تحميل رواية «منعطف خطر» PDF
بقلم ملك ابراهيم
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
راجعة من الشغل متبهدلة وتعبانة وشايفة حياتها كلها بتتلخص في سؤال واحد: هاكل إيه دلوقتي؟ قررت تقف عند كشك جنب بيتها تشتري حاجة خفيفة، بس واضح إن حتى طلب الزبادي مش هيعدي على خير. "لو سمحت." رد صاحب الكشك بحماس أكتر من اللازم: "عايزة إيه يا عروسة؟" البنت اتجمدت مكانها: "عروسة؟ إنت عرفت منين؟!" ضحك وقال وهو بيقلب في الحاجات المعروضة قدامه: "يا بنتي دي تحية رسمية، بقولها لأي بنت تيجي تشتري مني!" "ماشي يا عم الحاج، اديني علبة زبادي وكيكة كبيرة عشان ماما ناوية تخليني أنام من غير عشا النهاردة." صاحب ال...
رواية منعطف خطر الفصل الحادي عشر 11 - بقلم ملك ابراهيم
واضح إن اللي حصل إمبارح ما كانش صدفة، ولا الشخص ده طلع شخص عادي زي ما إنتي فاكرة.
ياسمين شهقت وهمست بخوف: حضرتك بتقول إيه؟! أومال مين اللي أنا قابلته ده ويعني إيه ما كانش شخص عادي؟! قصدك إنه كان عفريت؟!
وانتفضت من مكانها بصدمة وقالت: أنا كنت حاسه والله إنه مش شخص عادي، بس طلع عفريت إزاي؟ ده كان شكله حقيقي أوي!
دكتور قدري بص لها بدهشة وهو مستغرب طريقة تفكيرها وكلامها!
ياسمين قعدت مكانها مرة تانية وهي حاطة أيديها على بؤها وقالت: آه صح، ما فيش شخص عادي يضحك ويهزر وهو في مطاردة زي اللي حصلت دي، دول كانوا معاهم مدافع وهو ماشي يضحك ولا في دماغه!!
دكتور قدري قاطعها بزعيق عشان توقف كلام وتفكير: عفريت إيه يا بنتي بس هو إنتي بتفكري إزاي!! أنا قصدي إنه مش شخص عادي يعني هو شخص متدرب كويس وعارف هو بيعمل إيه.
ياسمين باستغراب: متدرب على إيه مش فاهمة؟
رد بنبرة جامدة: قصدي إن الشخص ده مرتبط بحاجات أكبر بكتير من حادثة حصلت في الشارع، وممكن يكون بيشكل خطر كبير عليكي وعلى عيلتك كمان!
ياسمين بدهشة: بيشكل خطر عليا وعلى عيلتي إزاي!! ده هو اللي أنقذني وساعدني أرجع بيتي.
فكرت شوية وبصت لدكتور قدري وقالت: هو حضرتك عرفت كل الكلام ده منين؟ وإزاي لقيت تليفوني؟
دكتور قدري سكت لحظة وهو بيقلب تليفونها في إيده وكان واضح عليه إنه بيفكر في رد مقنع وقال: إنتي نسيتي الموبايل بتاعك في عربيته، وإحنا لقينا الموبايل وقت الحادثة.
ياسمين بفضول: أنتوا مين؟
رد دكتور قدري: إحنا حكومة، والشخص ده تبع عصابة خطيرة وإنتي لازم تساعدينا نوصله عشان تنقذي نفسك وتنقذي أخوكي.
اتجمدت ياسمين مكانها وعينيها بدأت تدمع من القلق وقالت بصوت مهزوز: حضرتك بتخوفني ليه؟ هو حضرتك تعرف مين اللي خطفوا أخويا؟
دكتور قدري ابتسم ابتسامة خفيفة، غريبة، وقال: ده سؤال هتعرفي إجابته، بس مش دلوقتي.
بصلها بعينين ما فيهاش رحمة وقال: أنا ممكن أساعدك، بس المساعدة ليها تمن، يا ياسمين.
ياسمين اتوترت أكتر، ونبرة دكتور قدري بدأت تقلقها بجد. سألته بحذر: يعني إيه حضرتك تساعدني؟ وتمن إيه؟
ابتسم ابتسامة فيها خبث وقال: أنا ممكن أتكفل بكل مصاريف المستشفى، وأخلي والدتك تتعالج على أعلى مستوى، وديونك كلها تتقفل.
بصتلُه بريبة وقالت: مقابل إيه؟
رد وهو بيحط إيده على المكتب وقال: تبقي موجودة معانا شوية، في شغل بسيط كده محتاجين واحدة زيك تعمله، ومش هيبقى فيه خطر لو سمعتِ الكلام.
قلب ياسمين وقع في رجليها، حست إنها في مصيدة، وحسّت من نظراته إنها مش مرتاحة خالص.
ردّت بسرعة وهي بتحاول تحافظ على هدوئها: أنا محتاجة أفكر طبعًا، وعايزة أطمن على ماما وأخويا الأول.
هز راسه وقال: خدي وقتك، بس خلي بالك، كل دقيقة بتعدي، فيها خطر على أخوكي وعلى حياة مامتك كمان.
خرجت ياسمين من المكتب بعد اتفاقها مع دكتور قدري وهي مش شايفة قدامها، دماغها بتلف في مليون اتجاه.
فضلت ماشية في الطرقة وهي بتفكر بصوت جواها: هو أنا وقعت في عصابة بجد ولا إيه؟ الدكتور ده مستحيل يكون حكومة بجد!! شكله يخوف وكلامه غريب وفيه تهديد.
فجأة، لمعت في دماغها صورة خالد.
افتكرت شكله، طريقته، كلامه، وصوت جوّاها قالها: هو اللي بدأت معاه كل حاجة، وهو الوحيد اللي أقدر أثق فيه.
وقفت فجأة وافتكرت الظابط اللي شافته في مكتب المأمور، هو نفسه صاحب خالد اللي جه وصلهم بعربيته، ومعنى إن صاحبه ظابط يبقى خالد هو كمان ظابط، وتليفونها وقع في إيد دكتور قدري وهي نسيت تليفونها في العربية وهما بيهربوا من العصابة، يعني كده دكتور قدري تبع العصابة.
اتجمدت مكانها تفكر بصوت مسموع جواها وقالت لنفسها: يبقى الوحيد اللي ممكن يفهمني ويعرف فين خالد، هو الظابط اللي شُفته في القسم، أنا فاكرة خالد وهو بيتكلم معاه في العربية وقال إسمه مُهاب.
اتحركت بخطوات سريعة وهي بتلف في المستشفى تدور على حسين جارها.
لقته واقف مع أمه قدّام باب العناية المركزة، أول ما شافها قرب منها وقال بقلق: مالك يا ياسمين؟ شكلك متغير كده ليه؟
قربت منه وهي بتوشوشه: حسين، أنا لازم أحكيلك على اللي حصل جوّه، اسمعني كويس.
سحبته على جنب وحكتله بالتفصيل كل اللي دار بينها وبين دكتور قدري، كلامه الغريب، الموبايل اللي رجعهولها، تهديده المبطن.
حسين اتعصب وقال: ده شكله مش تمام خالص، وإزاي يكون عنده تليفونك من إمبارح! ده واضح إنهم مترصديينك من وقتها.
ياسمين: أنا مش مرتاحة له خالص يا حسين، وحاسه إنه ورا المصايب اللي بتحصل حوالينا، وأنا افتكرت الظابط اللي كان في القسم اسمه مهاب، هو الوحيد اللي ممكن يساعدني ويعرف يوصل لخالد، أنا متأكدة إن الشخص الوحيد اللي هيقدر يرجعلي أخويا هو خالد اللي كان معايا في الحادثة إمبارح.
حسين قال بحزم: ماشي يا ياسمين، سيبيلي الموضوع ده، أنا هروح القسم بنفسي وهسأل على الظابط مهاب وهحكيله كل اللي حصل، لو لقيته هقوله يوصل لخالد بأي طريقة ويجي يشوفك.
ياسمين بصت له بامتنان وعينيها بدموع: أرجوك يا حسين، ماما محتاجالي، وأحمد أكيد في خطر، الوقت بيجري وأنا مش عايزة أضيع وقت.
هز راسه وقال: اطمني، هروح حالًا، بس خدي بالك من نفسك ومتتحركيش في المستشفى لوحدك، وخليكي قاعدة جنب أمّي على طول عشان لو حصل أي حاجة.
في المساء.
المكان اللي محبوس فيه أحمد أخو ياسمين، كان هادي من برّه لكن مليان توتر من جوا.
خالد قرر ياخده معاه الأوضة اللي بينام فيها، يمكن يقدر يطمنه شوية ويبعده عن دوشة العصابة اللي نصها كان نايم والنص التاني سهرانين وطفح بيهم الكيل من عياط الولد اللي خطفوه.
فخالد قالهم: أنا هريّح دماغكم، هخده ينام معايا لحد ما الباشا يقرر هيعمل إيه معاه.
قفل الباب عليه هو وأحمد، ووقف يبص لأحمد اللي عنيه متغرقة دموع من الصبح، قاعد على السرير وعمال ينشج بصوت مخنوق.
خالد قرب منه، قعد قدامه وقال بهمس مليان حنية: أحمد يا بطل، ممكن تسمعني؟ أنا عايز أرجّعك لمامتك وأختك، بس لازم تساعدني.
أحمد رفع عينه، عيونه تشبه كتير عيون ياسمين، ونبرته كانت مكسورة وهو بيقول: أنا عايز ماما.
خالد هز راسه بإيجاب، وقلبه اتقبض من الوجع اللي في صوت الولد، وقال بهدوء: هترجع، وعد، بس ما تعيّطش كده، وما تخفش، أنا جنبك.
أحمد رَد بصوت بيترعش: أنا خايف، وعايز أروح لماما وأختي ياسمين.
اسم ياسمين وقع على ودن خالد زي رجفة، قلبه دق بقوة غصب عنه، وسأله بتردد وهو بيحاول يخبي إحساسه: أنت عندك أخ تاني؟ حد أكبر منك غير أختك ياسمين؟
أحمد هز راسه بـ "لأ"، وقال ببساطة: لأ، أنا مليش غير أختي ياسمين.
خالد سرح شوية، عينه علّت ناحية السقف، بيفكر في الشاب اللي اخد ياسمين من مكان الحادثة.
سأله وهو بيحاول يظهر السؤال عادي: ياسمين أختك مخطوبة؟ أو متجوزة؟
أحمد رد بسرعة ومن غير تفكير: لأ، أختي ياسمين مش متجوزة، وكان في عريس جاي إمبارح، بس اتخانق مع ماما عشان أختي اتأخرت، ومشي وخد الجاتوه معاه.
خالد ضحك غصب عنه، نسي نفسه لحظة، وبص لأحمد وقال بنبرة خفيفة: إيه حكاية الجاتوه معاكم؟ بتحبوه قوي كده؟
أحمد مسح دموعه بإيده وقال ببراءة: أنا بحب الجاتوه، بس بحب أبلة ياسمين أكتر، عشان دايمًا بتجبلي كل اللي نفسي فيه. ومش عايزها تتجوز وتسيبنا أنا وماما لوحدنا.
خالد سأل بدهشة، وهو مش قادر يخفي استغرابه: طب وباباك فين؟
أحمد رد بنبرة حزينة، وعينيه نزلت لتحت: بابا مات وأنا صغير أوي، وأبلة ياسمين هي اللي بتشتغل وبتجبلي كل حاجة نفسي فيها. وأنا لما أكبر، هشتغل كتير علشان تِرتاح هي من الشغل، وهجبلها هي وماما كل اللي نفسهم فيه.
خالد ابتسم وهو بيبصله بإعجاب حقيقي وقال: برافو عليك، إنت كده بجد بطل! طب قولي، نفسك تشتغل إيه لما تكبر؟
أحمد وشّه نور فجأة، وحس لحظة إنه نسي إنه مخطوف، وقال بحماس: نفسي أبقى ظابط!
خالد ضحك وقال بنبرة هزار: يا عم بلاش الشغلانة الصعبة دي، ما تختار حاجة أسهل كده؟
أحمد هز راسه بإصرار، وقال بنبرة جد: لأ، أنا عايز أبقى ظابط، علشان أقبض على الناس اللي خطفوني، وأمسك كل المجرمين اللي بيخطفوا ولاد زَيّي وبيخوفوهم.
وبص لخالد بعينين فيها حب وأمان وقال: بس أنا مش هقبض عليك، ما تتخافش، عشان إنت مش زيهم، أنا حبيتك.
خالد ابتسم، وقلبه دق من الكلام اللي خارج من طفل بريء، وقال له بهدوء: وأنا كمان حبيتك يا بطل، وما تخافش، هرجعك لمامتك وأختك.
أحمد مد إيديه لخالد، وقال برجاء طفولي: اعتبر ده وعد؟
خالد مسك إيده وقال بإصرار: وعد، إن شاء الله.
أحمد حضنه بكل براءة، وسأله بصوت فيه فضول: هو إنت عندك ابن اسمه علي؟ عشان أنا سمعتهم بيقولولك يا أبو علي.
خالد ضحك وقال وهو بيهزر: لأ يا عم، أنا لا متجوز ولا عندي ولاد، أنا اسمي حسن، وأبو علي دي كده دلع على اسمي.
أحمد بص له بقلق بسيط وسأله: طب يا أبو علي، هترجعني لماما إمتى؟
خالد مسح على شعره بحنية وقال: هتنام معايا الليلة دي، وبكره إن شاء الله هتبقى في حضن مامتك وأبلة ياسمين، ما تخفش.
أحمد ابتسم، وعينيه اتملت راحة، وغمض عينيه وهو مطمن، وخالد فضّل قاعد جنبه، ساكت، بس دماغه شغالة تفكير، بيدور على طريقة يخلي الوعد اللي قطعه يبقى حقيقة.
في المستشفى، في أوضة العناية المركزة.
الهدوء كان مسيطر على المكان، بس قلب أم حسين كان مليان قلق وهي داخلة تطمن على جارتها وصحبة عمرها "سماح".
وقفت جنب السرير وبصتلها بعين حزينة، وفجأة شافت عيون سماح بتفتح بصعوبة، صوت نفسها تقيل وكأن كل نفس بيكلفها عمر، وبلسان مثقل بالوجع قالت: أم حسين.
أم حسين قربت منها بسرعة، وقالت بقلق باين في كل نبرة في صوتها: حمدلله على السلامة يا حبيبتي، طمنيني عليكي يا سماح، إنتي كويسة؟
سماح هزت راسها بالكاد، وقالت بتعب شديد: أحمد، فين أحمد؟
أم حسين بصّت لها ودمعتها على طرف عينها، وردّت بحنية ممزوجة بالخوف: هيرجع إن شاء الله يا حبيبتي، ما تخافيش عليه، ربنا كبير.
بس دمعة سماح سبقتها، ونزلت على خدها وهي بتقول بصوت مكسور: هما، هما اللي خطفوه، أنا ما عرفتش أحمي عيالي منهم.
أم حسين بسرعة بصّت حواليها، تتأكد إن ما فيش حد سامعهم، وقربت منها أكتر وقالت بصوت مهزوز: إزاي بس يا سماح؟! دول ما يعرفوش عنكم أي حاجة! وبعدين، مين فيهم يعرف إنك كنتي متجوزة ابنهم في السر؟ الله يرحمه يحيى جوزك، مات وسره مات معاه.
لو أهله في الصعيد كانوا عارفين إنه كان متجوز ومخلف بعيد عنهم، كانوا خدوا العيال منك من زمان، مش بعد سبع سنين من موته!
رواية منعطف خطر الفصل الثاني عشر 12 - بقلم ملك ابراهيم
لو أهلهم في الصعيد كانوا عارفين إنه كان متجوز ومخلف بعيد عنهم، كانوا خدوا العيال منك من زمان… مش بعد سبع سنين من موته!
سماح حاولت ترفع راسها شوية وقالت بنبرة فيها وجع عمره سنين: دول ناس قلوبهم ما فيهاش رحمة، يقدروا يعملوا أي حاجة… أنا بعد ما يحيى مات، استخبيت أنا وولادي، كنت عايزة أحميهم منهم. ياسمين وهي صغيرة، كنت دايمًا أقولها إن باباها مسافر، بيشتغل بره مصر، وكان بييجي في الإجازات… ما كانتش تعرف الحقيقة، إن باباها كان عايش مع أهله وبيخبينا بعيد عنهم عشان يحمينا. ولما مات، قلتلها إنه مات وهو مسافر واندفن في البلد اللي كان فيها… وفهمتها هي وأحمد إن باباهم ما لوش أهل… ولا عيلة… ما قدرتش أقولهم الحقيقة… ما قدرتش أقولهم إن عيلة أبوهم مجرمين… وإنه مات برصاص الشرطة قبل ما يلحقوا يقبضوا عليه وهو بيسلم سلاح.
اتنهدت أم حسين بحسرة وهي بتفتكر أول مرة شافت فيها سماح… من أكتر من عشرين سنة، لما سكنت في الشقة اللي قصادها وكانت وقتها لسه حامل في ياسمين. جوزها كان بيغيب عنها بالأسابيع والشهور، ولما جت تولد ما لقتش حد جنبها غير أم حسين. يومها ما ترددت، لبست بسرعة وخدتها على المستشفى، ومن ساعتها اتربط بينهم رباط قوي، وبقوا أكتر من جيران… بقوا أهل. وقتها، حكتلها سماح عن كل حاجة. كانت سماح بنت جميلة، من عيلة بسيطة، فقيرة بس ما فيش أغنى من قلبها. حبت "يحيى" ابن العيلة الكبيرة، العيلة اللي الناس كلها كانت بترتجف من اسمها… هو كمان حبها، واتجوزها في السر. كان شايف إن دي الطريقة الوحيدة يحافظ بيها عليها بعيد عن المشاكل والشر اللي في عيلته. وكانت آخر وصية ليه قبل ما يموت: "لو جرالي حاجة… اختفي، وربي عيالي بعيد عنهم."
أم حسين رجعت ببصتها لسماح، والدموع مالية عنيها وقالت: بس عرفوا منين بعد السنين دي كلها؟ واشمعنا دلوقتي؟
سماح ردت بتعب، وصوتها كان بيخرج بصعوبة من كتر الإرهاق والحزن: مش مهم عرفوا إزاي… ولا ليه… المهم يرجعولي ابني… أحمد.
أم حسين بصتلها بحزن وقالت: وانتي ناوية تعملي إيه؟ هتحكي لياسمين؟
سماح بصت في الفراغ، نظرتها كلها وجع وقالت: مش قادرة… مش دلوقتي. أنا عايزاكي إنتي تروحي وتسأليهم عن ابني…
أم حسين ارتبكت، قلبها بدأ يدق بسرعة وقالت بخوف: هروحلهم فين؟! وأقولهم إيه بس؟ دول ناس ما ينفعش حد يفتح معاهم كلام! ولو طلعوا مش هما اللي خاطفين ابنك، مش بعيد يأذوكي انتي وعيالك!
