تحميل رواية «ملاك يغوي الشيطان» PDF
بقلم مايسة ريان
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
كان اليخت الأبيض الضخم الذى هو أقرب الى سفينة صغيرة متوقفا فى عرض البحر على بعد ثلاثة أميال من ميناء أثينا. فتحت زينة الباب الزجاجى الجرار وخرجت الى السطح تسير بالسرعة التى تسمح لها بها تنورتها القصيرة الضيقة وحذائها ذو الكعب العالى وقد أرتسم الذعر والهلع على محياها. راحت تتمايل بحدة وتلتوى قدماها من تحتها حتى أوشكت لأكثر من مرة على السقوط فتوقفت للحظة وخلعت الحذاء وألقت به فى الماء غير آسفة عليه. ضربت موجه شقية جانب اليخت وألقت برزازها عليه فشعرت بطعم ملوحة ماء البحر على شفتيها. أم انها كانت دم...
رواية ملاك يغوي الشيطان الفصل الحادي عشر 11 - بقلم مايسة ريان
وقفت زينة تقبض بيدها على سور القارب تنظر إلى ميناء باليرمو.
انتشرت مراكب الصيد واليخوت حول المرفأ، فبدت لها من بعيد، حيث يرسو مركبهم، كلعب الأطفال.
كانوا قد توقفوا خلال الأيام السابقة عند عدة جزر صغيرة حول إيطاليا وجزيرة سردينيا، ولكن دون الاقتراب من الجزر والمدن الكبرى.
كانوا يقومون بالغطس والصيد وزيارة الجزر لشراء المؤن وتناول الطعام على السواحل أحياناً.
ويبدو أن هذا النشاط لم يكن من ضمن خططهم، فقد لاحظت تذمر النساء الثلاث وتأففهن من تغيير مسار الرحلة.
عبرت جليلة عن رأي الأخريات قائلة وهم يرسون بالقرب من جزيرة ليباري قبالة ساحل صقلية:
– بصراحة.. إلى الآن لا أفهم السبب الذي يجعلنا ندور حول أنفسنا بهذا الشكل.
– كان من المفترض أن نكون بميلانو منذ يومين على الأقل.
قال حميد متأففاً:
– ألا تشبعان من التسوق أبداً؟ ما نفعله الآن هو المعنى الحقيقي للإبحار، وليس التنقل بين الفنادق ومتاجر الملابس ومراكز التجميل.
كانت زينة راضية ومستمتعة على العكس منهن. وبرغم القلق الذي كان يعتمل في داخلها على مستقبلها، إلا أنها استمتعت بزيارة هذه الجزر والتمتع بالمناظر الجديدة وتأخيرها عن مواجهة مصيرها المجهول.
ولكن.. ها هي آخر ساعات لها معهم، ولا تعلم ما ينتظرها بعد ذلك.
لم يعد الأمان أمراً مسلماً به كما في السابق، حيث كانت تستيقظ في فراشها وهي أكيدة من عودتها للنوم فيه ليلاً.
إنها الآن لا تعرف ماذا سيفعلون بها. هل سيسلمونها إلى الشرطة ليقوموا بترحيلها؟ وهل ستضعها الشرطة في السجن ليتحروا عنها أولاً، وبذلك سيعرفون بالجريمة التي ارتكبتها؟
وهل سيصدقونها عندما تقسم لهم أنها كانت تدافع عن نفسها؟
سمعت أصواتاً آتية من المياه بالأسفل. مالت زينة على الحاجز ورأت آدم وحميد وفراس وبيدرو يسبحون باتجاه القارب وأقنعة الغطس تتدلى من أعناقهم.
صعدوا إلى القارب وهم يضحكون ويتمازحون. رآها حميد أولاً وأبتسم لها بمرح وهو يتجه نحوها بحماس:
– زينة.. لماذا لم تنضمي إلينا؟
– أنا لا أعرف الغطس.
قال مشجعاً يعرض عليها العرض الذي لا ييأس منه:
– سأعلمك.. ستحبينه، إنه متعة حقيقية.. هيا بدلي ملابسك وتعالي لأعطيك أول درس.
لم يتسن لها الرد، فكالعادة جاء صوت آدم حاداً من خلفه:
– لقد أخبرتك من قبل أنها لا تجيد السباحة ولا تريد تعلم الغطس، فلماذا تصر عليها؟
غمز لها حميد بعينه وهمس بمرح قبل أن ينصرف:
– هذا الرجل يعرفني جيداً.. إنه يحاول حمايتك مني.. وفي الحقيقة لا ألومه.
انصرف وهو يصفر بمرح. وأبتسمت زينة رغماً عنها، فحميد رغم عيوبه التي لا ترضى عنها، كان خفيف الظل ومشاغباً ولا يكف عن المزاح طوال الوقت.
وقد حاول سابقاً إقناعها بالنزول إلى البحر، وأضطرت أن تخبره كذباً أنها لا تعرف السباحة وتخشى الماء.
وكانت في الحقيقة تخجل من ارتداء ثوب السباحة الذي أعارتها نيكول إياه.
التقطت نظراتها نظرات آدم وهي مازالت تبتسم، فأشاح بوجهه عنها بضيق، فتجمدت الابتسامة على شفتيها.
إنه يكرهها ولا تروق له، ولقد تأكد لديها هذا الإحساس وأصبح يقيناً الآن.
فطوال الأيام الماضية كان يتجاهلها، وفي نفس الوقت يراقبها كالصقر ويجعلها باستمرار تعرف حجمها الحقيقي، فلا تزيد معاملته لها عن معاملته لبيدرو، وأحياناً تكون أقل من ذلك.
ومن ناحيتها، لم تكن تشارك كثيراً في الأحاديث والأنشطة التي يقومون بها، مما جعلها تبقى على مسافة من الجميع، خاصة هو.
فحميد يتفنن في إيجاد الفرص للكلام معها في غفلة من آدم ومداعبتها وإطلاق النكات لإضحاكها.
وفراس يحاول باستمرار دمجها بينهم والاهتمام براحتها.
أقترب فراس منها وهو يضع منشفة حول كتفيه وسألها مازحاً:
– ما هو إحساسك وأنتِ سوف تفارقيننا قريباً؟ أنا عن نفسي حزين وأتمنى لو تظلين معنا لبقية الرحلة.
لأول مرة يفاتحها أحد بموضوع الرحيل، والدموع التي كبحتها منذ أيام هددت بالانهيار، فأطرقت برأسها.
سألها برقة:
– هل اشتقتِ إلى أسرتك؟ سيقوم آدم بالاتصال بصديق مهم له في وزارة الخارجية ليساعدك على السفر دون الحاجة إلى اتباع الإجراءات الروتينية الطويلة التي تتخذ في مثل حالتك.
ردت بصوت مبحوح تخالطه العبرات:
– أنا لن أعود إلى مصر.. سأبحث لي عن عمل هنا في أوروبا.
– ولماذا؟ أنا واثق من أن والديك سيتفهمان موقفك.. أنتِ تقولين إن والدك رجل حكيم وله قلب طيب و..
قاطعته بأسى والألم يطعن قلبها عند ذكره لوالدها الذي لا تعرف كيف هو شعوره الآن من اختفائها، وهي لا تستطيع أن تخبره بالسبب الحقيقي:
– من الصعب أن أعود لأعيش في بيت واحد مع نبيلة بعد ما فعلته بي.. والموت عندي أهون من مواجهة أبي وفضحها أمامه.. يكفي خيبة أمله في قلبه مريض.. ولقد قبلت بالعمل على ذلك اليخت كي أوفر مصاريف عمليته الجراحية، والتي لا أعرف إن كان قد أجراها أم لا.. بالرغم من أنني أتمنى أن لا يكون قد أجراها بذلك المال النجس.
انصرفت من أمامه بسرعة بعد أن عجزت عن كبح دموعها.
وكانت تقف في المطبخ تعد أبريقاً من الشاي عندما نزل آدم وراح يتفحص وجهها الباكي عابساً.
انكمشت ملتصقة بالخزانة عندما دخل إلى المطبخ وقد مد يده إلى الرف فوق رأسها ليأخذ كوباً فارغاً، فأنسحبت إلى الخلف تفسح له المجال ليصب كأس من العصير لنفسه.
لم يكن يرتدي سوى سروال السباحة القصير، وهو أكثر احتشاماً من الذي كان يرتديه فراس وحميد، ولكن تأثير وجود آدم قربها كان أكثر وطأة على أعصابها من كلاهما، وجعلها تشعر بالحرج وعدم الراحة.
– أريد أن أتحدث إليك.
انتفضت زينة مجفلة بلا سبب وتراجعت خطوة حادة إلى الوراء، مما دفعه ليقول بغيظ:
– لماذا أنا الوحيد الذي يلاقي ردة الفعل هذه منك؟ هل تعتقدين أنني مغتصب أطفال، أم أنني أشبه ذلك الرجل الذي حاول الاعتداء عليك؟
شهقت زينة.. لا يمكن أبداً مقارنة ذلك الرجل المثير للقرف به. وضايقتها أيضاً فكرة أنه يراها طفلة.. هذا إن كان يعتبر سن الخامسة والعشرين سن طفولة.
ردت عليه متلعثمة:
– أنا آسفة.. لم أقصد…
هذا كل ما استطاعت قوله وتوقفت. إنها في الواقع تشعر بالخوف الشديد منه. ربما بسبب فظاظته معها وإحساسها أنه لا يحبها، أو لأنها أصبحت حذرة من كل الرجال ولم تعد تثق في نواياهم.
ولكنها في نفس الوقت لا تشعر بهكذا شعور تجاه حميد أو فراس أو بيدرو. لذلك اضطرت للاعتراف أنه كان محقاً، فهو يشبه شخصاً آخر تكرهه بشدة وتحاول قدر الإمكان عدم التفكير به رغم صعوبة ذلك.
إنه يشبه خالد.. ليس في الشكل، وإنما في الطباع. طباعهما تتشابه إلى حد كبير، فكلاهما صارم وسريع الغضب، مسيطر ولا يتقبل الخطأ. كلاهما له وجود طاغٍ ويستطيع أن يكبل روحك بنظرة أو أقل حركة منه.
سألها ساخراً:
– ما هو هذا الذي لم تقصديه بالضبط؟
توترت أعصابها وهو يطل عليها من أعلى ونظراته الحادة تحاصرها، فلوحت بيدها بعصبية وأندفعت تقول بأول شيء خطر على بالها دون تفكير:
– بصراحة أنا لم أعتد على الوقوف والحديث مع رجل عارٍ.
تراجع رأسه بحدة وكأنها صفعته:
– عارٍ؟
وتمتم بكلمات غير مفهومة وتصاعدت الحرارة إلى رأسها. ها قد أغضبته بحماقتها مرة أخرى.
– ابتعدي.
سألت ببلاهة:
– ماذا؟
قال بحدة:
– قلت ابتعدي عن طريقي.
كانت تسد عليه طريق الخروج بجسدها، فأفسحت له الطريق حريصة على أن لا يلمسها أثناء مروره بجوارها.
فزادت حركتها من استنزازه، فلعن وضرب الحائط بقبضة يده وهو يخرج.
نظرت زينة إلى كأس العصير الذي تركه خلفه وقررت قائلة بإحباط:
– سوف آخذه إليه ولكن بعد أن يهدأ.. هذا إن لم يلق بي خارج قاربه أولاً.
******
رصت الحقائب على السطح ليقوم بيدرو بإنزالها إلى الزورق. وظهرت السيدات بأناقتهن التي تخطف الأنظار، يرتدين قبعات واسعة الحواف لتقيهم أشعة الشمس. وكان يملؤهن الحماس والإثارة، فبعد أيام في البحر يتشوقن لقضاء يومين في فندق فخم حيث يجدن الخدمة الجيدة ومراكز التجميل والتسوق.
فكرت زينة بحرج أنها ستضطر أن تطلب منهم أن يعيروها بعض المال إلى أن يستقر بها الحال.
نزل فراس وحميد أولاً إلى الزورق ثم ساعدا السيدات بالنزول. وعندما همت زينة باللحاق بهم، أمسكها آدم من ذراعها وسحبها إلى الخلف.
فـنظرت إليه متسائلة، ولكنه تجاهلها وهو يحل الحبل ويلقي به إلى حميد.
صرخت جليلة بحدة:
– آدم.. لماذا لم تنزل؟
رد بهدوء:
– سوف ألحق بكم فيما بعد.. لدي عمل ضروري أقوم به.
أشارت إلى زينة وقالت وهي تثبت قبعتها على رأسها بيدها الأخرى:
– وماذا عن هذه؟
لم يجبها وأشار إلى بيدرو لكي ينطلق. لوح لهم حميد وفراس والزورق يبتعد متجهاً إلى الميناء.
وآخر ما طبع في عقل زينة هو وجه جليلة الغاضب. وهاجمتها حفنة جديدة من الأسئلة.. لماذا لم تذهب معهم؟ ولماذا أبقاها آدم معه؟ وماذا يريد منها؟
استدارت إليه، ولكنه كان قد اختفى. ذهبت لتبحث عنه ولم تجده.. لا في حجرة الجلوس ولا في كابينة القيادة أو في أي مكان على السطح.
والمكان الوحيد المتبقي كان غرفة نومه، وهي لن تجرؤ على الذهاب إليه هناك. فجلست على السطح حتى يقرر بنفسه الظهور.
مرت ساعتان وزينة جالسة تحت المظلة على السطح. وقد كانت تأمل أن تقيها حرارة الشمس القوية، ولكن الجو كان خانقاً وجعلها تتصبب عرقاً.
وتساءلت بحنق.. أين ذهب نسيم البحر المنعش؟
جعلها الضيق من حرارة الشمس تكره آدم أكثر.. وفهمت أنه يعاقبها على طريقة حديثها معه في الصباح.
شخص مثله، مغرور ومتكبر، لن يجعلها تذهب دون عقاب مناسب. جليلة أيضاً تكاد تجن من معاملته الباردة والمتعالية معها.
– أنت هنا؟ آسف.. جعلتك تنتظرين طويلاً.
ظهر أخيراً وكان قد بدل ملابسه وبدا منتعشاً وشعره مبتلاً. فشعرت بالغيظ.
تقدم منها وابتسامة ساخرة على شفتيه. كان يكذب، فهو لا يبدو آسفاً أبداً.. بل سعيداً بمضايقتها.
لم ترد واكتفت بالنظر إليه. جلس في المقعد المواجه لها وقال متسلياً وهو يتناول كوب الكولا الخاص بها:
– أين ذهب لسانك؟
ضغطت على شفتيها بقوة خوفاً من أن تقول شيئاً يغضبه منها، فهما الآن وحدهما ولا يوجد من تحتمي به.
تراجع إلى الخلف في مقعده براحة أكبر وهو يرتشف المشروب المثلج باستمتاع.
قال بهدوء بعد قليل يشرح لها:
– أنتِ لا تملكين جواز سفر ولا أية أوراق ثبوتية، لذا لن تستطيعي الحصول على تصريح خروج من الميناء.. سيحاول فراس وحميد الحصول لكِ على تصريح خاص بدعوى فقدانكِ لأوراقك.
قالت بحدة:
– ولماذا لم تخبرني بذلك من قبل بدلاً من أن تتركني هكذا حائرة كل ذلك الوقت…
توقفت عندما أدركت أنها بدأت تحتد في كلامها. وقال آدم بضيق:
– حاولت أن أخبرك هذا في الصباح، ولكنك لم ترغبي في الاستماع إلي.
كان هذا عندما قال بأنه يريد التحدث معها. حاولت أن تكون مهذبة وقد تلون وجهها بحمرة الخجل:
– آسفة لأنك بقيت من أجلي.. السيدة جليلة كانت غاضبة لعدم ذهابك معهم.. لماذا لم تطلب منها البقاء معنا على الأقل حتى لا.. لا تشعري بالملل.
أبتسم ساخراً، فقد فهم تخوفها من البقاء معه بمفردها وقال:
– جليلة كانت غاضبة لأنني لم أذهب معهم صحيح، ولكنها كانت ستغضب أكثر لو جعلتها تبقى فقط من أجلك.. وقد أخبرتك من قبل أن لا خوف عليكِ مني، فأنا أقدر ظروفك وأحاول مساعدتك بقدر استطاعتي. وكنت قد نويت أن أحدث أحد أصدقائي في وزارة الخارجية لتسهيل رجوعك إلى مصر، ولكنني غيرت رأيي…
قاطعته بمرارة تقول كمن يشعر بالغدر:
– غيرت رأيك ولم تعد ترغب في مساعدتي لأنني ضايقتك وأغضبتك هذا الصباح، أليس كذلك؟
جز على أسنانه بغيظ:
– تجعلينني بسبب غبائك وسرعة استنتاجاتك الفظيعة أرغب بشدة في حملك وإلقائك في البحر والتخلص من سوء ظنك الذي تلاحقيني به على الدوام.
قالت بضعف والدموع تلمع في عينيها وقد انهارت في لحظة كل محاولاتها للتظاهر بالشجاعة:
– أنا آسفة.. والله لا أعرف كيف أو بماذا أفكر.. خائفة.. خائفة وأشعر بأنني وحيدة.. لا أعرف بمن أثق بعد أن خدعني أقرب الناس إلي.. أريد العودة إلى بيتي ولا أستطيع.. يقلقني التفكير في حال والدي وكيف تقبلا فكرة اختفائي، أو ربما يكونا قد علما من نبيلة بالمكان الذي ذهبت إليه فخاب أملهما بي.
وانخرطت في البكاء بشدة. فوقف آدم عن مقعده وسار إلى حاجز المركب وأعطاها ظهره.
وبعد لحظات استدار إليها بوجه هادئ جاد بعد أن شعر بأن عاصفة بكائها قد انتهت وقال:
– غيرت رأيي عندما أخبرني فراس على القرار الذي اتخذتيه بعدم العودة إلى عائلتك وأنك تنوين البقاء والعمل في أوروبا.. وقد رأينا أنك ما زلت صغيرة ولا خبرة لديك في الحياة لتبقي بمفردك، واتفقنا معا أن نساعدك إن بقيت مصرة على رأيك.
نظرت إليه بأمل وتابع:
– كل عام كنت أسافر مع حميد وفراس وحدنا وكنا نعتمد على أنفسنا في كل شيء.. لكن هذه السنة الوضع اختلف والحمل أصبح ثقيلاً على بيدرو لأن السيدات معنا لا يرتبن حتى الأسرة التي يـنـمـن فوقها. وقد كنت مفيدة خلال فترة وجودك معنا.. لذلك فكرت أن أعرض عليك عملاً على متن القارب وسيكون مقابل أجر بالطبع، كما سنسعى لاستخراج أوراق رسمية لك حتى إذا ما تعرضنا للتفتيش البحري يكون وضعك معنا قانونياً. وبعد أن تنتهي رحلتنا سنكون قد فكرنا في طريقة تؤمن لك مستقبلك، وإن قررت العودة إلى أهلك سنساعدك في ذلك أيضاً.. القرار سيكون لكِ في أي شيء.
ظلت زينة جالسة في مكانها بعد ذهابه تشعر بالسعادة ولا تصدق حظها. فقد أمنت لبعض الوقت ووجدت عملاً تجيده ومكاناً لن تجد أفضل منه لتعيش فيه.
لم ترَ آدم إلا وقت الغداء. وجاء ليطلب منها أن تصنع له بعض الشطائر وأن تجلبهم له في كابينة القيادة.
وعندما انتهت من تحضيرهم حملتهم على صينية وأخذتهم إليه.
وكانت المرة الأولى التي تدخل فيها إلى هناك، وكما توقعت، رأت خرائط ملاحية وأجهزة رادار وبضعة شاشات تشير إلى أشياء لا تعرفها وألواح للتحكم وإشارات ولمبات.. تماماً كما كانت ترى في الأفلام.
وفي غرفة ملحقة بكابينة القيادة تفصلها عنها نافذة زجاجية بعرض الجدار، رأت آدم جالساً وراء مكتب وحاسوبه المحمول مفتوحاً أمامه.
لم ينتبه لدخولها أو أنه تجاهلها، فقد وضعت الصينية على حافة المكتب دون أن يجفل أو يرفع بصره إليها.
فتأملت المكان من حولها بفضول.. بدا كمكتب في شركة مجهز بكل ما قد يحتاج إليه أي رجل أعمال.
لفتت نظرها مكتبة صغيرة عند أحد جدران الغرفة رصت بها مجموعة لا بأس بها من الكتب.
ودون تردد سارت إليها مبتسمة وهي تدخل إلى العالم الذي تعشقه وتربت على الشغف به.
فلدي والدها مكتبة تحتوي على مجموعة كبيرة ومتنوعة من الكتب.. يستطيع أن يتنقل فيها المرء بين عوالم من العلوم والفنون.. الأدب والرواية والشعر.. التاريخ والسياسة بكل توجهاتها.. لا يمكن أن يشتهي عقلك لشئ من المعرفة ولا تجده في مكتبة والدها مختار.
لقد علمها حب القراءة واحترام صفحات الكتاب وعلمها أن تحت كل غلاف تجد عصارة فكر يجب أن يقدر ويحترم حتى وإن اختلفت معه في الرأي.
عرفها أن الكتاب هو صندوق يخفي بين صفحاته خفايا وأسرار جانب من جوانب الحياة ويجعلك ترى الدنيا بوجهات نظر مختلفة وثقافات متعددة.
ترددت زينة أن تطلب من آدم أن يعيرها بعض الكتب لمطالعتها وتمنت أن لا يرفض.. تنهدت وارتسم على وجهها نظرة حنين.
ثم استدارت إلى آدم ووجدته قد توقف عن العمل وتراجع في مقعده وكان يراقبها بتأمل.
لقد أخذت وقتاً في التفرج على مكتبته ونسيت وجوده.
فقالت بحرج:
– آسفة إن كنت قد عطلتك عن عملك.. ولكن هل أستطيع أن أستعير كتاباً لأقرأه؟
لوح بيده بلامبالاة وهو يعود إلى عمله:
– خذي ما تريدين.
انتقت ثلاثة كتب.. روايتين وديوان شعر. أخذتهم وخرجت مسرعة.
صنعت لنفسها بعض الشطائر وكانت الشمس قد خف قيظها. فحملت كتبها وصعدت إلى السطح وراحت تقرأ.
ومر الوقت سريعاً وكان قد اختفى جزء من قرص الشمس تحت سطح الماء عندما سمعت صوت زورق يقترب من المركب.
وقفت واقتربت من الحاجز وقد رجحت أن يكون القادم بيدرو.
ولكنها فوجئت بعودة جليلة برفقته ورأت أن آدم فوجئ مثلها وهو يستقبلها.
وكان قد خرج بدوره عند سماعه لصوت الزورق يقترب. وقال ساخراً:
– جليلة.. غريبة قد عدت.
رمقته المرأة بنظرات قاتلة بعد أن كانت تتجاهله بتكبر من قبل. وقالت رداً على تعليق آدم الساخر:
– لم أشأ أن نتركك جميعاً وحدك.. فلا ذنب لك في كل هذا.
ورغم كره المرأة الواضح لها، إلا أن زينة قد شعرت بالراحة لعودتها. ففكرة أن تقضي الليل وحدها مع رجلين غريبين لم ترق لها.
ضحك بيدرو بخفوت ومال على أذن زينة قائلاً:
– لقد جعلت الساعات الماضية جحيماً على الجميع بسبب عدم ذهاب السيد آدم معهم.
ردت بخفوت مماثل:
– أعتقد أنهم سعداء الآن بالتخلص منها.
ضحك بيدرو بمرح:
– بالفعل.
ضحكا معاً بمرح حتى جاء صوت آدم حاداً لاذعاً كالكرباج من أعلى عند كابينة القيادة:
– أليس لدى أحدكما عملاً يقوم به؟
تحركا بسرعة مجفلين.
بعد العشاء دخلت زينة إلى غرفتها متجهمة وتشعر بالضيق. لقد استفزها سلوك جليلة غير اللائق في تعاملها مع آدم والملابس التي اختارت أن ترتديها في غياب شقيقها.
صحيح أنه لا يعلق ولا يعترض على ارتدائها لأثواب السباحة المكشوفة جداً ولا مطاردتها المستمرة لآدم، ولكنها لم ترتدِ ثوباً فاضحاً كهذا أبداً في وجوده.
كما أنها لن تجرؤ على الالتصاق بآدم ومداعبته بتلك الطريقة الوقحة أمامه.
جلست زينة غائمة الوجه على طرف الفراش. لقد خاب أملها به.. ظنته أفضل من فيهم.. لديه شرف ويحترم صديقه ويصون عرضه.
ولكنه لا يختلف شيئاً عنه.. لقد تجاوب آدم مع جليلة.. لم يصدها ولم يهتم بوجود متفرجين عليهما، فلا يفصل غرفة الجلوس عن المطبخ شيء.
وكان يهمس بأشياء في أذن جليلة طوال الوقت تجعل ضحكتها الموسيقية تجلجل في المكان.
وفي مرة قبلته على وجنته قبلة طويلة أحمر لها وجه زينة حرجا وهي تجبر نفسها على عدم النظر تجاههم.
وكان قد أمسك بعينيها مرة وهي تنظر إليهما عابسة بغضب، فما كان منه إلا أن ابتسم لها ساخراً.
وبعد انتهاء العشاء كان بيدرو قد تركها لتنهي جلي الصحون وحدها.
وعندما كادت أن تنتهي فوجئت بآدم يقف خلفها مستنداً بظهره على البار.
فسألته بفظاظة لم تقصدها:
– نعم؟
رفع حاجبيه بتساؤل ساخر فأجلت صوتها وتابعت بلهجة احترام:
– هل تحتاج إلى شيء سيد آدم؟
تقريباً ضحك وهو يقول:
– لا.. اذهبي إلى غرفتك فلا حاجة لنا لكِ هذه الليلة.
اتسعت عيناها بشدة وخفق قلبها.. فهمت أنه يريد صرفها ليستفرد بجليلة.
****
وقفت نبيلة أمام فراش والدها المريض بجسد متوتر:
– ماذا تعنين بأنها لا ترد على الهاتف؟.. مر خمسة أيام على سفرها ولم تتصل بنا ولا لمرة واحدة وهذا ليس من عادتها.. كانت إذا تأخرت في العمل لسبب ما ولو لدقائق كانت تتصل حتى لا نقلق عليها.
ردت نبيلة بصوت أهٍ وهي تتحاشى النظر إلى عينيه:
– قد تكون مناوبتها ليلية.
هز رأسه بقوة وقال بقلق:
– لا.. لا هذا ليس عذراً.. أنا منذ البداية غير مرتاح لسفرها.. وكنت أشعر بها قلقة وغير سعيدة كذلك.
قالت نبيلة بسرعة:
– سأحاول الاتصال بإدارة الفندق وأترك لها رسالة لكي تتصل بنا.
– نعم افعلي وإلا اضطررت أن أسافر إليها بنفسي.
تدخلت أمها قائلة وقد كانت تجلس صامتة على طرف الفراش:
– أرجو أن تهدأ حتى لا تسوء حالتك يا مختار.. إن شاء الله ستتصل بنا وسوف نطمئن عليها.
– لا.. قلبي غير مرتاح.. أشعر بأن الفتاة بها خطب ما.
في تلك اللحظة رن جرس الباب فانتفض جسد نبيلة دون سبب وسألها أبوها بشك وريبة:
– ماذا بك؟
قالت بوجه شاحب:
– لا شيء.. أنا بخير.
كانت أمها قد وقفت وهي تقول:
– سأذهب لأرى من القادم في تلك الساعة من الليل.
أمسكت نبيلة بذراعها وقالت بخوف وصوت خافت:
– ماما.. لا تفتحي الباب.
سألتها أمها بدهشة وهي تنظر إلى وجهها المذعور بقلق:
– لماذا يا ابنتي؟
أصبح جسدها يرتجف بشكل ظاهر وجرس الباب عاد ليرن بإلحاح. تقطعت أنفاسها وهي تقول برجاء أقرب إلى التوسل:
– فقط لا تفتحي أرجوك.
ثم فكرت بشكل محموم.. كان عليها أن تهرب قبل مجيئه.. لقد اتصل بها كثيراً ولكنها أغلقت هاتفها كي لا تجيبه. وكانت تعلم أنه سيأتي من أجلها.. بالتأكيد اكتشف ما حدث وسيأتي لينتقم منها خاصة وقد جاءتها أخبار بأن زينة قد انتحرت.
صاح والدها بصرامة في أمها التي وقفت حائرة وقلقة وقد جلس مستقيماً بتحفز:
– اذهبي وافتحي الباب.
