتْ سَتَخْطَفُ قَلْبَهُ أَيْضًا.
توقف بالسيارة بغتة فأصدرت صريرًا مزعجًا ووبَّخَ نَفْسَهُ قَائِلًا:
– ما هذا الجنان الذي فعلته؟ كيف تركها في طريق مهجور وحدها؟
وعاد بالسيارة إلى الخلف بسرعة وتقريبًا وصل إلى المكان الذي تركها فيه، ولكنه لم يجدها.
خرج من السيارة وقد تملَّكَهُ الرَّعْبُ وَصَاحَ يُنَادِيهَا:
– جنة .. جنة أين أنت؟
أبتعد عن السيارة وهو يَتَلَفَّتُ حَوْلَهُ:
– أين ذهبت هذه الفتاة؟
أقترب من أجمة الأشجار على جانب الطريق وصاح مناديًا من جديد، ولكن لم يَأْتِهِ رَدٌّ، ثم سمع صوت باب السيارة يُغْلَقُ وَصَرِيرَ عَجَلَاتِهَا يَرْتَفِعُ وَهِيَ تَنْطَلِقُ بَعِيدًا، وَآخِرُ شَيْءٍ سَمِعَهُ هُوَ صَوْتُهَا يَصِيحُ:
– غبي.
وقف حميد مذهولًا للحظات يتابع السيارة وهي تبتعد حتى أبتلع الظلام أضواء الكشافات الخلفية.
– أنا سوف أبقى معه.
حدق آدم في وجه زينة بذهول..
لم يتوقع أن تكون تلك ردة فعلها بعد أن عَرَفَتْ بِمَوْتِ وَالِدِهَا وَبِأَنَّ أُخْتَهَا حَامِلٌ مِنَ الرَّجُلِ الَّذِي تَزَوَّجَتْهُ..
كان مستعدًّا لِيَخْوُضَ حَرْبًا مِنْ أَجْلِهَا إِنْ طَلَبَتْ مِنْهُ أَنْ يُنْقِذَهَا مِنْهُ، وَلَكِنَّهَا تَقِفُ أَمَامَهُ الْآنَ بِثَبَاتٍ وَتَقُولُ لَهُ أَنَّهَا سَوْفَ تَبْقَى مَعَهُ.
قَالَ يَتَوَسَّلُ إِلَيْهَا تَقْرِيبًا:
– أعرف أنك غاضبة مني ومن ردة فعلي على ما حدث في مونت كارلو .. أنا آسف وسوف أعوضك وأعِدُكَ أَنَّنِي ..
قاطَعَتْهُ بِهُدُوءٍ وَوَجْهٍ شَاحِبٍ:
– ليس هذا هو السبب .. لقد فكرتُ وَرَأَيْتُ أَنَّ خَالِدًا هُوَ مَنْ يُنَاسِبُنِي .. وَعَدَنِي بِأَنْ يَتَغَيَّرَ وَأَنَا أُصَدِّقُهُ .. وَأَنَا مَازِلْتُ أُحِبُّهُ فِي الْحَقِيقَةِ وَأَرَى أَنَّهُ يَسْتَحِقُّ فُرْصَةً أُخْرَى.
أَمْسَكَ آدَمُ ذِرَاعَهَا قَائِلًا بِحِدَّةٍ:
– أنتِ تَكْذِبِينَ .. لِمَنْ تُضَحِّينَ بِنَفْسِكِ هَذِهِ الْمَرَّةَ .. أَمْنْ أَجْلِ هَذِهِ؟
ثم أشار إلى نبيلة التي تقف بصبر كمن ينتظر من يقرر مصيرَهُ وَتَابَعَ:
– إِنَّهَا لَا تَسْتَحِقُّ.
سَحَبَتْ زَيْنَةُ ذِرَاعَهَا مِنْهُ وَقَالَتْ:
– أَرْجُوكَ أَتْرُكْنِي وَشَأْنِي فَأَنَا امْرَأَةٌ مُتَزَوِّجَةٌ الْآنَ .. عُدْ إِلَى حَيَاتِكَ وَأَتْرُكْنِي لِحَيَاتِي .. آسِفَةٌ لِمَا سَبَّبْتُهُ لَكَ مِنْ مَشَاكِلَ وَأَضَاعَةٍ لِوَقْتِكَ فِي الْبَحْثِ عَنِي.
شَعَرَ آدَمُ بِمَرَارَةِ الْهَزِيمَةِ فِي فَمِهِ وَأَدْرَكَ أَنَّ هَذِهِ الْفَتَاةَ الَّتِي اعْتَادَتْ عَلَى التَّضْحِيَةِ سَوْفَ تُضَحِّي حَتَّى النِّهَايَةِ وَمَهْمَا فَعَلَ وَمَهْمَا قَالَ لَنْ يَسْتَطِيعَ أَنْ يُثْنِيَهَا عَنْ عَزْمِهَا..
وألقى باللوم على نفسه.. هُوَ مَنْ تَرَكَهَا وَلَمْ يَسْتَغِلِ الْفُرْصَةَ عِنْدَمَا كَانَتْ بِيَدِهِ، أَقْتَرَبَ يَهْمِسُ بِالْقُرْبِ مِنْ أُذُنِهَا:
– سَوْفَ أَنْتَظِرُكِ .. سَأَبْقَى بِانْتِظَارِكِ فِي نَفْسِ الْمَكَانِ الَّذِي تَرَكْتُكِ فِيهِ وَلَوْ أَنْتَظَرْتُ إِلَى الأَبَدِ سَيَكُونُ ذَلِكَ عِقَابًا عَادِلًا لِي.
ثُمَّ نَظَرَ إِلَى خَالِدٍ بِكَرَاهِيَةٍ شَدِيدَةٍ قَبْلَ أَنْ يَسْتَدِيرَ وَيَخْرُجَ مِنْ بَابِ الشَّقَّةِ كَالْعَاصِفَةِ.
زَفَرَ خَالِدٌ بِارْتِيَاحٍ رَغْمَ مَا يَشْعُرُ بِهِ مِنْ غَيْرَةٍ وَحِقْدٍ عَلَى الرَّجُلِ الْآخَرِ..
لِأَنَّهُ عَرَفَ أَنَّ زَيْنَةَ سَوْفَ تَتَّخِذُ ذَلِكَ الْقَرَارَ.. وَآدَمُ ذَاكَ كَانَ يَعْرِفُ فَكَمَا يَبْدُو أَنَّ كِلَاهُمَا يَعْرِفَانِ مَا يَدُورُ فِي رَأْسِهَا الصَّغِيرِ الْجَمِيلِ، لِذَلِكَ وَقَفَ صَامِتًا وَتَرَكَهَا تَتَّخِذُ قَرَارَهَا وَوَقَفَ يُتَابِعُ صَامِتًا، أَقْتَرَبَ مِنْهَا قَائِلًا بِرِقَّةٍ:
– لا تَقْلَقِي .. سَوْفَ أَعْتَنِي بِعَائِلَتِكِ مِنْ أَجْلِكِ.
كَانَتْ تَنْظُرُ إِلَى نَبِيلَةٍ وَقَالَتْ بِحَزْمٍ دُونَ أَنْ تَلْتَفِتَ إِلَيْهِ:
– سَوْفَ تَتَزَوَّجُهَا.
ظَنَّ خَالِدٌ لِلْحَظَةِ أَنَّهُ لَمْ يَسْمَعْهَا جَيِّدًا وَقَالَ مِنْ بَيْنِ أَسْنَانِهِ غَيْرَ مُصَدِّقٍ:
– مَاذَا قُلْتِ؟
وَقَفَتْ نَبِيلَةُ بِدَوْرِهَا مَذْهُولَةً وَمُتَّسِعَةَ الْعَيْنَيْنِ، الْتَفَتَتْ زَيْنَةُ إِلَى خَالِدٍ وَتَابَعَتْ بِهُدُوءٍ:
– أَنْتَ مَدِينٌ لِي بِذَلِكَ .. وَمَدِينٌ لِلرَّجُلِ الَّذِي رَبَّانِي وَالَّذِي قَدِ اعْتَدَيْتَ عَلَى شَرَفِ ابْنَتِهِ وَجَعَلْتَهُ يَمُوتُ بِحَسْرَتِهِ .. كُنْتُ سَأَبْقَى مَعَكَ مِنْ أَجْلِهِ وَهَا أَنَا سَوْفَ أَبْقَى مَعَكَ مِنْ أَجْلِ ابْنَتِهِ .. شَرْطِي الْآنَ لِكَيْ يَتِمَّ زَوَاجُنَا هُوَ أَنْ تَسْتُرَ عَرْضَ ابْنَةِ الرَّجُلِ وَالْمَرْأَةِ اللَّتَانِ كَانَتَا لِي أَبًا وَأُمًّا.
لَمْ يَعْرِفْ خَالِدٌ مَاذَا يَقُولُ لَهَا.. هُوَ لَمْ يَرَ مِثْلَ هَذِهِ الْمَخْلُوقَةِ فِي حَيَاتِهِ مِنْ قَبْلُ.. لَمْ تَسْعَ إِلَيْهِ طَمْعًا بِشَكْلِهِ وَلَا بِأَمْوَالِهِ وَلَمْ تَطْلُبْ مِنَ الدُّنْيَا أَكْثَرَ مِمَّا أَعْطَتْهَا.. تَشْعُرُ بِالْوَفَاءِ لِرَجُلٍ مَيِّتٍ وَلِأُخْتٍ لَمْ تُعَامِلْهَا يَوْمًا إِلَّا بِالسُّوءِ.. رَآْهَا الْآنَ تُضَحِّي بِسَعَادَةِ قَلْبِهَا وَبِهَنَاءِ بَالِهَا اسْتِمْرَارًا بِالتَّضْحِيَةِ وَحُبًّا فِي الْوَفَاءِ.. وَلِأَنَّهُ هُوَ مَا هُوَ قَالَ بِلَهْجَةٍ شَيْطَانِيَّةٍ:
– سَأَنْفِذُ لَكِ رَغْبَتَكِ وَأَتَزَوَّجُهَا وَمِنْ ثَمَّ سَأُطَلِّقُهَا وَلَكِنْ بِشَرْطٍ.
انْتَظَرَتْ زَيْنَةُ سَمَاعَ شَرْطِهِ بِقَلْبٍ غَائِرٍ:
– لَنْ أَنْتَظِرَ .. بَعْدَ أَنْ أُتِمَّ الزَّوَاجَ سَوْفَ يُصْبِحُ جَسَدُكِ لِي دُونَ قَيْدٍ أَوْ شَرْطٍ .. سَوْفَ نُبْدِئُ حَيَاتَنَا مَعًا.
لَمْ تَذْرِفْ عَيْنَاهَا الدُّمُوعَ وَلَكِنْ قَلْبَهَا كَانَ يَبْكِي بِالْفِعْلِ.. بَكَى وَهُوَ يَرَى حَبِيبَهُ يَذْهَبُ مَكْسُورَ الْخَاطِرِ.. انْفَطَرَ أَلَمًا وَهُوَ يُضَحِّي بِسَعَادَتِهِ لِيُرِيحَ غَيْرَهُ.
وصل حميد إلى البيت وقد وصل به الغضب إلى أقسى مداه..
لأول مرة يشعر بمثل هذا الإجرام ورغبة متوحشة لِأَيْذَاءِ أَحَدٍ..
تلك الفتاة التي تَرَكَتْهُ وَحْدَهُ في طريق مقطوع وكان قد ترك هاتفه في السيارة وجَعَلَتْهُ يَسِيرُ لأكثر من خمسة كيلو متر في الظلام حتى وجد سيارة نقل تُقَلِّلُهُ إلى الطريق العام وأخذ من هناك سيارة أجرة إلى البيت..
الْجَمِيعُ كَانَ نَائِمًا وَفَكَّرَ بِطَرِيقَةٍ شَيْطَانِيَّةٍ أَنَّ جَهَنَّمَ تِلْكَ بِالْتَّأْكِيدِ تَنَامُ كَالْمَلَاكِ قَرِيرَةَ الْعَيْنِ دُونَ أَنْ تَهْتَمَّ بِمَا حَدَثَ لَهُ.
