تحميل رواية «منعطف خطر» PDF
بقلم ملك ابراهيم
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
راجعة من الشغل متبهدلة وتعبانة وشايفة حياتها كلها بتتلخص في سؤال واحد: هاكل إيه دلوقتي؟ قررت تقف عند كشك جنب بيتها تشتري حاجة خفيفة، بس واضح إن حتى طلب الزبادي مش هيعدي على خير. "لو سمحت." رد صاحب الكشك بحماس أكتر من اللازم: "عايزة إيه يا عروسة؟" البنت اتجمدت مكانها: "عروسة؟ إنت عرفت منين؟!" ضحك وقال وهو بيقلب في الحاجات المعروضة قدامه: "يا بنتي دي تحية رسمية، بقولها لأي بنت تيجي تشتري مني!" "ماشي يا عم الحاج، اديني علبة زبادي وكيكة كبيرة عشان ماما ناوية تخليني أنام من غير عشا النهاردة." صاحب ال...
رواية منعطف خطر الفصل الحادي والعشرون 21 - بقلم ملك ابراهيم
هتيجي تعيشي معانا انتي وعيالك، وممنوع تفتحي بوقك بحرف واحد عني ولا عن أبوهم، ولا عن شغل العيلة، ولا عن سبب موت أبوهم ولا وصيته ليكي إنك تبعدي احفادي عني... ولو فكرتي تقولي كلمة واحدة لبنتك أو ابنك أو شجعتيهم إنهم يبعدوا عني أو يخرجوا من بيتي.. أنا هحرمك منهم العمر كله ومش هتشوفيهم لحد ما تموتي.
***
في فيلا الدريني.
خالد كان قاعد قدام والدته، ملامحه مشدودة وعينيه فيها نار من الصدمة، مستني منها تفسير لكل اللي اكتشفه النهاردة.. كان عنده أمل إنها تعرف أي معلومة تفيده بيها.. مش قادر يستوعب إن ياسمين من عيلة الشرقاوي تجار السلاح.
بهيرة كانت قاعدة قصاده، وشها اتسحب منه اللون، عينيها متسعة بالذهول، وإيدها متمسكة بطرف الكرسي كأنها بتحاول تستوعب الصدمة.
بصتله بارتباك وقالت بصوت مخنوق: إنت متأكد من كلامك ده يا خالد؟!
خالد اتنهد تنهيدة تقيلة كأنها طالعة من قلبه، ورد بغيظ كان بيحاول يكتمه: يا أمي... أنا اللي جاي أسألك وأفهم منك... كل التحريات اللي قدامي بتأكد كده! يحيى جلال الشرقاوي عنده بنت وولد... والاتنين عايشين في بيت جلال الشرقاوي دلوقتي... يعني أحفاده! وجوز خالتي... كان متجوز عليها في السر ومخلف كمان!
بهيرة رفعت إيديها لرأسها وكأنها بتحاول توقف دوشة التفكير اللي جواها، وقالت بمرارة: بقى مش مكفيهم إنه يطلع تاجر سلاح، ويموت وهو فضحنا قدام الدنيا كلها... وجاب العار لينا ولأختي الغلبانة وبنتها اللي مالهاش ذنب... ده شوه سمعة بابا إللي كانت أنضف من الدهب في الداخلية كلها... وإنت دلوقتي جاي تقولي إنه كان متجوز على أختي ومخلف في السر كمان؟!
بهيرة كانت بتتكلم ودموع القهر محبوسة في عينيها، وصوتها بيترعش من الغضب، قامت تمشي في الأوضة بخطوات عصبية، زي اللي بيحاول يهرب من قهره.
كملت بعصبية: لا يا خالد... لا! الموضوع ده مينفعش يتسكت عليه! خالتك وجدك لازم يعرفوا... العيلة كلها لازم تعرف الفضايح دي!
خالد قام بسرعة، قرب منها ومسك إيديها اللي كانت بترتعش وقال برجاء: يا أمي ... بالله عليكي.. متخلنيش اندم إني جيت سألتك.. أنا كنت فاكر إن عندك معلومة ممكن تفيديني بيها في الموضوع ده وإحنا لحد دلوقتي لسه مش متأكدين بنسبة مية في المية... أنا لازم أكلم البنت الأول وأفهم منها كل حاجة.
بهيرة سحبت إيديها منه بعصبية وقالت وهي بتبصله بغضب موجوع: البنت دي مين يا خالد؟!
خالد بلع ريقه وقال بصوت متوتر مليان صراع: ياسمين... اسمها ياسمين.. وتبقى بنت يحيى جلال الشرقاوي.
بهيرة شهقت شهقة صغيرة وهي مش مصدقة اللي بتسمعه، وشها احمر من الغيظ والقهر: اسكت يا خالد متقولش كده!!.. أنا مش مصدقة إن يحيي ده قدر يضحك على أختي وعلينا كل السنين دي.
خالد حاول يهديها بكلامه وهو بيكلمها بحنية خبي فيها صدمته من كل إللي عرفه النهاردة: يا أمي.. حاولي تهدي ارجوكي... أنا بكرة الصبح هاروحلها شغلها... وأعرف منها كل حاجة بنفسي ومش هعتمد على التحريات واللي أنا اكتشفت النهاردة بالصدفة.. أنا لازم أتكلم مع ياسمين وأفهم منها كل حاجة.
بهيرة سكتت، بس كانت عينيها نار، وقلبها بيغلي من الغضب، حاسة إن الأرض بتتهز تحتها.
خالد سابها بتغلي بمكانها، وقعد عالكنبة وهو حاسس بقلبه بيتعصر... مش مصدق إن البنت اللي شغلت تفكيره من أول نظرة... تطلع سبب محتمل لمأساة العيلة كلها.
اتنهد تنهيدة تقيلة، مليانة تعب وقهر مكتوم، وقال بصوت مبحوح: خلاص يا أمي... خلينا نقفل الموضوع دلوقتي لحد ما أنا أتأكد بنفسي... ولحد ما ده يحصل... مش عايز حد يعرف ولا كلمة، اتفقنا يا أمي؟
بهيرة كانت بتبصله بسكون، عينيها بتلمع بالدموع المكبوتة، وهزت راسها بإيجاب ضعيف كأنها مش قادرة تنطق.
خالد حس بتعبه بيتضاعف، قام بخطوات تقيلة وطلع السلم لغرفته فوق، سايب وراه أمه قاعدة في الصالة وسط دوشة أفكارها اللي كانت بتخبط في بعضها بعنف.
بهيرة فضلت قاعدة مكانها، تحرك صباعها ببطء فوق طرف الكنبة وهي سرحانة، عينيها تايهة ومليانة نيران غضب وحيرة، وكل شوية تحس قلبها بيتنفض من الصدمة.
حست إنها هتنفجر لو فضلت ساكتة أكتر من كده.
مدت إيدها المرتعشة للموبايل، دورت بعصبية على اسم أختها، ودون ما تفكر، ضغطت على زر الاتصال.
رن التليفون كام رنة، وبعدين عبير ردت بصوت نعسان: ألو... بهيرة؟ خير؟!
بهيرة مكدبتش خبر، بصوت عالي ومليان قهر، قالت: أيوه يا عبير... شفتي المصيبة اللي وقعت على دماغنا؟! مش بس يحيى طلع تاجر سلاح ومات بفضيحته... لا وكمان كان متجوز عليكي ومخلف بنت وولد!
بهيرة قالت جملتها كأنها بتطلق رصاص، كل كلمة كانت طالعة من قلبها زي خنجر بيشق صدرها من الغيظ والقهر عشان أختها.
***
اليوم التالي.
قدام المدرسة الخاصة اللي ياسمين بتشتغل فيها، كان خالد قاعد جوه عربيته وبيتابع من بعيد ، إيده ماسكة الدريكسيون بقوة كأنها بتفرغ التوتر اللي ماليه.
عينه كانت متسمرة على بوابة المدرسة، وقلبه بيتخبط جوه صدره بسرعة ومستني اللحظة المناسبة إللي يشوف فيها ياسمين وهي خارجة من المدرسة ويتكلم معاها ويفهم منها كل حاجة.
كان بيحاول يقنع نفسه إن كل حاجة عرفها ممكن تكون غلط، يمكن تكون مجرد صدفة او تشابه أسماء!
بس كل دليل وكل معلومة كانت بتصرخ قدامه إنها مش صدفة والأسماء حقيقية... وإن ياسمين دي بنت عيلة الشرقاوي رسمي.
جوه المدرسة.
كانت ياسمين قاعدة على كرسي مكتبها، حاسة بملل خانق وضيق مش طبيعي.
مفيش ورق تمسكه، ولا شغل تلهي نفسها فيه.
حاسة إن كل حاجة حواليها متظبطة عشان تبقى مرتاحة زيادة عن اللزوم... زيادة لدرجة الخنقة.
نظرات زمايلها كانت مشبعة بالحذر وكأنهم بيتعاملوا معاها بكفوف مغمسة برهبة، ففهمت بدون ما حد يحكي، إنهم أكيد عارفين هي بنت مين.
بنت عيلة الشرقاوي أصحاب المدرسة وممنوع الاقتراب منها..
غمضت عينيها بغضب من كل اللي بيحصل حواليها..
مش دي الحياة اللي كانت بتتمناها أبدا!..
حاسة بضيق تقيل على صدرها..
دا غير الألم اللي حاسة بيه مكان ضغطة إيد يحيى اللي لسه معلمة على دراعها..
أسلوبه العنيف وتحكماته الغريبه وجدها اللي شايف إن يحيى معاه حق في كل حاجة..
ومامتها اللي استسلمت للحياة دي وراضية بيها ورافضة إنهم يخرجوا من بيت جدها.
كانت حاسة نفسها محبوسة جوه قفص دهب مش قادرة تتنفس.
قامت من مكانها..
كل اللي كان نفسها فيه دلوقتي، تهرب، تهرب لمكان تقدر ترجع فيه لحقيقتها بعيد عن ألقاب وقواعد وحسابات.
خرجت من مكتبها بخطوات سريعة، وقلبها بيصرخ من جوه.
أول ما خرجت من باب المدرسة، شافت السواق بيجري عليها، نفسه مقطوع وهو بيقول بانكسار:
تحت أمرك يا هانم... أجيب العربية لحضرتك دلوقتي؟
رفعت عينيها له بهدوء مصطنع بيخفي الغليان جواها وقالت: شكراً... أنا هرجع البيت لوحدي. استنى انت أحمد، وابقى رجعه البيت.
السواق اتلخبط واتحرك بتوتر، وكأنه عارف المصيبة لو حصل لها حاجة، ورد بسرعة: آسف يا هانم... بس الأوامر اللي عندي، إني مأسيبش حضرتك أبداً.
شهقت ياسمين في ضيق وكتمت غيظها بالعافية، وقالت بحدة مكبوتة: ليه؟! هو أنا طفلة صغيرة وهتوه لوحدي! من فضلك، اعمل اللي قولتلك عليه.
ومشيت ياسمين بخطوات غاضبة، دموع الغضب محبوسة في عينيها وهي بتحس إنها فقدت أبسط حقوقها... الحرية.
السواق وقف مكانه متجمد، مش قادر ياخد نفس من الخوف، وبسرعة طلع موبايله واتصل بيحيى، صوته بيرتعش وهو بيبلغه باللي حصل.
خالد كان قاعد في عربيته، عينه مش سايبة ياسمين لحظة.
شاف بعينه حوارها مع السواق، وشاف ملامح الضيق والغضب وهي بتتكلم... كل حركة منها كانت بتنطق بالقهر اللي جواها.
مشيت ياسمين بخطوات سريعة وعنيفة، وكأنها بتحاول تهرب مش بس من السواق... لأ، من كل القيود اللي بتحاصرها.
خالد شغل عربيته بهدوء، وفضل يراقبها من بعيد، فضوله بيكبر مع كل خطوة بتبعدها... كان عايز يعرف رايحة فين، وليه بتتصرف بعيد عن أنظار عيلتها.
ياسمين كانت غرقانة في أفكارها، كل حاجة حواليها بقت ضباب، مش سامعة غير صوت عقلها اللي بيصرخ بالتمرد... مش قادرة تتأقلم مع حياة مقيدة مش شبهها.
من كتر شرودها، لقت نفسها ماشية على طريق عربيات سريع من غير ما تحس.
وهنا... سمعت صوت رخيم ومزعج طالع من شاب قاعد جوه عربيته، مهدي السرعة وماشي جنبها خطوة بخطوة:
"القمر ماشي لوحده ليه؟ تعالي أوصلك... أو إنتي توصليني، مش هنختلف!"
ياسمين زفرت بضيق، كاتمة غليانها وهي مكملة مشيها، متجاهلاه تماما.
بس الشاب مكمل وراها، مش ناوي يزهق.
عينيها وقعت على حجر كبير مرمي جنب الطريق... مدّت إيدها وخدته وهي ماشية من غير ما تبطّأ.
خالد كان بيراقب المشهد كله من بعيد وهو جوه عربيته ، حاسس إن في حاجة غلط بتحصل، وبدأ قلبه يدق بسرعة.
الشاب قرب أكتر بعربيته ووقف قصادها، منزل إزاز العربية وباصصلها بنظرة وقحة وهو بيقول بسعادة مريضة: "أيوه بقى... شكلنا هنتبسط النهاردة."
ياسمين كانت البركان اللي وصل للغليان.
بصت له بعيون مولعة نار، وقالتله وهي ماسكة الحجر: "انت واحد قليل الأدب!"
وفي لحظة واحدة... رمت الحجر بكل قوتها عليه.
الحجر كان كبير وخبط في دماغه واتسبب في جرح كبير وعميق، وصوت الصرخة بتاعته ملأ الشارع.
ياسمين ما استنتش تشوف اللي حصل، قلبها كان بيدق بعنف وهي بتجري بكل قوتها بعيد عنه.
كل وجعها وخوفها اتحول لطاقة هروب.
الشاب نزل من عربيته وهو حاطط إيديه على دماغه، الدم بينزف منها بغزارة، وعنيه مولعة غيظ وجنون.
بدأ يجري بسرعة ناحية ياسمين، ملامحه مش مجرد غضب... كانت نظراته فيها رغبة انتقام مرعب.
خالد ، اللي كان بيراقبها من بعيد، ضغط على دواسة البنزين بكل قوته، قرب بعربيته ناحية ياسمين وهو قلبه بيتخبط في صدره من القلق عليها.
بمجرد ما قرب منها وهي بتجري ، نزل من العربية بسرعة وجري عليها عشان يحميها.
ياسمين، اللي كانت بتجري بكل قوتها، وقفت مكانها أول لما شافت خالد قدامها، حسّت كأنها لقت حائط أمان يحميها من الخطر اللي بيجري وراها.
خالد سألها بنبرة كلها لهفة وقلق: انتي كويسة؟
هزت راسه بـ آه وبصت وراها بسرعة ولقت الشاب اللي بيجري وراها خلاص هيقرب منها.
خالد حاول يطمنها إنه موجود معاها، وقف قدامها بحماية وشاف الشاب اللي كان بيجري ورا ياسمين وهو بيقرب منهم والدم بينزف من دماغه.
خالد وقف قصاد الشاب وجسده بيتحرك بحماية غريزية... صدره بيعلو وينخفض وهو بيواجه الغضب المتوحش اللي كان بيقرب منهم.
الشاب كان بيصرخ بجنون، الدم مغرق وشه، صوته عالي ومخيف وهو بيهدد: "هقتلها! محدش هيقدر يحوشني عنها!"
ياسمين، كانت واقفة ورا خالد، بتخفي وشها ورا ضهره وقلبها بيرتعش من الرعب، مسكت طرف جاكيت خالد كأنها بتحتمي بيه، وصوتها خرج من حنجرتها بصراخ مرتبك: مين دي اللي هتقتلها؟ دا انت حتة عيل متسواش! فكر بس تقرب مني... وشوف أنا هعمل فيك إيه!
الشاب وكأنه انفجر، فقد السيطرة على أعصابه تمامًا، ورفع إيده بعصبية وهو ناوي يضربها، لكن خالد كان أسرع.
مسك إيده قبل ما توصل لياسمين، وضغط عليها بقوة خلت ملامح الشاب تتلوى من الألم، وقال بصوت هادي بس فيه نبرة تهديد: طب إيدك بس لتوحشك.
ودفعه خالد بقوة في صدره، رجعه لورا، كأنه بيبعد الخطر عن ياسمين بأي تمن.
الشاب صرخ، عينه بتبرق بجنون: البنت دي فتحتلي دماغي!
ردت عليه ياسمين، ورعبها اتحول لغضب، والغضب لقوة دفعتها تتكلم من غير تردد: عشان انت واحد قليل الأدب... وتستاهل أكتر من كده!
رواية منعطف خطر الفصل الثاني والعشرون 22 - بقلم ملك ابراهيم
مسك إيده قبل ما توصل لياسمين، وضغط عليها بقوة خلت ملامح الشاب تتلوى من الألم.
قال بصوت هادي بس فيه نبرة تهديد: طب إيدك بس لتوحشك.
ودفعه خالد بقوة في صدره، رجعه لورا، كأنه بيبعد الخطر عن ياسمين بأي تمن.
الشاب صرخ، عينيه بتبرق بجنون: البنت دي فتحتلي دماغي!
ردت عليه ياسمين، ورعبها اتحول لغضب، والغضب لقوة دفعتها تتكلم من غير تردد: عشان أنت واحد قليل الأدب.
خالد رجع بنظره ليها، حس بنبض قلبه بيزيد لما شاف الخوف في عينيها لكنها بتحاول تخفيه ورا صوتها العالي.
هو شاف اللي حصل من بعيد وياسمين بترمي حجارة على الشاب وهو في عربيته. بس ما كانش يعرف الشاب ده عملها إيه!
سألها باهتمام: هو عمل إيه؟
ياسمين ردت وهي بتحاول تحبس رعشة صوتها: كان بيعاكسني وأنا ماشية!
الشاب انفجر فيهم بزعيق هستيري، كأنه بيحاول يقلب الطاولة: كمان عايزة تلبسيني تهمة يا بت؟! هو في واحدة محترمة تمشي لوحدها على طريق زي ده؟! آه، أكيد زبون هو اللي نزلك هنا لما اختلفتوا على السعر!
الكلمات وقعت زي السهام على ياسمين، دموع القهر لمعت في عينيها.
لكن قبل ما ترد، خالد اتحرك بسرعة الصاعقة... قبض إيده ولكم الشاب في وشه بقوة.
الشاب ما لحقش يستوعب اللكمة القوية دي جت منين!
لكمة تقيلة طلعت كل الغضب اللي جوا خالد، وخدت الشاب وطيرته على الأرض.
ياسمين شهقت بصدمة، حطت إيديها على بقها وهي شايفة المنظر قدامها، مبهورة وقلبها بيخبط من المفاجأة... ما كانتش متخيلة إن حد ممكن يدافع عنها بالطريقة دي!
الشاب وقع على الأرض بيئن من الوجع، وإيده ملطخة بالدم، مش قادر حتى يرفع نفسه.
عربيات كتير وقفت حوالين مكان الخناقة، الناس اتلموا، والكل بيحاول يبعد خالد عن الشاب بالعافية.
خالد كان في قمة غضبه ومصمم إنه يعاقب الوغد ده اللي خوف ياسمين وغلط فيها قدامه.
ياسمين كانت واقفة خايفة لما شافت ناس كتير اتجمعوا حواليهم وكانت عايزة الموضوع ينتهي بسرعة وبدون ما يوصل لجدها أو يحيى.
في وسط الزحمة، والناس بيبعدوا خالد عن الشاب بصعوبة.. الشاب استغل الفرصة، وجرى ناحية عربيته وهو بيترنح من الوجع، وركب عربيته بسرعة واختفى عن الأنظار.
خالد كان عايز يمسكه تاني عشان ياسمين تعمل فيه محضر، لكن ياسمين رفضت وقالت إنها عايزة تروح وبس!
ياسمين كانت واقفة ملامحها مشوشة من الخوف، إيديها متشابكة قدامها كأنها بتحمي نفسها من العالم.
خالد قرب منها بخطوات واسعة، مسك إيديها بحزم، فتح باب عربيته بإيده التانية، وقال بصوت آمر من غير ما ينطق بكلمة زيادة: اركبي.
هي دخلت العربية وهي مش فاهمة بتعمل إيه، بس كان واضح عليها الرهبة.
ركب خالد جنبها، قفل الباب بعصبية، ودوّر العربية بسرعة، وتحرك بيها وهو نفسه بيتهز مع كل نفس بياخده من كتر الغضب اللي بيغلي جواه.
اتكلم وهو عينيه مسلطة على الطريق وصوته مليان غضب مكبوت: ممكن أفهم ليه رفضتي تعمليله محضر؟!
ياسمين بلعت ريقها، صوتها كان خافت ومهزوز من التوتر: مش عايزة مشاكل...
خالد ضرب إيده على الدركسيون بخفة وهو بيتمالك نفسه بالعافية وقال بصوت مشحون: مشاكل! ده قليل الأدب كان ممكن يأذيكي لو أنا ما كنتش موجود... وبعدين أنتي ليه تمشي على طريق زي ده لوحدك؟!
ياسمين كانت حاسة إنها سامعة صوت نبضها بيخبط في كل جسمها من التوتر، ردت بسرعة كأنها بتحاول تشرح وتبرر خوفها: أنا كنت مخنوقة.. ونفسي أمشي لوحدي شوية... ما عرفتش إن كل ده هيحصل.
خالد بص لها بطرف عينه نظرة طويلة، فيها خليط بين اللوم والخوف عليها، وقال: ما فيش بنت بتمشي لوحدها هنا وعلى طريق زي ده.
ياسمين ردت وهي بتضم جسمها بخوف: أنا ما فكرتش في أي حاجة غير إني عايزة أتنفس لوحدي بحرية!
خالد بص لها وبعدين سكت.
حاول يهدى نفسه، أخد نفس عميق، وركز في السواقة بدل ما ينفجر غضبه أكتر من كده.
ياسمين كانت قاعدة مكانها، ضامة نفسها، بتفرك صوابعها بتوتر.
كل تفكيرها كان رايح على فكرة واحدة بتخوفها: لو جدي عرف... لو يحيى عرف... مش هيسمحوا إني أخرج من البيت أو المدرسة لوحدي تاني!
كانت حاسة إنها فقدت سيطرتها على حياتها من ساعة ما دخلت بيت جدها... والنهاردة الإحساس ده بقى كأنه قيد حديدي مش هتعرف تهرب منه أبدًا.
خالد كان سايق وعينيه مركزة قدامه، وصوته طالع هادي بس فيه لمحة استفهام حادة: كنتي رايحة فين؟
ياسمين اتلخبطت، اتحركت في مكانها بقلق، وردت بصوت واطي: مش عارفة...
لف وشه ناحيتها لحظة، حاجبه مرفوع بدهشة مش مصدق: يعني إيه مش عارفة؟!
ياسمين بصت له بحذر، عينيها مليانة توتر، وقالت: أنا ما عرفش أي حاجة هنا.. أنا لسه جاية البلد هنا من فترة قليلة وما عرفش أي حاجة فيها.
خالد انتبه على كلامها وسألها بفضول: أنتي قولتيلي إنك عايشة في بيت جدك هنا.. هو جدك مين؟
ردت بعفوية: جدي اسمه جلال الشرقاوي.
