كان يتحرك بهستريه مثل مختل حتى رأها تركض اتجاهه وشعرها منسدل خلفها دون حجاب. قفزة شياطين الأرض أمام عيناه من فكرة أن أحدهم لمسها. عندما وجدت نفسها أمامه وبين أحضانه، انتهت طاقتها لتفقد الوعي. حملها بين يديه ثم رجع بضع خطوات حتى وصل أمام كومة كبيرة من القش. يتركها بينهم، خلع قميصه ووضعه فوق رأسها حتى يخفي خصلاتها أمام العيون. ويتوجه لهؤلاء الشباب الذين رفعوا سلاحهم في استعداد للفوز به.
لم يهتم بما يحملوا، كل ما يحركه غيرته القاتلة لما رأته عيناه. توجه لهم بلا تردد، كان يكسر أيديهم وتنطلق الصرخات المتألمة حوله دون أن يرمش له جفن. وقف أصدقائه لا يستطيعون التدخل لأنهم يعرفوه حق المعرفة. عندما يصل لتلك الحالة من الغضب لا يميز بين صديقه وعدوه. نظر حوله وهو ينهج من شدة غضبه، ما فعله بهم لم يشفي غضبه. انحنى على سنجة جوار أحدهم وهو ينوي ما لم يفكر به من قبل. القتل، القتل فقط ما يريحه في تلك اللحظة.
ركضوا خلفه يتشبثوا الإثنين بذراعه في محاولة منعه مما يفكر به. "كفاية يا شاهين، أنت كده خدت حقك وزيادة." دفعهم الإثنين بذراع واحدة وهو يصرخ: "كفاية! لا مش كفاية، أنتوا عارفين هم عملوا إيه فيها؟ وقف شريف أمامه: "أنت كسرت إيديهم ورجليهم أهو، ما فيش حاجة فيهم بتتحرك. يلا شوف مراتك، لازم دكتور يشوفها. أنا هوصلك بالعربية ومهند يروح الموتوسيكل بتاعك." حملها بين يديه وتوجه بها لسيارة شريف.
جلس في الخلف وهي بين يديه مازالت فاقدة الوعي. رفع هاتفه وهو يتحدث باختصار: "هاتي دكتورة معاكي و حصليني على البيت." أغلق دون كلمة زيادة. *** خرجت الدكتورة بعد أن طمأنته عليها. أوصلتها صافي بعد أن شكرتها. رجعت الغرفة وجدته يسند على الحائط خلفها وعيونه عليها. تردف: "ما تقلقش، ضغطها نزل من الخوف والضغط العصبي اللي اتعرضت له." لم تتلقى رد. ظل على وقفته حتى فتحت عينها. وعندما وجدته أمامها ركضت له وهي تبكي في أحضانه.
لكنها شعرت بتصلب جسده. رفعت عينها لتقابلها نظرته القاسية الباردة. وهو يتحدث من بين أسنانه: "خرجتي من البيت ليه من غير ما أعرف؟ "هي كانت عايزة... التفت لها بغضب وتحدث بحدة: "صافي ماتتدخليش." "سيبني أنا ومراتي لوحدنا." حاولت تهدئته لتردف: "أفهم الأول وبعدين... صرخ عليها بعنف جعل جسدها ينتفض لأول مرة وهو يقول: "صافي أمشي الوقت، بلاش نخسر بعض." شعرت سلمى برعب حقيقي وأنها سوف تفقد وعيها مرة أخرى. عندما
التفت لها وهو يتحدث ببرود: "خرجتي ليه وكنتي فين؟ أردفت سلمى بارتعاش: "كنت رايحة أجيب هدية عيد ميلادك." تغيرت نظرته الباردة وهو يكمل: "ده مش سبب إنك تخرجي من غير إذني." فركت يدها برعب من فكرة إهانته لها بالضرب. "أنا عارفه إنه غلط بس أنا كنت بفكر أعملك مفاجأة وطلبت من صافي تعرفني الأماكن وهي طلبت مني أستناها بس أنا كنت مستعجلة عشان أفرحك."
رد عليها بقسوة: "ده أول عيد ميلاد ليا معاكي، وأسوأ عيد ميلاد مر عليا في حياتي كله." رفعت وجهها بصدمة وغشيت الدموع عينها وهي تسأله بصوت مرتعش: "قصدك إيه؟ لم يهتم بسؤالها ليقول: "أول وأخر مرة تخرجي من غير إذني، صدقيني المرة الجاية مش هتتحملي رد فعلي." ثم ترك المنزل، صفع الباب خلفه بعنف. جلست على سريرها تضم قدمها وهي تبكي بحزن وصوت صافي يرن في أذنها: "عيد نكد. عيد نكد." *** شعرت بقلق شديد لأنه لم يحدثها منذ أمس.