سماح دموعها كانت بتلمع في عينيها وهي بتقول: لو مش هما اللي خطفوه، أكيد يعرفوا مين اللي عملها… أنا ما ليش أعداء هنا، وما فيش حد غيرهم ممكن يأذيني بالشكل ده. أنا مش هستنى لحد ما ولادي يضيعوا مني. روحي… عشان خاطري يا أم حسين، اسأليهم عن أحمد…
أم حسين سكتت لحظة، قلبها واجعها، وبعدين هزت راسها وقالت: حاضر… هروحلهم يا حبيبتي. بس إنتي بالله عليكي ما تَتْعَبيش نفسك بالكلام أكتر من كده… قوليلي أروح لمين فيهم بالظبط؟ وأوصلهم إزاي؟ وأنا هتصرف.
في مكان آخر (في الصعيد)
في فيلا ضخمة متحصنة بالحراس والأسلحة… دخلت عربية سودا آخر موديل وقفت قدام الباب الرئيسي، ونزل منها شاب صعيدي أنيق، غامض، ماشي بخطوات واثقة كلها غرور وعينه بتلمع من الثقة. دخل البيت كأنه صاحبه، ولما شاف جده قاعد على الكرسي، ساند على عكازه، راحله وباس إيده باحترام وقال: كله تمام يا جدي… البضاعة وصلت المخازن والرجالة شغالة عليها دلوقتي عشان تتوزع زي ما خططنا.
الجد ابتسم وهو بيهز راسه برضا وقاله: طول عمرك رافع راسي يا يحيى… طالع لعمك الله يرحمه.
وبص الجد على صورة متعلقة على الحيطة، صورة كبيرة في برواز ذهبي… كانت صورة "يحيى الكبير"، عم الولد. نظراته اتملت حزن، وقال بصوت فيه وجع: ما فيش حاجة كسرتني في حياتي زي موت عمك يحيى… راح غدر، وكان زعلان مني… كان أنضف قلب في ولادي، وأنا كنت بضغط عليه في كل حاجة. كان بيترجاني يبعد عن شغلنا كل يوم، وأنا كنت مفكر إني بحميه… بس هو اللي اتكسر، واتكسر قلبي معاه.
يحيى سكت لحظة، عينه على الصورة، وقال: ربنا يرحمه يا جدي.
الجد كمل كلامه ونظره متعلق بالصورة: حتى بنته الوحيدة… ريحته اللي كانت فاضلة… أمها خدت البنت وهربت بيها بعد موته، بعيد عننا… أنا اللي كنت السبب… أنا اللي غصبت عليه الجوازة دي. كنت فاكر لما أزوجه لبنت سيادة اللواء نضمن الحماية ونأمن الشغل… بس بعد موته، سيادة اللواء خاف على سمعته، وسافر ببنته وخلّا حفيدتي الوحيدة تقطع علاقتها بيا. ما كنتش أعرف إن نهايته هتكون كده.
يحيى بص لجده بعين حزينة بس كلها عزيمة، وقال: هييجي اليوم اللي ترجع فيه يا جدي… هي مهما بعدت وسافرت، عمرها ما هتكون غير حفيدة عيلة الشرقاوي. ومهما جدها حاول يبعدها عننا… هتفضل اسمها كارما يحيى الشرقاوي.
الجد بص قدامه بحزن وقال: تعرف يا يحيى.. عمك زمان وهو شاب في سنك كده.. كان بيحب بنت من عيلة فقيرة اسمها سماح.. كان بيحبها أوي لدرجة إنه لأول مرة يقف قصادي ويتحداني عشانها.. كان عايز يتجوزها وأنا رفضت.. كان هدفي أزوجه بنت سيادة اللواء عشان يبقى لينا ضهر وحماية.. أنا ظلمت عمك يحيى كتير أوي وهو كان بيعمل كل حاجة عشان يرضيني.. يا ريتني كنت سيبته يتجوز البنت اللي حبها.
يحيى كان بيسمع جده باهتمام وشايف اللمعة اللي بتظهر في عين جده لما يتكلم عن عمه يحيى اللي كان جده متعلق بيه وروحه فيه.
الجد كمل كلامه وقال وهو بيتنهد: كل مرة كنت ببص في عين يحيى ابني وأشوفه قد إيه هو تعيس في جوازته من بنت اللواء اللي أنا أجبرته يتجوزها.. كنت بحس قد إيه أنا ظلمته.. لو الزمن يرجع بيا تاني.. كنت هسيبه يتجوز اللي قلبه حبها واللي تسعده في أيامه القليلة اللي عاشها في الدنيا.
الجد بكى بحزن على فراق ابنه اللي لسه واجع قلبه لحد دلوقتي. ويحيى كان بيسمع جده وهو مقهور على حالته ومش عارف يعمل إيه عشان يشفي وجعه على فراق ابنه.
خلص اليوم وطلع فجر جديد. أم حسين خرجت من بيتها لمحطة القطار عشان تروح الصعيد وتقابل عيلة الشرقاوي زي ما سماح طلبت منها.
في المستشفى..
ياسمين كانت نايمة وهي قاعدة على كرسي قدام غرفة العناية، جسمها متشنج من التعب، وصحيت على وجع في رقبتها وضهرها، فتحت عينيها بصعوبة وهي بتحاول تفرد ضهرها اللي كان واجعها من القعدة.
في اللحظة دي، دخل حسين، جارهم، وكان باين عليه إنه جاي بيجري بخطواته.
قرب منها وقال بصوت هامس: أنا رحت القسم وقابلت المأمور، حكيتله كل اللي قلتيهولي، وعرفته بموضوع دكتور قدري صاحب المستشفى… وهو طمني وقال إنه هيتابع الموضوع، وبدأوا فعلاً في التحريات بس في سرية تامة، ولو حصل أي جديد هيبلغونا على طول.
سكت لحظة وكمل: ماما كانت جاية معايا، بس قالتلي أسبقها على هنا، وهي راحت مشوار مهم الأول.
ياسمين سمعته وهي ساكتة، بس عنيها كانت فيها لمعة إصرار رغم الإرهاق… كانت متأكدة إنها خدت القرار الصح، وكان لازم تبلغ الشرطة، خصوصًا بعد كلام دكتور قدري اللي أكدلها إن اللي بيحصل مش طبيعي. قلبها كله كان دعاء… يا رب، ساعدهم يلاقوا أخويا… وماما تقوم بالسلامة.
———
في مكان تاني داخل القاهرة.
جوه قصر كبير وفخم، وسط الهدوء المريب… كان دكتور قدري قاعد في صالون واسع، قدامه الباشا عوني، زعيم العصابة، وكان واضح إن في كلام مهم بيتقال.
دكتور قدري بدأ الكلام وهو ماسك فنجان القهوة بإيده وبيقول بهدوء: البنت شكلها فعلاً ما لهاش دعوة بالموضوع… كل التحريات عنها بتأكد كده، وما تعرفش أي حاجة عن اللي ساعدها. دي أول مرة تشوفه، ولما وصفته… الوصف عادي جدًا، ممكن ينطبق على أي حد ماشي في الشارع.
الباشا عوني كان ساكت، بيبص في الأرض بتفكير، وبعدين رفع عينه وقال بنبرة فيها ريبة: سألت رجالتنا لو في حد شافه؟ حتى لمحة من بعيد؟
دكتور قدري هز راسه وقال: ما فيش… ولا حد شافه، وحتى الكاميرات اللي على الفيلا… ما فيش أي لقطة ليه، كأنه شبح.. دخل وخرج من غير ما يسيب وراه أثر، وده معناه إنه مش شخص عادي… ده متدرب وفاهم هو بيعمل إيه كويس أوي.
الباشا عض شفايفه من الغيظ وقال بنبرة غاضبة: يعني في حد بيتجسس علينا… وبيدخل وسطنا كده من غير ما نحس! لو ما وصلناش ليه في أقرب وقت… كل حاجة بنبنيها بقالنا سنين ممكن تقع في لحظة.. الولد الصغير والبنت دول لازم يختفوا… قبل ما يبقى في خيط يربطهم باللي ورا اللعبة دي كلها.
سكت لحظة وقال بصوت فيه شك: وفي حاجة مش داخلة دماغي… إزاي بنت تركب مع واحد ما تعرفوش، ويهربوا من رجالتنا، وبعدين يرجعها لبيتها عادي كده، وهي ما تعرفش عنه أي حاجة؟! البنت دي وراها حاجة… ولازم نعرفها.
دكتور قدري حاول يهدي التوتر وقال بثقة: أنا متأكد إنها كانت صادقة معايا… دي بنت طيبة وعلى نيتها، وأنا لما اتكلمت معاها كنت شايف الرعب في عينيها، كل اللي يهمها أخوها… ومستعدة تعمل أي حاجة عشانه.
الباشا بص له بنظرة كلها تحذير وقال بنبرة باردة: بس طول ما الشخص المجهول ده حر وبيتحرك، يبقى إحنا في خطر… ومين يضمن إن البنت مش هتتكلم؟ ما تنساش إنك ظهرت قدامها،
وإن المستشفى بتاعك متورطة في كل عملياتنا… يعني كلمة واحدة منها، تودينا في ستين داهية.
دكتور قدري ابتلع ريقه بقلق وقال: طيب والعمل؟
الباشا سكت لحظة وهو بيبص قدامه بتركيز، وبعدين قال بنبرة قاتلة: أنا شايف إننا نخلص منها هي وأخوها…
رواية منعطف خطر الفصل الثالث عشر 13 - بقلم ملك ابراهيم
طول ما الشخص المجهول ده حر وبيتحرك، يبقى إحنا في خطر.
ومين يضمن إن البنت مش هتتكلم؟ متنساش إنك ظهرت قدامها، وإن المستشفى بتاعك متورط في كل عملياتنا. يعني كلمة واحدة منها، تودينا في ستين داهية.
دكتور قدري ابتلع ريقه بقلق وقال: طيب والعمل؟
الباشا سكت لحظة وهو بيبص قدامه بتركيز، وبعدين قال بنبرة قاتلة: أنا شايف إننا نخلص منها هي وأخوها.
دكتور قدري هز راسه بقلق وفي نفس اللحظة، الباشا عوني مسك تليفونه واتكلم بنبرة حازمة: عايز الرجالة تجهز الولد الصغير وتاخده للمكان اللي هنحدده. وأول ما اخته توصل، متستنوش لحظة. خلصوا عليهم هما الاتنين وادفنوا الجثث في أرض المصنع القديم، فاهمين؟ محدش يشوفكم ولا يحس بحاجة. الموضوع ده لازم يخلص النهاردة قبل ما يتحول لكارثة.
رجالته من الناحية التانية: أوامرك يا باشا. كله هيتم زي ما قلت بالحرف.
—
في المستشفى.
ياسمين قاعدة قدام الغرفة اللي فيها مامتها، والتعب ظاهر على وشها، وفجأة تليفونها بيرن. بترد وهي متوترة، وتلاقي دكتور قدري على الخط: ياسمين. أنا كلمت الناس اللي خاطفين أخوكي، ووافقوا يرجعوه، بس بشرط.
ياسمين بسرعة: شرط إيه؟ أنا مستعدة أعمل أي حاجة!
دكتور قدري بنبرة فيها قلق مصطنع: هتروحي لوحدك. في مكان معين، وهما هيسلموهولك هناك، بس متبلغيش حد من أهلك واخرجي من المستشفى من غير ما حد يحس بيكي، والا أخوكي حياته هتكون في خطر. أنا هبعتلك اللوكيشن. وتروحي فورًا، ما تتأخريش.
ياسمين وهي بتحاول تمنع رعشتها اللي سيطرت على كل جسمها: أنا. أنا هروح حالا، بس لازم توعدني إن أخويا مش هيحصله حاجة.
دكتور قدري: اطمني. بس التزمي بالتعليمات.
قفل المكالمة معاها وقلبه بيدق بسرعة لكنه بيحاول يخبي توتره، وبص للباشا وقاله: تمام يا باشا.
اتكلم الباشا عوني: هتسبقهم انت على المكان بتاعنا وتتأكد بنفسك إن رجالتنا خلصوا على البنت وأخوها ومسبوش وراهم أثر.
دكتور قدري: أنا هتحرك فورًا، وهتابع مع الرجالة لحظة بلحظة.
الباشا عوني وهو بيبص له بنظرة صارمة: وإوعى تغلط يا قدري. أي خطأ النهاردة هيدفعنا التمن غالي، فاهم؟
قدري هز راسه بسرعة: فاهم يا باشا. كله هيتم بالحرف.
خرج دكتور قدري بسرعة من القصر، وهو في طريقه للمكان اللي اتفقوا عليه، قلبه كان مش مطمن لإنه كشف نفسه قدام ياسمين ومتفق تمامًا مع خطة الباشا عوني إنهم يخلصوا منها هي وأخوها ويوقفوا شغلهم فترة.
عند ياسمين وهي خارجة من المستشفى بسرعة، وخايفة حد يلاحظ تحركها. كانت ماسكة موبايلها وبتبص كل شوية على اللوكيشن اللي بعتهولها دكتور قدري. ولقت عربية في انتظارها زي ما دكتور قدري قالها. ركبت العربية وقلبها بيدق بسرعة وكل خطوة بتقربها من المجهول.
—
في نفس الوقت.
خالد كان قاعد جنب أحمد اللي نايم بهدوء، حس فجأة إن في حاجة غلط. قلبه اتقبض، وكأن في خطر بيقرب. قام بسرعة، وبدأ يلمح تحركات غريبة حوالين المكان.
خالد بص من شباك صغير في الأوضة، شاف واحد من رجالة العصابة بيتكلم في تليفونه بنبرة فيها توتر، وبعدها دخل أوضة تانية وهو ماسك سلاح.
خالد بهمس لنفسه: شكلهم ناويين يعملوا حاجة النهاردة.
وبص لأحمد بتفكير وفجأة الباب اتفتح ودخل برعي وقاله: صحي الواد يا حسن عشان عندنا طالعة وانت جاي معانا.
خالد بص له بصدمة وقال: طالعة فين؟
دخل فتوح الكبير بتاعهم وقال لخالد: الباشا كلمني وجالنا الأمر نخلص على الواد وأخته.
وحط سلاح في إيد خالد وقاله: وانت اللي هتنول شرف المهمة دي يا أبو علي وهتخلص عليهم بإيديك وهتكون دي أول طالعة ليك معانا.
خالد بص له بصدمة وبص للسلاح اللي في إيديه وحاول يبلع ريقه وقال بتوتر: انتو. هتقتلوهم؟
رد فتوح وهو بيبص لخالد بقوة: انت اللي هتقتلهم.
وبص على الولد اللي نايم وقاله: خبي السلاح ده معاك وصحي الواد ده وقوله إننا هناخده دلوقتي عند أخته.
وضحك وقال بسخرية: بس متقولوش إنه هينام في حضن أخته نومتهم الأخيرة.
خالد بلع ريقه وقال: وأخته دي فين؟
رد فتوح: هتجيلنا على المكان. خلص يلا مفيش وقت.
خرج فتوح ومعاه برعي وخالد بص قدامه بتفكير وبص على السلاح اللي في إيديه وغمض عينيه بيأس وهمس: شكلها هي دي النهاية.
قرب من أحمد اللي كان نايم، ولمس كتفه بهدوء عشان يصحيه. أحمد فتح عينه بتعب وبص له بابتسامة بريئة: هنروح لماما؟
خالد حاول يخبي ارتباكه وقاله وهو بيهز راسه: آه. هنروح لها دلوقتي.
قلبه كان بيتقطع وهو بيبص في عيون الولد، وصوت فتوح وهو بيقوله "انت اللي هتقتلهم" كان بيرن في ودنه.
خالد خبّى السلاح في ضهره، ومسك إيد أحمد بحنية، وخرج معاه من الأوضة. كان ماشي وسط الرجالة، وعينيه بتلف حواليه بترقب، بيدور على أي فرصة يهرب الولد بيها بس غصب عنه لازم يكمل الطريق معاهم للأخر عشان يقدر ينقذ ياسمين كمان.
داخل مدرية الأمن.
كان في اجتماع عاجل وحضر الاجتماع مدير الأمن ومساعد وزير الداخلية وكان حاضر الاجتماع الرائد مهاب والرائد معتصم اللي شغالين على القضية.
اتكلم معتصم: البنت اللي أخوها اتخطف بعتت جارها قدم بلاغ وقال إن في دكتور اسمه قدري يبقى صاحب المستشفى اللي والدتها فيها دلوقتي. اتكلم مع البنت وطلب منها تساعده إنهم يوصلوا للشخص اللي قابلته في الحادثة وقالت إن كان معاه تليفونها اللي ضاع منها وهي بتهرب من العصابة اللي كانوا بيضربوا عليهم نار. يعني معنى كده يا فندم إن دكتور قدري ده هو الشخص اللي بندور عليه والمستشفى بتاعه متورطة في العمليات المشبوهة وسرقة الأعضاء.
رد مدير الأمن: المعلومات دي مهمة جدًا وواضح إن البنت دي هتقدر تساعدنا. طب حد فيكم قدر يتواصل مع خالد عشان نطمن على أخو البنت؟
رد مهاب: للأسف مقدرناش نتواصل معاه لإنه متحركش من المكان اللي هما فيه. بس من خلال مراقبتنا لدكتور قدري عرفنا إنه قابل النهاردة عوني نصار في القصر بتاعه وفي احتمال كبير إن عوني نصار يكون هو الباشا اللي خالد قالنا عليه.
اتكلم مساعد وزير الداخلية: كل ده كويس إننا قدرنا نوصل للمعلومات دي بس أنا حابب أوضح إن البنت كده حياتها بقت في خطر هي وأخوها لإنها مش هتقدر توصلهم لخالد لإنها متعرفش أي معلومة عنه وهما طبيعي يفكروا يخلصوا منها هي وأخوها لإن قدري كشف نفسه قدامها هو والمستشفى بتاعه.
جاتلهم إشارة مستعجلة والفريق اللي بيراقب دكتور قدري بلغهم إنه خرج من فيلا الباشا عوني واتحرك على مكان مهجور وهما بيراقبوه من بعيد.
والفريق اللي بيراقب ياسمين بلغهم إنها خرجت من المستشفى وفي طريقها لمكان مهجور.
معتصم ومهاب قاموا وقفوا باستعجال وقالوا: احنا لازم ناخد قوة ونتحرك على المكان ده حالا يا فندم. أكيد بيستدرجوا ياسمين عشان يقتلوها هناك.
رد مساعد الوزير: اتحركوا بسرعة لازم تنقذوا البنت.
في الصعيد.
قدّام بيت عيلة الشرقاوي.
وقفت أم حسين وهي قلبها بيدق من الخوف والتوتر. عينيها كانت بتلف حواليها، وفيه حراس واقفين على الباب، شايلين سلاح وشكلهم ما يطمنش.
قرب منها واحد من الحُرّاس وسألها بنبرة غليظة: خير يا ست، عايزة مين؟
ردّت أم حسين بصوت مهزوز شوية: مش ده بيت الحاج جلال الشرقاوي؟
هزّ الحارس راسه وقال: أيوه هو. عايزة منه إيه؟
بلعت ريقها وقالت بتوتر واضح في صوتها: عايزة أقابل الحاج بنفسه.
ضيق الحارس عينيه وسألها وهو بيشك في الكلام: وإنتي مين؟ وعايزاه ليه؟
قالت بسرعة كأنها خايفة يتراجع ويسيبها تمشي: أنا أم حسين، جارة سماح، مرات يحيى الله يرحمه. وجاية أسأل الحاج جلال عن أحمد حفيده. ابن ابنه.