خالد بلع ريقه وهو على بعد لحظات من معرفة الحقيقة منها وسأل: أنا أعرف الحاج جلال الشرقاوي وأعرف إن عنده ولدين بس.. راشد الشرقاوي ابنه الكبير ويحيى الشرقاوي ابنه الصغير.. أنتي بنت مين فيهم؟
ردت ياسمين: أنا بنت يحيى جلال الشرقاوي.
خالد قلبه دق بعنف وكأنه في صراع وسألها بتوتر: وليه ما كنتيش عايشة معاهم هنا؟
ياسمين اتحرجت تقوله إن مامتها الزوجة التانية ليحيى الشرقاوي وكان باباها باعدهم عن عيلته وقالت بتوتر: بابا وماما اتجوزوا في القاهرة وكنا عايشين هناك.. ولما حصلت الحادثة واختطاف أحمد جدي أصر إننا نيجي نعيش معاه هنا.
وسألته فجأة: هو أنت شفتني إزاي هنا؟
رجع يبص للطريق، وقال بنبرة عادية وكأنه بيحكي حاجة عابرة: كنت ماشي على الطريق بالصدفة... وشوفتك بتجري والولد ده بيجري وراكي.
وبعدين لف وشه ليها تاني، وعينيه بتلمع بإصرار: هنروح القسم دلوقتي تعمليله محضر، وأنا هعرف إزاي أجيبه.
ياسمين شهقت بخوف، وشها شحب واتكلمت بسرعة وهي بتترجاه: لأ! لأ محضر لأ!.. لو جدي عرف باللي حصل مش هيخرجني من البيت تاني... ويحيى ابن عمي مش هيسكت.
خالد ضيق عينيه بفضول، سألها وهو مش قادر يخفي اهتمامه: يحيى ابن عمك مش هيسكت؟ هيعمل إيه يعني؟
ياسمين خفضت وشها بسرعة، كأنها خايفة حتى تعبر عن اللي جواها، وسكتت.
خالد لاحظ ارتباكها، حس إن في حاجة أكبر من مجرد خوف من ابن عمها، بس ما رضيش يضغط عليها أكتر.
الدنيا حواليهم بدأت تبقى أهدى وهما داخلين طريق عمومي وسط زحمة ناس ماشية وعربيات وقربوا من الشارع اللي فيه بيت جد ياسمين.
ياسمين رفعت راسها وبصت من الشباك، جسمها بيترعش خفيف من التوتر، وقالت بصوت أقرب للرجاء: ممكن أنزل هنا لو سمحت؟
خالد بصلها باستغراب، وسأل بدهشة حقيقية: ليه هنا؟
ردت بسرعة، وكأنها عايزة تهرب من الموقف ومنه كمان: البيت قريب من هنا.. هاخد تاكسي يوصلني البيت... كده هكون مرتاحة أكتر.
خالد اتنهد، وهو بيركز تاني قدامه، وقال بنبرة خفيفة فيها شيء من خيبة الأمل: أنا ممكن أوصلك بيت جدك.. أنتي ما تعرفيش حاجة هنا وممكن تتوهي!
ياسمين ابتسمت ابتسامة متوترة، وقالت بهمس: شكرًا... أنا عارفة عنوان البيت وهكون مرتاحة أكتر لما أرجع لوحدي.
خالد سكت، وحس إنها محتاجة فعلًا تكون لوحدها.
ما حبش يضغط عليها وركن على جنب بهدوء، وعقله مليان علامات استفهام حواليها، وحوالين الخوف اللي في عينيها.
ركن العربية على جنب بهدوء، ياسمين ابتسمت برقة وقالت بنبرة فيها خجل وامتنان: شكرًا يا حضرة الظابط... وآسفة على اللي حصل.
ابتسم خالد ابتسامة خفيفة ما لهاش تفسير غير إنه مستغرب المسافة اللي فجأة رسمتها بينه وبينها، ورد عليها بنفس الرسمية بس بابتسامة دافية: تحت أمرك يا آنسة ياسمين... وزي ما بيقولوا: الشرطة في خدمة الشعب.
ياسمين بصت له بدهشة خفيفة، وهو كمل كلامه بضحكة خفيفة كسرت الرسميات اللي بينهما: يعني أنتي هتقوليلي حضرة الظابط، وأنا أرد عليك آنسة ياسمين؟! إيه الرسميات المملة دي؟ خلينا ياسمين وخالد عادي، من غير تكليف وكلام يزعل.
ضحكت ياسمين من قلبها، ولأول مرة من ساعة ما ركبت معاه تحس إنها مرتاحة، وقالت وهي بتبتسم: ماشي... شكرًا يا خالد.
ابتسم لها أكتر، وفي عينيه بريق خفيف من الإعجاب وقال بمزاح واضح: العفو... يا آنسة ياسمين.
ضحكت بصوت أعلى، وهو اتأملها للحظة كأنه بيشوف نور خفيف ظهر وسط يومه الكئيب.
بص لها بخبث ظريف وقال: هو أنا لو طلبت رقمك دلوقتي أبقى رخِم شوية... صح؟
وشها احمر فجأة، وحست بالخجل لدرجة إنها ما قدرتش تبصله وهي بتهمس: مش عارفة...
خالد رفع إيده وحك شعره وهو بيضحك وقال: إيه الإحراج ده!!
ضحكت ياسمين تاني، وهو حاول يخفف الموقف وقال بهزار: بصراحة... أنا كنت عايز رقمك عشان أكلم صاحبي أحمد... وأطمن عليه.
ياسمين حست إنه بيحاول يهرب من إحساسه الحقيقي، فابتسمت وقالت بمودة: وأحمد كمان مش بيبطل زنّ، طول الوقت بيسأل عليك وعايز يكلمك.
قال خالد بنبرة مليانة خفة دم: خلاص... يبقى أخد رقمك عشان أكلمه وأطمن عليه براحتي.
هزت راسها بالموافقة، وأخذت الموبايل منه وسجلت رقمها، وبابتسامة هادية قالت: كده الرقم بقى عندك.
على طول، خالد اتصل بيها وهو بيبتسم وقال: عشان يبقى عندك رقمي... وأول لما توصلي البيت، تخليني أكلم صاحبي أحمد... وأطمن إنك وصلتي بالسلامة.
ابتسمت ياسمين ابتسامة خجل بريئة، ونزلت من العربية بسرعة، وكأنها بتحاول تهرب من مشاعر بدأت تخوفها.
خالد قعد يراقبها بعينيه وهي واقفة تدور على تاكسي، ولما لقت تاكسي وركبته، مشي وراها بعربيته بهدوء، محافظ على مسافة آمنة، لحد ما شاف التاكسي بيقرب من بيت الشرقاوي.
شافها وهي بتنزل من التاكسي وتدخل بوابة البيت الكبيرة، ولما اتأكد إنها دخلت بأمان، لف بعربيته وتحرك ناحية القسم، بس عقله لسه مشغول بيها.
في آخر اليوم.
ياسمين كانت قاعدة في أوضتها بتفكر في اللي حصل النهاردة وفي الصدف الغريبة اللي دايما تجمعها بخالد!
قررت تكتب يومياتها وبدأت باليوم اللي قابلت فيه خالد أول مرة يوم الحادثة لأن اليوم ده كان غريب ومميز بالنسبة لها.
وهي بتكتب رن تليفونها برقم خالد.. أول لما شافت رقم خالد على الشاشة، قلبها دق بعنف كأنه هيطير من مكانه، وبلعت ريقها بالعافية قبل ما تضغط على زر الرد بإيد مرتعشة.
ـ ألو...
نطقت الكلمة بصوت خافت ومهزوز، وكأنها خايفة حتى من نفسها.
ـ ألو... إزيك؟
جالها صوت خالد دافئ عبر السماعة، فيه نبرة مريحة غريبة خلت قلبها يزيد دقاته أكتر.
ـ الحمد لله...
ردت عليه بخجل، وهي بتحاول تهدي رجفة صوتها.
خالد كان واقف في بلكونة أوضته، والهوا البارد بيلمس وجهه بخفة.
وهو بيبص على جنينة الفيلا بتاعتهم اللي عمره ما حس بجمالها زي النهاردة.
قال بنبرة خفيفة فيها عتاب لطيف: "أحمد صاحبي مكلمنيش ليه؟ أنا مستني مكالمته من الصبح."
ابتسمت ياسمين بتوتر، وقالت وهي بتحاول تخفي خجلها: "أحمد... جاله شوية ألعاب جديدة النهاردة، ومش عايز يخرج من أوضته خالص."
خالد ابتسم لنفسه وهو بيسمع صوتها، وحس إن كلامه بيخرج لوحده من غير تفكير: "يعني أحمد مشغول عني... وأنا اللي كنت بفكر فيه، وقولت أكيد هو كمان بيفكر فيا."
جملته دي خبطت قلب ياسمين خبطة جامدة، حست إنه مش بيكلم عن أحمد أصلًا، وكأنها هي اللي في باله مش غيرها.
الخجل لف وشها، وكانت لسه هترد، لكن فجأة...
باب الأوضة اتفتح بقوة عنيفة خلتها تنتفض من مكانها، والتليفون وقع من إيدها على السرير بصدمة.
دخل يحيى ابن عمها، بيقتحم الأوضة بانفعال وعصبية، صوته بيعلى وهو بيزعق بكل قسوة: "هو انتي مش عايزة تسمعي الكلام ليه! فاكرة إن مَلَكيش كبير يحكمك!"
ياسمين اتجمدت مكانها، عينيها بتلمع من الخوف، ودقات قلبها مش سيبالها نفس تفكر.
انتفضت ياسمين من فوق سريرها بصدمة، جسمها كله اتجمد من الرعب.
كانت لابسة بيجامة منزلية، وشعرها البني الطويل سايب على كتفها من غير الحجاب... عينيها اتسعت وهي مش مصدقة إن يحيى دخل عليها بالشكل ده!
يحيى اتجمد مكانه، عينه ماتحركتش عنها.
لأول مرة يشوفها كده.
رواية منعطف خطر الفصل الثالث والعشرون 23 - بقلم ملك ابراهيم
انتفضت ياسمين من فوق سريرها بصدمة، جسمها كله اتجمد من الرعب.
كانت لابسة بيجامة منزلية، وشعرها البني الطويل سايب على كتفها من غير الحجاب، عينيها اتسعت وهي مش مصدقة إن يحيى دخل عليها بالشكل ده!
يحيى اتجمد مكانه، عينه ماتحركتش عنها.
لأول مرة يشوفها كده. بجمالها الطبيعي الساحر، شعرها الحريري اللي وقع على كتفها، ملامحها البريئة اللي خطفت قلبه قبل عقله.
نسي هو أصلاً كان جاي ليه، نسي كل حاجة.
ياسمين اتحركت بسرعة، إيديها بترتعش، خطفت الطرحة من فوق الكرسي وحطتها على شعرها بارتباك شديد.
بصتله بعيون مولعة غضب وزعقت فيه بصوت عالي، مليان توتر وخوف:
"إنت إزاي تقتحم عليا الأوضة بتاعتي من غير استئذان! انت فاكر نفسك مين!"
على الجانب التاني، خالد كان لسه ماسك تليفونه والمكالمة شغالة.
سمع شهقة ياسمين، صوت التليفون لما وقع، وصوت صريخ رجالي خشن، وبعدين سمع ياسمين وهي بتزعق بقوة.
جسم خالد اتشد كله، عينيه اتسعت ووشه كله اتغير من القلق والخوف عليها.
كان سامع كل كلمة، وكل نفس بتاخده.
يحيى وقف مبهوت قدامها، نظراته مش قادرة تتحول عنها.
حاول يجمع نفسه بالعافية، وبلع ريقه وهو بيحاول يتكلم بنبرة أقل حدة:
"أنا خوفت عليكي لما السواق قالي إنك سبتيه في المدرسة ومشيتي بدري، ومكنش عارف أنتي روحتي فين... ليه مشيتي كده فجأة؟ وليه رجعتي بتاكسي؟"
نظراته كانت بتحاول تبين اهتمام، لكن كانت مفضوحة بالإعجاب اللي مالي عنيه.
ياسمين كانت بتغلي من الغضب، عينيها بتبرق بالدموع، وقالتله بحنق وهي بتشد الطرحة أكتر على شعرها:
"ده شئ ميخصكش! ولو سمحت اخرج برا أوضتي... وأنا هنزل أكلم جدي وأحكي له على اللي عملته وكل اللي بتعمله معايا ده مش هيعدي علي خير!"
كلامها كان زي صفعة على وش يحيى، لكنه ابتسم بسخرية وهو بيقرب منها بخطوات هادية تقيلة، وعينه ثابتة على عينها.
قال بنبرة متعجرفة:
"مش هيعدي على خير؟... هتعملي إيه يعني؟"
ياسمين رجعت خطوتين لورا بخوف، قلبها بيرجف، وصوتها خرج متوتر ومترجي:
"لو سمحت يا يحيى... اخرج من أوضتي حالًا."
خالد كان واقف مكانه مش قادر يستوعب اللي سمعه، قلبه كان بينفجر من الغضب، وكل كلمة سمعها كانت بتزيد نار الغضب جواه. كان عارف إن يحيى مش سهل، لكن الطريقة دي في التعامل مع ياسمين كانت بتخلّي دمه يغلي.
سمع ضحكة يحيى اللي كانت مليانة تهديد وتسلط، وابتسامة السخرية اللي طلعت منه كانت بتقهره، مش قادر يتحمل فكرة إن يحيى بيهدد ياسمين بالطريقة دي.
يحيى:
"اسمعيني كويس يا بنت عمي... سبق وقولتلك إنك لازم تنسي حياتك القديمة دي خالص، ولازم كل حركة وكل خطوة تاخديها أكون على علم بيها."
قرب منها أكتر وهو بيبصلها بإعجاب، وقال:
"وكل نفس بتتنفسيه لازم أكون عارف بيه."
ياسمين كانت مرتجفة من الخوف، قلبها بيدق بسرعة مش قادرة تتحمل أكتر، ردت بصوت مهزوز، مكسور:
"لو سمحت ابعد."
يحيى رفع إيديه لفوق، وهو بيبعد عنها بخطواته الواثقة، وهو بيكمل:
"أنا هبعد المرة دي وهنسى كل الكلام السخيف اللي قولتيه، بس لو عرفت إنك سيبتي السواق تاني وروحتي على أي مكان لوحدك... وقتها يبقى أنا مش مسؤول عن اللي هعمله."
ياسمين كانت واقفة، جسدها كله مرعوب، وعينيها مليانة خوف، مش قادرة تنطق بكلمة أكتر.
يحيى ابتسم ابتسامة خفيفة وهو بيبص عليها، عينيه كانت مليانة تحدي وسخرية.
يحيى:
"على فكرة... لون شعرك حلو، أنا بحب اللون ده... اوعي في يوم تغيريه."
كلامه كان بيزيد من توتر ياسمين، وخلّى قلبها يوجعها أكتر.
ياسمين حاولت تبقى هادية على قد ما تقدر، وربطت الحجاب على شعرها بإحكام أكتر، وكأنها بتحاول تحمي نفسها من نظراته. بصت له بسرعة وقالت بصوت مهزوز:
"اخرج برا لو سمحت."
ابتسم ابتسامة مش معبرة، وكأن الكلمة دي ما جتش في باله أصلاً وخرج من الغرفة، وهو ماسك نفسه بالكاد عشان ما يبانش قدامها إنه مستمتع بالموقف.
ياسمين جرت بسرعة على باب الغرفة، قفلته بالمفتاح، وحاولت تهدأ نفسها.
قعدت على سريرها وهي بتبكي بمرارة، قلبها بيقطّعها من جوه.
بعد لحظات، اكتشفت إن الموبايل كان لسه شغال. بصت عليه بتركيز، وشافت إن المكالمة مع خالد لسه مستمرة، وهو سمع كل حاجة.
خالد فعلاً سمع كل كلام يحيى معاها، وكل كلمة خرجت من يحيى كانت زي السكين بتدمي قلبه. كان نفسه يكون جنب ياسمين في اللحظة دي، ويكسر دماغ يحيى ويعاقبه على كل كلمة قالها، على كل تهديد، على كل حاجة خلت ياسمين في الموقف ده. كان حاسس في قلبه بنار مشتعلة وهو سامع كلام يحيى، التهديدات اللي موجهة ليها، وكلامه عن إعجابه بيها، بلون شعرها، كل ده كان بيشعل الغيرة في قلبه. حس إنه مش قادر يتنفس، مش قادر يتحمل يشوف ياسمين في الحالة دي. كان نفسه يحميها من كل اللي حواليها، يبعد عنها الأذى ده.
ياسمين رفعت التليفون وقربته من وشها، بتحاول تتأكد إذا كانت المكالمة لسه مفتوحة فعلاً ولا تقفلت.
وخالد، على الطرف التاني، سمع بوضوح صوت أنفاسها المرتعشة وهي بتقرب الجهاز منها،
أنفاس خافتة، مرتبكة... بس كانت كفاية توصل له قد إيه هي خايفة.
خالد:
"ياسمين... أنتي كويسة؟"
صوته كان مليان قلق، وفيه نبرة مش قادر يخفيها من الغضب.
قفلت المكالمة بسرعة أول لما سمعت صوته، وهي محروجة منه بعد ما سمع اللي هي بتتعرض ليه في بيت جدها من معاملة ابن عمها وعدم احترامه لخصوصيتها.
أول ما قفلت المكالمة، لقت خالد بيتصل تاني. كانت محتارة ترد عليه ولا لأ، وكان في جواها صوت قوي بيشجعها ترد، عشان كانت محتاجة تطمّن وتحس بالأمان، وكانت محتاجة حد زي خالد عشان يطمنها.
ردت بصوت مهزوز، وسمعت صوت خالد وهو بيسألها بلهفة:
"إيه اللي حصل يا ياسمين؟"
سكتت، ومقدرتش ترد تقوله إيه. خالد اتكلم بغضب وعصبية، وكانوا واضحين جدًا في نبرة صوته:
"هو اقتحم الأوضة بتاعتك صح؟ وليه بيخوفك ويهددك كده؟"
ردت ياسمين ببكاء:
"عشان هو كده من أول ما جينا البيت ده. دايمًا عصبي وهمجي كده، ومش بيعرف يتحكم في أعصابه. أنا اشتكيت لجدي أكتر من مرة وهو مش بيسمع لحد. أنا أصلاً زهقت من البيت ده، ونفسي أرجع بيتنا القديم أنا وماما وأخويا."
اتكلم خالد بغضب:
"وأيه اللي يمنع إنكم ترجعوا بيتكم القديم؟"
ردت بحزن:
"اللي يمنع إن حالة ماما صعبة ومحتاجة علاج كتير وهنا في خدم بيساعدوها في كل حاجة وأنا مهما اشتغلت مش هقدر أوفرلها الأدوية بتاعتها وحد يخدمها وأنا في شغلي، وكمان أحمد لما صدق إنه يروح مدرسة نضيفة ويبقى عنده أوضة لوحده ومليانة بكل الألعاب اللي كان بيحلم بيها... يمكن أنا الوحيدة فيهم اللي مش مرتاحة في البيت هنا ومش عايزة أكون أنانية وأحرمهم من الحياة دي."
خالد كان بيسمعها بكل انتباه، كان بيسمعها بقلبه. كل كلمة كانت خارجة منها بتقربه أكتر، بتفهمه هي حاسة بإيه، وبتكسر أي مسافة كانت بينهم. صوتها كان متلخبط بين الحزن والصدق، وهي بتحكيله عن اللي جواها، عن الخوف، والارتباك، والذكريات اللي عمرها ما قالتها لحد. وكل ما كانت بتتكلم، كان هو بيحس إنه مش بس بيسمع، ده شايل معاها. فجأة حس إنها بقت جزء منه، مسؤوليته، ومشاعره بقت أعمق من مجرد تعاطف. ولما حكت له إزاي اكتشفت إن جلال الشرقاوي هو جدها، بدأ يشوف ياسمين بعين مختلفة... بقى عارف عنها كل حاجة، وكل تفصيلة كانت بتربطها بالعالم اللي هو بيحاول يفهمه.
كان ساكت وهو بيسمعها ونفسه يقولها كلمة تطمنها، يوعدها إنه جنبها وإنه مش هيسيبها مهما حصل.
بس الحقيقة؟
ماكانش يقدر يوعدها بحاجة.
لإنه مش مجرد خالد اللي بيسمعها دلوقتي وحاسس بيها.
هو الظابط اللي اسمه مكتوب على رأس مهمة رسمية، مهمته يطارد عيلتها، يحاصرهم، ويقبض عليهم.
وجدّها، اللي هي لسه بتكتشفه دلوقتي، هو أول اسم في قائمة المطلوبين.
قلبه كان بيدق بصوت عالي، مش من الحب بس... كمان من الخوف عليها.
خايف من اللحظة اللي هتعرف فيها كل حاجة.
كان لازم يسيطر على قلبه ومشاعره، قبل ما يتقال بينهم كلام مايتسحبش تاني.
بعد مرور أسبوع.
في قسم الشرطة.
كان خالد قاعد على مكتبه، عيونه مركّزة على الورق قدامه لكن تفكيره تاه بعيد. شارد تمامًا في ياسمين. مش قادر يفهم اللي حصل له بعد آخر مكالمة كانت بينهم. أسبوع فات، وفيه صوتها لسه في أذنه وفي قلبه... المكالمة اللي فتحت فيها قلبها ليه، وحكت له عن كل حاجة. وكل كلمة منها كانت بتشغل باله أكتر، بتحيره، بتخليه مش قادر يقرب أو يبعد. في اليوم ده اتولدت جواه مشاعر غريبة اتجاه ياسمين، مشاعر خلت قلبه يدق بطريقة ماحسهاش قبل كده كأنها لمست حاجة فيه كان ناسي إنها موجودة. في لحظة معينة، دق جواه إنذار بالخطر... الإحساس كان واضح زي صرخة بتشق سكون تفكيره: قلبه ماشي في طريق خطر، ولازم يوقفه قبل ما يتوه أكتر. هو مش هيقدر ينكر إنه حس بإعجاب حقيقي ناحية ياسمين قبل ما يعرف إنها من عيلة الشرقاوي، بس دلوقتي... كل حاجة اتغيرت. ياسمين تبقى من عيلة الشرقاوي، العيلة اللي عليه يقبض عليهم متلبسين بتجارة السلاح. الإحساس اتحول لصراع جواه. بين قلبه اللي كان بيبدأ يدق ليها وواجبه اللي بيصرخ فيه ياخد موقف. كان خايف يتعلق بيها أكتر ويعلقها بيه وتفكر إن كان هدفه هو القبض على عيلتها! وتفقد الثقة فيه وفي مشاعره الحقيقية ناحيتها.
فاق من شروده على صوت معتصم ومهاب وهما داخلين عليه المكتب وهزارهم العالي مالي المكان:
معتصم (بضحكة):
"باشا مصر اللي منوّرنا ومنوّر الداخلية كلها!"
مهاب:
"المكتب نور بينا صح؟"
خالد رفع عينه ليهم وبص بجمود، وقال بنبرة مش مرتاحة:
"الداخلة اللي بالشكل ده عمرها ما تطمّن... جايين عايزين إيه؟"
مهاب رفع إيده وكأنّه بيتبرّى وقال بضحك:
"المرة دي مش أنا، ده معتصم هو اللي عايزك."
خالد لف نظره على معتصم وقال بنبرة فيها فضول خفيف:
"خير يا معتصم؟"
معتصم قرب منه وقال بحماس:
"بص يا سيدي... فرح أخويا الخميس اللي جاي في البلد عندنا، ولازم تيجي إنت والواد ده، ومش هقبل أي أعذار!"