وَلَكِنَّهُ اكْتَشَفَ أَنَّهَا مَازَالَتْ مُسْتَيْقِظَةً عِنْدَمَا اقْتَحَمَ غُرْفَتَهَا وَوَجَدَهَا تَقِفُ بِجَانِبِ النَّافِذَةِ كَمَا لَوْ كَانَتْ تَتَرَقَّبُ وُصُولَهُ وَمَازَالَتْ تَرْتَدِي ثَوْبَهَا الْأَحْمَرَ..
اتْسَعَتْ عَيْنَاهَا فَزَعًا وَهِيَ تَرَى الشَّرَّ الَّذِي يَطْلُ مِنْ عَيْنَيْهِ فَجَرَتْ بِسُرْعَةٍ عَبْرَ الْغُرْفَةِ وَهِيَ تَصِيحُ بِهِ:
– أَخْرُجْ مِنْ غُرْفَتِي يَا قَلِيلَ الْحَيَاءِ.
وَلَكِنَّهُ لَمْ يُبَالِ بِسَلَاطَةِ لِسَانِهَا هَذِهِ الْمَرَّةَ وَقَدْ قَرَّرَ أَنْ يُعَلِّمَ لِسَانَهَا كَيْفَ يَبْتَلِعَ كَلِمَاتِهِ اللَّاذِعَةَ وَإِلَى الأَبَدِ.
جَذَبَهَا مِنْ يَدِهَا فَطَارَ جِسْدُهَا النَّحِيلُ وَاصْدَمَ بِجِسْدِهِ الصَّلْبِ وَابْتَسَمَ بِشِدْتٍ:
– سَتَدْفَعِينَ ثَمَنَ مَا فَعَلْتِ بِي اللَّيْلَةَ.
طَرَحَهَا عَلَى الْفِرَاشِ وَثَبَّتَ ذِرَاعَيْهَا فَوْقَ رَأْسِهَا وَأَسْكَتَ صَرْخَتَهَا بِعِنَاقٍ قَاصِدٌ مُعَاقَبَتَهَا، وَلَكِنْ مَا لَبِثَ وَأَنْ انْتَفَضَ جِسْدُهُ وَتَعَالَتْ صَرْخَتُهُ هُوَ عِنْدَمَا نَشَبَتْ أَسْنَانُهَا الْحَادَّةُ الصَّغِيرَةُ بِشَفَتِهِ السُّفْلَى وَوَقَفَ مُبْتَعِدًا عَنْهَا يَقْفِزُ مِنَ الْأَلَمِ وَهُوَ يَسُبُّ وَيَلْعَنُ..
نَظَرَ إِلَى يَدِهِ وَرَأَى الدِّمَاءَ عَلَيْهَا فَنَظَرَ إِلَيْهَا بِغَضَبٍ مَذْهُولٍ..
كَانَتْ تَجْلِسُ بِرُكْبَتَيْهَا عَلَى الْفِرَاشِ وَاضِعَةً يَدَيْهَا عَلَى خَصْرِهَا وَشَعْرُهَا الْقَصِيرُ مُشْعِثٌ وَتَنْظُرُ إِلَيْهِ بِشِدْتٍ قِطَّةٍ بَرِيَّةٍ:
– أَذْهَبْ إِلَى الطَّبِيبِ أَنَّهَا تَحْتَاجُ لِتَقْطِيبٍ وَسَوْفَ تَحْتَاجُ بَعْدَهَا إِلَى شَهْرٍ قَبْلَ أَنْ تَجْرُؤَ عَلَى تَقْبِيلِ حَتَّى عَنْزَةٍ صَغِيرَةٍ.
رواية ملاك يغوي الشيطان الفصل الثالث والعشرون 23 - بقلم مايسة ريان
كانت نائمة كالملاك في ثوبها الأبيض. لقد سقطت نائمة على الأريكة بعد أن أنهكها البكاء حزناً على والدها وما مر بها، وكان هو أكبر همها. حملها إلى غرفته، فأفاقت للحظة فزعة وهو يمددها على الفراش، فهمس لها يطمئنها:
– هششش.. لا تخافي.. نامي ولا تقلقي من شيء.
أغلقت عيناها من جديد وراحت في ثبات عميق، وجلس بجوارها ينظر إليها. ابتسم يسخر من نفسه. من يصدق أن مثله يجلس هكذا يتحكم في رغبات جسده مراعاة لمشاعر امرأة؟ ولكنها ليست أية امرأة، إنها ملاكه الذي اقتحم عليه جحيمه وجعله يدرك أن لهيب نيرانه كانت تحرق روحه قبل أن تحرق جسده. فعل الشر لديه كان هواية ولم يقف لحظة من قبل كي يفكر، ولكنه أصبح يفكر بعد أن كادت النار التي أشعلها من حوله أن تطال المخلوقة الوحيدة التي أراد أن يهديها الجنة ونعيمها، زائد قلبه.
مال عليها وهمس:
– أعدك أنني سوف أتغير.. سوف أكون لك الزوج والحبيب الذي تتمنينه.. لن أكون السبب يوماً في دمعة حزن تغرق بها عيناك.. سأجعل قلبك ينسى ذلك الرجل وأعود أنا لأحتل مكاني فيه.
قبلها برقة على جبهتها، ثم تمدد بجوارها حريصاً حتى لا يشعرها بوجوده.
***
أصبحت الساعة السادسة صباحاً وحميد جالساً في حجرة الجلوس عاجزاً عن النوم. بحث عن زجاجة خمر يتجرعها لينسى بها الإذلال الذي لحق به، ولكنه لم يجد. لا تسمح أمه بدخول الخمور إلى البيت وهي فيه، ولذلك جلس يحدق أمامه عابساً ومتألماً. لقد ذهب إلى المشفى بعد أن استمرت الدماء تنزف من شفته، وأدرك أنها كانت محقة ولم تكن تسخر منه عندما أخبرته أن الجرح يحتاج إلى تقطيب.
سأله طبيب الطوارئ متعجباً عن سبب الإصابة، فقال كاذباً أنه سقط. فقال الطبيب:
– سقطت على شفتك السفلى فقط.
كان كامل وجهه سليماً، فزمجر قائلاً:
– وهل هناك ما يمنع؟
ابتسم الطبيب ولم يعلق وهو ينظف الجرح قبل تقطيبه. وهنا لاحظ أن الممرضة كانت تخفي ضحكة بكف يدها. خرج من المشفى واستقل سيارته متوجهاً إلى البيت وشيء واحد، شخص واحد يشغل عقله.. جنة.. تلك القطة المتوحشة التي لا يستطيع أن يجد طريقة لترويضها بها. اعتاد أن تعجب به الفتيات، ولكنه في الآونة الأخيرة لم يعد حظه جيداً معهن. أولاً نيكول التي فجأة قررت أن تتركه، هي ومن ثم زينة، والآن جنة.. فما الذي حدث له؟
مط شفته باستياء، فشد الجرح، تأوه وقال:
– يبدو أنني غير قادر على جذب غير النوع السيء من النساء ككاميليا وغيرها.
ولكن من هن مثل زينة وجنة ينفرن من أمثاله؟ فهم بحاجة إلى الحب والإخلاص، وهذا ما لا يستطيع تقديمه، أو هذه هي فكرتهم عنه. وقف حميد وأخذ يتمشى جيئة وذهاباً يفكر. هل أنا قادر على الحب والإخلاص لمن أحب؟ سمع صوت حركة بالخارج، فتحرك نحو الباب ليرى من. كانت جنة ترتدي ملابسها للخروج وتجر خلفها حقيبة سفر ضعف وزنها تقريباً. خفق قلبه وقال بحدة:
– إلى أين أنت ذاهبة؟
رفعت إليه وجهها مجفلة، ومن ثم شاع الغضب من عينيها:
– سأترك لك البيت.. فأنا لن أبقى تحت سقف واحد مع شخص منحرف بلا أخلاق مثلك.
عض حميد على شفته السفلى غيظاً، وكان قد نسي الجرح بها، فتغضن وجهه بألم.
– أحسن.
قالتها جنة بتشفٍ، فكاد للحظة أن يضحك، ولكنه كان يخشى من إغضابها، وقال برزانة:
– هل أستطيع الحديث معك لدقائق من فضلك؟
ثم أشار إلى غرفة الجلوس وانتظر ردها. وبعد لحظات من التردد هزت رأسها إيجاباً وتركت حقيبتها وتقدمت إلى الغرفة عابسة الوجه. ابتسم حميد لرأسها الشامخ وهي تمر به وبادرها قائلاً:
– أولاً أريد أن أعتذر عما بدر مني، وكما قلت أنا أستحق ما فعلته بي.
مشيراً إلى شفته، فعقدت حاجبيها بشدة واحمر وجهها وكأنها كانت تتذكر ما حدث بينهما، فتابع بحماس:
– كانت ردة فعل غاضبة بعد ما تركتني وحدي في ذلك الطريق.
قالت بعنف:
– لقد تركتني قبلها في نفس الطريق.
– ولكني عدت.. أردت فقط أن أخيفك قليلاً، فأنت تقومين بسبي طوال الوقت من دون سبب وقد مللت من ذلك.. والآن ما رأيك لو نعلن هدنة فيما بيننا.. أريد أن أتعرف عليك جيداً.
رفعت حاجبيها بدهشة:
– تتعرف علي؟.. لا تقل أنك تريدنا أن نصبح أصدقاء؟
كانت تسخر منه، ولكنه قال بهدوء متجاهلاً سخريتها:
– في الحقيقة أريد أن نصبح أكثر من صديقين.
ضاقت عيناها بحدة:
– ماذا تعني؟
ابتسم متجاهلاً ألم الجرح:
– لا أقصد أي شيء مشين.. في الواقع أظن أنك تعجبينني كثيراً.
ووجد نفسه يقول:
– هل تقبلين الزواج بي يا جنة؟
لم يكن ينوي أن يعرض عليها الزواج بهذه السرعة، ولكن ما دفعه لذلك إحساس داخلي ولم يندم عليه. ألجمت المفاجأة لسانها للحظة قبل أن تنفجر ضاحكة بشدة، بعدها فجاء دوره ليصدم.
مالكت نفسها أخيراً وقالت:
– آسفة لأنني ضحكت، فأنت تبدو جاداً وهذا غريب..
ثم تابعت بطريقة أكثر جدية:
– طلبك مرفوض بالتأكيد.. أنا لست غبية لأقترن بشخص مستهتر مثلك.. حميد.. أنت لا حدود لأخطائك وذنوبك.. أنا أعرفها كلها.. أنت غير قادر على الإخلاص بل أنت لا تعرفه.. أنت تخون عشيقاتك وتخون أصدقاءك.
شحب وجهه، فتابعت تؤكد ما جاء على باله:
– نعم.. قالت جليلة الكثير وما سمعته جعلني أحتقرك أكثر.. لن أعتذر عما قلت وإن صدمك، ولكنها حقيقتك ويجب عليك أن تواجهها.. والآن اسمح لي فقد حجزت لنفسي في أحد الفنادق ل…
كانت متوجهة إلى الباب، فاستوقفها مقاطعاً لها:
– لن تذهبي إلى أي مكان.
فتحت فمها لتعترض بغضب، فرفع يده وتابع:
– أنا من سيرحل.. ابقي حتى ينتهي العرس، فلن أضايقك بوجودي بعد ذلك أبداً.
***
فتحت زينة عينيها بإرهاق وهي تشعر بجفنيها ثقيلين ومتورمين. للحظات لم تستوعب أين هي. الأبواب والستائر السوداء جعلت قلبها ينقبض واصطدم عقلها بواقعها من جديد. أدارت رأسها على الوسادة ببطء ووجدت وجه خالد على بعد إنشات من وجهها. تسارعت أنفاسها قليلاً، ولكنها اطمأنت لأن كلاهما ما زال بكامل ملابسه. حتى هو نام ببذلته ولم يخلع سوى الجاكت ورابطة العنق. كان وجهه الوسيم مسترخياً، وانتبهت أن ذراعه اليمنى ترتاح على خصرها. أرادت أن تبعدها عنها، ولكنها تذكرت أنه زوجها ويحق له أكثر من ذلك، والليلة بعد أن ينفذ شرطها ستمنحه كل شيء. غامت عيناها حزناً. مات والدها وأمها الآن طريحة الفراش في إحدى المستشفيات، فلم تحتمل صحتها ما حدث. فجأة تجد الأسرة التي رعتها طوال عمرها تتمزق بموت عائلها وضياع مستقبل ابنتها الوحيدة، ومصير الابنة التي تبنتها ورعتها أصبح مجهولاً.
