الفصل 19 | من 20 فصل

رواية من غير ميعاد الفصل التاسع عشر 19 - بقلم امل مصطفي

المشاهدات
20
كلمة
1,846
وقت القراءة
10 د
التقدم في الرواية 95%
حجم الخط: 18

عادت صافي وهي تبكي بقهر من خسارة حبها الوحيد والفريد. فتحت باب البيت تدلف للداخل. قابلت أمها المتعجبة من عودتها في هذا الوقت. مرت من جوارها دون أن ترد على ندائها حتى دخلت غرفتها. أغلقت خلفها الباب من الداخل لتنهار كل قواها وتبكي بوجع لم تتخيل أن تعيشه في يوم. كرامتها أبت عليها أن تطلب منه التمسك بها مثلما تفعل هي. إن لم يحارب هو من أجلها فما قيمتها. نظر له موسى بذهول: أنا جبان يا هادي، بقي دي آخرتها؟ رد هادي بعصبية:

أه جبان، لما تشوف حبك قدامك ومش تحارب عشانه؟ أنا أول ما قلبي اختارها روحت صارحتها. أنت عملت إيه؟ أنا بكرة الصبح راجع بلدي، كفاية غربة لحد كده. تركه دون أن يعلم أن كلامه مثل سهم غرزه في أعماق قلب صديقه بلا رحمة. أشرقت شمس يوم جديد لكنه حزين على الجميع. ركب هادي الميكروباص المتجه قريته جوار موسى الشارد في كلامه. بينما صافي لم تخرج من غرفتها منذ الأمس ولم ترد على محاولات والدها في الكلام معها.

سلمى لم تتذوق الطعام لمدة يومين في انتظار مشاركة شاهين لها مثل الفترة الأخيرة أو الصفح عن ذنبها غير المقصود. هو يأتي كل يوم متأخر حتى يضمن أن تكون غفت ليطمئن عليها، لكنه لا يعلم انقطاعها عن الطعام. وصل هادي بعد وقت طويل. ليقف أمام باب منزله بحزن ثم طرق الباب ليجد أمامه والده الذي أنار وجهه من السعادة. ضمه والده بقوة ودخل معه وهو ينادي على زوجته يزف لها خبر رجوع وحيده. مهدي يا هدي شوفي مين هنا.

خرجت تقابله لكنها صرخت بدموع وهي تفتح له أحضانها. يرتمي بينهم حتى يحتمي بهم من ألم قلبه وبكى بألم شديد. انشطر قلب والديه لتتحدث أمه بدموع: مالك يا حبيبي فيك إيه؟ أنت عمرك ما عملتها يا قلب أمك! عبد الله بوجع على حال ابنه: اصبري يا هدي، أعطيه فرصة يتكلم. جلس بينهم في انتظار البوح بما يعتري قلبه. نظرة الحب والحنان الذي يتأملوا به جعلته يتنهد بحزن. وهو يتحدث بتعب: أنا سبت صافي. والدته براحة:

إحنا عارفين من الأول إنك مش هطول معاها، هي مش من توبنا بس سيبتك تجرب عشان لما ترجع تحس بالفرق بينها وبين مهجة. أردف بدموع: مافيش في الدنيا حد زي صافي، قلبها الطيب، حنانها، جدعة مع الكل، حبها ليا. أنا عمري ما أحب ولا أرتبط بغيرها. عبد الله بحيرة: لما هي فيها كل الصفات دي، سيبتها ليه؟ لأنها تستحق الأفضل، معايا شبابها هيضيع تحت عباءة الفقر والحوجة. هي تستاهل واحد يريحها، يقدرها، يحميها من غدر الزمان.

أنا ضحيت بنفسي عشانها، فسخت خطوبتي. رغم القهر والانكسار اللي حاسس بيه واللي شوفته في عيونها. طلبت تيجي تعيش معايا هنا، ولما جرحتها بقسوة كلامي ضحكت وهي بتعيط. رغم أني جرحتها صمت فترة. ثم ابتسم بألم قال: أتمنالك السعادة على قد الحب اللي في قلبي ليك. شعر بقلق شديد، ترك الجيم ثم توجه للخارج وهو يتمنى أن يكون مجرد إحساس عابر. ليس سهل عليه تجنب المعاملة معها أو قسوته عليه.