خالد ابتسم ابتسامة خفيفة، كأنها خرجت رغمًا عنه، وقال بنبرة ودودة:
"طبعًا يا معتصم ده فرح أخويا، وهكون أول واحد هناك كمان."
معتصم بص لمهاب بغيظ ساخر وقال:
"سمعت؟ شوف الناس اللي بتفهم! مش زيك، أعزمك تقولي مش هاجي لو خالد ماجاش."
مهاب ضحك وقال وهو بيقعد على الكرسي قدامه:
"أنا كنت متوقع إنه هيعتذر عشان القضية اللي شاغلاه اليومين دول."
خالد تنهد بعمق، ونظرته وقعت على المكتب كأنه بيهرب من الكلام، لمجرد ذكر القضية.
معتصم حس بقلقه، قرب منه وسأله بنبرة مستغربة:
"في إيه يا خالد؟ هي القضية معقدة كده؟"
خالد هز راسه ببطء وقال بضيق واضح:
"كل حاجة فيها تعقدت... بس سيبنا من ده، وقولي بقى... أخوك هيتجوز بنت من البلد برضه؟"
معتصم ضحك بس بخفة وقال:
"هيتجوز بنت عمتي... أنا شخصيًا استغربت لما أبويا كلمني وقالي. أصل البت زينة دي لسه عيلة! فاكرها وهي لسه بتلعب في الشارع بضفايرها... مش عارف كبرت إمتى، وممدوح أخويا فكر فيها إزاي وهي أصغر منه بـ ١٥ سنة!"
مهاب (بدهشة):
"الغريب إن ممدوح أخوك فكر يتجوز تاني أصلاً!"
معتصم:
"هو متجوز من ١٠ سنين، ومراته ما بتخلفش... فشايف إن ده الحل."
خالد (مستغرب):
"يعني علشان مراته ما بتخلفش، قرر يتجوز بنت عمتك؟! طب على كلامك البنت صغيرة... يعني مش مناسبة لجوازة زي دي!"
معتصم اتنهد، وقال بصوت فيه شوية حزن:
"عارف... بس أبويا قرر يعمل لها فرح كبير في البلد، كنوع من التعويض وفرق السن بينها وبين ممدوح."
مهاب (بضحك):
"طب وأبوك سايبك كده من غير جواز ورايح يجوز أخوك اثنين؟ ما تقوله يا بني يشوفلك عروسة بدل ما هو سايبك ترازي فينا كده!"
معتصم (ضحك):
"يا عم جواز إيه ووجع دماغ! إحنا غرقانين في الشغل، هو إحنا فاضيين!"
أهو عندك أنت مثل حي... اتجوزت وطلقت بعد كام شهر! مفيش واحدة تستحملنا بشغلنا ده!
بص لخالد اللي كان لسه سرحان، ونبرته اتبدلت شوية:
"ولا إيه يا خالد؟"
خالد رفع عينه ليه وهو مش مركز وقال:
"مش عارف..."
مهاب ضحك بصوت عالي وبص له بطرف عينه وقال:
"دا باين عليك بدأت تفكر تعملها... اعترف بقى يا باشا وقولنا!"
خالد بدهشة:
"أعمل إيه؟ مش فاهم؟"
معتصم قام وهو بيضحك:
"يا عم أنت مش معانا خالص! إحنا هنمشي أحسن. اتفقوا مع بعض هتيجوا إزاي، عشان أنا لازم أسبقكم وأوصل البلد بدري."
خالد ابتسم وقال بهدوء:
"إن شاء الله. وألف مبروك يا معتصم."
مهاب بص له وهو خارج وقال بنبرة مليانة غلاسة:
"شكلك مش عاجبني يا ابن الدريني... لينا قعدة قريب، ومش هسيبك إلا لما تعترف."
خالد ضحك بخفة وقال بزهق:
"خده في إيدك يا معتصم، مش ناقصه خالص النهاردة."
معتصم ضحك وسحب مهاب معاه وخرجوا من المكتب، وسابوا خالد لوحده وسط هدوء ثقيل، رجع تاني لشروده... بس المرة دي، ملامحه كانت بتقول إن التفكير في ياسمين مش عايز يرحمه... مش قادر يقاوم المشاعر اللي جواه ناحيتها. جواه صوت بيزن، صوت ناعم وملح بيقوله: "كلميها... اسمعي صوتها بس." بس هو كان رافض. رافض يستجيب لنداء قلبه، كأن بينه وبين مشاعره في جدار عالي، هو اللي بناه بإيده. كل ما قلبه يهمس، عقله يصرخ: "لأ. مش هينفع.. إزاي هقولها إن مطلوب مني أقبض على جدها وابن عمها.. ولو خبيت عليها، خايف تفهمني غلط وتفكر إني قربت منها عشان شغلي."
في محافظة سوهاج.
داخل سرايا كبيرة لعائلة صفوان... (عائلة الظابط معتصم)...
كانت الأجواء هادية من بره، لكن جوا أوضة صغيرة في أحد أركان السرايا، كان في عاصفة مشاعر حقيقية.
زهيرة صفوان قاعدة قدام بنتها زينة، اللي كانت دموعها مغرقة وشها وعينيها مش شايفة قدامها. زينة بصتلها برجاء قلب مكسور، وقالت بصوت مخنوق بالبكا:
"أبوس إيديك يا أمي، بلاش الجوازة دي... الموت عندي أهون من إني أتجوز ممدوح ابن خالي... دا هو اللي مربيني! هيبقى جوزي إزاي بس!"
زهيرة ردت بقسوة الأم اللي شايفة إن الكلمة وعد:
"لما خالك سألك قولتي موافقة! إزاي دلوقتي، بعد ما حددنا يوم الفرح والناس كلها عرفت، تيجي تقولي مش عايزة؟! إحنا مش بنلعب يا زينة!"
زينة كانت بتبكي من وجع أكبر من قدرتها على التحمل. هي لما وافقت، كانت بتحلم. كانت مصدقة إن القدر أخيرًا سمع دعواتها، وإن معتصم ابن خالها اللي قلبها متعلق بيه من سنين هو اللي جاي يخطبها...
رواية منعطف خطر الفصل الرابع والعشرون 24 - بقلم ملك ابراهيم
الموت عندي أهون من إني أتجوز ممدوح ابن خالي... ده هو اللي مربّيني! هيبقى جوزي إزاي بس!
زهيرة ردت بقسوة الأم اللي شايفة إن الكلمة وعد: لما خالك سألك قولتي موافقة! إزاي دلوقتي، بعد ما حددنا يوم الفرح والناس كلها عرفت، تيجي تقولي مش عايزة؟! إحنا مش بنلعب يا زينة!
زينة كانت بتبكي من وجع أكبر من قدرتها على التحمل. هي لما وافقت، كانت بتحلم. كانت مصدقة إن القدر أخيرًا سمع دعواتها، وإن معتصم ابن خالها اللي قلبها متعلق بيه من سنين هو اللي جاي يخطبها.
فاكرة اليوم اللي خالها قال فيه: "أنا عايز زينة لابني"، كانت هترقص من الفرحة. حست إن ربنا كافأها على صبرها وحبها الصامت. قالت "موافقة" بقلب مليان أمل... لكن الفرحة اتحولت لصدمة بعدها.
عرفت إنهم مش جايين يخطبوها لمعتصم... ده ممدوح ابن خالها الكبير، المتجوز من عشر سنين ومراته مبتخلفش.
عايزينها زوجة تانية! مش حبيبة، مش شريكة عمر... بس "بديلة".
زهيرة قامت بغضب، وهي بتعدل طرحتها وقالت: امسحي دموعك يا عروسة! محدش من دار خالك لازم يشك في حاجة. قومي معايا نشتري جهازك وهدوم الفرح!
خرجت زهيرة من الأوضة، وزينة فضلت قاعدة مكانها، حاسة إن العالم كله ضاق عليها. كأن في حكم بالإعدام اتكتب باسمها من غير ما حد يسمع دفاعها!
رفعت عينيها للسماء، والدموع نازلة بهدوء، وهمست جواها: يا رب... أنا ما تمنّتش حاجة في حياتي قد ما تمنّيت أكون من نصيب معتصم. كنت بدعيلك ليل ونهار. بس خلاص... إن مكنش ليا، شيل حبه من قلبي يا رب... عشان أعرف أكمل الجوازة دي.
عند ياسمين.
كانت قاعدة في حوش المدرسة، وسط دوشة عيال بتجري وتهزر وتضحك، بس هي كانت في حتة تانية خالص... عينها على الأطفال اللي بيلعبوا، بس عقلها سرحان في خالد.
من وقت المكالمة الأخيرة بينهم، اللي فتحت له فيها قلبها وحكت له كل حاجة عنها... وهو اختفى.
لا سأل، ولا حاول يتواصل معاها.
وجعها قوي الإحساس ده، حست إنها كشفت ضعفها قدامه، وفي الآخر سابها ومشي.
كانت الوحدة بتزنّ على قلبها، والملل مالي يومها، كأنها لوحدها في الدنيا كلها.
وفجأة سمعت صوت أنثوي بيقطع الشرود:
شيرين (بابتسامة هادية): قاعدة لوحدك ليه؟
رفعت ياسمين عينيها، لقت زميلتها شيرين، مدرسة العربي الجديدة في المدرسة، جاية تقعد جنبها، وبصّتلها بلطف وقالت: بشوفك كتير قاعدة لوحدك؟ مش بتحبي الاختلاط ولا إيه؟
ياسمين زفرت وقالت وهي بتحرك كتفها: مش كده... بس بحس إني غريبة هنا. الناس كلها متحفّظة معايا عشان أنا من عيلة الشرقاوي، أصحاب المدرسة. وأنا بحب الناس تتعامل معايا على طبيعتي، مش مع اسم عيلتي.
شيرين ضحكت بخفة، ومدّت إيدها لياسمين: أنا شيرين... ومش فارق معايا إنتي منين ولا اسمك إيه. أنا حابة أتعامل معاكِ إنتي، مش مع لقب.
ياسمين ابتسمت لأول مرة من وقت طويل، ومدّت إيدها تسلّم عليها: ياسمين.
شيرين طلّعت سندوتشات من شنطتها، ومدّت أيديها بواحدة لياسمين وهي بتقول: يلا كلي معايا... الأكل أحلى مع صحبة.
ياسمين (بابتسامة دافية): شكرًا...
شيرين وهي بتاكل: دي سندوتشات جبنه بالطماطم مش هتلاقيها مع أي حد هنا.
ياسمين ضحكت وقالت: ماما كانت دايمًا تعملهالي وأنا رايحه شغلي في السنتر.
شيرين بحماس: وأنا كمان بشتغل في سنتر بعد المدرسة هنا... هنعمل إيه العيشة صعبة ولازم نعمل كل اللي نقدر عليه.
ياسمين ابتسمت وافتكرت أيام السنتر والشغل اللي كانت بتتعب فيه طول النهار وترجع البيت هلكانه ومش قادرة بس كانت مبسوطة وسعيدة وبالها مرتاح مع مامتها وأخوها.
شيرين سحبتها تاني من شرودها بطريقتها المرحة الطبيعية وفضلوا ياكلوا مع بعض، والكلام بينهم ابتدا يسخن واحدة واحدة...
وياسمين لأول مرة من فترة، حست إن فيه حد ممكن يشوفها هي، مش مجرد لقب...
وإن الدنيا يمكن تكون لسه بخير شوية.
خلص اليوم الدراسي، وياسمين كانت خارجة من باب المدرسة، ماسكة إيد أحمد أخوها الصغير اللي كان بيتمرجح بإيديها وهو بيضحك.
شيرين كانت ماشية جنبهم، ضحكتها عالية وهما بيتكلموا، بس ضحكة ياسمين اختفت فجأة...
لما عينيها وقعت على يحيى واقف قدام عربيته الفخمة.
لابس بدلة شيك، ونضارة شمس سودا، واقف بجسمه المفرود وثقة واضحة في ملامحه.
شيرين لمحت يحيى ووقفت تبص عليه بانبهار: بصي كده! شايفة القمر اللي واقف هناك ده؟... والعربية! الله أكبر بجد!
ياسمين (بصوت منزعج): آه... شايفاه.
يحيى أول ما لمحهم، اتحرك ناحيتهم بخطوات ثابتة، وفي اللحظة دي، أحمد ساب إيد ياسمين وجرى عليه بحماس:
يحيى!!
شيرين استغربت وسألت وهي لسه عينيها عليه: هو... أنتوا تعرفوه؟
ياسمين (بضيق): ده يحيى ابن عمي.
شيرين بصتلها بدهشة وفضول ظهر على وشها وقالت بنغمة فيها اهتمام: ابن عمك بجد؟ طب هو خاطب؟ ولا متجوز؟
ياسمين استغربت السؤال، وفضلت تبصّلها من غير ما ترد، بس قبل ما تفتح بقها، كان يحيى وصل ليهم.
عينيه كانت مركزة على ياسمين، نظرة طويلة كأن الزمن وقف عنده، ونبرة صوته كانت هادية وقريبة: يلا يا ياسمين... أنا اللي هوصلكم النهاردة.
ياسمين بصّت لشيرين بتوتر واضح، وقالت بسرعة: نكمل كلامنا بكرة يا شيرين... مع السلامة.
يحيى بصّ لشيرين بنظرة سريعة متعالية، كأنه مش مهتم حتى يعرف هي مين، وكمّل مشي جنب ياسمين.
لما بعدوا شوية، ياسمين همستله بغيظ وهي ماشيه: هو السواق فين؟
يحيى (وهو بيبص لها بإعجاب ما بيخبيهوش): قولتله يمشي... أنا اللي هوصلكم النهاردة. وبعدين... أنتي لسه زعلانة مني؟ أنا اعتذرتلك أكتر من مرة، وده مش من طبعتي على فكرة... يحيى الشرقاوي عمره ما اعتذر لحد.
ياسمين كانت ماشية جنبه من غير ما ترد، نظرتها قدامها، وملامحها متصلبة.
يحيى وقف فجأة، ومد إيده مسك دراعها بحنية لكنها مفاجئة، وقال بصوت منخفض وهو بيبص في عينيها: بس أنتي... مش أي حد يا ياسمين.
ياسمين اتوترت، وسحبت دراعها بسرعة من إيده، ونبرتها عليت بغضب مكبوت: أنت عايز مني إيه بالظبط يا يحيى؟!
يحيى بصّ لها بنفس النظرة اللي دايمًا بتخلّيها تحس بعدم ارتياح... نظرة كلها إعجاب وشيء أعمق من مجرد اهتمام: عايزك متزعليش مني... وأنا أوعدك إن اللي حصل مش هيتكرر تاني.
ياسمين زفرت وهي بتحاول تكتم تعبها: ماشي يا يحيى... محصلش حاجة.
يحيى (بحماس باين في صوته): يعني كده هتقبلي عزومتي على الغدا؟
ياسمين ردّت بسرعة، ونبرة القلق واضحة في كلامها: لأ، مش للدرجة دي... قلتلك محصلش حاجة وخلاص يا يحيى، الموضوع انتهى.
ومشيت بسرعة ناحيه العربية وقالت: يلا نرجع البيت... عايزة أطّمن على ماما.
يحيى كان ساكت، بيبص لها بنظرة فيها تفكير، بس من غير ما يرد.
فتح باب العربية الخلفي، وأحمد طلع بسرعة وقعد، وهو مبسوط،
وبعدين فتح الباب الأمامي لياسمين.
ياسمين وقفت لحظة، مترددة... كانت خايفة تركب جنبه، بس خدت نفس وشجّعت نفسها، وركبت.
مش حابة تعمل مشاكل، ولا تصطدم بيه تاني... خاصةً وإنها عارفة عصبيته ومشاعره اللي مش مفهومة.
يحيى ركب مكانه، شغّل العربية، وسكتوا هما الاتنين. جوّا العربية كانت خالية من الكلام،
بس صوت ياسمين الداخلي كان مليان ضجة.
فتحت موبايلها، وبصّت فيه من غير تركيز... كانت بتحاول تشغل نفسها بأي حاجة،
مجرد وسيلة تهرّب بيها من التوتر اللي رابط أعصابها.
العربية مشيت، بس اللي في قلب ياسمين لسه واقف مكانه.
العربية كانت ماشية بسرعة هادية، والجو جوّاها كان أهدى من اللازم، كأن الكلام ممنوع.
يحيى كل شوية يرمق ياسمين بنظرة جانبية، يحاول يقرأ ملامحها، يشوف إذا كان فيه فرصة تقرب منه.
بس ياسمين كانت باينة مش مرتاحة، قاعدة على طرف الكرسي، وموبايلها في إيدها بس مش مركزة فيه،
عنّيها بتتحرك في الشاشة من غير ما تقرأ حاجة، وكل تفصيلة في وشّها بتقول إنها عايزة الوقت ده يخلص.
يحيى كان بيتكلم ويهزر مع أحمد من وقت للتاني وياسمين بتضحك بمجاملة عشان أخوها، لحد ما ظهرت قدّامهم نقطة تفتيش أمنية،
عربية الشرطة واقفة على جنب.
وظباط واقفين بيشاوروا للعربيات تقف.
يحيى (بغريزة دفاعية): مش فاهم هما بقوا بيعملوا كل يوم والتاني كمين هنا ليه... عمومًا متقلقيش... ده كمين عادي.
ردت ياسمين باستغراب: وأنا هقلق ليه!! هما بيشوفوا شغلهم!
اتكلم أحمد وهو قاعد في الكرسي الخلفي: أنا لما أكبر هبقى ظابط زيهم.
يحيى كح جامد وقال لأحمد: ما بلاش الشغلانة دي.
أحمد رد وهو بيضحك: أنت بتقول زي حسن أبو علي... هو كمان قالي بلاش الشغلانة الصعبة دي.
ياسمين ابتسمت تلقائيًا لما أحمد نطق اسم حسن أبو علي... ويحيى ما خدش باله من الاسم وميعرفش إن أحمد يقصد خالد، الظابط، اللي منع ياسمين أنها تنطق اسمه قدامه واللي مايعرفهوش إن واحد من الظباط اللي واقفين دول كان خالد...
واقف بزيه الرسمي، عينيه مرهقة من السهر والتفكير، بس مركز في كل عربية بتعدي.
وأول لما العربية الفخمة قربت، رفع نظره كعادة شغله، بس فجأة وقف الزمن عنده لما شاف ياسمين قاعدة جنب يحيى في الكرسي الأمامي...
نظراته ثبتت عليها، وقلبه اتقبض.
في اللحظة دي كانت بتضحك ضحكة مجاملة على كلام يحيى عشان خاطر أحمد أخوها،
بس بالنسباله، المنظر كان كافي يولّع نار الغيرة في قلبه.
حاول يخبي مشاعره بسرعة، أخد نفس، وبدأ يمشي ناحيتهم، وياسمين أول لما شافته اتجمدت مكانها وحست بنغزة في قلبها.
خالد وقف جنب العربية، ملامحه مش بتبين غير حاجتين:
السيطرة... والغيرة اللي بتغلي جواه بس مش باينة غير في عنيه.
يحيى نزل الإزاز ببطء، وكأن الزمن نفسه كان بيبطّأ
علشان يخلي اللحظة دي توصل أقصى توترها.
نظرة خالد تقابلت مع ياسمين...
نظرة ثابتة، قوية، محمّلة بكل الكلام اللي ماتقالش بينهم.
ياسمين قلبها دق بسرعة،
عينها ماقدرتش تهرب من عينه،
كأن الوقت وقف بين اتنين مش قادرين يبعدوا... ومش قادرين يقربوا.
وفجأة، أحمد قطع اللحظة وهو بيتنطط جوه العربية وقال بصوت طفولي مليان فرحة: حسن أبو علي! أنا هنا أهو!
فتح الباب بسرعة، جري على خالد، ورمى نفسه في حضنه.
خالد حضنه بقوة، وإيده على ضهره كأنها بتحميه من الدنيا كلها.
كان واضح إن بينهم رابط قوي، مفيهوش أي تمثيل.
يحيى اتفاجئ من اللي شافه، فتح الباب ونزل بسرعة، عينه رايحة وجاية بين أحمد وخالد.
يحيى سأل أحمد وهو مش مصدق: هوه أنت تعرف الظابط خالد؟
أحمد قالها بكل تلقائية وهو ماسك في إيد خالد: ده حسن أبو علي! صاحبي!
نزلت ياسمين هي كمان من العربية بس متحركتش من مكانها.
خالد لف وشه ناحية يحيى، وقال بنبرة هادية بس نبرة الغضب فيها ماكنتش مستخبية: هو أحمد يقربلك؟
يحيى رد بهدوء، وهو بيحاول يمسك أعصابه: أحمد ابن عمي يحيى الله يرحمه... يعني أخو كارما بنت خالتك من الأب.
وهو بيكلم خالد، عينه لمحت ياسمين وهي واقفة جنب العربية،
متوترة، عينها بتتحرك ما بين الاتنين... مش عارفة توقف فين.
يحيى كمل وقال بصوت فيه نبرة تملك واضحة: والآنسة ياسمين يحيى الشرقاوي...
بنت عمي... وخطيبتي.
الكلمة وقعت زي الحجر على قلب خالد،
بس ملامحه ما اتحركتش،
إنما عنيه اتحولت للون تاني...
لون الغيرة، والغضب، والوجع اللي مش مسموح له يبان.
ياسمين بصّت في الأرض، حسّة بكلام اتقال باسمها وهي مش طرف فيه،
وحسّة بعينين بتحاسبها على حاجة هي نفسها مش فاهماها.
رواية منعطف خطر الفصل الخامس والعشرون 25 - بقلم ملك ابراهيم
"الآنسة ياسمين يحيى الشرقاوي بنت عمي وخطيبتي."
الكلمة وقعت زي الحجر على قلب خالد، بس ملامحه ما اتحركتش، إنما عنيه اتحولت للون تاني… لون الغيرة، والغضب، والوجع اللي مش مسموح له يبان.
ياسمين بصّت في الأرض، حسّة بكلام اتقال باسمها وهي مش طرف فيه، وحسّة بعينين بتحاسبها على حاجة هي نفسها مش فاهماها.
خالد رد بجملة واحدة وهو بيرجع خطوتين وبيبص لأحمد: "خلي بالك من نفسك يا بطل."
ولبس نضارته الشمسية ومشي من غير ما يبص وراه.
ياسمين كانت لسه عينيها معلّقة على ظهر خالد وهو بيبعد، يحيى لمح في عينيها حاجة ما عجبتهوش، نظرة... مش من النوع اللي بيتخبّى. كانت نظرة مشاعر صافية، لهفة، حب صادق وكسرة قلب.
قال بهدوء ظاهر وغليان داخلي: "أحمد، اركب العربية."
أحمد سمع الكلام، وركب بهدوء، أما ياسمين فضلت واقفة مكانها، ملامحها مش بتتفسر، بس عنيها كانت نار.
"اركبي يا ياسمين عشان نمشي."
قالها بنبرة أمر، وهي كانت لسه مش مصدّقة اللي سمعته منه من شوية.
ركبت العربية بعصبية، وقفلت الباب بقوة، وبصوت عالي وعيون كلها غضب، انفجرت: "إيه اللي انت قولته ده؟! إزاي تقوله إني خطيبتك وانت عارف كويس إن ده مش حقيقي؟!"
يحيى بدأ يتحرك بالعربية، ونبرة صوته بقت مشابكة بالتهديد: "صوتك مايعلاش وانتي بتتكلمي معايا."