– صباح الخير زوجتي الجميلة.
رمشت زينة بعينيها، فهي لم تنتبه له عندما استيقظ. ردت بصوت خافت:
– صباح الخير.
رفع ذراعه عن خصرها ورفعها إلى وجهها يلمس بأنامله وجنتها الموردة. أحتبست أنفاسها، فابتسم لها وعيناه تلمعان بابتسامة مماثلة:
– تبدين كالطفل الصغير عندما تستيقظين.
قالت بجد وهي تتأمل ملامحه الوسيمة والتي أصبحت مدمرة عندما ابتسم:
– أنت جميل جداً.
ضحك برقة وقال مداعباً:
– أعلم.. ولكن ما يحزن في نفسي أنك لا تقولينها بقصد مغازلتي.
اكتأبت عيناها وقالت:
– ليت الأمور لم تسر بيننا بهذا الشكل وما كنت أنت بهذا السوء.. لكنت سعيدة جداً بوجودي معك.
فكرت.. وآدم.. لما قابلته وأحبته ومن ثم جرحته. نظرة الألم والحزن في عيناه وهي تعلن قرارها له جرح قلبها. عرفت أنه نادم بشدة على تركه لها وحدها في مونت كارلو، ولأنها تعرف شخصيته جيداً كانت ردة فعله متوقعة، كما أن رجوعه إليها كانت متأكدة منه رغم ما كانت تعانيه وقتها.
حرك خالد إبهامه على وجنتها الناعمة برقة وقال بصدق:
– أنوي أن أجعلك سعيدة.
– أريد أن أزور أمي بالمشفى وأطمئنها على مستقبل ابنتها.
أقترب منها مقبلاً جبينها:
– حاضر.
***
طلبت زينة من خالد أن لا يدخل معها إلى حجرة أمها، فهي لا تعرف كيف ستكون ردة فعلها على رؤيتها له. استقبلتها أمها بالمزيد من البكاء ولم تتركها من بين ذراعيها إلا بصعوبة:
– أنت بخير يا زينة.. لم يحدث لك مكروه أليس كذلك؟
– – أنا بخير أمي.. لقد وفقني الله ووجدت من ساعدني ووقف معي.
هزت أمها رأسها بلهفة:
– إنه ذلك الرجل الذي قال أنك تعملين لديه.. لقد بدا شخصاً جيداً.
تمتمت:
– نعم.. إنه كذلك.
أراحها أن نبيلة سبقت وأخبرتها أن خالد والد طفلها سوف يتزوجها، وأن زينة هي من طلبت منه ذلك، ولم تخبرها أنها تزوجته قبلها. إنها تكره الكذب، ولكن الكذب في تلك الحالة أفضل كثيراً، فأمها لن تستوعب الأمر وسيزيد الأمر من بؤسها.
– أنا السبب فيما وصلت إليه نبيلة.. أحببتها ودللتها وكنت أخفي أخطاءها عن أبيها كي أحميها من العقاب.. ليتني لم أفعل، لكنت حافظت على كليهما.
ثم جففت دموعها وتابعت بأسف وهي تنظر إلى عيني زينة:
– دائماً كنت أشعر بالذنب لأنني كنت أحبها أكثر منك، وعندما فعلت بك ما فعلته شعرت بالسؤ من نفسي وتمنيت أن..
قاطعتها زينة وهي تحتضن يدها إلى صدرها:
– لا تقولي ذلك أرجوك.. إنها ابنتك ولك كل الحق لأن تحبيها أكثر من أي شخص بالعالم، وهذا حقها ولن أسلبها إياه. ولو كنت قد خصصت لي جزء صغير من قلبك فهذا منتهى الكرم منك.. أنا لم أشعر يوماً بالحرمان من الحب والاهتمام بوجودك أنت وأبي.
سحبت أمها يدها وقبلتها:
– جزاك الله خيراً على ما قلته وما فعلته لستر عرض أختك ولإراحة والدك في قبره.
سمح الطبيب لأمها بالخروج من المشفى ذلك اليوم، وتم كتب الكتاب بمنزل والديها، وكان صديق والدها المقرب وجارهم ولي أمر نبيلة. كان إشهار زواجها في المنطقة هو الهدف من ذلك حتى إذا ما ظهر حملها يكون الأمر مقبولاً. وحمدت زينة ربها لأن خطبتها لخالد لم تكن معلنة حتى لا يستغرب الجيران من تغير العروس. وأوعز الحضور الحزن على الوجوه والعيون المبللة بالدموع على أنه بسبب حزنهم لعدم وجود والدهم. عندما أخبرت زينة أمها أنها سوف تسافر عائدة إلى عملها لأنها غير قادرة على البقاء، بكت أمها ولكنها تفهمت دوافعها وقالت:
– اتصلي بي باستمرار.. أريد أن أطمئن عليك.
ذهبت زينة دون أن تقول وداعاً لنبيلة التي التزمت حجرتها بعد ذهاب المأذون، ووجدت زينة خالد ينتظرها في سيارته أمام باب البيت.
***
وصلا إلى البيت. ضمها خالد بين ذراعيه بشوق وأمطر وجهها بالقبلات وهو يسمعها كلمات العشق التي كان يحبسها بداخله حتى كاد ينفجر بها. جعلها الذعر تتخشب بين ذراعيه وأغلقت عيناها بقوة. حان وقت تنفيذ جانبها من الصفقة. تزوج نبيلة والآن هي له ليفعل بها ما يشاء.
– لن أؤذيك حبيبتي.. لن أؤلمك.
تنهدت باستسلام وهو يأخذها معه إلى الفراش. لم تعرف ما حدث، ولكن فجأة فتح باب الغرفة وامتلأت بالرجال. رجال فريدريكا وزوجها خلفهم. صرخت زينة بذعر واختبأت خلف خالد الذي حاول حمايتها بجسده، ولكن بسرعة كان قد تم صعقه. وكان آخر شيء فعله قبل أن يفقد وعيه هو أن نظر إليها بذعر شديد.
– أحضروها.
رفعت زينة وجهها المذعور تنظر إلى زوج فريدريكا البارد وتقول:
– لا.. ابتعد عني.
ثم صرخت بقوة ورجلان يسحبانها من فوق جسد خالد الفاقد الوعي، وبعد لحظة كانت تفقد وعيها مثله بصعقة كهرباء دُسّت بظهرها.
رواية ملاك يغوي الشيطان الفصل الرابع والعشرون 24 - بقلم مايسة ريان
رفع خالد جسده بصعوبة عن الفراش.
صفى ذهنه خلال ثوانٍ فهب واقفاً على قدميه وهو يقول برعب:
– زينة.
بحث عن هاتفه ووجده في جيب سترته التي كانت ملقاة على المقعد. كانت يده ترتجف وهو يبحث عن الرقم الذي يريد، ولكن كل الأرقام التي أراد الوصول إلى أصحابها لم يجبه منهم أحد. زمجر بغضب والرعب يمسك بتلابيب قلبه.
طلب رقماً آخر وكان لأحد الرجال الذين استعان بهم مؤخراً وسأله على الفور:
– هل نفذت ما طلبت منك؟
أكد الرجل أسوأ مخاوفه:
– بالطبع سيدي، فعلت.
صاح به بعنف:
– أين يرسو اليخت الآن؟
– ما زال في ميناء أثينا.
لم يضيع خالد الوقت. قطع الاتصال وطلب شركة الطيران ليحجز على أول رحلة إلى أثينا، وإن لم يجد سوف يأخذ طائرة خاصة. هم يريدونه هناك، أخذوها لكي يصلوا إليه.
استقل سيارته يسابق الريح وهو يدعو الله أن يصل قبل فوات الأوان. لأول مرة يلجأ إلى الدعاء لله، يتضرع له كي يساعده. انسابت الدموع من عينيه وفاضت على وجهه وهو يتفادى السيارات ويضغط على دواسة البنزين أكثر وهو يتمتم:
– يا رب.. أنا أستحق أي شيء يحدث لي تكفيراً عن ذنوبي الكثيرة، ولكن زينة لا ذنب لها. إنها لم تفعل شيئاً لتستحق شخص مثلي أو ما سوف يحدث لها بسببي. يا رب.. يا رب ساعدني لكي أصل إليها قبل فوات الأوان.
***
كانت مستلقية على وجهها ويداها ثابتتان بجوارها. بدأت تشعر بما حولها ولكنها ظلت مغلقة عينيها تحاول أن تستوعب ما يحدث ولتفهم سبب همدان جسدها، كما لو كان قد تم تخديرها.
تأوهت وهي تفتح عينيها وتحاول تحريك رأسها وتدريجياً بدأت تشعر بكامل جسدها. كانت تقريباً ملقاة في منتصف فراش ما وقدميها متدليتان على الأرض.
أين هي؟
انقلبت على ظهرها فأغشى نور مصباح الغرفة عينيها.
– خالد.
ريقها كان جافاً فخرج صوتها متحشجراً. جلست بصعوبة تبتلع ريقها.
– كلنا بانتظاره حبيبتي.
أدارت زينة رأسها بحدة إلى مصدر الصوت. كانت فريدريكا تقف في زاوية الحجرة بوجهها الجميل وشعرها الأشقر مشدوداً بشدة برباط خلف رأسها، وكانت ترتدي سروالاً من الجلد الأسود يظهر نحافتها الشديدة.
تذكرت كل شيء. كانت مع خالد في غرفة نومهما واقتحم زوج تلك المرأة ومعه رجال آخرون المكان. صعقوا خالد بصاعق كهربائي ومن ثم أخذوها وفعلوا بها المثل. صاحت برعب:
– أين أنا؟
ابتسمت لها قائلة:
– أنت في نفس المكان الذي سبق وهربت منه من قبل.
أدارت زينة عينيها في المكان بعدم تصديق. اليخت مرة أخرى؟ وليس هذا فقط، إنها نفس الغرفة التي قتلت فيها الرجل الذي حاول الاعتداء عليها.
قفزت عن الفراش وأسرعت إلى الباب وهي تردد بعصبية أقرب إلى الهيستيريا:
– أنا لن أبقى هنا.. لما يحدث لي كل ذلك يا ربي؟
حاولت فتح الباب ولكنه كان موصداً. وقالت فريدريكا ببرود:
– لقد تعلمنا من خطئنا السابق.. وسوف تجدين الحواجز أمامك على طول الطريق.
استدارت إليها قائلة بعنف:
– ماذا تريدون مني؟
– نحن لا نريد منك أنت شيئاً.. صديقك.. عذراً.. أقصد زوجك هو من نريد.
ثم تأملتها بفضول وتابعت:
– وكما هو واضح أنت الطعم الذي سيجعله يأتي خاضعاً ورغماً عنه سينفذ ما نريده منه.
راحت فريدريكا تتقدم منها وعيناها تتفحص جسد زينة بطريقة جعلتها ترتعد وتشعر بالحاجة لستر جسدها. حمدت الله أنها ما زالت ترتدي الثوب الأبيض الذي أصر خالد عليها أن ترتديه تعويضاً عن ثوب الزفاف الذي لم يستمتع بخلعه عنها بنفسه كما قال، ولم يكن قد حدث بينهما الكثير عندما اقتحم الرجال عليهم غرفة نومهما.
– أتعجب حقاً لمدى تأثيرك عليه.. كيف استطاعت فتاة مثلك إغواء إبليس.
مدت يدها إلى شعرها المشعث:
– تبدين عادية جداً.. جسدك صبياني نحيف وهو كان يفضل دائماً الأجساد الممتلئة في المناطق المعينة.
ابتسمت بشهوة شيطانية وتابعت:
– أنت تناسبيني تمام.
اتسعت عينا زينة وجحظتا بشدة وتراجعت إلى الخلف وجسدها يرتعد.
– أنت.. أنت لا تقتربي مني.
تحول جمال المرأة في عيني زينة إلى وجه شيطاني مثير للرعب والاشمئزاز.
ضحكت برقة وعيناها تلمعان بتسلية:
– أنت مثل العصفور الصغير.. سأكون سعيدة باللعب معك.. نتسلى حتى ظهور رجلنا الوسيم.