استدارت إليه نبيلة واصطدمت بنظرة عنف في عينيه فأخفضت نظراتها.. لن يسامحها والدها أبداً عما فعلته بزينة وبنفسها.. لن تجد بقلبه المريض مثقال ذرة من رأفة بها عندما يعرف بجريمتيها. لذلك احتفظت بالمال لنفسها.. ستهرب بعيداً بالطفل الذي بأحشائها.
صاحب رنين الجرس طرقات عنيفة على الباب فأسرعت أمها لتفتح الباب وقالت بتوتر:
– خالد.. كيف حالك يا بني؟.. حمداً لله على سلامتك.
– أين زينة؟
– زينة مسافرة في…
– هي لم تعد؟ ألم تتصل بكم؟
– لا.. إنها..
كانت نبيلة قد خرجت خلف أمها ووقفت من بعيد تتنصت عليهما. وعندما سأل عن زينة راودها أمل بأنها لم تمت كما سمعت.
ومالت في تلك اللحظة قليلاً لتنظر إليه، ثم شهقت بفزع عند رؤيته.. بدا كأمير للانتقام.
عبرت نظراته العنيفة أمها وقد شعر بوجودها وركزها عليها. وببضعة خطوات كان بالداخل.
صرخت نبيلة بذعر وحاولت الهرب عائدة إلى غرفة والدها، ولكن خالد كان قد لحق بها بسهولة وجذبها من شعرها بعنف.
صرخت أمها من خلفه:
– ماذا تفعل.. اترك ابنتي.
ولكنه تجاهلها قائلاً بعنف:
– هل ظننتِ أنكِ ستفلتين بعملتك تلك.. هل تعرفين ما الذي فعلته بها؟
تلوت نبيلة بعنف وصرخت به:
– فعلت بها ما أردت أنت فعله بي.. أردت أن تتزوج بها هي وأنا تبيعني في سوق النخاسة.
جذب رأسها إلى الخلف بعنف:
– لأنك رخيصة حقيرة وهذا ما تستحقينه.
دفعته عنها بقوة وسقطت على إثر ذلك على الأرض تزحف بعيداً عنه. وكان والدها قد خرج ووقف بينهما بوجه أزرق من القلق والمرض. وقد وقفت أمها مذهولة عاجزة عن التحرك أو الكلام:
– ماذا حدث لابنتي زينة… ماذا فعلتم بها أنتما الاثنان؟
وقف خالد ينظر إلى نبيلة على الأرض يمنع نفسه بصعوبة من خنقها وهي تقول بحقد:
– لقد تخلصت منها.. ما كان لها أن تكون في حياتي من الأساس.
شهقت أمها بالبكاء:
– ماذا فعلتي يا ابنتي؟.. أين أختك؟
صرخت بها بجنون:
– إنها ليست أختي.. ألا تفهمين.. لم تكن أبداً أختاً لي.. ما كان لكم أن تأتوا بها إلى حياتي.
رد عليها والدها بإنهاك شديد:
– بل ما كان علينا أن نأتي بك أنت إلى هذه الدنيا.. لكن اللهم لا اعتراض.. اللهم لا اعتراض.
ثم استدار عائداً إلى غرفته بخطوات متثاقلة وهو يردد جملته بلا توقف. فأسرعت أمها إليه تحيطه بذراعيها لتسنده.
وجدت نبيلة نفسها وحدها مع خالد، فهبت واقفة بذعر وأسرعت تعدو تجاه غرفتها وتحاول إغلاق بابها بسرعة.
ولكنه لحق بها وأمسك برقبتها مستمتعاً برؤية احتقان وجهها وصوت حشرجة حنجرتها وهو يعصرها بأصابعه قائلاً بكراهية شديدة:
– لا تخافي.. لن أقتلك الآن.. سأعود إليكِ عندما أجدها ولسوف أقتلك أمام عينيها.
قالت بصوت متحشرج:
– أنا حامل بابنك.
لم يهتز لتصريحها وقال بصوت كالفحيح:
– اقتليه.. فأنا سوف أقتلكمــا معاً على أية حال.
ثم دفعها بقوة فسقطت على الأرض بعنف.. جلست على الأرض تلهث وتشهق بالبكاء. وسمعت باب الشقة وهو يغلق خلفه بعنف.
بعدها سمعت صوت نحيب أمها يأتي عالياً من غرفة والديها فأنتفض جسدها:
– بابا.. لا.
ما إن جلس خالد في سيارته حتى أخرج هاتفه المحمول وطلب رقماً. وبعد لحظات قال بالإنجليزية:
– ألم يظهر أثر للقارب بعد؟
ثم قال بلهفة بعد أن استمع لمحدثه:
– جهز اليخت للإبحار وسوف أكون عندك خلال ساعات.
رواية ملاك يغوي الشيطان الفصل الثاني عشر 12 - بقلم مايسة ريان
في اليوم التالي، عاد الآخرون إلى المركب وقرروا البقاء فيه وترك الفندق. لم يعجب هذا التغيير كلا من كاميليا وجليلة.
قالت كاميليا متبرمة وهي تشير إلى زينة:
– ما ذنبنا نحن في أن تفسد رحلتنا بسببها.
تجهم وجه فراس وهو ينظر إلى زوجته بعتب. أحمر وجه زينة حرجاً، وقد ساءها أن يتحدثوا عنها في حضورها وكأنها غير موجودة.
فقال آدم بضيق ينهي النقاش:
– هذا الأمر لن يطول، فعندما يصل تصريح العمل الخاص بزينة ستنتهي مأساتكما.
لحقت بها نيكول في غرفتها وفاجأتها بإعطائها حقائب مشتريات. اتسعت عينا زينة بفرح ممزوج بالخجل.
– هل هذه الأشياء لي أنا؟
ابتسمت لها نيكول وقالت:
– بلى.. إنهم لك.. لقد أوصاني آدم بشرائهم.
كانت سعيدة. أصبح لديها ملابس خاصة بها. وكان لدى نيكول حس جيد، ولم تنس أن زينة لا تملك أي شيء، فأحضرت لها أيضاً بيجامتين للنوم وملابس داخلية وحفائين وخف وحذائين من المطاط وحقيبة صغيرة من أدوات التجميل. وكانت زينة شاكرة لها بشدة من أجلهم، وشاكرة لآدم أيضاً برغم استيائها منه.
طال بقاؤهم في باليرمو، العاصمة الصقلية الجميلة، ليومين. وقد حرمت زينة من رؤيتها، ولكنها طالعت كتيباً كان فراس قد أحضره لها، عرفها على أهم معالم المدينة ونبذة عن تاريخها.
وقال لها معتذراً برقة:
– أعرف أنه ليس كما ترينها على الطبيعة، ولكن لا تقلقي، سوف يحل الأمر قريباً.
قالت بأمتنان وصدق:
– إنه يكفيني حقاً، وشكراً على اهتمامك بإحضاره لي.
اتسعت ابتسامته وهو يتأمل فرحتها بكتيب صغير لا يساوي شيئاً.
– أنت قنوعة جداً.
ضحكت وقالت:
– لا.. على العكس.. أنت لا تعرف مدى شوقي ونهمي لرؤية تلك الأماكن على الطبيعة.. إنه حلم حياتي.
نظر إليها بحنان.
– أعدك أن أحاول أن أحقق لك حلمك وأجعلك ترين كل ما تهواه نفسك.
عبست زينة وأغتمت عيناها وشرودت بعيداً، وراحت تتذكر عندما أخبرت خالد أن حلمها أن تطوف العالم، ووعدها بقوة أنه عندما يتزوجا سوف يأخذها برحلة معه حول العالم. ويومها تساءلت إن كان يمزح معها أم كان صادقاً.. وللأسف كان صادقاً.. كان سيجعلها تطوف العالم، ولكن كسلعة تباع لكل رجل يدفع ثمنها.
تأخروا في الرحيل على عكس ما كان مخططاً له. فوجهتهم الأساسية كانت مدينة نابولي، ومنها كانوا سيستقلون الطائرة إلى ميلانو ويبقون هناك أسبوعاً. ولكنهم استمروا في باليرمو لسبب غير معلوم لها.
وفوجئت في صباح اليوم الثالث عندما استيقظت على خبر سفر آدم إلى القاهرة في عمل. وبالطبع استاءت جليلة من سفره المفاجئ، وحولت اليومين اللذين غاب فيهما إلى جحيم مستعر طال الجميع بلا استثناء.
وذهلت زينة مما رأته منها، واستغربت من تحولها الرهيب. وكان من الواضح أنها الوحيدة التي فعلت، فالجميع كان يعرف بطبعها الهستيري ويعرفون كيفية التعامل معه وهو بالابتعاد عنها وتجنبها عندما تثور ثائرتها.
واستقر في نفس زينة أن آدم هو الوحيد القادر على منعها من إظهار طباعها الشريرة، فهي لم تكن كذلك أثناء وجوده. وهذا ما أكده لها بيدرو.
– سيد آدم هددها مرة عندما فقدت أعصابها على نيكول في بداية الرحلة بأنه لن يسمح لها بإهانة ضيف لديه، وأنه سوف يضعها على أول طائرة متوجهة إلى بلدها إن لم تلتزم حدودها.. ليته لا يغيب طويلاً.
تأسف بيدرو على غيابه، وكذلك فعلت زينة. فقد كان لهما النصيب الأكبر من مزاج جليلة العكر، فسلطت سكاكينها على رقبتيهما. ودفعت زينة خلال يوم واحد إلى البكاء ثلاث مرات. وكانت أذنا بيدرو تحمران بشدة وينكمش جبينه عندما توجه له السباب بألفاظ نابية بلغة وصفها بيدرو كما وصفها آدم من قبله بلغة الأزقة.
وجاءت المواجهة الأصعب في اليوم الثاني بعد العشاء. وزينة في المطبخ تجفف الأطباق، عندما نزلت جليلة من السطح حاملة بيدها كوب قهوتها والشر في نظراتها. فشعرت زينة بالخوف.
وقفت المرأة أمامها وبصوت غاضب قالت:
– تعرفين أنني أشرب قهوتي بدون سكر.. ولكن هذه القهوة ليست كذلك.
قالت زينة بهدوء وأدب قدر ما استطاعت:
– آسفة.. قد أكون نسيت.. سأصنع لك غيرها.
انتفضت زينة فزعاً عندما صرخت جليلة في وجهها قائلة:
– أنت كاذبة.. أنت لم تنسي.. أنت تعمدت مضايقتي.. فالكل هنا يقوم بتدليلك حتى لم يعد هناك من تحترمين.
وبدون توقع ألقت بمحتويات الكوب على وجه زينة، وكان السائل ساخناً ولكنه غير مؤذٍ. صرخت زينة بذهول وغضب من تصرفها الوقح.
نزل حميد وفراس مسرعين.
– ها قد أتى الفارسان النبيلان لنجدة نعجتهم الصغيرة.. ينقصهم الفارس الثالث.. خسارة أنه ليس هنا.
قال فراس بغضب لجليلة:
– ماذا فعلت أيتها المجنونة؟
بكت زينة وهي تشعر بالشفقة على حالها. وحاولت تجفيف دموعها ووجهها الملطخ بآثار القهوة. وفي هذه الأثناء تشاجر حميد مع جليلة، وكان غاضباً جداً بدوره كما لم تراه من قبل. وكان لكلماته القاسية تأثيراً قوياً على شقيقته، فقد شحب وجهها بشدة وراحت ترتجف. لم تفهم زينة شيئاً مما كان يقوله، فقد كان يتحدث بالإسبانية. ولكن نظرات جليلة البائسة ووجهها الذي حاكى وجوه الموتى شحوباً جعلها توجه شفقتها نحوه.
دخل فراس بينهما دافعاً حميد في صدره صارخاً فيه بغضب:
– كفى.. هل جننت أنت أيضاً.. ما هذا الذي تقوله؟
كانت كاميليا ونيكول قد نزلتا مسرعتين عندما تعالى صوت حميد. وقفت كاميليا مصعوقة ونيكول جاهلة مثلها لما يقال.
طلب فراس من كاميليا أن تأخذ جليلة إلى غرفتها وتتأكد من راحتها. لم تعترض جليلة وذهبت صامتة مطرقة الرأس بصحبة كاميليا.
استدار فراس إلى حميد وقال بغضب:
– لقد تصرفت بحقارة لا لزوم لها.
– ما كان شيء ليوقفها وأنت تعلم ذلك.
– ولكن ليس بتلك الطريقة.. اذهب إليها وحاول أن تطيب من خاطرها.
تذمر حميد قائلاً بحده:
– ليس الآن.. لست في مزاج لذلك.
ثم التفت إلى زينة وسار إليها وأمسك بيدها قائلاً برقة:
– آسف لما بدر من شقيقتي.. وأؤكد أنها لن تتعرض لك مرة أخرى.
اندفع فراس وجذب زينة من ذراعها بعيداً عن حميد وقال متجهماً:
– اذهبي إلى غرفتك وارتاحي يا صغيرة.
وكان هذا جل ما تريده بعد تلك المواجهة المؤسفة. وأثناء توجهها إلى غرفتها قابلت كاميليا وقد وقفت في طريقها كي لا تسمح لها بالمرور. فنظرت إليها زينة بتساؤل، ولكنها اكتفت بالنظر إليها نظرة احتقار قبل أن تتجاوزها وتذهب.
***
في صباح اليوم التالي، عاد كل شيء إلى طبيعته تقريباً. كان الهدوء الذي يلي العاصفة. فقد كانت جليلة بعد شجار حميد معها بالأمس قد أصبحت هادئة إلى درجة الانطواء على نفسها ورفضت النزول إلى المدينة. ولأول مرة تراها زينة بدون زينة على وجهها، فبدت أصغر سناً وأكثر ضعفاً. وقد استلقت على سطح المركب ونظارة سوداء فوق عينيها.
كما عاد آدم في منتصف النهار. وفرحت زينة بعودته. وقد ذهب بيدرو إلى المرفأ ليأتي به. ووقفت في استقباله لتحييه مع الجميع. ولكنه لم يلقِ عليها سوى تحية مختصرة، وقد حيا الجميع بتحية أحسن منها، وأشعرها ذلك بالبؤس الشديد.
وفور وصوله، أخذ حميد وكارلوس إلى كابينة القيادة وغابوا بداخلها لأكثر من ساعة. وعندما خرج بعد اجتماعهم، توجه إلى حيث تجلس جليلة وجلس بجانبها وقبل جبينها برقة بالغة، حاضناً يدها بين يديه وراح يتحدث إليها بصوت هامس. رأتهما زينة وأشاحت بوجهها بعيداً عنهما وذهبت إلى حجرتها وغصة كبيرة في حلقها. وقررت قضاء بقية اليوم في غرفتها، وإن استدعاها أحد ستدعي المرض ولن تخرج.
ولكن زاد من بؤسها أنه لم يسأل عنها أحد أبداً. وفكرت بائسة:
– من يدري، فقد يكون فراس وحميد أخبروه أنها السبب في الشجار الذي حدث بالأمس، وهو الآن يحملها الذنب في سوء حالة حبيبتها النفسية. وقد يكونون أثناء اجتماعهم قد توصلوا إلى أنها سببت الكثير من المشاكل منذ مجيئها وأربكت برنامج رحلتهم ويفكرون في صرفها من العمل، ولن ألومهم فهم ليسوا مجبرين على حمل مشاكلها فوق أكتافهم.
شعرت بثقل المشاعر على قلبها. وبكبرياء خرجت من غرفتها مرفوعة الرأس.
– سوف أطلب من آدم أن يسمح لي بالذهاب قبل أن يطلب هو مني هذا.. سأرحل من هنا وكرامتي محفوظة.
بادرها بيدرو قائلاً عندما رآها، وكان وراء البار يحضر المشروبات:
– هل أنت بخير يا زينة؟.. طلب مني سيد آدم أن أتركك ترتاحين وكنت أهم بإعداد العشاء وحدي.
لم تفلح زينة في رسم ابتسامة على وجهها وقالت:
– آسفة يا بيدرو.. سأذهب للتحدث مع السيد آدم ومن ثم أعود لمساعدتك.
طمأنها بأنه يستطيع أن يتدبر أمره بدونها، ولكن قوله هذا لم يخفف عنها، بل زاد من حزنها، فحتى بيدرو ليس في حاجة إليها. استدارت لتذهب.
فاستوقفها بيدرو قائلاً بصوت هامس:
– على فكرة.. سيد آدم لم يبارح جانب الأميرة جليلة منذ مجيئه.. يحاول التخفيف عنها.. وقد أصبحت أهدأ حالاً. ولقد سمعته يتشاجر مع السيد حميد لأنه كان السبب في تكديرها.. ليته حقاً لا يذهب ويتركنا مرة أخرى.
صعدت زينة إلى السطح وهي أكثر بؤساً. صمت الجميع لدى ظهورها. وتجهم وجه جليلة بعد أن كانت تبتسم بإشراق منذ لحظات.
فقالت موجهة حديثها إلى آدم بصوت مبحوح يخرج بصعوبة من حنجرتها:
– هل تسمح لي بدقيقة من وقتك؟
عبس آدم وقال:
– ألا يمكن تأجيل ذلك لوقت آخر؟
شعرت بالحنق من البرودة التي يتحدث بها إليها. وأصرت أن تبلغه بقرار رحيلها أمامهم جميعاً لكي يبتلع غطرسته هذه.
– على العموم ما أريد قوله ليس سراً وأستطيع قوله الآن… لقد قررت أن أرفض الوظيفة التي عرضتها علي وأرجو أن تسمح لبيدرو بأن يأخذني للمرفأ غداً صباحاً.
تجمدت ملامح آدم ونظر إليه حميد وفراس بحدة منتظرين رده، وكذلك زينة. فقال بعد لحظات من الصمت:
– سوف نتناقش بهذا الأمر بعد العشاء.
ثم أشاح بوجهه تجاه جليلة يبتسم لها برقة. وعادت زينة إلى حجرتها قبل أن تبدأ في البكاء والعويل. ولم ترد على بيدرو عندما نادى عليها. وبعد أن أغلقت عليها باب حجرتها، ارتمت على الفراش وانخرطت في موجة أخرى من البكاء الحار. لقد بكت في هذا المكان أكثر مما بكت طوال حياتها. لم تكن أبداً فتاة نكدية تعشق البكاء والنواح بسبب وبدون سبب، ولكن ما جرى لها كان كثيراً.
ومع مرور الوقت بدأت تدرك مدى بؤس حالها والورطة الكبيرة التي وقعت فيها. أفرغت كل طاقتها في البكاء حتى شعرت بالخواء بداخلها وجلست تحدق في الجدار ساهمة.
وعندما دق باب حجرتها لم تطاوعها قدماها لتنهض وعجز صوتها عن الخروج لكي تدعو الطارق للدخول. وبعد عدة طرقات أخرى فتح الباب ودخل آدم. وعندما وقعت نظراته على وجهها الشاحب وعيناها الذابلتان من كثرة البكاء، أسرع إليها يمسك بكتفيها ويقول بقلق:
– زينة؟
نظرت إليه وهي تشعر بالإعياء الشديد. أرادت أن تتوسل إليه ألا يتركها ترحل، فهي لن تتحمل البقاء في السجن ولا أن تبقى وحيدة في بلد لا تعرفه. لم تعرف أن نظراتها قالت كل ما عجز لسانها عن قوله.
فتأوه وضمها بين ذراعيه بحنان. لم تنتفض فزعا ولم تبتعد، وأراحت رأسها بارتياح على صدره متلهفة إلى ذلك الإحساس بالأمان.
بعد لحظات أبعدها آدم عنه وتمتم بتوتر وأنما لنفسه:
– الأمور هكذا سوف تتعقد أكثر.
ثم وقف وخرج من الغرفة وهو يقول:
– دقائق وسأعود.
لم تتحرك زينة من مكانها وكأنها في حلم تنتظر بقية أحداثه. عاد آدم بعد دقائق يحمل كوباً من عصير البرتقال وقرصين من دواء. ناولها إياه فابتلعتهم مع العصير دون اعتراض. وبعد أن انتهت أخذ منها الكوب ووضعه على المنضدة.
– هيا بدلي ملابسك وحاولي أن تنامي قليلاً.
خرج مرة أخرى وأغلق الباب خلفه. إنها تحتاج حقاً إلى الراحة. ارتدت بجامتها وتكورت على الفراش كطفل صغير وابتسامة على شفتيها. لقد كان قلقاً عليها واحتضنها وعاملها بحنان و.. انقطعت أفكارها عند هذا الحد وسقطت في غيبوبة من النوم العميق.
وعندما عاد آدم بعد ربع ساعة وجدها مستغرقة في النوم وحاجباها معقودان وكانت تضم ركبتيها إلى صدرها. فالتوت شفتاه بتجهم ومال مقبلاً جبينها برقة ثم سحب عليها الغطاء وأطفأ النور قبل أن يخرج ويغلق الباب خلفه بهدوء.
***
وصل خالد أخيراً إلى صقلية في وقت متأخر من الليل. وكان قد استأجر طائرة خاصة عندما لم يجد طيراناً مباشراً إليها كما تأخرت تأشيرة السفر. لم يكن لديه صبر لكل ذلك. وقد جاءته الأخبار بأن القارب الذي هربت زينة على متنه ظهر أخيراً في ميناء باليرمو. ولكن أي من الرجال الذين استأجرهم لم يرها ضمن ركابه. ولكنه رجح بأنها لم تتركه أبداً لأنها لا تملك جواز سفر.
ولكن أكثر ما يخشاه حقاً أن تكون قد تركت القارب في أي ميناء آخر وتكون بذلك قد ضاعت منه، وتكون مطاردته التي استمرت لأيام وإنفاقه للكثير من الوقت والأموال لا معنى له. المال غير مهم، ولكن الوقت هو الأهم، فكلما مر الوقت يعني أن يختفي أثرها عنه وفرصة العثور عليها تصبح أضعف.
أخذته سيارة من المطار إلى الميناء مباشرة. وهناك استقبله رئيس فريق البحث عند مدخل الميناء وعاجله بالقول فور نزوله من السيارة:
– للأسف لقد أبحر القارب يا سيد خالد.
ثار خالد في وجه الرجل:
– ومتى حدث ذلك ولماذا لم تخبرني؟
– أبحر منذ ساعتين وقد حدث ذلك فجأة.
زمجر خالد بوحشية وبدا وكأنه راغباً في إفراغ شحنة غضبه في شخص ما. فتراجع الرجل المفتول العضلات خطوتين إلى الوراء قائلاً بهدوء:
– لا تقلق يا سيدي، لقد قمنا بزرع عملاء لنا في كل ميناء على طول البحر المتوسط، وبمجرد أن يرسو في أي منها سيأتينا الخبر عنه.
تمالك خالد أعصابه بصعوبة. فكلما ظن أنه أخيراً سوف يقبض عليها تتسرب بعيداً من جديد.
– وماذا عن اليخت الذي طلبت استئجاره؟
رد الرجل سريعاً:
– جاهز وفي انتظارك ومعد للإبحار في أي وقت.
كان اليخت كما طلبه.. صغير وأنيق.. استأجره من أجل زينة.. ليقضيا فيه شهر عسلهما. لقد قرر عندما يجدها أنه سوف يتزوجها على الفور ويأخذها في رحلة طويلة ليعوضها عما جرى لها في يخت فريدريكا وليُنسيها ما مر بها. وكان ما زال يحدوه الأمل في أنها ما زالت عذراء لم تُمَس. كم يتمنى لو يكون هو الرجل الأول لها. لقد أخذ الكثير من الفتيات، ولكن زينة هي كل ما يريد حقاً. ومهما كان ما حدث لها سوف تظل دائماً الأنقى والأطهر بينهن جميعاً.
***
حاولت زينة فتح عينيها ولكن جفنيها كانا ثقيلين وجسدها هامداً. فركت عينيها وأخيراً فتحتهما بعد جهد ثم تثاءبت بقوة وظلت للحظات لا تستوعب شيئاً وضباب النعاس ما زال يشوش على عقلها. ستارة النافذة كانت مفتوحة وقرص الشمس كان برتقالياً. الشمس كانت تغرب.. تغرب؟!! ولكن كيف؟!! ومتى؟!!
عقدت حاجبيها تعصر ذاكرتها. لقد نامت قبل منتصف الليل بساعتين على الأقل والآن الشمس تغرب؟!!! لقد حدثت فجوة زمنية في عقلها. عبست بشفتيها وعقلها يحاول التركيز. المركب أيضاً كان يسير بسرعة. كانت تستطيع الشعور بذلك وهي ترى السماء تتغير من خلال النافذة. لقد أبحروا.. أبحروا؟!!
هبت جالسة وقد اتسعت عيناها من الصدمة وكل الأحداث التي جرت بالأمس راحت تتدفق داخل ذاكرتها. كيف يعقل أن تنام كل هذا الوقت؟!!
خرجت من الفراش بسرعة فشعرت بالدوار وسقطت على الفراش مرة أخرى. كان رأسها ثقيلاً جداً ويؤلمها. بحثت بعينيها عن الدواء المسكن للألام ولكنها لم تجده مكانه. وهنا تذكرت قرصي الدواء اللذين أعطاهما لها آدم بالأمس وبعدها نامت كالميتة ولم تستيقظ سوى الآن بعد حوالي عشرين ساعة. لقد خدرها، أعطاها حبوباً منومة.. لقد خطفها.. إنه يريد خادمة لخدمة أميرته.. عبدة لا تتجرأ على طلب المغادرة وعندما تفعل يقوم بتخديرها ليجبرها على البقاء.
صاحت بحنق:
– من يظنون أنفسهم؟ أميرة وثلاثة من الإقطاعيين ومرتزقتين يحسبون أنفسهم ملوكاً يستحقون عبيداً.. حسناً، سوف أسمعهم رأيي في عنجهيتهم الفارغة.. يظنون أنني فتاة ضعيفة ومغلوبة على أمري لأنني بلا أهل وبلا مال.
ثم فكرت بآدم بمرارة. لقد راح يظهر لها الرقة بالأمس عندما شعر بتمردها ثم خدعها. وكيف سمحت له بأن يحتضنها؟!!
بدلت ملابسها ودخلت إلى الحمام. وعندما خرجت لم تجد أحداً في حجرة الجلوس أو على سطح المركب الذي كان يسير بأقصى سرعة له وقد فردت الأشرعة جميعها. حسناً، إنه على الأقل لا يسير بمفرده وسوف تجد أحد ما بكابينة القيادة.
***
قال فراس بقلق موجهاً حديثه إلى آدم الذي كان يضع بعض العلامات على الخريطة الملاحية:
– آدم.. اذهب لتطمئن على زينة، لقد نامت لوقت طويل وأنا أخشى أن يكون لهذا الدواء آثار جانبية لا نعلمها.
– اطمئن.. أمي تأخذ منه منذ سنين وهو آمن تماماً.
اندفعت زينة إلى الغرفة وهي تقول بانفعال:
– أنت خدرتني.. وخطفتني.
أدى الانفعال إلى جعلها تترنح فما زالت تعاني من تأثير المخدر. فأسرع فراس لمساندتها ومساعدتها على الجلوس وهو يقول:
– يا للمسكينة.
قال آدم بغيظ وهو يناوله زجاجة ماء:
– إن هذه المسكينة كانت تمارس هوايتها المفضلة في التنصت علينا.
قال فراس معترضاً وهو يفتح زجاجة الماء ويعطيها لزينة:
– مهلاً عليها.
تناقلت نظرات زينة بينهما بوجه شاحب ثم انفجرت بالبكاء.
تحرك آدم بعصبية وقال:
– هذا ما تفلح به فقط.. البكاء.
اتهمه فراس قائلاً:
– أنت تخيفها.
قالت زينة من بين شهقاتها:
– أنت.. خطفتني.
شخر آدم ساخراً وأنفتاه تنتفخان غيظاً وقال لفراس:
– خذ هذه وأخرجها من هنا.
شهقت زينة ووقفت بحدة تقول بشجاعة:
– إن لي اسماً.
صاح آدم بصوت هادر جعلها ترتجف رعباً:
– فراس.. خذها من أمامي الآن.
سحبها فراس إلى خارج كابينة القيادة. وقد رحبت زينة بذلك، فالوقوف أمامه كما الوقوف في وجه بركان ثائر كما أخبرها بيدرو من قبل.
أخذها فراس إلى المطبخ وأجلسها على مقعد عالٍ أمام البار وناولها محرمة ورقية لتجفف بها دموعها. ثم صنع لها شطيرة مكونة من اللحم والخس وشرائح الطماطم ووضعها في طبق أمامها. فقالت:
– شكراً.. لست جائعة.