لكن الخوف الذي شعر به منذ اتصال صافي حتى وصل إليها كان قاتل لأعصابه وروحه. لا يعرف كيف قطع تلك المسافة. شعر بروحه تترك جسده وفرغ الهواء من رئتيه من شدة الرعب. صعد السلم، فتح الباب، دخل الغرفة لم يجدها. توجه للمطبخ يناديها لم يتلقى ردًا. ألقى نظرة على باب الحمام وجده مغلق من الداخل. وقف بحيرة لا يعرف ماذا يفعل حتى يطمئن عليها. أخذ قراره، طرق على الباب وهو يطالبها بالإسراع لأنه يريد استخدام الحمام.

طرق الباب مرة أخرى، تلك المرة بشكل أقوى، بقوة دقات قلبه المتوترة. لكنه لم يتلقى ردًا أيضًا. صرخ بغضب: افتحي الباب يا سلمي أحسن ما أكسره عليكي. انتفض قلبه من الرعب أن يكون حدث لها مكروه. لحظة، متى كان قلبي بهذا الضعف؟ متى شعر بالخوف؟ انتهى صبره ليخبط الباب بكتفه مرة ثم مرة حتى فتح ليجد جسدها يفترش الأرض فاقدة الوعي. جلس أمامها وهو يحملها بين يديه يناديها برعب: سلمي حبيبتي ردي عليا.

خرج بها، وضعها على السرير حتى يتصل بـ صافي. لكن وجد هاتفها مغلق. لعن نفسه بصوت مرتفع. اتصل بأحد تلاميذه: منير شغل عربيتك، أنا نازلك بسرعة. حملها بعد أن ألبسها، وجد ذلك الشاب في انتظاره. تحدثه بقلق: اطلع بينه على أقرب مستشفى. طرق الباب ووقف في انتظار الرد. تسارعت ضربات قلبه عندما رآها أمامه. ابتلع ريقه بصعوبة ليخرج صوته ضعيف: إزيك يا مهجة؟ لترد بهدوء: الحمد لله يا موسى، أخبارك أنت؟ ارتسمت على وجهه ابتسامة اشتياق:

أنا الحمد لله بخير طول ما أنتي بخير. إحم، قصدي أنتي وماما، هي موجودة؟ أه، تعالي، تفسح له الطريق وهي تنادي: ماما، موسى هنا جاي يشوفك. خرجت زينب بترحاب: يا أهلا وسهلا، نورت يابني. سلم عليها موسى بحب: ده نورك يا خالتي. جلس جوارها بتوتر على كنبة في الصالة. "أعملي شاي يا مهجة." تأبعتها عيناه بغرام حتى اختفت ليرجع بنظره مرة أخرى لأمها التي كانت ترى لهفته. أردف بسرعة: حتى لا يرجع في قراره، أنا طالب إيد مهجة يا خالة زينب.

تهللت أسارير زينب التي تحدثت بسعادة: ده يوم المنى يا موسى، أنا ألاقي زيك فين، أدب وأخلاق وابن أختي وحبيبتي. خرجت مهجة وهي تحمل الشاي الذي وقع من يدها عند سماع كلام أمها. وقفز موسى بخوف ولهفة: أنتي كويسة؟ فيكي حاجة؟ يده وعيونه تبحث في يدها وقدمها بلهفة ظاهرة للأعين. مهجة بتوتر من قربه: أنا كويسة، الصينية وقعت بعيد عني. تركتهم وتوجهت لغرفتها دون كلام. وقف يتابعها دون حركة حتى نادته زينب: تعال يا حبيبي اقعد عشان نتكلم.

رجع يجلس ليتحدث في ما يريده. ظل يتحرك خلف الغرفة بتوتر وهو يفرك يده. حتى فتح باب غرفة الكشف نادته الممرضة. ليتحرك بلهفة، رآها تتمدد على الفراش وفي يدها إبرة بمحلول. قطع المسافة في خطوتين يردف بحب: سلامتك ألف سلامة يا حبيبتي. أخفضت عينها بحزن. مد أنامله يحركها على الحقنة التي تخترق جسدها بلا رحمة. سمع صوت الدكتورة من خلفه: أستاذ شاهين، ممكن ثانية. ابتسم لها بحنان قبل أن يتركها ويجلس أمام الطبيبة. التي تحدثت:

إزاي حضرتك تسيبها لما توصل لكده؟ نظر لها بعدم فهم: وصلت لأيه؟ سوء تغذية وهبوط في الدورة الدموية، كان ممكن يسبب وفاة لولا ستر ربنا. رجع لها بنظرة فزع من فكرة خسارتها. طيب، إيه العمل الوقت؟ الدكتورة بعملية: حاليًا أنا مركبة ليها محلول ملح يغذيها شوية وكتبت فيتامين مع أكل صحي كويس وفاكهة. ضروري حضرتك تهتم بأكلها، الموضوع مش سهل. خرجت من غرفتها بعد ثلاث أيام. تغيرت ملامحها، أصبحت حزينة، منكسرة. ألقت عليهم تحية الصباح.

