رجعت صافي حزينة منكسرة، طوال الطريق لم تنطق بكلمة. تسند بيدها على شباك السيارة، حزينة على تلك الفتاة التي انهارت أمامهم. القلب ليس له سلطان يختار شريكه دون الرجوع للعقل، عندما يقع في الحب يلغي كل قوانين العرف والأصول. أي رجل غير هادئ لن يترك فتاة تمتلك جمال مهجة. إنها فاتنة بحق، ليس مجرد كلام. وما يزيد الوضع سوءاً حب أهله لها، وهي تقوم بخدمتهم في غيابه. ماذا يريد أكثر من ذلك حتى يقع في غرامها؟
وصلوا إلى المنزل، رفضت الكلام مع أي شخص حتى هادي، ودخلت غرفتها لتجد سلمى في انتظارها. خلعت ملابسها ودخلت سريرها. احترمت سلمى صمتها ولم تنطق بكلمة. اعتكفت في غرفتها أكثر من يومين، لا تتكلم مع أحد، حتى هادي الذي حاول معها كثيراً. لم ترد عليه ولم تقابله عندما أتى إلى المنزل أكثر من مرة حتى يراها. *** سوف يجن من التفكير، أصبح شديد العصبية ويلعن من كان السبب في هذا الوضع.
تأمل موسى تعب صديقه دون أن ينطق. هو لا يقل ألماً عنه. الوضع يزداد سوءاً كلما رفضت الرد عليه. أخيراً نطق موسى: "أهدي يا هادي، ما ينفعش اللي بتعمله في نفسك كده. سيبها شوية ولما تهدى تكلمك." تحدث بعصبية: "أسيبها لحد أمتى؟ من يوم الزيارة وهي رافضة الكلام. أنا غلطان أني أخدتها هناك بس." "البنت مهجة دي اتجننت على الآخر، ما كنتش متوقع تتكلم بالطريقة دي وتعمل كده قدامهم." "المصيبة الأكبر أن أمي مش مرتاحة لصافي بسبب مهجة."
موسى بحزن: "إن شاء الله خير، بس أهدي وبكرة هي تكلمك." "الموضوع شكله اتعقد يا موسى." *** بكت في حضن سلمى، التي بكت مثلها وهي تقص عليها ما حدث وكيف انهارت تلك المسكينة وإحساسها بعدم تقبل أمه لها. "معلش يا صافي، المهم أن هو بيحبك. هي قدامه من الأول اختارك انتي، وهو قال قدام أهله أنه عمره ما وعدها بحاجة وهم أكدوا ده، يبقى هو ذنبه إيه؟
"آه الموقف محزن، بس بلاش تهدّي حياتك. ردي عليه، كلميه بدل ما يتجنن كده، ده كل شوية جاي يخبط." *** أتى بلهفة شديدة بعد أن وافقت على رؤيته. تأملها بشوق وهو يعاتبها بهمس: "كده يا صافي، هونت عليكي تفرطي فيه بالساهل؟ جلست أمامه وهي تتحدث: "اتجوّزها يا هادي. البنت بتعشقك، جميلة، شايلة أهلك هم، اتحملوا كتير عشان تيجي. آن الأوان إنك تردلهم تعبهم، هي معاهم بتخدمهم، يبقى ناقص وجودك."
تحدث بهمس: "لو كان الحب بإيدي كنت حبيتها، لكن ده مش بإيدي. أنا عايزك انتي، بلاش تبقي انتي والزمن عليا، بلاش تحرميني من الحاجة الوحيدة اللي بتخفف عني تعب الحياة وضغوطها." أكمل بوجع: "إلا لو كنتي مش عايزاني بعد ما شفتي حياتي البسيطة ووضع بيتنا. كده يبقى موضوع تاني وأنا أنسحب من غير أي مضايقة." وقف ليخرج.