– يجب أن تأكلي، فأنت لم تأكلي شيئاً منذ ظهر الأمس.
انصاعت زينة لإرادته وأكلت. وعندما انتهى من إعداد القهوة لكليهما، كانت قد أجهزت على الشطيرة كلها. فقال ضاحكاً:
– ألم تقولي أنك لست جائعة.
ابتسمت زينة بخجل وقالت:
– لم أكن أعتقد أنني جائعة إلى هذا الحد.
وضع كوب القهوة أمامها فقالت:
– شكراً.
قال فراس:
– لا تغضبي من آدم، هو شخص عصبي قليلاً ولكنه طيب القلب.
– لماذا أعطاني حبوباً منومة؟
أجابها بهدوء:
– على حسب ما قال لي أنك بدوت في حالة مزرية بالأمس عندما ذهب ليتفقدك وأنك كنت بحاجة للنوم والراحة.. وهو لم يأخذ قرارك بالرحيل عنا على محمل الجد فقد بدوت وكأنك تعانين من ضغط نفسي جعلك تأخذين قراراً لم تحسبي مدى عواقبه، ولقد اتفقت معه في ذلك. فمثلاً إلى أين كنت ستذهبين وليس معك جواز سفر ولا تملكين مالاً ولا عملاً.. هل فهمت؟
هزت رأسها إيجاباً وقالت:
– ولكني سببت لكم الكثير من المشاكل.. خربت برنامج الرحلة وتسببت في شجار بين سيد حميد وشقيقته.
ربت فراس على يدها وقال مطمئناً:
– أنت لست مسؤولة عن طباع جليلة السيئة وشجارهما شيء عادي يحدث دائماً.. ولا تقلقي من أنك عبء علينا، سينتهي كل هذا قريباً.. لقد سافر حميد إلى إسبانيا ليستخرج لك جواز سفر وأوراقاً تستطيعين بها التنقل معنا دون أي قلق.
نظرت إليه بدهشة:
– جواز سفر لي أنا من إسبانيا؟.. وكيف ذلك؟
ارتشف فراس القليل من قهوته ورد بخفة وهو يتجنب النظر إلى عينيها:
– قلنا إن كان لك هوية أوروبية فهذا سيكون أسهل ولن يسبب لك المشاكل في المطارات والموانئ، فأنت تعرفين ما يعانيه العرب هذه الأيام من صعوبة الحصول على التأشيرات.
سألته وقد تحولت دهشتها إلى ذهول:
– تقصد أوراق مزورة؟
لوح فراس بيده:
– لا.. أعني أنها لن تكون مزورة كما تعتقدين.. ستكون حقيقية ولكن باسم وجنسية مختلفة.
– أنا لا أرى فارقاً.
تنهد ثم قال بجدية:
– أفهميني جيداً يا زينة.. عندما سافر آدم إلى القاهرة تحدث مع محاميه عنك، فأخبره بصعوبة استخراج أوراق بديلة لك بسرعة.. فعرض حميد علينا فكرته ووافقنا عليها. فحميد وعائلته لهم نفوذ قوي في إسبانيا ويستطيع الحصول لك على هذه الأوراق بسهولة.. نحن أناس شرفاء ولا نلجأ إلى هذه الحيل في العادة، ولكننا وعدناك أن نحميك ونساعدك.
تجنبه للنظر في عينيها أخبرها أن هناك المزيد مما يرفض الإفصاح عنه، وهي قررت أن لا تسأل.. أو خشيت أن تسأله، فليس هناك إلا سبب واحد يجعلهم يلجأون إلى إخفاء هويتها.. أنهم قد عرفوا بجريمتها ويريدون حمايتها والتستر عليها.
رواية ملاك يغوي الشيطان الفصل الثالث عشر 13 - بقلم مايسة ريان
انضم إليهم حميد في نابولي وقد استدعاها آدم إلى كابينة القيادة وسلم لها جواز السفر الإسباني وتصريح العمل الصادر من مكتب شركتهم بمدريد.
لم تفاجأ عندما رأت صورتها التي تصورتها لاستخراج جواز سفرها المصري موجودة به.
أخذتهم منه وهي مطرقة الرأس ودون أن تنبس بكلمة.
قال لها آدم:
– ليس هناك من داعي لكي يعرف أحد بهذا غيري أنا وأنت وحميد وفراس فقط.
هزت رأسها إيجابًا.
قالت بصوت مخنوق:
– لقد عرفتم بما فعلت أليس كذلك؟
– نعم ومنذ اليوم الأول.
– لقد كنت أدافع عن نفسي.
– أعرف ونحن لا نلومك على ذلك.. ولكن أطمئني ليس هناك من قضية عليك.
رفعت رأسها إليه قائلة بلهفة وقد تهلل وجهها:
– حقًا؟
ابتسم لها إحدى ابتساماته النادرة وقال:
– حقًا.. ولكن هناك من يبحث عنك منهم.. فالهروب من هؤلاء ليس سهلاً وهم لا يسمحون به حفاظًا على سرية عالمهم القذر.
قالت بتعاسة فلم تستمر سعادتها إلا لحظات وقد عاد الخوف إليها:
– وهل أسبب لكم المتاعب بوجودي معكم؟
– لا تقلقي من أجلنا نستطيع حماية أنفسنا وحمايتك أيضًا.
قالت بامتنان صادق:
– أنت طيب جدًا.. جميعكم طيبون معي.
مازحها قائلاً:
– ألست قاسيًا ومتعجرفًا؟
احمر وجهها حرجًا ولكنها بادلته المزاح بعفوية:
– أحيانًا تكون كذلك.
وقف عن مقعده وغمز لها مازحًا:
– أرجو أن يستقر رأيك.. فأنا لا أحب التخبط في وجهات النظر.
ثم دفعها إلى الباب وهو يقول:
– هيا اذهبي وجهزي حقائبك.. فأخيرًا ستضعين قدميك على أرض حقيقية.
***
لم يبقوا في نابولي سوى ليلة واحدة استقلوا بعدها الطائرة إلى ميلانو.
وكانت أول مرة تستخدم فيها زينة جواز سفرها الإسباني وعبرت به أمام رجال الجمارك والشرطة.
كانت في البداية خائفة ومضطربة ليفتضح أمرها ولكن لم يحدث شيء، خاصة وأن حميد كان يرافقها أثناء عبور الجوازات يتحدث إليها بالإسبانية فتجيبه بابتسامة أو بهزة رأس وأحيانًا ببضعة كلمات كان قد علمها طريقة لفظهم.
وعندما أصبحت في الطائرة تنفست الصعداء وبدأ بالها يهدأ ومخاوفها تنزاح.
ميلانو.. عاصمة الموضة والأزياء على مستوى العالم وملتقى أشهر مصممي الأزياء ومحبي التسوق.
لم تصدق زينة ما رأته في تلك المدينة.. كل هذا الكم من المحال التجارية الفخمة حائط لا نهاية له مليء بالواجهات الزجاجية والعلامات التجارية البراقة والأسعار التي لا تستوعبها.
بداية من الهدايا التذكارية والأزياء بمختلف أنواعها إلى جانب الأحذية الرائعة والحقائب إلى أن تصل إلى الماركات والعلامات العالمية الشهيرة.
ولاحظت أن السياح في ميلانو يهتمون بالتسوق أكثر مما يهتمون بالأماكن الأثرية والتاريخية التي تتميز بها هذه المدينة العريقة.
وهذا ما اكتشفته وهي بصحبة سيدات المجتمع الراقي حيث كانت تقضي وقتًا مملًا ومتعبًا بصحبتهن.
لم تكن تشاركهم الحديث ولا يأخذون وجودها معهم بعين الاعتبار تسير خلفهم كالخادمة تحمل لهم مشترياتهم وتتحمل عجرفتهم عليها.
وقد آلمها هذا الوضع كثيرًا ولكنها كانت مضطرة لتحمله فليس أمامها بديلاً.
كان آدم قد طلب منها قائلاً:
– سوف ترافقينهم أينما ذهبوا ولا تبتعدي عنهن حتى لا تضيعين.
ثم أعطاها أجر أسبوعين من راتبها:
– وهذا جزء من راتبك فقد تحبين أن تشتري شيئًا لنفسك.
ولكنها لم تجد الفرصة لصرف يورو واحد فقد كن يقضين ساعات الصبح في مركز التجميل للتدليك والتزيين وزينة تجلس تنتظر بملل.
وبعد الظهر يتناولن الغداء وبعدها يذهبن للتسوق وشراء أشياء لا يحتجن إليها وينتهي الأمر بها وهي تحمل أكياس وحقائب لا شأن لها بهم.
وفي المساء ينضم إليهن الرجال ويخرجون للعشاء والسهر وهنا ينتهي عملها وتلتزم زينة حجرتها تتناول عشاءها وتنام باكرًا بسبب الإرهاق حتى الصباح.
وكانت تتساءل باستغراب.. ألا يشعران أبدًا بالإرهاق؟
كانت تفضل لو تخرج لمشاهدة معالم المدينة والتعرف على سكانها وثقافتها ولكنها يجب أن تعمل مقابل الأجر الذي يدفع لها فهي ليست في إجازة مثلهم.
وفي اليوم قبل الأخير لهم في ميلانو كان كباقي الأيام التي سبقته مزين الشعر في الصباح وجلسات التدليك يليها غداء سريع في الثانية عشر ثم التسكع في المحلات والأسواق.
وعندما عادوا إلى الفندق سبقتهم زينة بالدخول تحمل الأكياس والإرهاق بادٍ على وجهها.
ولم ترَ آدم وحميد وهما يخرجان من المصعد ويسيران باتجاهها.
وأجفلت عندما استوقفتها يد آدم على ذراعها وسألها بدهشة عابسًا وهو يشير إلى الحقائب التي تحملها بيديها وتحت إبطها:
– كل هذه المشتريات لك أنت؟
ردت بصوت مرهق رتيب:
– لا ليست لي.
ثم أشارت برأسها إلى الخلف حيث الجميلات يتهادين بخيلاء من ورائها:
– إنها لهن.
تحول العبوس على وجهه إلى غضب مكبوت وتأوهت زينة.. ماذا فعلت له الآن؟
أخذ منها الحقائب وطلب منها أن تصعد إلى حجرتها.
وهز لها حميد رأسه إليها آسفًا.. ولكنها لم تفهم.
وفي حجرتها أخذت حمامًا سريعًا وعندما خرجت من الحمام رن جرس الهاتف وجاءها صوت آدم:
– انزلي فأنا بانتظارك في البهو.
أغلق الهاتف دون أن يسمع ردها.
فوضعت السماعة وسارت إلى خزانة ملابسها التي تحوي القليل جدًا من الملابس وأخذت السروال الجينز الوحيد عن الرف وارتدته مع التي شيرت البولو الخاص بعملها على المركب.
نزلت إلى البهو لتجد آدم ينتظرها وحده.
لم يكن لديها الفضول لتعرف سبب استدعاءه لها.
وعندما وقفت أمامه لم تقل شيئًا بل هو من قال:
– هيا بنا.
أخذها إلى خارج الفندق لتجد سيارة أجرة في انتظارهما وفتح لها الباب الخلفي.
وهنا بدأ القلق يتسرب إلى حواسها وهو يجلس بجوارها.
سألته بتوتر:
– إلى أين نحن ذاهبان؟
رمقها بنظرة جانبية سريعة ثم سألها بهدوء:
– لماذا لم تخبريني عن تلك الطريقة الفظة التي يعاملونك بها؟
نظرت إليه بدهشة وقالت:
– ظننت أن هذا جزء من عملي.
تحرك بعصبية بجوارها فأنكمشت تبتعد عندما تحدث بعنف:
– عملك يقتصر على القارب فقط.. هنا يوجد المئات من الأشخاص القادرون على خدمتهم.
– لكنك طلبت مني أن أبقى بصحبتهم و..
قاطعها بحدة:
– طلبت منك ذلك حتى لا تكوني بمفردك.. لتستمتعي بوقتك لا أن تكوني عبدة لديهن.
تمتمت بصوت منخفض:
– آسفة لقد فهمتك خطأ.. لو كنت أعرف ذلك لكنت فضلت قضاء الوقت بمفردي.
– إلى هذه الدرجة كانت صحبتهم سيئة.
هزت رأسها إيجابًا بقوة وأخرجت كل ما كان يعتمل بداخلها وقد انطلق لسانها:
– بلى.. لم يتركوا متجرًا في هذه المدينة لم يدخلوه وشراء الكثير والكثير من الملابس والحقائب والأحذية أقسم أنهم لن يجدوا وقتًا لارتدائهم كلهم.
هذا غير الإكسسوارات وأدوات الزينة والهدايا ولا أفهم سبب ذهابهم كل يوم إلى صالون التجميل.. هل تعرف أنت؟
ألتوت شفتاه بابتسامة مرحة جعلتها تبتسم له بدورها.
لقد غيرت الابتسامة من ملامح وجهه وجعلته وسيمًا أكثر وارتبكت نظراتها وهي تلتقي بنظراته الجديدة عليها وتذكرت تلك اللحظات في غرفتها عندما ضمها بين ذراعيه بحنان.
رمشت بعينيها.
– وماذا كنت ستفعلين بوقتك غير زيارة المتاجر؟
أعتدلت بحماس:
– أرى الأحياء القديمة التي فيها الروح الحقيقية لميلانو.. أزور المتاحف والآثار التاريخية.
وكان لها ما تمنت.
وفي ساعات النهار الأخيرة زارا كل ما استطاعا من أماكن سياحية اشتهرت بها المدينة الإيطالية.
الكاتدرائية القوطية ديومو والتي تعتبر من أكبر كاتدرائيات أوروبا وأشهرها.
كما أخذها لزيارة مركز التسوق القريب من الكاتدرائية وهو الأقدم في العالم.
وعندما قال لها اسمه (جاليري فيتوريو إيمانويل الثاني) انفجرت ضاحكة:
– اسمه طويل جدًا وصعب.
ولكنه كان سوقًا رائعًا وأعجبها أكثر من مراكز التسوق الحديثة فعراقته تعطيه هيبة ورونقًا خاصًا.
ثم ذهبا إلى قلعة سفورتسى ومتحف الفنون الحديثة ومتحف بريرا.
وقد استعان آدم بأحد العاملين بالمتحف ليحدثهم عن اللوحات وقد كان سعيدًا بطلبه ويشعر بالفخر وهو يشرح لهم تاريخ اللوحات المعروضة وأسماء الفنانين وبأي أسلوب رسمت وماذا أراد الفنان أن يظهر من خلال لوحته.
وراح آدم يطرح أسئلة تقنية تنم عن ثقافة فنية.
تمنت زينة لو تصبح يومًا مثله ملمة بكل هذه المعرفة.
عادا إلى الفندق في الثامنة مساءً ودعاها آدم أن تنضم إليهم في مطعم الفندق لتناول العشاء.
ولكنها رفضت بأدب وتحججت بأنها متعبة.
ولكن من داخلها كانت تود قبول دعوته ولكنها لن تشعر بالراحة بصحبتهم خاصة مع جليلة ورفيقاتها.
***
استيقظت زينة في التاسعة صباحًا وكلها حماس وتشعر بالحرية.
ستكون ساعات الصباح كلها لها لتتجول في الشوارع والأسواق وتشترى بعضًا من التذكارات التي كانت قد أعجبتها بالأمس وهي بصحبة آدم وقد عجزت عن شرائها كي لا يصر على دفع ثمنها.
اغتسلت وارتدت الملابس التي كانت ترتديها بالأمس ورفعت شعرها كذيل حصان.
ثم وضبت حقيبتها الصغيرة ففي الخامسة من بعد الظهر سيستقلون الطائرة عائدين إلى نابولي.
فتحت الباب لتذهب ففوجئت نيكول تقف أمامها.
فقالت بدهشة:
– صباح الخير.
ابتسمت لها نيكول بإشراق:
– صباح الخير.. هل أنت ذاهبة إلى مكان ما؟
قالت زينة بتوجس:
– نعم.. كنت سأتجول في المدينة وأشتري بعض الأشياء.
أطرقت لوسي رأسها بخجل وقالت:
– كنا أشرارًا وعاملناك بطريقة سيئة.
رق لها قلب زينة وقد شعرت بصدقها وقالت تخفف عنها:
– لا عليك.. أنا لم أشتكِ.
– كنا نذهب إلى مراكز التجميل يوميًا ولم نسألك مرة إن كنت تحتاجين إلى تصفيف شعرك وكنا نتسوق بالساعات ولم نبالِ عن حاجتك إلى شراء شيئًا.
كانت نيكول محمرة الوجه تشعر بالذنب وتأنيب الضمير.
اندفعت زينة وعانقتها وربتت على ظهرها قائلة بمرح:
– ستجعلينني أبكي.. أنا حقًا بخير.
ابتسمت لها نيكول شاكرة وقالت:
– إذن دعيني أكفر عن ذنبي وآخذك للتسوق بنفسي سيكون اليوم لك وحدك ما رأيك.
بهت وجه زينة وهي ترى الحماسة التي تتكلم بها نيكول.
لقد ضاعت خطتها في مهب الريح وتأوهت داخليًا.. يومًا آخر في مراكز التجميل والتسوق؟
رأت نيكول ترددها فقالت بسرعة:
– لا تقلقي لن آخذك إلى الأماكن الغالية التي كنا نذهب إليها أعرف محال تبيع بأسعار مخفضة جدًا.. لا تنسي أنني لست ثرية مثلهم وأعرف أماكن بعينها.
ظلت زينة مترددة فتابعت نيكول تحمسها:
– سنتناول أولًا إفطارًا إيطاليًا حقيقيًا ثم نذهب لتصفيف شعرك فهو بحاجة إلى عناية أنت تهملينه كثيرًا وبعدها تشترين بعض الملابس.. ها ما رأيك؟
فكرت زينة للحظات ووجدت أن لوسي على حق ما المانع لو تهتم بشكلها قليلاً لتصبح أنيقة وجميلة مثلهم.
– موافقة.. هيا بنا.
***
تناولت زينة ونيكول إفطارهما في مقهى يضع طاولاته على الرصيف.
كان المقهى مزدحمًا بالسياح وبالإيطاليين أيضًا.
تناولا فطائر محشوة بالمربى الطازجة.
وبعدها توجها إلى صالون تجميل صغير كانت نيكول تعرف صاحبته التي قالت لزينة:
– سوف أعطيك خصم خمسين بالمائة إكرامًا لنيكول.
وأوضحت لها نيكول قائلة:
– لقد عملت عارضة أزياء لإحدى دور الأزياء الشهيرة هنا في ميلان وعشت في هذه المدينة لمدة عامين ولي بها معارف وأصدقاء كثر.
غسلت لها المرأة الإيطالية شعرها وقامت بقص أطرافه التالفة واعتنت ببشرتها.
وفي مركز التسوق تركت نيكول المحلات الرئيسية وأخذتها إلى الشوارع الجانبية حيث المحال الصغيرة التي تعرض بضائع بخصم كبير.
وكانا في أحد المحال عندما تلقت نيكول اتصالًا هاتفيًا من جليلة.
تجهم وجه نيكول وهي تستمع إليها وابتعدت زينة لتتركها تتحدث على راحتها.
انتقت زينة ثوبًا واستدارت لتريه لنيكول ولكنها رأتها تنظر إلى هاتفها المحمول عاقدة الحاجبين.
فأعادت زينة تعليق الثوب مكانه وتقدمت منها تسألها:
– هل أنت بخير؟
نظرت إليها نيكول وحاولت رسم ابتسامة على شفتيها ولكنها فشلت:
– أنا آسفة جدًا يا زينة.. سأضطر أن أتركك وحدك.. كنت قد نسيت أنني وعدت جليلة وكاميليا أن أذهب معهما لشراء بعض الأغراض.
– لا عليك اذهبي أنت.. سأكون بخير.
– هل تستطعين العودة وحدك إلى الفندق يجب أن نكون في المطار في الخامسة على الأقل؟
– نعم أستطيع.. لا تقلقي ولن أتأخر في العودة.
اعتذرت لها نيكول مرة أخرى قبل أن تتركها وتنصرف مسرعة.
وشعرت زينة بالشفقة عليها فهي تخشى أغضاب جليلة وتتصرف على عكس طبيعتها لإرضائها.
تجولت زينة بين المحال التجارية الصغيرة حتى عثرت على الثوب الذي يناسبها ويناسب ميزانيتها كما اشترت حذاء وحقيبة صغيرة تليق به.
وتناولت الباستا بالصلصة الحارة على الغداء وتفلتت بالشوارع وشاهدت بعض الآثار الرومانية.
وفي ساحة كنيسة سانتا ماريا تعرفت على بعض السائحين منهم زوجين من سويسرا يقضيان شهر عسلهما في إيطاليا.
وآخر مكان زارته كان مكتبة أمبروسيانا وهناك تذكرت والدها مختار وشعرت بالذنب.
كم جعلها خوفها على نفسها تصبح أنانية.
استمرت بحياتها وهي لا تفكر بما يشعر به والديها الآن تجاه اختفائها وأصبح كل همها أن تنسى ما مر بها.
على الأقل يجب أن ترسل لهم رسالة تطمئنهم فيها على حالها إن لم تستطع الاتصال بهم.
وقررت أن تفعل ذلك فور عودتها إلى الفندق ستطلب من فراس أن يعيرها هاتفه لترسل منه رسالة إلى والدها.
عادت زينة إلى الفندق تحمل حقائب مشترياتها وصعدت إلى غرفتها مباشرة.
ولكنها فوجئت بها مفتوحة وعاملات النظافة يقمن بتنظيفها ونظروا إليها باستغراب وهي تدخل إلى الحجرة.
وبعد حوار قصير أسرعت إلى مكتب الاستقبال ووقفت شاحبة الوجه والموظف يؤكد ما قالته عاملة النظافة بالأعلى.
لقد تم سداد حساب غرفتها كما بقية غرفهم.
لقد رحلوا وتركوه.
كانت الساعة الثالثة والنصف وموعد الطائرة في السادسة كما أخبرها آدم بالأمس.
هي لم تتأخر.
هل كانت خطة للتخلص منها؟
أن تأخذها نيكول إلى التسوق ثم تتركها ليتسنى لهم ترك الفندق وهي غائبة؟
خرجت زينة إلى الشارع والدموع تنساب من عينيها غزيرة.
لقد صرفت كل المال الذي أعطاها إياه آدم ولم يتبقى معها سوى القليل.
ودعت أن يكفي ثمناً لسيارة الأجرة إلى المطار.
وفي المطار سألت عن مكان وموعد الطائرة الذاهبة إلى نابولي وبحثت بين المسافرين في صالة الانتظار ولكنها لم ترهم بينهم.
وراقبت حتى آخر مسافر.
انسابت دموعها غزيرة وسارت هائمة على وجهها إلى خارج المطار.
عادت إلى الفندق بالحافلة العامة.
كانت تتشبث بأكياس المشتريات في يدها بقوة وراحت تدور حول الفندق تفكر وتحاول أن تطمئن نفسها أنهم ربما يكونون قد نسوها وسيعودون من أجلها في أي وقت.
لفتت تحركاتها وحالتها المضطربة التي كانت فيها نظر أحد رجال الشرطة ولمحته يقترب منها فأسرعت الخطى كي تبتعد قبل أن يصل إليها.
وأثناء هروبها وجدت نفسها وقد ابتعدت كثيرًا عن الفندق وتاهت في الشوارع المحيطة به.
غربت الشمس وبدأ الليل يفرض وجوده وتلألأت أنوار أعمدة الإنارة والمحلات.
وكان قد استبد بها اليأس أخيرًا وهي تعبر الطريق مشوشة الذهن ودون أن تنتبه للسيارات القادمة من الاتجاهين.
وأنتفضت بذعر وهي تسمع صوت المكابح وأبواق السيارات العالية وبعض السائقين الذين راحوا يعنفونها على قلة حرصها وهي تعبر الطريق.
دق قلبها بسرعة من الخوف وأصبحت ساقيها هشتين فجلست على سور نافورة مياه تتوسط الميدان الذي لا تعرف اسمه ودموعها تعود لتنساب على وجنتيها.
سمعت صوت شخص يصرخ باسمها فرفعت وجهها بلهفة لترى آدم يعبر الطريق الذي عبرته منذ لحظات.
وقفت تحدق فيه لا تصدق عينيها.
لقد عاد.
ركضت تجاهه بلهفة فضم جسدها النحيف المرتعش بين ذراعيه بقوة وقالت باكية وذراعيها تحيطان بخصره ووجهها مدفون في صدره:
– لقد تركتني ورحلت.
مسح على شعرها وهو يقول بأنفاس متقطعة:
– مستحيل أن أتركك وأرحل.. كان سوء فهم لعين.. أنا آسف.
نعم هذا ما كان يخبرها به قلبها فآدم ما كان ليتركها بتلك الطريقة ويرحل وإن أراد تركها لقال ذلك في وجهها ولما لجأ إلى الحيل والغدر.
وكذلك حميد الذي خاض مشقة في استخراج أوراق رسمية لها وفراس لن يطاوعه قلبه الطيب لأن يتركها في الشارع وحيدة.
– لقد شعرت بالرعب وأنا أراك تعبرين الطريق بتلك الطريقة.. كدت تقتلين نفسك.
ابتعدت عن ذراعيه بخجل ونظرت إليه والابتسامة تنير وجهها.
كان قلقًا عليها وظهر ذلك جليًا في شحوب وجهه.
وسألها وهو يتفحص وجهها:
– هل أنت بخير؟
هزت رأسها إيجابًا.
فأخذها وجلسا عند نافورة المياه ونظر إلى حقائب مشترياتها وقال:
– ما الذي اشتريته؟
– اشتريت فستان وحقيبة وحذاء.
نظرت إليه فأختلج وجهه ورقت نظرات عينيه:
– لقد بحثت عنك لساعات.. ما كان لك أن تتركي الفندق على الفور فقد عدت ولم أجدك.
أخبرته أنها ذهبت إلى المطار وبحثت عنهم هناك.
قال بتجهم:
– لقد قدمنا موعد السفر وحجزنا طائرة خاصة.
وأخبرها أنهم أخذوا الحقائب إلى المطار على أساس أن تلحق بهم زينة وبقية النساء إلى هناك ولكنه فوجئ بأنهم جاءوا من دونها.
فشرحت له ما حدث مع نيكول فجز على أسنانه بغضب وسألها بتجهم:
– هل خفت؟
– نعم.
انتفض جسدها لا إراديًا وهي تتذكر ساعات الخوف والقلق التي قضتها قبل ظهوره.
قال مبتسمًا:
– سوف أخبرك شيئًا ربما يسعدك ويجعلك تنسين ما مر بك اليوم.
اتسعت ابتسامته وهو يراقب تلهفها:
– لقد أجرى والدك العملية وهو الآن على ما يرام وقد اطمأن أنك بخير قبل دخوله إلى غرفة العمليات.
نظرت إلى وجهه غير مصدقة.
كيف يعرف والدها وكيف عرف بأنه أجرى الجراحة وأنه بخير وأكثر ما تريد معرفته كيف وصلت أخبارها إلى والدها ومن الذي قام بذلك؟
رد على كل أسئلتها:
– عندما كنت في القاهرة كلفت المحامي الخاص بي للتواصل مع عائلتك وطمأنهم عليك.
رواية ملاك يغوي الشيطان الفصل الرابع عشر 14 - بقلم مايسة ريان
عادت زينة إلى المركب وشعرت بأنها تعود إلى بيتها.
أقلّها بيدرو من الميناء ووجدا حميد وفراس ونيكول في استقبالهما.
كان استقبالاً حافلاً جعل زينة تضحك بسعادة.
لحقت بها نيكول إلى غرفتها وعانقتها واعتذرت منها.
"أنا آسفة جداً زينة.. إنها غلطتي عندما تركتك وحدك."
قالت زينة بتسامح:
"لا عليك.. حصل خير."
جلست نيكول على طرف الفراش وقالت بتجهم:
"أعتقد أن جليلة وكاميليا قصدا أن تفوتك الطائرة."
نظرت إليها زينة بدهشة:
"حقاً؟"
"نعم.. عندما اتصلت بي جليلة ونحن معاً أخبرتني أن الأمر ضروري وأنها في حاجة إلى مشورتي لشراء شيء ما، ولكننا قضينا الوقت في التسكع بين البازارات ولم نشتري شيئاً. ثم أخذنا سيارة أجرة إلى المطار مباشرة. وعندما قلت لهما ماذا عن زينة؟ قالت إنك ذهبت برفقة الباقين إلى المطار. كان آدم وفراس وحميد غاضبين بشدة، وكنت أنا المذنبة من وجهة نظرهما. وكان عندهم الحق، ما كان يجب أن أصدق جليلة وكاميليا.. إنهما تكرهانك وتغاران منك."