أوقفها صوت حنان: حبيبتي حمد الله على سلامتك، كده توجعي قلبي عليكي. صافي بهدوء: أنا كويسة الحمد لله، بس حبيت أعرفكم إن أنا وهادي سبنا بعض. لطمة حنان على صدرها: ليه يا حبيبتي؟ حصل إيه بينكم؟ أنتم بتعشقوا بعض. أردفت صافي بوجع: مافيش نصيب يا ماما، لو كان لينا نصيب عمرنا ما نبعد. لم ينطق والدها بكلمة واحدة، لكنه من الداخل يشعر بالراحة. هو يعلم أن الأيام دواء لكل وجع. وصلت إلى المستشفى.

طرقت باب غرفته لتدخل عندما سمعت صوته يطالبها بالدخول. وقف عندما رأى معالم الحزن بادية على ملامحه. تحرك ليجلس على الكرسي أمامها يسألها باهتمام: مالك يا صافي؟ شكلك متغير ليه كده؟ أردفت ودموعها تسيل: سمعت إن حضرتك مسافر الكويت كمان شهر، بقول لو ينفع تأخدني معاك. طارق بتعجب: طيب أهدي واحكي مالك؟ أنا عارف إنك رافضة فكرة السفر. قصت له ما يؤلمها. شعر بالحزن من أجلها، أول مرة يرى ضعيفة مهزومة بهذا الشكل.

صافي دائماً مثال القوة والإصرار وسبب الابتسامة على وجوه الجميع. تصل لتلك الدرجة. تنهد ليردف: طيب تمام، أجهزلك ورقك، تيجي معايا الشهرين اللي هقضيهم هناك، لو حبيتي تطولي أكلم مدير المستشفى. وضعها على السرير في غرفته. ليتحدث بحنان: ليه مش بتاكلي يا سلمي؟ خير ربنا عندك في الثلاجة. نظرت له بحزن: آكل إزاي من أكلك وأنتي مش حابة وجودي؟ يتحدث بعتاب: أنا مش حابة وجودك؟ وجودك زي الشمعة اللي نورت حياتي وعمري.

وجودك خلاني أحس إني إنسان والحياة ليها قيمة. تحدثة بحزن: أنت قلت ده أسوأ عيد ميلاد عشان أنا معاك، كلامك قاسي قوي. جلس جوارها ليضمها لحضنه بحب وحنان، قبل رأسها وأردف: مش قصدي المعنى اللي وصلك أبدا. إنتي مش متخيلة أنا حصل جوايا إيه لما صافي اتصلت بيه عشان ألحقك. ثم تنهد بألم: الخوف لحظتها كان غريب عليا وصعب في نفس الوقت.

كنت بجري وأنا بطلب من ربنا يحميكي، روحي انسحبت من جسمي من الرعب وعقلي رسم ليا سيناريوهات كلها أصعب من بعض. أنا بعشقك يا سلمي، وفكرة خسارتك كانت صعبة جدا. سامحيني. ابتسمت وهي تضع رأسها على كتفه لتغمض عينها براحة. هزها بحنان: لا، مافيش نوم قبل ما تاكلي. خرج من الغرفة ثم عاد يحمل صينية بها لحمة مشوية وسلطة وطحينة. جلس أمامها يطعمها بنفسه. تأملته بحب لتفتح فمها في طاعة. تحدثة مع والدتها بعصبية:

ممكن أعرف وافقتي ليه على موسى من غير ما تأخدي رأيي؟ زينب: لأن ده المفروض يحصل من زمان، أنا غلط لما سبتك تجري ورا سراب وفي الآخر دفعتي التمن غالي، رماكي وشاف غيرك. مهجة بحزن: بس أنا مش عايزة ارتبط بموسى، إنتي ناسيه إنهم أصدقاء طفولة ومش هقدر أكون معاه وأنا بفكر في صاحبه، إنتي كده بتدمرى اتنين. أردفت زينب بإصرار: لا، أنا كده بحطك في حضن راجل عشان تنسي وتعيشي شبابك، وأنا وافقت على موسى بالذات.

لأن عيونه بتعشقك، ده اللي يتحملك ويحافظ عليكي. مافيش حد في البلد كان هيطلب إيدك من دلوقتي. علقي على هادي وكل البلد عارفة إنك بتحبيه.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...