أحمد اتوتر في الكرسي اللي ورا، عينه راحت لياسمين، وكان بيحاول يفهم ليه أخته صوتها عالي كده.
ياسمين انفعلت أكتر، وصرّخت: "انت تخطيت كل حدودك معايا يا يحيى! ولو فاكرني ضعيفة، ومش هتكلم، تبقى بتحلم! أنا مش ساكته غير علشان ماما... وعلشان أحمد، لكن عمري ما كنت، ولا هكون، واحدة تتحكم في حياتي بالشكل ده!"
يحيى سكت للحظة، ملامحه كانت جامدة... بس عينيه مش مطمئنة. كأن دماغه في حتة تانية خالص... في عيون خالد، ونظرات ياسمين.
قال فجأة، بصوت بارد، كأنه بيقلب الترابيزة كلها: "انتي تعرفي الظابط خالد ده يبقى مين؟"
جسمها اتشنج، كأن كهربا صدمتها، صوتها خرج متلخبط وهي بتحاول تسيطر على ارتباكها: "يبقى الظابط اللي أنقذ أحمد... وساعدني أرجّعه."
ضحك يحيى بسخرية، ضحكة كلها شماتة وتخطيط، وقال: "مش بس كده... خالد ده يبقى ابن خالة كارما، أختك... وتقدري تقولي كده إنهم... في مقام المخطوبين."
قال آخر كلمة وهو بيراقبها كويس، بيراقب الصدمة وهي بتتشكل على وشّها، بيراقب عينيها وهي بتتسع، ولون وشها اللي اتغير في لحظة.
ياسمين حسّت كأن الأرض اتسحبت من تحت رجليها، كارما؟... أختها اللي عمرها ما شافتها؟ وخالد؟... اللي كان كل مرة بيقرب منها خطوة، دلوقتي بيبعد عنها ميل.
يحيى ضحك بسخرية وقال بنبرة تقيلة: "ها... سكتي ليه؟"
ياسمين بصّت له بعيون مليانة نار، قلبها مولّع من جوا، والمسافة بين دموعها وعنيها كانت بتقصر كل لحظة.
أول ما العربية وقفت قدّام الفيلا، فتحت الباب بسرعة، نزلت، ورزعت الباب وراها، دخلت تجري كأنها بتطارد دمعتها قبل ما تفضحها قدّامه.
وأحمد نزل من العربية، وكان وشّه زعلان وخايف، بص على البيت، وبعدين دخل على مكتب جده.
يحيى كان لسه في مكانه، بيبص على مكانها الفاضي في العربية، وملامحه فيها غيظ واضح... اللي شافه في عينيها ناحية خالد، كان كفاية يولّع نار الشك جواه.
ياسمين ما كانتش تعرف إن كل اللي حصل النهاردة ماكانش صدفة. من اللحظة اللي يحيى عرف فيها إن الظابط اللي وقفت هي وأخوها معاه في الكمين هو نفسه "خالد" ابن خالة كارما بنت عمه، حاجة جواه اتغيرت. الغيرة؟ يمكن. الفضول؟ أكيد. بس اللي عمله كان أكبر من مجرد فضول.
قرر ياخدها بنفسه من المدرسة، رغم إن ده مش من عادته. وكان عارف كويس إن في نقطة تفتيش في الطريق، وفي التوقيت ده بالذات. ماخترش الطريق ده عشوائي… ده كان قاصد، وكان مخطّط.
كان عايز يشوفهم وهما بيقفوا قدام بعض، يشوف رد فعلها… نبرات صوتها… نظرة عينها. عايز يتأكد إن مفيش حاجة في قلبها لخالد، وإن خالد بالنسبالها مجرد ظابط انقذ أخوها وعدّى.
كان بيحاول يقطع أي خيط ممكن يربطهم ببعض، حتى لو كان خيط ضعيف بيتكسر من أول نظرة. كان عايز يحسم الموضوع بنفسه، بطريقته الخاصة… الهادية من بره، والجارحة من جوه.
في أوضة ياسمين.
قفلت الباب بالمفتاح، ورمت موبايلها على السرير، قعدت على الأرض، حضنت رجليها، وعيّطت... عياط من قلب موجوع، مش فاهم ليه اتكسر فجأة.
حسّت إن الدنيا ضاقت حواليها، كل حاجة كانت ماشية بالعافية، وجت الحكاية دي كملت الكسر.
رن الموبايل برسالة، بصّت بسرعة على الشاشة... اسم خالد كان منوّر قدامها. فتحت الرسالة بسرعة، ولقت كلمة واحدة بس: "مبروك الخطوبة."
نزلت دمعة غصبا عنها، وإيدها كتبت لوحدها: "مبروك ليك انت كمان... مكنتش أعرف إنك خطيب أختي."
لسه بتقرا ردها، لقت إن الرسالة اتقرأت، وكأن خالد كان مستنيها... في نفس الثانية، رنّ عليها، رفضت المكالمة... رجّع الاتصال تاني... وتالت... وهي مش قادرة ترد، بس عنيها على الشاشة، ودموعها نازلة.
جات لها رسالة منه: "ردي عليا ياسمين... ضروري."
المكالمة رجعت تاني... ضغطت على زرّ الرد، وصوتها كان مبحوح من العياط.
سمعت صوته مليان قلق: "مين قالك إني خطيب أختك؟ كارما بنت خالتي وبس، مفيش بينّا حاجة... ومستحيل يكون في. أنا بعتبرها أختي الصغيرة."
ياسمين حسّت بقلبها بيرجع يدق، صوتها خرج تلقائي: "بجد يا خالد؟ يعني انت وكارما مش مخطوبين؟ طب ليه مقولتليش انها بنت خالتك؟"
رد خالد: "كنت مستني كل حاجة تيجي في وقتها... بس واضح ان يحيى باشا خطيبك كان له رأي تاني!"
قال آخر كلمة بسخرية، صوته بدأ يتحول للغضب.
ياسمين ردت بسرعة ولهفة: "لا! يحيى مش خطيبي... ومش عارفة قالك كده ليه. هو كدّب، وبيستغل أي حاجة يربطني بيه."
خالد كان بيحاول يخبي فرحته، بس صوته فضحه: "بجد يا ياسمين؟ يعني مفيش حاجة بينك وبينه خالص؟"
ياسمين: "لا والله... هو كدّب عليك. أنا أصلاً ناوية أكلم ماما تاني النهاردة، وأقولها لازم نسيب البيت ده."
خالد قال بصوت كله لهفة: "ياسمين... أنا لازم أشوفك بأي طريقة في حاجات مهمة عن جدك ويحيي لازم تعرفيها."
ياسمين بصوت مهزوز وقلق: "حاجات إيه يا خالد؟"
خالد سكت لحظة... كان بيصارع نفسه، نفسه يقولها كل حاجة، يقولها إن يحيى وجدها دول مجرمين، واخطر ما هي تتخيل، بس لو قالها، ممكن تتهور، تروح تواجههم... وده ممكن يبوّظ كل حاجة.
بعد ثواني، قرر يسيطر علي مشاعره وقال: "في حاجات كتير لازم أوضحها ليكي، مش هينفع تتقال في التليفون."
ياسمين ردت بتوتر واضح: "أنا ليه حاسه ان في حاجة غريبة بتحصل حواليا ومش مفهومة يا خالد؟ كل حاجة متغيرة... حتى ماما... من وقت ما جينا هنا وهي دايما ساكته وحزينه ومش بتخرج من اوضتها وكأننا في سجن... انا لازم أقنعها إننا نمشي من البيت ده... أنا مش قادرة أعيش هنا أكتر من كده."
صوتها بدأ يتهز، وما قدرتش تمنع دموعها وهي بتكمل: "أنا تعبت أوي... حاسه إني مخنوقة... خايفة طول الوقت... مش بنام بالليل... بقفل الباب على نفسي وبنام بعين مفتوحة والتانية على الباب، كل لحظة حاسه إن ممكن يحيي يدخل عليا وانا لوحدي... أنا مش مرتاحة، ولا حاسه بأمان... أنا فعلاً بتعذّب هنا..."
خالد كان سامعها وقلبه بيتقطع، كل كلمة بتقولها كانت بتطعن فيه، كان عايز يكون قدامها دلوقتي وياخدها في حضنه، يقولها: "أنا جنبك... ومش هسيبك مهما حصل."
رد عليها بصوت مليان حنية وغضب دفين: "أنا مش هسيبك لوحدك يا ياسمين... بس أوعديني... أوعديني إنك متخافيش واطمني انا هكون دايما قريب منك، وبلاش تطلبي منهم انك تسيبي البيت وتواجهيهم دلوقتي، أنا اللي هتصرف وهساعدك صدقيني."
ياسمين وهي بتعيط همست: "مش عارفه أتحمل يا خالد... انا حاسه ان كل نفس بيخرج مني لازم يخرج بإذن يحيى... وجود يحيى حواليا بيرعبني."
خالد بصوت واثق ودافي: "انا مش هسمحله يقرب منك ولا يضايقك تاني... عايزك تهدي وتطمني انا معاكي ومش هسيبك ابدا."
ياسمين فعلاً حست بالراحة لما خالد طمنها. انتهت المكالمة وياسمين ضمت جسمها بـإيديها وكلمات خالد بتتردد جواها.
في فيلا الدريني.
بهيرة كانت واقفة عند الباب ووشها منور بالفرحة وهي بتستقبل أبوها اللواء وحيد الأسيوطي، وأختها عبير، وكارما بنت عبير. حضنتهم بحب ولهفة، كأن قلبها بيرجع يدق تاني بعد غيابهم.
بس عبير كانت داخلة وشها مش على بعضه، الغضب مالي عينيها بعد ما اكتشفت إن جوزها كان متجوز عليها في السر ومخلف ولد وبنت من ست تانية.
اللواء وحيد بص لبهيرة وسألها بنبرة حاسمة: "فين خالد يا بهيرة؟ ليه مجاش يستقبلنا في المطار؟"
بهيرة اتلبكت، وبان التوتر على وشها وهي بتقول: "أصل يا بابا... أنا مقلتش لخالد إنكم راجعين النهارده... هو يعني كان طالب مني مقولش دلوقتي على موضوع جواز يحيى من ورا عبير."
عبير رفعت صوتها بغضب، عينيها بتلمع من القهر: "يعني إيه مكنش عايزني أعرف؟! دي مصيبة مش فضيحة وبس! ومينفعش نعديها كده بالساهل."
وبصت لأبوها بحدة وقالت: "لازم تتصرف يا بابا! لازم الناس دي يتحاسبوا على اللي عملوه فيا. أكيد جلال الشرقاوي كان عارف إن ابنه متجوز عليا وساكت طول السنين دي. استغل سفرنا وجابهم يعيشوا في بيته وخدوا مكاني أنا وبنتي!"
كارما اتكلمت بدهشة، مش مستوعبة اللي بتسمعه: "أنا مش قادرة أصدق إن بابا كان متجوز على ماما... وكمان عندي إخوات؟!"
صوت عبير ارتفع فجأة، مليان غضب ومرارة وهي بتزعق في بنتها: "دول مش إخواتك! ومتعرفيش أمهم عملت إيه عشان تدبس يحيى ويتجوزها! دي أكيد واحدة من بنات الليل وكان بيقضي وقت معاها وخلاص!"
وفجأة دخل خالد، وصوت خالته كان لسه بيرن في ودانه، قلبه اتقبض من الكلام الجارح اللي اتقال في حق ست بريئة.
قال بحدة واعتراض واضح: "لأ... الست سماح ست محترمة، وتبقى مراته الأولى على فكرة."
كارما أول ما شافته، عينيها لمعت، ووشها اتفتح فجأة وهي بتقوم من مكانها بفرحة حقيقية. اللواء وحيد بص لخالد بنظرة كلها تساؤل وعمق.
خالد قرب منه وباحترام سلّم عليه: "حمد لله على السلامة يا جدي."
وبعدها قرّب من خالته، بس نظرتها كانت جامدة، مليانة لوم: "آخر حاجة كنت أتخيلها إنك تقف قصادي وتدافع عن الست اللي جوزي خانّي معاها يا خالد! وكمان تقول لمامتك متقوليش؟!"
كارما سلّمت على خالد وهي بتبص له بنظرة كلها حب ولهفة مكتومة: "إزيك يا خالد؟"
وحشتني.
خالد ابتسم ابتسامة خفيفة ورد بهدوء: الحمد لله يا كارما.
وبعدين بص لعبير وقال بنبرة جادة: أنا فعلًا طلبت من ماما متتكلمش غير لما أجمع كل المعلومات عنهم، بس للأسف ماما اتسرعت وكلمتكم.
اللواء وحيد بص له بنظرة صارمة وسأله بقوة: وجمعت المعلومات عنهم؟
خالد هز رأسه وقال بثقة: آه يا جدي، وعرفت إن يحيى الشرقاوي كان متجوز مراته الأولى قبل ما يتجوز خالتي. بنته الكبيرة ياسمين أكبر من كارما بسنتين، وابنه الصغير أحمد عنده ١٠ سنين. وكان مخبيهم عن جلال الشرقاوي... غالبًا كان خايف عليهم من شغله اللي حضرتك عارفه.
كارما قالت بصوت خافت وحزين: يعني بابا كان بيخاف عليهم ومبيخافش عليا؟!
خالد بص لها وقال بهدوء فيه نوع من المواساة: منعرفش هو كان بيفكر إزاي، بس لو شوفتيهم وتعاملتي معاهم، هتحبيهم... أنا متأكد.
عبير ردت بسرعة ورفض قاطع في صوتها: مستحيـــل!
وبصت لكارما بحدة وقالت بتحذير: دول مش أخواتك، ومش عايزة أي تعامل بينك وبينهم.
خالد بص لها بدهشة، مش مصدق القسوة اللي سمعها، وساعتها اللواء وحيد اتكلم بصرامة: أنا بكرة هروح لجلال الشرقاوي وأفهم منه حكاية مرات ابنه وأحفاده اللي طلعوا فجأة دول! ولحد ما أتكلم معاه، محدش فيكم يفتح الموضوع تاني.
لكن عبير ما قدرتش تسكت، وانهارت وهي بتصرخ: وأي حد من عيلة الشرقاوي كان يعرف بالجوازة دي لازم يتحاسب يا بابا! والست دي وولادها لازم يخرجوا من بيت الشرقاوي ويرجعوا للجحر اللي كان يحيى مخبيهم فيه!
خالد بص لها بصدمة، ملامحه بتقول إنه مش موافق لا على الكلام ولا على الأسلوب.
جاتله مكالمة تليفون قطعت كلامهم، كانت من العسكري اللي بيراقب بيت الشرقاوي.
خالد فتح المكالمة وسمع صوت العسكري بيقوله: خالد باشا، في حاجة غريبة بتحصل حوالين بيت الشرقاوي، في عربيتين من رجالة عيلة بدران بيراقبوا بيت الشرقاوي بقالهم ساعة وشكل في حاجة كبيرة هتحصل هنا! حضرتك عارف إنهم من كبار تجار السلاح وفي مشاكل بينهم.
خالد أول لما سمع المكالمة انتفض من مكانه وقال بصوت عالي واضح فيه القلق واللهفة: خليك مكانك متتحركش وبلغني بكل حاجة تحصل وأنا هجيب قوة وأجيلك على هناك حالًا.
قفل المكالمة وهو بيتحرك بسرعة وقال بنبرة استعجال: عن إذنكم أنا لازم أروح القسم حالًا.
وخرج بسرعة البرق.
جده اللواء وحيد فضل باصص عليه وهو بيخرج بسرعة، حاسس إن في حاجة متغيرة في حفيده... حاسس إنه متحيز للست اللي كانت متجوزة يحيى وأولادها وفي حاجة غريبة في تصرفاته وكلامه.
في الصعيد - بمحافظة سوهاج.
جوه أوضة زينة.
كانت قاعدة على طرف السرير، قدامها شنطة سفر مفتوحة، وجواها قمصان نوم ناعمة وألوانها مبهجة، بس مفيش أي بهجة على وشها. الدموع نازلة في سكون على خدها، وصوتها مكتوم جوا صدرها وهي مش قادرة تستوعب إنها هتبقى مرات ممدوح... ابن خالها... كمان يومين.
فجأة الباب اتفتح، ودخلت زينب، مرات ممدوح الأولى. عينيها وقعت على الشنطة، ولما شافت القمصان اللي جواها، نبرة صوتها اتغيرت، فيها مرارة وغصة ما قدرتش تخبيها: جهزتي شنطتك يا عروسة؟
زينة اتخضت، مسحت دموعها بسرعة وهي بتحاول تقوم، قلبها بيخبط في صدرها من التوتر. قفلت الشنطة بسرعة كأنها بتحاول تخبي جريمتها.
زينب قربت منها وقعدت على طرف السرير، وبإيدين مرتجفة فتحت الشنطة تاني، عينيها مليانة حسرة وهي بتبص على كل تفصيلة في الهدوم اللي زينة هتلبسها لجوزها.
قالت بضحكة باهتة: ذوقك حلو يا عروسة.
ورجعت تبصلها، بس المرة دي بنظرة فيها غضب وحُرقة: أنا جاية آخد الهدوم دي... عشان أفرشها في أوضتك الجديدة، جنب هدوم جوزي!
زينة وقفت قدامها، مش قادرة ترفع عينها فيها، وقالت بصوت واطي والدموع مغرقة وشها: أنا والله مكنتش موافقة على الجوازة دي يا زينب... صدقيني.
زينب قطعتها بنبرة حادة وغضبها بينفجر: أنتي فكراني هبلة وهصدق الكلام ده؟! ده أنا سمعاكي بوداني وأنتي بتقولي "موافقة" لخالك!
زينة شهقت بقهر، وقالت وهي بتحاول توضح: لا والله... أنا مكنتش أعرف إنه قصده على جوزك!
زينب بصتلها بصدمة، وقامت واقفة قدامها، بتبصلها باستغراب وسألتها: أومال كنتي فاكراه بيكلم عن مين؟!
زينة ما قدرتش ترد، عينيها نزل منها سيل من الدموع وهي بتنهار بالبُكا. قلبها كان بيصرخ، بس لسانها اتربط.
زينب بصتلها بشك، بس عقلها بدأ يجمع، وسألتها بصوت واطي مليان لهفة: أنتي... كنتي فاكراهم عايزينك لمعتصم؟!
زينة سكتت... بس سكوتها كان أصدق من ألف كلمة. دموعها كانت بتجاوب لوحدها، وزينب فهمت. فهمت إن البنت دي كانت بتحب معتصم، وكانت عايشة على أمل كداب.
لحظة صمت عدّت، وبعدها زينب قالت بنبرة فيها تحدي وقرار: لو أنتي بجد مش عايزة تتجوزي ممدوح... أنا هساعدك، ومش هتتجوزيه.
زينة رفعت رأسها فجأة، ونظرة الرجاء مالية عينيها: إزاي؟!
زينب شدت نفسها وقالت بحسم: ههربك من هنا قبل كتب الكتاب.
رواية منعطف خطر الفصل السادس والعشرون 26 - بقلم ملك ابراهيم
لو أنتِ بجد مش عايزة تتجوزي ممدوح... أنا هساعدك، ومش هتتجوزيه.
زينة رفعت راسها فجأة، ونظرة الرجاء ماليه عينيها: إزاي؟
زينب شدّت نفسها وقالت بحسم: ههربك من هنا قبل كتب الكتاب.
زينة بصتلها بصدمة، عينيها اتسعت من المفاجأة، وقالت بصوت متوتر: هتهربيني إزاي؟! وأمي؟ وخالي؟ والناس؟ والفضيحة؟! هيقولوا إيه لو هربت يوم فرحي؟
هزت راسها بقهر وهي بتلف وشها ناحية الشباك: لا... لا... أنا ما أقدرش أعمل فيهم كده.
زينب ردّت بغيظ ونظرة كلها مكر: براحتك يا عروسة...
قربت منها بخطوات بطيئة وكملت بصوت بارد: أنا بس كنت ناوية أساعدك، لأنك لو فعلًا قلبك مع حد ثاني، يبقى لسه عندك فرصة تكوني معاه...
زينة رفعت عينيها بتلهف وسألتها: يعني ممكن فعلًا يبقى عندي فرصة؟! بس... إزاي؟!
صوتها اتقطع وهي بتقول: أنا لو هربت هتبقى فضيحة... وخالي مش بعيد يقتلني بإيده!
زينب ردت بثقة ومكر ظاهر في عينيها: خلاص... اعملي اللي يريحك، قدامك يومين قبل كتب الكتاب.
بصتلها من فوق لتحت وقالت بنبرة فيها تهديد صريح: بس خليكِ عارفة... قبل ما عقد جوازك من جوزي يتكتب، أنا هأقوله بنفسي على اللي شاغل بالك وواخد تفكيرك...
قربت من ودنها وهمست بصوت خافت بس كله سم: وأحب أشوف ساعتها إزاي هيقدر يقربلك وأنتِ عقلك وقلبك مع أخوه!
ضحكت ضحكة باردة فيها ثقة قاتلة، وفتحت الباب وخرجت، سايبة زينة قاعدة على السرير، مشلولة من الصدمة...
إيدها متشبثة في طرف المرتبة، وعينيها سابحة في الفراغ...
مش مصدقة التهديد، ولا قادرة تستوعب حجم المصيبة اللي وقعت فيها.
في بيت الشرقاوي.
كان يحيى قاعد مع جده في أوضة المكتب، والغضب باين في كل تفاصيل وشه.
قال بعصبية، والنار مولعة في نبرته: كان لازم أعمل اللي عملته يا جدي! عشان يعرفوا مين هو يحيى الشرقاوي! مش على آخر الزمن واحد كان من رجالتنا ييجي وعايز يساوي نفسه بينا!
الحاج شرقاوي بص له بحدة، وصوته ارتفع لأول مرة: أنت متسرّع يا يحيى! وهتدخلنا في مصايب مالهاش آخر! فاكر إن عيلة بدران هيسكتوا؟ بعد ما حرّقت مخازنهم وخسّرتهم سلاح بملايين؟!
يحيى أخذ نفس عميق، وقعد براحة متعمدة، وكأن التهديد ما بيهزوش، وقال بثقة فيها تحدّي: هيعملوا إيه يعني يا جدي؟
لكن قبل ما يكمل جملته،
دوّى صوت رصاص عنيف حوالين البيت،
كأن حرب قامت، وكأن المكان اتحوّل لساحة معركة.
انتفض يحيى من مكانه، عينه متوسّعة من الصدمة،
وجده صرخ فيه بغضب وهو بيبص له بنظرة مليانة توبيخ: شوفت؟! شوفت هيعملوا إيه؟!
يحيى مسك سلاحه بسرعة، وخرج من المكتب مندفع،
لكن أول ما طلع للصالون اتجمد مكانه،
الرصاص كان بينزل على البيت زي المطر،
مش قادر يتحرك، كأن الطلقات حواجز نار حاصرته.
فوق عند ياسمين.
سماح مامت ياسمين خرجت من أوضتها وهي بتترنح من الخوف،
وشها شاحب وعيونها بتدور على عيالها،
كانت مرعوبة، حاسة إن قلبها هيقف.
ياسمين وأحمد خرجوا من أوضتها،
بيمشوا بخوف وتردد، وكانوا رايحين لأوضة مامتهم،
لكن اتفاجئوا بيها جاية ناحيتهم بخطوات مرتبكة ولهفة،
حضنتهم الاثنين كأنها بتحاول تخبيهم جواها،
تمنع عنهم الرصاص والخطر، والعالم كله.