التصق لسان زينة بحلقها وهي لا تصدق ما هي فيه وما تتعرض له من بشاعة ممن كانت تظنهم بشراً. لا يمكن أن يكونوا بشراً ولا حيوانات كذلك.
فتح الباب من الخارج واصطدم بالجدار بعنف. وقف خالد بالباب ووجهه يعصف من شدة الغضب ورأى المشهد أمامه وحلله في لحظة. جسد زينة المنكمش والرعب والقرف على وجهها وفريدريكا التي وقفت قريبة منها ونظرة صياد منفّرة على وجهها. فصاح بها بغضب:
– أبعدي يديك القذرتين عنها.
ضحكت فريدريكا ساخرة:
– لا تكن طماعاً هكذا.. دعنا نتشاركها معاً فهي تبدو شهية جداً.
وبقصد استفزازه تقدمت من زينة أكثر ولكنها لم تدرك أنها بذلك كانت تخرج أسوأ ما فيه.
أمسك برقبتها وجرها إليه فجحظت عيناها وهي تنظر إلى الباب. فقال بشراسة:
– لن ينجدك أحد مني.. فكما كنتم مستعدين لي كنت أنا كذلك مستعداً لكم.
ثم أدارها بين ذراعيه وقبل أن تنطق بكلمة كان قد لوى رقبتها. واستمعت زينة إلى صوت كسرها فصرخت برعب.
تركها خالد لتسقط على الأرض جثة هامدة في نفس المكان الذي سقطت فيه جثة الرجل الآخر.
نظر خالد إلى زينة المصدومة وقال:
– زينة.. لا وقت أمامنا.. سوف ينفجر اليخت في أي لحظة حبيبتي هيا بنا.
لاحظت أنه كان يحمل عند دخوله سترة نجاة أسقطها على الأرض. أخذها واقترب من زينة وأمرها بعجل أن ترتديها.
قالت وهي ما زالت في حالة ذهول:
– أنت قتلتها.
– كانت ستقتلنا معاً إن لم أفعل.
أنهى قفل السترة وسحبها إلى خارج الغرفة. فسألته:
– من سيفجر اليخت؟
– أنا.. كنت أعلم أنهم عندما يدركون انشقاقي عنهم سوف يسعون للخلاص مني أو إجباري على العودة، فاستبقت الأمر للتخلص منهم ومن شرهم أولاً. حمداً لله أنني وصلت إليك بسرعة.
انفجار ضخم وقع في جزء ما من اليخت جعل جسديهما يندفعان ويسقطان على الأرض وتدحرجت زينة بعيداً عن خالد الذي وقف بسرعة وأسرع إليها يحملها على كتفه ويعدو بها إلى سطح اليخت وكانت النيران تنتشر بسرعة به.
صوت انفجار آخر كان أقرب إليهما وشعرت زينة بجسدها يرتفع عن كتف خالد ويطير من فوق حاجز اليخت في الهواء. لقد ألقى بها خالد وآخر شيء رأته وهي تهوي إلى الماء جسد خالد والنيران تبتلعه بداخلها. فتحت فمها لتصرخ باسمه ولكن شيئاً ما طار واصطدم برأسها في نفس الوقت الذي ارتطم فيه جسدها بالماء المالح.
***
سألتها خالتها:
– لماذا رفضت الزواج منه يا جنة؟ أنت تحبينه فلما رفضتيه بتلك الطريقة القاسية.
كانت قد أخبرت خالتها بما حدث بينها وبين حميد.
– هو لا يعرف بحقيقة مشاعري نحوه ولن أجعله يعرف أبداً. هو لم يكن حتى يعرفني قبل أن يراني هنا.. لم ينتبه لي من قبل أبداً.. فكيف يمكن أن أصدق أنه أحبني حقاً. لقد صدته وقلت له لا وذلك هو السبب في طلبه الزواج مني.. لست غبية لأصدق.
تنهدت خالتها وقالت:
– أعرف ابني وأعرف مساوئه كلها ولكن أؤكد لك أنه هذه المرة صادق.. شيء ما تغير فيه.
– سوف نرى.. الأيام سوف تثبت لنا إن كان قد تغير بالفعل أم لا.. وهل سيعود لفجره وفسوقه أم سيلتزم وينصلح حاله.
كانت من داخلها تدعو أن يكون قد تغير فعلاً. أحبته منذ سنين مراهقتها ولكنه كان مغروراً ومعتدّاً بنفسه لكي يلاحظ قريبته الصغيرة غير المهمة. كان يتألم قلبها وهي تتابع أخباره المشينة التي امتلأت بها الصحف وسيرته السيئة لدى الناس.
– مهما كان مدى حبي له.. فأنا لن أربط حياتي بشخص سيجعلني أتجرع على يديه القهر.. لي كرامتي التي سوف أصونها مهما كان رأي قلبي في هذا الأمر.
***
سألها والدها بحزن شديد:
– هل ما زلت مصرة على الطلاق يا أروى؟
ابتلعت ريقها وهي ترفع رأسها أمام والدها وكانا بحجرتها في بيت ذويها.
– بلى.. أنا مصرة على الطلاق.
– لقد اعتذر وقال إنه نادم على ما فعله.
– فليندم لنفسه فقط.. لم يعد يعنيني في شيء.
جادلها والدها برقة فهو مثل كل الآباء يكره أن يرى خراب بيت ابنته.
– فكري في أولادك.
قالت:
– لن يجوعوا ولن يشردوا.. لطالما كنت أربيهم وحدي وهو بعيد يبحث عن ملذاته.. لن يتغير شيء في حياتهما فوجوده مثل عدمه بالنسبة لنا.
هز والدها رأسه قائلاً:
– كما تشائين.. لله الأمر من قبل ومن بعد.
انسابت دموع أروى بعد خروج والدها. تبكي حبها.. تبكي كبرياءها.. تبكي سنين عمرها التي ضاعت بين الغش والخداع. ليس سهلاً عليها أن تترك فراس فرغم عنها كانت تحبه وما زالت ولكن إن بقيت معه بعد ما اكتشفته لن تحترم نفسها بعد ذلك أبداً. سوف تضحي بالبقية الباقية من كرامتها التي أهانها بقصد منه. هذا غير الغيرة التي تقتلها كلما فكرت وتخيلت أنه كان ينام في أحضان غيرها من النساء. آه لو يشعر كل الرجال.. كيف يحترق قلب أنثاه وتموت في الثانية ألف مرة عندما ينتمي وليفها بجسده لغيرها.. لما فعل بها هذا. قد تتحمل المرأة أحياناً غدر الرجل من أجل الحفاظ على أسرتها واستقرار أبنائها ولكنها أبداً لا تغفر ولا تسامح والجرح الذي شق صدرها بسكين غدره يظل مفتوحاً لا تندمل جراحه أبداً.
***
صعد حميد إلى القارب لا يعرف إذا ما كان آدم سوف يتقبل وجوده بعد ما حدث بينهما أم لا.
عرف من بيدرو أن آدم ما زال يرسو بالقارب في مونت كارلو وأنه رفض العودة إلى إسبانيا وأصر عليه أن يتركه وحده. وصف بيدرو حاله له بأنه صعب.. حزيناً ومكتئباً ولا يتحدث كثيراً. وقال إن زينة اختفت وأن آدم لم يستطع العثور عليها. أراد حميد أن يكون بجوار صديقه يتحدث معه ويخفف عنه همه ويساعده في العثور عليها.
صعق حميد عند رؤيته لآدم. الرجل القوي المعتد بنفسه المرفوع الهامة دائماً تحول إلى شخص ضعيف النظرات واهن الهمة بوجه شاحب وعينين خاويتين. نظر إليه وابتسم ابتسامة صغيرة ليس لها معنى وقال:
– تعال.. لا تبدو بخير أنت أيضاً.
سار حميد خلفه إلى الداخل وهو يتمتم:
– هذا صحيح.
نظر إليه آدم من خلف كتفه وقال:
– فراس هنا أيضاً.
تسمر حميد في مكانه وشحب وجهه. فتابع آدم:
– تركته زوجته وهو في حالة يرثى لها.
عبس حميد:
– كاميليا؟
جاءه صوت فراس حاداً من الممر المؤدي إلى غرف النوم قائلاً:
– بل أروى.
ثم ضم شفتيه بقوة ثم تابع وهو يتقدم إليه:
– أروى ما كانت لتسمح لك بمجرد النظر إليها.
رد حميد بخفوت وهو مطرق الرأس:
– أعرف.
قال فراس:
– وما كانت لتجعلك ترى خصلة من شعرها.
– أنا متأكد من ذلك.
– أروى ما كانت لتلوث شرفي مع أي رجل.
حَدّق حميد وآدم فيه بصمت وكانا يعرفان أنه يعاني كثيراً خاصة عندما قال بلوعة:
– إنها مصرة على الطلاق ولن تعود إلي مرة أخرى أبداً.
اقترب منه حميد بتردد يخشى أن يرفض مواساته له ولكن فراس كان بحاجة إلى من يطيب خاطره وكان حميد الأكثر ليناً من آدم ولا يخجل من إظهار تعاطفه.
تعانقا بقوة وقال حميد وبحلقه غصة:
– أنا آسف.. سامحني يا فراس.. كنت سيئاً جداً وأظن أنني أدفع الآن ثمن أخطائي.
تركهما آدم وحدهما ليتصافيا، فاخبره حميد عن جنة:
– وجدت أخيراً فتاة جيدة جداً بالنسبة لي.. وأظن أنني أحببتها أكثر مما كنت أتوقع.. رفضها لي آلمني بشدة أكثر بكثير مما شعرت به عندما رفضتني زينة.. زينة كانت شيئاً جديداً تعلقت به وتعاملت معها على أنها جائزة يفوز بها الأفضل منا.. لقد غيرت نظرتي للنساء ولكن جنة غيرت نظرتي للحياة كلها.
– أنت لا تستحقها.. كما أنا لا أستحق أروى وآدم كان أغبى من فينا.
اعتدل حميد وقال:
– سوف نساعده لكي يجدها.
أغمضت عينا فراس وقال:
– زينة لم تضيع حتى نبحث عنها.
سأل بدهشة:
– أين هي إذن؟
– تزوجت.
– ماذا؟!!! من؟
– تزوجت من خطيبها السابق.
صرخ حميد باستنكار:
– القواد؟
هز فراس رأسه بأسف:
– نعم هو.. ونحن السبب.. وجدها بعد أن تخلينا عنها جميعاً وتركناها.. عاد آدم للبحث عنها وكانت قد اختفت ولما وصل إليها كانت قد تزوجته.
شعر حميد بمزيد من الغضب من نفسه وحملها الوزر الأكبر لما حدث لها وقال بكدر:
– وآدم..
لوى فراس شفتيه بمرارة:
– كما ترى حاله.. يتألم ويتوجع في صمت.. وينتظر.
– ما الذي ينتظره؟
– ينتظر أن تعود إليه.
جاء صوت آدم يكمل ما يقوله فراس:
– وعدتها أن أظل هنا في انتظارها.. تستحق أن أنتظرها ما تبقى من عمري.
وقف حميد واقترب منه ولم يتردد في معانقته كما فعل مع فراس.
– لن تنتظر طويلاً للأسف.. فأنت تستحق أن تعاني وأنا لا أنوي أن أخفف عنك.
استدار الثلاثة إلى مدخل حجرة الجلوس وصرخوا بصوت واحد وهم في حالة عدم تصديق:
– زينة!!!
كانت تقف أعلى الدرج وقد نحفت كثيراً وكان هناك جرح في طريقه للشفاء أعلى جبهتها. وجهها بدا مرهقاً ونظراتها كئيبة وقالت:
– هل لديكم عمل لي؟.. فقد أصبحت وحيدة من جديد.
رواية ملاك يغوي الشيطان الفصل الخامس والعشرون 25 - بقلم مايسة ريان
عادت روحه إلى جسده. عادت زينة وعاد الأمل يزدهر في قلبه الميت من جديد. كاد يفقد الأمل، بل أن هناك أوقاتًا مرت به كان قد فقده فعلاً، وما أبقاه حيًا هو تلك البقية الباقية من نفسه المتمسكة بالحياة، غريزة البقاء.