الحارس اتفاجئ، وبص لها باستغراب كأنه سمع حاجة مش منطقية، وقال بنبرة فيها شك: بس يحيى بيه الله يرحمه كان متجوز عبير هانم، بنت سيادة اللوا، ومعندوش ولد! هو مخلف بنت واحدة بس. الآنسة كارما! شكلك غلطانة في العنوان يا ست.
اتكلمت أم حسين بسرعة، وكأنها بتتعلق في أمل أخير: والنبي خليني أقابله. هو عارف كل حاجة، وسماح بتموت في المستشفى وعايزة تطمن على ابنها قبل ما يحصلها حاجة!
الحارس سكت لحظة، وبص لها بنظرة مش قادر يخبّي فيها الحيرة. كان واضح إنه حس إن ورا كلامها حاجة حقيقية، بس مش مفهومة. أخد نفس وقال لها: استني هنا، هبلّغ الحاج.
ودخل بسرعة، سايب أم حسين واقفة على الرصيف بين الرجاء والقلق، مستنية الباب يتفتح.
جوه فيلا الحاج شرقاوي.
كانت الترابيزة متحضرة للغدا، وهو قاعد عليها مع ابنه الكبير (راشد)، ومرات ابنه الكبير (سهام) أم يحيى حفيده. الجو كان هادي بس مش خالي من التوتر.
سأل الحاج شرقاوي وهو بيقطع حتة من العيش: أومّال فين يحيى؟ منزلش يفطر معانا ليه؟
راشد رد بهدوء: لسه نايم يا حاج، شكله رجع متأخر ونام على وش الصبح.
بصت سهام للحاج شرقاوي بنظرة مش مرتاحة، واتكلمت بصوت فيه غضب مكتوم: هو كان فين امبارح ورجع متأخر؟ لسه حضرتك يا عمي عايز تمشيه في نفس الطريق اللي ضيّع عمه؟!
الحاج شرقاوي بص لها بطرف عينه، وقال لابنه بنبرة فيها تحذير: سكت مراتك يا راشد وفهّمها إن الستات مالهمش دعوة بشغل الرجالة.
راشد بص لمراته، باين عليه التوتر، بس سهام ما سكتتش وقالت بعناد ودمعة محبوسة: أنا ماليش دعوة بشغلكم، بس ده ابني! ومش هقف أتفرج عليه وهو بيضيع زي اللي قبله! الطريق ده آخره معروف، وأنا مش مستعدة أدفن ابني بإيديا.
هنا انفجر الحاج شرقاوي، وقال بصوت عالي والغضب باين على وشه: انتي زوّدتِها أوي يا بنت أخويا! مش كفاية إن جوزك سايب شغل أبوه وقاعد جنبك زي الحريم! مستكترين عليّا حفيدي اللي ربنا عوّضني بيه بعد موت ابني إللي حسرة قلبي عليه لسه ما طابتش!
حاول راشد يهدّي الموقف: يا بويا، سهام مش قصدها، هي بس.
لكن الحاج شرقاوي قطعه بسرعة وهو بيزعق: مش عايز أسمع كلمة كمان! قوموا حضّروا نفسكم انت ومراتك، ميعاد طيارتكم قرب. بنتكم في أمريكا محتجاكم هناك أكتر. ويحيى ابنكم ده عوض ربنا ليا. بعد اللي حصل مع أخوك، ربنا رجّعلي ابني في حفيدي.
سهام قامت من على الكرسي وهي غضبانة، وراشد قام وراها وهو مش عارف يقول إيه.
الحاج شرقاوي فضل قاعد مكانه، باصص قدامه، ودمعة نزلت من عينه من غير ما يحس، وهمس بكلام طلع من وجع قلبه: محدّش حاسس بالنار اللي ف قلبي على فراقك يا يحيى. كسرت ضهري، وهفضل أتحسر عليك لحد ما ألحقك.
في اللحظة دي، دخل الحارس وقال بهدوء وهو واقف قدامه: بعد إذنك يا حاج، في واحدة ست واقفة برا، بتقول إنها جارة مرات المرحوم يحيى، وعايزة تقابل حضرتك، وبتقول كلام غريب شوية.
الحاج شرقاوي اتفاجئ، ورفع حاجبه باستغراب: ست مين؟ وايه الكلام الغريب اللي بتقوله؟
رد الحارس: بتقول إن اسمها أم حسين، وجاية تسأل عن أحمد. ابن يحيى بيه الله يرحمه!
اتسعت عيون الحاج شرقاوي، وحس بشكة في قلبه أول ما سمع اسم ابنه.
رواية منعطف خطر الفصل الرابع عشر 14 - بقلم ملك ابراهيم
الحاج شرقاوي اتفاجئ، ورفع حاجبه باستغراب:
ست مين؟ وايه الكلام الغريب اللي بتقوله؟
رد الحارس:
بتقول إن اسمها أم حسين، وجاية تسأل عن أحمد.. ابن يحيى بيه الله يرحمه!
اتسعت عيون الحاج شرقاوي، وحس بشكة في قلبه أول ما سمع اسم ابنه، وملامحه اتغيرت وهو بيقول:
إيه الكلام الفارغ ده؟! مرات مين وابن مين؟! دخلها على المكتب، عايز أشوف حكايتها إيه بالظبط!
بعد وقت في مكان مهجور على أطراف المدينة، العصابة وصلوا بسيارتين كبار. نزل خالد ومعاه أحمد ماسك إيده، ووشه متوتر وهو بيبص حواليه. وقفوا في نص الأرض الفاضية، وبرعي بص حواليه وقال:
مستنيين البنت، أول ما تيجي نخلص الموضوع كله ونرجع.
خالد بص لأحمد اللي كان لازق فيه وقاله بهدوء:
متخافش يا بطل، كل حاجة هتعدي.
أحمد بص له بخوف وقال:
بس أنا مش مرتاح للمكان ده يا حسن.
قبل ما خالد يرد، سمع صوت عربية بتقرب، كانت ياسمين. وقفت بعيد شوية، ونزلت وهي قلبها هيقع من مكانه، عنيها بتدور على أخوها.
"أحمد!"
صوتها خرج وهي بتجري عليه، وأحمد جري ناحيتها بأقصى سرعته، وياسمين نزلت على الأرض وفضلت تحضنه وتعيط.
اتكلم أحمد وهو في حضنها:
كنت متأكد إنك هتيجي يا ياسمين... قلت لحسن إنك شجاعة وهتنقذيني.
وضمها بقوة، وياسمين بصت لخالد بذهول لما شافته واقف معاهم.
فتوح قرب منها وقال بسخرية:
آه يا سلام على لم الشمل! بس للأسف ده هيكون آخر لقاء بينكم.
وبص لخالد وقاله بأمر:
خلص عليهم يا حسن.
ياسمين بصت لخالد بصدمة وضمت أخوها لحضنها بحماية وقالت بصراخ:
ده الشخص اللي قابلته ليلة الحادثة وركبت معاه العربية.
دكتور قدري وباقي الرجالة كانوا واقفين يتابعوا من بعيد، وخالد وفتوح هما اللي كانوا واقفين قدام ياسمين لما صرخت وقالت إن ده الشخص اللي قابلته ليلة الحادثة.
قرب منهم دكتور قدري على صوت صراخ ياسمين لما سمعها بتقول إن الشخص اللي ركبت معاه العربية ليلة الحادثة موجود هنا، وكان قدامها اتنين من الرجالة (حسن وفتوح).
سألها دكتور قدري بلهفة:
مين فيهم اللي ركبتي معاه العربية ليلة الحادثة يا ياسمين؟!
كانت واقفة ياسمين وهي بتبص لخالد بتوتر، عينيها بتتحرك عليه كأنها مش قادرة تقرر، وفجأة حوّلت نظرها لفتوح، وشاورت عليه بإيد مرتعشة وقالت بصوت خافت لكنه واضح:
هو ده...
صرخ فتوح بصوت عالي وانفعل بشدة:
هو ده إيه؟! إنتي بتتكلمي على مين؟ عليا أنا؟! إنتي اتجننتي يا بت؟! إنتي مجنونة ولا إيه؟!
صراخه خوّف ياسمين، رجعت بخطوتين لورا وهي بتخبّي أخوها في حضنها، حضنته بكل قوتها كأنها بتحاول تحميه من كل الدنيا، عينيها مليانة خوف ورعب، ودموعها على وشك تنزل.
سألها دكتور قدري بلهفة:
إنتي متأكدة إن هو ده يا ياسمين؟
بصّت لخالد، واللحظة اللي عدت من شوية رجعت في دماغها بسرعة... لما أحمد أخوها جري عليها واترمى في حضنها، وهي ضمته بحنان، واتفاجئت ياسمين وهي حاضنة أخوها إنه بيهمس في ودنها بصوت خافت، وقال بسرعة الكلام اللي خالد كان محفظهوله عشان يقوله أول ما يشوفها...
فلاش باك:
أول لما خالد عرف إن العصابة ناويين يقتلوا ياسمين وأخوها، قلبه وقع في رجليه. قعد يفكر بجنون في أي طريقة يقدر ينقذهم بيها. كان عارف إن أول لما ياسمين تشوفه وسطهم، أكيد هتقول إنه هو اللي كان سايق العربية ليلة الحادثة... وساعتها، العصابة مش هتسيبهم، وهيخلصوا عليهم التلاتة ويدفنوهم في حتة محدش يعرف يوصلها.
خالد لما صحى أحمد من النوم قعد جنبه على السرير، واتكلم معاه بصوت خافت وهو ماسك إيده:
أحمد، ركّز معايا قوي، اللي هقوله دلوقتي مهم جدًا، ولازم تعمله زي ما هو، من غير ما تنسى كلمة. حياتك إنت وأختك ياسمين في خطر، ورجالة العصابة دول ناويين يقتلوكم.
أحمد بصله بخضة، بس خالد كمل بسرعة:
بس أنا وإنت هنعمل خطة مع بعض عشان أنقذك إنت وياسمين أختك.. إحنا دلوقتي هنخرج معاهم ونروح مكان هتقابل فيه أختك.. أول لما تشوفها، اجري عليها بسرعة، خُدها في حضنك، واهمس في ودنها من غير ما حد يسمع، وقولها: "إحنا في خطر.. هما جابونا هنا عشان يقتلونا.. وقولي إن اللي شُفتيه يوم الحادثة هو واحد منهم، اللي لابس جاكيت أزرق... لازم تقولي كده، ومتتردديش.
خالد شد على إيده وهو بيقول آخر جملة:
ركّز كويس يا أحمد، واحفظ كل كلمة. لو غلطت، ممكن نموت كلنا النهارده... إنت، وأختك، وأنا.
رجوع للحاضر...
ياسمين خدت نفس عميق، ولسه حاضنة أخوها اللي لسه خايف وملتصق بيها، وبصّت للدكتور قدري وعينيها مليانة إصرار، وقالت بصوت ثابت:
أيوه يا دكتور... أنا متأكدة، هو ده... هو ده الشخص اللي شُفته ليلة الحادثة وركبت معاه العربية.
سادت لحظة صمت تقيلة في المكان، والكل بصّوا على فتوح اللي وشه اتقلب، وعقلهم وتفكيرهم وقف من الصدمة لما البنت شاورت على فتوح قدامهم وقالت إن هو ده الشخص اللي شافته ليلة الحادثة.
فتوح مصدوم من إصرارها وثقتها وهي بتأكد إن هو ده وعينيه كانت بتتحرك في كل اتجاه كأنه بيدوّر على مخرج.
صوتها كان هادي، لكن وراه نار... نار خوف وقهر وذكريات صعبة، بس كمان كان وراه شجاعة وقوة وثبات.
فجأة، وفي لحظة جنون، فتوح طلع سلاحه ووجهه على ياسمين، عينيه مولّعة والشر طالع منه وهو بيصرخ:
البت دي كدابة! قوليلي مين اللي قالك تقولي عليا؟! مين اللي قالك تلبسي المصيبة دي فيّا؟!
الدكتور قدري اتحرك ناحيته بخطوتين، غضبه باين في كل ملامحه، وصاح فيه بصوت عالي:
نزل السلاح يا خاين! أنا كنت حاسس إن الخاين واحد منكم... وطلع الظن في محله!
بص حواليه بسرعة، وبعدها وجّه أوامره لرجّالة العصابة وهو بيزعق:
خلّصوا على البنت وأخوها، وادفنوهم هنا... والخاين ده، خدوه للباشا عوني، هو اللي هيعرف يتصرف معاه!
فتوح ما استناش، ورفع سلاحه من تاني ناحية ياسمين وأخوها، وصاح بجنون:
لأ! أنا اللي هقتلها بإيدي هي وأخوها! بس بعد ما تقول الحقيقة، وتعترف مين اللي قالها تلبّسني التهمة دي!
الدنيا كانت بتنهار قدام عيون خالد، قلبه كان بيخبط في صدره، ومفيش وقت للتردد...
في لحظة سريعة، رفع سلاحه ووجّهه على ضهر فتوح، وصاح بصوت حاسم رج المكان:
نزل سلاحك يا فتوح... وإنتوا كلكم، نزّلوا سلاحكم دلوقتي! محدش يقرب منهم.
الكل اتجمّد، وعيون الرجالة اتنقلت بين خالد وفتوح... اللحظة كانت مشحونة، والشرارة ممكن تولّع في أي لحظة.
وفعلا في أقل من لحظة بدأ تبادل نيران بينه وبين رجالة العصابة، وهو بيحمي ياسمين وأحمد بجسمه، بياخدهم ناحية عربية مهجورة استخبوا وراها.
في نفس اللحظة...
كان معتصم ومهاب بيجروا على الطريق الترابي، ومعاهم قوة كبيرة من رجال الشرطة، كلهم لابسين أسود وبيتحركوا بحذر... وفجأة، صوت ضرب نار عالي دوّى من بعيد، خلّاهم يوقفوا مكانهم لحظة.
مهاب بصّ لمعتصم بسرعة وقال:
سمعت ضرب النار؟ ده جاي من ناحيتهم!
معتصم شد سلاحه وقال بلهجة حاسمة:
يلا بسرعة! واضح إنهم بدأوا يتحركوا... ياسمين والولد في خطر!
بدأوا يجروا، ووراهم القوة ماشية بخط ثابت ومنظّم، الأسلحة مرفوعة، والكل مستعد للمواجهة.
ضرب النار كان بيزيد، والريحة بتاعة البارود بدأت توصل لأنوفهم... معتصم قلبه كان بيتقبض، وكل ثانية بتعدي كانت بتزيد توتره.
صرخ في اللاسلكي:
اقفلوا كل المداخل، ومحدش يتحرك غير لما ندي الإشارة!
قربوا من المكان، وكل واحد فيهم حاسس إن لحظة المواجهة قربت جدًا... والحسم خلاص على الأبواب.
عند خالد..
كان بيطلق النار على رجالة العصابة وهو بيحاول يحمي ياسمين وأخوها، اتصاب في دراعه إصابة بسيطة لكن كمل وهو بيصرّ على حمايتهم.
برعي حاول يلف عليهم من الجنب، لكن ياسمين شافته وصرخت:
خالد!! وراك!
خالد لف بسرعة وضرب برعي قبل ما يوصل لهم، وبرعي أخد طلقة في صدره ووقع على الأرض.
أحمد كان متمسك بياسمين وهو بيرتعش، وهي كانت بتحضنه بكل قوتها.
وأخيرًا، معتصم ومهاب اقتحموا المكان مع رجال الشرطة، الرصاص كان بيتبادل في كل ناحية، والصريخ مالي الجو. ناس من العصابة اتصابت، وناس تانية استسلمت ورفعوا إيديهم.
وسط الدوشة دي، ياسمين لمحت دكتور قدري وهو بيجري ناحية عربيته... باين عليه ناوي يهرب. خالد كان مشغول في تبادل إطلاق النار، وماخدش باله.
ياسمين بصّت بسرعة لأخوها أحمد، وحضنته وقالت له بخوف:
إياك تتحرك من مكانك، فاهم؟ إياك!
وسابت أحمد وراها، وطلعت تجري بكل قوتها ورا الدكتور قدري، قلبها بيدق بسرعة وهي مش مصدقة إنها لوحدها في اللحظة دي... بس جواها نار، ومش هتسيبه يهرب بسهولة.
في اللحظة دي، خالد لف وراه وهو بيدور عليها، لقى أحمد واقف بيعيط وخايف، جري عليه وقال له بسرعة:
فين ياسمين؟!
أحمد رد وهو بيبكي:
جريت هناك... ورا الراجل اللي هناك ده!
خالد بصّ بسرعة في الاتجاه اللي أشار عليه، وشافها... كانت واقفة قدام عربية دكتور قدري اللي شغل الموتور وناوي يهرب، بتحاول تمنعه وهي واقفة قدامه بكل شجاعة، وصرخت:
مش هسيبك تهرب بالسهولة دي! إنت مجرم... ولازم يتقبض عليك!
دكتور قدري دس بنزين، والعربية اتحركت بسرعة ناحيتها، وهي صرخت من الخضة، مكانتش متوقعة إنه ممكن يدوسها فعلاً.
العربية قربت منها... وقلبها كان هيقف من الرعب.
لكن فجأة...
طراخ!
صوت طلقة خرّق الهوى... كاوتش العربية فرقع، والعربية تهزّت ووقفت مكانها!
وبصّت ياسمين وراها، لقت خالد جاي بيجري عليها، ماسك سلاحه، وعينيه فيها نار ولهفة وهو بيصرخ:
ياسمين! إنتي كويسة؟!
فهمت إن الطلقة اللي أنقذتها كانت من سلاح خالد.
وقفت مكانها، أنفاسها بتقطع، وعينيها مليانة دموع، بس ماوقعتش... فضلت واقفة، قوية.
خالد ابتسم براحة أول لما شاف إن ياسمين واقفة بخير قدامه، ساعتها بس قلبه هدي.
وفي اللحظة دي، معتصم ومهاب قربوا منهم، ومهاب مسك دكتور قدري من دراعه وقاله بحدة:
يلا يا دكتور، رحلتك خلصت... على عربية الشرطة.
ودفعه ناحية العربية، وهو بيقيد إيديه بالكلبشات.
معتصم كان واقف جنب خالد، بس حب يخفف التوتر وقال بنبرة فيها هزار خفيف:
وإنت كمان مقبوض عليك يا باشا... قدامي يا متهم!
ياسمين شهقت، وصرخت بلهفة:
لااا يا حضرة الظابط! خالد ملوش ذنب، ده هو اللي أنقذنا... ماكنش مع العصابة!
كانت لسه في حالة صدمة، ومش قادرة تفهم إزاي الوضع اتقلب كده.
معتصم ضحك في سره، وبص لخالد وهو بيغمز له، وبعدين لف ناحيتها ورسم على وشه جدية مصطنعة، وقال:
ده زعيم العصابة يا آنسة... تخيّلي قدر يخدعك كده بسهولة!
ياسمين شهقت بصوت أعلى، وعينيها اتسعت من الصدمة:
مش ممكن! رئيس العصابة؟... لا لا، أكيد في حاجة غلط!
وقبل ما تكمل كلامها، أحمد أخوها جري ناحيتها، وهو بيعيط بخوف، ورمى نفسه في حضنها:
ياسمين... أنا خايف، خديني عند ماما.
حضنته بحنان وهي مشوشة ومش عارفة تصدق إيه ولا تصدق مين.