وفجأة...
الضرب وقف.
البيت سكت.
لكن صوت الرعب كان لسه مسموع في النفس اللي بيطلع متقطع.
ياسمين كان عندها فضول قاتل تعرف إيه اللي بيحصل تحت.
بهدوء، سابت إيد مامتها، وبصت لأخوها،
وقالت لهم بهمس: هو إيه اللي بيحصل هنا؟
خرجت بخطوات حذرة، ووقفت على السلم،
بصت على مدخل البيت تحت،
شافت يحيى واقف جنب جدها،
وقدامهم راجل غريب، لابس جلباب، وهيبته واضحة،
وحواليه رجالة شايلين سلاح كتير.
ما فهمتش إيه اللي بيحصل،
بس جسمها اتشد وتوتر، وعيونها كانت بترصد كل حركة.
سمعت جدها بيقول بصوت غاضب: والمطلوب إيه دلوقتي يا بدران؟
رد الراجل اللي اسمه بدران بثقة مريبة: كل السلاح اللي في المخازن بتاعتكم.
ياسمين فتحت عينيها من الصدمة،
مش مصدقة اللي بتسمعه.
يحيى انفجر وقال بعصبية: ده أنت اتجننت بقى!
وفجأة، واحد من رجالة بدران ضرب طلقة تحذيرية،
الطلقة عدّت من جنب يحيى،
قريبة كفاية تزرع الرعب في القلب.
شهقت ياسمين بذهول، وخرجت منها صرخة،
غطّت بؤها بإيدها وهي بتحاول تمنع نفسها من الانهيار.
بدران رفع عينه للسلم، وشافها واقفة هناك،
وشه اتحول لنظرة خبث وسخرية،
وقال بصوت عالي وهو بيبص لها وللي حواليها:
يبقى موضوع عيال يحيى، وإنه كان متجوز ومخلف ومخبيهم عنكم... طلع حقيقي!
ما كانش عايزهم يعرفوا إنكم تجار سلاح؟
الحقيقة وقعت على قلب ياسمين زي الصاعقة،
جسمها تجمد، وعقلها بيحاول يستوعب اللي سمعته.
الحاج شرقاوي زعق بصوت عالي وهو بيبص ليها: خدي أمك وأخوكي واطلعوا أوضتكم يا ياسمين!
سماح قربت منها بخوف، وإيدها كانت بتترعش،
الدموع نازلة من غير صوت،
وياسمين لسه مصدومة...
بتبص حواليها كأنها لأول مرة تشوف وش جدها الحقيقي.
وفجأة...
صوت عربيات الشرطة قطع كل حاجة.
الرجالة خبّوا سلاحهم بسرعة،
كأنهم كانوا مستعدين للحظة دي،
وكأنهم محترفين ومتعودين على كده.
في ثواني، المشهد اتبدّل،
الحاج شرقاوي، ويحيى، وبدران ورجالته...
كلهم واقفين جنب بعض،
وكأنهم أصحاب واقفين مع بعض.
ياسمين كانت واقفة فوق، مصدومة،
مش قادرة تستوعب إن اللي تحت دول هم نفسهم عيلتها.. واضح إنهم مش بس عصابة ومجرمين.. دول أخطر ما عقلها قادر يستوعب.
دخل خالد،
ومعاه قوة من رجال الشرطة،
قلبه ملهوف عليها ونظراته كانت بتدور... بيفتش عنها وعايز يطمن إنها بخير.
ولما لمحها على السلم،
عينيه ثبتت عليها،
ارتاح...
وحس قلبه بيرجع مكانه ثاني.
أما هي، فكانت عايزة تجري عليه،
تقوله: خذني من هنا... ده مش مكاني.
قرب خالد من الحاج شرقاوي، وقال بنبرة قوية: إيه اللي بيحصل هنا يا حاج شرقاوي؟
بص لبدران ورجالته، وقال بحدة: وأنتم... بتعملوا إيه هنا؟
رد الحاج شرقاوي بهدوء مصطنع: ضيوفي يا باشا... جايين يزوروني.
هي الحكومة منعت الزيارات ولا إيه؟
خالد ضيّق عينيه، وقال بصوت أقوى: زيارة إيه اللي بالسلاح وضرب النار؟
اتكلم بدران بنبرة باردة: سلاح إيه يا باشا؟! مين قال إن إحنا معنا سلاح؟
خالد بص له بنظرة حادة، فيها عمق وشك: والمصابين اللي برا دول... اتصابوا من إيه؟ من الهوا؟
الحاج شرقاوي تدخل بسرعة، بصوت متماسك رغم التوتر: في ناس ما أعرفهمش ضربوا علينا نار وهربوا.
أنا والحاج بدران كنا قاعدين مع بعض، واتفاجئنا باللي حصل.
ما نعرفش مين دول.
الصمت سيطر لثواني...
لكن فجأة صوت ياسمين قطع كل حاجة.
نزلت من على السلم بخطوات سريعة وغاضبة، عيونها مليانة غضب ودموع:
"لا يا خالد... مش ده اللي حصل!
دول كذابين!"
كل العيون اتوجهت ليها بذهول، وخصوصًا جدها ويحيى.
قربت أكثر، ووقفت وسطهم وقالت بصوت ثابت فيه تحدي: الراجل ده واللي معاه كان معاهم سلاح، وخبّوه هنا...
وهم اللي ضربوا علينا نار،
وجدي بيداري عليهم عشان—"
قبل ما تكمل،
إيد جدها نزلت على وشها بصفعة قوية.
ياسمين اتجمدت في مكانها، حطت إيدها على خدها بذهول.
الدموع نزلت بدون صوت.
سماح صرخت باسمها وهي بتتحرك ناحيتها:
"ياسمين!"
خالد اتحرك تلقائيًا، مد إيده وسحب ياسمين، وقفها وراه، في حمايته، ووقف قدام الحاج شرقاوي، عينه كانت بتولع نار.
يحيى بص للمشهد، وغيرة مريرة ولعت جواه،
لما شاف خالد واقف قدامها زي السد يحميها.
صوت خالد ارتفع، حاسم، نافذ، بيملى البيت كله بأمر العساكر: اقبضوا عليهم كلهم.
رجال الشرطة اتحركوا فورًا، الكلبشات بدأت تتقفل على إيدين بدران ورجالته، ويحيى والحاج شرقاوي.
خالد واقف قدامهم،
وياسمين وراه، دموعها بتنزل بصدمة ووجع.
يحيى بص لخالد وقال بتهديد بارد: إحنا مش هنتحرك من هنا...
أنت ماعندكش دليل علينا في حاجة ولا معاك أمر نيابة بالقبض علينا!
تجاهل خالد الرد عليه وقال بثقة وصوت ثابت للعساكر اللي معاه: خذوهم كلهم على البوكس.
العساكر نفذوا الأمر بسرعة وخذوهم كلهم برا على عربيات الشرطة.
ياسمين كانت منهارة، ودموعها كانت مغرقة وشها،
وصوت بكاها كان بيدبح خالد من جواه.
أمها قربت منها، حضنتها بقلب مكسور،
وياسمين بتبكي وبتسألها بصوت بيترجف: "كنتِ عارفة يا ماما؟
كنتِ عارفة إنهم كده؟!"
سماح بصّت لخالد، واتوترت، وسكتت.
ياسمين بعدت عنها وقالت بصرخة كلها وجع ونار في قلبها: كنتِ عارفة إنهم كده يا ماما؟!
ردي عليّا... كنتِ عارفة؟
سماح انهارت وبكت، بس ماقدرتش تقول ولا كلمة.
وخالد قرب منها، حاول يهديها.
خالد: ياسمين... اهدي شوية. حتى لو مامتك كانت تعرف،
ما كانتش تقدر تعمل حاجة...
جدك ويحيى أخطر من اللي أنتِ متخيلاه.
بصّت له بعيون متصدعة وسألته بمرارة: وأنت كمان كنت عارف؟
ليه ما قبضتش عليهم من الأول؟!
رد خالد بصراحة وجدية: عشان ما عنديش دليل كافي ضدهم،
بيعرفوا يظبطوا أوراقهم ويشيلوا القضية لأي حد من رجالتهم.
والنيابة هتفرج عنهم ولا كأنهم عملوا حاجة.
ياسمين التفتت لمامتها وقالت بحدة: إحنا لازم نمشي من هنا يا ماما.
سماح ردت وهي بتعيط: مش هنقدر.
جدك مهددني...
قال لو خذتكم ومشيت،
هيحرمني منكم طول عمري.
ياسمين شهقت بصوت مكتوم وقالت: إحنا عايشين مع مجرمين بجد؟!
إزاي؟... إزاي هما كده!
خالد قرب منها، صوته هادي، لكن فيه رجاء: ياسمين، حاولي تهدي،
عشان خاطر مامتك وأحمد ما لهمش ذنب.
استحملي شوية... وأنا هتصرف صدقيني.
ياسمين كانت بتعيط بهستيريا،
وأحمد واقف مرعوب وماسك في مامتهم وخايف.
خالد كان واقف يبص لياسمين وقلبه بيتقطع، ونفسه يضمها ويطمنها.
دخل عسكري وقال لخالد: تمام يا فندم،
الإسعاف جه وخذوا المصابين.
هز خالد رأسه وقال له: طب روح أنت... وأنا جاي وراك.
بص لياسمين، وقال بنبرة هادية: لازم أرجع القسم، هأكلمك أطمن عليكي.
ياسمين هزت راسها، ودموعها لسه بتنزل.
وسماح بصّت لخالد وهي حاسة بشعور راحة غريب ناحيته وشايفة في عيونه نظرات حب وخوف حقيقي على بنتها.
خالد خرج وهو بيبص على ياسمين ومش هاين عليه يسيبها في الحالة دي ويمشي...
وياسمين جريت على أوضتها،
قلبها بيوجعها،
وعقلها بيحاول يستوعب الحقيقة البشعة اللي عرفتها النهاردة.
بعد ساعات.
في وقت متأخر من الليل.
الجو في أوضة ياسمين كان هادي ومظلم،
بس جواها كان لسه فيه عاصفة...
كانت قاعدة على السرير، ساكتة وسرحانة، عينيها حمرا من كثر البكا، وكل شوية تبص على تليفونها كأنها مستنية رسالة تطمنها،
بس ما فيش.
الساعة قربت على 2 بعد نصف الليل،
مامتها وأخوها ناموا وفي حرس تبع جدها محاوطين الفيلا ومانعين حد يدخل أو يخرج غير بأمر من جدها ويحيى لحد ما يرجعوا.
فجأة، موبايلها نور، ونغمة الرسالة قطعت الصمت.
"صاحية؟"
اسم المرسل: خالد.
قلبها دق جامد من غير سبب واضح، حست بتوتر غريب وهي بتبص للموبايل... بسرعة كتبت وردّت: "آه"
ثواني وجاءت لها رسالة ثانية: "بتعملي إيه؟"
ردّت بسرعة: "قاعدة...
مش بعمل حاجة.
رسالة جديدة نورت الشاشة...
طب انتي لابسة إيه دلوقتي؟
بصت للموبايل بصدمة، حواجبها ارتفعوا، وعينيها اتسعت من المفاجأة...
إيه ده؟! هو بيقول إيه؟!
عقلها مش قادر يستوعب إن خالد يسألها السؤال ده!
كانت هتقفل الموبايل من الخضة، بس فجأة رسالة جديدة وصلت قبل ما تلحق تعمل حاجة:
مش قصدي اللي انتي فهمتيه... البسي حاجة مقفولة والحجاب بتاعك واطلعي البلكونة دلوقتي.
اتسمرت في مكانها، قلبها بقى بيخبط في صدرها كأنه طبل...
بصّت حواليها بتوتر، وقامت بسرعة وهي بتدور بعينيها في الأوضة...
خدت الطرحة اللي كانت على الكرسي، لبستها بسرعة على شعرها، وكانت لابسة بيجامة قطن مقفولة وبكم.
فتحت باب البلكونة بحذر، والموبايل في إيدها، وخرجت بخطوات مترددة...
بصّت لتحت على الجنينة، عينيها بتدور في كل حتة، ووشها فيه قلق وتساؤلات مالهاش آخر.
رن الموبايل تاني برسالة:
تمام كده... ادخلي بقى.
بصّت للرسالة بصدمة، وبعدين رجعت تبص في الجنينة بخوف وتوتر، مش فاهمة خالد بيعمل إيه ولا عايز إيه أصلًا...
دخلت الأوضة وهي حاسة إنها تايهة...
فيه حاجة مش مفهومة...
وفيه إحساس غريب بيتحرك جواها...
خوف؟ قلق؟ ولا حاجة تانية خالص؟
وفجأة...
صوت خبطات خفيفة جدًا على باب البلكونة وراها.
اتنفضت وهي بتبص وراها وشافته.
خالد واقف قدامها، وشه باين تحت ضوء القمر،
عيونه ثابتة فيها، ووشه فيه لهفة وشوق،
لابس كاجوال غامق، واضح إنه متسلل ومتخفي،
بس حضوره كان أقوى من أي خوف.
ياسمين فتحت باب البلكونة وهي مش قادرة تصدق،
وقالت بصوت مبحوح: خالد.. إزاي جيت هنا؟
رد خالد: مقدرتش أنام قبل ما أشوفك وأطمن عليكي... قلبي كان حاسس إنك لسه بتعيّطي.
بصّ لها بنظرة فيها حنية وقال بنبرة هادية: شايفة عنيكي..
تعبانة من كتر العياط إزاي!.. ينفع كده؟
ابتسامة خفيفة كسرت الحزن اللي في ملامحها، وقالت بخجل وهي بتبص حواليها: بس إنت وصلت لحد هنا إزاي؟!
لفت عينيها ناحية الجنينة وأضافت بقلق: ممكن حد يشوفك!
رد عليها بثقة وسخرية خفيفة وهو بيبتسم: لا ماتقلقيش... أنا أقدر أدخل وأخرج من أي مكان من غير ما حد يحس بيا.
ضحكت وقالت: شبح يعني؟!
ردّ وهو بيضحك معاها: بالظبط كده.
وبعدين قرب خطوة صغيرة من السور وسند عليه وقالها بنظرة مليانة شقاوة وهو بيحاول يخفف عنها حزنها: بس قوليلي بقى... فكرتي في إيه لما سألتك "لابسة إيه دلوقتي؟"؟
بصّت له بحدة مصطنعة بس جواها خجل باين في عينيها وقالت بعصبية خفيفة: تفتكر هفكر في إيه يعني؟! لما واحد يبعتلي رسالة في نص الليل ويسألني كده! طبيعي أي بنت هتتوتر!
ضحك خالد بصوت هادي وقال: أنا كنت بس عايز أطمن عليكي.
ياسمين ضحكت وقالت: وهو اللي عايز يطمن على بنت يسألها انتي لابسة إيه دلوقتي؟! كان عنده حق الظابط مهاب لما قالي إنك مش بتعرف تتعامل غير مع مطاريد الجبل والشويش جمعة.
خالد ضحك وقال: انتي وصلتي للشويش جمعة كمان.. وقالك إيه عني تاني يا مهاب؟ شكله عك الدنيا على الآخر صح؟
ياسمين ضحكت وسكتت بخجل.
خالد بص لها وقال: أنا عارف إني وجودي هنا دلوقتي في وقت زي ده وبالطريقة دي غلط.. بس أنا حقيقي كنت خايف عليكي وعايز أشوفك وأكيد مش هينفع أدخل بلكونة أوضتك من غير ما تكوني جاهزة إنك تشوفيني.. صح؟
ابتسمت وهزت راسها بالإيجاب، وسألته بهدوء: وليه خليتني أخرج البلكونة؟
قالها وهو بيبصلها بنظرات كلها حب: عشان أعرف إنتي في أنهي أوضة...
نزلت عينيها في الأرض، وابتسامة هادية ظهرت على وشها، حسّت بدفا غريب جواها...
أمان ماكنتش متعودة عليه.
خالد قال بنبرة جد أكتر، وصوته هادي لكنه واصل لياسمين ولقلبها: عايزك تطمني... متخافيش تاني. أنا دايمًا هكون قريب منك، وأقدر أوصلك في أي وقت، وفي أي مكان..
نبرته اتشدت أكتر وهو بيقول: اللي انتي عرفتيه عن جدك ويحيى النهاردة أقل كتير من حقيقتهم.. بس أنا هكون دايمًا جنبك ومش هسمح لحد يأذيكي.
رفعت عينيها بسرعة، ونظرة استغراب رسمت ملامحها: ليه؟! ليه بتعمل معايا كل ده؟
سؤالها سكت خالد لحظة...
بصّ لها بعمق، كأنه بيحاول يفتّش في قلبه عن إجابة هو نفسه مش قادر يعترف بيها...
نفسه يرد ويقولها عشان بحبك..
بس مش ده الوقت المناسب اللي يعترفلها فيه بحبه.
سكت لحظات وقال: في مشاعر جوايا أول مرة أحس بيها.. من أول لحظة شوفتك فيها وأنا حاسس إنك مسؤولة مني.. في فترة معينة كنت متلخبط ومتردد أواجه نفسي بحقيقة مشاعري تجاهك..
بص لها قوي وقال: بس خلاص أنا مش هتردد تاني.. وبعترف إنك مهمة جدًا بالنسبة ليا.. مهمة لدرجة إنك ما بتفارقيش تفكيري لحظة.
ياسمين اتوترت من كلامه وقالت: أنا متوترة قوي ومش عارفة أقول إيه..
وابتسمت بخجل وكملت كلامها: أنا أول مرة أسمع كلام زي ده.. وبصراحة خايفة..
وبصت قدامها على جنينة الفيلا وقالت بهمس حزين: يمكن الخوف هو ده الشعور الوحيد اللي بقيت بحس بيه من أول ما دخلت البيت ده!
وبصت له وابتسمت وقالت: ودي أول مرة أحس فيها إني مطمنة بجد.. أول لما شوفتك قدامي دلوقتي.. اطمنت.. واضح إنك بقيت مصدر شعوري بالأمان يا حضرة الظابط.
الكلمات البسيطة دي فرّحته من جواه... حس إنه فعلًا بقى حاجة مهمة في حياتها، يكفيه إنه بقى مصدر أمانها.
ضحك وقال بهزار: أنا هعدي كلمة حضرة الظابط اللي قولتيها دلوقتي ، عشان اللحظة الحلوة دي تنتهي نهاية سعيدة.. بس عارفة لو سمعتها منك تاني هعمل إيه؟
ردت وهي بتضحك: هتعمل إيه يا حضرة الظابط؟
ضحك وهو بيبصلها وقال: أنا أقدر أعمل كتير.. وخلي بالك، الكلمة دي بتضايقني لما بسمعها منك.
إستغربت وقالت: بتضايق ليه؟
رد وهو بيبص في عينيها: عشان أنا بحب أسمع اسمي بصوتك.
بصت له واتكسفت وخدودها احمرت واتوترت جدًا.
النظرات طولت بينهم، وسكون اللحظة كان مليان إحساس... بس فجأة، سمعوا صوت باب أوضتها حد بيحاول يفتحه من برّه، وهي كانت قافلة بالمفتاح من جوه.
رواية منعطف خطر الفصل السابع والعشرون 27 - بقلم ملك ابراهيم
أنا بحب أسمع اسمي بصوتك.
بصّت له واتكسفت وخدودها احمرت واتوترت جدًا.
النظرات طولت بينهم، وسكون اللحظة كان مليان إحساس... بس فجأة، سمعوا صوت باب أوضتها حد بيحاول يفتحه من بره، وهي كانت قافلة بالمفتاح من جوه.
هو على طول حسّ خوفها، وقرب منها بشويش، وشاورلها بإيده كأنه بيقول "اهدي، مفيش حاجة".
وفجأة سمعوا صوت مامت ياسمين بتنادي عليها من ورا الباب.
اتنهدت ياسمين بارتياح، وهمست: دي ماما.
خالد ابتسم وقال بصوت هادي ومليان حنان: مش عايزك تخافي كده تاني... في أي وقت تحسي بالخوف، كلميني وهتلاقيني جمبك.
وبصّ عالجنينة وهو بيهزر: أنا خلاص عرفت الطريق.
ضحكت ياسمين بصوت خافت وقالتله: أنا لازم أفتح لماما... هتخرج من هنا إزاي؟
رد بثقة: زي ما جيت... خلي بالك من نفسك.
بصّت له نظرة كلها مشاعر وقالت: وإنت كمان، خلي بالك من نفسك.
خد خطوته الأخيرة بعيد عنها، ونط من البلكونة بخفة واحترافية خلت ياسمين تبص له بانبهار.
صوت مامتها وهي بتنادي عليها بقلق رجّعها للواقع، قفلت باب البلكونة بسرعة، وجريت تفتح لمامتها.
مامتها دخلت الأوضة وبصتلها باستغراب وقالت: انتي كنتي نايمة يا ياسمين؟ وقافلة على نفسك بالمفتاح ليه؟
ياسمين ردت بسرعة وبشوية ارتباك، وعينيها رايحة جاية على البلكونة كأنها بتتأكد إنه مشي: آه يا ماما، كنت نايمة... وبصراحة بطمن أكتر لما أقفل على نفسي.
مامت ياسمين فضلت باصة لها باستغراب، حسّت إن بنتها متوترة ومش طبيعية خالص.
بصت جوه الأوضة كأنها بتحاول تلاحظ أي حاجة مش مظبوطة، وقالت: أنا كنت جايه أطمن عليكي.. وكنت عايزة أتكلم معاكي بخصوص اللي حصل النهاردة.
ياسمين هزت راسها بالإيجاب وقالت: معلش يا ماما أنا مش عايزة أتكلم دلوقتي.. ومفيش أي كلام هيفيد بعد اللي عرفته النهاردة.
ياسمين كانت مرتبكة ومتوترة وعينها لسه رايحه جايه على البلكونة.
مامتها قربت منها شوية وبصتلها بنظرة فيها قلق وسألتها: انتي كويسة يا ياسمين؟
ياسمين ابتسمت ليها بابتسامة مطمنة وقالت: اطمني يا ماما، أنا كويسة والله.
مامتها هزت راسها براحة وقالت: الحمد لله إني اطمنت عليكي... تصبحي على خير يا حبيبتي.
ياسمين ردت بهدوء: وإنتي من أهل الخير يا ماما.
مامتها خرجت ورجعت على أوضتها، وياسمين خدت نفس طويل كأنها بتطلع توتر السنين، وقفلت الباب تاني بالمفتاح.
جريت على سريرها، وقعدت عليه وهي ماسكة موبايلها، وشها منور بالفرحة، وقلبها بيدق بسرعة من كتر المشاعر اللي ماليه قلبها ناحية خالد.
كانت نفسها تطمن إنه خرج من الفيلا بسلام.
كتبت له رسالة بسرعة وبعتتها: "خرجت من الفيلا؟ طمني عليك."
خالد كان فعلًا خرج من الفيلا، ومشي ناحية عربيته اللي كان ركنها ورا الفيلا، في مكان هادي وبعيد شوية.
ركب العربية، ولسه بيظبط نفسه، سمع صوت رسالة جت له.
مسك الموبايل، وفتح الرسالة، وأول ما شاف كلامها، ابتسامة واسعة نورت وشه، وبعت لها على طول: "قلقتي عليا؟"
ياسمين كانت قاعدة على سريرها، ماسكة الموبايل بإيدين فيها توتر وترقب، وعينيها مش بتسيب الشاشة، مستنية رده.