كان فراس وحميد قد أسرعا إليها بصخب يسألون عن أحوالها. ووقف آدم يحدق بها عاجزًا تمامًا عن التحرك أو النطق، واكتفى بالنظر إليها متعطشًا عطش السنين لملامحها. لم يمر الكثير عن آخر مرة رآها، ولكنه افتقدها وكأن قد مر عشرات السنين.
أفاق من جموده عندما لاحظ أن فراس وحميد قد تراجعا وأصبحا بجواره ينظران إلى زينة بحذر، والتي قالت بنبرة حازمة راضية:
– هكذا أفضل. ما حدث من قبل لن يتكرر. هناك حدود سأضعها ولن أقبل بتخطيها.
ثم نظرت إلى آدم:
– سأذهب معك إلى إسبانيا لأعمل عند والدتك كما كنت قد خططت من قبل.
لم تكن تريده أن يقترب منها وقد شعر بذلك، فألتزم بمكانه وسألها والفضول ينهشه:
– وزوجك؟
كانت الكلمة ثقيلة على لسانه ولكنه أراد أن يفهم:
– مات.
ساد الصمت المذهول للحظات طوال.
ابتلعت زينة ريقها بصعوبة وهي تتذكر اللحظات المرعبة التي مرت بها، وكيف انفجر اليخت ومات خالد وهو يحاول إنقاذها مضحياً بنفسه من أجلها. ثم أفاقت وهي في المشفى وظلت لثلاثة أيام فاقدة للذاكرة إثر الخبطة التي تلقتها من قائم طار من اليخت بسبب الانفجار وارتطم برأسها. وعندما عادت لها ذاكرتها، دخلت في نوبة بكاء وانهيار عصبي.
رفعت وجهها الشاحب إليهم تمنع عقلها عن التفكير بما حدث، وقالت بانفعال:
– عمري فقط خمسة وعشرون عامًا. أصبحت أرملة عذراء، وتيتمت مرتين. وقد رأيت من هذه الدنيا أبشع ما فيها ومن فيها. فقدت براءتي بأقسى طريقة يمكن أن تمر ببال أحد. تلونت عيناي باللون الأسود، فلم أعد أثق بأحد ولا أريد أن أنتمي لأحد. هل هذا مفهوم؟
تنهدت بتثاقل وتابعت وهي تنظر للوجوه التي تراقبها بحذر:
– الشيء الوحيد الذي ما زلت عاجزة عن مواجهته... هو الخوف من أن أصبح وحيدة بلا أحد. لا أريد أن أبقى وحدي.
دمعت عيناها رغماً عنها وارتعشت شفتها السفلى. التظاهر بالقوة والشجاعة توقف عند هذا الحد.
اقترب منها آدم وهو يتألم لألمها. لم يعد يفكر في نفسه الآن وأنها قد عادت إليه وأصبحت حرة من جديد، وفوق كل ذلك لم تمس. ولكن كل ذلك أصبح في المرتبة الثانية. لقد مر ملاكه بالكثير من الحزن والألم، وما يريده حقًا هو أن يواسيها ويخفف عنها عذابها.
مد يده إليها بحذر مخافة أن تصده، ولكنها لم تفعل. بل قربت رأسها من يده ووضعت وجنتها على كف يده. أغلقت عيناها بتعب وارتجفت، فأخذ رأسها على صدره وارتعشت أنفاسه وهو يضم جسدها الضعيف إليه بقوة.
بكت بين ذراعيه ولم يستطع أن يمنع دموعه من مصاحبة دموعها. بكت بنشيج مرتفع وبكى هو في صمت.
***
تكورت زينة فوق فراشها الصغير وهي تشعر بالراحة والأمان من جديد، ولكنها لم تعد تؤمن أن الأمان دائم، وخاصة لها.
رفضت اقتراحهم أن تأخذ الحجرة التي كانت لجليلة لتقيم بها، وأصرت أن تنام في غرفتها الصغيرة.
كانوا يحومون حولها يرجون راحتها، ولكنها صدت كل محاولاتهم حسنة النية وعاملتهم بجفاء شديد، بما فيهم آدم. لحظات ضعفها بين ذراعيه لن تعيدها مرة أخرى أبدًا.
حاولت أن تنام، ولكن ذكرياتها الأليمة كانت مصرة على الطفو فوق عقلها. تحقيقات الشرطة اليونانية أرهقتها، وقد كانوا قساة معها في البداية لأنها الشخص الوحيد الذي نجا من الانفجار، ولأن ذلك اليخت كان مشبوهًا وقد حدثت فيه حادثة وفاة من قبل، فأصبح الأمر مريبًا. ولم يطلقوا سراحها والسماح لها بالسفر إلا بعد صدور تقرير الطب الشرعي عن سبب الانفجار، وتأكدوا أن فتاة صغيرة مثلها لا يمكن أن يكون لها دخل بالتخطيط للأمر، وأنها كما ادعت كانت ضيفة هي وزوجها، والانهيار الذي عانت منه جعلهم يظنون أن حزنها على وفاة زوجها السبب.
عادت إلى مصر، وكانت المأساة الأكبر هو رد فعل نبيلة على موت خالد. اتصلت بها زينة من شقة خالد وطلبت رؤيتها دون أن تطلعها على شيء.
انهارت نبيلة تمامًا، ولم تصدق زينة ما وصلت إليه حالتها عند سماعها بخبر موته. راحت تصرخ بلوعة وتبكي بحرقة عليه.
جلست زينة بجوارها على الأرض وسألتها باشفاق:
– هل كنت تحبينه؟
رفعت لها عينيها الغارقتين بالبؤس:
– أكثر من روحي، ولكنه لم يهتم بي أبدًا. كيف سأعيش من دونه الآن؟
– هو لم يكن لك أبدًا. عيشي من أجل طفلك وربيه بطريقة جيدة ليكون أفضل منك ومنه.
ثم وقفت وقالت وهي تنظر حولها:
– هذه الشقة لكما، وكل شيء تركه هو لك ولطفلك لن آخذ منه شيئًا.
وقفت نبيلة تقول بمرارة:
– ولا أنا. سوف أربي ابني بمال حلال.
– لخالد ميراث من والده لم يدخله أبدًا بعمله الآخر.
هذا ما أخبرها به محاميه وهو يستقبلها بالمطار. ولم تعرف كيف عرف بعودتها وبرقم رحلتها وهي لم تسأله. ولأنها لم تعتبر نفسها أبدًا زوجة حقيقية له، قررت التنازل عن حقها لنبيلة وطفلها بعد أن تتخلصا من المال الحرام أولاً. وما سمعته من نبيلة أراحها، فقررت أن تترك لها الأمر لتتصرف فيه وحدها.
وصل جثمان خالد أو ما تبقى منه، وقامتا بدفنه سويًا. ودعت له زينة بالرحمة وأن يتقبل الله توبته.
طلبت زينة من المحامي أن يأتي لها بتأشيرة سفر إلى اليونان، ومن هناك استخدمت جواز سفرها الإسباني إلى مونت كارلو لكي تقطع أي صلة لها بماضيها إلى الأبد. وقالت لنبيلة وهي تودعها:
– اهتمي بأمي جيدًا.
نظرت إليها نبيلة بوجهها الذابل:
– وأنت اهتمي بنفسك يا زينة، وعودي إلينا في أي وقت، ولن أكون تلك الشريرة مرة أخرى.
بالكاد استطاعت زينة الابتسام لها، فلم تجد لديها القدرة على مسامحتها بشكل كامل، ولكنها دعت لها بالهداية.
***
– ليس عليك أن تقومي بكل هذا العمل.
أنهت زينة تجفيف الأطباق ونظرت إلى فراس المتوتر، واستشفت أنه يريد أن يقول شيئًا. فطوال ثلاثة أيام لم تسمح لأحدهم بأن يتحدث إليها، وكان فراس أشجعهم كي يأتي ويقف أمامها الآن معرضًا نفسه للإحراج.
– ماذا تريد؟
– أريدك أن تشفقي على آدم. لقد أخطأ في حقك، ولكنه تعذب أيضًا وندم على تركه لك واتهامك بتلك الطريقة. إنه حزين ويفتقدك. ترك أهله وعمله وبقى هنا من أجلك.
– لم أطلب منه ذلك.
– هو لن ينتظر حتى تطلبي منه. سيبقى هكذا رهينًا لحبك حتى تصفي عنه.
كان فراس يتحدث بمرارة شديدة، وكانت عيناه بائستان وكأنه يشعر بمثل ما يشعر به آدم. ولأول مرة تلاحظ زينة التعب على وجهه والحزن الكامن في عينيه، فسألته باهتمام لم تكن تنوي أن تظهره لأحدهم:
– وماذا عنك؟ لماذا مازلتم معًا وكيف أصبحت علاقتك بكاميليا؟
لم تكن زينة تعلم بما حدث، فقص عليها كل شيء. ولكن المرارة الشديدة لم تظهر إلا عند ذكره لزوجته أروى:
– أنها تريد الطلاق، وهذا حقها، ولكني غير قادر على منحه لها. انفصالها عني كأنفصال روحي عن جسدي.
ثم نظر إليها برجاء وتابع:
– ماذا أفعل لترضى عني وتسامحني؟
تنهدت زينة وأغلقت عيناها تستلهم الصبر، ثم قالت:
– لا أفهم حقًا. الرجل لا يقدر سوى نفسه فقط. إنها تعاني من جرح في كرامتها وإهانة لكبريائها، هذا غير إحساسها بالخيانة من قبلك.
– أنا نادم حقًا وأريد أن أعوضها، ولكنها رفضت كل سبل الصلح معها.
قالت بقسوة وهي تضغط على المنشفة بيدها:
– وبالطبع كبرياؤك جعلك تأتي إلى هنا تندب حظك وتبكي على حالك.
ثم زفرت بغضب وتابعت:
– لماذا لا تجرب أن تهين نفسك قليلًا كما أهنتها؟ لماذا لا تقف أمام الجميع وتتنازل عن كبريائك وتقول أمامهم أنك نادم وتستحق الجلد لما فعلته بها؟ ابقَ قريبًا منها. اهتم بشئونها وشؤون أولادك. تذلل لها ليل نهار ولا تمل حتى ترضى عنك ويشفى جرح قلبها الذي تسببت فيه بخيانتك لها.
قال بصدق:
– أنا مستعد لأفعل أكثر من ذلك. لا أهتم بما تسمينه كرامة ما دامت ستعود إلي في النهاية.
ابتسمت له زينة:
– اذهب إذن.
نظر إليها بامتنان وقال:
– أريد أن أعتذر منك يا زينة. لقد تسببنا لك بالكثير من الأذى رغم أن نيتنا كانت أن نحميك ونساعدك.
هزت رأسها متفهمة وتمتمت بعد ذهابه:
– من يرى هموم الناس تهون عليه همومه.
تقدم منها آدم:
– وبالطبع أنا أكبر هذه الهموم.
تفاجأت زينة من ظهوره المفاجئ، ولكنها لم تندهش، فهو لا يبتعد كثيرًا عن أي مكان توجد فيه. اختفى الشخص العصبي قليل الصبر وأصبح تقريبًا مستأنسًا يحاول إرضاءها بشتى الطرق ويمد لها يد المساعدة في أي عمل تقوم به، حتى أنه كان ينظف الغرف ويمسح الأرضيات بدلاً منها. ولم تظهر له أنها تلاحظ ما يفعله بقصد التودد لها.
وقد سألته مرة:
– إلى متى سنظل هنا؟ متى سنعود إلى إسبانيا لكي أبدأ عملي مع والدتك؟
أشاح بوجهه حينها ورد باقتضاب:
– ما زلت في إجازة.
ولكنها شكت أنه يتعمد التأخير، تاركًا عمله ويقضي وقتًا طويلًا هو وحميد بمكتبه بكابينة القيادة يديران أعمالهما المتأخرة.
رفضت الرد عليه، فقال وهو يميل على الكاونتر الرخامي أمامها:
– أريد أن أقضي أكبر قدر من الوقت معك، ولكنك لا تسمحين لي.