مهاب قرب منهم بلطف وقال:
اتفضلي معانا يا آنسة ياسمين... هنروح ناخد أقوالك في المديرية.
ياسمين رفعت عينيها لخالد، والدموع مالية نظرتها، كانت شايفة فيه حاجة غير اللي بيتقال، بس عقلها مش قادر يستوعب.
بصّت له بحزن، وقلبها بيتكسر، وهي بتهمس لنفسها:
مش ممكن... مستحيل تكون واحد منهم...
وخالد واقف، سايبهم يمشوا، وهو عارف إنها مصدقة الكذبة.
معتصم كان واقف بيضحك أول ما ياسمين بعدت مع مهاب وأخوها، وبص لخالد بنظرة كلها هزار وقال:
إيه يا عم الحكاية؟! شكلي هلبس بدلة وأتعزم قريب... شايف نظرات وهمسات وقلوب طالعة من عنيكم ولا إيه!
خالد لفله ببصة كلها غيظ وقال:
تصدق بالله إنك بارد؟! إحنا كنا هنموت من شوية، وانت دماغك في القلوب والنظرات!
معتصم فضل يضحك وقال وهو بيهز دماغه:
متحاولش...
لهفتك وخوفك عليها كانوا باينين من هنا لآخر الدنيا يا حضرة الظابط!
خالد رجع يبص ناحية عربية الشرطة اللي ياسمين ركبت فيها، وتنهد وقال بجدية:
بقولك إيه... ابعد عن البنت وبلاش رخامة. خلصوا معاها التحقيق بسرعة، عشان تروح ترتاح... كفاية اللي شافته الأيام اللي فاتت.
معتصم قال وهو بيضحك أكتر:
لا يا باشا... دا أنت اللي هتعمل التحقيق معاها بنفسك! أصل أنا ومهاب قلوبنا قاسية، وملناش في الحنية دي خالص... وبعدين، هنحقق معاها إزاي وأنت موجود؟ لا ما يصحش، المهمة دي بتاعتك أنت.
خالد بص له وهو بيكتم ضحكته، وقال بنبرة شبه جد:
وماله يا معتصم باشا... هزر واتبسط براحتك أنت والباشا التاني وكل ده هيتسجل في التقرير اللي هكتبه عن المهمة.
معتصم بص له بصدمة وجري ورا مهاب وقال:
أنا بقول أروح أكمل شغلي أحسن.
خالد ضحك وقال:
وأنا برضه بقول كده.
في فيلا الحاج شرقاوي...
كان قاعد لوحده في أوضة مكتبه، قلبه بيدق بسرعة، وحاسس بلهفة غريبة، كأنه مستني يسمع أي كلمة عن ابنه يحيى اللي قلبه اتحرق عليه من يوم ما مات.
بعد شوية، دخل الحارس ومعاه أم حسين.
الحاج شرقاوي بص لها بفضول وقال:
خير يا ست؟ أنت مين؟ الحارس بيقول لي إنك عايزاني بخصوص ابني يحيى الله يرحمه؟
أم حسين ردت وهي واقفة مرتبكة:
أنا أم حسين يا حاج... جارة الست سماح مرات المرحوم يحيى.
بص لها الحاج شرقاوي بذهول وقال:
سماح مين؟ مرات ابني اسمها عبير!
ردت أم حسين بتوتر:
أنا جاية لك في الخير يا حاج... الست سماح تعبانة ومش هتخف غير لما تشوف ابنها، وبتترجاك ترجعه لها... هي ما لهاش غيره هو وأخته ياسمين بعد موت أبوهم، ويحيى الله يرحمه هو اللي وصاها تبعد الولاد عنكم لو حصل له حاجة، كان خايف عليهم تاخدوهم منها. يعني هي ما حرمتش أحفادك عنك بمزاجها... دي كانت وصية المرحوم.
الحاج شرقاوي بص لها مصدوم وقال:
أنت بتقولي إيه يا ست؟! مرات مين؟ وابن مين اللي اتخطف؟! أنا ابني ما اتجوزش غير عبير، وما عندوش غير بنت واحدة اسمها كارما، ومسافرة مع أمها!
أم حسين طلعت أوراق من شنطتها بسرعة وهي بتقول:
سماح كانت مراته الثانية، الجوازة كانت في السر، ودي قسيمة الجواز وشهادات ميلاد الولاد... بنتها الكبيرة اسمها ياسمين، والصغير اسمه أحمد... الاثنين ولاد يحيى الشرقاوي!
الحاج شرقاوي خد الورق منها بإيد بترتعش، قلبه كان بيرقص من جوه، أول ما سمع إن عنده حفيد ولد... حلم عمره!
فضل يبص في الورق، يشوف التواريخ، يحاول يصدق...
وفجأة افتكر سماح البنت الفقيرة اللي كان ابنه يحيى بيحبها زمان...
همس وهو بيبص في الورق بذهول:
معقول يحيى اتجوزها من ورايا وكمان مخلف منها بنت وولد.
وفجأة افتكر حاجة حصلت من سنين...
رواية منعطف خطر الفصل الخامس عشر 15 - بقلم ملك ابراهيم
الحاج شرقاوي خد الورق منها بإيد بترتعش، قلبه كان بيرقص من جوه، أول ما سمع إن عنده حفيد ولد، حلم عمره!
فضل يبص في الورق، يشوف التواريخ، يحاول يصدق.
وفجأة افتكر سماح البنت الفقيرة اللي كان ابنه يحيى بيحبها زمان.
همس وهو بيبص في الورق بذهول:
معقول يحيى اتجوزها من ورايا وكمان مخلف منها بنت وولد.
وفجأة افتكر حاجة حصلت من سنين.
يوم ما يحيى رجع البيت فرحان أوي، ساعتها سأله:
مالك يا ابني فرحان كده ليه؟
ويحيى قاله إن واحد صاحبه مراته خلفت ولد وسماه "أحمد"، وكان فرحان كأنه هو اللي خلف.
ساعتها الحاج شرقاوي قاله:
عقبالك لما تجيب الولد اللي بتحلم بيه.
ويحيى رد عليه بابتسامة فيها رضا وقاله:
أنا راضي كده الحمد لله، ربنا حقق لي اللي كنت بتمناه.
ساعتها ما فهمش قصده، بس دلوقتي كل حاجة بقت واضحة.
عنيه دمعت وهو ماسك الورق وقال بصوت مبحوح:
يحيى... يا قلب أبوك ونور عينه، كنت مخبي عني ليه؟
الحاج شرقاوي وقتها ما كانش فاهم ابنه يحيى خبى عنه ليه سر كبير زي ده، يحيى كان عارف إن أبوه بيتمنى يشوف حفيد ولد له.
الحاج شرقاوي فهم دلوقتي ليه ابنه يحيى كان رافض إن مراته عبير بنت اللوا تحمل تاني وتجيب أولاد بعد بنته كارما!
طول عمره كان حاسس إن فيه حاجة غريبة في حياة ابنه يحيى، سفره الكتير وغيابه عنهم بالأيام، وكان دايماً يقوله إنه بيحب يبعد ويقعد مع نفسه كام يوم بعيد عن زن مراته بنت اللوا اللي عمره ما حس بالسعادة معاها!
فهم دلوقتي إن سفره الكتير وغيابه عنهم كان بيبقى مع مراته التانية وأولاده.
فاق الحاج شرقاوي على صوت أم حسين وهي بتخرج صورة من شنطتها بتجمع يحيى وسماح مراته وياسمين بنته وهي عندها 15 سنة وكان أحمد عنده 3 سنين ويحيى شايل أحمد وسماح واقفة جنبه وياسمين قاعدة قدامهم وبيضحكوا كلهم في الصورة وقالت بتوتر:
الصورة دي اتصوروها قبل ما المرحوم يحيى يموت الله يرحمه، كان بيفسحهم وهو اللي طلب إنهم يتصوروا وكأنه بيودعهم.
الحاج شرقاوي أخد الصورة من إيديها وأول لما شاف ابنه يحيى في الصورة عيونه دمعت وحس بنغزة في قلبه وسألها بلهفة:
إزاي ابني كان متجوز ومخلف كل السنين دي وأنا ما اعرفش! وإزاي قدر يخبي عني عياله!
ردت أم حسين:
اللي أعرفه إنه كان عايز يبعد مراته وعياله عن شغلكم عشان حياتهم ما تبقاش في خطر.
الحاج شرقاوي كان بيبص في الصورة على أحفاده وعيونه اتعلقت بصورة حفيده اللي يحيى شايله وفيه شبه كبير من يحيى وكأنه نسخة منه.
كان واقف مكانه مصدوم، عينه لسه على الصورة، ودموعه بتنزل من غير ما يحس، قلبه بيتقطع جوه صدره من الوجع والندم.
أم حسين قالت بهدوء:
والله يا حاج المرحوم كان بيحبك، ودايماً يقول إنها ظروف اللي منعته يقولك، بس هو كان بيحب ولاده جدًا، وكان خايف تحرمهم من أمهم.
الحاج شرقاوي مسح دموعه وقال وهو بيحاول يمسك أعصابه:
ابني اتظلم، وعياله اتظلموا أكتر. أنا ما اعرفش إن عندي أحفاد طول السنين دي وسايبهم يتربوا بعيد عني.
افتكر كلامها عن اختطاف حفيده وبصلها بصدمة وقال:
أنتِ قولتي إن حفيدي اتخطف؟؟
ردت أم حسين:
أيوه، اتخطف من إيد أمه إمبارح الصبح وهي رايحة توصله المدرسة، ما قدرتش تستحمل اللي حصل ووقعت من طولها ونقلناها المستشفى وأول لما قدرت تتكلم طلبت مني أجي أترجاك ترجع لها ابنها.
الحاج شرقاوي بلهفة وقلق على حفيده:
ومين ده اللي هيكون اتجرأ وخطف حفيد الشرقاوي!!
أم حسين بدهشة:
يعني مش أنتوا اللي خطفتوه؟ أومال هيكونوا مين اللي خطفوه!؟ سماح طول عمرها في حالها وما لهاش دعوة بحد!
الحاج شرقاوي قام وقف وزعق بأعلى صوته ينادي الحرس بتوعه عشان يجهزوا وطلب من الخدم يصحوا يحيى حفيده بسرعة عشان يروح معاه المستشفى وقال لأم حسين:
لو الكلام اللي أنتِ قلتيه ده طلع صح، يبقى يا ويلو ويا سواد ليلو اللي خطف حفيد الشرقاوي.
بعد وقت
جوه مديرية الأمن.
ياسمين كانت قاعدة في أوضة فاضية، حاضنة أحمد أخوها اللي كان مرعوب ولسه جسمه بيرتعش من صوت ضرب النار اللي شافه بعنيه. كانت بتطبطب عليه وتحاول تهديه، بس عقلها كان تايه. قلبها واجعها على مامتها اللي في المستشفى، مستشفى تبع دكتور قدري، والاسم ده لوحده كفاية يخليها تحس بالخوف، كانت حاسة إنها محبوسة في كابوس مش عارفة تصحى منه.
نفسها تقوم تاخد أحمد في حضنها وتجري على مامتها، تطمن عليها، ويطلعوا كلهم من الدوامة دي كأنها ما حصلتش.
بعد كام دقيقة، الباب اتفتح ودخل معتصم.
أول ما شافته ياسمين، اتكلمت بنبرة مليانة توتر وضيق:
لو سمحت يا حضرة الظابط، أنا عايزة آخد أخويا ونمشي بقى، احنا ما لناش دعوة بأي حاجة حصلت، وبعدين ماما في مستشفى المجرم ده، وممكن يأذوها!
معتصم رد بثقة وهو بيحاول يطمنها:
ما تقلقيش، المستشفى بقت تحت سيطرتنا دلوقتي، ومامتك في أمان.
ياسمين صوتها كان مهزوز من القلق:
طب ممكن حد يطمنهم علينا؟ أنا وأحمد، حسين جارنا هناك هو ومامته، ممكن حد يبلغهم إننا هنا وإننا بخير وهنرجع أول ما نخلص.
معتصم هز راسه وقال بهدوء:
حاضر، هاهتم بالموضوع ده.
سكتت ياسمين لحظة وبعدين قالت بنفاذ صبر وهي بتبص للساعة:
طب احنا مستنيين إيه؟ سجلوا أقوالي وخلاص، أنا تعبت.
رد عليها معتصم وهو بيحاول يحافظ على هدوءه:
الظابط المسؤول عن القضية هو اللي هياخد أقوالك بنفسه، ثواني وهيدخل.
ياسمين تنهدت، وزفرت نفس طويل وهي بتبص على أحمد اللي لسه متعلق بيها بخوف.
بعد لحظات، دخل خالد. كان حاطط دراعه في حامل طبي بعد الإصابة اللي اتعرض لها في دراعه وقت ما كان بيحمي ياسمين وأخوها من العصابة.
وأول ما أحمد شافه، قام من حضن أخته وجرى عليه وفرحته مالية وشه:
أنت فين يا أبو علي؟! أنا كنت خايف عليك!
خالد ضحك وهو بيحضنه وقال بصوت حنون:
ما تخافش يا بطل، الأبطال ما بيخافوش.
ياسمين اتجمدت مكانها، مستغربة من المشهد اللي قدامها.
إزاي أحمد بيجري على واحد هي فاكراه من العصابة؟!
قامت بسرعة، ومدت إيدها تمسك أخوها وتبعده عنه وهي بتقول بانفعال:
تعالى هنا يا أحمد، مالكش دعوة بالمجرم ده!
خالد كان بيبص لها بتركيز، وعينيه فيها لمعة غريبة، كأنه شايف فيها حاجة مش قادرة تشوفها هي.
معتصم كسر الصمت وقال:
هاخد أنا أحمد على مكتبي أسجل أقواله، وأنت تاخد أقوال الآنسة.
ياسمين رفعت حواجبها بدهشة وهي بتبص لمعتصم، وبعدين لخالد:
مين ده اللي ياخد أقوالي؟!
معتصم رد وهو بيكتم ضحكة خفيفة:
الرائد خالد.
ياسمين بصت لخالد بصدمة، صوتها علي غصب عنها:
رائد إيه؟! يعني أنت ظابط؟ مش مجرم؟!
خالد رفع حاجبه بابتسامة جانبية وقال:
آه والله، ظابط وبشهادة الدولة كمان.
معتصم اتجه لأحمد وقاله بهدوء:
يلا يا بطل نروح مكتبي نكتب اللي حصل.
أحمد وهو ماشي معاه، بص لخالد وقال بمنتهى الجدية:
خلي بالك من أختي يا أبو علي، دي أمانة، ولو حصلها حاجة، هزعل!
خالد ضحك وهز راسه:
دي في عيوني يا أحمد باشا.
أحمد خرج مع معتصم، وساب ياسمين واقفة، ملامحها ما بين الذهول والتوهان، كأن عقلها لسه مش مستوعب.
خالد بصّ لها وقال بهدوء وهو بيشاور على الكرسي:
اتفضلي اقعدي يا آنسة مشاكل، بقى بتقفي قدام عربية زعيم عصابة وفاكره إنه ما يقدرش يدوسك ويهرب!
ياسمين قعدت وهي بتبص له بنظرات متوترة وقالت بنبرة مش مصدقة:
هو أنت ظابط بجد؟ يعني اللي احنا فيه دلوقتي ده حقيقي؟
خالد ابتسم وقال بنغمة شبه مرحة:
تحبي أوريكي بطاقتي؟
ياسمين كانت بتفكر بصوت مسموع، قالت بصوت فيه ارتباك وتشتت:
مش عارفة...
مدّت إيديها بتردد على سطح المكتب كأنها بتدور على حاجة تثبتها، وبنبرة فيها حيرة وصدمة قالت:
بس أنت كنت معاهم! واقف وسط العصابة! إزاي؟ إزاي تكون ظابط وتبقى واحد منهم؟
ده مش منطقي، مش داخل عقلي!
خالد بصّ لها بابتسامة صغيرة، رد بهدوء، وصوته واثق، ثابت، كأنه لسه عايش في المهمة وتفاصيلها.
خالد:
اللي حصل إني كنت في مهمة سرية.
كنت متخفي بشخصية حسن، عايش وسطهم، بتعامل معاهم، باكل معاهم، وبخاطر بكل حاجة...
علشان نوصل لرئيس العصابة وأصحاب المستشفيات المتورطين معاهم.
ياسمين سابت مكانها ووقفت، جسمها بيترعش من الغضب والحزن والخوف اللي كانوا بيتصارعوا جواها.
صوتها علي، مش غاضب بس، مجروح:
طب وأنا؟!
أنا مالي؟!
ليه تدخلني في لعبتكم الخطيرة دي؟!
أنا وأخويا كنا هنموت بسببك!
وماما بين الحياة والموت!
للدرجة دي حياة الناس رخيصة عندكم؟!
خالد سكت ثواني. عينيه فضلت ثابتة عليها، لا فيها تبرير ولا غضب، بس فيها وجع حقيقي.
رد بهدوء غريب وسط العاصفة:
أنا ما دخلتكيش في المهمة...
أنتِ اللي دخلتي فيها لما ظهرتِ قدامي فجأة يوم الحادثة.
(قرب منها خطوة وبص في عينيها مباشرة، صوته بقى أهدى بس فيه عمق غريب):
وحياة الناس مش لعبة عندنا...
أنا كنت مستعد أضحي بحياتي، أنا واللي معايا...
عشان ننقذك أنتِ... وأخوكي.
ياسمين حست قلبها بيتخبط في صدرها. كانت متلخبطة، مش عارفة تزعل منه ولا تعتذر،
المشاعر كانت أكتر من إنها تتوصف:
خوف على أخوها، قهر من اللي حصل، وجع على أمها، وتوهان قدام إنسان مش قادرة تفهمه.
عينيها دمعت، لكن كبرياؤها منعها تبكي قدامه. قالت بصوت مبحوح، وكل كلمة بتطلع من بين غصة:
طب لو سمحت...
أنا عايزة أمشي...
لازم أطمن على ماما في المستشفى.
خالد بص لها وسكت. كأنه بيفكر يوقفها، يشرح أكتر...
بس كل حاجة جواه كانت ساكتة.
رد وهو بيحاول يخبي ارتباكه:
تمام...
هاخد أقوالك... وأخلص الإجراءات... وبعدها تقدري تمشي.
ياسمين هزّت راسها بالموافقة، وهي بتخفض نظرها للأرض.
عقلها كان مشغول بالتفكير في كل اللي حصل...
وقلبها؟
كان بيجلدها... على كل كلمة جارحة قالتها له، رغم إنها كانت محتاجة تجرحه علشان ما يبانش إنه جرحها هو الأول لما حست لحظة إنه استخدمها هي وأخوها عشان يكمل خطته.
في المساء.
جوه المستشفى...
الهدوء هناك كان مريب، زي السكون اللي بييجي قبل العاصفة.
أم حسين دخلت بسرعة ومعاها الحاج شرقاوي ويحيى حفيده، ورجالة الحاج ماشيين وراهم بخطى واثقة لكن عيونهم بترصد كل حاجة حواليهم.
أول ما شافت ابنها حسين، قربت منه وعيونها بتدور على ياسمين وسط الوجوه:
هي فين ياسمين يا حسين؟ اللي معايا دول يبقوا أهلها.
قالها حسين وهو بيحاول يطمنها رغم قلقه:
ياسمين قالت لي إنها رايحة مشوار وما رجعتش من الصبح.