حملقت زينة في وجهها بذهول:
"يغارن مني أنا؟ ولماذا؟"
ابتسمت نيكول بحزن:
"لا تنصدمي بتلك الطريقة.. أنا أيضاً أغار منك، ولكني لا أكرهك مثلهما."
ضحكت نيكول بمرارة لعدم التصديق البادي على وجه زينة وتابعت:
"يا إلهي يا زينة.. أنت تبخسين نفسك حق قدرها. أنت تملكين ما نعجز نحن عن استرجاعه ولو ملكنا مال الدنيا كله.. تملكين الطهر والبراءة، طيبة القلب والوفاء. نقية كالملاك. كل واحدة منا ضحت بالغالي والنفيس لتحقق أحلامها. جليلة، وبرغم ثراء أسرتها الفاحش، باعت نفسها لرجل بعمر جدها لتحصل على لقب. سجنها وعذبها وحطم روحها وحصلت على اللقب في النهاية. وفي المقابل بماذا ضحت؟ ضحت بشبابها وبحب عمرها. كان آدم يحبها بشدة وحطمت قلبه عندما تركته، والآن تحارب كي تسترجعه. أما كاميليا، فهي عاهرة بورقة زواج. هدفها المال وتبحث عن اللذة مع أي رجل يعجبها. الخيانة تسري في دمها ولم يعد للشرف وجود في قاموس أخلاقها. وأنا.. أنا ابنة فلاح فقير من قرية صغيرة بلبنان. كرهتها منذ صغري لبعدها عن الحضارة. كنت أرى نفسي أرفع مقاماً وأجمل من أن أضيع شبابي فيها، فتركت عائلتي وأصدقائي وذهبت إلى باريس. كذبت وتحايلت وأنكرت أهلي وقطعت صلتي بهم جميعاً حتى أدخل إلى عالم الأضواء والشهرة. كنت أصاحب المنتجين وأتعلق في أذرع المخرجين والرجال الأثرياء. كلما رأيت فرصة لأرتفع درجة لم يكن يهمني فوق من سأخطو وأنا أعتليها، حتى قابلت حميد."
انسابت الدموع من عيني نيكول. جلست زينة بجوارها تربت على كتفها تواسيها.
"هل أحببته؟"
"أحببته كثيراً. أعرف بما تفكرين.. الجميع هنا يظن أنني أسعى وراء المال، عارضة الأزياء المغمورة التي تسعى لتصبح عشيقة ملياردير ليرفع من شأن مهنتها وينفق عليها ببذخ."
قالت زينة بصدق:
"لكني لم أعد أفكر مثلهم.. يكفي أن أرى نظراتك إليه لأعرف بمشاعرك تجاهه."
ابتسمت نيكول بحزن:
"أنت طيبة جداً يا زينة."
"ألم تخبريه بأنك تحبينه؟"
"كان بيننا اتفاق.. علاقة دون التزام، ولا أمل لي في أن يغير رأيه. هو لم يحبني ولن يفعل. رآني في حفل أزياء بباريس وأعجبته ولم أكن أعرفه ولم أسمع عنه من قبل. وبعدها جاءني عرض للعمل مع دار أزياء مشهورة وعرفت من وكيلي أن رجل أعمال مغربي هو من رشحني لهذا العمل وقال لي اسمه، وبدأت البحث عنه على شبكة الإنترنت ووقعت في حبه بمجرد أن رأيت صورته. ورحت أحلم بلقائنا وأصنع في خيالي مئات السيناريوهات بيننا. وفي يوم العرض وأنا أسير على الـ Catwalk كنت أدير بصري بين الحضور أبحث عنه ورأيته ينظر إلي وعيناه تلمعان وتضحكان لي. كدت أطير وألقي بنفسي بين ذراعيه وأخبره كم أحبه. وبعد آخر ظهور لي وجدته ينتظرني خلف المسرح وقام بالشيء الذي تمنيته وحلمت به. أخذني بين ذراعيه وعانقني وطلب مني أن أخرج معه.. تماماً كما يحدث في الأفلام الرومانسية. وقضينا معاً أسبوعاً رائعاً في باريس، وعندما قرر العودة إلى بلاده وعمله طلبت منه أن يأخذني معه.. فوضع الشروط التي أخبرتك بها ووافقت أنا عليها بدون تردد."
قالت زينة بحزن:
"وافقت أن تكوني عشيقة؟"
ردت نيكول بخزي:
"كان عندي أمل أن يغير رأيه وتتحرك مشاعره تجاهي ويقع في حبي بدوره. وها أنا الآن أعطيته كل ما يمكن أن أعطيه، وفي المقابل لم أحصل على شيء مما أملت. ربما كلمة وداع لطيفة ووعد بأن نظل أصدقاء، هذا ما سأجنيه في نهاية علاقتنا، فالرجل، وخاصة الرجل الشرقي، لا ينظر لعشيقته باحترام كافٍ ليتزوجها، ولا مجتمعنا يقبل بذلك."
قالت زينة بشفقة:
"معك حق.. ولكن ماذا ستفعلين؟ ستنتظرين حتى يقول لك هو وداعاً؟ لم أعد بحاجة إلى خدماتك بعد الآن؟"
نظرت نيكول إليها برعب حقيقي وقالت:
"ماذا تقترحين؟ أن أتركه أنا؟ لا أستطيع.. لو تبقى لي ثانية واحدة أقضيها معه سأبقاها ولن أفوتها."
"افعلي ذلك من أجل كرامتك.. من أجل احترامك لنفسك."
"سأموت لو فعلت."
"ستموتين في كلتا الحالتين.. ولكن لو أنهيت أنت علاقتك به ستموتين وكبرياؤك محفوظ."
هزت نيكول رأسها بأسى:
"معك حق.. وأنا أشعر بأن هذا اليوم سيأتي قريباً، فحيمد قد تغير من ناحيتي وينتظر فقط حتى يجد بديلاً عني أو حتى تنتهي الرحلة."
وقفت نيكول وكفكفت دموعها، ثم قالت بحزم:
"سنبحر الليلة إلى موناكو.. وستكون محطتي الأخيرة مع حميد، فلدي عقد عمل ينتظرني مع إحدى دور الأزياء الباريسية كنت قد أجلته من أجله."
ابتسمت لها زينة وقالت:
"ألم تشتاقي إلى عائلتك وأصدقائك؟ إن رؤيتهم خير من تضمد الجراح."
ضحكت نيكول ولمعت عيناها بحنين:
"نعم صحيح.. فكم أشتاق إليهم. تصنع أمي أحلى فطائر التوت.. وأخي جان لديه الآن طفلان لم أرهما إلا في الصور."
ثم نظرت إلى زينة وتابعت بحماس:
"هل ذقت من قبل جبن الماعز يا زينة؟"
"لا لم أفعل."
"مزرعتنا تصنع أروع جبن ماعز.. لدينا معمل صغير لصناعته."
"أتمنى لو أزور مزرعتكم لأتذوقه."
"سأترك لك رقم هاتفي وعنواني في باريس وعنوان مزرعتنا بلبنان.. فقد تأتين لزيارتي يوماً ما، فستجديني في أي منهما."
******
علاقة زينة بكاميليا وجليلة أصبحت محفوفة بالمخاطر. تشعر بنظراتهم مسلطة عليها كالخناجر التي تسعى إلى طعنها طوال الوقت. ولكنها كانت تشعر أيضاً بأنها محمية، ولولا ذلك لفتكا بها منذ زمن، بدليل محاولاتهم الخائبة للتخلص منها في ميلانو. وأصبحت نيكول مقربة أكثر من زينة وراحت تتجاهل جليلة وكاميليا. كما أنها أخذت بنصيحتها وأبلغت حميد بقرار تركها له بمجرد أن يصلوا إلى موناكو. وقابل حميد قرارها بذهول شديد، فهو لم يعتد أن تقوم أي امرأة بتركه.. هو من يفعل ذلك عندما يمل منهن. ولاحظت زينة أنه كان ينظر أحياناً إلى نيكول بحيرة عندما تكون غير منتبهة له. وحاولت كاميليا استغلال ما حدث بين نيكول وحميد لصالحها، وكان نتيجة ذلك مشاجرة عنيفة وقعت بينه وبين آدم.
كانت زينة تقوم بتحضير أبريق من القهوة عندما مر بها آدم خارجاً من غرفته وطلب منها أن تصب له كوباً وتحضره له في كابينة القيادة. وعندما لحقت به بالقهوة اصطدمت بكاميليا وهي تخرج مندفعة من الكابينة بوجه شاحب وشعر مشعث. وبعدها تعالى صراخ آدم الغاضب على حميد. ووقفت زينة تتابع المشهد بوجه شاحب مصدوم.
"أليس لقذارتك هذه حدود؟ ألا تخجل من نفسك؟"
"حاول حميد يائساً أن يدافع عن نفسه."
"أنا لم أفعل شيئاً."
"هل تنكر وقد رأيت ما رأيت بأم عيني؟"
أحتد حميد بالقول:
"لا يحق لك أن تحكم على الأشياء من وجهة نظرك أنت فقط."
لكمه آدم بقوة في وجهه، فنزفت الدماء من أنفه وسقط إلى الخلف على الأرض. فشهقت زينة مصدومة في مكانها ومازالت بيدها صينية القهوة عاجزة عن التصرف. ظهر فراس بجوارها وعلى وجهه أمارات القلق، وكان شعره مبتلاً وملابسه غير مهندمة دليلاً على أنه خرج مسرعاً من غرفته على صوت الشجار. قال فراس وهو ينظر إلى الدماء التي تسيل من أنف حميد بفزع:
"ما الذي تفعلانه بالله عليكما؟ تتشاجران بتلك الطريقة؟"
وأقترب من حميد وربت على كتفه ويساعده على الوقوف.
"هل أنت بخير يا حميد؟"
أطرق حميد برأسه وأنكمش بعيداً عنه. ورجحت زينة بأنه يشعر بالخجل مما قام به في حق صديقه الذي يقف الآن ملهوفاً وقلقاً عليه. نظر فراس إلى آدم الذي يقف بجسد متوتر من الغضب وينظر إلى حميد وكأنه يهم بضربه مرة أخرى وقال بغضب يعنفه:
"ما الذي فعله لك لتضربه بتلك الطريقة؟ ألن تتعلم أبداً السيطرة على غضبك؟"
أغلق آدم عينيه بقوة وأشاح بوجهه بعيداً. في حين سقط حميد على الأريكة ودمعة تنساب على وجنته أخفاها بسرعة وهو يطرق برأسه. نقل فراس نظره بينهما وقال بحدة:
"ألن يخبرني أحدكما عن سبب ما حدث للتو؟"
"أنا.."
ألتفت الثلاثة إلى زينة بحدة عندما تكلمت وتابعت وهي تبتلع ريقها ووجهها محتقن:
"أنا السبب في الواقع وأنا آسفة لذلك. إن سيد حميد كان يمازحني.. و.. وأنا لست معتادة على هكذا مزاح.. فظن سيد آدم أنه.. أنه.."
تلجلجت زينة في كلامها ولم تستطع المتابعة. وودت لو يصدقها فراس الذي أقترب منها وأخذ الصينية من يدها ووضعها على الطاولة. ثم أخذ يديها بين يديه وقال برقة:
"لا عليك يا زينة.. لا تخافي."
ولدهشتها نظر إلى حميد بغضب وقال:
"تستحق تلك اللكمة.. ألم نحذرك من عدم الاقتراب من زينة ولو على سبيل المزاح؟"
تمتم حميد مجارياً لكذبتها:
"أنا آسف.. لم أقصد أن أضايقها."
ربت فراس على يد زينة:
"اذهبي أنت يا زينة الآن.. ستكون الأمور على ما يرام وأعدك أن لا يعود حميد لمضايقتك مرة أخرى وإلا ضربته بنفسي هذه المرة."
ألقت زينة نظرة تجاه آدم وحميد قبل خروجها ووجدتهما ينظران إلى فراس بقلق وبشيء من الريبة وكأن به خطب ما.
خرجت زينة وهي تشعر بالراحة.. كانت خائفة من أن يعرف فراس السبب الحقيقي وراء الشجار الذي وقع بين صديقيه، فهذا كان كفيلاً بأن يحطم صداقتهما إلى الأبد. وجدت زينة كاميليا تقف في وسط غرفة الجلوس شاحبة الوجه تنظر إلى الباب المؤدي إلى السطح بخوف. وكانت تتوقع أن ترى أي أحد ما عدا زينة، لهذا انقلب وجهها إلى الكره الشديد وسألتها بصوت حاد:
"ما الذي حدث هناك بالأعلى؟"
نظرت إليها زينة بازدراء ثم أشاحت بوجهها قائلة:
"اطمئني.. سيد فراس لم يعرف شيئاً."
علت الراحة محياها وزفرت بقوة. دخلت زينة إلى المطبخ بعصبية وهي تهز رأسها باشمئزاز وكانت تود لو تلقي بشيء قاسٍ في وجهها. فراس رجل طيب ورقيق المشاعر وتلك الخائنة الدميمة القلب لا تستحقه.
شعرت كاميليا بالغضب من طريقة زينة في النظر إليها فهاجمتها وهي تجذبها من ذراعها من فوق البار:
"من تظنين نفسك أيتها الخادمة الغبية لتنظري إلي هكذا.. هه؟"
سحبت زينة ذراعها منها بحده:
"أبعدي يدك عني وأنا لست خادمتك.. ولا أفهم كيف لم يكتشف السيد فراس حقيقتك القذرة."
ضحكت كاميليا بقبح:
"ومن قال بأنه لا يعرف.. لماذا تزوجني في رأيك؟ هذا لأنه يريد امرأة قادرة على إسعاده وليست فتاة خرقاء مثلك ومثل زوجته الأخرى لا تعرف شيئاً عن فن الإغواء."
لم تكن تعرف أن لفراس زوجة أخرى فقالت بانفعال:
"أنت امرأة سافلة."
لم تغضب لنعتها لها بالسافلة وقالت ضاحكة باستهزاء:
"والرجال يفضلون السافلات.. الرجال يبحثون عن المتعة باستمرار.. حتى وإن تزوج الرجل من فتاة بريئة لتنجب له الأولاد وتكون الواجهة الوقورة أمام الناس كما فعل فراس، فهو يبحث بعدها عن امرأة حقيقية مثلي.. تجعل لياليه حمراء بلا التزام كامل وبلا وجود للأطفال.. زواج هدفه الوحيد المتعة والاستمتاع."
أحتقن وجه زينة بشدة وهي تستمع إلى ضحكة كاميليا الساخرة والتي استمرت تتردد في أذنها حتى بعد انصرافها.
هذا باب آخر فتح في وجهها ليريها جزءاً جديداً وقبيحاً من العالم. كم أن الشهوة والرغبة تقود صاحبها إلى الدرك الأسفل من النار.. أن يستبدل ما هو حلالاً طيباً بما هو حراماً فاسداً.. ما الفرق بين العلاقة التي تجمع بين كاميليا وفراس والعلاقة التي بين نيكول وحميد وتلك العلاقات الشائنة التي كانت تحدث على يخت فريدريكا.. كلها علاقات للمتعة. كما أن هذا زواج للمتعة وهو أسوأ بأن تتحايل على الشرع والدين لتبرير الزنا.
"زينة؟"
أدارت زينة رأسها بحدة ونظرت بغضب إلى حميد الذي أقترب منها بوجه متجهم ومازالت أنفه دامية ويضع عليها محرمة ورقية. قال بأندفاع:
"أقسم لك أنني لم أبدأ معها ذلك."
قالت بغضب ومازالت مواجهتها مع كاميليا حية في رأسها:
"ولكنك كالعادة لا ترفض عرضاً من امرأة جميلة."
زفر بقوة وقال متجهماً:
"معك حق أن لا تثقي بي.. ولكنني هذه المرة بريء حقاً.. هي من حاصرتني هناك ورفضتها ولكنها كانت لحوحة. وعندها دخل آدم ورآنا."
أرادت زينة أن تصدقه فيصعب عليها تصديق الخيانة أو تقبلها خاصة عندما تكون من أقرب الناس إليك.. كما حدث معها فقد تعرضت للخيانة من أقرب شخصين إليها.. أختها وخطيبها.
"زينة.. أحتاج حقاً إلى تصديقك لي.. أنت فقط من أهتم لرأيي بي."
نظرت إليه بدهشة فتابع بنظرات جادة:
"أظن أنني اكتفيت من العبث والعلاقات التي بلا معنى وأحتاج إلى من تحمل اسمي وأثق من أنها ستصون عرضي."
فتحت فمها بذهول فتابع بسرعة:
"أعرف أنك تفاجأت.. كما أعرف رأيك بي وقد يدفعك ذلك إلى رفضي ولكن لا تتسرعي وفكري جيداً بالأمر.. أنت بحاجة لمن يحميك ويوفر لك مستقبلاً آمناً وأنا قادر على فعل ذلك."
صوت خطوات ثقيلة على الدرج جعله يقول بسرعة:
"فكري أرجوك."
ثم انصرف إلى غرفته.
ظهر آدم أمامها متجهم الوجه وأقترب منها قائلاً:
"شكراً لما فعلته بالأعلى.. أحياناً أفقد أعصابي فتسوء الأمور.. فراس لم يكن ليغفر لحميد فعلته لو علم بما حدث منه."
هزت رأسها متفهمة فتابع بتثاقل:
"كم أتمنى أن تنتهي هذه الرحلة فقد اكتفيت من تلك الحماقات."
ثم ابتسم ساخراً وقال بنظرات مازحة لزينة:
"منذ بدايتها وهي مليئة بالأحداث المثيرة."
حاولت أن تبتسم له وهي تقول:
"وأنا على رأس هذه الأحداث."
ضحك فاتسعت ابتسامتها وقال:
"لن أنكر ذلك."
ضحكا معاً فتبدد التوتر من داخلهما. تنهد آدم ثم قال بجدية:
"هل تعلمين شيئاً؟"
"ماذا؟"
"وجودك غير كثيراً من ما كنا نعتبره من المسلمات.. جميعنا أصبحنا نسير على جمر من نار.. لم تستوعب تماماً ما كان يقول وعيناه راحت تتأملها بأمعان وتابع بجدية شديدة:
"نعم.. هذا هو.. جمر من نار قد يحرقنا ويحرقك معنا.. أو قد يحرقنا نحن وتسلمين أنت، فقد سبق وسلمت منه من قبل."
تغيرت ابتسامتها لابتسامة قلقة وقالت بحذر:
"أنا لا أفهم.. ماذا تعني؟"
"لا أريد أن أخيفك.. ابقي كما أنت فيكفي ما عايشته.. هذه مشكلتنا نحن.. فالعيب فينا نحن لا فيك أنت."
ثم ربت على وجنتها برقة ثم تركها وانصرف.
وقفت زينة مبهوتة تنظر في أثره تفكر في كلماته الغامضة بقلق.
"أنت.. ماذا حدث هناك بالأعلى؟"
أنتفضت زينة مجفلة فهي لم تشعر بخروج جليلة ووقوفها أمامها. نظرت إليها زينة:
"ماذا؟"
كررت جليلة بنفاذ صبر:
"سألت ما سبب الشجار الذي حدث؟ لقد كنت حاضرة على ما أظن."
يبدو أن جليلة قد فشلت في معرفة ما حدث من الآخرين لهذا اضطرت أن تلجأ إليها. ولكن زينة ما كانت لتخبرها بشيء رفض أصحاب الشأن اطلاعها عليه فقالت بهدوء يغلب عليه الأدب:
"للأسف وصلت متأخرة ولم أفهم حقيقة ما حدث.. فقط ما رأيته هو أنف السيد حميد وهو ينزف."
ضاقت عينا جليلة عليها بغضب وقالت:
"فهمت.. أنت لن تقولي شيئاً.. فربما كنت السبب فيما حدث."
أحمر وجه زينة وقررت أن لا ترد عليها. فتابعت جليلة بحدة:
"منذ ظهورك بيننا والخلافات التي تحدث كلها بسببك أنت.. بداية من تغيير مسار رحلتنا ليتوافق مع ظروفك.. الشقاق الذي حدث بين نيكول وحميد وكاميليا وفراس."
شهقت زينة بأستنكار وأرادت أن تنكر ولكن طلب حميد للزواج منها والذي نسيته عاد إلى ذهنها وجعلها تعود لإغلاق فمها.. ولكن ما علاقتها بكاميليا وفراس؟
تابعت جليلة بحقد:
"وآدم.. أصبح شغله الشاغل أن يحول دون وقوع المشاكل ولكنه لن يحميكي كثيراً فقد فاض بنا الكيل وأنا خاصة فقد أصبحت لا أطيقك لدرجة لا تعلمينها."
ثم ذهبت تدب الأرض بقدميها بغضب.
نظرت زينة حولها بيأس تدعو أن لا يظهر أحد آخر ليزيد من حيرتها وبؤسها وألقاء المزيد من الهموم على رأسها.
رواية ملاك يغوي الشيطان الفصل الخامس عشر 15 - بقلم مايسة ريان
كان العشاء متوترًا تلك الليلة إلى أقصى حد، لدرجة الصمت. حتى زينة وبيدرو تجنبوا الحديث فيما بينهما تماشياً مع الجو السائد.
أنهت زينة تجفيف الأطباق، وكانت تمني نفسها أن تلوز بغرفتها بقية الليل ومعها كتاب، تاركة ذلك الجو المشحون لأصحابه. فبعد بضعة ساعات سيكونون في موناكو، ومن هناك سترحل نيكول إلى فرنسا. وساء زينة أن تكون السبب في فراقهما، برغم أن العلاقة التي كانت بينهما لا يجب أن تحزن لانتهاءها.
حميد سينتظر ردها على طلبه، والذي سيكون بالرفض طبعًا. فهي لم تهرب من شيطان لتلقي بنفسها بين يدي شيطان آخر، يأخذ منها غايته ثم يلقي بها ويبحث عن غيرها، أو على أقل تقدير سيخونها.
"زينة."
كانت في طريقها إلى غرفتها عندما ظهر فراس أمامها وأبتسم لها. فقالت:
"نعم سيد فراس."
"هل لك أن تصنعي لي كوبًا من القهوة الثقيلة؟"
أبتسمت له بأدب، ومن داخلها تشعر بالإحباط.
"حاضر."
أخبرها:
"سأكون بالأعلى."
حضرت زينة القهوة وصعدت إلى السطح، ولكنها لم تجده هناك. فرجحت أن يكون في كابينة القيادة، ولكنها قابلت بيدرو وهو خارجًا منها. وقال لها أنه غير موجود، ونصحها أن تبحث عنه في مؤخرة القارب، فهو عادة ما يحب الجلوس هناك وحده.
وجدته زينة جالسًا في المكان الذي أشار إليه بيدرو، وقد وضع مقعدًا آخر بجواره. وعندما شعر بخطوات زينة تقترب منه، استدار إليها مبتسمًا.
"لقد وجدتني، هذا جيد، فقد خشيت أن لا تفعلي."
ناولته كوب القهوة، فقال وهو يشير إلى المقعد المجاور له:
"أجلسي أرجوك."
رفعت حاجبيها بدهشة، وتلفتت حولها، فقد يكون المقعد محجوزًا لزوجته. فقال وكأنه يعلم فيما تفكر:
"أنا لا أنتظر أحدًا، لقد جئت به من أجلك."
جلست زينة ببطء، وبدأ القلق يعتريها. فهو الوحيد حتى الآن الذي لم يقل لها أشياء تحيرها وتقلقها. فهل حان دوره؟
"هل مازلت مستاءة مما حدث من حميد؟"
أجلت حنجرتها وقالت:
"لا أبداً، لقد اعتذر مني وأنا قبلت اعتذاره، لم يقصد حقًا أن..."
قاطعها بأنفعال غريب:
"بل كان يقصد، أنا أعرفه جيدًا."
تفاجأت زينة بأنفعاله، ونظرت إليه متسعة العينين، فهذه أول مرة تراه عصبياً هكذا. وتابع بنفس الحدة:
"لقد رأيت نظراته التي لم تفارقك طوال الوقت، أنه ينوي شيئًا وأنا لن أسمح له بمضايقتك. أنه يسعى للتخلص من صديقته ويبحث فيك عن بديل لها، وإن كان آدم لم يستطع أن يوقفه عند حده، فأنا من سيفعل."
هبط قلب زينة بين قدميها، وتأوهت من داخلها خائفة مما هو آت. فوجدت نفسها تقول:
"لقد طلب مني الزواج."
حدق بها فراس بذهول للحظات، وقد احتقن وجهه بشدة، ثم قال بعدم تصديق غاضب:
"ماذا فعل؟ زواج؟ هل جن لكي يتلاعب بك بهذا الشكل؟ أنا لن أسمح له بأن يفعل."
ثم وقف على قدميه بحدة، ووقفت زينة وقد أسقط في يدها. أرادت أن تمنعه عن قول ما شعرت بأنه سيقوله، أياً ما كان، فقد كانت لا تستبشر خيرًا، فهو رجل متزوج من امرأتين. ولكن فكرتها قد جاءت بعكس ما تمنت، فقالت بسرعة:
"ولكني لن أقبل بالطبع."
توقف فراس ونظر إليها متمعنًا، وسألها بشك:
"حقًا سترفضين؟"
قالت بجد وهي تنظر إلى عينيه مباشرة:
"بالطبع سأرفض، أولاً لأنني لا أحبه، وثانياً لأنني لا أسعى أبداً للارتباط برجل مرتبط بامرأة أخرى."
احمر وجه فراس وقال:
"ولكنه انفصل عن نيكول."
"لا فرق عندي، الرجال المرتبطون أو المتزوجون خط أحمر لا أتخطاه أبدًا."
وانتظرت تعليقه كاتمة أنفاسها. فقال بكآبة:
"كاميليا لم تشتكي."
تنهدت زينة بتعب:
"لكل منا شخصيته."
رفع رأسه وقال بصراحة:
"أنا متزوج من أخرى."
"أعلم."
"لا أجعل شيئًا ينقصها أبدًا، كل ما تطلبه مجاب، أي شيء تحتاجه عندها، أنا قادر على إعالة أكثر من زوجة."
"أعلم هذا أيضًا، ولكن ليس هذا كل شيء في الزواج."
لم تكن تريد الخوض في مثل هذا النقاش، وتمنت لو يظهر أحد ليقاطعهما. ولكنه يقف وينتظر أن تتابع:
"قد يكون لديك المال والصحة التي تجعلك قادرًا على إعالة أكثر من زوجة، ولكن هذا لن يجعلك قادرًا على تطيب جراح قلب امرأة جعلته ينزف ألمًا بسبب غدرك به. ماذا يعني لها المال والمنزل الكبير وحبيبها لا يراها تصلح إلا لكي تكون مشروعًا للاستيلاد وخادمة له وللأولاد، في حين يذهب بعيدًا عنها بجسده ومشاعره ويبحث عن المتعة في أحضان غيرها؟ وماذا يعيب حضنها هي؟ أليست إنسانًا تحتاج للشعور بنفس الإحساس؟ وإن كنت لم تحبها ولا تريدها، فلماذا تزوجتها؟"
قال حميد بحنق:
"إنها لم تفهمني أبدًا، وأنت صغيرة لكي تستوعبي شيئًا كهذا."
ردت بحنق مماثل:
"نعم أنا صغيرة ولم أختبر الحياة مثل غيري، ولكن في النهاية وصلت إلى هنا. ولكني لست وحدي هنا، كاميليا ونيكول وجليلة ونبيلة ونجلاء جميعهم هنا، في نفس المنطقة التي أقف فيها الآن. ولكني أقف وحدي في جانب الأمان وهم غارقون في الأوحال. آسفة لأنني ساويت بين كاميليا وجليلة وبين غيرهم، ولكن كما يقول المثل، كل الطرق تؤدي إلى روما. أياً ما كان الطريق الذي نختاره للوصول إلى هدفنا، فهو يؤدي إلى نفس المكان وينظر إلينا بنفس النظرة العرجاء. جميعنا جسد للمتعة."
قال بلهفة:
"لا، أنت مختلفة."
"عنهن نعم، وأنا أفخر بذلك. ولكني لا أختلف شيئًا عن زوجتك الأخرى ولا عن شقيقاتك ولا عن والدتك وبنات جيرانك وعائلتك. لو نظرت جيدًا لرأيت الكثيرين مني في كل مكان، ولكنك ترى الأمر من منظور ضيق. البريق هو ما يخطف بصرك، أنا لست حقًا مميزة بين من هن مثلي."