أول ما شافت رسالته، وشها احمر واتكسفت... معرفتش تكتب له حاجة، ولا ترد.
عدّت دقيقتين، وجالها منه رسالة تانية: "مردتيش عليا ليه؟ قلقتي عليا صح؟ اعترفي."
قلبها كان بيدق بسرعة، وكل جسمها حاسه بدفا غريب، إحساس جديد أول مرة تعرفه... كانت متأكدة إن ده هو الحب اللي دايمًا كانت بتسمع عنه، بس عمرها ما عاشته بالشكل ده قبل خالد.
في عربيته، خالد كان حاسس بكل ده... حاسس بيها، وعارف إنها دلوقتي محتارة ومتوترة ومش فاهمة اللي بيحصل جواها.
بس الغريب إنه هو كمان حاسس بنفس الارتباك.
جت له رسالة منها أخيرًا بعد دقايق كتير، كانت كاتبة فيها: "لما توصل بيتك طمني إنك وصلت."
هو فعلًا كان وصل بيته وقتها، لأن المسافة بين بيته وبيت جدها مش بعيدة، ركن عربيته، ولسه قاعد جواها وسط سكون الليل... سرح لحظة، وبعدين أخد نفس واتصل بيها، لأنه كان محتاج يسمع صوتها.
في أوضة ياسمين...
قلبها اتنفض أول ما شافت رقمه بيظهر على الشاشة.
نفسها اتلخبط، وإيديها كانت بترتعش وهي بترد...
سمعت صوته، والصوت ده كان كفيل إنه يهدّي قلبها اللي كان بيرقص جوه صدرها.
قالت بصعوبة، وصوتها بيرتعش من جوه: – ألو
"أنا وصلت بيتي دلوقتي"
قالها خالد بهدوء وصوته فيه حنية.
ردت بصوت رقيق وخافت: ماشي... تصبح على خير.
قال بسرعة: لا، استني... متقفليش. انتي لسه مردتيش على سؤالي... كنتي قلقانة عليا بجد؟
اتوترت أكتر، وسكتت...
ابتسم هو وقال: خلاص، أنا هاعتبرك كنتي قلقانة... هتروحي المدرسة بكرة؟
قالت بهدوء: مش عارفه!
خالد: لا مينفعش... لازم تروحي شغلك... وحياتك تكمل عادي جدًا ولما جدك ويحيى يرجعوا متتكلميش معاهم في أي حاجة.
ياسمين بدهشة: هما هيخرجوا بكرة؟
خالد: للأسف... زي ما قولتلك هما بيعرفوا يخرجوا نفسهم قدام النيابة... بس هيجي اليوم اللي هقبض عليهم متلبسين ومايعرفوش يخرجوا منها أبدًا.
ياسمين خافت وقلقت لأنهم برضه أهلها... كان نفسها متتحطش في موقف زي ده أبدًا.
خالد سكت لحظات وقال: حاولي تنامي وترتاحي ومتفكريش في أي حاجة... وأنا هكلمك بكرة أطمن عليكي. ده لو مش هيضايقك طبعًا... ولا انتي ممكن تتضايقي لو كلمتك؟
ردت بسرعة كأنها كانت مستنية السؤال: لا طبعًا، عمري ما هتضايق.
ابتسم وقال بصوته الهادي: ماشي... تصبحي على خير.
ردت برقة: وإنت من أهل الخير.
نزل خالد من عربيته ودخل الفيلا، ولسه بيقفل الباب وراه، اتفاجئ بكارما واقفة قصاده في الصالة، باصة له بصدمة كأنها شافته بيعمل جريمة.
بصّ لها هو كمان بدهشة وقال: كارما؟ انتي بتعملي إيه هنا في الوقت ده؟
كارما ردّت: خالتو قالتلي أنام هنا الليلة دي. وماما وجدو رجعوا البيت لوحدهم... هو انت راجع منين دلوقتي؟
قالها وهو بيطلع السلم من غير ما يبص وراه: كان عندي شغل يا كارما... تصبحي على خير.
صوتها نده عليه ووقفته مكانه: خالد! هو أنا موحشتكش؟؟
وقف، خد نفس عميق وهو بيقفل عينه من التوتر، لقى نفسه بيضغط على إيده من العصبية، وبعدها لف وبص لها، ونزل خطوتين لحد ما بقى قريب منها، عينه في عينها، وقال بنبرة هادية لكن فيها وضوح: كارما... أكيد عارفة قد إيه أنتي غالية عندي... وبالنسبالي زي أختي الصغيرة، وأنا عمري ما اتأخرت عنك في حاجة، ومستعد أعمل أي حاجة عشان أشوفك مبسوطة.
كارما وقفت مذهولة، عنيها دمعت وقالت بنبرة فيها وجع: بس أنا مش أختك يا خالد... أنا بنت خالتك، وبحبك من زمان، وإنت عارف. مش أنا بس اللي عارفة، كل الناس كانوا شايفين إن إحنا لبعض من وإحنا صغيرين... مش فاهمة ليه كل ما أقرب منك، تبعد... هو عشان بابا؟ عشان اتقتل في قضية سلاح وإنت ظابط؟ هو ده السبب؟
خالد بصّ لها باندهاش وقال بسرعة: إيه الكلام ده؟! لأ طبعًا، عمره ما كان ده السبب، وعمري ما فكرت كده.
اتكلمت كارما برجاء: أومال إيه السبب يا خالد؟ هو أنا وحشة؟ في حاجة في شكلي مش عجباك؟
أتكلم خالد بسرعة: انتي زي القمر يا كارما ومليون شاب يتمنى نظرة منك... بس أنا بشوفك أختي وبس. ومش هقدر أشوفك غير كده. أنا هفضل طول عمري أخوكي، وضهرك، وسندك.
كارما دموعها نزلت على خدها وهي بتسمع كلامه... هزت راسها بالإيجاب وهي بتحاول تبتسم وقالت بصوت مكسور: شكرًا يا خالد... لأنك كنت صريح ومخدعتنيش. واضح إني كنت بعيش في وهم لوحدي... أنا آسفة.
خالد حس بوجع حقيقي عشانها، قلبه اتقبض... هو ما كانش عايز يجرحها، لكن كان لازم يكون واضح، عشان هي تستحق تعيش الحقيقة مش أوهام.
كارما طلعت على الأوضة اللي هتنام فيها، والدموع لسه على خدها، وخالد كمل طريقه لأوضته، وهو حاسس بحزن وخنقة...
الليلة اللي بدأت بسعادة قلبه مع ياسمين... اتقفلت بالحزن والوجع على كارما.
صباح يوم جديد.
في القسم عند خالد.
العسكري دخل عليه وهو بيقول باحترام: اللوا وحيد الأسيوطي بره وعايز يدخل لحضرتك يا باشا.
خالد قام من على مكتبه بسرعة: إزاي توقفه بره؟ اللوا وحيد يدخل في أي وقت من غير استئذان!
خرج العسكري بسرعة، وخالد خرج يستقبل جده، وقال وهو مبتسم وبيمد إيده: أهلًا بيك يا سيادة اللوا... معقول حضرتك تستأذن عشان تدخل؟!
دخل اللوا وحيد وهو مبتسم بفخر، وعينيه مليانة اعتزاز وهو بيبص لحفيده اللي بقى من أكفأ ضباط الداخلية.
العسكري قفل الباب وخرج، وخالد سأل باندهاش: خير يا سيادة اللوا... حضرتك كويس؟
اللوا وحيد قعد وقال بابتسامة هادية: إيه يا خالد؟ هو غريب إني أزور حفيدي في مكتبه؟!
أنا كنت في المديرية وعدّيت عليك بالمرة أشوفك.
خالد قرب منه وقال باستغراب: حضرتك كنت في المديرية ليه؟
ضحك اللوا وحيد وقال: يعني إيه كنت هناك ليه؟! ناسي إن صحابي كلهم هناك؟!
ولا عشان طلعت معاش يعني مش من حقي أدخلها؟!
خالد ابتسم وقال بنبرة فيها احترام: لا طبعًا يا باشا... حضرتك تدخل أي مكان، وإحنا هنفضل تلامذتك ونتعلم منك.
اللوا وحيد غير نبرة صوته فجأة وبقى جد جدًا: الحقيقة يا خالد... أنا رحت المديرية النهاردة عشان أطلب سحب قضية جلال الشرقاوي منك. قابلت مدير الأمن وشرحتله إن الموضوع حساس، ومينفعش اسمك يكون في القضية دي، وهو وافق وسحبها منك.
خالد وقف مكانه فجأة وقال بصدمة: إيه؟! حضرتك عملت كده؟! إزاي وحضرتك اللي علمتني أفصل بين شغلي وبين حياتي الشخصية، ليه تعمل كده يا جدي؟!
اللوا وحيد بصله بنظرة حاسمة وقال: عشان أنا مش هسمح إن علاقتك بخالتك وبكارما تتدمر بسبب شغلك. انت امبارح قبضت على جدها وابن عمها وحبستهم..
وأنا وإنت عارفين إنهم هيخرجوا النهاردة أو بكرة من النيابة..
بس اللي متأكد منه إنك مش هترتاح غير لما تقبض عليهم متلبسين بتجارة السلاح..
لو هيتقبض عليهم ميبقاش منك انت، لإنك مش بس هتأذيهم... انت هتأذي كارما اللي بتحبك وشايفاك طول عمرها سندها..
صدمتها فيك هتكون كبيرة لما تلاقيك انت اللي بتحط جدها وابن عمها في السجن بنفسك! وأنا شايف إن الأصح تبعد عن القضية دي خالص.
خالد قال بنبرة حزينة واعتراض واضح: لا يا جدي... ده مش صح، وكارما وخالتي عارفين كويس إن ده شغلي وأنا مش ضدهم.. أنا بعمل شغلي واللي المفروض أعمله.
جده بصله بنظرة معناها "الكلام انتهى"، وفي نفس اللحظة رن تليفون خالد...
رد، وسمع صوت من الطرف التاني بيبلغه رسميًا:
– خالد باشا. قضية جلال الشرقاوي اتسحبت من حضرتك، وهيستلمها ظابط تاني... حضرتك لازم تسلم الملف.
قفل خالد الموبايل وبص لجده وقال بنبرة فيها قهر: أول مرة في حياتي تتسحب مني قضية قبل ما أخلصها... ودي بالنسبة لي أول نقطة سودة في ملفي.
جده قال بنبرة فيها حسم: ولا نقطة سودة ولا حاجة... كمل شغلك عادي،
عندك مليون قضية تانية تمسكها غير دي.
وبعدها وقف وقال: مامتك عازمانا على الغدا النهاردة... هتيجي معايا؟
رد خالد وهو بيكتم ضيقه: عندي شغل كتير، مش هقدر أجي.
هزّ اللواء وحيد راسه وخرج من المكتب، وخالد رجع قعد مكانه، وهو مضايق ومخنوق، لأن أكتر حاجة بيكرهها إن حد يتدخل في شغله.
خرجه من شروده رنة موبايله.
بص على الشاشة، لقى اسم "مهاب" بيظهر قدامه: أيوه يا مهاب؟
رد عليه صوت صاحبه بضحكة خفيفة: بقولك إيه... متنساش إننا مسافرين بكرة سوهاج مع بعض، فرح أخو معتصم فاكر ولا نسيت؟
خالد عدّل قعدته وقال بنبرة فيها فتور: آه فاكر.
مهاب لاحظ نبرته وسأله بقلق بسيط: مالك؟ صوتك مش طبيعي... حصل حاجة؟
خالد خد نفس عميق وقال: لا... مفيش.
هنروح بكرة إمتى؟
مهاب قال بحماس: معتصم مسافر النهاردة بالليل، وأنا وإنت هنروح له بكرة الصبح.
رد خالد بهدوء: تمام... هشوفك بكرة.
وقفل المكالمة، وسرح تاني وهو حاسس إن دماغه مشغولة بأكتر من حاجة، ما بين شغله اللي اتسحب من إيده، وكارما اللي كسر قلبها، وياسمين اللي وعدها إنه مش هيتخلى عنها.
في المساء، في محافظة سوهاج.
كانت زينة واقفة في أوضتها، قدام الشباك المفتوح على سكون الليل، والهوا بيحرك طرحتها بخفة كأنه بيواسيها. عينيها كانت معلقة في الضلمة، بس عقلها كان مليان دوشة.. مش قادرة تهرب من صوت تهديد زينب مرات ممدوح اللي لسه بيرن في ودانها.
عارفة إن زينب ما بتهزرش، الست دي قادرة تعمل أي حاجة عشان تمنع الجوازة دي، وقلبها مليان كره وخوف.
الفرح خلاص بكرة.. وكل الطرق مقفولة.
لو الفرح تم، يبقى اتحكم عليها تعيش مع واحد عمرها ما هتحبه، وتبقى سجينة في بيت مش بيتها، وحياة مش ليها.
ولو الفرح ما تمش.. يبقى جابت العار لأهلها، وكلام الناس هيبقى زي السكاكين، وساعتها الموت هيكون أهون عليها.
دموعها ما نزلتش.. كانت ناشفة، زي قلبها اللي بيقاوم، بس بيصرخ من جوه.
رفعت وشها للسما، عينيها بتلمع من الوجع، وهمست في سرّها:
يا رب.. إيه الحل؟ أنا خايفة ومش عارفة أعمل إيه؟
وفجأة، وسط العتمة دي كلها، لمعت فكرة مجنونة في دماغها.. فكرة خلت قلبها يدق بسرعة، ورجليها تتسمر في الأرض.
كانت مجنونة، بس يمكن تكون طوق النجاة الوحيد.
قعدت في أوضتها لحد وقت متأخر من الليل، والضلمة مغرقاها من كل ناحية. كانت بتبص في السقف بعين تايهة وقلبها بيدق بسرعة، كأنها سامعة صوت دقاته جوا صدرها. قامت بهدوء، لبست عباية سودا فضفاضة وطرحة لفتها حوالين وشها، وخدت نفس عميق وهي بتستجمع شجاعتها.
فضلت واقفة جنب الباب لحظة، بتسمع صوت الصمت، مستنية اللحظة المناسبة. وبعد ما تأكدت إن كل اللي في البيت غرق في النوم، فتحت باب أوضتها بهدوء، وخرجت تتسحب بخطوات محسوبة، كل خطوة كانت بتقربها من المجهول. فتحت باب البيت بهدوء، وخرجت منه لعالم مش عارفة فيه هي رايحة على فين.
بس كانت في عين بترصدها من ورا الستارة.
زينب كانت واقفة في الضلمة، مبتسمة بخبث والشر باين في نظرة عينها، وهمست لنفسها بصوت خافت: والله ووقعتي تحت إيدي يا عروسة.
استنت شوية لحد ما اتأكدت إن زينة اختفت بعيد، وفجأة، قطعت سكون الليل بصوتها العالي وهي بتصرخ صرخة هزّت البيت كله: الحقواااا! العروسة هربت!
الصوت صحى ممدوح جوزها، وأبوه، وكل العيلة قامت مفزوعة، بيجروا على مصدر الصوت.
زينب مثلت الدور بإتقان وهي بتمثل شهقات البكا: العروسة هربت... حاولت أوقفها، بس مردتش تسمعني.
ممدوح بصلها بذهول، عينه بتدور على تفسير، وأبوه واقف مصدوم مش فاهم حاجة.
أم زينة جريت على أوضة بنتها وفتحت الباب بلهفة... ملقتش حد!
صرخت من أعماقها وهي بتجري لزينب، صوتها بيترعش من الخوف: بنتي راحت فين يا زينب؟ عملتي إيه في بنتي ليلة فرحها؟
زينب ببراعة تمثيلها، جاوبت وهي عاملة نفسها منهارة: والله حاولت أوقفها يا عمتي... بس هي مصممة... قالت لي إنها مش هتتجوز ممدوح وقلبها مع أخوه.
ممدوح صرخ فيها: أخويا مين يا بت يا مجنونة إنتِ؟
زينب ردت من وسط شهقاتها: هي دي الحقيقة... زينة بتحب معتصم أخوك، ولما وافقت تتجوزك كانت فاكرة إن خالها بيخطبها ليه... مش ليك.
الكل بص لأم زينة، اللي خفضت وشها في الأرض ودموعها سايحة على خدها، وهمست بألم: ليه كده يا بنت بطني...
أبو ممدوح قرب منها، صوته فيه قلق وغضب مكبوت: الكلام ده صح يا أم زينة؟
قالت له وهي مكسورة وبتترجاه: رجعي لي بنتي يا أخويا... أنا ماليش غيرها.
ممدوح بص لأبوه منتظر قراره، فاتكلم الأب بصرامة: اطلع إنت والرجالة دوروا عليها... ومش عايز حد يقرب لها.
كانت البلد نايمة، وسكون الليل تقيل، مفيش صوت غير دبدبة قلب زينة وهي بتجري، تايهة وسط الضلمة. قلبها بيرتعش، والمكان حواليها مرعب. الطريق مقطوع، والدنيا كلها شكلها غريب في عينيها. كانت بتهرب من مصير مش عايزاه، لكن مفيش ضمان إنها رايحة لمكان أأمن.
وفي الناحية التانية، معتصم كان راجع بلده عشان يحضر فرح أخوه، سايق عربيته وسط الطريق الساكن، وبيقرب من البلد بعد مشوار طويل. ما قالش لحد عن ميعاد رجوعه، كان ناوي يفاجئهم.
وفجأة، ظهرت قدامه بنت وسط الطريق!
داس فرامل بكل قوته، والعربية صوتها عالي والبنت من الخضة وقعت على الأرض.
معتصم نزل بسرعة، قلبه بيدق بتوتر، ووشه مصدوم: البنت دي جات منين؟ وفي وقت زي ده؟
قرب منها، كانت مرمية على الأرض، مغمى عليها، لابسة عباية سودا ووشها متغطي بالطرحة. نزل جنبها، ومد إيده وشال الطرحة بهدوء عشان يشوف ملامحها.
وتحت ضوء القمر، ملامحها ظهرت قدامه... بوجه ناعم، بريء، وكأنها ملاك نازل من السما.
اتسعت عيونه، ودقات قلبه عليت، وهو بيهمس بصدمة: زينة!
رواية منعطف خطر الفصل الثامن والعشرون 28 - بقلم ملك ابراهيم
معتصم نزل بسرعة، قلبه بيدق بتوتر، ووشه مصدوم:
"البنت دي جات منين؟ وفي وقت زي ده؟!"
قرب منها، كانت مرمية على الأرض، مغمى عليها، لابسة عباية سودا ووشها متغطي بالطرحة.
نزل جنبها، ومد إيده بترتجف، وشال الطرحة بهدوء عشان يشوف ملامحها.
وتحت ضوء القمر، ملامحها ظهرت قدامه... بوجه ناعم، بريء، وكأنها ملاك نازل من السما.
اتسعت عيونه، ودقات قلبه عليت، وهو بيهمس بصدمة:
"زينة!!"
حاول يصحيها، لكن كانت مغيبة... وكأن عقلها اختار يهرب بعيد عن كل حاجة حواليها.
بص حواليه، الطريق فاضي، الدنيا ضلمة، ومفيش قدامه غير إنه ينقذها.
شالها بحذر، وفتح باب عربيته، وحطها على الكرسي الخلفي.
بص لوشها تاني، كانت ملامحها مختلفة عن آخر مرة شافها فيها... اتغيرت، كبرت، ونضجت.
بس التغيير ماكانش بسيط، كان ملفت. بقت أجمل بكتير. جمالها هادي ورقيق، زي لوحة مرسومة بإتقان.
عينيها المغمضة حتى وهي غايبة عن الوعي، كانت باينة إنها بتخبي وراها حكايات، وقلبه حس بده.
هز راسه بسرعة كأنه بيطرد الأفكار دي بعيد عن دماغه.
"ركز يا معتصم... مش وقته."
ركب مكانه، وقفل باب العربية، وساق يكمل طريقه للبيت، بس مخه شغال بألف سؤال.
"إيه اللي طلع زينة بنت عمتي في نص الليل؟! وعلى طريق مقطوع زي ده؟! ياترى حصل إيه؟!"
كل شوية يبص في المراية، يشوفها نايمة في الكرسي وملامحها ساكنة، لكن جوّا قلبه مش ساكن خالص.
دقات قلبه كانت متلخبطة، كل مرة عينه تقع عليها، يحس بحاجة غريبة بتتحرك جواه، إحساس مش قادر يفسّره.
شد على الدركسيون بإيده، وحاول يقنع نفسه:
"مايصحش يا معتصم... دي زينة! دي هتكون مرات أخوك بعد كام ساعة... إزاي تسمح لنفسك تحس كده؟!"
بس قلبه مكانش بيسمع لصوت العقل.
كان فيه حاجة اتحركت جواه أول ما شافها، حاجة مش سهل يوقفها بكلمة "مايصحش".
كمل طريقه، بس جواه عاصفة، مش عارف هتوصله على فين هو واللي معاه في العربية.. واضح انها هتاخدهم على منعطف جديد يغير حياتهم.. والأكيد انه هيكون منعطف خطر.
بعد شوية دقايق، وصل معتصم بعربيته قدّام بيتهم الكبير، وقف بالعربية وبص حواليه باستغراب...
لقى كل أهله متجمعين قدام الباب، وشهم كان باين عليه القلق والتوتر، كأن في مصيبة حصلت.
نزل من العربية بسرعة، قلبه بيخبط في صدره، وحس إن في حاجة مش طبيعية.
أول ما أبوه شافه، عينيه اتفتحت من المفاجأة، كان واضح عليه إنه مش متوقع يشوفه دلوقتي.
معتصم بصله بقلق وسأله وهو بيقرّب منه:
"في إيه يا أبويا؟ حصل حاجة؟"
قبل ما أبوه يرد، عمته جريت عليه وهي بتبكي، ملامحها كانت باينة عليها الهلع والخوف، وقالت بصوت متقطع من كتر البكا:
"زينه... زينه بنتي يا معتصم، هربت! مش لاقيينها في أي حتة!"
معتصم اتفاجئ وقال بسرعة وهو بيحاول يطمنها:
"زينه معايا في العربية يا عمتي... متخافيش، هي كويسة."
في اللحظة دي، كان ممدوح أخوه الكبير رجع مع الرجالة اللي خرجوا يدوروا على زينه.
كانوا راجعين بخيبة أمل، باين عليهم التعب.
وأول ما سمعوا صوت معتصم وهو بيقول إن زينه معاه، وقفوا مكانهم، كأن الزمن وقف، وكل العيلة بصت له بذهول.
زينب، مرات ممدوح، اتكلمت بنبرة كلها شك وسخرية:
"دا شكلهم متفقين بقى! هي تهرب، وهو يقابلها بعربيته! هنودي وشنا فين قدام أهل البلد بعد الفضيحة دي!"
الصدمة ضربت وش ممدوح، وجري على أخوه، مسكه من هدومه بعنف وزعق فيه وهو صوته مليان غل:
"آخر واحد كنت أتخيل إنه يخوني هو انت يا معتصم! دا انت أخويا وابن أمي وأبويا!"
معتصم كان واقف متجمد، مش قادر يفهم هما بيتكلموا عن إيه، ولا إيه التهم الغريبة دي!
بص لأخوه بذهول، وحس بكلامه زي السهام اللي بتطعن في قلبه.
أبوهم اتدخل بصوت عالي وقال وهو رافع إيده:
"بس! سيب أخوك يا ممدوح... كفاية بقى. ادخلوا جوه، نشوف هنلم الفضيحة ده إزاي قبل ما الموضوع يكبر أكتر من كده."