أم حسين رجعت تبص للحاج شرقاوي، ملامحها فيها قلق متغلف بهدوء:
ياسمين مش موجودة دلوقتي.
الحاج شرقاوي كان واقف ثابت، ملامحه جامدة بس عينيه مليانة نار، نار شوق وغضب وضياع سنين.
قال بنبرة قوية:
المهم نعرف حفيدي فين، ومين اللي خطفه... أنا عايز أقابل أم أحفادي.
ردت أم حسين بتوتر واضح في نبرة صوتها، وهي بتحاول تسيطر على الموقف:
خلونا نسأل الدكتور الأول، نشوفه هيقولنا إيه.
يحيى قرب من جده وهمس بصوت منخفض، كأنه بيكلم الخوف اللي جواه مش بس جده:
أنت متأكد يا جدي إن دول فعلاً ولاد عمي؟
رد الحاج شرقاوي بثقة نابعة من إحساس الأب اللي ضيّع سنين عمره.
الحاج شرقاوي:
أيوه، متأكد يا يحيى... قلبي كان حاسس من زمان إن يحيى ابني مخبي حاجة... شفت صوره مع مراته وعياله، شفت عقد الجواز وشهادات الميلاد بعيني...
عمك كان بيختفي كتير، ويغيب بالأيام، كنت حاسس إن في سر حياته... ما كنتش أتخيل إن السر ده كان ولاده اللي خايف عليهم مننا!
يحيى سكت، ودماغه بتلف بين الصدمة والحقايق اللي لسه بيهضمها، وهز راسه بهدوء، وكأن الوجع مش سايبه يتكلم.
بعد دقايق،
وصل الدكتور.
وافق أن الحاج شرقاوي يدخل يشوف سماح، لكن بهدوء، بدون ما يتعبها أو يضغط عليها بالكلام.
دخل الحاج شرقاوي، خطواته ثقيلة كأن سنين غيابه شايلها على كتافه.
بص عليها وهي نايمة على السرير، ووشها باين عليه التعب، بس ملامحها كانت مألوفة بشكل غريب.
قلبه دق جامد، حس إنه شاف الوش ده قبل كده، أو يمكن شاف ملامحها في ملامح يحيى ابنه.
فجأة، سماح فتحت عينيها، وكأن روحها حست بوجوده.
نظرتها اتعلقت بيه، وجسمها انتفض من الصدمة:
"حاج شرقاوي... إنت رجعتلي أحمد؟ هو فين؟!"
سؤالها كان زي طلقة، نابعة من قلب أم اتكسر وبيحاول يتعلق بأي أمل.
الحاج شرقاوي اتفاجئ من لهفتها وقال ببطء وفضول:
"إنتي عرفاني؟! أنا شوفتك قبل كده؟"
ردت سماح، وصوتها مليان حزن دفين ودموع محبوسة من سنين:
"لا، مشوفتنيش.. بس أنا عرفاك من صورك مع يحيى، الله يرحمه... كان دايمًا بيحكيلي عنك،... أبوس إيدك، رجّعلي أحمد ابني... أنا معنديش غيره هو وياسمين بعد ما يحيى مات... أنت أملي الوحيد."
الحاج شرقاوي كان واقف جنب سريرها، عينه مش بتسيب ملامح وشها.
كان بيبص لها كأن الزمن رجع بيه، وكأن اللحظة دي بتربط ماضيه بحاضره.
رواية منعطف خطر الفصل السادس عشر 16 - بقلم ملك ابراهيم
أنا شوفتك قبل كده؟
ردت سماح، وصوتها مليان حزن دفين ودموع محبوسة من سنين:
لا، مشوفتنيش.. بس أنا عرفاك من صورك مع يحيى، الله يرحمه…
كان دايمًا بيحكيلي عنك، بحب وشوق وحزن كمان… أبوس إيدك، رجّعلي أحمد ابني…
أنا معنديش غيره هو وياسمين بعد ما يحيى مات… أنت أملي الوحيد.
الحاج شرقاوي كان واقف جنب سريرها، عينه مش بتسيب ملامح وشها.
كان بيبص لها كأن الزمن رجع بيه، وكأن اللحظة دي بتربط ماضيه بحاضره.
في لحظة، افتكر الصورة اللي شافها من سنين في دولاب يحيى، صورة سماح البنت الشابة اللي كان بيحبها. كل حاجة بتأكد إن دي سماح البنت الفقيرة اللي رفضها زمان وابنه فعلًا اتجوزها في السر بعيد عنه.
قال بنبرة هادية لكنها مليانة فضول واشتياق لحقيقة ضايعة:
أنا عايزك تحكيلي… قوليلي كل حاجة. إزاي عرفتي يحيى؟ اتجوزك إمتى؟ وليه بعدك عني وعن أهله؟ أنا محتاج أفهم، عشان أقدر أرجعلك ابنك… وحقك.
سماح عينيها دمعت، وحسّت أخيرًا إنها مش لوحدها في المعركة دي.
كأن حد أخيرًا بيسمعها، بيفهم وجعها، وبيسأل مش عشان يشكك، بل عشان يحتضن القصة اللي شايلها لوحدها من سنين.
قالت بصوت مهزوز، ودموعها بتنزل على خدها:
أنا عارفه إنك رفضتني قبل ما تشوفني أو حتى تعرف أنا ويحيى عرفنا بعض إزاي.. يحيى قالي إنك رفضت جوازنا عشان عرفت إن أنا بنت فقيرة وكنت فاكر إن أنا طمعانة في ابن عيلة الشرقاوي..
بس اللي متعرفوش إن أنا ويحيى حبينا بعض بجد..
من أول نظرة، حسيت إن في حاجة غريبة بتشدني ليه… وهو كمان كان دايمًا يقولّي إنه حس براحة غريبة أول ما شافني.
تنهدت وهي بتحاول تفتكر تفاصيل حبها اللي بدأ ببساطة بس اتعقد مع الوقت:
اتقابلنا كذا مرة بالصدفة، وبعدها بدأنا نتكلم… كان محترم وهادي، بس في عينه وجع كأنه شايل هم الدنيا.
قالّي من الأول إن حياته مش سهلة، وإن شغله مش طبيعي، بس عمره ما قالي تفاصيل.
بصت للحاج شرقاوي وعيونها كلها وجع وصدق:
اتجوزنا في السر، مش لأنه مكنش عايز يقول، لكن لأنه كان خايف علينا… قالّي "أنا مش هعرف أحميكم لو أبويا عرف بجوازنا".
حكالي عن شغله الحقيقي معاك وكان بيعمل كل اللي يقدر عليه عشان يحمينا أنا وأولاده..
ولما مات يحيى… أنا فقدت كل حاجة، الأمان، والضهر، والحياة نفسها.
اتكلمت وهي بتبص له بنظرة كلها رجاء:
أنا أعرف حاجات كتير عن شغلكم… حاجات مكنش حد يعرفها غيركم أنت ويحيى الله يرحمه.
وبدأت تحكيله فعلًا عن أسرار كتير تخص شغلهم محدش يعرفها غير هو ويحيى ابنه قبل ما يموت.
الحاج شرقاوي حس قلبه بينقبض وهو بيسمعها.
كل كلمة منها كانت زي خيط بيربط الذكريات ببعض، بيكمل الصورة اللي كانت ناقصة من سنين.
كان ساكت، بس ملامحه اتغيرت، ما بين ندم وشوق، وحزن دفين على عمر ضاع في جهل وبعد.
مد إيده بهدوء، وحطها على إيدها اللي كانت بتترعش وقال:
خلاص يا بنتي… أنا صدقتك.
وحقك، وحق ولادك… هيكونوا في عِنيّا.
خرج الحاج شرقاوي من غرفة العناية المركزة، قلبه اطمن بعد ما تأكد أن سماح هي فعلًا مرات ابنه، وكل كلمة قالتها كانت بمثابة صدمة ما بين فرحة وحزن، قلبه مكنش قادر يستوعب الحقيقة دي بسرعة.
هو متأكد دلوقتي إن له أحفاد… وده أكتر حاجة بتشده للأمام، لكن حفيده، أحمد، كان في خطر.
يحيى وقف جنبه وفضل يبص له بحذر، في عيونه كان فيه مشاعر مختلطة بين الفضول والقلق.
بص ببطء وقال:
إيه يا جدي؟… عرفت حاجة عن الموضوع؟
الحاج شرقاوي كان مش قادر يخبّي انفعاله، وحس إن الغضب بدأ يسيطر عليه.
بص ليحيى وقال بصوت مبحوح:
اتأكدت إنها مرات ابني، ودول أحفادي.
كان في عينيه مشاعر مشوشة بين الفقد والأمل، وبين الماضي الحزين والحاضر المليء بالتساؤلات:
أنا لازم أعرف مين اللي اتجرأ وخطف حفيد الشرقاوي!
يحيى لمس كتفه برفق، وابتسم ابتسامة فيها شوية من الحزن والقلق، وقال بهمس وكأن الكلمات نفسها كانت بتثقل لسانه:
في خبر من مديرية الأمن جاي دلوقتي للجماعة جيرانهم. بلغوهم إن أحمد وياسمين في مديرية الأمن دلوقتي. شكلهم قبضوا على اللي كانوا خاطفينه.
الحاج شرقاوي اتنهد وهو بينهض بسرعة، وصوته كان فيه هاجس واضح:
أحمد حفيدي… طيب، يلا خدني بسرعة على المديرية.
صوت الحزن في نبرته كان بادي، وكل لحظة كانت بتزيد من شعوره بالمسؤولية اللي حاسس بيها تجاه أحفاده.
وهو بيخرج من المستشفى كان بيشيل في قلبه ألف سؤال وألف ألم، كأن الدنيا كلها اتقلبت في لحظة.
في مديرية الأمن.
كانت ياسمين قاعدة قدام خالد، في صمت مش مريح.
هو كان منشغل في أوراق تخص القضية، بيمضي ويختم ويكتب، عشان تقدر تمشي.
لكن هي؟
كانت عنيها بتروح له كل شوية من غير ما يحس…
زي حد عايز يتكلم، بس الكلمات واقفة وتقيلة عليها.
جواها كلام كتير…
عتاب، وندم، واعتذار…
بس كل ما تحاول تنطق، تلاقي نفسها بتبلع الكلام وتسكت.
مش قادرة تواجهه.. بعد الطريقة اللي اتكلمت بيها معاه.
كانت عايزة تقوله: "أنا آسفة"
بس اللسان عاجز، والكرامة بتشدّها لورا.
وفجأة…
الباب خبط، ودخل مهاب.
مهاب: خالد… سيادة اللوا عايزك في مكتبه.
أنا هكمّل باقي الإجراءات.
ياسمين حسّت قلبها بيخبط بعنف في صدرها، كأن اللحظة دي هتفصل بينهم للأبد.
خفضت وشها بسرعة… مش قادرة تواجه حتى نظرات مهاب اللي حسّ إن في حاجة مش طبيعية.
مهاب قرب وهو مستغرب من الصمت التقيل اللي كان مالي المكان.
خالد وقف بهدوء، ونظر ليها نظرة كانت تقيلة… فيها وجع وحاجات كتير ما اتقالتش.
بص لمهاب وقال بصوت جامد:
خلّص الإجراءات بسرعة… علشان الآنسة ياسمين تمشي.
مش عايزين نضيع من وقتها أكتر من كده.
وبعدها لف ليها، وقال بصوت فيه كتمان وكبرياء مكسور:
بنعتذرلك يا آنسة ياسمين…
عن كل اللي حصل.
ولو حابة اعتذار رسمي من الوزارة، هنقدّمه.
ياسمين رفعت عنيها ليه، نظرتها كانت حزينة، وندمها باين فيها أكتر من أي كلمة ممكن تقولها.
بس هو ما استناش… لف وخرج من المكتب، سايب وراه سكون تقيل، ومهاب واقف مش فاهم حاجة.
مهاب بص لها وقال باستغراب:
هو في إيه؟
ردت بصوت شارد، شبه همس، كأنها بتكلم نفسها:
شكلي زعلته… زعلته أوي.
قرب منها مهاب، وقعد قصادها وهو بيقول بنبرة فيها استغراب وفضول:
زعلتيه ليه؟
هو عمل إيه؟
ياسمين كانت هترد، تحكي، تفضفض…
كأنها قاعدة مع صاحبتها مش مع ظابط في مديرية الأمن.
لكن فجأة فاقت على نفسها، ورفعت عنيها له بدهشة لما لقت مهاب مستني يسمعها وكأنهم فعلًا في قعدة فضفضة مش تحقيق.
قامت بعصبية وقالت بانفعال:
هو في إيه يا جماعة؟ هو احنا في مديرية الأمن فعلًا؟ ولا في برنامج سهرانين!! انتوا ليه كلكم هنا بتتعاملوا مع اللي حصل وكأنه عادي! هو انتوا ليه مش حاسين إننا كنا هنموت كلنا في لحظة؟
ضحك مهاب وقال بمنتهى العفوية:
عادي.. لأن اللي حصل النهاردة بيحصلنا كل يوم!
ردت بعصبيه:
تمام.. دي حياتكم وانتوا متعودين على كده. لكن أنا ذنبي إيه يحصلي كده؟ أنا وأخويا كنا هنموت النهاردة. وماما بين الحياة والموت بسببكم.. هو انتوا إزاي بتتعاملوا عادي كده!
مهاب بص لها بفضول وقال:
شكله عصبك، صح؟
ردت ياسمين بعفوية:
عصبني عشان زعلته وأنا مش قصدي.
مهاب:
طب احكيلي… عمل إيه؟
أصل خالد مش متعود يتعامل مع بنات، شغله كله مع مطاريد الجبل… والشويش جمعة طبعًا!
ياسمين بصتله باستغراب وقالت ببرود مزيف ممزوج باستفهام:
مين الشويش جمعة ده؟
رد بابتسامة بسيطة:
لااا.. الشويش جمعة ده حكاية كبيرة أوي يطول شرحها… أصل خالد أساسًا شغله مش هنا، هو جاي للمهمة دي وهيخلص ويمشي..
هيرجع خدمته في الصعيد تاني.
في لحظة…
وشها فقد لونه.
الدم انسحب من ملامحها، وقلبها اتقبض.
خلاص… المهمة خلصت.
وهو هيرجع لحياته…
وهي؟
لسه عالقة في دايرة هو سبب بدايتها.
الباب اتفتح ودخل معتصم معاه أحمد، اللي جري على أخته وقال بصوت ملهوف:
هو حسن أبو علي راح فين؟
مهاب رد عليه وهو بيضحك:
اسمه خالد يا أحمد، مش حسن. اسم حسن ده كان مزيف، مش اسمه الحقيقي.
أحمد وقف شوية وهو بيحاول يستوعب، وقال بحسم:
ماشي، بس أنا عايز أشوفه برضه عشان هو صاحبي.
بص لأخته وقال بابتسامة:
شوفتي يا ياسمين، صاحبي طلع ظابط جامد وقبض على المجرمين… أنا لما أكبر هكون ظابط زيّه.
ياسمين ابتسمت وقالت له:
إن شاء الله يا حبيبي،
وهتكون أحسن ظابط في الدنيا.
الباب خبط ودخل عسكري وقال بتوتر:
تمام يا فندم… في ناس برا بيسألوا عن ياسمين يحيى الشرقاوي وأحمد يحيى الشرقاوي وبيقولوا إن جدهم جاي عايز يشوفهم.
ياسمين قامت بسرعة، دماغها مش مستوعبة وقالت بدهشة:
جدي مين؟! أنا جدي متوفي من زمان!
رد مهاب بسرعة وهو بيحاول يهدّي الجو:
خليهم يتفضلوا.
دقايق قليلة بعدها دخل الحاج شرقاوي مع يحيى حفيده، ومعاهم حسين، جار ياسمين.
أول لما دخل الحاج شرقاوي، عيونه لمعت بالدموع لما شاف أحمد واقف قدامه. كأن الزمن رجع به لسنوات طويلة. أحمد كان نسخة حية من ابنه يحيى.
الحاج شرقاوي وقف لحظة، مش قادر يمسك دموعه، وداخل قلبه كان فيه خليط من الحزن والفرح، وكل لحظة كانت بتشد مشاعره ناحية أحفاده.
أحمد، اللي كان لسه مش فاهم، خاف شوية ورجع ورا أخته.
ياسمين بصت لهم بدهشة، قلبها بيتسارع من الخوف والارتباك، وسألت حسين جارهم بصوت مشوش:
في إيه يا حسين؟!
رد حسين بهدوء، وكأنه بيحاول يطبطب عليها:
انتوا كويسين يا ياسمين؟ دا الحاج شرقاوي، جدك، ويحيى ابن عمك.
ياسمين بصت لهم بعينيها الواسعة، ما فيش في دماغها حاجة غير الصدمة، ومن غير ما تقدر تستوعب، الحاج شرقاوي قرب منها هي وأخوها.
فجأة، كل شيء كان بيتهز جواها. كل اللي كانت فاكراه عن حياتها كان على وشك الانهيار.
سحبت إيدها بسرعة، وقالت بصوت مختنق:
بس أنا… أنا ما ليش جد! جدي مات من زمان.
الحاج شرقاوي وقف قدامها، عيونه مش قادرة تحبس دموعها، وكان في قلبه شعور غريب، مزيج من الشوق للأيام اللي راحت، وندم على السنين اللي ضاعت.
ياسمين ابتعدت خطوة للخلف، شعورها كان زي زلزال، قلبها مش قادر يستوعب اللي بتسمعه.
الحاج شرقاوي قرب منها وهو صوته بيرتعش من كتر التأثر، وبص لها بعينين باكية وقال:
لا يا بنت الغالي، جدك عايش… أنا جلال الشرقاوي، جدك. تعالي في حضن جدك يا ياسمين… تعالي لحضن أبو أبوكي.
ياسمين خدت خطوة لورا، كانت مشدوهة، عينيها مليانة قلق وارتباك، وبصت بسرعة لحسين اللي كان واقف جنبها، كأنها بتدور على طوق نجاة.
هز حسين راسه بهدوء وقال بصوت مطمئن:
أيوه يا ياسمين… ده جدك بجد. هنروح لمامتك في المستشفى، وهي هتحكي لك كل حاجة بنفسها.
ياسمين ضمت أحمد لحضنها بقوة، كأنها بتحاول تحميه من الواقع اللي بيتهز حواليهم.
وكان الحاج شرقاوي بيبص لهم بنظرة كلها شوق وحرقة، عينيه معلقة بأحمد، اللي ملامحه نسخة طبق الأصل من ابنه الراحل، وشفايفه بتتحرك من غير صوت كأنه بيتمناه بين إيديه.
يحيى، ابن عمها، بص لها باهتمام وقال بنبرة هادية:
إحنا عارفين إن الصدمة كبيرة عليكي… إحنا كمان اتفاجئنا لما عرفنا. عمرنا ما كنا نعرف إن عمي متجوز ومخلف.
رد عليه جده بنبرة مكسورة، قلبه واجعه من الندم:
لو كنت أعرف، مستحيل كنت أسيبكم تتربوا بعيد عن حضني… دا انتوا ولاد الغالي وحته منه.
ياسمين بصت له، قلبها متلخبط، صوتها كان بيترعش من كتر الحيرة وقالت:
أنا… أنا عايزة أروح لماما المستشفى… لازم أتكلم معاها الأول.