قال:
"الفتاة التي تقتل لكي تحمي شرفها هي حقًا مميزة."
شحب وجه زينة ونظرت إليه:
"أي فتاة شريفة ستفعل كما فعلت، وستقتل إن اضطرت لهذا لكي تدفع عن نفسها الشر."
أطرق برأسه بحزن:
"أردت أن أكون حاميًا لك."
"ما فعلتموه من أجلي يكفي."
"هل مازلت تحبينه؟"
"من؟"
"ذلك الشاب الذي خدعك."
"لا أستطيع الجزم بأنني كرهته، كما أنني عاجزة عن كراهية أختي كذلك. شعرت بالغضب والقهر منهما، هذا هو وصف إحساسي تجاهه حاليًا. ولكن أحيانًا أتمنى لو يكون بريئًا، ربما أنا في حاجة لذلك حتى لا أكره الدنيا والناس، ولكي أشعر بأن ما زال هناك حب حقيقي وليس فقط غش وخداع."
هز فراس رأسه متفهمًا وقال:
"نعم أفهمك، وأتمنى حقًا أن تجدي من يستحقك ويعوضك."
"شكرًا لك."
قال محاولاً المزاح:
"سأذهب لأنام، كاميليا كانت تعاني صداعًا نصفيًا، أخذت مسكنًا ونامت مبكرًا. تصبحين على خير، فغدًا لدينا موناكو."
أبتسمت له وهي تشعر بالراحة لانتهاء الأمر.
"تصبح على خير."
ها قد تخلصت من إحدى العقبات، ولم يتبق أمامها إلا حميد، وعندما يطلب سماع ردها. حملت كوب القهوة الذي تركه فراس على الأرض، وعادت إلى داخل القارب، وتركته في المطبخ وذهبت إلى غرفتها مباشرة.
ظنت زينة أنها ستسقط في النوم سريعًا، لأنها قد استيقظت مبكرًا، وما حدث تلك الليلة أنهكها نفسيًا. ولكنها لم تستطع فعل شيء سوى التقلب في الفراش بعدم راحة. وكانت الساعة قد تجاوزت منتصف الليل بساعتين على الأقل، عندما سمعت صوت طرقات على باب غرفة آدم. كتمت أنفاسها وأرهفت السمع. توقفت الخبطات للحظات ثم تعالت من جديد. أبتسمت زينة بحقد. إنها جليلة بالتأكيد، ويبدو أن آدم يرفض أن يجعلها تدخل إلى غرفته. وتمتمت زينة بتشفي:
"أحسن، تستحقين ما يحدث لك أيتها الوقحة عديمة الأخلاق."
وقفت عن الفراش وذهبت إلى الباب ووضعت أذنها عليه تستمع بطرب إلى خطوات جليلة وهي تبتعد. لم تجرؤ على الإلحاح عليه خوفًا من أن يسمعها أحد، وخاصة زينة. وعندما اطمأنت إلى رحيلها، فتحت الباب وخرجت راغبة في صنع كوب من اللبن الدافئ قد يساعدها على النوم. مرت من أمام باب غرفة آدم في نفس اللحظة التي فتح فيها بابه ووجدها أمامه. توقفت ونظر هو إليها بدهشة. كان النور خافتًا، فأخفى احمرار وجهها.
"زينة؟ أهذا أنت؟"
قالت بابتسامة:
"نعم، لم أستطع النوم."
أقترب منها في خطوتين:
"فكرت بأن الطارق شخص آخر لهذا لم أفتح الباب. لو كنت أعلم أنها أنت..."
فتحت فمها لتصحح له الخطأ، ولكنه لم يمهلها الوقت لتفعل، فقد سحقها على الجدار قائلاً بشغف:
"أنا أيضًا لم أستطع النوم، لقد جفاني منذ اليوم الأول الذي سكنت فيه بجواري. كم تمنيت لو تأتين إلي، لا تعرفين كم تمنيت ذلك."
حاولت زينة دفعه عنها، وقد انعقد لسانها من الصدمة. سمع صوت باب يفتح ويغلق، فسحبها إلى داخل غرفته وأغلق الباب بسرعة. فقالت تحاول الشرح:
"لا، ليس أنا من..."
ولكنه وضع كفه على فمها يمنع صوتها عن الخروج، وقال هامسًا وهو يبعدها عن الباب:
"ششش، هناك شخص مستيقظ قد يسمعنا."
تيبس جسدها فزعًا، فقد يكون هذا الشخص جليلة، ولو رأتها هنا لحدثت فضيحة هي في غنى عنها الآن، فهي لا تريد المزيد من التعقيدات. وعاد يهمس:
"تعالي."
سحبها معه إلى الفراش وهي تقاومه بصمت خشية أن يسمعها أحد إن هي صاحت. حاول تمديدها على الفراش، ولكنها تخشبت في جلستها وانكمش جسدها، وقد بدأ الذعر ينتابها. فقال محاولًا تهدئتها بصوت يختلج بالمشاعر:
"أعدك أن لا أؤذيك."
وعندما امتدت يده إلى جسدها يتلمسه، شهقت بصوت عال ودفعته عنها بعنف، فتراجع إلى الخلف ونظر إليها مرتبكًا متأملاً الرعب على وجهها، قائلاً:
"لا تخافي حبيبتي، أنا لن أؤذيك أو أجبرك على شيء لا تريدينه."
تراجعت عنه وراحت تقف ببطء وحذر، وعيناها مترقبتان لأي حركة قد يقوم بها باتجاهها. كان ينظر إليها بحيرة. وعندما أصبحت بعيدة عنه وقريبة من الباب، وظل هو جالسًا مكانه لم يتحرك، فارقها جزء من خوفها. وقالت وجسدها يرتجف من الخوف والغضب معًا:
"لم يكن أنا من طرق بابك، وما كنت لأفعل أبدًا."
شحب وجه آدم. فتابعت وشفتها ترتجف والدموع تهدد بالانهيار من عينيها:
"كنت أرغب فقط في كوب لبن دافئ يساعدني على النوم، ولم أكن أرغب بشيء آخر."
ظل جالسًا في مكانه، وقد أظلم وجهه بنظرة غضب عنيفة، وقال بعد لحظة صمت من بين أسنان مطبقة:
"اذهبي من هنا حالا."
فتحت الباب بسرعة وكأنها كانت تنتظر الإذن منه. عادت إلى غرفتها وأغلقت الباب، ومزيدًا من الحرص دفعت بالطاولة الخشبية الصغيرة وراءه، ومن ثم تركت لدموعها العنان. إنها الآن مضطرة للرحيل. صعب أن تظل بينهم بعد كل ما حدث. ثم فكرت: ما زال هناك عرض زواج حميد.
***
مدينة مونت كارلو بإمارة موناكو هي وجهة الأثرياء ومرسى اليخوت الأشهر في العالم. رأت زينة العشرات، بل المئات من اليخوت والقوارب بكل الأشكال والأحجام، والسفن السياحية التي تبدو كمباني عملاقة تطوف فوق سطح الماء. ورغم فخامة المنظر والخلفية الجبلية المهيبة للمدينة الساحلية، إلا أن زينة لم تكن تشعر بالفرح والحماس كما كانت تفعل عند كل مرفأ ومدينة يقفون عندها. وكذلك كان حال الجميع.
لم يكن أحد يتحدث إلى أحد. الكل صامت ومتجهم ولا يطيقون النظر إلى وجوه بعضهم. ستودعهم زينة قريبًا، كما ودعتهم نيكول منذ ساعة قبل أن تترك القارب بصحبة حميد الذي عرض أن يقوم بتوصيلها بنفسه إلى المطار.
"زينة."
أستدارت مجفلة إلى بيدرو قائلة بحدة لا لزوم لها:
"ماذا؟ ماذا تريد مني؟"
تراجع الشاب مذهولاً وقال:
"أنتِ أيضًا؟ ماذا حدث للجميع؟ لما الكل غاضب هكذا؟"
زفرت زينة وقالت بأعتذار:
"آسفة يا بيدرو."
كانت آسفة حقًا. فبيدرو على علاقة حب مع فتاة إسبانية ويخططان للزواج. إنها العلاقة الصحية والصحيحة الوحيدة التي قابلتها حتى الآن. فسألته:
"ماذا كنت تريد؟"
"كنت سأسألك إن كنت أنهيت ترتيب الغرف."
"آه نعم، لقد أنهيت تنظيفهم."
"هل ستقيمين معهم في الفندق أم ستبقين هنا معي؟"
"لا أعرف، لم يقولوا لي شيئًا بعد."
وهبط قلبها بين ضلوعها وهي تفكر إلى أين سوف تذهب عندما تتركهم. فبعد ما حدث من آدم ليلة أمس، لم يعد بقاؤها محمودًا. وكانت ما زالت مترددة بقبول عرض زواج حميد.
هز بيدرو كتفيه وعاد إلى كابينة القيادة، وعادت زينة لتتأمل المنظر من حولها وتفكر.
***
تم الحجز لهم في فندق الأرميتاج. حاولت زينة الحديث مع آدم لتخبره بأن لا داعي ليحجز لها غرفة، فهي عازمة على الرحيل. ولكنه لم يعطها الفرصة للكلام معه، فقد كان تقريبًا يتجنبها، وكانت هي أيضًا تجد صعوبة شديدة لمجرد النظر إلى وجهه.
ولم يتوقف الإحراج عند آدم وحده، كان هناك فراس أيضًا. صحيح أنه حافظ على ابتسامته الطيبة وتهذيبه معها، ولكنه في نفس الوقت كان متباعدًا ويتجنب الكلام معها بعفوية كعادته. ولم يتبق سوى حميد. ومن حسن حظها لم يعد إلى القارب بعد أن أخذ نيكول إلى المطار، وما سمعته أنه سيلقاهم بالفندق.
كاميليا وجليلة كانت حالتهما متباينة. جليلة كانت هادئة وبدت في حالة تفكير عميق. وكاميليا ما زالت تتحجج بألم رأسها لكي تبرر سبب شحوب وجهها.
تسلم الجميع مفاتيح غرفهم، وسارت زينة إلى المصعد وبيدها حقيبتها الصغيرة، فلم تكن بحاجة لحمال من أجلها.
كانت غرفتها تطل على المرفأ، فجلست على حافة الفراش. وعندما طرق باب غرفتها، نهضت لتفتحه.
"كيف الحال؟"
أحمر وجهها عندما وجدت آدم أمامها وقالت:
"الحمد لله."
"هل ستسمحين لي بالدخول؟"
نظرت إليه بحدة. فقال بتجهم:
"ليس في نيتي أي سوء."
تراجعت لتسمح له بالدخول، وتوجه مباشرة إلى الشرفة. ولحقت به زينة، فأشار لها لتجلس، ثم احتل المقعد المواجه لها، وقال دون مقدمات:
"ما حدث بالأمس كان سوء فهم في منتهى الغباء مني، ما كان يجب أن أتسرع بالاستنتاج. وأنا أعتذر بشدة عن فرض نفسي عليك بتلك الطريقة."
أزداد وجهها احمرارًا وأطرقت برأسها محتارة بماذا يجب أن ترد. فتابع:
"لن أدعي أنني لم أكن في كامل وعيي، ولا أنني لم أكن أقصد كل كلمة قلتها. أنا أردتك حقًا وما زلت أريدك، وسأقبل بجميع مطالبك، وسوف أعطيك كل الوقت الذي تحتاجينه كي تعتادي علي وعلى فكرة أن نكون معًا."
رفعت وجهها إليه وحدقت في وجهه بصدمة، وقالت:
"ما الذي تطلبه مني بالضبط؟ هل هو عرض زواج؟ لقد بدا وكأنه ليس كذلك. أيريد علاقة بدون زواج؟ سيكون شيئًا غريبًا ليصدر عنه، خاصة وهو يعرف جيدًا طريقة تفكيرها."
هزم ما بين حاجبيه وقال بجدية شديدة:
"لا أعرف، دعنا نقول لنبقى معًا كفترة تعارف. فكرة الزواج كنت قد ألغيتها من عقلي منذ زمن، وإعادة التفكير فيها صعب حاليًا، ولكن... ولأكون صريحًا معك، حاجتي إليك قوية وفكرة ابتعادك عني تؤرقني. ربما نزعة الحماية لدي هي التي تدفعني للإحساس هكذا نحوك، ولكن واقعيًا، أجد صعوبة في أن أتركك تبتعدين."
أصبحت الآن في حالة ذهول تام وحيرة شديدة، وقالت وهي تهز رأسها وتسأله بإلحاح:
"ماذا تريد مني؟ أنا لا أفهم."
سحب مقعده إلى الأمام فجأة مقتربًا منها حتى أن ركبتيه لامست ركبتيها، ومد يديه وأمسك بيدها وقال:
"فقط أن تكوني معي. لن أطلب منك شيئًا لا تريدينه، كصديقين مثلاً، ما رأيك؟"
ردت بحذر:
"صديقين؟"
"نعم، وبدون علاقة جسدية إن كنت لا ترغبين بذلك. ليس لديك مكان تذهبين إليه ولا أحد تلجئين إليه، فأبقي معي."
هل تثق به؟ هل تعطيه وتعطي نفسها فرصة ليتعارفا كما يقول؟ هو لم يعرض عليها الزواج كما فعل حميد، وكما لمح له فراس، وكان صريحًا معها كاشفًا أمامها مشاعره بدون كذب أو تصنع. ولكن حميد قدم لها عرضًا حقيقيًا مباشرًا، وكذلك فراس. فما الذي يجعلها تقبل بعلاقة غير واضحة المعالم وترفض الآخران؟ فما حقيقة ما تشعر به تجاهه؟
كان ما زال يحتفظ بيديها بين يديه ويضغط عليها. فنظرت في عينيه مباشرة لأول مرة منذ الأمس، ورأت الترقب في نظراته. إنه مهتم بردها، ويبدو أن موافقتها تعني له الكثير. فقالت، تدفعها ثقة لا تعرف كنهها:
"حسنًا، أقبل."
رمش بعينيه وكأنه تفاجأ من ردها، أو كما لو أنه لم يتوقع موافقتها السريعة على طلبه. ومن ثم أبتسم براحة. وكالعادة، كلما أبتسم تتغير ملامح وجهه القاسية وتأخذ شكلاً جذابًا آثر. وقال:
"شكرًا لقبولك بي ولثقتك في، وأعدك بأنك سوف تكونين معي بأمان ولن أجبرك على شيء أبدًا."
حاول أن يقربها منه لمعانقتها، ولكنها أرجعت رأسها إلى الخلف ورمقته بنظرة قلقة ومتجهمة. فقال ضاحكًا وهو يتراجع:
"حسنًا، لا عناق بدون التزام."
صححت له قائلة بعبوس:
"بل لا عناق بدون زواج."
لم تختف ضحكته كما توقعت، بل اتسعت ولمعت عيناه قائلاً:
"لك ما تريدين."
ثم غمز لها بعينيه مازحًا، ثم وقف وقال:
"سأتركك ترتاحين وسوف أنتظرك بالأسفل لنتناول الغداء معًا."
عبست مترددة. فقال:
"يجب أن تعتادي على فكرة أنك جزء من حياتي وليس مجرد موظفة عندي."
أبتلعت ريقها بصعوبة وقالت:
"وماذا عن الآخرين؟"
قال بقسوة:
"وماذا عنهم؟ لا أحد منهم وصيًا عليك أو علي."
قالت بخفوت:
"وجليلة؟"
"قريبًا سوف تفهم، إن لم تكن قد فهمت حقًا، أن لا وجود لها في حياتي ومنذ سنوات."
ترددت للحظات ثم قالت:
"عندما نقرر الزواج، أو أقصد إذا ما حدث وقررنا ذلك، هل تقوم بخطبتي من أبي؟"
وعندما رأته يعبس قالت:
"سيفرق هذا معي كثيرًا، ما زلت أشعر بالذنب لأنني أتجاهل العائلة التي تبنتني واحتضنتني."
"إنهم يعرفون أنك بخير، ومن مصلحتك عدم التحدث إليهم والتواصل معهم في هذه الفترة، وكما قلت لك، لقد أرسلت من يطمئنهم عنك."
ثم زفر بقوة وقال وهو يرى كآبتها:
"ولكن أعدك أن ألبي لك طلبك عندما يحدث."
رواية ملاك يغوي الشيطان الفصل السادس عشر 16 - بقلم مايسة ريان
أخذ آدم دوره مأخذ الجد منذ البداية ومر عليها في غرفتها كي يصطحبها إلى الغداء برفقة الآخرين.
كانت قد ارتدت سروالها الجينز الوحيد وعليه القميص الأزرق الشاحب الذي سبق وأن أعارتها نيكول إياه ورفضت فيما بعد استرجاعه وأصرت على زينة أن تحتفظ به.
جمعت شعرها ورفعته أعلى رأسها بمشابك الشعر لتعطيه مظهرًا راقيًا تعويضًا عن ملابسها العادية.
بمجرد خروجهما من المصعد قبض آدم على كفها بيده وقربها منه.
تلونت وجنتاها بحمرة الخجل وهما يقتربان من الآخرين وهي تكاد تشعر بنظراتهم الحادة وهي مسلطة عليها وعلى يدها القابعة في يد آدم.
كان المطعم يطل على جبل مونت كارلو وهو أحدى سلاسل جبال الألب ويقع على حافتها.
خصصت لهم مائدة على الشرفة الواسعة وكانت ذات إطلالة مميزة ولكن زينة لم تكن تشعر بالراحة التي تجعلها تستمتع بالمنظر الخلاب أمامها.
فقد حرص آدم على الجلوس في المقعد المجاور لها واضعًا ذراعه معظم الوقت على ظهر مقعدها وكأنه بذلك يعلن للجميع ملكيته لها.
وعندما وجدت الشجاعة للنظر إلى الآخرين رأت أولًا الحزن على وجه فراس والسخرية في عيني كاميليا.
حميد كان غاضبًا يتململ في جلسته وكأنه على وشك الانفجار في أية لحظة.
جليلة كانت غريبة.
توقعت زينة أن تراها غاضبة ولكنها على العكس بدت هادئة ومرحة وهذا أقلقها أكثر.
لم يجرؤ أحد على توجيه الكلام المباشر إلى زينة أو ربما يكون الوضع الجديد مربكًا مما جعلهم حائرون في كيفية التصرف معها.
"حبيبتي؟ الم يعجبك الطعام؟"
كادت زينة أن تشرق وهي تبلع ريقها ونظرت إلى آدم مجفلة ورأته يبتسم لها ببراءة فقالت بتلعثم:
"الطعام جيد شكراً."
قرص وجنتها بتحبب فأشتعل وجهها وألقت نظرة سريعة حولها ووجدت كل العيون تراقبها.
لمعت عينا جليلة بغضب ولكن سرعان ما أخفته ببراعة.
وقد بدا فراس مذهولًا في حين ألقى حميد بشوكته في الطبق ووقف يقول بعصبية:
"لقد اكتفيت."
ثم وقف وتابع بحنق:
"سوف أعود إلى الفندق."
وانصرف كطفل صغير غاضب فابتسم آدم ساخرًا وعاد ليتابع تناول طعامه بهدوء وفتح نقاشًا جادًا مع فراس يخص العمل.
مما أعطى فرصة لزينة لتفكر في الهدف من وراء ما يفعله آدم.
هي ليست غبية لتعتبر تصرفاته معها عفوية.
اصطدمت عيناها للحظات بعيني فراس وقرأ كل منهما نفس الحيرة في عيني الآخر.
***
تركها آدم أخيرًا وحدها وسمح لها بالصعود إلى غرفتها لترتاح قبل سهرة المساء والتي قال أنها ستكون مفاجأة لها.
أخيرًا سترتدي فستان السهرة الجديد.
أخرجته ووضعته على الفراش بحرص شديد ووضعت بجواره حقيبته الصغيرة ثم أخرجت الحذاء الذي كان وجهه عبارة عن شرائط تنتهي برباط فوق الكاحل بقليل.
كانت حقًا سعيدة فقد كان آدم مرحًا وكثير المزاح معها وأولاها كل اهتمامه طوال فترة النهار ولم يترك جانبها أبدًا.
تناولوا العشاء في مطعم الكازينو والتي اكتشفت زينة أنه كازينو للقمار وألعاب الورق.
فسدت سعادتها على الفور فهي تخيلت أنها سترى عروضًا راقصة وغناء لأشهر المغنين العالميين ولم تفكر أنهم ذاهبون للمقامرة.
كما ساءها أن يوضع على مائدتهم شراب النبيذ وقد ظل حميد يتجرع معظمه حتى شكت زينة بأنه أصبح في غير وعيه.
فقد راح يتصرف بوقاحة وينظر إليها نظرات لم ترق لها وخشيت أن يثير غضب آدم ولكنه على العكس كان يبدو في أفضل حالاته المزاجية.
رفضت زينة أن تشارك بالمقامرة رغم أن الجميع فعلوا ما عدا هي وفراس.
وقد عرض عليها آدم فيشات لترَاهن بها ولكنها رفضت ووقفت بعيدًا عنهم تتساءل إن كانت ستتحمل الوزر معهم أم لا.
سوف تتناقش بهذا الأمر مع آدم فيما بعد لتضع حدودًا لما هو مسموح لها بالمشاركة به معهم.
فوجأت زينة بشخص يسحبها من ذراعها ويسير بها بعيدًا عن الآخرين.
ولم تستغرب عندما وجدت أنه حميد فقالت بهدوء وهي تسير بجواره بسرعة جعلتها تلهث:
"لا يجب أن نبتعد عنهم."
قال بغيظ:
"هل تخافين من اغضابه.. هل يخيفك أنتِ أيضًا؟"
كانا قد وصلا إلى مدخل الكازينو فوقفت بعناد وجذبت ذراعها من يده وقالت:
"أنت في غير وعيك."
قال بحنق:
"أنتِ من دفعتني لذلك."
رقت نظراتها وقالت:
"أرجوك لا داعي لأن نتتشاجر."
رقت نظراته بالمثل وقال:
"لماذا هو وليس أنا؟ لقد قدمت عرضي أولًا."
قالت بتوتر:
"وما أدراك بذلك؟"
صاح بغضب:
"اللعنة عليه.. لأنني أطلعته على نواياي تجاهك قبل أن أفاتحك بالأمر.. وأتعلمين ماذا قال؟"
بهت وجه زينة وهو يتابع:
"قال أنك لا تستحقين حتى مجرد نظرة من رجل مثلي وطلب مني أن أتركك وشأنك وأبحث عن من تليق بي حقًا.. ولكن انظري ماذا فعل.. التفت من ورائي ليأخذك لنفسه.. حتى فراس لم يصدق ما فعله فقد كانت نيته كما أخبره أن يرسلك إلى أمه لتعملي كمرافقة لها بعد أن تنتهي الرحلة.. لم يحسسنا ولو لمرة أنه يهتم لك ويرى أنك جديرة بأحدنا."
أصبحت أطرافها باردة وأنتابها إحساس بالغثيان.
هل خدعها ليبعد صديقه عنها؟
ألَا تنتهي سلسلة الخداع التي تعيشها مع كل شخص توليه ثقتها وتفتح له قلبها؟
أما من نهاية لسذاجتها وغبائها؟!!!!!!!!!!!!
رأته قادمًا باتجاههما بخطوات سريعة وغاضبة فأبتلعت ريقها وأجلت حنجرتها ورسمت ابتسامة على شفتيها فقال وهو ينقل نظراته بينهما بحدة:
"ماذا تفعلان هنا؟"
قال حميد بتحدي وهو تقريبًا يترنح:
"كان لي طلب عند زينة وأردت معرفة ردها عليه.. هل لديك مانع؟"
ضم آدم شفتيه بقوة دليلًا على ضيقه ثم نظر إلى زينة وقال بجفاء:
"وهل أعطيته ردك؟"
نظرت إليه بهدوء وقالت:
"كنت على وشك فعل ذلك؟"
يبدو أن طريقتها لم تعجبه فقد عقد حاجبيه ووقف متوترًا وقال:
"حسنًا.. هيا أخبريه بردك."
للحظات أرادت أن تسحب البساط من تحت قدميه وتعلمه درسًا يجعله يبتلع غطرسته تلك إلى الأبد وذلك بالموافقة على الزواج من حميد.
ولكنها لا تستطيع فعل ذلك.
فسوف تكون عاجزة عن الاستمرار في تحديها وأن تصبح مخادعة مثله وتؤذي مشاعر حميد ويكفي ما أحدثته من فوضى في حياتهم.
فنظرت إلى حميد وقالت بحزن:
"آسفة حقًا أن أرفض عرضك الذي شرفتني به.. لقد كان الشيء الوحيد الحقيقي والصادق الذي قيل لي منذ زمن.. شكرًا لك."
ورغمًا عنها امتلأت عيناها بالدموع.
التوى وجه حميد بمرارة ونظر إلى آدم وقال:
"أرجو أن تكون سعيدًا الآن."
لقد لمحت وجه آدم وهي تعلن رفضها لحميد وكانت الراحة والرضا جليان على وجهه.
ولكن نظراته احتَدت وهي تنهي جملتها فهل فهم أنها تعرف بأنه لم يكن صادقًا معها؟
تابع حميد بتعب:
"سوف أذهب لأجرب حظي مع إحدى موائد الروليت ما دام لم يعد لي حظ مع النساء هذه الأيام."
ثم تركهما وعاد إلى داخل الكازينو.
قال آدم:
"هيا بنا نعود إلى الآخرين."
قالت زينة وقد شعرت بصدرها يضيق منه ومن المكان:
"ألا يمكن أن أعود إلى الفندق فالجو هنا ليس لي ولا يناسبني."
عبس بشدة وكأنه ضجر منها فجأة:
"حسنًا.. هل تستطيعين العودة بمفردك؟"
غامت عيناها بحزن وقالت بسخرية مرة قد لا يكون قد انتبه إليها:
"نعم أستطيع.. لا تقلق بشأني."
خرجت من الكازينو ولم تنظر خلفها لترى إن كان يتابعها بنظره أم أنه عاد إلى الداخل راضيًا عن نفسه لأنه تخلص منها أخيرًا.
حتى البكاء لم يعد يجدي نفعًا.
قلبها كان يتألم وسألت نفسها بمرارة.
منذ متى تعلق قلبها بآدم؟
كانت تنظر إليه على أنه مجرد وسيلة للأمان تعلقت بها.
وكان الوحيد بين الثلاثة غير مرتبط فلم تشعر بأنها تغدر بامرأة أخرى عندما وافقت أن ترتبط به.
يا لغبائها.
عن أي ارتباط تتحدث؟
لقد صاغ لها بضعة كلمات تاه عقلها بين حروفهم ولم تخرج في نهاية اتفاقهما بشيء واضح ومفهوم إلا بكلمتين ( نصبح أصدقاء ).
لا وعد حقيقي بالزواج ولا تصريح جاد بأن ما يشعر به تجاهها هو حب صادق وحقيقي.
قال أنه يريدها ولا يتحمل فراقها وأتضح لها أنه يفعل ذلك ليبعد صديقيه عنها.
كانت تستطيع أخذ سيارة أجرة إلى الفندق ولكنها فضلت المشي قليلًا وحدها.
يجب أن تعتاد على الوحدة.
أن تسير دون قلق من الناس والخوف من الأماكن الغريبة.
وفجأة انفجرت في البكاء من دون سابق إنذار وهي مستمرة بالسير.
لا ترى من خلف ضباب الدموع نظرات الناس المستغربة إليها.
بدت في عيونهم كطفل تائه من والديه ويثير الشفقة.
توقفت بعد فترة عن المشي وعن النحيب وجففت دموعها بطرف حاشية ثوبها ولم تبالي لاتساخه فقد كرهته ولم تعد معجبة به.
حتى أن آدم لم يمتدحه ولم يقل لها أنها رائعة فيه كما تمنت أن تسمعه يقول.
نفخت فيه أنفها أيضًا وعندما رفعت رأسها وجدت زوجين عجوزين ينظران إليها باشمئزاز فرفعت رأسها بتكبر ومرت من أمامهما غير مبالية.
وجدت نفسها أمام واجهة محل يبيع المثلجات ودون تفكير دفعت الباب ودخلت.
وأمام واجهة العرض طلبت من البائع أن يعطيها أكبر قطعة مثلجات لديه.
نظر إليها البائع بابتسامة وكان رجلاً أنيقًا متوسط العمر وقال بالفرنسية مازحًا:
"الآيس كريم يساعد على حل المشاكل العاطفية."
