الفصل 5 | من 20 فصل

رواية من غير ميعاد الفصل الخامس 5 - بقلم امل مصطفي

المشاهدات
18
كلمة
909
وقت القراءة
5 د
التقدم في الرواية 25%
حجم الخط: 18

قضي هادي أول يوم في العمل بنشاط رغم تعبه الشديد في تحميل الحديد والأخشاب والصعود بهم للدور الثالث. يحاول إضعاف عقله حتى لا يفكر بها، وإنهاك جسده حتى لا يترك كل شيء والذهاب لرؤيتها، رغم جرح كرامته من آخر موقف بينهم. أعجب به ملاحظ العمال بسبب اجتهاده، وفي فترة الراحة ناداه. توجه له هادي وقف أمامه وهو يسأله: خير يا ريس؟ حمدي بسؤال: هو أنت كنت شغال إيه قبل كده؟ رد هادي بهدوء: أنا ميكانيكي سيارات يا ريس، دي مهنتي الوحيدة.

حمدي بابتسامة: دي مهنة حلوة وفلوسها كتير. تنهد هادي بأسف: فعلاً، بس الراجل اللي كنت شغال معاه بياخد تعبنا. تحدث الرجل باطمئنان: هنا ما فيش حد ياكل حق حد، بس أهم حاجة عندي الأمانة واللسان الحلو، مش بحب شد وجذب في مكان أكل العيش. هز هادي رأسه بفهم: وهو يؤكد: أنا عمري ما أخون، أما الشد فطول ما ما فيش حد مسني بكلمة مش أحس بوجودي.

"وبعد إذنك ليا صاحب هجيبه معايا بس شوية كده لأنه تعبان، وما تقلقش أنا هشيل شغلي وهشيل التقيل في شغله لحد ما يسترد صحته." حمدي بإعجاب: باين عليك ابن أصول وصاحب صاحبك، وعشان كده هاته وماتقلقش، مش هنحمل عليه في الشغل لحد ما يكون كويس، أنا أحب أخدم الناس الجدعان اللي زيك لأنهم بقوا قليلين. هتف هادي بشكر: تسلم يا معلم، أنا مبسوط من وجودي مع راجل زيك وإن شاء الله مش هتندم. ثم تركه ورجع لعمله مرة أخرى. ***

لم تتوقع أن غيابه يترك بداخلها هذا الشعور الموحش بالفراغ. إحساس الحزن والوحدة يعتصران روحها، هي لا تعرفه ولا تعرف عنه أي شيء. لكن تواجده المستمر حولها، محاولته المستمرة لجذب انتباهها، أشعرها بأنوثتها وأنها مرغوبة من أحدهم. لا تنكر أن دكتور طارق كان يفعل أكثر منه حتى يتقرب لها، لكنها لم تشعر تجاهه بأي شيء مما يتحرك بداخلها الآن.

ندمت من إغضابه، ونظرتها لا تفارق عينها كأنه شريط يكرر باستمرار، تريد الاعتذار واسترداد لمعة عيونه عند إغضابها، ابتسمت وهي تتذكر كل ما فعله منذ أول لقاء. عيناها تتجول بين الوجوه على أمل أن تقابل عيناه. المشاغبة. لكنها كل مرة ترجع خالية الوفاض. تحركت بملل بين الغرف لتتابع أدوية المرضى. نادها أحد المرضى التي تقوم دائما بمشاغبته: "أنت يا سكر محلي، فينك النهارده يا قمر؟ نسيتي تعطيني جرعة النهارده." ابتسمت صافي

رغم عنها وهي تقترب منه: "وفاء قالت إنك خدتها يا راجل يا عجوز." هتف الرجل بشقاوة: "أنا خدت جرعة المرار، بس لسه جرعة السكر اللي بتمحي المرار ده." ضحكت صافي بكل صوتها: "آه منك أنت، طب استنى بس لما زوزة تيجي هقولها عينك على الراجل ده بيعاكس الممرضات." هتف بخبث: "هو فيه زي زوزة ولا عيوني تشوف غيرها؟ غمزت صافي بشقاوة، فقد علمت أن زوجته خلفها من طريقته اللعوب.