لم تستطع السيطرة على احمرار وجهها ولا على خفقات قلبها. كانت مصرة على عدم التأثر به، ولكن كلمات فراس عنه منذ قليل ورقته في التعامل معها جعل قلبها يبدأ يلين:
– وإن سمحت لك.. ماذا تريد مني؟ أن نكون صديقين حتى تقرر موقفك مني كما سبق وقلت لي؟
– كنت غبيًا ولم أنتهز الفرصة بجعلك ملكًا لي. أخبرتك أنني لم أكن أؤمن بالحب، ولكني الآن أؤمن به. أنا أحبك حقًا يا زينة، وأنت تعرفين ذلك جيدًا، ولكنك تريدين أن تعذبيني.
أغم وجهها بحزن:
– أعذبك؟
غامت عيناها بحزن وتابعت:
– أنا لا أعذب أحدًا. لم أفعل مع من غدر بي وخانني وتسبب بأذيتي، فكيف أفعل ذلك بك أنت.
سألها بلهفة:
– وهل أنا مهم بالنسبة لك؟
رقت نظراتها وقالت:
– أكثر أهمية مما تتخيل.
– لماذا تتركيني أنتظر إذن؟ لماذا تصدين كل محاولاتي للتقرب منك؟
– أحتاج إلى وقت. لقد تعبت وأريد أن أفكر بصفاء ذهن ودون ضغوطات.
سأل بعصبية:
– وهل أضغط عليك؟
– وجودك قربي يشوش على عقلي، فأعجز عن التفكير.
عبس بغضب وقال:
– إن كنت تعنين أنك بحاجة للانفصال عني لبعض الوقت، فهذا لن يحدث. وإن أخذتك لأمي، فسيكون ذلك لتبقي معها كضيفة حتى تنتهي عدتك ونستطيع الزواج بعدها، وسأبقى معك بنفس المكان ولن أبتعد كما تأملين.
قالت بحنق وقد احتدم صوتها بدورها:
– ما زلت مستبدًا ولم تتغير.
غضبه الذي كان متواريًا خلف رِقته الزائفة طار في لحظة:
– فكري بي كما تشائين، ولكني لن أترك جانبك أبدًا.
تهدلت كتفا زينة بإحباط وهو يرتقي الدرجات إلى السطح بخطوات غاضبة. تركت المطبخ وألقت بجسدها على أحد المقاعد الجلدية في حجرة الجلوس بتعب.
ظهر حميد أمامها آتيًا من أعلى:
– ماذا حدث له؟ كان مروّضًا جيدًا خلال الأيام الماضية منذ عودتك، ولكنه الآن ينفث نارًا كأنه تنين خارج عن السيطرة.
ابتسمت زينة رغماً عنها، فابتسم حميد لها بدوره:
– أخيرًا ظهرت الابتسامة على وجهك. لقد افتقدناها جميعًا.
تقدم وجلس على المقعد المقابل لها وقال:
– وصلتني رسالة من نيكول.
عبست زينة من جديد وقالت:
– اتركها لحالها إن كنت لا تحبها.
– مهلًا قليلًا. لم أقل أنني أنوي العودة إليها. في الحقيقة أنا تغيرت.
نظرت إليه بشك، فقال مدافعًا عن نفسه:
– ألم تلاحظي ذلك؟ لم أعد أشرب. فهل وجدت أي خمور على القارب منذ حضورك؟ هه؟
لا. لم تجد. ولكن...
– ماذا عن النساء؟
رفع يديه لأعلى وقال بجد:
– لا مزيد من النساء. كدت أفقد أقرب صديقين لي بسببهم. ثم إن هناك واحدة فقط أصبحت أريدها.
ابْتَأَسَت عيناه كما حدث مع فراس منذ قليل. ولكن حميد لم ينتظر لكي تسأل، وراح يحدثها عن جنة ويوصف لها بحنق شديد معاملتها السيئة له. ولم تجد زينة قدرة على كبت ضحكتها، فقال:
– تضحكين؟ لقد عضتني وشعرت بالإذلال. أقسم أن الطبيب وممرضته الخبيثة عرفا سبب الجرح، فكل سنة من أسنانها كونت غرزة.
لم تستطع زينة التوقف عن الضحك، وما لبث حميد أن انفجر ضاحكًا بدوره. وهنا اقتحم آدم المكان وهو عاصف الوجه، ونظر إلى حميد كما لو كان يود اقتلاع عينيه من محجريهما:
– ما سبب كل هذا الضحك؟
كانت الغيرة واضحة عليه. فقالت زينة متجاهلة وجود آدم المرعب:
– أنا أحببتها جنة هذه. كيف تبدو؟
رمق حميد آدم بقلق، ثم أجاب:
– إنها تشبهك.
رفعت زينة حاجبيها بدهشة، فتابع بسرعة:
– ليس في الشكل، ولكن في الروح. في التربية وفي الاعتزاز بالنفس. إنها فتاة يصعب إغواؤها.
وقف آدم عاقد الحاجبين. ونظرت إليه زينة، ثم لوّت شفتيها بتسلية وقالت لحميد:
– حذرني آدم منك يومًا وقال إنك تسعى خلف أي شيء يرتدي تنورة، حتى ولو كانت مكنسة.
نظر حميد ضاحكًا إلى وجه آدم الغاضب وقال:
– كان معه حق. ولكن الآن أنا لن أسعى أبدًا خلف أي تنورة إلا إذا كانت جنة من ترتديها.
اتسعت ابتسامة زينة، فزمجر آدم بغيظ وصاح بغضب:
– الآن توزعين الابتسامات والضحكات وتتركين العبوس لي أنا.
نظرت إليه ثم أشارت إلى حميد وقالت:
– أرأيت؟ أنا لست الملاك الوحيد. فلكل شيطان ملاك يغويه.
خرج فراس في هذه اللحظة يحمل حقيبة ملابسه، فسأله حميد متعجبًا:
– إلى أين أنت ذاهب؟ ألم تقل أنك ستبقى معنا حتى...
قاطعه موبخًا:
– لدي زوجة وأطفال في حاجة لوجودي معهم. لست مرفّهًا مثلك.
قالت زينة بابتسامة:
– سيذهب إلى ملاكه. ألم أقل هذا لكما منذ قليل؟
وقبل أن يذهب، استدار ينظر إلى حميد:
– وأنت افعل شيئًا مع جنتك التي بهدلتك.
عبس حميد، ولكن عيناه كانت تضحك بتسامح. وقال آدم بغضب ساخر:
– وماذا عني أنا؟ ألا يوجد نصيحة لي؟
هز فراس رأسه موبخًا له وهو يشير إلى زينة:
– لقد عادت إليك. ما الذي تريده أكثر من ذلك لكي تفهم أنها تريدك.
احمر وجه زينة وتجنبت النظر إلى آدم الذي سلط نظراته على رأسها المنحني بتفكير.
بعد رحيل فراس، فعل حميد بالمثل وقرر أن يلحق بجنة ويجرب حظه معها من جديد، وهو أكثر إصرارًا على الفوز بها.
أصبحت زينة وحدها مع آدم، والوضع لا يجب أن يستمر هكذا. إنها لا تخاف منه ولا تقلق من ضعفها تجاهه، ولكن المظهر العام كان محرجًا لكليهما، أو لها وحدها لأنه لا يبالي.
– أنا آسف.
كانت تقف مستندة على سور القارب، فأجفلها صوته. فاستدارت له وتابع بتوتر غريب عليه:
– كنت سيء المزاج، فأنا...
ثم صمت، فانتظرت زينة بصبر ليتابع:
– زينة، أنا رجل غير صبور بطبعي، ولكني على استعداد لأصبر من أجلك. أصبحنا وحدنا، وأعرف أن الوضع لن يروق لك. رأيت ذلك على وجهك بعد رحيل حميد. سوف نبحر الآن، أو نستقل الطائرة إلى إسبانيا، كما تحبين. وفور وصولنا، سوف نعلن خطبتنا، والشهور المتبقية سنعد لحفل الزفاف فيها.
عقدت ذراعيها أمام صدرها وقالت:
– هل تعلم يا آدم أنك لم تطلب مني الزواج حتى الآن؟
اقترب منها وابتسم لها بتملق:
– عذرًا لو كنت قد اعتبرت موافقتك كتحصيل حاصل. فما قاله فراس قبل رحيله استقر بقناعاتي. لو لم تريديني حقًا لما عدت إلي، أليس كذلك؟
ابتسمت له بحب وهي تقترب منه بدورها:
– بلى صحيح. من قبل كنت مستعدة لأن أتبعك إلى أي مكان برغم أنك لم تعدني بشيء. ولم أفكر منذ أن أصبحت حرة غير في المجيء إليك. شعرت بأني لن يصبح لي وجود إلا بالقرب منك. حتى عندما استسلمت لمصيري ووهبت نفسي لرجل آخر، كنت أدرك أن سعادتي انتهت إلى الأبد ولم يعد لحياتي معنى بفراقي عنك.
مال عليها وهمس بمكر بالقرب من أذنها:
– هل تعلمين يا زينة أنك لم تقولي أنك تحبيني حتى الآن؟
ابتسمت وقد احمر وجهها حياءً وردت بمكر:
– عذرًا لو كنت قد اعتبرت معرفتك بحبي لك كتحصيل حاصل. فما قاله فراس قبل رحيله استقر بقناعاتي. فلو لم أكن أحبك بشدة وأريدك جدًا جدًا لما تركت العالم من خلفي وعدت إليك. أليس كذلك؟
ضحك بسعادة وتألقت عيناه بشدة:
– بلى صحيح.
رواية ملاك يغوي الشيطان الفصل السادس والعشرون 26 - بقلم مايسة ريان
زينة.. كيف حالك؟ أفتقدتك كثيراً جداً. أخبرني حميد عن تطور علاقتك بآدم وفرحت كثيراً من أجلكما. أنتِ فتاة طيبة وآدم جيد بطريقته الخاصة. لطالما عاملني باحترام لم أكن أستحقه وهذه حقيقة. أنتِ السبب في أنني كشفت روحي أمام نفسي. كنتِ مرآة رأيت فيها حقيقتي ولم يعجبني ما رأيت، وشعوري تجاه ذاتي لم يكن جيداً أبداً. أنهيت عقدي مع شركة الأزياء الفرنسية وعدت إلى لبنان، إلى مزرعة والدي. لا تتخيلي كم المعاناة التي تسببت لهم بها ولم أكن أستحق مسامحتهم لي، ولا كمية دموع الفرح التي ذرفوها من أجل عودتي. أخي جان، كما أخبرتك سابقاً، لديه طفلان، صبي وفتاة. أتعلمين ماذا سمى طفلته؟ نعم، سماها نيكول لتذكرهم بي. أرأيتِ ما الذي فعلتيه من أجلي وأجل عائلتي؟ أنا شاكرة لظهورك في حياتي. أنتِ ملاك من نور أنار ظلام دنياي. لقد قررت أن أبقى بلبنان وأفتتح بها دار أزياء خاص بي، فقد أصبح لدي من الخبرة والمال ما يؤهلني لذلك الآن. حبي لحميد لم أتخلص منه تماماً، ولكني أصبحت على ثقة من أنني قادرة يوماً ما على نسيانه، خاصة وقد عرفت منه أنه وجد إنسانة أحبها حقاً وينوي الارتباط بها، وأنا أتمنى له السعادة والخير. راسليني إن استطعت، وإن حدث يوماً وزرت لبنان، أرجوكِ اجعليني أراكِ. وسوف أرسل لكِ عنواني ورقم هاتفي، ومعكِ الآن عنوان بريدي الإلكتروني. سأنتظر رداً منكِ.
وإلى لقاء قريب،
نيكول
دمعت عينا زينة تأثراً برسالة نيكول. أغلقت الهاتف ووضعته على المنضدة أمامها. الهاتف الذي أهداه آدم لها فور وصولهما إلى إسبانيا حتى يطمئن عليها أثناء وجوده بالعمل.
اليوم الذي وصلا فيه كانت خائفة وقلقة من ردة فعل عائلته على خطبة آدم لها. ورغم تأكيده المستمر لها بأن ليس هناك من داعي لقلقها، إلا أنها لم تأخذ بكلامه إلا بعد مقابلتها لأمه. كانت سيدة وقورة جداً وتبدو صارمة. تشبه في ذلك آدم كثيراً. وبمجرد أن قدمها آدم إليها على أنها خطيبته، اختفت صرامتها بقدرة قادر، وعلت البشاشة محياها، واحتضنت زينة بقوة. دهشت زينة من ردة فعلها، ففسر لها آدم الأمر قائلاً بسخرية وابتسامة عريضة على شفتيه:
– أعذري أمي يا زينة. كانت قد فقدت الأمل في زواجي وقد كنت عصياً أمام مؤامراتها هي وشقيقتيّ لتدبير زواج لي.