ابتسمت له بوجهها الملطخ بالزينة:
"نعم ربما يفعل."
"بأي نكهة تريدينه؟"
"من كل شيء ما عدا الليمون.. وأكثر من الشيكولا."
خرجت من المحل وأستأنفت السير من جديد وهي تلعق الآيس كريم وكان طعمه لذيذًا وباردًا جدًا وقد هدأ من بؤسها قليلًا.
وصلت إلى إحدى الساحات وكان يتجمع فيها مجموعات من الشباب والسياح يمرحون ويتمازحون فجلست بجوار مجموعة منهم يغنون يصاحبهم شخص يعزف على الجيتار وقررت أن تتفاعل معهم وتمرح مثلهم وتترك الكآبة والغم لما بعد.
ناولتها فتاة كانت تجلس بجوارها منديلًا ورقيًا وأشارت إلى وجهها بإشارة ذات مغزى.
ابتسمت لها زينة وراحت تنظف وجهها وراقبتها الفتاة وما أن انتهت حتى رفعت لها إبهامها علامة إعجاب وعادت الفتاة لتلحق باللحن مع أصدقائها وزينة تصفق بمرح وتضحك دون سبب.
مر الوقت على زينة وهي لا تراقبه وبدأت الأعداد تتضاءل من حولها فشعرت أنها تأخرت وقد حان موعد عودتها إلى الفندق.
وما أن وقفت وبدأت في توديع رفقائها حتى سمعت صوتًا يصيح وهو يتجه نحوها:
"زينة."
رفعت وجهها بدهشة لتجد فراس يسرع الخطى نحوها ووجهه شاحب من القلق فقالت:
"ماذا؟"
قال معاتبًا:
"كنا نبحث عنك منذ ساعات وكنا نظن أن مكروهًا ما قد حدث لك.. وآدم يكاد يجن من شدة القلق."
عند ذكره لآدم قست نظراتها وسألته بعدم اهتمام:
"وهل عدتم مبكرًا من الكازينو؟"
"لا.. اتصل آدم بغرفتك في الفندق ليطمئن إلى أنك وصلت بأمان وعندما لم تجيبي لعدة مرات عاد إلى الفندق وحده ولم يجدك هناك.. اتصل بي وخرجت للبحث عنك معه وتركت كاميليا وجليلة بصحبة حميد الذي كان تقريبًا فاقدًا للوعي من كثرة الشرب."
"لا داعي لقلقكم.. لم أجد في نفسي رغبة للعودة إلى الفندق مبكرًا فتمشيت قليلًا وجلست هنا مع الشباب."
"حسنًا.. دعنا أولًا نطمئن الجميع إلى أنك بخير."
وخلال ذلك كان قد أخرج هاتفه المحمول وتحدث إلى آدم وزينة تفكر ساخرة.
لا يمكن أن يكون قلقًا عليها حقًا وإنما يقوم بالتمثيل لإقناع أصدقائه باهتمامه بها.
وهنا تذكرت ذلك اليوم في ميلانو والذي غادروا فيه الفندق وتركوه خلفهم وكيف تخلف آدم عن الرحلة وعاد ليبحث عنها.
وقتها شعرت بأنه يهتم بها حقًا ويخاف عليها وأثبت لها ذلك ببحثه عن والدها وطمأنته عليها وشعرت تجاهه حينها بعاطفة قوية.
لم تحللها ولكنها أعطتها شعورًا بالأمان وبأن هناك من تستطيع الاتكال عليه وأنها ليست وحيدة.
فما الذي حدث؟
قال فراس قاطعًا عليها أفكارها:
"هيا بنا."
سارت بجوار فراس وأمام الرصيف كانت سيارة أودي بيضاء تقف ونزل منها آدم ورأت وجهه عاصفًا من الغضب فأنكمش جسدها رغما عنها من الخوف وتعلقت بذراع فراس بشدة.
ربت فراس على يدها الممسكة بذراعه يطمئنها.
وجاء صوت آدم هادرًا:
"أين كنت؟ ولماذا لم تعودي إلى الفندق كما قلت؟"
أصبحت بين ذراعي فراس دون أن تدري كيف وهو يضمها إليه ويصيح في وجه آدم:
"توقف عن إرهابها.. كانت تقضي وقتًا ممتعًا وهذا من حقها وإن كنت تهتم لأعطيتها هاتفًا حتى تستطيع الاتصال بها."
تحول غضب آدم إلى فراس وهو ينظر إلى ذراعيه التي تحاوطها وتضمها إليه:
"لا تتدخل أنت."
ثم جذب زينة من بين ذراعيه بقوة مما جعلها تصطدم بصدره بعنف وظنت للحظات أن فراس سيجذبها منه بدوره ولكنه بدل من ذلك ضم قبضتيه بشدة وقال بحدة:
"للمرة الألف أقولها لك.. يومًا ما سيجعلك غضبك هذا تخسر الكثير."
لم يقل آدم شيئًا واستدار فراس وانصرف غاضبًا وبدلا من أن يستقل سيارة الأودي التي جاء بها آدم رأيته يشير إلى سيارة أجرة ويستقلها ويذهب.
"لقد كاد أن يقع في حبك."
نظرت زينة إلى آدم بحدة ووجدته ينظر إليها بحنق وتابع:
"كما هو حميد عبدًا لشهواته فإن فراس عبدًا لقلبه.. كلاهما لا يعملان عقليهما ويتركان المشاعر تقودهما. لا أستطيع أن أحصي عدد المرات التي وقع فيها فراس في الحب لدرجة دفعته مرة للأقدام على الانتحار عندما كان مراهقًا. وحميد يدخل في علاقة وأكثر مع أكثر من امرأة ويتخيل أنه سيخسر الكون إن لم يحصل عليها."
سألته بصوت مرتجف بائس:
"وأنت؟"
أمال رأسه إلى جانب واحد ونظر إليها بغموض:
"أنا؟ أنا لا أعتبر أن لي قلبًا غير ذاك الذي يضخ دمي في شراييني.. قد
رواية ملاك يغوي الشيطان الفصل السابع عشر 17 - بقلم مايسة ريان
استيقظت زينة في اليوم التالي مبكرًا. وعند الظهر، كان قد أصابها الملل، فقررت أن تذهب إلى القارب فقد اشتاقت إليه وسوف تتناول الغداء مع بيدرو. ومن هناك، سوف تتصل بآدم ليعرف بمكانها حتى لا يحدث مثلما حدث بالأمس.
سارت مسافة طويلة حتى وصلت إلى المرفأ، وعبرت الطريق إلى رصيف الميناء. وقفت حائرة تدور بعينيها على طول الرصيف واليخوت العملاقة متراصة في صفوف على حسب أحجامها. وتذكرت أن قاربهم يقف في الصف الخلفي. سوف تراه بسهولة وتستطيع تمييزه، فهو مميز.
شقت طريقها إلى عمق المرفأ ولمحت الصواري العالية لمجموعة من القوارب الشراعية. فدارت حول مرسى اليخوت الصغيرة إلى اليسار ورأت القارب واقفًا بين قاربين شراعيين آخرين.
كان بيدرو يقف عند المؤخرة يتحدث إلى أحد أصحاب القارب المجاور لهم. فصرخت زينة باسمه، فاستدار ومال على الحاجز وابتسم لها بترحاب قائلاً:
– مرحبا بالأنسة المرفهة نزيلة الفنادق الفخمة.
قالت ضاحكة:
– مرحبا بالبحار الحقود.
– ما الذي جاء بك؟
– ساعدني أولاً على الصعود، ومن ثم أخبرك.
نزل بيدرو السلم ومد يده لزينة التي قفزت وتعلقت بيده حتى استقرت قدماها على الدرج. وتبعت بيدرو إلى الأعلى.
قال بيدرو بسخرية مازحًا:
– يبدو أن البقاء في غرف الفنادق الفخمة لا يروق للبعض.
– هذا لأنني لم أعتد على تلك الرفاهية.. أعتدت على العمل في الفنادق وليس العيش فيها.
سألته ومعدتها تقرقر من الجوع، فهي لم تتناول طعام الإفطار:
– هل تناولت غداءك؟
قال لها من وراء ظهره:
– كنت على وشك تحضيره للجميع.
توقفت زينة بغتة وسألته:
– ومن الجميع؟ هل يوجد أحد غيرك هنا؟
توقف واستدار إليها:
– ألم أقل لك منذ قليل أن غرف الفنادق الفخمة لا يروق للبعض؟ سيد آدم هنا. جاء بالأمس في وقت متأخر، ولحقت به الأميرة جليلة. وأويا إلى الفراش بعد الفجر واستيقظا منذ قليل.
شحب وجه زينة وهاجمها شعور مر من الغيرة. من حسن حظها أن بيدرو مشى بعد أن ألقى بقنبلته في وجهها ولم يرى تأثير ذلك على وجهها. أرادت العودة من حيث جاءت، فهي لا تعرف كيف ستواجههما. لقد قال بيدرو أنهما أويا إلى الفراش ولم يقل ذهب كل منهم إلى فراشه منفرداً.
أرتعشت شفتها السفلى وصعدت الدموع إلى عينيها، ولكنها دعت أنفها بقوة وأبتلعت ريقها وصممت أن لا تبكي. لا يجب أن تحبه وهو ليس ملكاً لها لتغار عليه، ولم يعدها بشيء جاد حتى تحاسبه.
وقفت في المطبخ تعمل بحماس زائد في تحضير الطعام، وقد طلبت من بيدرو أن يتركها تقوم بالعمل وحدها.
خرجت جليلة من جناح غرف النوم تتهادى في ثوب سباحتها وفوقه مئزر خفيف. ووقفت متفاجئة من رؤيتها لزينة، وسرعان ما اشتعل الغضب على وجهها وقالت:
– ما الذي تفعلينه هنا؟
ردت زينة ببرود تداري غيظها وحقدها وهي مستمرة بعملها:
– أحضر الطعام.
أقتربت منها جليلة بشراسة:
– لا تتذاكي علي.. سألتك، ماذا تفعلين في القارب ولست في غرفتك بالفندق؟
ردت بتحدي:
– أستطيع أن أكون في أي مكان أريده، لا شأن لك بي.
– هل تعتقدين حقاً أنك ذو شأن؟ أنت مجرد دمية سيلهو بها ويتركك عندما يمل منك.
كان الغضب قد استبد بها، وهاجمت جليلة قائلة بوقاحة يدفعها إليها حقدها على تلك الأميرة الجميلة:
– لا أعرف ماذا تعنين.. ولكني متأكدة من أنني لست متاحة لتسلية أحد، فأنا لست مثلك.
شهقت جليلة بقوة واقتربت من البار ورفعت يدها ترغب في صفع زينة وهي تقول بغضب شديد:
– كيف تجرؤين على إهانتي أيتها الخادمة الوقحة.
كانت زينة مستعدة لها، وأرجعت رأسها إلى الخلف، وأمسكت بمعصم جليلة ودفعت يدها بعيداً عنها بقوة جعلتها تترنح إلى الخلف. فوقفت جليلة تنظر إلى زينة وقد جن جنونها، وكانت تهم بمعاودة الهجوم لولا أن ظهر آدم نازلاً من أعلى الدرج ونقل نظراته بينهما بحدة، وكانت كلتاهما تقفان بتحفز غاضب في مواجهة الأخرى. فقال ببطء وقد ضاقت عيناه:
– ما الذي يحدث؟
أستدارت إليه جليلة في حين رفضت زينة النظر إليه. قالت جليلة:
– لقد أهانتني تلك الخادمة.
ضمت زينة شفتيها بقوة تمنع نفسها من الرد عليها. تقدم آدم إلى الداخل ووقف بينهما وقال بهدوء موجهاً كلامه إلى جليلة:
– لنوضح شيئاً أولاً.. زينة ليست خادمة، إنها صديقتي.
رفعت زينة وجهها إليه بدهشة، في حين اتسعت عينا جليلة. وهو يتابع موجهاً كلامه هذه المرة إلى زينة:
– ماذا حدث؟
قالت بتمرد:
– هي من بدأت بإهانتي أولاً، فأجبتها بما تستحقه.
صرخت جليلة ثائرة:
– أرأيت؟ أرأيت وقاحتها؟
رد آدم ببرود:
– ما فهمته أن كلاكما قامت بإهانة الأخرى.. وهذا عادل.
تعاظم غضب جليلة:
– هل جننت لتساوي بيني وبين تلك الـ..
قاطعها آدم بحدة:
– هذا يكفي.. إذا كنت ترينها أقل منك شأناً، كنت ترفعت عن الوقوف أمامها ومجادلتها، فلا أظن أنها ستسعى إلى الشجار معك دون سبب.
شهقت جليلة ساخرة بغضب:
– ومن قال أن ليس هناك سبب.. ماذا في رأيك أتى بها إلى هنا إن لم تكن تطاردك؟ وعندما وجدتني معك غضبت وغارت.
احمر وجه زينة بشدة وأطرقت برأسها، لا تريد النظر إليه. وبعد لحظات من الصمت قال بصوت هادئ:
– تعالي معي.
رفعت زينة رأسها إليه وندمت لأنها فعلت. فقد كان يطلب ذلك من جليلة وليس منها، والتي أصبح وجهها شاحباً ومتألماً وكأنها تعاني من ألم ما.
راقبتهما زينة بحزن وهما يصعدان إلى السطح. وآدم يضع ذراعه على كتفها ويضمها إليه برقة.
عضت زينة على شفتيها بمرارة. ففي لحظة يعطيها الأمل، وفي الأخرى يأخذه منها ويظهر لها عدم اهتمامه بها.
خرجت من المطبخ وتوجهت إلى أجنحة النوم بخطوات مصممة. شئ واحد تريد التأكد منه أولاً. ذهبت أولاً إلى غرفة جليلة ووجدت الفراش غير مرتب والغطاء يتدلى بالكامل على الأرض. لم تلاحظ إلا الآن أنها كانت تكتم أنفاسها. فاستدارت تاركة الباب مفتوحاً وتوجهت إلى الجناح الذي يضم حجرة نوم آدم. وترددت بقلب خافق ويدها على ماسكة الباب، ثم أدارتها ودفعته.
تقدمت إلى داخل الغرفة ووقفت تنظر إلى الفراش المرتب والذي لم يمس منذ آخر مرة رتبته. فهذه طريقتها هي في طي الغطاء. اشتعلت النيران في رأسها وصدرها وامتلأت عيناها بالدموع. آدم لم ينم في حجرته، وهناك حجرة واحدة فقط قد تم استخدامها ليلة أمس.
لم تدري كم من الوقت قد مر عليها وهي في هذا البؤس عاجزة حتى عن الحركة.
– هل أنت في انتظاري حبيبتي؟
جاء صوته ساخراً ومرحاً من خلفها. فجزت على أسنانها وحل الغضب محل الحزن والأسى. وراحت تنعته في سرها بكل الألفاظ النابية التي تعرفها. استدارت إليه ورأسها شامخاً:
– جئت لترتيب الغرفة.
ألتوت شفتيه بتسلية:
– ولكنها لا تحتاج إلى ترتيب.
قالت بمرارة:
– نعم.. إنها لا تحتاج إلى ترتيب لأنك لم تنم فيها ليلة أمس.
رفع حاجبيه بدهشة ثم انفجر ضاحكاً بشدة:
– أهاه.. أنت تغارين بالفعل كما قالت جليلة.
شعرت بالغيظ من استخفافه بمشاعرها وقالت بحدة ودموع الغضب والقهر تلمع في عينيها:
– أنا لا أغار.. وبمناسبة جليلة.. ألا تخشى أن تأتي حبيبتك وترانا معاً فتغضب.
راح يقترب منها ببطء وقال:
– أنها ليست هنا.. لقد أرسلتها إلى الفندق بصحبة بيدرو. على ما استوعبت ما كان يقول كان قد أصبح يبعد عنها بضعة سنتيمترات فقط وهو يتابع بعبث:
– نحن وحدنا الآن.. ما رأيك؟
وكان يمد يده نحوها. وبرد فعل غريزي ضربت يده بقوة وانتفضت مبتعدة عنه. ووصلت بطريقة ما إلى طاولة الزينة وحملت زجاجة عطر بيدها وقالت بشراسة وهي تواجهه:
– إن حاولت الاقتراب مني سأضربك بهذه في رأسك.
ضحك باستخفاف وهو يعاود التقدم بثقة. فطارت زجاجة العطر من يدها بقوة تجاهه دون سابق إنذار، ولكنه بسرعة مال برأسه بحدة في الوقت المناسب فمرت بجانب رأسه تماماً.
توقف ونظر إليها وقد ضاقت عيناه عليها بحدة وحذر. وكانت قد تناولت زجاجة أخرى أكبر حجماً وقالت بانفعال:
– هذه المرة لن أخطئ التصويب إن فكرت في الاقتراب مني.
لدهشتها ضحك بمرح وقال:
– حسنا.. لن أقترب.. أتركي ما بيدك ولنتحدث.
قالت بغضب:
– في ماذا تريد أن نتحدث؟
زفر بقوة ورد عليها بجدية:
– أنا لم أنم مع جليلة.. فرغبتي بها ماتت منذ سنوات، وحميد ما كان ليسمح لها بالتواجد هنا إن كان يشك في أن لدي هذه النية. لقد قضيت ليلتي نائماً على الأريكة في كابينة القيادة، وأسألي بيدرو وسوف يؤكد لك كلامي.
– ولماذا لم تنم في غرفتك؟
– بصراحة.. منعاً للفتنة كما يقولون، فقد فاجأتني بوجودها ليلة أمس.
– ولكن في تلك الليلة عندما توقفنا في باليرمو كنت تغازلها أمام عيني وكان واضحاً أنكما..
قاطعه ضاحكاً:
– هل ستصدقين لو قلت أنني فعلت ذلك فقط لمضايقتك؟ لم أفهم دوافعي، ولكنني وجدت احمرار وجهك مسلياً حينها.
هبطت يدها إلى جانبها ببطء وهي تفكر. هل تصدقه أم لا؟ بدا صادقاً وهو كذلك، مغروراً لدرجة لا تجعله يبرر تصرفاته ويكذب كي يرضي أحداً، وخاصة هي بالتأكيد.
سألته بهدوء:
– ولماذا تركت الفندق وجئت إلى هنا.. ماذا حدث؟
زفر بقوة مرة أخرى وقال بضجر:
– الكثير من الشجار والقلق جعل خلقي يضيق، فجأت إلى هنا لتستريح أعصابي.
سألته ساخرة وهي تفكر في جليلة:
– وهل ارتاحت أعصابك؟
ضحك مرة أخرى وقد فهم مغزى سؤالها وأنها تقصد سهره مع جليلة الجميلة:
– لا لم يحدث، وبالكاد استطعت التخلص منها قرب الفجر.
بالكاد استطاعت أن تمنع ابتسامة واسعة من أن ترتسم على شفتيها، ولكنها لم تخفيها بشكل كامل. فمد يده وقال:
– تعالي إلى هنا.
سألته وقد عادت إلى حذرها:
– ماذا تريد؟
– أنا جائع وكنت أظن أنك أنهيت الغداء، ولكني لم أجدك في المطبخ فجأت للبحث عنك.. أرأيت؟ نيتي كانت سليمة جداً.
ولكنها لم تتخل عن حذرها إلا عندما فتح الباب ووقف خارجه، ثم تبعته.
****
قضيا بقية النهار على متن القارب، وسعدت زينة بالبقاء بصحبة آدم وبيدرو بعد أن انجلى سوء التفاهم الذي حدث بينهما. وفي نهاية اليوم حضر فراس وكانوا جالسين على السطح. وحيا زينة وبيدرو، ثم نظر إلى آدم وقد تجهم وجهه. فشعرت زينة وبيدرو بالتوتر الذي ساد بينهما وقررا التصرف بتهذيب وتركهما بمفردهما ليتصافيا.
جلس فراس على المقعد الذي تركته زينة وقال:
– هل سيظل الوضع بيننا هكذا لوقت طويل؟
رد آدم:
– أنا لست غاضباً من أحد.
– نعم.. أنت لا تغضب من أحد، ولكنك تتصرف طوال الوقت كوصي علينا جميعاً.
– أنا لا أقصد أن أتنمر على أي منكم، ولكن تصرفاتكم أحياناً ما تثير حنقي.
عقد فراس حاجبيه:
– لو بخصوص زينة، فقد أبعدتها عن تفكيري بمجرد أن أدركت أنها أصبحت تخصك. وحميد أنت تعرفه جيداً.. سياخذ وقته وسينسى عندما يجد فتاة أخرى.
تململ آدم بضيق وقال بعصبية:
– أكره أن تتحدثا عنها وكأنها غنيمة حرب نتنافس على من يستحقها أكثر من الآخر.
ابتسم فراس نصف ابتسامة وقال:
– لأول مرة أراك تخشى على مشاعر امرأة بهذا الشكل.. فهل أحببتها؟
رد بضيق:
– عن أي حب تتحدث؟ كل ما هنالك أنني أراها في حاجة إلى الرعاية.
وعندما لاحظ نظرة فراس الساخرة إليه تابع:
– لا أنكر أنها تعجبني لنفس الأسباب التي جعلتك تعجب بها، وكذلك حميد. وإن كنت سأفكر بالارتباط لن أجد من هي جديرة بذلك مثلها، وأيضاً لنفس الأسباب.
وروى له ضاحكاً محاولتها فتح رأسه بزجاجة العطر عندما اعتقدت أنه سيهاجمها.
اتسعت ابتسامة فراس وقال بنظرات شاردة:
– أروى.. زوجتي في الديار كانت مثلها. عندما خطبتها وجلسنا معاً لأول مرة بمفردنا.. أردت أن أتودد إليها ولم أتوقع ما أقدمت عليه عندما تجرأت وأمسكت بيدها وحاولت تقبيل وجنتها.
تعالت ضحكته وتابع:
– رفستني في قصبة ساقي بقوة رهيبة ونعتتني بعديم الشرف. وتركت منزلهم في ذلك اليوم وأنا أعرج متألماً وكرامتي تنزف. وقد شيعتني نظرات أسرتها بفضول وريبة، حتى أنني خشيت أن تخبرهم بما فعلته فأجد أحذيتهم تتطاير على رأسي وأنا خارج.
ضحك بشدة وشاركه آدم الضحك حتى دمعت عيناه. وتابع فراس بحنين:
– كانت رقيقة كالفراشة، ولكنها كانت تصبح شرسة وتتحول إلى تنين مجنح عندما أتمادى معها.
– وهل تغيرت من بعد الزواج؟
هز فراس رأسه واحتارت نظرات عيناه وقال بعد تفكير:
– ربما لم تتغير هي.. أنا من تغيرت.. أو ما أعنيه هو أنني أنجزت مهمة قد كلفت بها وأصبح لي بيت وزوجة تنجب لي الأطفال، وعدت أمارس حياتي كما اعتدت أن أمارسها.
ساد الصمت بينهما لبعض الوقت حتى قطعه فراس:
– حميد في حالة ضيق.. تعلم أنه لا يصبر على الخصام. ما رأيك لو نقضي الليلة من دون النساء ونستمتع بليلة رجالية خالصة ونتصافى؟
وافقه آدم وقد استحسن الفكرة، فقد اعتاد ثلاثتهم على قضاء تلك الإجازة وحدهم منذ سنوات.
****
عادت زينة بصحبة آدم وفراس إلى الفندق. وعرفت من حديثهم أنهم سيقضون الليلة وحدهم بدون السيدات. وقد قال لها آدم وهو يتركها أمام باب غرفتها أنه لا يحبذ فكرة خروجها وحدها، وأنها تستطيع طلب طعام العشاء في حجرتها أو تناوله في مطعم الفندق لو أرادت، ولكن لا يجب أن تبتعد عن الفندق. لم تجادله لأنها كانت متعبة ولم تنم جيداً ليلة أمس واستيقظت مبكراً.
في التاسعة والنصف كانت قد أنهت عشاءها وصعدت إلى فراشها. وسرعان ما راحت في نوم سريع وخالٍ من الأحلام.
****
قال فراس بحماس وهو يسير بين آدم وحميد وهم داخلون إلى أحد البارات الملحقة بالكازينو:
– أتعلمان؟ أشعر بالخفة والراحة ونحن بمفردنا هكذا.
ابتسم آدم، فيما ظل حميد متجهماً. وبمجرد أن جلسوا حول البار حتى طلب زجاجة خمر كاملة وصب لنفسه وبدأ يشرب. وقد قرر فراس أن لا ييأس واستمر في الهزر وإطلاق النكات واستدعاء الذكريات التي جمعت بينهم منذ أن كانوا طلاباً بالمدرسة الداخلية ببريطانيا. فقال حميد ساخراً:
– آه.. نعم.. كانت أيام رائعة من أفضل أيامك يا آدم.
زجره آدم بطرف عينيه وهو يعيد كأسه على البار ليستمع إليه. وقد استبشر فراس خيراً لأن حميد قد بدأ يستجيب ويشارك بالكلام معهم.
– كنت تمارس علينا هوايتك المفضلة.. افعلوا ولا تفعلوا.. تحب السيطرة ولا تسمح لنا أن نرفض لك أمراً أو نخالف تعليماتك.
قال فراس بتجهم:
– هذا غير صحيح.. آدم كان يساعدنا ولا تنسى أنه أخرجنا من الكثير من المتاعب.
استمر حميد على سخريته ومط شفته السفلى وقال:
– أمممم… صحيح.. حميد مراهق متهور ويحتاج لمن يضبط سلوكه، وفراس غلبان وطيب ولا يجب أن يترك ليتصرف وحده أو يتخذ قراراً من دون آدم القوي العاقل.. أليس كذلك؟
نهره فراس:
– حميد.. كف عن سخريتك.
قال آدم بهدوء وهو يرفع شرابه إلى فمه:
– أتركه.. أتركه يخرج ما بداخله.
التفت إليه حميد بغضب وقال:
– هل كذبت في شيء؟ هل افتريت عليك بالكلام مثلاً؟ حتى وإن كنا في حاجة إليك حينها.. ماذا عن الآن.. لمَ تصر على ممارسة السيطرة والضغط علينا وكأننا مازلنا أطفالاً في حاجة إلى وصاية؟ لماذا ما زلت تحجر على مشاعرنا وتصرفاتنا وكأنك الوحيد الذي يفهم ووجهات نظرك وحدها هي السليمة ولا تحتاج للنقاش.
قال آدم ببرود:
– ها قد اقتربنا من لب الموضوع.. استمر وهات ما لديك.
قال حميد بحنق وهو يضغط على كأسه بشدة:
– معك حق.. أنا أقصد زينة.. لماذا لا تجعلها تختار بإرادتها الحرة بيننا.
اشتعل وجه آدم بالغضب وقال وفي نبرته لهجة تحذير:
– موضوع زينة انتهى بعد أن أعطتك ردها.
– لقد أرهبتها.
– لا لم أفعل.
– بلى فعلت.. لقد رفضتني لأسباب أعرفها جيداً، ولكني كنت قادراً على إقناعها عندما تدرك من خلال تصرفاتي أنني تغيرت وأنني جاد في شأنها، ولكنك أسرعت واندسست بيننا مستغلاً خوفها وضعفها ولأنها تراك الأنسب لها.. فأنت من بلادها وتتحدث لهجتها، لهذا شعرت نحوك بالانتماء على عكسي أنا وفراس. ولكنك لا تريدها حقاً.. أنت فقط تفعل ما تحب أن تفعله دائماً.. أن تسيطر ولا تجعل شيئاً يتسرب من بين يديك.
تدخل فراس محاولاً تهدئة الأمر:
– هذا يكفي.. زينة وحدها من حقها أن تختار.
نظر إليه حميد وعيناه محمومتان:
– وأنا معك.. نصارحها بكل شيء حتى يكون اختيارها عادلاً.. فأنا من خاطرت باستخراج أوراق رسمية لها لأنقذها من مطارديها ومن السجن.
قال آدم بحدة:
– وهي على علم بذلك، ومع ذلك رفضتك.
قال حميد بانفعال:
– وهل سيظل رفضها قائماً بعد أن تكتشف كذبك؟ ها.. وتعلم أنك كذبت بشأن والدها.. الذي لم يستطع إجراء الجراحة ومات بسبب فجعته على ابنتيه.
ضم آدم شفتيه بشدة وهم بالوقوف، ولكن فراس منعه بالضغط على ذراعه بشدة وقال لحميد:
– لقد كان قراراً اتخذناه معاً نحن الثلاثة.. بأن نخفي عنها الأمر حتى تستقر في مكان آمن ونطمئن عليها أولاً.