وعندما تتصل به لا يأتيها رد. رفعت الهاتف بين يديها وهي تبعث له برسالة تطلب منه سرعة الرد عليها لأن القلق ينهش قلبها. تريد التحدث معه عما حدث اليوم، لعلها تهرب من القلق على سلمي وشاهين. تواجدها والحديث معه ينسيها كل الناس. لكنه لم يرد. نهشت أرض الغرفة ذهابًا وإيابًا لتقرر الذهاب له غدًا وتعنيفه بسبب إهماله لها في الأيام الماضية. أشرق نور الصباح لتقوم بنشاط، تغتسل وتتجهز لتذهب له.
خرجت وجدت أمها وأبيها يجلسوا أمام مائدة الطعام. ألقت عليهم تحية الصباح وهي تتوجه للخروج عندما أوقفها صوت أبيها المتعجب: "رايحة بدري على فين كده يا صافي؟ _رايحة الشغل يا بابا." نظر لها وأردف: "بدري كده، أول مرة تخرجي من البيت في الميعاد ده!! تنهدت وهي تتحدث بهدوء، فهي لم تعتاد الكذب. "أنا رايحة أشوف هادي الأول قبل الشغل، أصل بقاله يومين مش بيرد عليا، خايفة يكون تعبان أو فيه حاجة."
وقف صادق بعصبية: "يعني إيه تروحي لشاب عازب في شقته؟ إنتي اتجننتي! صدمة من عصبيته الغير مبررة: "فيه إيه يا حج؟ هو مش خطيبي ومن حقي أطمن عليه، ولا حضرتك ليك رأي تاني؟ ثم أكملت: "وبعدين أنا طول عمري بأخد بالي من تصرفاتي." لم يجد ما يقوله حتى لا تشعر بفعلته الشنيعة. تركتهم وخرجت لترفع عينها اتجاه منزل هشام تريد الاطمئنان على سلمي وتخاف من رد فعل أخيها. *** لم ينعم أحدهم طوال الليل بنوم.
هي ظلت تبكي الليل كله ولا يوجد معها هاتف حتى تتصل به. وهو ظل يتدرب ليخرج تلك النيران المشتعلة بداخله مما حدث. فكرة لمس أحد لها، ولو بطريقة غير مباشرة، هيأتها وهي بدون حجاب. زادت وتيرة أنفاسه ليرفع زجاجة المياه على فمه يتناول بعض القطرات ثم قذفها في الحائط أمامه بعنف. *** صعدت السلم لتصل على السطح. وقفت أمام الباب بتردد أن تجد موسي. لا زفرة أنفاسها بقوة. تشجع نفسها على الطرق. رفعت يدها وطرقت الباب في انتظار الرد.
ارتعش قلبها بفرحة كبيرة عندما أتاها صوته الرجولي يسأل عن الطارق. قبل أن ترد كان انفتح الباب وهو يقف أمامها. صدم من وجودها. وهي فزعت من هيئته، وجهه أصفر تظهر الهالات تحت عيونه كأنه لم ينال قسط من الراحة ولحيته أنبتت. تحركت بإتجاهه بلهفة: "حبيبي مالك؟ أنت تعبان؟ تجمدت مكانها عندما تحدث ببرود: "خير، إيه جابك؟ لا تعرف لما تألم قلبها من كلمته، لكنها بررت أن هذا رد فعل إهمالها له أو أنه مريض ويحتاج وجودها وهي لم تهتم.
أردفت: "مالك يا هادي؟ إنت زعلان مني في حاجة؟ مر من جوارها ليجلس على الكنبة خارج الغرفة وهو يتحدث بطريقة باردة: "وهزعل منك ليه؟ أنا بس مستغرب إيه جابك!! جلست أمامه وهي تحاول تطنيش بروده وحدته في الكلام معها. "جايه لأن قلقت على حبيبي اللي بقاله كام يوم مش سأل فيه ولما بتصل بيه مش بيرد عليا، خوفت يكون مريض أو فيه حاجة ومحتاج وجودي جنبه. قلبي خلاني أجي بسرعة عشان يشوفه ويطمن."