أبعدتها أمه عنها على بعد ذراع تتأملها وتتفحصها بسعادة.
– كم أنتِ جميلة ورقيقة.. وتبدين صغيرة جداً أيضاً.
أحمر وجه زينة حياءً، ونظرت إلى آدم الذي قال متبرماً ولكن عينيه تمزحان.
– لست عجوزاً يا ماما.
وأكدت زينة كلامه بسذاجة غير مدركة لتمرير المزاح بينهما.
– نعم، هو ليس كذلك، وأنا أيضاً لست صغيرة جداً حقاً، وإن كنت أبدو.
ضحك الاثنان بمرح، فازداد وجهها احمراراً. احتضنتها أمه إليها من جديد.
– لا تقلقي، إنني أمازح. وصدقيني، حتى وإن كنتِ أكبر منه في السن لن أعترض، فأنتِ تبدين فتاة رائعة تدخلين إلى القلب مباشرة، وما قلتيه الآن يدل على صفاء نية لا نُقابله كثيراً هذه الأيام.
عقب آدم على كلام والدته قائلاً:
– ماما لديها نظرة ثاقبة في البشر لا تخطئ أبداً. ومنذ الآن أصبحت تحت حمايتها، فكما لابد وقد لاحظتِ أنها لم تترككِ من بين ذراعيها منذ أن رأتكِ، وكان الله في عوني منذ الآن.
انتهى المزاح، وكانت والدته متحمسة لمعرفة موعد الزفاف. وبالطبع، الأسئلة شملت السؤال عن عائلتها. وعندما رأت شحوب وجه زينة وتعلق نظراتها اليائسة بآدم، فتوقفت عن طرح الأسئلة وقالت بذكاء:
– يبدو أن هناك أشياء صعبة تحكى في هذه الجلسة وتحتاج لشرح طويل.
همّ آدم بالكلام، لكن والدته نهته ووقفت تسحب زينة معها.
– لا.. سوف آخذ زينة إلى غرفتها لترتاح أولاً، ثم سنجلس معاً أنا وهي لتحكي لي كل شيء. وأنت اذهب وافعل أي شيء مفيد غير التدخل بيننا، فهي منذ الآن أصبحت ابنتي، كما أنت ابني.
عبس آدم في وجه أمه مازحاً، ثم مال على وجنتها وقبلها بحب. ولكن حركته أدهشتها وجعلتها تنظر إلى زينة وتقول:
– ابني أصبح رقيقاً وهذا عجيب.. بالتأكيد هذا هو تأثيرك عليه. لا تقلقي يا فتاة، مهما كانت مشكلتكِ فهي لن تغير من قدركِ عندي أبداً.
تابع آدم رحيل زينة مع أمه وزفر براحة وابتسم لها مشجعاً.
تركوها تستحم وترتاح من السفر، ثم استدعتها حماتها المستقبلية لتناول الغداء معها. كان منزلهم عبارة عن فيلا في حي راقٍ بمايوركا الإسبانية. ومن بعد القارب الشراعي والفنادق الفخمة، لم تندهش زينة من حجم الفيلا ولا روعة تصميمها. وحاولت أن لا تشعر نفسها بأنها دون المستوى، فهي بالأخير لا تهتم بالمال ولا تسعى خلفه، فقد تركت ثروة خالد ولم يفرق معها الأمر. وبالتأكيد آدم يعرف ذلك ولن ينظر إليها على أنها باحثة عن الذهب.
بعد الغداء، جلستا في الشرفة الواسعة التي تطل على الحديقة التي تضم مستنبت للزهور. أعجبت به زينة وتعلقت عيناها به، فقالت حماتها:
– سأعرفك على زهوري وأرجو أن تساعديني في العناية بهم، فابنتاي متزوجتان وتعيش كل منهما ببلد آخر.
بعض قليل من التردد، بدأت زينة تحكي قصتها. وأنصتت إليها المرأة بهدوء ولم تقاطعها إلا لتستفسر عن شيء ما. وبعد أن انتهت زينة، كان الحزن والأسى جلياً على وجهها، وقالت:
– لم أشعر بهكذا حزن منذ وفاة زوجي والد آدم، رحمه الله.
مالت على يد زينة تربت عليها برقة وقالت:
– انتهى كل شيء الآن.. أنتِ الآن بأمان معنا ولا تخشي شيئاً أبداً.
ابتسمت لها زينة بامتنان.
– شكراً لكِ.. وشكراً لأنكِ قبلتِ بي وأنا من دون عائلة.
اعتدلت والدة آدم ولوحت بيدها قائلة بصرامة:
– هراء.. اليتم ليس عيباً، ولقد رأيت كثيرات ذوات حسب ونسب وكن أقل من عاهرات. ولكن أنتِ يجب أن تفخري بنفسكِ، وابني كما هو واضح فخور بكِ كذلك.
ومنذ تلك المكاشفة بينهما، تغيرت حياة زينة. وإن كان بها شيء من الخشية لأن تغدر بها الدنيا من جديد، أصبحت الآن تعرف أن لها عائلة مستقبلية ستحبها وتحميها على الدوام.
****
لقد تعب حقاً وطلعت عيناه كما يقولون.. تلك الفتاة سوف تفقده عقله لا محالة. تجعله يدور حول نفسه طوال الوقت، تلاعبه وتحيره حتى فاض به الكيل.
بعد أن ترك القارب وعاد إلى المغرب، وجدها قد رحلت بعد انتهاء العرس مباشرة. وسأل أمه عن عنوان خالته، فقالت له أمه بعدم رضى:
– ألا تخجل من نفسك وأنت تعترف بجهلك بعنوان خالتك الوحيدة؟
هز رأسه بنفاذ صبر وقال:
– آسف.. أنا حقاً آسف.. آسف على أشياء كثيرة فعلتها وأشياء أكثر لم أفعلها.. فهل ستعطيني عنوان جنة أم لا؟
– سأكتبه لك.
أخذت ورقة من مفكرتها التي تحتفظ بها قريبة منها دائماً، وبعد أن كتبت العنوان ناولته له. تألقت ملامحه وهو يمني نفسه بقرب لقائها، ولكن ما لبث أن تجهم وعقد حاجبيه قائلاً باستنكار:
– ماذا؟ إفريقيا الوسطى؟
– خالتك تعيش بالرباط إن كنت تريدها.. ولكن إن كنت تريد جنة فهي من ضمن بعثة أطباء بلا حدود، وهي الآن بإفريقيا الوسطى. انتظر عودتها إن كنت غير مستعجل. سوف تعود بعد عام إن لم يحالفها الحظ بأخذ إجازة.
شعر حميد بالحنق الشديد ووقف فترة لا يدري ماذا يقول، ثم راح يتمتم بغيظ وهو يخرج من حجرة والدته.
– أنا لن أذهب إلى هناك.. لا أفهم ما الذي دفعها للسفر إلى تلك البلاد إن لم تكن فتاة مجنونة.
ولكن بعد أسبوعين، كان يستقل الطائرة متوجهاً إلى جمهورية وسط إفريقيا، بعد أن أخذ الكثير من اللقاحات حتى شعر بأنه ذاهب إلى منتجع للأوبئة.
تفاجأت جنة عند رؤيتها له في المخيم، وظلت طوال دقيقتين كاملتين تنظر إلى وجهه المرهق والعرق والغبار الذي يغطيه. وسألته غير مصدقة:
– ماذا تفعل هنا؟
رد بغيظ وقد شعر حينها بأنه يود ضربها لأنها جعلته يمر بتلك المحن على الطرق غير الصالحة للسفر والغابات التي قطعها، هذا غير كمية الحشرات التي تعرض للدغها.
– أقسم أنني ندمت على وجودي هنا.
توقع أن تغضب وتطلب منه الرحيل، ولكنها انفجرت في الضحك بمرح وقالت:
– مرحباً بك أيها الثري المدلل في أرض الشقاء.. تعال، نحن بحاجة إلى الكثير من المساعدة هنا، ولا نقول لا لأي يد تمتد إلينا.
عرفته جنة على زملاءها من أطباء وباحثين من مختلف الجنسيات. وبعد بضعة أيام من التذمر والتعب الشديد والإرهاق بسبب الحر، بدأ يتأقلم. وما كان يخفف عنه هو وجوده بجوار جنة طوال الوقت، وكانت تضغط عليه باستمرار وتتحداه أن يستمر. كان يعرف أنها تراقبه وتنتظر أن يستسلم ويرحل، ولكن ما رآه أثر فيه حقاً وجعله يقدر ما تقوم به جنة ورفقاؤها. الأمراض وسوء التغذية الذي يتعرض له السكان بسبب العنف والاضطرابات السياسية. وقد أخبره رئيس البعثة وأحد الباحثين، وكان ألماني الجنسية:
– حتى بعد الانتخابات الديمقراطية التي تمت في 2016، إلا أن الوضع ما زال خطيراً، فهناك 2.3 ملايين إنسان، أي ما يعادل نصف السكان، يعتمدون على المساعدات الإنسانية للبقاء على قيد الحياة. والنظام الصحي بالكاد يعمل في ظل النقص الحاد في العاملين الصحيين المؤهلين والإمدادات الطبية.. لذلك نشكر لك وجودك بيننا.
بعد ذهاب الرجل، جلست جنة في المكان الذي تركه حول طاولة الطعام الخشبية التي تتوسط المخيم، وسألته:
– لماذا أنت هنا؟
رد ساخراً:
– أبعد كل هذا الوقت تسألين؟
أشاحت بوجهها بتجهم وقالت:
– لا أعرف لماذا تتعب نفسك بالمجيء إلى هنا وأنت تعرف رأيي بك جيداً.
– ربما أود أن أجعلكِ تغيرين رأيكِ بي وتدركين أنني جاد فيما يخصك.
عادت للنظر إليه وقالت بتجهم:
– حميد.. وجودك هنا لأسبوع أو حتى شهر لا يعني أنك تغيرت.. ستكون مجرد مغامرة بالنسبة لك، وبعد أن ترحل أشك أنك ستجرؤ على إعادتها مرة أخرى.
قال بانفعال غاضب:
– أنا لا أقول إنني سعيد بالبقاء هنا، ولكني أقدر الهدف السامي الذي تسعون لتحقيقه وأتمنى أن أساهم فيه. وأن السبب الوحيد لوجودي هو محاولة إقناعك بالزواج مني، وأنا لم أخفِ هذا عنك أو عن أي أحد آخر، هذه الحقيقة.
وقفت تقول بتصميم وعناد:
– إذن ابقَ.. عام هو مدة بعثتي.. أثبت لي تفانيك و..
وقف بدوره يقاطعها قائلاً بغضب:
– أنتِ تقومين بتعجيزي.. تعرفين أن لدي عمل ينتظرني ومؤهلاتي لا تناسب المكان هنا.. ولكنك تنتقمين مني بوضع شروط تعجيزية لسبب لا أفهمه.. أحبك يا جنة وأطلب منك الزواج.. لدي ماضٍ أعترف أنه ليس مشرفاً ولن أتباهى أمامك أو أمام غيري به.. لذلك سأطلب منك للمرة الأخيرة.. هل تقبلين الزواج بي أم لا؟
استولى الحزن على عينيها، ولكنها قالت بصورة قاطعة:
– للأسف.. لن أقبل.
حتى لو كان يضع احتمال رفضها في الحسبان، إلا أنه صدم منه وشحب وجهه ولم يقل شيئاً. وفي صباح اليوم التالي، كان يحمل حقائبه ويضعها في السيارة الجيب التي استأجرها لتقله إلى المدينة، ومن هناك سوف يأخذ الباص لساعات حتى العاصمة ليستقل الطائرة من هناك.