معتصم بصله باستغراب وقال:
"موضوع إيه؟! فضيحة إيه يا أبويا! أنا لقيت زينه على الطريق، و..."
زينب قطعت كلامه بسرعة، وبصت له بنظرة كلها خبث وقالت بسخرية:
"ايوه ايوه، احنا عارفين كل حاجة يا أخو جوزي... وعارفين إللي بينك وبين زينة."
معتصم اتصدم، وبص لها بنظرة فيها استغراب واشمئزاز، وزعق:
"إيه؟! إيه اللي بيني وبين زينه؟! انتي بتقولي إيه؟!"
ممدوح اتدخل بصوت عالي ووشه كله غضب:
"صوتك ما يعلاش على مراتي! ولا فاكر نفسك عشان ظابط يعني هنخاف منك؟!"
معتصم كان واقف مصدوم، مش قادر يصدق اللي بيشوفه في عيون أخوه، نظرات كره وحقد، حاجة عمره ما شافها قبل كده.
أبوهم شد نفسه واتكلم بحزم:
"كفاية! اسكتوا انتوا الاتنين وتعالوا ورايا جوه."
معتصم بص لأخوه بحزن ودخل ورا أبوه، قلبه تقيل ومخه مشوش، مش قادر يستوعب اللي بيحصل حواليه.
وفي العربية، كانت زينه لسه بتحاول تفوق، وعينيها زايغة في الضياع، سمعت آخر الكلام اللي حصل بين معتصم وممدوح وخالها، وكل كلمة كانت بتوجع فيها زي السكينة.
أمها كانت قاعدة جنبها في العربية بتحاول تفوقها، قلبها مكسور وعيونها مليانة عتاب، بصتلها وقالت بنبرة موجوعة:
"ليه عملتي فيا كده يا زينه؟ كده يا بنتي تفضحينا وتحطي راسي في الأرض؟!"
زينه كانت متلخبطة، دماغها مش مجمعة، لسه مش مستوعبة اللي حصل، ولسه تحت تأثير الصدمة... مش قادرة تفتح بقها بكلمة.
زينب قربت منهم، وهي باصة لزينه بنظرة كلها شماتة وقالت بضحكة خفيفة:
"قومي يا عروسة، تعالي نرجعك أوضتك!"
أم زينه بصتلها بنظرة نار وقالتلها وهي بتقوم تساعد بنتها:
"مالكيش دعوة ببنتي يا زينب... ابعدي عنها."
وساندة زينه بإيدها، ودخلت بيها البيت.
جوه احدى الغرف، كان في سكوت تقيل كأن الهوا نفسه واقف.
قعد الأب على الكرسي وبص قدّامه، ملامحه كانت مشدودة وتعبان من التفكير، وبعد لحظة قال بصوت واطي بس كله همّ:
"هنخبي الفضيحة دي إزاي؟ إيه العمل دلوقتي؟!"
ممدوح كان واقف، شكله بيغلي من جوّه، وقال بعصبية:
"البت دي خلاص متلزمنيش يا أبويا! وتحرم عليّا اسمها يتحط جنب اسمي."
معتصم كان واقف قدامهم، نظره رايح جاي بين أبوه وأخوه، وقال بنبرة فيها قلق واستغراب:
"هو إيه اللي حصل يخلي زينه تهرب في نص الليل كده؟ وبعدين الكلام اللي زينب قالته تحت... معناه إيه بالظبط؟"
وبص لأبوه وقال:
"هو انتوا بجد فاكرين إن في حاجة بيني وبين زينه بنت عمتي يا أبويا!؟"
ممدوح فجأة انفجر فيه، صوته عالي وعينه مليانة غضب:
"هو انت لسه بتسأل؟! ما خلاص يا بيه، البت فضحتك! قالت كل اللي حصل بينكم لمراتي زينب، وانت متفق معاها تهرب وتقابلك! مش كفاية إنك كنت عايز تستغفل أخوك الكبير ؟ لا.. ده انت كنت عايز تستغفلنا كلنا! هو انت بقيت خاين وندل كده من امتي ولا شغلك مع المجرمين اتعلمت منهم تسرق الحاجة اللي مش بتاعتك."
معتصم اتصدم من كلام أخوه، حس كأنه طعنة في ضهره، وقال وهو بيحاول يسيطر على أعصابه:
"خلي بالك من كلامك يا ممدوح، أنا ساكت بس عشان انت أخويا الكبير، وبعدين إيه اللي بيني وبين زينه عشان تحكيه لمراتك؟ أنا آخر مرة شوفت فيها زينه كانت من أكتر من خمس سنين، وكانت لسه عيلة صغيرة، بتجري بضفايرها في الأرض!"
الأب اتدخل، صوته حاد، مليان أمر ونبرة قاطعة:
"مش عايز أسمع صوت حد فيكم... معتصم! إنت اللي هتكتب على زينه بكرة، والفرح يتم، وتاخدها وترجع بيها البلد اللي انت شغال فيها، ومش عايز اسمع كلمة اعتراض من حد فيكم.. الكلام اللي قولته هو ده اللي هيحصل."
معتصم اتجمد، عينه وسعت من الصدمة، وقال بذهول:
"أتجوز زينه؟! يا أبويا دي لسه عيلة صغيرة! هتجوزها ازاي دي!"
ممدوح انفعل أكتر، ومسك كلامه عليه:
"تقصد إيه بكلامك ده؟! يعني أنا أخوك الكبير، كنت موافق أتجوزها، وإنت شايفها عيلة؟! ولا عشان انت ظابط مستكبر نفسك علينا!"
الأب وقف، ونبرته كانت نهائية:
"زينه مش صغيرة يا معتصم. بنت عمتك عندها 18 سنه وده سن الجواز للبنات عندنا.. وكلامي اللي اتقال هو اللي هيتعمل. انت دلوقتي مسؤول قدامي، تحافظ على سمعة بنت عمتك، وتحافظ على اسمنا وكرامتنا. وانت تقدر تختار دلوقتي.. هتحافظ علي اسم ابوك وهيبته وسط الناس ولا هتسيب الناس يتكلموا في حقنا وفي شرفنا وعرضنا."
معتصم ما قدرش يرد، كان واقف مشلول من التفكير، عينه في الأرض، وكأن الكلام نازل عليه بصدمات ورا بعض مش قادر يستوعبها.
أبوه خرج من الاوضه من غير ما يبصله.
وممدوح خرج ورا ابوه وهو بيغلي، والباب اتقفل بعنف وراهم.
وسابوا معتصم لوحده... عينه ثابتة قدامه، ملامحه مشدودة، وإيده متكتفة، وكأن في جبل على صدره.
حاسس إنه اتحاصر، مفيش مخرج... وزينه؟
اللي كانت بالنسباله مجرد بنت عمته الصغيرة اللي جاي يحضر فرحها هي واخوه، دلوقتي المفروض تبقى مراته هو!
صباح اليوم التالي.
الحاج شرقاوي ويحيى رجعوا البيت.
كانوا راجعين تعبانين وعايزين يرتاحوا.
بس يحيى كان بيغلي ومضايق من خالد وعايز ينتقم منه وعايز يعاقب ياسمين علي إللي عملته وشهادتها ضدهم.
الحاج شرقاوي كان عارف ان يحيى مش هيسكت ووقفه قبل ما يطلع اوضته:
"يحيى.. ملكش دعوة ب ياسمين بنت عمك.. سيبها انا هتكلم معاها وهحاسبها علي إللي عملته بطريقتي."
يحيى نفخ بغضب وقال:
"عارف يا جدي إنك مش هتحاسبها ولا هتعملها حاجة لانها بنت الغالي عمي يحيى.. بس لازم تعرف انها لو متحسبتش على اللي عملته ده.. هي اللي هتسلمنا للحكومة ب أيديها والمرة الجايه الله اعلم هنعرف نخرج منها ولا لا."
جده هز راسه وسكت ويحيي طلع علي اوضته وهو متعصب وجواه نار غيرة وحقد علي خالد كل ما بيفتكر ياسمين وهي واقفه وراه وفي حمايته.
الحاج شرقاوي دخل مكتبه وقعد.
كان واضح انه مستني حد.
دقايق قليله وواحدة من الخدم قالتله ان اللوا وحيد هنا وعايز يقابله.
الحاج شرقاوي قام وقف يستقبله.
كان واضح ان هو ده الضيف اللي هو مستنيه.
اللوا وحيد دخل وسلم عليه:
"حمدلله على سلامتك يا حاج شرقاوي."
رد الحاج شرقاوي:
"الله يسلمك ياسيادة اللوا.. لولا وقفتك معانا مكناش عرفنا نخرج بالسرعه دي بعد المحضر المعتبر اللي كتبه حضرة الظابط حفيدك."
رد وحيد بثقة:
"قضيتك اتسحبت من حفيدي خلاص يا حاج شرقاوي.. وان كان على وقفتي معاكم ومساعدتي ليكم عشان تخرجوا بسرعه.. ده عشان خاطر بنتي وحفيدتي.. حفيدتي شايله اسم عيلتكم وأنا مش هسمح انها تعيش الصدمة اللي عاشتها بموت ابوها تاني.. والناس يعايروها ان عيلتها تجار سلاح."
رد الحاج شرقاوي ببرود:
"سلاح إيه بس يا سيادة اللوا.. دي كلها إشاعات علي عيلتنا وانت عارف اننا ناس شغلنا كله سليم."
ضحك اللوا بسخريه وقال:
"انت عارف ان انا ميهمنيش غير بنتي وحفيدتي.. وده اللي انا جيت عشانه دلوقتي.. وصلنا خبر كده معجبنيش.. بيقولوا ان ابنك يحيى كان متجوز علي بنتي في السر ومخلف بنت وولد! حقيقي الكلام ده؟"
رد الحاج شرقاوي:
"حقيقي يا سيادة اللوا.. بس هو مكنش متجوز علي بنتك.. كان متجوز قبلها ومخبي."
وأنا لسه عارف من فترة قريبة.
اللوا وحيد: والست دي وولادها عايشين في بيتك هنا؟ يعني معترف بيهم قدام كل الناس، وبنتي وحفيدتي مالهمش عندك أي اعتبار.
الحاج شرقاوي: البيت ده بيت الشرقاوي، وبنتك وحفيدتي ينوروا بيتهم في أي وقت. مكانهم محفوظ ومحدش يقدر يقرب منه.
رد اللوا بغضب: لأ.. ما أنا مش هقبل إن بنتي تتساوى بواحدة زي اللي ابنك كان متجوزها في السر، ما نعرفش ليها أصل ولا عيلة! ولا هقبل إن حفيدتي تتقارن بولاد ابنك اللي عاشوا عمرهم كله في الضلمة، وما نعرفش اتربوا إزاي.
الحاج شرقاوي كان واضح عليه الغضب وإنه مش عجبه الكلام.
واللوا اتكلم بنبرة حادة وجادة: الست دي وولادها لازم يمشوا من البيت ده.. ويرجعوا للمكان اللي كانوا عايشين فيه، وكأننا ما عرفناش إنهم موجودين في الدنيا أصلاً. وكفاية قوي علينا الفضايح اللي ابنك كان سببها لما مات.
الحاج شرقاوي: ولو أنا رفضت إنهم يخرجوا من بيتي؟
وقف اللوا وحيد وهو بيقفل زرار بدلته: ساعتها قضيتك هتتفتح تحت إشرافي.. وأنت وحفيدك هتقضوا عمركم كله في السجن؛ عشان أقفل الصفحة دي نهائي، وأضمن إن حياة بنتي وحفيدتي تستقر، وكفاية عليكم لحد كده.
الحاج شرقاوي بص له بصدمة.. واللوا وحيد ابتسم بثقة وقال قبل ما يمشي: فكر في كلامي كويس.. وقدامك يومين اتنين وتخرجهم من بيتك.
في أوضة سماح مامة ياسمين.
كانت قاعدة في أوضتها خايفة ومرعوبة بعد ما عرفت إن الحاج شرقاوي ويحيى رجعوا البيت.
كانت مقعدة ياسمين وأحمد جنبها وخايفة تخرجهم من الأوضة، وخصوصاً ياسمين.
ياسمين كانت معترضة على اللي مامتها بتعمله، ومش مقتنعة إن هما اللي المفروض يخافوا.. وكانت عايزة تنزل تواجه جدها ويحيى بحقيقتهم، بس مامتها منعتها تعمل كده بدموعها ورجائها المستمر؛ عشان تحافظ على حياتها وحياة أخوها.
في أوضة يحيى كان بياخد شاور.
طلع من الحمام واتفاجئ بجده قاعد على السرير مستنيه يخرج.
قرب منه يحيى بقلق وسأله: في إيه يا جدي؟ شكلك تعبان؟
جده حكاله عن مقابلته مع اللوا وحيد وتهديده له وكل كلامه.
يحيى اتعصب وقال بغضب: هما العيلة دي فاكرين نفسهم مين؟ حفيده يجي هنا ويقبض علينا.. وهو يجي يهددنا في بيتنا.
جده بص له بحزن وقال: أنا مش هقدر أبعد أحمد ابن الغالي عن حضني.. أنا لما صدقت ألاقي حتة من يحيى يعوضني عنه.
يحيى كان متعصب وبيفكر في حل.
جده بص له بعد تفكير وقال: أنا فكرت ولقيت حل.. اللوا عايزني أخرجهم من بيتي لإنهم قاعدين هنا بصفتهم أحفادي قدام الناس.. بس أنت لو اتجوزت ياسمين.. هيبقوا قاعدين هنا بصفتهم.. مراتك وأهلها.
رواية منعطف خطر الفصل التاسع والعشرون 29 - بقلم ملك ابراهيم
جده بص له بعد تفكير وقال:
"أنا فكرت ولقيت حل. اللواء عايزني أخرجهم من بيتي لإنهم قاعدين هنا بصفتهم أحفادي قدام الناس. بس أنت لو اتجوزت ياسمين، هيبقوا قاعدين هنا بصفتهم مراتك وأهلها."
يحيى اتصدم من الفكرة واتجمد مكانه للحظة وقال:
"جواز إيه يا جدي! بس أنا عمري ما فكرت في موضوع الجواز ده!"
جده اتكلم معاه برجاء:
"فكر يا يحيى. وفكر في جدك اللي قلبه محروق على عمك، ومش هقدر أبعد أحمد عن حضني بعد ما جه وعوضني عن الغالي."
يحيى وقف يفكر وهو متوتر من فكرة الجواز لأنه عمره ما فكر فيها. بس لمعت في دماغه فكرة الانتقام لو اتجوز ياسمين، هينتقم من خالد ويحرق قلبه على ياسمين. وياسمين هتكون ملكه وتحت سيطرته.
الفكرة بدأت تلمع في دماغه وعجبته. بص لجده وقاله:
"أنا موافق يا جدي أتجوز ياسمين."
جده ابتسم بسعادة وقال:
"يبقى من بكرة نبدأ نجهز الفرح. عايز أعملكم فرح تتكلم عنه كل البلد."
يحيى بص لجده وقال:
"وتفتكر إن ياسمين هتوافق يا جدي؟ البنت دي عنيدة ومش سهل توافق."
رد جده وهو بيبص قدامه بتفكير:
"عندك حق. ياسمين طالعة لأبوها قلبها جامد ومش بتخاف. بس أنا عارف إزاي أخليها تخاف، وعندي الطريقة اللي هضغط عليها بيها وتجبرها تنفذ كل كلمة أقولها."
يحيى بص لجده باستغراب وفضول.
جده هز راسه بثقة.
يحيى ابتسم بثقة وقرب من شباك أوضته وبص في الفراغ وهو بيتخيل اللحظة اللي هيمتلك فيها ياسمين.
صباح اليوم التالي.
خالد وصل بعربيته قدام شقة مهاب وكان مستنيه ينزل. اتصل على ياسمين عشان يطمن عليها بعد ما كلمها بالليل وقالتله إن جدها ويحيى رجعوا البيت ومحاولوش يتكلموا معاها في أي حاجة حصلت.
استغرب إنهم متكلموش معاها في حاجة وعرفها إنه رايح سوهاج النهاردة يحضر فرح أخو معتصم وقالها إنه هيكلمها من وقت للتاني يطمن عليها.
في بيت الشرقاوي.
ياسمين نزلت من أوضتها وهي جاهزة عشان تروح شغلها في المدرسة، كانت بتحاول تكون قوية قدام جدها ويحيى عشان تقدر تواجههم.
دخلت على السفرة، لقت جدها قاعد في مكانه المعتاد بيتصدر الترابيزة، وأخوها أحمد قاعد جنبه، ومامتها "سماح" قاعدة جنب أحمد بتاكل بس واضح عليها التوتر.
قالت ياسمين وهي داخلة بتوتر:
"صباح الخير."
الكل رد، وأحمد ضحك وقال بحماس وهو بيبص لها:
"الله... أنتِ شكلك حلو قوي النهارده يا ياسمين!"
قرب يحيى من السفرة وهو سامع الكلام، وبص لها وقال بضحكة فيها شوية سخرية:
"لا ما عندكش حق يا أحمد. ياسمين دايماً حلوة في كل حالاتها."
ياسمين رمقته بنظرة غضب مكبوت، ويحيى سلم على جده وعلى سماح وقعد قدامهم، وسماح بصت لياسمين بتوتر وقالت:
"اقعدي يا حبيبتي افطري."
ياسمين كانت مستغربة إن يحيى وجدها بيتعاملوا عادي ومحدش منهم علق على اللي حصل!
ردت ياسمين بتوتر:
"لا يا ماما أنا مش جعانة."
أحمد قام وقف وقال بحماس:
"أنا جاهز عشان نروح المدرسة."
ياسمين هزت راسها وبدأت تحس بتوتر وخوف غريب جواها! يمكن لو كان جدها اتكلم معاها وعاتبها، أو يحيى اتعصب عليها كانت هتحس إن كل حاجة طبيعية.
خرجت من بيت جدها هي وأخوها أحمد، وركبوا العربية مع السواق اللي كان مستنيهم عشان يوصلهم المدرسة. كانت شاردة وبتفكر في رد فعلهم الغريب!
جوه في بيت جدها.
سماح اتوترت من نظرات الحاج الشرقاوي ويحيى. كانت حاسة إنهم مش ناوين على خير.
يحيى فطر بسرعة وخرج عشان يروح الشركة.
سماح بصت للحاج الشرقاوي وقالت بخوف:
"حاج شرقاوي... أنت مش هتأذي ياسمين بنتي صح؟ هي ما كانتش تقصد تعمل اللي عملته ده. بس هي اتخضت لما عرفت عن شغلكم الحقيقي."
الحاج الشرقاوي بص لها بغموض وقام من غير ما يرد عليها. قلبها دق بخوف واتأكدت إنهم مش ناوين على خير فعلاً.
في المدرسة.
وصلت ياسمين المدرسة ودخلت أوضة المكتب اللي بتقعد فيها. كانت شاردة، وجواها دوشة مش راضية تهدى.
دخلت شيرين فجأة، وبصوتها المرح قالت:
"الجميل قاعد لوحده زعلان ليه؟"
ياسمين ابتسمت ابتسامة هادية، بس فاضية من جوا، وقالت:
"زهقانة من قلة الشغل."
شيرين ضحكت، ضحكة خفيفة مليانة طاقة وقالت:
"يا بختك. ناس زهقانة من قلة الشغل وناس طالع عينيها من كتره! هقولك إيه؟ أرزاق."
ضحكت ياسمين معاها مجاملة، بس بسرعة رجعت لنفس الشرود، وعنيها تاني بقت مش هنا.
شيرين بصتلها بنظرة فيها شوية خبث، وقالت بنبرة مرحة:
"العيون الشاردة دي شكلها بتفكر في حد شاغلهم... قولي بقى وفضفضي!"
رفعت ياسمين عينيها وبصتلها، ولسانها كان هيبدأ يحكي، كان في كلام على طرف الشفايف، بس فجأة كتمته. كأن قلبها رجع يحذرها.
قالت وهي بتحاول تهرب من السؤال:
"حد مين اللي شاغلني؟ لا طبعاً... مفيش الكلام ده!"
شيرين قربت شوية وقالت بفضول حقيقي:
"مش عليا الكلام ده. إحنا بنات زي بعض وبنفهم بعض من نظرة العين. قولي، وأنا هسمعك."
ياسمين حست بشيء مش مريح في شيرين. معرفتش تفسره، بس قلبها قالها "لأ".
هزت راسها وقالت بنبرة فيها هروب:
"صدقيني، مفيش حاجة. خلينا نتكلم عنك بقى... أنا تقريباً ما اعرفش عنك حاجة!"
شيرين ابتسمت ابتسامة فيها توتر واضح، وقالت:
"أنا افتكرت إن عندي حصة دلوقتي. هقوم بقى، ونكمل كلامنا بعدين."
ياسمين هزت راسها من غير أي اهتمام، وفضلت قاعدة مكانها.
شيرين خرجت من أوضة المكتب، ومشيت خطوتين... وبصت حواليها بسرعة. طلعت موبايلها واتصلت على رقم، ووقفت تستنى الرد.
في شركة الشرقاوي.
كان يحيى وصل الشركة وقاعد على مكتب رئيس مجلس الإدارة، ووشه مركز جداً، عينه بتتحرك بسرعة على الورق، وقلمه بيوقع بخط واثق.
السكرتيرة واقفة جنبه، بتحاول تلفت نظره بحركاتها، بتتمايل وهو ولا كأنه واخد باله... أو يمكن واخد، بس مش فارق معاه.
رن الموبايل اللي قدامه، عينه راحت على الشاشة. قبل ما يمد إيده، السكرتيرة بصت وسألت بنعومة فيها خبث:
"ومين شيرين دي كمان اللي بتتصل عليك؟"
بصلها بحدة، وشاورلها بإيده تسكت.
رد على المكالمة، ونبرته كانت جامدة:
"أيوه."
صوت شيرين جه متوتر:
"ألوو... يحيى باشا، أنا قعدت معاها، وحاولت أوقعها بالكلام زي ما حضرتك قولتلي، بس مفيش... ما نطقش بكلمة."
عنيه بقت سودة، وبص قدامه كأنه بيشوف ياسمين، مش المكتب.
قال ببرود سخيف فيه تهديد:
"شكلك مش قد المهمة اللي كلفتك بيها. خسارة فيكِ الوظيفة... والمرتب اللي ما كنتيش تحلمي بيهم!"
شيرين ردت بسرعة، وصوتها بدأ يرتعش:
"والله يا باشا عملت كل حاجة طلبتها مني من أول ما اتعرفت عليها... دخلت عليها بالطريقة اللي حضرتك قولتلي عليها، بس هي غريبة قوي... مش مفهومة! وشكلها معقدة."
صوت يحيى اتغير فجأة، وتعصب بشكل انفجاري، خبط بإيده على المكتب لدرجة إن القلم وقع:
"مين دي اللي معقدة يا روح أمك!؟ نسيتي نفسك ولا إيه!؟ أوعي تكوني صدقتي إنك أستاذة بجد! أنا اللي جبتك ونضفتك من الشارع، وشغلتك في مدرسة ما كنتيش تحلمي تعدي من قدامها، كل ده عشان تقربي من ياسمين هانم وتعرفي كل حاجة عنها وتبلغيني... بس شكلك مش نافعة في أي حاجة!"
صوت شيرين بقى ضعيف وهي بتحاول تلحق نفسها:
"في إيه يا باشا؟ أنا مش قصدي حاجة والله..."