الحاج شرقاوي حاول يبتسم، بس ابتسامته كانت مليانة وجع وقال بهدوء:
حقك يا بنتي… ما فيش أغلى من أمك تطمني عليها وتعرفي منها الحقيقة.
يحيى وجه كلامه لمهاب الظابط وسأله بنبرة جادة:
نقدر ناخدهم معانا؟ ولا لسه في إجراءات؟
مهاب ابتسم وقال:
الإجراءات كلها خلصت… يقدروا يمشوا وقت ما يحبوا.
ياسمين خدت نفس عميق، ومسكت إيد أحمد بقوة، كأنها بتمسك بثباتها. مشيت قدامهم وهي متوترة، وكل خطوة كانت تقيلة على قلبها.
وحسين مشي جنبها، صوته هادي وبيطمنها:
صدقيني يا ياسمين، ده جدك فعلًا… ويحيى ابن عمك..
والدتك كانت خايفة تحكي، لأنها كانت بتحاول تحميكم.
ياسمين فضلت ماشية، بس قلبها كان مشي قبلهم… رايح للمستشفى، رايح لأمها، رايح لحقيقة كانت مستخبية عنها سنين.
———
بعد وقت…
خرج خالد من مكتب مدير الأمن، وخطواته كانت أسرع من المعتاد.
مشيته كانت شبه جري… مش بسبب أوامر أو مهمة جديدة، لكن بسبب إحساس غريب جواه.
إحساس إنه لو اتأخر لحظة، ممكن يفقد حاجة مهمة… حاجة نادرة…
كان نفسه يشوف ياسمين قبل ما تمشي.
قبل ما تختفي من حياته زي ما ظهرت فجأة.
دخل المكتب، وعينيه بتفتّش المكان بلهفة، زي اللي بيدور على طوق نجاة من الغرق.
لكنها ما كانتش هناك.
مهاب ومعتصم بس قاعدين، والهدوء ناشر ظلاله على كل الكراسي الفاضية.
وقف في نص المكتب، عينيه تعلّقت بالمكان اللي كانت قاعدة فيه، وسأل بنبرة خافتة، فيها أمل مكسور:
هما مشيوا…؟…
رواية منعطف خطر الفصل السابع عشر 17 - بقلم ملك ابراهيم
دخل المكتب وعيناه تفتّشان المكان بلهفة، زي اللي بيدور على طوق نجاة من الغرق.
لكنها ما كانتش هناك.
مهاب ومعتصم بس قاعدين، والهدوء ناشر ظلاله على كل الكراسي الفاضية.
وقف في نص المكتب، عيناه تعلّقت بالمكان اللي كانت قاعدة فيه، وسأل بنبرة خافتة، فيها أمل مكسور:
هما مشيوا…؟
معتصم قال بهدوء:
أيوه… جدهم جه خدهم من شوية.
ما ردش خالد.
سكت… وساب الصمت يتكلم عنه.
قرب وقعد على نفس الكرسي اللي كانت ياسمين قاعدة عليه… كأنه بيطارد ريحتها، أو صدى صوتها اللي لسه عالق في عقله.
مهاب شاف ملامحه، وشاف فيها حاجة غير معتادة.
قال بابتسامة فيها فضول خفيف:
مالك يا خالد؟
مدير الأمن كان عايزك ليه؟
خالد اتنهد بعمق، ومسح جبينه بكفّه كأنه بيحاول يمسح التفكير:
هاخد أجازة كام يوم…
وهارجع استلم شغلي في الصعيد.
معتصم رفع حاجبه وقال:
وأنت شكلك زعلان كده ليه؟
مهاب ضحك ضحكة خفيفة وقال:
طبيعي يزعل… ده هيرجع الصعيد تاني وقلبه خلاص اتعلّق بالناس اللي هنا!
خالد بص لهم بنظرة جد، وقال بجفاف:
مفيش حاجة من اللي في دماغكم.
سكت لحظة، وبص للكرسي اللي قدامه، كأنه لسه شايفها قاعدة هناك، وقال بصوت شبه هامس:
المهمة انتهت بالنسبالي…
ولازم أقفل الملف ده بكل اللي فيه…
وارجع لحياتي.
معتصم تبادل نظرة مع مهاب، وابتسم، قبل ما مهاب يرد:
طب لو قلتلك إننا هنتنقل معاك الصعيد… هتفضل زعلان برضه؟
خالد بص لهم بدهشة، وكأنهم بيهزروا.
معتصم كمل:
جت أوامر إن الظباط اللي شاركوا في القضية دي، هيتنقلوا مؤقتًا لمحافظات تانية…
بعد ما الفلاشة اللي لقيتها اتفُرّغت، واتّضح إن الباشا "عوني" على علاقة برجال مافيا دوليين.
وبعد القبض عليه، بقى واضح إن حياتنا إحنا التلاتة في خطر.
مهاب قال بنبرة هادية وهو بيبص لخالد:
وطلبنا من الإدارة إننا نتنقل الصعيد…
واتوافق.
هنستلم شغلنا الجديد في مديرية الأمن.
خالد بص لهم شوية، عقله بيراجع كل كلمة.
وقال باستغراب حقيقي:
يعني هتسيبوا كل حاجة هنا؟
وتنقلوا حياتكم معايا للصعيد؟
مهاب رفع كتفه ببساطة وقال:
أنا عن نفسي واحد مطلق وعايش لوحدي أساسًا… يعني مش فارق معايا هنا أو مكان تاني!
ومعتصم ابتسم وقال:
وأنا أهلي كلهم في الصعيد أنت عارف…
صح مش في نفس المحافظة اللي هتنقل لها، بس على الأقل أقرب من المسافة اللي بين هنا وهناك.
خالد رجع بضهره يسند على الكرسي، وهز راسه بتفهم.
كان فاكر إن المهمة خلصت…
لكن الواضح إنها لسه مخلصتش.
ويمكن بدأت من دلوقتي فعلًا.
في المستشفى.
ياسمين كانت ماسكة إيد أحمد بإيد مرتعشة، كأنها لو سابته ممكن يضيع منها تاني. عيناها بتلمع بخوف وارتباك، ولسانها ساكت بس قلبها مليان أسئلة مش قادرة تنطق بيها.
جدها واقف جنبهم، عينه مليانة شوق ولهفة، بس هي كانت رافضة تصدق… قلبها مش قادر يستوعب إن ليها أهل وعيلة، بعد سنين الوحدة.
وقفت قدام غرفة مامتها، قلبها بيدق بسرعة، وبصوت واطي طلبت من الدكتور تدخل تشوف مامتها.
الدكتور وافق، ودخلت وهي ماسكة إيد أخوها، كأنها داخلة على حاجة أكبر من مجرد غرفة… كأنها داخلة تواجه حياة جديدة.
سماح أول ما شافتهم، عيناها دمعت على طول، وابتسمت ابتسامة تعبانة بس مليانة حياة.
أحمد جرى على حضنها وهو بيقول:
ماماااا…
حضنته بكل قوتها، كأنها بتحاول تنسيه ساعات الخوف اللي عاشها في حضن واحد.
سألت بقلق وهي بتشوفه بعينيها كأنها بتتأكد إنه بجد:
أنت كويس يا حبيبي؟ أنت رجعت إزاي؟… هو جدك عرف اللي كان خاطفك؟
ياسمين وقفت ساكنة، صوت مامتها زاد توترها، سألتها بعيون بتدور على إجابة ترجع لها توازنها:
إيه حكاية جدي دي يا ماما؟ هو إحنا فعلًا لينا جد وعيلة؟
سماح خفضت وشها، والحزن طاغي على ملامحها، كأن الكلام بيقطع في قلبها وهي بتنطق:
أيوه يا ياسمين… دول أهل باباكي.
ياسمين اتجمدت في مكانها، صوتها بدأ يرتعش وهي تقول:
وإزاي يا ماما متعرفناش؟ ليه خبيتي علينا؟ وليه منعرفهمش كل السنين دي؟!
سماح حاولت تتكلم بس كانت بتنهج من التعب، وشها شاحب ونظرتها كانت بتترجى بنتها تفهمها من غير كلام:
ده كان طلب أبوكي… متسألينيش ليه دلوقتي… أنا تعبانة يا ياسمين ومش قادرة أتكلم أكتر.
نظرة ياسمين اتحولت من غضب لقلق، وقلبها وجعها وهي شايفة مامتها بتتعب وهي بتحاول تشرح، قربت منها ومسكت إيدها بحنية:
أنا آسفة يا ماما… متتعبيش نفسك بالكلام دلوقتي… أهم حاجة إنك تقومي بالسلامة.
سماح حضنت أحمد تاني وكأنها بتاخد منه طاقة تكمل بيها:
روحي رجعتلي برجوع أحمد… الحمد لله يا رب.
ياسمين قربت منها أكتر، وقبلت إيدها بحب ودموع في عينيها وقالت:
الدكتور قالي خمس دقايق بس يا ماما، هنقعد برا مستنيين، بس متقلقيش… مش هنسيبك.
سماح همست وهي بتقفل عينيها من التعب:
متتعبوش نفسكم… خدي أحمد وارجعوا البيت… وغيروا هدومكم وارتاحوا، وتعالوا بكرة… خلي بالك منه يا ياسمين.
ياسمين خرجت من الأوضة وهي ساكتة، بس كل خطوة كانت تقيلة… كانت خارجة من حضن مامتها لحضن دنيا جديدة، مليانة مفاجآت ولسه مش عارفة تحبها ولا تخاف منها.
كان الحاج شرقاوي قاعد مستنيهم في بهو المستشفى، عينه ما غمضتش من ساعة ما عرف إن عنده حفيد وحفيدة من ابنه يحيى الغالي.
أول ما شافهم، قام من مكانه بسرعة، وقرب بخطوات متلهفة وهو بيقول بصوت مبحوح بالدموع:
اتأكدتوا إن أنا جدكم؟
ياسمين وقفت قدامه بنظرات متلخبطة وقالت بجمود بتحاول تخفي ارتباكها:
آه… ماما قالتلي. وقالت كمان إن بابا هو اللي طلب منها متعرفناش حاجة عنكم… مش عارفة ليه، بس أكيد كان بيعمل كده لمصلحتنا.
يحيى ابن عمها، قرب منها بنبرة هادية مليانة مشاعر مختلطة:
أنتِ متعرفيش جدي كان بيحب أبوكي قد إيه… ولما عرف إن ليه أولاد غير كارما، حس إن في جزء من روحه رجعله.
وبص لها بابتسامة خفيفة وقال:
إحنا كمان معرفناش غير النهاردة… بس اللي نعرفه دلوقتي إنك بنت عيلة الشرقاوي… وأحفاد الشرقاوي مكانهم في بيت الشرقاوي.
ياسمين اتجمدت مكانها وسألت:
كارما؟ مين كارما؟
رد يحيى بهدوء:
كارما… أختك من أبوكي.
الصدمة ظهرت على ملامح ياسمين، صوتها خرج مخنوق:
يعني بابا كان متجوز على ماما؟! أنا مش مصدقة… كل ده كان مستخبي عننا!
الحاج شرقاوي قرب منها بخطوة وفتح إيده كأنه بيستناها تدخل لحضنه:
تعالي يا بنت الغالي في حضن جدك… هاتي أخوكي وتعالوا معانا عشان تعرفوا عيلتكم كبيرة قد إيه.
بس ياسمين اتراجعت خطوة وقالت بتوتر:
لا… إحنا هنروح بيتنا.
يحيى انفعل، وصوته علا من غير ما يقصد:
إحنا مش بناخد رأيك! ده بيتكم وحقكم… ومفيش حاجة اسمها تعيشي بعيد عن عيلتك!
بس الحاج شرقاوي رفع إيده يوقفه، وقال بنبرة حنونة فيها لوم هادي:
براحة عليهم يا يحيى.
يحيى تمتم وهو بيبص بعيد:
هي مش مقدرة لهفتك يا جدي… واقفة تعاند وخلاص.
الجد ابتسم بحزن وقال:
العناد ده وخداه من أبوها الله يرحمه…
وبص لياسمين بعينين كلها شوق وقال:
أنا اتحرمت من ابني… موت أبوكي كسرني. ولما عرفت إن ليه أولاد حسيت إن الدنيا دارت من تاني… نفسي آخدكم في حضني وأشم ريحة ابني فيكم.
كلامه دخل قلب ياسمين زي سهم دافي، ودموعها بدأت تلمع، لكنها لسه مترددة. قالت بصوت مهزوز:
أنا آسفة… بس لسه مش متعودة… مش سهل عليا فجأة أصدق إن عندي عيلة.
الجد هز راسه بتفهم:
عندك حق… خدي وقتك براحتك، بس متحرمنيش منكم يا بنت الغالي.
سكتت لحظة وقالت بصوت هادي:
ممكن تدونا شوية وقت؟ لحد ما ماما تقوم بالسلامة… وبعدها نجي معاكم. وماما تيجي معانا برضه… صح؟
الجد وشه نور وهو بيقول:
ده بيتكم، وبيتكم هيبقى منور بيكم وبأمكم يا بنتي.
قرب منها وضماها بحنان، وهي كانت متوترة… بس حسّت بحنانه، وارتج قلبها شوية.
بعدها قرب من أحمد، حضنه بقوة وكأنه بيحضن ابنه يحيى، دموعه نزلت وهو بيتنهد بحُرقة:
الحمد لله على سلامتك يا حبيبي… رجعت ريحة أبوك في حضني تاني.
ياسمين وقفت تبص له، ودموعها نزلت بصمت… وهي بتفتكر أبوها، وشعور غريب بين الحزن والحنين سيطر عليها.
(بعد مرور شهر)
سماح مامت ياسمين خرجت من المستشفى أخيرًا، ملامحها مرهقة لكن قلبها مطمئن… ولأول مرة من سنين طويلة، مفيش خوف بيصحيها من النوم. الحاج شرقاوي طمنها ووعدها إنه مش هيبعدها عن أولادها أبدًا، مقابل إنها تقنع ياسمين إنهم يروحوا الصعيد معاه ويعيشوا في بيت جدهم.
وفعلًا راحوا الصعيد والقصر اللي كان دايمًا حِلم مستحيل في خيال ياسمين، بقى دلوقتي بيتها.
التحول كان أكبر من إنها تستوعبه بسهولة.
من بنت كانت بتصحى قبل طلوع الشمس عشان تلحق تحضر الفطار لأخوها وتلحق المواصلات لشغلها، لبنت بتصحى على صوت الخدم وهما بيخبطوا على باب أوضتها يسألوها تحب تفطر إيه.
كل حاجة حوالين ياسمين كانت فخمة لدرجة مخوفاها.
النجف اللي فوق دماغها، السجاد الناعم، السلالم الرخام، أوضتها اللي كبيرة على قد شقتها القديمة كلها…
بس أغلى حاجة بقت عندها دلوقتي… كانت ضحكة أحمد.
أخوها، اللي كانت بتخاف عليه من أقل حاجة، بقى متدلّع في مدرسة خاصة، لابس يونيفورم شيك وبيحكي لها عن أصحابه الجداد، وعن جده اللي مش بيسيب إيده وبيقعد يحكيله عن أبوهم زمان.
الحاج شرقاوي كان بيحاول يعوضهم عن كل لحظة حرمان.
كان بيقعد يسمع لياسمين بالساعات، بيشتري لها كل اللي كانت بتتمناه وهي بتعدي من قدام الفاترينات وساكتة.
حتى هدومها اتغيرت… بقت تلبس فساتين جديدة ناعمة وشيك بدل القديمة اللي كانت عندها.
بس رغم كل الرفاهية دي… قلبها كان لسه متلخبط.
حاسّة إنها غريبة وسط كل الدهب والمجوهرات.
مش قادرة تنسى البيت القديم، وشباك الأوضة اللي كانت بتقف عنده كل ليلة، وتدعي لأبوها في السِر.
وفي وسط كل ده، كان في اسم بييجي في بالها كتير… "خالد"
الظابط اللي غير مصيرهم… واللي فجأة اختفى من حياتها بعد ما خلصت مهمته.
رواية منعطف خطر الفصل الثامن عشر 18 - بقلم ملك ابراهيم
كانت حاسّة إنها غريبة وسط كل الدهب والمجوهرات.
مش قادرة تنسى البيت القديم، وشباك الأوضة اللي كانت بتقف عنده كل ليلة، وتدعي لأبوها في السر.
وفي وسط كل ده، كان في اسم بييجي في بالها كتير... "خالد".
الظابط اللي غير مصيرهم... واللي فجأة اختفى من حياتها بعد ما خلصت مهمته.
في بيت آخر لعيلة كبيرة في الصعيد.
(عائلة الدريني)
خالد كان نازل من أوضته عشان يروح شغله في القسم.
قرب من عيلته وهما قاعدين يفطروا واتكلم بنبرة مرحة:
يا صباح الفل.
ردت بهيرة مامته:
صباح الفل يا حبيبي.. أنا مش مصدقه إنك أخيرًا رجعتلنا وهتبقى معانا هنا على طول.. قولي صاحي بدري ليه النهاردة؟
رد خالد وهو بيقعد على السفرة:
هروح مديرية الأمن الأول قبل ما أروح القسم.. هستلم قضية جديدة.
اتكلم الحاج سالم الدريني والد خالد:
ربنا معاك يابني ويوفقك في شغلك.. المهم إنك رجعت وسطنا هنا تاني.
اتكلمت بهيرة بتباهي:
بابا كلمني وقالي إنه فخور بيك.. كل الداخلية بيتكلموا عن حفيد اللوا وحيد الأسيوطي والتشكيل العصابي الكبير اللي قبض عليه.
رد خالد:
هو جدي ناوي يرجع من السفر امتى؟
اتكلمت بهيرة:
هيرجع قريب إن شاء الله.. أنت عارف هو مش عايز يسيب خالتك عبير لوحدها هي وكارما وهما رافضين يرجعوا مصر من بعد موت بابا كارما.
خالد قال:
ربنا يصبرهم، بس بجد أنا مش فاهم هما ليه لسه هناك لحد دلوقتي؟ جوز خالتي مات من أكتر من 7 سنين وكارما مبقتش صغيرة.
بهيرة (بضيق بسيط):
بيهربوا من الفضيحة بعد موت جوز خالتك في قضية السلاح... وبعدين أنت مش واخد بالك؟ كارما مكسورة بعد موت باباها، وأنت كنت أقرب حد ليها في العيلة.
خالد (بيرفع حاجبه باستغراب):
أنا؟ من إمتى؟!
بهيرة (بابتسامة متصنعة):
من زمان يا خالد... دي حتى وهي صغيرة كانت ما بتتكلمش غير عنك. دلوقتي بقت شابة حلوة ومتعلمة... وتستاهل حد زيك.
الحاج سالم (وهو بيشرب شايه):
يا بهيرة خلّي ابنك في حاله، سيبيه يركز في شغله ومستقبله... ومالوش لازمة الكلام في الجواز بالعافية.
خالد (وهو بيقف):
شكرًا يا حاج، هو فعلًا مش وقته الكلام ده دلوقتي.
(يبص لوالدته وهو بياخد مفاتيحه)
أنا خارج. مش عايز أتأخر.
بهيرة (وهي بتحاول تخفف التوتر):
ربنا يوفقك يا حبيبي... بس متنساش تفكر في كلامي عن كارما.
خالد (بنبرة حاسمة وهو بيطلع من الباب):
كارما أختي الصغيرة يا ماما.. يا ريت حضرتك اللي متنسيش كلامي ده.