قال حميد بعناد ومكابرة:
– لا.. كان قراره وحده ونحن وافقناه كالعادة ومن دون نقاش.
رد عليه فراس بغضب هذه المرة:
– لقد أفسدت علينا ليلتنا بنواحك.. كف عن التصرف كطفل أخذت منه لعبته وأهدأ.. العالم مليء بالنساء لم ينتهوا بعد عند زينة وحدها.
أشاح حميد بوجهه بمرارة. فتابع فراس:
– وكفى شرباً.. لقد أنهيت الزجاجة كلها وحدك.
ثم نظر إلى آدم الذي أصبح وجهه مسوداً من الغضب، ولكنه حتى الآن ظل مسيطراً على أعصابه:
– دعونا نذهب من هنا.. ما رأيكم لو ندخل إلى الكازينو لتلعبوا قليلاً.
ثم أخرج محفظة نقوده ودفع ثمن الشراب للنادل:
– وأنت منافق.
قالها حميد باحتقار موجهاً حديثه إلى فراس هذه المرة، ثم أنهى ما في كأسه وتابع:
– هو كذاب وأنت منافق.
صفق آدم وقال ساخراً:
– لقد جاء دورك يا فراس فاستعد.
نظر فراس إلى حميد بسخط وقال:
– كفاك هذياناً وهيا بنا.
ولكن حميد كان في حالة من الصراحة والوقاحة لا تتكرر في حياته كثيراً، وكان يشعر بأنه في مهمة لمعاقبة أصحابه. فهم دائماً يستخفون به ويرون أنفسهم أفضل منه، فآن الأوان ليواجه كلا منهما بعيوبه. فقال لفراس:
– نعم أنت منافق.. أنت لا تشرب الخمر وتطلق عليه دائماً اسم المنكر، ولكنك تدفع ثمنه.. لا تلعب القمار وتقول عليه ميسر، ولكنك تحفزنا على الذهاب والسهر في الكازينوهات لتراقبنا باستمتاع ونحن نلعب.. أنت لا تزني.. فالزنا حرام، ولكن.. عندما تعجبك امرأة أياً كانت أخلاقها أو علاقاتها، فأنت تتزوجها.. في السر طبعاً.. وبذلك تتحايل على الشرع والدين وعلى الناس لتحصل عليها في فراشك تحت مسمى الزواج.. وزوجتك أم أولادك.. تلك التي في بلدك.. ترتدي النقاب ولا تخرج إلا بمحرم.. ممنوع أن تقود سيارة.. والزوجة الأخرى التي اتخذتها للمتعة ترتدي البيكيني وتركب الطائرات والسيارات واليخوت وتتحرش بالرجال.
وهنا مد آدم يده عبر فراس الذي تجمد فجأة وأمسك ساعد حميد وضغط عليه بقوة وصاح من بين أسنانه بغضب:
– والآن اصمت ولا تتفوه بكلمة أخرى.
سحب حميد ذراعه بعيداً بعنف وصاح:
– تريد حمايته مرة أخرى؟ تخشى على أحاسيسه المرهفة من معرفة الحقيقة ومن أنه مجرد تيس.
كان وجه فراس قد استحالت بلون الورقة البيضاء. وتابع حميد مهاجماً آدم:
– إن كنت صديقاً حقاً لوعيته وعرفّته بحقيقة من جعل منها زوجة له.
ثم وجه حديثه إلى فراس:
– لقد تحرشت بي زوجتك غير المصونة، ولقد رأتنا زينة معاً في أول يوم لها على القارب وأسألها.. وآدم أيضاً رآنا معاً وضربني من أجل ذلك.. هل تذكر ذلك اليوم الذي قالت زينة أنني ضايقتها فضربني آدم من أجلها؟ كانت تلك زوجتك.. تحرشت بي عارضة نفسها علي بوقاحة.. وطوال الوقت كانت تفعل.. حتى مع آدم.. لقد حاولت معه هو أيضاً، ولكنه ليس مثلي بالطبع، فخافت منه ولم تكررها.. أسأله.. إنه أمامك أسأله.
استدار فراس إلى آدم وقال بصوت ميت:
– هل ما يقوله صحيح؟
أغلق آدم عيناه بقوة وعض على شفته. فصاح فراس:
– صحيح؟
أجفل آدم من صراخه ونظر إليه بحذر. وارتبك المشهد من حولهم. وعرف آدم أن سرعان ما سيأتي أمن الكازينو، فقال بهدوء وهو يحاول الإمساك بذراع فراس:
– دعنا نذهب من هنا كما قلت وسنتحدث في الأمر بهدوء.
ولكنه فعل كما فعل حميد وسحب ذراعه منه بعنف وقال:
– أي أصحاب أنتما.. أي أصحاب؟
أدار نظراته المصدومة فيهما:
– لا أريد أن أعرفكما بعد اليوم.. انتهى كل شيء.. لعنة الله عليكما.
وخرج شبه مهرولاً. فدفع آدم حميد حتى أسقطه على البار:
– هل أنت سعيد الآن؟
تركه وهو يضحك ليلحق بفراس، ولكنه لم يستطع اللحاق به. ورآه وهو يستقل سيارة أجرة والتي انطلقت به على الفور. أخرج آدم هاتفه واتصل بجليلة وبسرعة شرح لها الأمر باختصار وطلب منها أن تأخذ كاميليا عندها في جناحها حتى يلحق هو بفراس لتهدئته قبل أن يقوم بشيء متهور.
رواية ملاك يغوي الشيطان الفصل الثامن عشر 18 - بقلم مايسة ريان
وجد يدور في الجناح مثل المجنون يبحث عنها.
فدخل وأغلق الباب وقال:
– أنها ليست هنا.
استدار إليه فراس والشرر يتطاير من عينيه:
– لقد نبهتها.. وجعلتها تهرب.
– لأنني أخاف عليك.. فهي لا تستحق أن تؤذي نفسك وعائلتك من أجلها.
صاح به ثائراً:
– لو كنت تخاف علي لنبهتني منذ البداية.
زفر آدم بضيق:
– ليس الأمر سهلاً هكذا.. فأنا أعرف مدى حساسيتك وكنت أعلم أنها مجرد نزوة في حياتك كسابقتها وسرعان ما ستتخلص منها أو قد تكتشف سلوكها المنحرف بنفسك فهي لا تكون حريصة أبداً.. والأهم من كل ذلك لم أكن أريد أن تخسرا صداقتكما أنت وحميد بسببها.
أسقط فراس جسده على المقعد قائلاً بمرارة:
– الصداقة.. الصداقة التي تقوم على الخيانة والتآمر والطعن في الظهر ليست صداقة.
اقترب منه آدم قائلاً:
– لم يتآمر عليك أي أحد منا.. كنا..
قاطعه فراس بمرارة:
– تقوم بحمايتي.. أتعلم؟ حميد كان عنده حق عندما قال أنك تبالغ في السيطرة وبفرض وجهات نظرك وبمعاملتنا كأطفال عاجزين.. كيف تريدني أن أكون شاكراً لك وأنت سمحت لعاهرة باستغلالي؟
صاح آدم بغضب مماثل وقد فاض به الكيل:
– وماذا كنت تريد مني أن أفعل.. آتي إليك وأقول لك أن زوجتك تقوم بإغرائنا وتتحرش بنا.
– نعم.. هذا ما أتوقعه من صديقي ومن أخي ولكنكما أثبتما أنكما لستما كذلك.
ثم سار إلى الباب وفتحه:
– أخرج من هنا.. لا أريد أن أراك أنت أيضاً من بعد الآن أبداً.
بعد أن خرج آدم من عند فراس ذهب إلى جناح جليلة وفتحت له الباب بحذر وأدخلته.
وجد كاميليا تجلس شاحبة والرعب على وجهها وقالت:
– ماذا حدث؟
أشاح آدم وجهه بعيداً عنها باشمئزاز وقال:
– ستتركي فراس.. فما عرفه عنك لن يجعله متسامحاً بشأنك.
قالت تدافع عن نفسها:
– أنا لم أفعل شيئاً.. ومن قال له شيئاً سيئاً عني سأواجهه وأنا أعرف من التي فعلت ذلك.
قالت جليلة بحقد:
– تقصدين بالطبع اليمامة الصغيرة.
قال آدم ببرود:
– زينة لا شأن لها بالأمر.. حميد من أخبره.
شهقت كلتاهما معاً بذهول وقالت كاميليا:
– أنه كاذب.. أنا بريئة من افتراءاته.
رد عليها آدم ساخراً:
– أنسيت بأنني كنت شاهداً.
امتقع وجهها بشدة فتابع:
– سوف أحجز لك تذكرة سفر إلى بلدك وسوف يطلقك فراس فور عودته.
ثم أشاح بوجهه عنها بغضب فقد تسببت في تدمير علاقة صداقة استمرت لعشرين عاماً.
وقالت جليلة:
– وأين حميد الآن؟
– تركناه في الكازينو.
سحبت جليلة هاتفها وطلبت رقم شقيقها وبعد محادثة قصيرة معه قالت لآدم:
– يبدو في حالة سيئة سأذهب لأتفقد به فقد عاد إلى غرفته للتو.
خرج آدم بصحبتها متوجهاً إلى غرفته بدوره وهو يلعن جميع النساء فهم المصدر الرئيسي للمصائب.
تقلبت زينة في فراشها وقد أزعجها صوت رنين هاتف غرفتها.
جلست في الفراش ومدت يدها ورفعت السماعة وما أن وضعتها على أذنها حتى جاءها صوت جليلة هيستيري:
– زينة أرجوك اذهبي إلى غرفة حميد بسرعة.. ستجدين كاميليا معه.. حذريهما بسرعة فراس في طريقه إلى هناك الآن.
تمتمت زينة بارتباك:
– ولكن أنا..
ولكن جليلة قاطعتها:
– أسرعي قبل أن يجدهما معاً أنت أقرب إلى غرفته مني وكلاهما لا يجيب على هاتفه.
ثم أعطتها رقم الغرفة والطابق فأسرعت زينة تنهض عن الفراش وقد أصبحت مستيقظة تماماً الآن.
وفكرة أن يجد فراس زوجته في حجرة صديقه ويقومان بخيانته كانت تفزعها.
لم يكن هناك وقت لتغيير ملابسها وأسرعت خارج الغرفة وصعدت الطابق الذي يفصل غرفتيهما على قدميها وراحت تعد الأرقام حتى وصلت إلى رقم غرفة حميد وطرقت الباب بقوة عدة مرات.
فتح حميد الباب وكان شبه عارٍ ونظر إليها ذاهلاً.
فدفعته زينة إلى الداخل وهي تقول وعيناها تبحثان عن كاميليا وكانت تلتقط أنفاسها بصعوبة بسبب الركض:
– أين هي.. أين كاميليا؟
ولكن حميد كان قد أطبق عليها من الخلف بذراعيه:
– حبيبتي.
تفاجأت زينة وحاولت التملص منه ولكنه كان في غير وعيه فقالت بخوف:
– كاميليا ليست هنا؟
– وما الذي سيأتي بها إلى هنا.. ولكني سعيد بأنك أنت هنا.
دفعها أمامه وسقطا معاً على الأريكة وهاجمتها ذكرى ليست ببعيدة مع نفس رائحة الخمر الكريهة التي تفوح منه.
لم تستطع زينة الإفلات من بين يديه وقد أصبحت تحته تعاني من ثقل جسده عليها وكل ما كانت تشعر به هو الذعر الشديد.
وعندما خف وزنه عنها فجأة لم تصدق أنه تركها وظلت مستلقية لا تعي ما حدث.
ولكن عندما انقشع ضباب الخوف رأت آدم واقفاً ينظر إليها من أعلى ووجهه يرعد من شدة الغضب ونظرة اشمئزاز لم تكن تدري أنها موجهة إليها.
سحبت ملابسها تغطي الجزء الذي تعرى من جسدها أثناء صراعها مع حميد.
تذكرته وبحثت عنه ووجدته منبطحاً على الأرض ولا يتحرك.
فوقفت وجسدها يرتجف وحاولت إخراج صوتها لتشكر آدم على إنقاذها:
– أنا..
ولكنه لم يمهلها الوقت لتقول ما أرادت وقد نزل بكفه بقوة على وجهها فسقطت على الأريكة مجدداً.
ليس من عنف الضربة فقط وإنما من الصدمة أيضاً:
– كنت أظنك مختلفة ولكنك أثبتي أنك كاذبة مخادعة ولا أستبعد الآن أنك بريئة حقاً كما تدعين.
شهقت بالبكاء فصاح بها ثائراً:
– لا تعودي للبكاء لأنه لن يفيدك.. أنت من جاء لغرفته.
واستدار ليخرج ولكنه عاد والتفت إليها قائلاً بمرارة وهو يشير إلى جسد حميد الملقى على الأرض:
– إن أردت البقاء معه.. ابقي.. فلم يعد يهمني.
بعد انصرافه مباشرة جاءت جليلة إلى غرفة أخيها ونظرت إلى زينة بتشفٍ.
ففهمت زينة لعبتها:
– ما رأيك؟ بعد أن تحدثت إليك اتصلت بآدم وأخبرته أنني رأيتك تدخلين إلى غرفة حميد لم يصدقني واتهمني بالكذب ولكنه جاء فهو لا يثق بك كما كنت تأملين.
ثم ضحكت فقالت زينة بهدوء ووجهها خالي من أي انفعال وهي ما زالت جالسة على الأريكة بملابس مشعثة والدماء تنزف من جانب شفتيها:
– أرجو أن تكوني حقاً سعيدة.. لم تهتمي إذا ما طردني من حياته ولكن ألا تهتمي إذا ما تدمرت صداقته بأخيك أو تطور الأمر بينهما وقتله؟
شحب وجه جليلة وماتت الابتسامة على شفتيها وهي تتلفت حولها وتقول:
– أين حميد؟
وقبل أن تجيبها زينة لمحته على الأرض ممدداً بجوار الأريكة فصرخت بجزع وأسرعت إليه وركعت بجواره وهي تهزه:
– حميد.. أخي.
وقفت زينة بقلب وجسد مكدود وصوت نواح جليلة لا يؤثر فيها ولا تعرف كيف عادت إلى غرفتها.
اتصل فراس بالمطار وحجز على أول طائرة مغادرة إلى بلاده.
وفي نفس الوقت كان آدم يتصل ببيدرو ويطلب منه أن يجهز القارب فوراً للرحيل.
واستطاعت جليلة أن تحمل حميد للوقوف على قدميه وساعدته في الوصول إلى فراشه وهي تشعر بالذنب لما هو فيه وقد وجدت جانب رأسه متورماً وكان يئن من الألم.
وظلت كاميليا حبيسة جناح جليلة وهي تشعر بالخوف والقلق.
لا تجرؤ على الذهاب إلى جناحها خوفاً مما قد يفعله بها فراس.
إنه يحدث مرة أخرى.
تركوه وذهبوا جميعاً.
خرجت زينة من الفندق تعدو باتجاه المرفأ.
سوف تشرح لآدم الحقيقة.. تخبره باحتيال جليلة عليها ولسوف يصدقها.
وسيؤكد له حميد قصتها فمن غير المعقول أن تذهب إلى غرفة حميد من دون سبب قهري وسيقف فراس في صفها وينهره من أجلها.
ومن ثم سوف يأخذها إلى أمه في إسبانيا لتعمل لديها وتعيش في بيته لا يهم إن لم يحبها حقا ولكن لا يجب أن يتركها وحدها.
إنه فقط غاضب وعندما يهدأ سيفهم.
وفكرت برعب وهي تقطع المسافات عدوا.
أنها لا تستطيع أن تبقى وحدها.
وصلت إلى المرفأ وأنفاسها تكاد تنقطع.
ولكنها استمرت بالجري بين المراسي حتى وصلت إلى الرصيف الذي من المفترض أن القارب يقف عنده ولكنها لم تجده.
تجمدت من الصدمة.
غير مصدقة أنهم تركوها حقاً وحدها.
للحظات كان عندها أمل في أن تجد القارب.
تلفتت حولها بعجز فرأت صاحب أحد القوارب التي كانت ترسو بجوار قاربهم وسألته بلهفة:
– سيدي أرجوك.. أين القارب صوفيا الذي كان يرسو هنا.
فأجابها:
– لقد رحل قرب الفجر.
كانت تعلم وليست بحاجة لتأكيده.
– زينة.. زينة.
إنها لا تتخيل.
كان هناك صوتاً ملهوفاً ينادي باسمها فاستدارت بسرعة وهي تبكي من الفرح وقد عاودها الأمل.
آدم لن يتركها وحدها ولا فراس سيطاوعه قلبه وحتى حميد سيفهم خطأه ويعتذر عنه.
أسرعت الخطى باتجاه الصوت والجسد الذي يعدو باتجاهها.
وللحظات كان وهج الشمس يجعلها عاجزة عن معرفة هويته.
وقبل أن تلقي بنفسها عليه جاء صوته الأجش ليسمرها في مكانها وكأن الزمن قد توقف وصفعها:
– زينة.. لا أصدق أنني وجدتك أخيراً حبيبتي.
هزت رأسها بذهول وهي تردد:
– لا.. ليس أنت مجدداً.. لا.
وسقطت مغشياً عليها لأول مرة في حياتها وبين ذراعيه.
رواية ملاك يغوي الشيطان الفصل التاسع عشر 19 - بقلم مايسة ريان
فى العادة لا ينتظر فراس أن يفتح له السائق باب السيارة ولكن هذه المرة أنتظر .. أراد أن يستجمع شجاعته ويستعد لمواجهة واقعه لأول مرة ..
في هذا البيت الكبير توجد حياته الحقيقية .. الحياة التى ما برح يتجاهلها وينكر حقوقها عليه .. كان لابد من صفعة ليفيق .. كان لابد من مقارنة الخبيث بالطيب أمام عينيه ليتعرف على الفرق
– حمدا لله على سلامتك يا شيخ .
أبتسم فراس للسائق الفلبيني الهرم والذي كان يعمل لدى عائلته منذ عقد من الزمن , نزل من السيارة وربت على كتفه
– سلمك الله يا أخي .
فتح باب البيت وهبت ريح فتخيلها وكأنها ريح الجنة تهب فى وجهه تبعها صياح ولديه وهما يقفزان على الدرج الرخامي ..
تلقاهما بين ذراعيه ووجد الدموع لأول مرة تملأ عيناه .. حمدان البالغ من العمر تسعة أعوام والذي يشبهه كثيرا يكاد أن يصبح طوله الأن ونجد ذو الخمس سنوات والذي يشبه أمه أكثر أقصر قامة وأقل وزنا لهذا رفعه وحمله بذراعه اليسرى وضم حمدان بذراعه اليمنى وقبل رأس كل منهما وهو ما زال يستنشق رائحتهما وعندما رفع وجهه رأى أروى .. زوجته تقف وأبتسامة هادئة على شفتيها .. كان معظم جسدها متواريا خلف الباب تضم خمارها بأصابعها أسفل عنقها فقد كان السائق يجلب الحقائب من السيارة , أنزل نجد وقال لهما مازحا
– هيا أجلبا الحقائب فالرجل العجوز يحتاج للمساعدة .
أسرعا لتنفيذ أمره بحماس وسعادة واضحين .. وشعر فراس بالذنب فهو لا يعطيهما الكثير من وقته .. دائما مسافر يجري وراء الأعمال .. والنساء .
أفسحت له أروى الطريق ليدخل ولكنها تفاجأت عندما مال على جبينها وقبله .. أرتجفت أنفاسه .. أن لها نفس رائحة طفليه .
قالت بصوت يغلب عليه الخجل
– حمدا لله على سلامتك .. لقد عدت مبكرا عما قلت .
قال وهو يحيطها بذراعه ويسير بها الى الداخل
– آه نعم .. أنتهيت مبكرا .
سألته بحيرة
– أنتهيت من ماذا ؟
توقف ونظر اليها مبتسما
– أردت أن أمضي بقية أجازتي معك ومع الأولاد .. هذا كل شئ .
أبتسمت أروى بسعادة وقد تألقت عيناها بفرح طفولي كولديها وكان قد انزلق الخمار عن رأسها وأستقر على كتفيها ليكشف عن شعرها الحريري الأسود الطويل , سحب فراس الخمار وألقى به بعيدا ورفع يده وجعل اصابعه تتخلل خصلات شعرها وهو ينظر اليه بتأمل ويده الأخرى تجوب على وجهها بدءا من حاجبيها المقوسين بشعيرات ناعمة لا أثر فيهم للوشم فوق عينان واسعتان برموش طويلة تعطيهما سحرا كان غافلا عنه .. لمس طرف أنفها الصغير حتى وصل الى شفتيها والتى أنفرجت متأثرة بلمساته .. كانت شفاه مكتنزة شهية .. وتساءل بعجب كيف كانت تجذبة الشفاه المنتفخة صناعيا .. أروى لم تكن تضع سوى الكحل بعينيها .. ولكنها تبدو أجمل من أى أمرأة تختبئ تحت طبقات وطبقات من مساحيق التجميل .
سألته بأنفاس مبهورة
– ماذا بك ؟
– أظن أنني أشتقت اليك .
توقع أي شئ ردا على جملته الا أن يرى الدموع تلمع بعينيها التي كان يتغزل فيهما منذ قليل فسألها بقلق
– هل قلت شيئا ضايقك ؟
أبتلعت ريقها وحاولت رسم أبتسامة على شفتيها
– بل قلت الشئ الذي دعوت الله كثيرا أن أسمعه منك .
ضمها اليه ليمنعها من رؤية تأثره وأحساس الذنب الذي نخزه .
****
أستيقظ حميد من نومه على صوت نافذ الصبر يقول
– أستيقظ يا عديم النفع .
عديم النفع ؟ فتح عينيه بدهشة ورأى فتاة صغيرة الحجم ترتدي قفطانا مغربيا تكاد أن تغرق بداخله وكانت تدور فى الغرفة .. ترفع شيئا وتضع شيئا وشعرها البني القصير بخصلاته الملتوية يقفز خلف رأسها الشامخ وكأنه متحمس مثلها .. رفع جسده مستندا على كوعيه وهو يتابعها غير قادر على النطق .
أستدارت اليه أخيرا وكانت قد أنتهت من تجهيز مائدة طعام صغيرة قرب النافذة .. نظرت اليه بما يشبه الأحتقار وقالت
– الساعة أصبحت الثالثة من بعد الظهر وأنت مازلت نائما .. من قال عنك رجل أعمال ظلمك والله .
شعر بألم فى ضلوعه عندما سحب نفسا ليستعد للصراخ بوجهها وبدلا من ذلك تأوه متألما وسقط على الوسادة فقالت الفتاة بأستياء ساخر
– يا لك من مسكين .. يبدو أن من ضربك قد أجاد عمله جيدا .
لم يتحمل أكثر من ذلك فعاد ليجلس مستقيما متجاهلا آلامه قائلا بحدة
– من أنت .. خادمة جديدة ؟
مطت شفتيها ورفعت رأسها بشموخ
– أنا خادمة يا قصير النظر ؟
رمشت عيناه بسرعة متفاجئا ويشعر بالغيظ من وقاحتها وطول لسانها ولكنه تريث ليتأملها بروية وشعر بأنه يعرفها من مكان ما ..
– من أنت ؟
ردت بحدة وقد أعتبرتها أهانة لأنه لم يعرفها
– أنا جنة .
قال ساخرا
– وماذا بعد ؟ منذ متى وأنت تعملين هنا .. لأنه سيكون آخر يوم لك بالعمل اليوم .
زمت شفتيها بغضب وقالت بحدة
– أنا لست خادمة لديك .. أنا أبنة خالتك يا عديم النفع يا قصير النظر يا قليل الأدب .
لقد طفح به الكيل فصاح بها غاضبا
– أخرجي من هنا .. هيا .
أنتفضت مجفلة من صوته ولكنها مع ذلك أستدارت ببرود وسارت بهدؤ الى الباب وقالت وهي تشير بيدها بلامبالاة الى المائدة
– كل .
ثم أغلقت الباب خلفها بهدؤ مثير للأعصاب
ظل حميد جالسا فى الفراش لبعض الوقت مذهولا وغاضبا .. من هذه الأعصار الذي هب فى وجهه فجأة ؟ .. ثم شعر بالحنق وهو ينزل عن الفراش .. كيف تجرؤ أمه على دعوة ضيوف وهي تعلم بحالته وبمزاجه المضطرب ..
لقد عاد من مونت كارلو الى المغرب بصحبة جليلة ولم يستوعب حقيقة ما حدث بالفندق الا بعد أن أستقر فى البيت ليفهم سبب شجاره مع آدم ..كان سكيرا ومعظم الأحداث قد طارت من عقله ولكن ذكرى وجود زينة معه فى الغرفة كانت تبدو غريبة .. فماذا جاءت لتفعل عنده فى غرفته ؟ وكان ذلك هو السبب الذي جعل آدم يهاجمه بتلك الطريقة ويضربه ..
عرف كل شئ فى الصباح عندما أخبرته جليلة وهي سعيدة بنفسها كل ما قامت بالتخطيط له لتفصل بين آدم وزينة .. كان يتمنى لو تترك زينة آدم وتلجأ اليه ولكن ليس بتلك الطريقة .. لا يريد أن يخسر صديقه الذي اثبت بموقفه هذا أنه يحبها .. ما كان آدم ليؤذيه بتلك الطريقة الا اذا كان قد تألم لوجودها معه فى غرفته لذلك فقد تشاجر مع جليلة شجارا كبيرا وأمرها بأن تعود الى اسبانيا وتبقى فى بيت العائلة هناك .. ولم تستطع أن ترفض أمره فهو بحكم وجودها فى المصحة النفسية لوقت طويل خرجت على مسؤليته كواصي عليها وهو قادر على اعادتها بكل سهولة وهذا ما كان يهددها به دائما كلما أفلت عيارها وعاد هو الى المغرب رغبة منه فى البقاء وحده ولكن أحلامه لم تتحقق فقد فوجئ بأمه هنا .. جاءت لحضور زفاف قريبا لها .
تناول كوب الشاي المصنوع على الطريقة المغربية وأرتشف منه القليل ثم تركه على المائدة وذهب الى الحمام .
****
لا تصدق زينة ما يحدث لها ..
لقد عادت من حيث بدأت .. فوق ذلك اليخت مجددا ..
أفاقت من أغماءتها لتجد نفسها فى فراش واسع مريح فى حجرة ذات سقف منخفض وعرفت أين هي ؟
قفزت عن الفراش وأسرعت الى الباب يسيطر عليها الذعر بابشع صوره .. فتحت الباب لتسقط مرة أخرى بين ذراعي خالد فتراجعت الى الوراء وكررت
– لا .. ليس أنت مجددا .. أرجوك أتركني اذهب .
كان وجهه متجهما بشدة ولكنه لم يقترب منها وأكتفى بمد يده اليها قائلا بهدؤ
– لا تخافي يا زينة .. أنا لن أؤذيك .
هزت رأسها وقالت باكية
– بل ستؤذيني .. لقد سبق وأذيتني بالفعل .
أنزل يداه الى جانبه بأحباط
– صدقيني لم أتسبب بوجودك على ذاك اليخت وما كنت لأفعل بك شئ كهذا أبدا .. لقد أردتك زوجة لي .
قالت بلهفة وجسدها يرتعد
– أتركني اذهب اذن .. ان كنت تقدرني كما تقول لايجب أن تبقيني فى مكان كهذا .. أليس كذلك ؟
– أنه ليس يخت فريدريكا يا زينة .. أنه يخت آخر ليس به غيري أنا وأنت .. أطمأني.
فقالت وهي تسير بحذر الى الباب
– سأعود الى الفندق .. لي اصدقاء سيكونون بأنتظاري .. سنتقابل ونتحدث فيما بعد .
وصلت الى الباب ولم يمد يده ليوقفها ولكنه قال
– صعب أن أتركك تذهبين الأن .. لقد أبحر بنا اليخت وأبتعدنا كثيرا عن مونت كارلو .
تجمدت فى مكانها وتابع
– لا تخشي شيئا .. أنت فى أمان معي .
أسرعت الى النافذة وأزاحت الستائر .. كان يقول الحقيقة .. كان اليخت مبحرا بالفعل
كان كابوسا يتكرر وتعيشه من جديد وللمرة الثانية تفقد وعيها .
****
لم يشعر فراس بمثل هذا الشعور من قبل ..
لأول مرة يستمتع بالبراءة .. تغويه الرقة .. ويثيره الخجل ..