"طبعاً طبعاً، ياما كان نفسي في زوج مخلص ومحب زيك يا محمد، يا بخت زوزة بيك." ثم التفتت لتجد خلفها سيدة كبيرة في السن، يقوم أحد أحفادها بإسنادها، لتبتسم لصافي بحب لتؤكد على كلامها. "أيوه يا حبيبتي، ربنا يرزقك بواحد زيه، بس أنا واثقة أن ما فيش زيه أبداً." صافي وهي في طريقها للخروج: "ربنا يخليكوا لبعض." لتتركهم وتتوجه لغرفة أخرى. كادت تخرج من إحدى الغرف عندما سمعت صوت يناديها، التفتت بوجه بشوش كأنها شخص آخر غير.

تلك الحزينة. اقتربت منها سيدة في أواخر العقد الرابع تسألها عن حالها. ابتسمت صافي: "أنا بخير الحمد لله يا رئيسة." "حالك مش عاجبني يا صافي، بقالك فترة متغيرة." "بنتي حبيبتي قوية، مش فشل جواز هو اللي يكسرها، فين ضحكتك اللي تهون علينا طول اليوم وتعبنا؟ "هزارك مع المرضى اللي يخفف عنهم ألمهم." "أنا تمام، ماتقلقيش، بكرة أرجع لعادتي." "وضعت يدها على كتف صافي: طيب يا حبيبتي." ثم أكملت:

"الورق بتاع الإعارة وصل، إيه رأيك أبعت اسمك؟ صافي برفض: "حضرتك عارفة أنا مش بحب الغربة." أردفت أماني بمرح: "بت فقيرة، ده الكل بيقطع نفسه عشان اسمه يتحط، واللي اسمه بييجي في القايمة بيعمل فرح." ضحكت صافي: "ما بلاش الكلمة دي، أصل ماليش نصيب فيها." ضحكت أماني عندما فهمت معنى كلمتها، تركتها وهي تبتعد لتكمل: "كده صافي رجعت." *** مر أسبوع منذ آخر مرة رآها. من وقتها وهو يضغط نفسه في العمل المتعب حتى لا يذهب لرؤيتها.

ولكي يخف الحمل عن صديقه، لأن الأحمال الثقيلة خطر عليه في تلك الفترة وقد يفتح الجرح. وعندما يرجع شقته يكون متعبًا جدًا من الإجهاد. وأوقات كثيرة لا يأكل بل ينام مكانه من شدة التعب. *** خرجت من باب المشفي وهي تتلفت حولها، ركبت الميكروباص. ولأول مرة تنظر للطريق شارده فيه. الهواء يداعب جفونها، وكل مرة تغلقهم لتخفف من حدة الهواء، تأتي صورته وهو يعاتبها بعينيه.

وصلت إلى منزلها، وجدت شاهين يجلس خارج الجيم، شاورت له وهي تقترب. لكنها وجدته ينظر خلفها بتمعن وهو يقف مرة واحدة بعنف. كادت تسأل عن ما به، لكنه أردف بحدة يستخدمها معها لأول مرة: "يلا على البيت." شعرت بخوف من طريقته، وما يقلقها أكثر خوفها الشديد عليه من أن تقوم مشاجرة بينه وبين أحد من البلطجية هنا، كل الحارة تعتبره كبيرهم لأنه لا يخاف أحد في الحق، ويملك قوة جسدية تجعل من يراه يفكر ألف مرة قبل إغضابه.

لأن وقفته وطلبه منها سرعة دخول المنزل ليس لها معنى آخر غير الخوف عليها أن يصيبها مكروه. تحركت إلى باب المنزل بتوتر، وكادت تدخل، لكن فضولها جعلها تتوقف خلف البوابة ترى ما يحدث. وياليتها لم تقف، لقد تصارعت ضربات قلبها من الرعب الذي سيطر عليها. *** وقف عند أول الحارة يتابعها بعينيه حتى يتأكد من دخولها المنزل. هذا حاله منذ أسبوع عندما جرحته وتطاولت عليه بالكلام.

حاول كثيرا منع نفسه من رؤيتها، لكنه لم يستطع. أصبح ينتظرها كل يوم في ميعاد خروجها. يمشي خلفها حتى تصل للمنزل دون أن تراه. لكن يبدو أن أحدهم كان يراه دون أن يشعر، وأكد إحساسه عندما وجد شخصًا مثل الحائط يسير بخطوات قوية اتجاهه وعيونه تتوعد بالشر. رد هادي ببرود: "مين دي اللي بمشي وراها؟ أنا أول مرة آجي هنا." "غريب ومش عارف طريق الرجوع." غضب شاهين من طريقته الباردة، وهجم على هادي يسحبه من فوق دراجته بعنف.

حاول هادي فك يده من حول عنقه، لكنها مثل الفولاذ.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...