وخرج خالد من البيت، سايب وراه نظرة أمه المليانة إصرار إنها مش هتتنازل عن الجوازة دي... حتى لو اضطرّت تغصب ابنها.
بهيرة بصّت لجوزها بضيقة وعينيها فيها غصة، وقالت بصوت متحشرج:
شايف ابنك بيعمل إيه؟ مش بيرد على كارما، والبنت قلبها بيتقطع عليه، عملت المستحيل عشان تلفت نظره، وهو... ولا كأنها موجودة.
سالم الدريني قام من على السفرة بهدوء، وقال بصوت ثابت:
سيبيه يختار البنت اللي قلبه يرتاح لها. قولتلك ميت مرة الجواز مش بالإجبار... ولو فضلتِ تضغطي عليه كده، هيهرب ويطلب نقله لأي محافظة تانية عشان يرتاح من الزن ده!
بهيرة بصّت له بحدة، وقالت بعصبية خافتة:
وهيلاقي زي كارما فين؟! دي بنت خالته، متربية على إيدي، وقلبها معاه من وهما صغيرين... وأنت عايزني أخسر أختي؟ أخسر أبويا؟!
الحاج سالم طلع صوته بالعافية وهو بيتمالك نفسه:
أنا رايح المصنع... اتصرفي معاه بمعرفتك. أنتِ وهو أحرار.
سابها ومشي، وبهيرة فضلت قاعدة لوحدها على السفرة. سكتت لحظة، وبعدين بصّت قدامها بنظرة كلها إصرار، وقالت بصوت خافت لكن حاد:
خالد لازم يتجوز كارما... وأنا هعمل المستحيل عشان الجوازة دي تتم.
في بيت عيلة الشرقاوي.
ياسمين خرجت من أوضتها وهي متألقة وباين عليها الحماس، لابسة لبس رقيق وشيك يناسب أول يوم شغل. كانت متوترة شوية، بس في نفس الوقت فرحانة، وده باين في لمعة عينيها.
في اللحظة دي،
يحيى ابن عمها كان خارج من أوضته هو كمان، لابس بدلته ورايح شركته، ولما لمحها وقف مكانه لحظة وهو بيبتسم بإعجاب وقال:
صباح الخير.
ردت ياسمين بابتسامة هادية:
صباح النور.
وبدأت تتحرك ناحية السلم، فمشي جنبها وسألها بنبرة خفيفة فيها فضول:
رايحة فين بدري كده؟
قالت وهي بتعدّل شنطتها على كتفها:
رايحة المدرسة أستلم شغلي الجديد... جدي قالي إن المقابلة الساعة عشرة.
ضحك يحيى بثقة وقال وهو بيبص قدامه:
تعرفي إننا شركاء في المدرسة دي؟
وقفت ياسمين فجأة على السلم وبصت له بصدمة، وقالت بدهشة باينة على وشها:
شركاء؟ يعني إيه؟!
رد عليها وهو بيزود في نبرة ثقته:
يعني إحنا أصحاب المدرسة... لينا نسبة كبيرة فيها.
اتسعت عينيها وهي بتبص له، كأنها بتحاول تستوعب اللي سمعته، وبعدين ضحكت تلقائيًا وقالت:
أنت بتهزر صح؟!
ابتسم أكتر، وعينيه ما كانتش سايبة وشها، وقال بإعجاب وهو بيتفرج على ضحكتها:
لأ، بتكلم بجد... ولو مش مصدقة، ممكن أجي معاكي بنفسي وتشوفي.
ياسمين بصت ليحيى بدهشة باينة على ملامحها، وقالت بصوت واضح فيه نبرة رفض:
لا طبعًا... وبعد اللي قولته ده، أنا مش عايزة حد في المدرسة يعرف إن أنا من عيلة الشرقاوي أصحاب المدرسة.
يحيى رفع حاجبه باستغراب، وبص لها بنظرة مستنكرة وهو بيقول:
إزاي يعني؟! أنا كنت فاكر إنك هتفرحي وتفتخري بحاجة زي دي!
ردت عليه وهي بتحاول تحافظ على هدوئها لكن نبرتها كانت حاسمة:
أفتخر بإيه؟ أنا رايحة أشتغل مدرسة زي باقي المدرسين، وعايزة أكون موظفة عادية من غير أي معاملة خاصة... عايزة زمايلي يتعاملوا معايا على طبيعتهم، مش كـ بنت أصحاب المدرسة.
فضل يحيى ساكت لحظة كأنه بيحاول يستوعب كلامها، وبعدين هز راسه بخفة وقال بنبرة فيها احترام:
تمام... زي ما تحبي.
نزلوا سوا من الفيلا، ويحيى سبقها بخطوتين وشاور على عربية فخمة واقفة قدامهم وقال:
العربية دي بتاعتك من النهاردة، والسواق هيكون معاكي لحد ما تتعلمي السواقة.
بصت له ياسمين وهي بتحاول تخبي دهشتها، وهزت راسها وقالت بهدوء:
شكرًا.
مد يحيى إيده في جيبه، وبص لها بنظرة فيها اهتمام وقال:
رقمي الخاص متسجل عندك، لو احتجتي أي حاجة في أي وقت كلميني من غير تردد.
هزت راسها بالإيجاب من غير ما تقول كلمة، واتحركت ناحية العربية، والسواق نزل بسرعة عشان يفتح لها الباب، لكن هي رفعت إيدها وقالت له بابتسامة بسيطة:
شكرًا... أنا هفتح الباب.
ركبت العربية وهي محافظة على هدوئها، والسواق اتحرك بيها وخرج من الفيلا، وسابت وراها يحيى واقف مكانه.
يحيى بص عليها وهي بتبعد، وابتسم لنفسه وهمس بنبرة إعجاب:
مختلفة... وحلوة... وواثقة من نفسها... تمام يا ياسمين هانم.. الصبر جميل.
في مديرية الأمن
جوه مكتب معتصم..
كان خالد قاعد على الكرسي، والملف مفتوح قدامه، لكن عينه مش بتقراه...
عقله مشغول بحاجة تانية...
بصمت، كان بيواجه صدمة مش سهلة عليه.
على غلاف الملف كان الاسم واضح بخط عريض: (جلال الشرقاوي)
اسم تقيل في تاريخه، وتاريخ عيلته.
لكن الأثقل... إن الراجل ده هو جد كارما، بنت خالته.
وخالد... هو الظابط المسؤول عن القضية.
المطلوب منه يحقق في نشاط شركات الشرقاوي،
ويكشف الحقيقة...
سواء كانت نظيفة أو ملوّثة بدم وتجارة سلاح.
دخل مهاب، نظرته فيها قلق واستغراب، وقال بنبرة ما بين العتاب والتحذير:
ليه ما قلتش لسيادة اللوا إنك مينفعش تمسك القضية دي؟
خالد ما رفعش عينه من الملف، وقال بنبرة تفكير:
وتفتكر هو مش عارف؟
نوع القرابة بين عيلتي وعيلة الشرقاوي مش سر...
هو عارف كويس... ورغم كده، أصرّ إني أنا اللي أمسكها.
معتصم اتكلم لأول مرة، صوته فيه حذر واضح:
بس جدك هو كمان...
سيادة اللواء وحيد الأسيوطي...
وافق إنك تمسك قضية بالشكل ده؟
قضية ممكن توصلك إنك تتهم جد وابن عم حفيدته بإنهم تجار سلاح؟
مش كفاية إن أبوها مات برصاصة قبل ما يتقبض عليه وجدك مقدرش يواجه الفضيحة واخد خالتك وسافر!
خالد رفع إيده وحطها على دماغه، كأنه بيكتم دوشة الأفكار اللي بتخبط جواه.
اتنفس ببطء وقال بإصرار هادي:
أنا طبعًا فكرت في كل ده...
بس ده شغلي ومينفعش أعتذر عنه...
ومش هخلي النسب اللي كان بين العيلتين يغمّي عيني.
أنا همسك القضية... وهشتغل عليها من اللحظة دي.
مهاب هز كتفه، وبصّ لخالد وقال:
اللي تشوفه يا خالد..
بس قلبي حاسس إن القضية دي...
مش هتكون سهلة أبدًا عليك.
خالد ما ردش.
فضل ساكت...
بس نظراته كانت غارقة في الملف،
مش بيقرأ الكلام...
هو بيحارب نفسه جواه.
كان عارف إن اللحظة دي... هي بداية امتحان صعب.
مش بس في شغله...
في انتمائه، في ماضيه، في مستقبله.
بعد مرور 3 أيام..
كانت ياسمين راجعة من المدرسة بعد يوم طويل، جنبها أحمد أخوها، وعربيتهم بتتحرك بصعوبة وسط الزحمة اللي ماليه الطريق. الجو كان مكتوم، وكل العربيات ماشية ببطء كأن الشارع نفسه بيتنفس بصعوبة.
ياسمين بصّت من الشباك ولفت نَظَرها إن مفيش أي حركة قدامهم، فسألت السواق بنبرة استغراب:
في إيه؟ الطريق واقف ليه؟
السواق رد وهو بيبص من المراية الأمامية:
في كمين قدام بيفتشوا العربيات، الظاهر إنهم بيدوروا على حاجة.
ياسمين سكتت، وبصّت في موبايلها تحاول تلهي نفسها عن الزحمة. في نفس اللحظة، أحمد كان فاتح الشباك اللي جنبه وبيبص حواليه بحركة فضولية زي عادته.
في الكمين، كان خالد واقف جنب الظباط والعساكر، ملامحه فيها ملل من الروتين اليومي، إيده في جيبه ونظراته بتتحرك بين العربيات اللي بتمر.
عربية ياسمين قربت من الكمين، والظابط أشار لهم بالوقوف وأخد الرخص من السواق. كل حاجة كانت ماشية طبيعي... لحد ما أحمد شاف خالد واقف على جنب، اتسعت عنيه فجأة وصرخ بأعلى صوته:
حسن أبو علي!
وقبل ما حد يلحق يفهم حاجة، كان أحمد نازل من العربية يجري.
ياسمين اتفزعت من صرخة أحمد، وقلبها بدأ يدق بسرعة... الاسم اللي سمعته نغزها جواها. "حسن أبو علي؟!" الاسم ده بيرن في دماغها من أول يوم شافت فيه خالد. بسرعة فتحت باب العربية ونزلت تجري ورا أحمد.
أحمد كان بيجري بكل حماس ناحية خالد، وصوته لسه بيرن في المكان:
حسن أبو علي!
خالد لف ببطء ناحية الصوت، ووشه اتشد من الصدمة أول ما شاف أحمد جاي له، وعينيه تلاقَت بعينين ياسمين وهي بتجري ورا أخوها.
...
رواية منعطف خطر الفصل التاسع عشر 19 - بقلم ملك ابراهيم
حسن أبو علي؟
الاسم ده بيرن في دماغها من أول يوم شافت فيه خالد.
بسرعة فتحت باب العربية ونزلت تجري ورا أحمد.
أحمد كان بيجري بكل حماس ناحية خالد، وصوته لسه بيرن في المكان: حسن أبو علي!
خالد لف ببطء ناحية الصوت، ووشه اتشد من الصدمة أول ما شاف أحمد جاي له. ابتسم بسعادة حقيقية وفتح دراعاته.
وأحمد كان أصغر من إنه يفكر، ارتمى في حضنه كأنه أخيرًا رجع بيته.
خالد حضنه بقوة، كأنه بيعوّض سنين، وصوته اتملّى بالحنين وهو بيقول:
انت جيت منين يا بطل؟
أحمد رد وهو بيضحك من الفرحة، ووشه منور:
كنت راجع من المدرسة أنا وأختي ياسمين، وأول لما شفتك نطّيت من العربية!
خالد أول ما سمع اسمها، صوته اتغير وخرج منه تلقائيًا:
ياسمين؟!
أحمد مد إيده وشاور ناحيتها، وخالد لف بعينيه ناحية الاتجاه اللي شاور عليه، ولسه على وشه نفس الابتسامة اللي فيها حنين وشوق.
ياسمين كانت واقفة مش بعيد، متجمدة مكانها، ضربات قلبها بتزيد، ونَفَسها متلاحق من الجري والمفاجأة. ولما شافت حضنه لأخوها، جواها حاجة اتهزّت. ملامحها اتغيرت بين الدهشة والفرحة والتوتر.
خدت نفس عميق وقربت منهم بخطوات مترددة، وعينيها مش قادرة تثبت في عينيه.
قالت بصوت هادي، فيه احترام واعتذار:
ازيك يا حضرة الظابط.. إحنا آسفين على اللي أحمد عمله، هو دايمًا متسرّع، ولما صدق إنه شافك…
سكتت لحظة وبصّت له، وبعدين كملت وهي ماسكة إيد أحمد:
أصلُه دايمًا كان بيسأل عليك.
خالد بص لها، ونظرة عينيه كانت بتقول كلام كتير، كلام اتحبس جواه من آخر مرة شافها فيها. ابتسامته كانت دافية، وصوته طالع بنبرة فيها شوق:
فيه الخير والله إنه لسه فاكرني.. أنا كنت فاكر إنكم نسيتوني خلاص.
ياسمين اتلخبطت من نظرته، قلبها اتشد وكأن كلامه لمسها، لكن حاولت تخبي ارتباكها وقالت:
هو دايمًا بيسأل عنك، وكان نفسه يشوفك تاني… بس أنا معرفش مكان شغلك فين وقولت أكيد بدأت قضية جديدة ونسيتنا خلاص.
خالد رد بنظرة مفيهاش غير اشتياق واضح، وقال بهدوء:
بس أنا عمري ما بطّلت أفكّر فيكم. أنا رجعت هنا بعد القضيه ما خلصت … وسألت عليكم في المنطقة اللي كنتوا ساكنين فيها، وقالوا إنكم نقلتوا منها.
ياسمين بصّت له بتركيز شديد، ملامحها متلخبطه بين الفضول والدهشة، وسألته بصوت هادي:
كنت بتسأل علينا ليه؟ في حاجة تانية حصلت؟
خالد رد بصوت جاد وهو بيبص في عينيها وكأن الكلام دا موجه ليها لوحدها:
كنت عايز أطمن عليكي…
وبعدين نظر لأحمد بسرعة وقال بابتسامة مُراوغة:
قصدي عليكم… كنت عايز أطمن على صاحبي.
ضحك مع أحمد وقال له:
ولا إيه يا صاحبي؟
أحمد رد بابتسامة واسعة، وشوية من الحماس واضحين في عينيه:
أنا كنت بسأل عنك كل يوم يا حسن، وكنت بقول ل اختي ياسمين، 'أنا عايز أشوف حسن أبو علي.' وكانت دايمًا تقولي 'هو أكيد نسينا.'
خالد اتكلم وهو بيبص لياسمين، وقال بابتسامة:
لا طبعا، عمري ما أنساكم... كده اختك ياسمين ظلمتني. يرضيك كده يا أحمد باشا؟
أحمد رد بسعادة، ملامحه بتعكس ضحكة وسعادة جواه:
لا، ميرضنيش.
خالد ضحك.
في اللحظة دي ياسمين قالت لهم بنبرة مختلطه بين الجد والهزار:
ياريت بس نوضح إن حضرة الظابط اسمه خالد مش حسن أبو علي، عشان هو وجع لي دماغي باسم حسن ومش عايز يقتنع باسم خالد.
خالد بص لها وهي بتنطق اسمه، ابتسم وقال:
هو اسم خالد طلع حلو قوي كده.
ياسمين اتكسفت من كلامه، وبصت لأخوها وقالت بسرعة:
يلا، خلينا نمشي.
أحمد اتكلم مع خالد وهو بيبص عليه، وقال:
هشوفك تاني إزاي يا حسن أبو علي؟ أنت بتقف كل يوم هنا؟ أنا كل يوم بمر من هنا وأنا راجع من المدرسة.
خالد بص له بدهشة وسأل ياسمين:
إنتوا سكنتوا هنا جديد؟
ياسمين ردت بحماس:
أه، بيت جدي قريب من هنا.
خالد بفضول:
في نفس الشارع ده؟
ياسمين قالت وهي بتتكلم بسرعة:
اه في آخر الشارع.
خالد بص ليها بتركيز وقال:
يعني هشوفكم هنا على طول؟
ياسمين ردت بخجل، ملامحها بتعكس توتر خفيف:
أه... عن إذنك، إحنا لازم نمشي. يلا يا أحمد.
أحمد شاور له وهو بيتحرك مع ياسمين، وقال بضحكة:
مع السلامة يا أبو علي.
خالد شاور له، وبص عليهم لحد ما ركبوا العربية والسواق اتحرك بيهم، عينيه ما زالت على الطريق لكن عقله مشغول بيهم.
قرب من الظابط اللي معاه واتكلم معاه باهتمام:
بقولك إيه... إنت شوفت رخصة العربية اللي اتحركت دلوقتي؟ عايز أعرف متسجلة بإسم مين؟
الظابط قلب شوية في الورق اللي قدامه، وبعد كام ثانية رد عليه بهدوء:
متسجلة باسم جلال الشرقاوي يا فندم.
خالد اتجمد مكانه للحظة، والنظرة اللي في عينيه اتغيرت بالكامل.
بص للظابط بتركيز وقال بصوت منخفض، لكن فيه توتر:
جلال الشرقاوي؟... اتأكد من الاسم تاني كده؟
الظابط شاف توتره، لكنه اتأكد وقال:
أيوة يا فندم، جلال الشرقاوي. ده الاسم اللي طلع في الرخص، ومكتوب هنا عندنا.
نظراته راحت بعيد وهو بيعيد التفكير في كل التفاصيل بسرعة، عينيه ضيّقت وهو بيحاول يضبط نفسه، حس بقلبه بيدق بسرعة ووشه شحب، وكإنه اتسحب منه الهوا فجأة.
خالد همس لنفسه وهو مصدوم:
إيه علاقة ياسمين بجلال الشرقاوي...؟
كان بيحاول يستوعب، افتكر الاسم اللي شافه في الملف بتاع ياسمين اللي كان مع مهاب... "ياسمين يحيى الشرقاوي".
اتنفض بسرعة، طلع موبايله بإيدين بتترعش واتصل على مهاب وهو بيحاول يتحكم في توتره:
مهاب... أنا محتاج ملف ياسمين يحيى الشرقاوي حالاً... ضروري، وماتتأخرش!
ياسمين رجعت الفيلا عند جدها، وقلبها طاير من الفرح عشان شافت خالد النهاردة وطلع شغله الجديد في نفس البلد اللي هي عايشه فيها.
أول ما دخلت، طلعت جري على أوضة مامتها عشان تطمن عليها.
الفرح والسعادة كانوا واضحين في عينيها لدرجة ان مامتها لاحظت ان ياسمين فيها حاجة متغيره النهاردة وكأنها رجعت للحياة تاني بعد ما كانت شيفاها بتدبل قدامها كل يوم وهي في بيت الشرقاوي.
بعد كام دقيقة، خبطت واحدة من الخدم على الباب ودخلت وقالت بأدب:
جدك عايزك تحت في المكتب يا آنسة ياسمين.
ياسمين خدت نفس عميق ونزلت. كانت ماشية بخطوات هادية، بس قلبها كان بدأ يدق بسرعة من القلق اللي مش فاهمة سببه.