كان دائما يعتقد أنه لن يحصل على الأكتفاء الا بين أحضان أنثى مجربة وأنها الوحيدة القادرة على ايصاله الى قمة المتعة .
نظر الى أروى التى كانت تنام بوداعة ودعة وشعرها الناعم الطويل مسترسلا كحجاب حول رأسها مغطيا كتفيها العاريين .. بدت كالملاك فى نظره .. ابتسم ..
كم عام مر عليهما وهي زوجته .. كم مرة نام معها ونتج عن ذلك طفلين ؟.. فكيف يشعر اذن بأنها أول مرة لهما معا ؟ ..
ذلك لأنه كان معها بقلبه وعقله وبكل أحاسيسه .. لم يتعامل معها كتأدية واجب .. لم يعاشرها هذه المرة وخياله سارحا فى نساء غيرها .
أراد أن يمد يده اليها ويتلمسها ولكنه يخشى أن يوقظها .. وبعد لحظات لم يستطع أن يمنع نفسه أكثر من ذلك .. فهو يريدها .. يريد أن ينظر فى عينيها وأن يحتضنها ويستمتع بقربها .
فتحت أروى عينيها الناعستين وأبتسمت لفراس وهي تجذب الغطاء عليها بخجل
– ألم تنام بعد ؟
داعب وجنتها بأصابعه
– كنت أستمتع بالنظر اليك .
تألقت عيناها بفرح وقالت مازحة
– وكأنك لم تراني من قبل .
– أشعر أني هكذا فعلا .
نظرت اليه بحيرة فتابع
– ما الذي يحدث معك ؟ .. هناك شئ متغير بك .
جذبها اليه بغته جعلتها تجفل ثم تضحك
– أرجو أن أكون قد تغيرت للأفضل .
أحمر وجهها وقالت وهي تتلمس لحيته الخفيفة بخجل
– أكاد أجزم أنني لا أعرفك .
مسح على شعرها بحنان
– حسنا .. أمامنا بقية العمر لكي أعرفك على نفسي من جديد .
****
فتحت زينة عينيها ورأت خالد جالسا الى جوارها يطل عليها بوجهه الرجولي الجميل ونظرة قلق فى عينيه .. أنها بالطبع مشاعر كاذبة ومخادعة مثله .. كانت قد فتحت عينيها ولكنها لم تتحرك ولم تتحدث وظلت تنظر اليه بنظرات فارغة
– زينة ؟ .. أنت نائمة منذ يومين وهذا غير طبيعي …
نائمة منذ يومين ؟ منذ يومين وهي هنا .. لقد ضاع أي أمل لها اذن .
– يجب أن تأكلي أو تشربي شيئا .. تحدثي الي أرجوك .
ولكنها لم تفعل فتابع
– أعرف أنك تكرهينني وأن ما عرفتيه عني ضايقك .
صرخ عقلها فيه بغضب .. ضايقها كلمة لا تصف ما شعرت به حقا .. أنه قواد .. يتاجر بأعراض النساء .. يخدع الفتيات أمثالها وامثال أختها ويدفع بهم الى طريق الرذيلة والفجور .. ضايقها ؟!!!
– لقد بحثت عنك كثيرا .
بحث عنها ليعيدها الى العالم القذر الذي هربت منه .. أخبرتها نجلا أنه لا يرحم من يخالف أوامره وهي خالفتها عندما أفسدت خطته بشأنها .. لم يكن يستطيع أن يسمع صوت عقلها لذلك تابع وكأنها لم تقل شيئا
– كان قد مر ثلاثة أيام على أختفاءك عندما أستطاع أحد الوصول الي وأطلاعي على ما جرى .
نعم لأنك رئيسهم ويرجعون اليك فى كل شئ ..
تلوى وجهه بما يشبه الألم وقال بصوت جعلته المشاعر المضطربة أجشا أكثر
– فى البداية أعتقدت أن نبيلة هي التى كانت متورطة فى ذلك الحادث فلم أبالي كثيرا بها وركزت على حل المشكلة أولا .. تركت العمل الذي كنت أقوم به ولحقت باليخت في اليونان وهناك عرفت أنها كانت أنت .
رفعها بين ذراعيه يضمها اليه دون أي مقاومة منها وقال متأوها
– لا تعرفين بما شعرت حينها .. كدت أفقد عقلي خاصة وأن كل الشواهد كانت تؤكد أنك ربما تكونين قد ألقيت بنفسك فى البحر فقد وجدوا حذاءك فى الماء .. مرت علي ساعات كانت سوداء مريرة ….
ثم سب نبيلة بلفظا نابيا وتابع
– من حسن حظها أنها كانت بعيدة عن يدي والا كنت قتلتها ولكن ليس قبل أن أذيقها من العذاب الذي كنت أشعر به .
شدد من ذراعيه حولها وهي عاجزة عن دفعه أو الأبتعاد عنه .. كانت كالمشلولة وعقلها وحده من يستمع ويفكر ولكن جسدها كان خاضعا مستسلما
– وقبل أن ينتهي الغواصون وفرقة البحث التى جلبتها من العثور على جثتك .
توقف للحظة وشعرت زينة بدقات قلبه تضطرب تحت أذنيها وكأن فكرة العثور عليها ميته كانت تفزعه
– وجد أحد البحارة ملابسك فى حجرة المحركات وكان عليها دماء .
نشج بقوة فظنت أنه كان يبكي وسألها بصوت منخفض متردد
– هل كانت دماءه هو .. أم كانت .. دماءك أنت ؟
أشتدت ذراعية أكثر فشعرت بأن عظام قفصها الصدري ستتداخل وتتحطم .. وكأنه يريد صهرها بين يديه
– هل سلبك براءتك ؟
فهمت زينة ما عناه بدماءها .. وفكرت بمرارة أنه يتعذب لأنه لم يكن هو من فعلها أولا
– قولي لا أرجوك .. قولي أنك لم تسمحي له .
وعندما لم ترد حل يده من حولها وتلقف وجهها بين كفيه يقول بشراسة مخيفة وقد عيل صبره من صمتها .. ذكرها بآدم فى تلك اللحظة .. فكلاهما يذكرها بالأخر.
– أخبريني والا أضطررت لأن أتأكد بنفسي .
لمع الذعر في عينيها فهي لا تستبعد أن يفعلها خاصة مع تلك النظرة الشيطانية التي أشتعلت في عينيه
كل ما أستطاعت ان تفعله زينة هو أن تهز رأسها نفيا فتوقفت أنفاسه وبرقت عيناه وقال بلهفة
– لم يفعل ؟ .. أنت كما أنت صحيح ؟
عادت لتهز رأسها ايجابا .. فضحك .. ضحك براحة وسعادة وعاد ليضم رأسها الى صدره ولكن برقة هذه المرة
– لو كنت وجدته حيا لقتلته .. لا تعرفين كم شخصا أردت قتله من أجلك .
أنتفض جسدها وهي تستعيد مشهد الرجل الميت .. كانت ذكرى أستطاع عقلها أن يدفنها بعيدا حتى أنها كانت قد قاربت على الأعتقاد بأن هذا لم يحدث معها قط .
تابع خالد سرده لما حدث
– أصبح لدي أمل عندما وجدوا ملابسك .. أنك على قيد الحياة وأنك أستطعت الهرب بطريقة ما .
فكرت زينة بذعر .. عبدالله .. ماذا فعلوا به ؟ .. وما قاله خالد تاليا جعل الدماء تتجمد فى عروقها
– لم يكن صعبا التوصل لآخر شخص غادر اليخت .. ذلك الرجل كان عنيدا وأصر على حمايتك حتى آخر نفس .
وهنا دبت القوة فى أوصالها فأنتفضت مبتعدة عنه وصاحت بصوت بالكاد خرج من حنجرتها
– عبدالله .. ماذا فعلتم به ؟
أبتسم وهو ينظر الى ملامح وجهها بشغف
– أشتقت لسماع صوتك .
قالت بتوسل
– أرجوك .. قل أنك لم تؤذه .. كان طيبا معي وساعدني .
لاطف وجنتها بأصابعه
– أعلم .. وهذا ما شفع له عندي .. قدرت له ما فعله من أجلك ولكني كنت فى حاجة لمعرفة مكانك وأين ذهب بك ؟
كررت
– هل تأذى ؟
قال متبرما بعصبية
– لم أقتله ولكنني أضطررت لأذيته قليلا ليخبرني بمكانك .
أرتجفت شفتيها بمرارة وقلبها يتألم من أجل الرجل الشهم الذي وقف بجانبها
أراد خالد أرجاعها الى ما بين ذراعيه ولكنها كانت قد تمالكت نفسها فنفرت منه وتراجعت بعيدة عنه ..
قال لها متوسلا
– لا تنظري الي بتلك الطريقة حبيبتي .. ضعي نفسك فى مكانى .. كان هو الوحيد القادر على أخباري بمكانك .
– وهل فعل ؟
– لا .. أخبرتك أنه كان مصرا على حمايتك ولكني أستنتجت أنه ربما هربك على متن ذلك القارب الذي ذهب لمعاينته خاصة عندما علمت أن من كانوا عليه عرب وصاحبه مصري .
ثم عبس وهو يتابع
– كان تتبع ذاك القارب يبدو سهلا في البداية ولكنه لم يلتزم تقريبا بخط سير واضح كما أنه قارب شراعي خفيف وسريع .
تساءلت زينة بذهول .. هل كان يطاردهم طوال الوقت .. وماذا عن برنامج رحلتهم السياحية وزبائنهم والفتيات ؟.. هذا غريب لتصدقه .. ثم خطر هاجس على راسها فقالت بصوت مرتعش من الرعب
– هل ستسلمني للشرطة ؟
أبتسم بتجهم
– نحن لا ندخل الشرطة فى أعمالنا .
سألته بذهول
– والرجل الذي مات .
رد بجفاء
– ورثته كانوا أكثر من سعداء بخبر وفاته كما أنهم عائلة معروفة فى بلده والفضائح ستؤثر عليهم خاصة لو أنتشر له فيديوهات جنسية مشينة .
راقب ذهولها فتابع بقسوة
– على هذا الأساس تقوم أعمالنا ونستمد نفوذنا .. سجلت الوفاة على أنها حادث قدري .
ثم زفر بقوة وتابع برقة
– وهو كان كذلك بالفعل .. أنت لم تقتليه عن عمد .. لم توجهي له طعنة بسكين أو أطلقت عليه رصاصة .. فقد أتزانه وسقط فاصدمت رأسه ثم مات .. نهاية القصة .
تلفتت حولها بضعف
– أريد ماء .
بسرعة ناولها خالد كوب عصير من فوق صينية طعام رأتها زينة لأول مرة موضوعة على منضدة بجوار الفراش ..
بعد أن أنتهت من شرب العصير حاولت الوقوف عن الفراش وقالت
– يجب أن تعيدني .. أنا لن أبقى هنا .. أين حقيبتي .
ظل خالد جالسا كما هو على الفراش يتابعها بنظره وهي تدور حول نفسها تبحث عن حقيبتها وتابعت تقول
– أين حقيبتي ؟
قال بهدؤ
– فى خزانة الملابس .
أسرعت الى الخزانة وفتحتها وفوجأت برؤية ملابسها القديمة التى كانت قد تركتها على اليخت الآخر متراصة بداخلها
– زينة أنت لن تذهبي الى أي مكان بدوني .
أستدارت اليه بحدة وقالت بغضب
– أنا لن أبقى معك .
أكفهر وجهه وقال
– للأسف لا خيار لديك .
رواية ملاك يغوي الشيطان الفصل العشرون 20 - بقلم مايسة ريان
– أين جهنم ؟
قالها حميد بأمتعاض وهو يتلفت حوله في حجرة الجلوس المطلة على الحديقة حيث كانت تجلس أمه .
ردت أمه بعتب
– لا تدعوها هكذا .. أنها ضيفة لدينا .
جلس الى جوارها قائلا بحنق
– ضيفة ؟ أنا أشعر بأننا نحن الضيوف عليها .. أنها تصول وتجول فى البيت على هواها وتنتقد كل شئ .. لا أحد يعجبها .
تلك الفتاة ذات اللسان الذي يشبه السوط تلقي بالتعليقات اللاذعة فى وجهه طوال الوقت ولا يعرف سببا يجعله يتحملها .. تهينه بنظراتها وتسخر منه بتعليقاتها ويشعر طوال الوقت بأنها تكرهه فأطلق عليها أسم جهنم وقد سمعته مرة وهو يذكرها أمام والدته بذلك الأسم ولم يكن منتبها لوجودها
– جهنم هذه هي التي سيلقى فيها أمثالك من الفاسقين .. يا تافه يا مغرور ..
واسترسلت فى صف طويل من الأهانات والشتائم جعل وجهه يحمر ويكاد يتهور ويقوم بضربها لولا أن تدخلت أمه
– أنه لا يقصد يا حبيبتي أن حميد يمزح معك .
رمقته بنظرة أحتقار ثم أستدارت رافعة رأسها الصغير بشموخ وخرجت من الغرفة ولكن حميد كان قد لاحظ الدموع فى عينيها وشعر بنوع من تأنيب الضمير فهي أبنة خالته الصغيرة وقد عاملها بجفاء وقلة ذوق منذ أول مرة رآها فى غرفته فحالته النفسية السيئة جعلته لا يتحمل وجودها ويبدو أنها شعرت بذلك لهذا هي متحاملة عليه وقد أنبته أمه مرة قائلة
– يبدو واضحا عليك أنك لا تطيق وجودها ولا بد أنها شعرت بذلك لهذا هي مستاءة منك .
رد عليها بحنق
– وماذا عنها ؟ ما شاء الله لديها لسان سليط تعبر به عن أستياءها بطريقة مقرفة .
ضحكت أمه وقالت
– جنة فتاة طيبة وظريفة جدا ان تعرفت عليها جيدا ستحبها .
رد ساخرا
– سامحه الله من أطلق عليها أسم جنه .. أنها جهنم على الأرض .
وكان ذلك هو الحوار الذي أستمعت اليها, حاول مصالحتها وقد وجدها جالسة فى الشرفة وعندما شعرت به نشجت ومسحت وجهها كما لو كانت تجفف دوعها فقال
– هل يمكن أن أجلس معك ؟
أشاحت بوجهها بغضب فتابع وهو يجلسعلى المقعد المجاور لها
– كم عمرك يا جنة ؟
بدا أنها لن تجيبه ولكن بعد لحظات أجابت
– أنا أصغر منك بثمان سنوات .
دهش لأنها أجابت بتلك الطريقة وسألها يحاول المزاح
– وهل تعريفين كم أبلغ من العمر ؟
أستدارت اليه ونظرت الى عينيه مباشرة وقالت بثقة وشئ من التعجب
– بالطبع أعرف .. بعد شهرين وأربعة أيام بالضبط ستكمل الرابعة والثلاثون من العمر .
سالها بتعجب
– وهل تحسبين عمر الجميع بنفس الدقة هذه ؟
– لا .. أنت فقط .
ابتسم ببطئ وأصابه شئ من الغرور فيبدو أنها واقعة فى غرامه , ضاقت عيناها وهي تتأمل التغيير فى نظرته وابتسامة الغرور التى تجلت على شفتيه وقالت وقد زمت شفتيها ونظرة شيطانية فى عينيها
– لأن يوم ميلادك يا عديم القيمة وقليل الفهم يصادف يوم ميلادي .. وهذا من سؤ حظي .. وخالتي لا تنفك تذكرني بأننا نشترك به معا وهي لا تدري بأنها أحضرت مصيبة الى هذا العالم .
وهنا فاض به الكيل حقا وجذبها من ذراعها
– ما الذي يجعلك متحاملة علي الى هذه الدرجة .. أنا لم أراك فى حياتي سوى مرة أو مرتين ولا أذكرهما .
حاولت تخليص ذراعها من يده ولكنه لم يتركها فقالت
– لم تسمع عني لأنني حسنة السيرة والسلوك أما أنت فضائحك تطاردك وتطارد عائلتك معك .
ثم جذبت ذراعها بقوة أكبر هذه المرة فتركها وقد ضاقت عيناه بحدة وهي تتابع
– هل سبق لك وأن بحثت عن أسمك فى جوجل ؟ .. هيا أمسك هاتفك واكتب اسمك وأقرأ عن نفسك وستعرف لماذا أنا متحاملة عليك .. زير نساء فاسق .. هذا ما أنت عليه .. صورك مع الفاتنات العاريات تملأ الدنيا .
قال بحنق شديد
– أنا حر فيما أفعله ولا أنتظر أن تحاسبني فتاة لا قيمة لها وتافهة مثلك ولا عمل لها سوى تتبع أخباري .
شهقت بأستنكار
– أنا تافهة ولا عمل لي سوى تتبع أخبارك ؟ .. ما الذي تعرفه عني .. عن عملي ؟
قال بأستهزاء
– العمل الوحيد الذي أراك تصلحين له هو مضايقة خلق الله .
وضعت يدها فى خاصرتها وقالت
– أنا طبيبة ان كنت لا تعرف ذلك .. أعمل لأكثر من ثمان عشر ساعة فى اليوم أنقذ حياة الناس وأخفف من آلامهم .. ماذا تفعل أنت للبشرية غير نشر الفسق بينهم .
ثم تركته يقف مذهولا فهو لم يتوقع أن تكون طبيبة فهي تبدو صغيرة ورقيقة وتلك القفاطين التي تصر على أرتدائها بأستمرار تجعلها تبدو هشة جدا .
****
تنهد خالد بحزن وهو يقف يتأمل زينة وهي جالسة عند مقدمة اليخت تنظر الى الأفق بنظرات حزينة شاردة وتضم ركبتيها الى صدرها , أنها على هذا الحال منذ أن أستجمعت شتاتها وأفاقت من صدمتها برؤيته , شعر بالغصة والحزن الشديد لأن تأثيره عليها وصل الى هذا الحد .. أنه يحبها ويريدها وعلى أستعداد ليفعل أي شئ من أجلها .. أي شئ عدا أن يسمح لها بأن تتركه وللأسف هذا هو الشئ الوحيد الذي طلبته منه .. لو تعرف كم يحبها لرأفت بحاله ولما عاملته بمثل هذا الجفاء ..
كانت قد سألته بعد أن تمالكت أعصابها وفقدت الأمل فى العودة الى أصدقاءها كما أطلقت عليهم
– هل نمت معها ؟
كان يعرف من تقصد دون ذكر أسمها
– نعم فعلت .. ولكن ذلك حدث قبل أن أراك أو أعرفك ومنذ تلك اللحظة التي رأيتك فيها لم يعد لها وجود أو لأي أمرأة أخرى .
أنسابت الدموع من عينيها الحزينتين وقالت بمرارة
– لا عجب اذن أنها كرهتني ..
– كانت تكرهك على أية حال؟
– ولكنها ما كانت لترسلني الى ذاك الهلاك لولا أن الرجل الذي سلمته نفسها أختارني أنا بدلا منها لأكون زوجة له .
– وحتى وان لم أختارك لم أكن لأختارها هي أبدا وكانت تعرف ذلك جيدا .
– كيف فكرت فى الزواج بي وقد أصبحت محرما علي .
صاح بها غاضبا
– أنها ليست أختك .
صاحت بالمثل
– بل أختي .. ان لم يكن بالدم فهو بالعشرة .. وبمعروف والديها علي .. بلقمة العيش التي تقاسمناها سويا .. بالحضن الذي أحتوانا معا .. هي أختي .
شعر بأنها تستميت للخلاص منه لذلك لجأ الى القسوة .. والأبتزاز
– لن يسر والديك بمعرفة حقيقة أبنتهما ..
حدقت فى وجهه للحظات مصدومة ثم قالت
– تبتزني لأوافق على الزواج منك وتقول أنك تحبني ؟
– قلت أنني أحبك ولكنني لم أقل أنني أصبحت ملاكا .. من هم مثلي بعيدين كل البعد عن المثالية .
– أنا أكرهك .
– سوف تحبيني بطريقة أخرى ان ظل قلبك موصدا أمامي حبي .
سيرضى بأي شئ .. هو قادر على جعلها تريده .. قادر على جعل جسدها يعشق لمساته له .. أنها مهنته وحرفته وسوف يستخدم كل أسلحته للفوز بها ..
بعدها أصبحت تقريبا لا تتحدث اليه ولا تريد النظر الى وجهه وبالطبع رفضت طلبه للزواج منها وقضاء شهر العسل على متن اليخت الذي أستأجره لهذا السبب ..
لم يخبرها عن مواجهته مع نبيلة فى بيتهم وأمام والديها ولا مدى ما عرفاه من ذلك .. كما أخفى عنها ما وصلت اليه علاقته بأختها وحملها منه .. يخشى ان أكتشفت الأمر أن يفقد أي أمل له معها لذلك يجب أن يعمل سريعا ويجعلها له بسرعة وبأي شكل .
أقترب منها وجلس الى جوارها صامتا وبعد قليل سألته
– متى سنصل ؟
بناء على رغبتها غيروا وجهتهم الى اليونان ومن هناك سيستقلان الطائرة الى مصر
– سوف نصل أثينا خلال ساعات قليلة .
لوت زينة شفتيها بمرارة وغص حلقها .. أثينا حيث بدأ كل شئ .. حيث سقطت الأقنعة ورأت قبح الحياة والى أي مدى قد يصل شر بني الأنسان .. أوصلتها سذاجتها وحسن نيتها ووفاءها لمن قام على تربيتها للدخول الى جنة الشياطين .. جنة ترتكب فيها المعاصي ويستباح فيها كل نفيس .. وعندما هربت ظنت أنها نجت ولكن قابلت نوع آخر من الشياطين وكانوا ببراءتها طامعين .. عاملوها كغنيمة حرب .. كسلاح أشهروه فى وجوه بعضهم البعض .. آلمها قلبها وانفطر فقد أحب أقسى قلب فى هذا الكون .. آدم .. دمعت عيناها وهي تتذكر كلماته الأخيرة لها .. وهجره الذي حطم قلبها .. لقد أحبته أكثر مما توقعت وفقدانها له يأخذ من روحها كلما بعدت المسافة ينهما .
– لماذا أصبحت هكذا ؟
تفاجأ خالد من سؤالها , تأمل جانب وجهها لبعض الوقت ثم قال
– لا أعرف .
نظرت اليه بهدؤ رزين
– كيف لا تعرف لماذا أصبحت قوادا ؟ .. أمن أجل المال ربما؟
ابتسم بمرارة ساخرة
– لم أكن بحاجة يوما الى المال .. أنا أملك من المال ما يجعلني أعيش ملكا طوال حياتي دون حاجة لي للعمل .. توفى أبي وأنا فى الثانية عشر وترك لي الكثير .
– لماذا اذن ؟ هل تكره النساء .. هل آلامتك احداهن فقررت أن تنتقم من بني جنسنا .
هز رأسه نفيا وقال
– ولا هذا أيضا .. طوال عمري أعتدت أن تحبني النساء وتسعى خلفي ولم تجرح قلبي امرأة قط .
ثم زم حاجبيه بعبوس وتابع
– أعتدت أن أحصل على أي امرأة أريدها حتى عندما كنت مراهقا .. تحرشت بي النساء منذ أن خط شاربي فى وجهي .. أول علاقة حقيقية أقمتها كنت فى الرابعة عشر وكانت مع خادمة أمي وقد طردتها بعد أن رأتنا معا .. بعدها لم توظف فتيات صغيرات فى الخدمة لدينا ولكني كنت قد أعتدت على تلك الممارسات ولم يكن شئ ليوقفني بعدها .. أكتشفت ان لي سحرا وقدرة على جذب أي امرأة أريد فتعلمت فنون العشق وأجدتها .
نظرت اليه بتعمق .. وسامته الفريدة .. عيناه التي تحمل الكثير من العمق والغموض .. تلك الجاذبية التي تنضح من كل خلية بجسده .. حاستها كأنثى أخبرتها أن هذا الرجل تجسدت فيه جاذبية جميع الرجال
– أنت شيطان ..
ظلت ملامحه على هدؤها ولكن عيناه غامت وكأنها تحجرت فتابعت
– شيطان تجسدت روحه فيك .. فأخذت من أغواء النساء والمتاجرة بأعراضهن مهنة لك .
– كل امرأة سارت فى ذاك الطريق كان بارادتها .. طمعت في مالي وفي جسدي فكان لابد لها من أن تدفع الثمن .. جميعهن أستحقن ذلك .
– لا .. لا يوجد امرأة تستحق أن تباع وينتهك جسدها .. مهما كانت ذنوبها
ثم صمتت تفكر
– هل أحببتني حقا ؟
لم تتوقع ذلك ولكن الحنان الذي فاضت به نظراته وتلك الرقة المتناهية التي تجلت على ملامح وجهه أصابتها بالحيرة
– أحببتك لدرجة أنني على أستعداد لكي أموت من أجلك .
سألته بتحدي
– وهل أنت على أستعداد لتركي لو كان ذلك سيسعدني ؟
ألتوت شفتاه بمرارة وقال
– مستعد أن أموت مرة واحدة من أجلك ولكن لو تركتك ترحلين سأموت فى كل ثانية وأنت بعيدة عني .. لقد بحثت عنك .. تركت كل شئ خلفي .. وأنت لا تعرقين ما الذي تركته .
أشاحت بوجهها بعيدا تتأمل الأفق وصدرها يشتعل .. لا أمل لها بالخلاص منه
****
كانت تسير بجوار خالد على رصيف الميناء بأثينا مطرقة الرأس يتبعهم أثنان من رجاله يحملون الحقائب وكانوا متجهين الى احدى السيارات المنتظرة لكي تقلهم الى المطار مباشرة
– يا آنسة .
لولا توقف خالد لما أنتبهت الى أنها المقصودة ألتفتت الى الرجل القادم بأتجاههم وعرفته .. أنه صاحب القارب الشراعي الذي كان يرسو بجوار قاربهم
أبتسم لها قائلا
– لقد عاد القارب بعد ذهابك .. هل رأيته ؟ .. أخبرت صاحبه انك سألت عنهم وكان يبدو قلقا عليك .
خفق قلبها بعنف .. لقد عاد آدم من أجلها ..
ظلت هذه الجملة تتردد في عقلها وترتفع معها روحها المعنوية والسيارة تتجه بهما الى المطار .. هل سيأتي خلفها وينقذها .. دمعت عيناها وهفا قلبها شوقا اليه
سألها خالد بحدة
– عن من كان يتكلم ذلك الرجل ؟
– لا أحد .. أنه يقصد القارب الذي كنت أعمل عليه .
ولكنه لم يصدقها .. شيئا ما فى تعابير وجهها وعينيها أخبراه أن هناك ما تخفيه عنه لذلك لا يجب أن تبتعد عن عيناه .
****
وقف خالد يحاول أن يتمالك اعصابه وكانا فى موقف السيارات الخاص بمطار القاهرة وكان الليل قد هبط .. أراد أن يأخذ زينة الى بيته ويستدعي المأذون هناك ولكنها رفضت وأصرت أنها لن تتزوج الا بمباركة والدها وأمها
– زينة .. لن أسمح لك بالتلاعب بي .. مازلت قادرا على ..
قاطعته بمرارة
– أعلم .. ستفضح أمر نبيلة أمام والدي ان رفضت الزواج بك .
فكر خالد .. مستحيل أن يأخذها الى هناك .. ليس قبل أن يعرف بما حدث بعد رحيله .. تقريبا فضح الأمر بتهجمه على نبيلة أمام والديها ذاك اليوم ولكن زينة لا تعرف
– سوف تقضين الليلة فى بيتي .
أتسعت عيناها ذعرا
– مستحيل .. كيف تجرؤ وتقترح شيئا كهذا .
لم يكن أمامه سوى القسوة
– سوف نتزوج أولا وبعدها سوف آخذك الى والديك .
– لن أهين أبي بالزواج دون موافقته .
– وأنا لن أهين ذكائي وأسمح لك بالأفلات مني .
جذبها من ذراعها بقسوة ودفع بها فى المقعد الأمامي ثم دار حول السيارة وصعد خلف المقود ..
راحت زينة ترتجف وقد أنتابها الذعر وهي تستمع اليه يتحدث على الهاتف مع أحد الأشخاص ويطلب منه أن يأتي بالمأذون الى بيته .. سيتزوجها رغما عنها .. سوف تكون سجينته بقية عمرها أو الى أن يمل منها ..
آدم .. لو أحبها حقا لبحث عنها وجاء لنجدتها .. عند هذه النقطة أنخرطت فى البكاء بجوار خالد فى السيارة .. تالم قلبه من أجلها ولكن رغبته بها وحاجته اليها كانت أقوى من شفقته .
يتبع…