لعن أبها في كل كتاب من أعطاه الحق يدمر حبهم وسعادتهم. كاد يطلب منها السماح لكن كلام أبيها أفاقه. "بلاش تبقي أناني وتدمرها، لو بتحبها لازم تبعد عنها، هتتعب شوية والأيام تداوي ألمه. أما أنا كنت عايز أكلمك في الموضوع ده، بكرة مسافر البلد مش راجع هنا تاني، أهلي محتاجين وجودي جنبهم وأنا شايف أن ده حقهم عليا بعد كل اللي عملوه عشان... ترددت بعدم فهم: "يعني نتجوز و أسافر معاك؟
تحدث بقسوة: "لا خطوبتنا كانت غلط من الأول، هنا مش حياتي ولا أنتي زيي، أنا هاخد واحدة من توبي تفهمني وأفهمها تشيل أهلي." شعرت لأول مرة بالضعف وهي تختنق بالبكاء. ردت بصوت مرتعش: "قصدك مهجة مش كده؟ تألم قلبه بشدة من تجريحه لها، لكن لم يعد هناك رجوع. أردف بصوت سيطر عليه ليخرج طبيعي: "أه... أهلي بيحبوها وعايزينها، هي وصراحة أنا مش قادر أضحك عليكي أكتر من كده. شوفي حياتك يا بنت الناس مع واحد من توبك."
ابتسمت بوجع وهي تسحب الدبلة من يدها كأنها تسحب روحها من جسدها. وضعتها جواره وهي تردف: "أتمنى ليك بكل الحب اللي جوايا إنك تلاقي كل الخير والسعادة ومبروك مقدمًا." أسرعت في خطواتها تبتعد عنه قبل أن تنهار. جلست على السلم وهي تضع يدها على قلبها من شدة الألم. ظلت فترة لا تستطيع الحركة ودموعها لا تتوقف. بالأخير وقفت ترجع إلى بيتها بقلب منكسر. سبحان من يجبره. ***
أخيرًا انتصر قلبه على عقله، يقنع نفسه أنه سوف يصعد لتغيير ملابسه فقط ولن يتحدث معها. صعد السلم وقلبه يخفق بين ضلوعه بفرحة شديدة كأنه اغترب عنها سنين وليس مجرد سواد الليل. فتح شاهين الباب وجدها تجلس على الأرض وهي تحتضن نفسها بضعف. تحدث دون أن ينظر لها: "قاعدة كده ليه؟ قومي من الأرض أحسن تاخدي برد." وقفت بضعف وهي تهمس: "إنت ندمان على ارتباطك بيه مش كده؟
لم يرد عليها عندما توجه داخل غرفته فتح دولاب ملابسه وتناول منه بعض الملابس. التفت ليخرج عندما وجدها أمامه تسأله بإصرار: "أسوأ عيد ميلاد مر عليك هو المرة اللي كنت فيها معاك؟ وضع يده على قلبه يطالبه بهدوء لأنه ينبض بسرعة. تألمه من مداراة مشاعره القوية اتجاهها. يتمنى ضمها حتى يخفف حزنها لكنه مضطر يقسو عليها حتى لا تكرر.
يعد هذا اليوم الأسوأ في حياته ليس بسبب وجودها بل بسبب الرعب الذي تملكه من فكرة أن يصل بعد فوات الأوان. تخيلها مغتصبه وقتلته. رآها تسبح في دمها بين ذئاب بشرية لا تعرف الرحمة. مجرد الفكرة رغم وجودها معه الآن تألمه بشدة. خرج بعد فترة لم يجدها. بحث عنها حتى وجدها تتمدد على السرير وظهرها للباب. اهتزاز جسدها دليل على بكائه. تنهد بحزن وتركها دون كلام. جلست بوجع عندما سمعت صوت إغلاق الباب وعلمت أنه لن يلين. *** وقف
أمام صديقه وهو يسأله بقلق: "عملت إيه مع صافي؟ نازلة بتبكي ولما كلمتها مردتش عليا." رفع يده أمام عيونه بدبلتها ودموعه تسيل بحزن: "صافي خلاص سيبنا بعض." اقترب منه موسي بفزع: "أنت بتقول إيه؟ أكيد أنت اتجننت. إزاي تدمر حبك كده؟ وقف هادي بعصبية: "أنت مالك؟ ماتتدخلش في حياتي. ولا فاكرني جبان زيك؟ صدم موسي من رد فعله الغريب. ليكمل: "أنا هرجع البلد أعيش مع أهلي وأشوف حياتي مع...
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!