لم يودعها ولم يقل لها أنه سيرحل. وقد قابل رئيس البعثة في الصباح الباكر وسلمه شيكاً بمبلغ كبير تبرعاً منه للمنظمة ووعده بأنه سيستمر بذلك. فشكره الرجل بامتنان شديد وودعه بنفسه عند السيارة وسأله:
– وماذا عن دكتور جنة؟
قال حميد بمرارة ساخرة:
– يبدو أنها تفضل البقاء هنا عن البقاء معي.
ولكنه لم يتوقع أن تلحق به جنة إلى المطار.
– لماذا لم تخبرني أنك راحل؟
كان مندهشاً من ظهورها أمامه قبل دقائق من إقلاع الطائرة.
– لم أعتقد أنك ستهتمين.
أحمر وجهها بشدة وقالت وكأنها تنتزع الكلمات انتزاعاً:
– ألم تنتبه إلى أنني توقفت عن انتقادك وتوجيه السباب لك؟
قال ساخراً:
– بالطبع لاحظت، ولكن أفترض أنك توقفت عن ذلك فقط حفاظاً على واجهتك الاجتماعية والثقافية أمام زملاءك النبهاء.
– غبي.. ما زلت مغروراً رغم محاولاتك المضحكة لإثبات العكس.
فاض به الكيل وقال بحنق شديد:
– أنتِ الغبية والعنيدة، لا أنا.. إن كنتِ تريدينني فأهلاً بكِ، وإن كنتِ لا.. فدعيني أذهب في سلام.
واستدار يسير وهو يجر حقيبته خلفه، والغضب والإحباط يتفاقمان بداخله.
– تذهب في سلام.. أم تذهب لصديقاتك الجميلات؟
صاحت من خلفه بحدة، فتوقف واستدار إليها صائحاً بدوره:
– ومالك أنت بي.. أذهب حيث أشاء ولمن أشاء، فلا تتدخلي في حياتي، فقد تنازلت عن أي حق لكِ بها.
عاد يتابع طريقه، ولكنه سمع خطواتها تعدو من خلفه.
– حميد.. انتظر.
توقف من جديد، وقد قرر أن يعاملها بقسوة، ولكن الدموع التي كانت تغرق وجهها ألجمته وجعلته عاجزاً وضعيفاً. وهي تتابع:
– لا تتركني ولا تذهب لأي امرأة أخرى.. أنا آسفة.
ثم تنهدت بقوة تحاول السيطرة على انفعالها، ثم تابعت:
– أنا حقاً أحبك.. وقبل أن تحبني أنت.. أنا موافقة.. أن أتزوجك.
لم يصدق أذنيه للحظات، ولم يصدق أن سعادته بموافقتها على الارتباط به ستصل إلى هذه الدرجة. ترك حقيبته واحتضنها بشدة. استكانت جنة بين ذراعيه، وبعد دقيقة كاملة ابتعدت عنه وقد احمر وجهها خجلاً، وقالت:
– ستكون مدة الخطوبة عاماً كاملاً.
رفع يده يهم بضربها، ولكنه أوقف يده في الهواء. فقالت بعناد دون أن يرف لها جفن:
– هذا شرطي الوحيد.. ما رأيك؟
وافق بالطبع، فلا خيار آخر أمامه.
****
وقف فراس أمام الباب الخارجي لمنزل والدي أروى ينتظر خروج ولديه. فقد اعتاد خلال الأسابيع الماضية أن يأتي لزيارتهما وأخذهما كلما سمح وقت عمله لقضاء الوقت بصحبتهما. في البداية، كان يقبل دعوة حماه ليدخل وينتظرهم بالداخل، وكان يقبل على أمل أن يرى أروى، ولكنها كانت ترفض الخروج من حجرتها حتى يذهب. لم يترك أحداً من العائلة والأصدقاء إلا وترجاهم أن يتدخل للصلح بينهما. قرر أن يستمع إلى نصيحة زينة ويتنازل عن كبريائه ليداوي كبرياءها، وقد كرّس كل وقت فراغه من أجل التودد إليها والاهتمام بطفليه.
– بابا.
رفع فراس نظراته الشاردة ونظر إلى حمدان ابنه الأكبر.
– نعم حبيبي.
كانوا جالسين في أحد المطاعم يتناولون الغداء.
– أنت تريد ماما أن تعود إليك.
بالطبع.. حمدان لم يعد صغيراً، وانفصالهما وأسبابه لا تخفى عليه.
– لقد أخطأت في حقها ولها كل الحق لأن تغضب.
– ولكنك تحبها وتريدها أن تعود إليك.. أليس كذلك؟
ابتسم له وقال:
– نعم، هذا ما أريده.. ولكنها ترفض رؤيتي أو الحديث معي.
قال نجد وهو يحاول ابتلاع الطعام المحشو به فمه:
– تحدث إليها على الهاتف أو اكتب لها رسائل على الواتس أب.
نظر حميد بدهشة إلى ولديه وقال:
– وهل سوف تجيب؟
قال حمدان:
– حاول بابا، لن تخسر شيئاً.. نريد أن نعود إلى منزلنا.. كما أن أمي حزينة جداً.
قال نجد بعفوية:
– وتبكي باستمرار.
تألم قلبه وكره حاله لأنه السبب في بؤسها. وعندما أعاد الطفلين إلى بيت جدهما وعاد هو وحيداً إلى البيت، أخذ بنصيحتهما وبدأ يرسل الرسائل إلى أروى. وانتظر بعد أول رسالة التي كان يسأل فيها عن حالها، ولم يكتشف أنه كان يحبس أنفاسه إلا عندما زفر بقوة بعد أن فتحت الرسالة وقرأتها، فتشجع وأرسل رسالة أخرى دون أن ينتظر الرد على الرسالة الأولى وأخبرها فيها أنه يفتقدها. رأت الرسالة ولكنها لم ترد عليها أيضاً. بعد أسبوعين، كان فراس قد أرسل مئات الرسائل دون أن يستلم رداً واحداً. أخبرها كل شيء.. ما فعله وما يشعر به.. أخبرها عن شوقه وألمه والحب الذي يكنه لها.. أخبرها عن عمله وأصدقائه، واتضح له أنه لم يكن يحكي معها أبداً وأنه لم يعتبرها يوماً سوى زوجة فرضها القدر عليه لتكون أماً لأولاده، وقد أخبرها بذلك أيضاً. اعترف بضعفه وجبنه وندمه. وفي آخر رسالة أخبرها أنه مستعد أن يتذلل لها أمام العالم لترضى عنه إن كان هذا ما يرضيها لكي تغفر له وتعود إليه. وكالعادة، لم ينتظر رداً على رسالته الأخيرة، لذلك عندما سمع صوت رنين الرسائل، أمسك الهاتف بشيء من الملل ليرى من يراسله. توقف النبض لديه للحظة ثم عاد لينبض بقوة، ظن أن قلبه لن يتحملها، وفتح الرسالة كما لو كانت لغماً على وشك الانفجار، وكان فيها:
(لا عشت ولا كنت لو جعلت زوجي ووالد أبنائي يتذلل أمام الناس من أجل أي أحد أو أي شيء)
لا تكفي الدموع لتعبر عما شعر به وهو يعاود قراءة رسالتها مراراً وتكراراً. هل هناك من هو أسمى وأكرم وأشجع من تلك المخلوقة؟
رسالة أخرى ظهرت أمامه:
(سأكون بانتظارك غداً صباحاً أنا والأولاد كي تعيدنا إلى البيت)
هب فراس عن الفراش وهو يقول بانفعال:
– لا والله لن أنتظر حتى الصباح.
ستبيت زوجته وأولاده تحت سقف بيته هذه الليلة. سيذهب ولا يهم إن كانت الساعة قد تجاوزت الواحدة بعد منتصف الليل.
لم يلاحظ أنه يرتدي بيجامة النوم سوى وهو في الطريق، ولم يفكر مجرد تفكير في العودة لتغييرها.
طرق الباب ورن الجرس بإلحاح. أضيئت أضواء البيت بأكمله وسمع أصوات قلقة وخطوات تتحرك. فتح حماه الباب وقال بدهشة:
– فراس؟.. ما الذي أتى بك في هذه الساعة؟
قال فراس وهو ينظر إلى ما خلفه حيث تقف أروى وأمها متسعة العينين من الذهول:
– جئت لآخذ زوجتي وأولادي.
التفت والدها إليها يسألها وهو لا يفهم شيئاً:
– أروى؟
ابتسمت وأطرقت برأسها.
– الأولاد نائمون.
دفع فراس حماه من أمامه ودخل يقول بإصرار:
– سأحملهما ولا داعي لأخذ أي شيء اليوم.. لا أريد سواكم.
****
وقف آدم ينتظرها بشوق قرب شاطئ البحر. كان زفافاً أسطورياً.
تهادت زينة بثوبها الأبيض الطويل. ينقصها جناح ملاك وتكون لجحيمه هلاك.
تهللت شمس النهار فوق خصلات شعرها. وانحصرت أمواج البحر خجلة من لمس طرفها.
غارت الزهور من وردات خدودها فقبلت أن تكون مداساً لأقدامها.
إنها الملاك الذي استطاع إغواء الشيطان بداخله. استطاع انتزاع دنسه بطهره. قضى على خبثه ببراءته. إنها ملاكه وقد أصبح قلبه جنتها.
أمسك يدها المرتجفة وضمها إلى قلبه معلناً بعينيه وكل خلاياه أنها كل ما يريده من هذه الدنيا. نسيا لحظة أن التقت عيونهما أن هناك عالماً من حولهما وهمس:
– أصبحتِ لي.
ردت بصوت يرتجف من شدة مشاعرها:
– نعم.. أصبحت لك.
*****
فوق سطح القارب حيث كان يرسو قرب شواطئ مارسيليا الفرنسية، جلس آدم وحميد وفراس في دائرة، وكل منهم يحمل طفلته بين ذراعيه. العجيب أن زينة وجنة وأروى أنجبن بالتتابع فتيات بين كل واحدة منهن شهراً تقريباً.
ثابت، ابنة آدم البالغة من العمر عشرة أشهر، وكانت أكبر الفتيات وأكثرهن هدوءاً. قال وهو يهددها بحنان:
– ملاكي يريد أن ينام.
ابتسم فراس ثم قبل وجنة، ابنته ذات التسعة أشهر، بحب:
– وملاكي أنا أيضاً في طريقه إلى النوم كذلك.
نظر حميد إلى ابنته ذات الثمانية أشهر وقال بأمل، وكان العشق في عينيه يمحو أي أثر للتبرم في صوته:
– ليت ملاكي التي تشبه أمها تنام أيضاً.
استدارت الطفلة بين ذراعيه وضربته على وجهه بكفها الصغير ثم انفجرت ضاحكة. كشر حميد في وجهها مازحاً وقال:
– ألم أقل لكما أنها تشبه أمها.
جاءت جنة من خلفه تسأل بحدة:
– ماذا تقول؟
انفجر آدم وحميد بالضحك، فضاقت عينا جنة عليه بتركيز أكبر، فقال بسرعة يتملقها:
– أنا جائع.
انضمت زينة وأروى إليهم، وقالت أروى:
– الغداء جاهز، هيا.
وقف فراس وناول ابنته لزوجته، ثم أحاطها بذراعه وسار بها إلى الداخل وهو يهمس بشيء في أذنها جعلها تبتسم.
وقف حميد وأسرع يحتضن جنة بذراعه بدوره:
– حبيبتي.. ماذا أعددتم لنا اليوم؟
تقبلت جنة مداهنته لها وقالت وهي تأخذ ابنتها الضاحكة من بين ذراعيه:
– تعال إلى الداخل وسترى.
بقي آدم وزينة وحدهما. وقفا وابنتهما بينهما، وقد مالت برأسها على صدر والدها وبدأت تغلق عينيها. قالت زينة بحنان:
– لقد نامت حبيبتي.
– تعال نضعها في فراشها.
ثم مال وقبل وجنة زينة بحب شديد.
– افتقدتك.. دعينا نجهز رحلة لنا وحدنا.
ابتسمت له وهزت رأسها بموافقة، فضمها إليه ولحقا بالآخرين.
إنها ثالث إجازة صيفية يقضونها معاً على متن القارب بصحبة أصدقائهم.
ساروا معاً إلى الداخل، وشعور بالراحة والهناء يحوطهما، والمستقبل أصبح أكثر وضوحاً عما كان عليه في أي وقت كان.