مسكت يده: "انت كنت صريح معايا من الأول وأنا عارفة كل حاجة، يعني شفت أو لا مكنتش هبعد. بس انت كده بتخسر أهلك ومش عايزة أموت." جلس أمامها مرة أخرى ومازالت يدها بين يده. تنهد بحب: "أنا هنا من سنين، شفت كتير." "أنا مش مراهق عشان مبقاش عارف أنا عايز إيه." "أنا عايزك انتي بس في حياتي. قلبي دق مرة واحدة بس، وهي انتي. لا مهجة ولا غيرها يفرقوا معايا، مستعد أخسر الكل إلا انتي، فاهمة؟
زفر ليكمل: "وأهلي أنا مش هاسيبهم، بس تجيلي فرصة كويسة أو أعرف أفتح مكان خاص هجيبهم يعيشوا معايا. وقتها بس يفهموا حبي ليكي." ابتسمت براحة وهي تهمس: "أنا بحبك." أنار وجهه بفرحة كبيرة وهو يتحدث: "أخيراً رديتي روحي، أنا بعشقك عشق." *** ابتسمت بحب: "صباح الخير على أجمل عيون." ردت بخجل: "صباح الجمال يا صافي." "برضه مش جاية معايا وأنا بجيب الدبل؟
تنهدت سلمى بحزن: "مش عايزة مشاكل مع قريبك ده، كل ما يشوف وشي يغضب كأنه شاف عفريت." اقتربت منها صافي بمرح، وهي تقرص خدها: "طب بذمتك في عفريت بالجمال والطعامة دي؟ يا هبلة، عصبيته سببها حاجة تانية وأنا متأكدة إنك مش فاهمة حاجة، أصل اللي زيك يفهم كده إزاي؟ نظرت لها بسؤال: "قصدك إيه أن عصبيته بسبب حاجة تانية؟ ثم ابتسمت: "يعني مش أنا السبب؟ صافي وهي تبتسم لها بتهكم: "مش انتي السبب إزاي؟
أخويا طول عمره تقيل وراسي كده، عمر ما عفاريت حواء أثرت معاه لحد ما سيادتك شرفتي. افهمي يا هبلة، الجدع قلبه اشتعل عليكي وبقي مش عارف رأسه من رجليه، والغيرة بتحرقه." "وانتي جاية معايا النهارده، تابعي تصرفاته وأنتي تعرفي." *** وقف شاهين بحيرة، لا يعرف ماذا يريد. هل يأخذها منزله بالقوة ويلبسها النقاب، أو يقوم بعمل تعويذة حتى يراها الجميع قبيحة. "كابتن، كابتن، أعمل إيه بعد التمرين ده؟
نظر له بتشتت، ثم أشار لإحدى طلابه المتقدمين حتى يساعده. ترك الجيم وخرج. رأى هادي يتوجه للمنزل، ناداه وهو يشعر بغيرة: "مش فاهم قصدك." شعر شاهين بقلة ذوقه فأردف: "قصدي البيت، مش المفروض تيجي معايا شوية نتكلم وبعدين تروح؟ حرك هادي جواره وهو يتحدث: "صافي صممت أجي أتغدى معاهم وبعدين نمشي." جلس هو وشاهين أمام الجيم، طلب من صبي القهوة أن يأتيهم بعصير الليمون حتى تبرد أعصابه الثائرة بسبب تلك الحورية. ***
انتهوا من الغداء، تناول الرجال الشاي في انتظار صافي وأمها. "إحنا جاهزين." رفع الجميع عيونهم لتصطدم عيناه بحوريته وهي تقف جوار صافي، ترتدي جيب طويل واسع فوقه بلوزة مستردة وحجاب أسود جعل وجهها يشع جمالاً وهو ينفث ناراً. وقف وهو يتحرك اتجاهها بغضب: "إنتي رايحة فين كده؟ فركت يدها بتوتر وهي ترجع للخلف: "صافي طلبت أكون معاها." زفر بضيق وأردف: "سألتي مين قبل القرار ده، وعرفتي رأيي؟
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!