دخلت مكتب جدها، ولقت يحيى ابن عمها قاعد معاه. نظرتهم كانوا متوترين، والقلق باين قوي على وشوشهم.
ياسمين وقفت قدامهم وقالت بهدوء وحذر:
نعم يا جدي؟
جدها أشارلها بإيده تقرب، وبص لها بنظرة كلها جدية وقال:
تعالي يا ياسمين، اقعدي قدامي.. السواق بيقول إن كان في تفتيش على الطريق وانتوا راجعين، وانتي وأخوكي وقفتوا مع الظابط وكلمتوه كتير... خير؟ الظابط كان عايز منكم إيه؟
ياسمين ردت بهدوء وهي بتحاول تهدي القلق اللي كان واضح على جدها:
اطمن يا جدي، مفيش حاجة خالص... ده كان الظابط خالد اللي أنقذ أحمد من العصابة اللي كانت خاطفاه، وأحمد أول ما شافه نزل يجري من العربية عشان يسلم عليه، وأنا نزلت وراه وسلّمنا عليه ومشينا على طول.
جدها اتنهد بارتياح، وكأن حجر تقيل اتشال من على صدره، وبص ليحيى اللي كان قاعد قصاد ياسمين وعينه مركزة عليها باهتمام واضح.
يحيى سألها بفضول واضح:
وهو طبيعي يعني إنك تقفي مع الظابط ده أكتر من ١٠ دقايق تتكلموا مع بعض ؟
ياسمين حسّت بتوتر بيزحف عليها، فـ ردت بسرعة عشان تبرر الموقف:
هو كان بيتكلم مع احمد وأنا قولتلكم إن أحمد بيحب الظابط ده، ودايمًا بيقول إنهم أصحاب.
جدها اتكلم بجمود، نبرته كانت قاطعة:
ماشي يا ياسمين... بس ياريت تبعدوا عن الظابط ده.. إحنا ناس بنحب نكون في حالنا ومبنحبش نختلط بحد.
ياسمين استغربت قوي كلام جدها، وحست إنه فيه حاجة مش مفهومة، فقالت باستنكار خفيف:
بس ده مش اختلاط يا جدي!! ده واحد أنقذ أخويا أحمد و...
وقبل ما تكمل كلامها، يحيى قاطعها بنبرة كلها غضب وعصبيه وصوت عالي:
نقفل الموضوع ده! والظابط ده ملكيش دعوة بيه تاني، لا انتي ولا أخوكي، مفهوم؟
ياسمين بصت ليحيى بدهشة وعنيها مليانة علامات استفهام، وبعدين لفت بنظرها على جدها وقالت بقلق:
هو في إيه يا جدي؟ أنا مش فاهمة حاجة!
جدها اتكلم بهدوء، بس كان باين عليه إنه واخد قرار قاطع:
ابن عمك خايف عليكي يا ياسمين... اسمعي كلامه ومتجادليش.
ياسمين وقفت بسرعة، عنيها كانت مليانة غضب وزعل، مش متعودة خالص على نبرة الكلام العنيفة دي منهم.
بصتلهم بحدة، ومن غير ما تنطق بكلمة، خرجت من مكتب جدها وهي حاسة إنها مخنوقة ومضايقة قوي من تحكماتهم الغريبة وكلامهم اللي مش داخل دماغها.
بعد ما الباب اتقفل وراها، الحاج شرقاوي بص ليحيى بنظرة فيها عتاب وقال له:
مش قادر تمسك أعصابك شوية؟ الموضوع مش مستاهل كل ده.
يحيى وقف مكانه بضيق، نفخ بغضب وقال:
أنا مش هستنى لما ألاقيهم جايبين الظابط ده لحد عندنا يا جدي... عن إذنك، أنا عندي شغل ومضطر أمشي.
خرج يحيى من المكتب وهو متعصب، وخطواته كانت سريعة ومتشنجة، رايح على الجنينه عشان ياخد عربيته.
وهو ماشي، لمح ياسمين واقفة لوحدها، ملامحها كانت حزينة ومخنوقة، باين عليها لسه متأثرة بالكلام اللي اتقال.
وقف وراها شوية، اتنفس بعمق عشان يهدي نفسه، وقال بصوت أهدى:
عارف إني اتعصبت عليكي... متزعليش.
ياسمين أول لما سمعت صوته، لفتله بدهشة وعنيها بتلمع من الزعل وقالت:
أنا مش فاهمة... إنت ليه اتعصبت عليا كده؟! خالد يبقى...
ما لحقتش تكمل كلامها، يحيى قرب منها بسرعة، وحط إيده على شفايفها بهدوء قاسي، كأنه بيأمرها تسكت.
وقال بعصبية مكتومة:
أولًا... اسم خالد ده مش عايز أسمعه منك تاني!
رواية منعطف خطر الفصل العشرون 20 - بقلم ملك ابراهيم
ياسمين أول ما سمعت صوته، لفتله بدهشة وعنيها بتلمع من الزعل وقالت:
"أنا مش فاهمة... إنت ليه اتعصبت عليا كده؟!"
خالد يبقى...
ما لحقتش تكمل كلامها، يحيى قرب منها بسرعة، وحط إيده على شفايفها بهدوء قاسي، كأنه بيأمرها تسكت، وقال بعصبية مكتومة:
"أولًا... اسم خالد ده مش عايز أسمعه منك تاني! وتنسي إنه ساعدكم وكل الكلام ده... كل ده كان موضوع وعدّى وخلاص... عايزك تركزي بس في حياتك الجديدة معانا ومتفكريش في أي حاجة تانيه... مفهوم؟"
ياسمين اتوترت أول ما حسّت إيده على شفايفها، وبعدت عنه بسرعة خطوتين لورا، وقالت بحدة وهي رافضة طريقته:
"إنت مالكش حق تقولي أفكر في إيه ومفكرش في إيه... أنا حرة، ولازم تبقى فاهم ده كويس! وياريت كمان تاخد بالك من كلامك معايا، وايدك دي متلمسنيش تاني... مفهوم؟"
لفت عشان تمشي وهي متعصبة، بس فجأة يحيى مد إيده ومسكها من دراعها، جذبها ليه بقوة مش متعودة عليها. عنيها اتسعت من الصدمة وهي شايفاه بيقرب منها بالشكل ده، وصوته جه قوي وجاد:
"دي آخر مرة صوتك يعلى عليا يا بنت عمي..، فاهمة ولا لأ؟"
ياسمين اتوترت أكتر من قربه ونبرة صوته اللي كانت مليانة تحكم وقوة، سحبت نفسها بسرعة من إيده، وجريت على الفيلا من غير ما تبص وراها.
دخلت وهي بتنهج من الجري، طلعت على أوضتها على طول وقفلت الباب عليها، قلبها بيخبط في صدرها بقوة ومش قادرة تهدى..
خافت منه... أول مرة قلبها يدق بالخوف بالشكل ده، مش مجرد خوف عادي، لا، ده خوف حقيقي حسّت بيه في قلبها اللي كانت حاسه انه هيقف..
نظرات عيونه كانت زي السهام، بتخترقها وتهزها من جواها، كأنها بتكشف كل نقطة ضعف فيها من غير ما يتكلم.
ولما قرب منها خطوة... جسمها تجمد، وقلبها اتقبض بقوة غريبة، كأن في إيد خفية بتضغط على قلبها لحد ما النفس بقى تقيل.
واضح إنها مش هتعرف تعيش مرتاحة في البيت ده. خصوصًا في وجود يحيى ابن عمها.
أما يحيى، فوقف مكانه ساكت، أنفاسه سريعة ومتعصب، مش فاهم إزاي اهتمامه بيها كبر فجأة بالشكل ده. معقول؟ هو فعلاً غار عليها من الظابط ده؟ مش قادر يتحمل فكرة إنها وقفت واتكلمت مع راجل غيره، حتى لو مجرد كلام رسمي.
جواه شعور تملك غريب، عنيف، مش قادر يفسّره، بس هو متأكد من حاجة واحدة: البنت دي مش مفروض تكون لحد تاني. ومن أول لحظة شافها فيها، وهو شايف إنها ملكه هو، رغم عنادها، وقوتها، وبرودها معاه أوقات كتير، إلا إن كل ده بيجذبه ليها أكتر.
بس رغم كل ده… هو مقتنع إن اللي جواه مش حب. هيحبها إزاي وهو لسه يعرفها من كام يوم؟ يمكن الغيرة اللي حاسس بيها دي غيرة طبيعية، لإنها بنت عمه، من دمه، ويمكن جواه إحساس بالمسؤولية أو الحماية مش أكتر.
بس الحقيقة… هو مش قادر يفصل، ولا يهرب من عصبيته اللي بتفضح غيرته، ولا من الشعور اللي كل يوم بيكبر جواه غصب عنه.
لف ناحية عربيته، ركبها وهو بيشد على الدركسيون بغضب، وكأن الدنيا كلها بقت متلخبطة في دماغه.
عند خالد.
كان قاعد في مكتبه في القسم، حاطط ملف عيلة الشرقاوي قدامه، وعنيه متسمرة فيه. ده كان ملف قضيته الجديدة... واللي نقلوه القسم ده مخصوص عشانها.
كل التحريات اللي في الملف كانت بتأكد إن عيلة الشرقاوي بيتاجروا في السلاح... بس مفيش ولا دليل واحد عليهم رسمي. ولا حتى غلطة صغيرة!
خالد عدّى صباعه على سطور الورق قدامه وهو بيقرأ بسرعة وتركيزه عالي.
يحيى جلال الشرقاوي... اللي مات من سبع سنين برصاص الشرطة وقت مداهمة كبيرة لقضية اتجار سلاح.
العيلة كلها نكرت إن كان ليهم علاقة بشغله... والتحريات فعلاً أكدت إن راشد الشرقاوي، أخو يحيى، ملوش دعوة بالشغل ده... وإنه طول عمره مسافر مع مراته عند بنته في أمريكا، وسايب ابنه يحيى اللي دلوقتي بقى عنده ٢٨ سنة، عايش مع جده وبيساعده في إدارة شركات العيلة.
اتنهد خالد بضيق وهو ماسك الملف بين إيديه، عينه بتركز في كل كلمة مكتوبة.
كان فالأول رافض يستلم القضية دي، لأن ببساطة، كارما يحيى الشرقاوي... بنت خالته... تبقى من نفس العيلة دي. وده معناه إن موقفه هيبقى صعب جدا قدام جده وخالته وبنتها، خصوصًا لو التحقيقات وصلت لحاجات خطيرة.
بس مدير الأمن أصر... أصر إنه هو بالذات اللي يمسك القضية دي ويحط النقط على الحروف.
خالد مسح وشه بأيده وهو بيحاول يهدى دماغه اللي مليانة تفكير.
الأغرب من كل ده... واللي دماغه مش عايزة تهدى غير لما يعرفه... هو إيه علاقة ياسمين بعيلة الشرقاوي؟! إزاي كانت راكبة عربية تبعهم، وكأنها واحدة منهم؟!
في اللحظة دي، خبط الباب خبطة خفيفة، ودخل مهاب، شايل ملف في إيده.
قرب من المكتب وقعد قدام خالد، ومديله الملف وقال بابتسامة خفيفة:
"اتفضل يا باشا... ده الملف اللي فيه كل حاجة عن البنت!"
خالد مد إيده بسرعة وخده منه بلهفة واضحة، فتحه بسرعة وعينيه بتجري على السطور.
مهاب قعد بيراقبه بدهشة.
أول حاجة وقعت عليها عين خالد كانت اسمها بالكامل: (ياسمين يحيى جلال الشرقاوي)...
عينيه اتسعت من الصدمة، بسرعة لف الملف التاني بتاع عيلة الشرقاوي، وقرا اسم "يحيى جلال الشرقاوي" الابن الأصغر لجلال الشرقاوي... وفكر بسرعة... ده مات من سبع سنين على إيد رجال الشرطة.
رجع تاني يبص في ملف ياسمين... لقى مكتوب إن والدها متوفي من سبع سنين.
خالد رفع عينه لمهاب بذهول وقال:
"معقووول!! يعني ياسمين تبقى بنت يحيى جلال الشرقاوي؟! واخت كارما!"
خالد بدأ يكلم نفسه، كأنه مش قادر يستوعب:
"طب ازاي؟؟ المفروض إن يحيى جوز خالتي ماكنش متجوز غيرها... ومعندوش غير كارما بس! ازاي فجأة تطلعله بنت تانية؟!"
قلب بسرعة صفحات ملف ياسمين بعصبية، لقى كل حاجة متطابقة: نفس اسم الأب بالكامل... نفس تاريخ الوفاة... وكمان هي بنفسها قالتله قبل كده إنها دلوقتي عايشة مع جدها... والرخصة اللي اتفحصت كانت باسم جلال الشرقاوي...
مهاب كان قاعد قدامه، مش فاهم نص كلمة من اللي خالد بيقوله.
وخالد كان خلاص هيطق، عقله مش عارف يربط ولا يفهم!
وقف خالد فجأة وقال بحركة سريعة:
"أنا لازم أرجع البيت حالًا!"
مهاب قاله وهو مذهول:
"ترجع فين يا بني؟ مش إحنا اتفقنا هنتعشى مع بعض؟"
رد خالد بسرعة وهو بيجمع أوراقه وبيتحرك ناحية الباب:
"مش هينفع... أنا لازم أفهم إيه الحكاية دي دلوقتي حالًا!"
طلع خالد من القسم بخطوات سريعة، وركب عربيته، وضغط على البنزين وهو سايق بسرعة ناحية بيتهم، عقله شغال بأقصى طاقته... أسئلة كتير بتخبط في دماغه، ومفيش إجابة واحدة واضحة!
عند ياسمين.
كانت نايمة في أوضتها، ضامة نفسها في السرير، وعينيها مفتوحة وهي حاسة بالخوف بعد كلام يحيى معاها.
رغم إن الفيلا اللي عايشين فيها كبيرة وفخمة وشكلها مريح، بس جواها كانت مخنوقة... كانت بتحن لشقتهم الصغيرة القديمة، اللي كانت بتحس فيها بالأمان، بالحضن، باللمة.
حاسة إنها غريبة هنا... مكان مش بتاعها... حتى لو شكله من بره مثالي.
قعدت تفكر شوية... وقررت تقوم وتروح تتكلم مع مامتها، يمكن تلاقي عندها طبطبة أو حتى حل يرجعهم بيتهم اللي بيشبههم.
قامت بهدوء، وخرجت من أوضتها متسللة ناحية أوضة مامتها.
ماكنتش تعرف إن في واحدة من الخدم كانت مرقباها بعينين مترقبة.
وأول ما شافتها داخلة أوضة سماح، قربت الخدامة من الباب، وحطت ودنها عليه تحاول تسرق كلمة من هنا ولا جملة من هناك.
ياسمين دخلت الأوضة، لقت مامتها نايمة على سريرها، باين عليها التعب، مبقتش تقدر تتحرك كتير من ساعة ما تعبت... والتلفزيون قدامها شغال، بس صوته واطي، وكأنه مجرد خلفية للصمت اللي مالي الأوضة.
قربت ياسمين من السرير، وقعدت جنب مامتها، ومدت إيدها تمسك إيدها بحنية، وقالت بصوت هادي:
"عاملة إيه دلوقتي يا ماما؟"
سماح بصتلها وابتسمت ابتسامة بسيطة، وقالت وهي بتحاول تطمنها:
"الحمدلله يا حبيبتي... كويسة."
بس عنيها كانت شايفة أكتر من كلامها، شايفة القلق اللي مالي وش بنتها.
سماح سألتها بقلق واضح:
"مالك يا حبيبتي؟ في إيه؟ شكلك متغير يا ياسمين؟"
اتكلمت ياسمين بحزن وهي عنيها بتلمع من الدموع:
"ماما... أنا تعبت، زهقت من هنا.. نفسي نرجع شقتنا تاني. أنا مش مرتاحة هنا خالص ومش قادرة أتعامل معاهم... أرجوكي، خلينا نرجع بيتنا."
سماح وشها اتشد من القلق، وقربت منها وسألتها بلهفة:
"ليه بس يا حبيبتي؟ إيه اللي حصل يخليكي عايزة تسيبي كل ده فجأة؟ أنا شايفة إن حياتكم هنا بقت أحسن بكتير... أنتي ارتحتي من الشغل والشقا، بقيتي بتشتغلي في مدرسة محترمة، وأحمد كمان في نفس المدرسة... وعايشين في فيلا، وخدم بيخدموا علينا! إيه اللي مضايقك؟ مش فاهمة!"
ياسمين نزلت عنيها للأرض، وقالت بصوت مكسور:
"مش مرتاحة يا ماما... حاسة إني غريبة هنا... مش مكاني."
سماح نفخت بضيق وقالت وهي بتحاول تقنعها:
"لا كده بقى دلع يا ياسمين! عايزانا نسيب العز ده كله ونرجع للشقى برجلينا؟ ده أنا لما صدقت جدكم يرضى بينا ويفتحلنا بيته... أنا كنت عايشة عمري كله خايفة يعرف عنكم حاجة وياخدكم مني... دلوقتي إنتوا قدام عيني، وأنا مطمنة عليكم... ومرتاحة إنكم عايشين زي الناس، ومش محرومين من حاجة."
ياسمين بصتلها بعيون حزينة وسكتت، مش قادرة ترد.
سماح مدت إيديها وضمتها لصدرها بحنية وقالتلها:
"تعالي يا روحي نامي في حضني... ومتفكريش تاني في الحكاية دي... إفرحي بالعز اللي إنتي فيه... الله يرحمه أبوكي، كان حرمنا من كل ده."
ياسمين رفعت راسها وبصتلها بدهشة وسألتها:
"ليه يا ماما؟ ليه بابا حرمنا من كل ده؟ وليه كنا عايشين مش عارفين إن لينا جد وعيلة؟"
سماح اتلخبطت واتوترت، وردت بسرعة وهي بتحاول تهرب من السؤال:
"مالناش دعوة يا حبيبتي... دي قصص قديمة بين أبوكي الله يرحمه وبين جدك... المهم دلوقتي روحي إنتي أوضتك، وابقي شوفي أخوكي نام ولا لأ... ولو لسه صاحي وماسك التليفون بيلعب بيه خديه منه وخليه ينام."
ياسمين قالت بإحباط وهي بتحاول تبلع غصتها:
"حاضر يا ماما..."
قامت وخرجت من الأوضة، وبعد ما قفلت الباب وراها، سماح ما قدرتش تمنع دموعها إللي نزلت وهي بتبكي بهدوء. وبصوت خافت وهمسة وجع، قالت:
"أنا آسفة يا بنتي... كان لازم أعمل كده عشان أحميكي إنتي وأخوكي..."
وفضلت تفتكر اللي حصل يوم ما كانت لسه خارجة من المستشفى... فاكرة كويس تهديد جلال الشرقاوي، لما وقف قدامها وقال ببرود:
"هتيجي تعيشي معانا انتي وعيالك، وممنوع تفتحي بوقك بحرف واحد عني ولا عن أبوهم، ولا عن شغل العيلة، ولا عن سبب موت أبوهم ولا وصيته ليكي انك تبعدي احفادي عني... ولو فكرتي تقولي كلمة واحدة ل بنتك او ابنك او شجعتيهم انهم يبعدوا عني او يخرجوا من بيتي.. انا هحرمك منهم العمر كله ومش هتشوفيهم لحد ما تموتي..."