لكن يحيى قفل المكالمة قبل ما تكمل، ورمى الموبايل على المكتب بعنف، صدره بيطلع وينزل من الغضب، بيزفر بقوة، وكل ملامحه مشدودة.
السكرتيرة قربت منه، ومدت إيديها على كتفه بحركة مساج ناعمة وقالت بصوت مغري:
"مين دي اللي عصبتك كده؟ روق... أجيب لك حاجة تشربها؟"
بص لها بعيون نارية، وزعق فيها بصوت جاف مفاجئ:
"غوري من قدامي دلوقتي! مش عايز أشوف حد!"
السكرتيرة اتفزعت، وخدت بعضها وخرجت بسرعة من المكتب، ومشيت بخطوات سريعة من كتر الخوف.
أما يحيى، فكان بيغلي من جواه. ليه مش قادر يدخل دماغ ياسمين؟ ليه قلبها بعيد؟ ليه عنيدة معاه بالشكل ده! هو عايز يمتلك كل حاجة فيها... عقلها، قلبها، جسمها... النفس اللي بيخرج منها يكون عارفه.
بس هي دايماً حاطة سد بينها وبينه. عايز يحس إنه في دماغها... على الأقل شاغل تفكيرها... مش عايز يمتلك جسمها بس بورقة جواز... ده عايز يمتلك قلبها اللي هو متأكد إنه مع غيره.
والفكرة دي بتعصبه، بتجننه، وبتكسر غروره... وكان نفسه يثبت العكس، بس مش لاقي باب يدخل منه.
بعد ساعات – في محافظة سوهاج.
الدنيا بدأت تظلم، والنسمة الباردة اللي بتسبق الليل كانت بتلف حوالين البيت الكبير.
خالد ومهاب كانوا وصلوا البلد، والصدمة لسه مرسومة على وشوشهم بعد ما اكتشفوا إن الفرح مش فرح أخو معتصم، زي ما كانوا فاكرين... لا، ده فرح معتصم نفسه!
ولما قعدوا معاه في الأوضة عشان يفهموا، حكا لهم القصة كاملة. إزاي كل حاجة اتقلبت، وإزاي أبوه فجأة قرر إنه هو اللي لازم يتجوز زينة بنت عمته بدل أخوه... عشان "الستر وسمعة العيلة".
مهاب كان بيضحك بصوت عالي، والضحك ملوش نهاية عنده:
"بقى إحنا جايين كل الطريق ده عشان نحضر فرح أخوك... يطلع فرحك أنت؟ طب كنت قولي عشان ألبس البدلة اللي عاينها لفرحك!"
معتصم بصله بنظرة فيها غضب مكتوم، وقال وهو موجه كلامه لخالد:
"سكت الواد ده... أنا مش طايق نفسي دلوقتي!"
مهاب ضحك تاني، وهو بيحاول يلطف الجو:
"روق كده يا عريس... دي الليلة ليلتك يا عم!"
وانفجر في الضحك تاني، كأن كل اللي بيحصل مجرد نكتة.
خالد بص له بنظرة فيها غيظ واضح وقال:
"خلاص بقى يا مهاب... بطل رخامة، الموضوع مش مستحمل هزار."
وبص لمعتصم، وصوته كان جد أكتر:
"وأنت؟ هتعمل إيه دلوقتي؟ هتتجوزها فعلاً؟"
معتصم سكت لحظة، عينه نزلت على الأرض، واتنهد تنهيدة تقيلة، كأن فيها عمره كله:
"ما عنديش حل تاني... أبويا قال لي 'سمعة العيلة وكرامتنا في إيدك'. وما قدرتش اعترض على كلامه."
مهاب هز راسه، وقال وهو بيضحك ببساطة:
"وأنت إيه اللي وقفك بس لما كنت هتخبطها بالعربية... أهو وجودها معاك في عربيتك في وقت زي ده هو اللي لبسكم أنت وهي التلبيسة دي."
خالد اتنهد وهو بيبص بعيد وبيفتكر أول لقاء بينه وبين ياسمين وقال:
"محدش عارف النصيب فين... ممكن لحظة في حياتك تغير كل حاجة."
معتصم لاحظ الضيق في وش خالد، بص له وسأله بنبرة فيها اهتمام:
"وأنت مالك يا خالد؟ شكلك متضايق... اتدبست في جوازة أنت كمان ولا إيه؟"
قبل ما خالد يرد، مهاب قال بسرعة وهو بيضحك:
"الباشا اتسحبت منه قضية الشرقاوي اللي كان ماسكها."
معتصم اتفاجئ:
"إزاي؟ ده عمرها ما حصلت! أنت دايماً بتكمل شغلك للآخر!"
خالد قال بضيق:
"البركة في جدي... راح المديرية بنفسه وطلب يسحبوا القضية مني عشان ما يزعلش خالتي."
معتصم قال بتفهم:
"هو موقف وحش... بس أرحم من التدبيسة اللي أنا فيها دي!"
ضحك مهاب من تاني وقال:
"بصراحة... أنت في موقف محدش يتمناه لنفسه."
بس يعني، بسيطة... تتجوزها وتشوف الدنيا ماشية إزاي، لو ما ظبطتش... تطلقها وخلاص!
معتصم بصله بغيظ حقيقي: لأ يا عم مهاب، الدنيا عندنا مش بسيطة كده! دي بنت عمتي، وأبويا مستحيل يوافق إني أطلقها.
فجأة الباب خبط، ومعاه صوت زغاريد عالية من برّه،
وصوت نسائي بيقول بفرحة: يلا يا عريس، المأذون وصل!
مهاب ضحك وقال: خلاص، مفيش مفر! المأذون بيدق على الباب.
خالد بص لمعتصم، وصوته كان هادي وقال بنبرة جادة: محدش يعرف النصيب فين يا معتصم... يمكن تكون هي البنت اللي ربنا كاتبها ليك، وأكيد كل اللي حصل ده بترتيب ربنا.
مهاب قال بنفس الروح المرحة: فعلاً... محدش عارف هيقابل نصيبه فين!
وبص لخالد بابتسامة وقال: يعني مثلًا... ممكن تكون في مهمة، وتطلعلك بنت على الطريق، وتهربوا سوا، ومن بعدها تقلب حياتك!
خالد بص له بغيظ واضح وقال لمعتصم: هو انت كان لازم تعزم الكائن ده؟
مهاب رد بسرعة: دا أنا هشهد على كتب الكتاب كمان، وهشرفك يا عريس اطمن.
خالد رجع بص لمعتصم وقال: ربنا يستر، والفرح يكمل على خير.
في أوضة العروسة:
كانت زينة واقفة قدام المرايا بفستان فرحها الأبيض، الفستان اللي حلمت بيه من وهي صغيرة، بس النهاردة كان تقيل على قلبها.
وشها حزين، وعينيها فيها نظرة تايهة.
قلبها بيدق بخوف، ودموعها محبوسة بالعافية.
مكانتش تتخيل أبدًا إن يوم فرحها يبقى كده...
المفروض تكون أسعد واحدة، ده اليوم اللي دعت من قلبها سنين عشان يتحقق حلمها وتتجوز معتصم،
بس مش قادرة تفرح...
يمكن عشان الجوازة دي مش بالشكل اللي كانت بتحلم بيه،
يمكن لأنها جات غصب مش اختيار.
الباب اتفتح فجأة، ودخلت زينب وهي بتزغرط بصوت عالي،
ضحكة مزيفة على وشها، وسعادة باينة إنها متعمدة تفرّجها لزينة.
الزغاريد ملّت الأوضة، وكل البنات خرجوا وسابوهم لوحدهم.
زينب قربت منها، وقالت وهي بتضحك: ألف مبروك يا عروسة... المأذون وصل تحت، والشهود هيطلعوا ورايا ياخدوا رأيك.
زينة ما ردتش،
بصتلها في المرايا، وعينيها بتلمع بغضب وسكوتها كان بيصرخ.
زينب قربت أكتر، وقفت وراها، وبصت لانعكاسهم في المرايا، وقالت بنبرة فيها تحدي: شكلك بيقول إنك زعلانة مني...
مع إن أنا اللي ساعدتك تتجوزي اللي قلبك رايده!
زينة لفت لها وبصتلها بحدة،
كلامها طلع من قلبها: عمري ما اتمنيت أتجوزه بالطريقة دي!
زينب ردت بسخرية وهي بتتحرك قدامها، بتحاول تخبي ألمها بالبرود: مش مهم الطريقة... المهم إن جوزي مش هيكون لحد غيري.
زينة رفعت حواجبها بدهشة، وقالت: وانتي فاكرة إنه مش هيفكر يتجوز تاني؟
أنا مش آخر بنت في الدنيا...
هيلاقي ألف غيري يتجوزها.
ردت زينب بعناد، وعنيها فيها نار: حتى لو لقى مليون... برضه هلاقي الطريقة اللي أبوظ بيها الجوازة!
زينة قربت منها، مستغربة: طب وليه من الأول؟
ما تقوليله إنك رافضة إنه يتجوز عليكي وخلاص!
زينب سكتت ثواني، وبعدين ردت...
صوتها اتكسر، والدموع بدأت تلمع في عنيها: ما أنا لو قلتله إني رافضة...
هيطلقني، ويتجوز برضه.
ممدوح قلبه متعلق بالعيال، ونفسه يخلف، ومش هيصبر عليا أكتر من كده.
قعدت على طرف السرير، وكملت وهي بتحاول تتحكم في نفسها: لو اعترضت... هيشوفني أنانية، ويرميني في الشارع، ويتجوز، ويخلف،
وأنا؟
أعيش منبوذة، لوحدي...
سكتت لحظة، وبعدين قالت بحسرة دفينة: إنتي متعرفيش إحساس الست لما تحس إنها مش قادرة تسعد جوزها...
ولا إحساس النقص اللي بيكبر كل يوم في عنيه وهو بيبصلك... كأنك السبب في حرمانه.
وبصت لها وقالت بمرارة: الراجل لما يعرف إن مراته مبتخلفش... أول حاجة بيفكر فيها إنه يتجوز تاني، والكل يشجعه ويقوله "ده حقك".
لكن لو هو اللي مبيخلفش؟
ولو الست نطقت وقالت عايزة عيال؟
هيقولوا مش أصيلة، وسايبه جوزها عشان الخلفه!"
زينة كانت واقفة، ما بين الحزن والتعاطف والغضب...
مش عارفة ترد، ولا تحدد إحساسها ناحيتها.
زينب لما حست إنها بينت ضعفها، قامت بسرعة،
مسحت دموعها بأيدها، ورفعت راسها، وقالت بنبرة دفاع: أنا مش وحشة يا زينة...
أنا بحب جوزي، ومش عايزة حد يشاركني فيه.
وساعدتك تتجوزي اللي بتحبيه...
يعني المفروض تشكريني، مش تزعلي مني.
زينة بصتلها...
ما ردتش.
عدت عليهم لحظات مليانه توتر وسكوت.
وفجأة دخلت أم زينة،
صوتها جاي بهدوء: الشهود طالعين، هيسألوكي عن رأيك يا بنتي...
زينة بصت في المرايا، وسكتت.
طلعوا الشهود وسمعوا موافقتها.
بعد دقايق قليلة.. الزغاريد رجت البيت.
وكل اللي في البيت فرحانين إن كتب الكتاب تم.
بعد كتب الكتاب:
في الصالة الكبيرة...
المكان مليان ناس، أصوات الزغاريد، وضحك، وتهاني، والكل بيبارك للعريس.
بس معتصم واقف مش قادر يبتسم، ولا حتى يرد على الكلام حواليه.
كان لابس الجلابية الصعيدي وعلى كتفه شال أبيض، وشه متوتر.
كان متضايق من نظرات الاتهام اللي شايفها في عيون كل أفراد عيلته، خصوصًا أخوه اللي رفض يحضر كتب الكتاب. ومعتصم كان مقهور على علاقته بأخوه اللي تدمرت بسبب زينه.
بعد وقت قليل الناس مشيت وخالد ومهاب سلموا عليه ومشيو هما كمان.
قرب منه ابوه وقال: مبروك يا عريس.. عروستك فوق مستنياك.
معتصم رد بسرعة، وبصوت فيه رفض واضح: مش هينفع أبات هنا يا أبويا، أنا لازم أرجع عشان شغلي، لأني واخد أجازة يوم واحد بس.
أبوه بصله بصرامة وقال: بس مش هترجع لوحدك… مراتك هتيجي معاك...
رواية منعطف خطر الفصل الثلاثون 30 - بقلم ملك ابراهيم
مبروك يا عريس.. عروستك فوق مستنياك.
معتصم رد بسرعة، وبصوت فيه رفض واضح: مش هينفع أبات هنا يا أبويا، أنا لازم أرجع عشان شغلي، لأني واخد أجازة يوم واحد بس.
أبوه بص له بصرامة وقال: بس مش هترجع لوحدك… مراتك هتيجي معاك.
معتصم بدهشة: تيجي معايا فين؟!
رد أبوه: تيجي تعيش معاك في شقتك هناك زي أي واحدة ما بتعيش مع جوزها في المكان اللي هو عايش فيه.. زينة دلوقتي مراتك ومش هينفع تعيش هنا لوحدها بعد اللي حصل.
معتصم حاول يتكلم، كان عايز يشرح لأبوه إن مفيش حاجة حصلت وكل اللي فاهمينه غلط، وإن مفيش حاجة بينه وبين زينة. بس مفيش فايدة. أبوه ما ادّلوش حتى فرصة يبرر أو يدافع عن نفسه، وقطع كلامه بصرامة قاطعة:
- مراتك فوق مستنياك في أوضتك.. هتاخدها معاك بشنطة هدومها، والموضوع ده هيتقفل نهائي.
كأن الكلام وقع على صدره زي صخرة. اتنهد معتصم بتعب، عينيه اتملت بخيبة الأمل.. الإحباط كان واضح عليه، مفيش حد عايز يسمعه أو يصدق اللي بيقوله.. نظرات الاتهام في عيونهم كانت بتوجعه.
أبوه خلص كلامه وخرج من البيت.
معتصم قعد مكانه وهو بيفكر، مش قادر يقرر أو حتى يستوعب اللي بيحصل:
إزاي هياخدها تعيش معاه وهي عمرها ما خرجت من البلد ولا عاشت بعيد عن أهلها؟
إزاي هيتحمل مسؤوليتها وهو مش متعود يشيل مسؤولية حد معاه!
دايما غرقان في شغله ومطمن إنه عايش لوحده ومفيش حد يشغله ويخاف عليه..
مواعيد شغله مش ثابتة، أوقات بيغيب يوم واتنين من غير ما يرجع بيته.
إزاي هيسيبها لوحدها في مدينة متعرفش فيها حد ويكون مطمن عليها وهو في شغله.
كل حاجة في حياته اتلخبطت فجأة وهو مش مستعد لكل ده!
لكن خلاص، القرار اتاخد. أبوه حسم الموقف ومفيش أمل يغيّر رأيه أو حتى يسمع دفاعه عن نفسه.
حط إيديه على وشه بتعب من كتر التفكير.
في اللحظة دي،
عمته زهيرة أم زينة قربت منه بهدوء لما شافته قاعد لوحده. وقفت قدامه وقالت بابتسامة فيها دفء:
- قاعد لوحدك ليه يا معتصم؟ مش تطلع لعروستك بقى يا بني؟
معتصم اتفاجئ بكلامها، حس بالحرج ومكنش عارف يرد.
قعدت جنبه، ونبرتها كانت أهدى، أحن: أنا عارفة إنك زعلان من اللي حصل.. وزعل أخوك ممدوح مأثر فيك، بس بكرة يروق ويهدا، وهيفهم إنكوا مالكوش غير بعض.
معتصم اكتفى بهزة راسه وابتسامة حزينة، كلامها وجعه أكتر، لكنه فضل ساكت.
هي مدت إيديها، حطتها على إيده بحنان، ونظرتها كانت كلها رجاء:
- أنا جاية أوصيك على زينة يا معتصم.. زينة بنتي الوحيدة اللي طلعت بيها من الدنيا. أنت عارف إن أبوها مات وهي لسه صغيرة، كان عمرها خمس سنين. عاشت في بيت جدها وعمها اللي عمرها ما شافت منهم غير الجفا والقسوة.
لحد ما أبوك فتح لنا بيته وعشنا هنا.
زينة بنتي طيبة، ومش هتزعلك أنا متأكدة..
عايزاك أنت تخلي بالك منها، وتحطها في عنيك.
معتصم بصّ لها، وصوته كان هادي لكنه حاسم:
- متقلقيش يا عمتي.. زينة في عنيا.
ابتسمت، وابتسامتها فيها ارتياح وامتنان، وقامت بحماس وهي بتقول:
- طب قوم يلا، اطلع لعروستك، هي مستنياك في أوضتك، وأنا جهزتلكم العشا وطلّعته.
معتصم قام وقال بنبرة عملية:
- أنا هطلع أغير، ونجهز أنا وزينة، عشان هاخدها معايا وأسافر على شغلي.. أنا ماخدتش غير يوم واحد أجازة، ولازم أرجع بكرة.
عمته سكتت لحظة، وبعدين قالت بنبرة فيها حزن: أبوك هو اللي طلب منك تاخد زينة معاك.. أنا عارفة كل حاجة يا معتصم، وأبوك معاه حق.
زينة ما ينفعش تقعد هنا بعد اللي حصل.
خلي بالك منها يا معتصم.. زينة أمانة عندك، وأنا واثقة إنك قدها، وهتحافظ على أمانة عمتك.
معتصم ابتسم ابتسامة صغيرة، فيها طمأنينة، وسابها وطلع على أوضته.
خبط على الباب خبطتين، وفتحه بهدوء قبل ما يدخل.
كانت زينة قاعدة على طرف السرير، لابسة فستان الفرح الأبيض اللي زاد ملامحها براءة ورهبة.
خوفها كان واضح في عينيها، وتوترها كان واضح في رعشة إيديها وهي ماسكه في أطراف الفستان بإيدين بترتعش.
كانت خايفة ومتوترة من المواجهة بينهم..
يمكن دي المرة الأولى اللي يجمعها مكان هي ومعتصم مع بعض..
كانت دايما بتشوفه من بعيد..
قلبها اتعلق بيه من وهي صغيرة وكان هو دايما فارس أحلامها اللي بتتمناه..
لما كبرت وجت عاشت في بيت خالها..
كانت زيارات معتصم قليلة جدا عشان شغله في القاهرة..
ولما كان بيجي زيارة.. كانت هي بتختفي عن الأنظار طول فترة أجازته وتراقبه بس من بعيد..
مع كل مرة كانت بتشوفه كان قلبها بيتعلق بيه أكتر..
مش قادرة تصدق إن هي وهو دلوقتي مع بعض في أوضة واحدة ومقفول عليهم باب..
لما فتح الباب ودخل.. حست إن جسمها كله اتجمد وقلبها كان هيقف من شدة التوتر والخوف..
صوت خطواته وهو بيقرب منها.. كانت بتخطف أنفاسها.
معتصم وقف قدامها، مش عارف يبدأ منين.
هو كمان كان متوتر، مش مرتاح.
مشاعره ملخبطة جواه... غضب وحيرة.
مش قادر يفهم... ليه عملت كده؟ ليه قالت إن في علاقة حب بينهم؟!
اتنهد، وصوته خرج أخيرًا بجمود واضح:
- أنا لازم أرجع النهاردة عشان شغلي... جهزي نفسك، هتيجي معايا.
هزت راسها بالموافقة، من غير ما تنطق بكلمة.
وشها كان في الأرض، وعيونها مش قادرة تواجه عيونه!
بص لها وهو منتظر ردها ويسمع صوتها،
كانت في قمة ضعفها وبراءتها... جميلة ورقيقة جدًا..
كان عايز يقولها كلام كتير بس الكلام بيهرب منه..
شعور غريب ومختلف حاسس بيه!
في بنت دلوقتي شايلة اسمه ومسؤولة منه.
مبقاش لوحده زي الأول.
متلخبط وحاسس إنه محتاج وقت عشان يستوعب إنه اتجوز وإنها بقت مراته!
بخطوات سريعة اتحرك من قدامها، دخل الحمام يغير هدومه.
زينة أخيرًا قدرت تتنفس... وكأن الروح رجعت لجسمها.
كانت بترتعش، ومش مصدقة اللي بيحصل.
هو اتكلم معاها! هي هتسافر معاه وتعيش في بيته!
لسه مش قادرة ترفع عينيها وتواجهه.
فيه كلام كتير محتاج يتقال... بس إزاي؟
إزاي تشرح له إن اللي حصل كله كان بسبب زينب مرات ممدوح؟ وإنها مالهاش ذنب؟!
قامت بسرعة تحاول تخلع فستانها قبل ما يخرج من الحمام.
حاولت تفتح السحاب من الضهر... لكن فشلت.
وقفت محتارة... الحل الوحيد إنه يساعدها.
لكن... تطلب ده إزاي؟!
إزاي تطلب حاجة زي كده من معتصم؟!
قعدت على السرير في حيرة، قلبها بيدق بسرعة.
بعد لحظات، خرج معتصم وهو جاهز.
بص لها، لقاها لسه قاعدة بالفستان.
قال بضيق ونبرة صوته فيها عصبية:
- هو أنتي لسه قاعدة بالفستان؟ مستنية إيه؟
بلعت ريقها بتوتر، وقالت بصوت واطي، من غير ما ترفع وشها: أنا... مش عارفة أخلع الفستان لوحدي.
زفر بحدة، وقال بانفعال: آه ابتدينا بقى... مش عارفة تلبسي لوحدك، ومش عارفة تاكلي لوحدك... أصل أنا متجوز طفلة عشان أربيها؟!
عيون زينة لمعت بالدموع، وقفت بسرعة، وبصت له أخيرًا.
نظرتها كانت كلها وجع وكرامة مكسورة.
زينة: على فكرة أنا مش طفلة! أنا بطلب مساعدتك عادي. ولو مش عايز، خلاص، هطلع أشوف حد يساعدني.
ولما بدأت تتحرك من قدامه، فجأة مد إيده وشدها من دراعها قربها منه.
جسمها اتكهرب، وعيونها اتقابلت مع عيونه.
حط إيده على خصرها، وبص لها بتركيز:
- هتطلعي تشوفي حد يساعدك إزاي؟
ارتبكت وهي واقفة بين إيديه، دقات قلبها كانت أعلى من أي صوت في الأوضة.
ده معتصم... اللي طول عمرها بتحلم إن عيونه بس تشوفها... دلوقتي شايفها، وبيتكلم معاها، ولمست إيده حاساها على جسمها.
هو حس برعشتها، وشاف التوهة في عيونها.
سحرها خطفه، وسكت لحظة.
قالت بصوت متقطع:
- عايزة حد يساعدني أفتح السوستة بتاع الفستان.
هز راسه، وقال بهدوء: بس كده؟
هزت راسها بـ"آه".
ابتسم وقال: أنا خلاص فتحتها.
بصت له بذهول، وحطت إيديها على ضهرها...
فعلاً! السوستة مفتوحة!
مش عارفة إمتى عمل كده... ولا إزاي وهي حتى ما حستش!
كانت هتموت من الكسوف، رفعت الفستان بإيديها، وجريت على الحمام.
معتصم فضل واقف مكانه، ابتسامة خفيفة على وشه.
حاسس بحاجة غريبة بتجذبه ليها...
برائتها، ورقتها، وجرأتها لما بتحتاج تدافع عن نفسها.
كان ممكن يستسلم للمشاعر دي... بس وقف نفسه..
مش هينفع يا معتصم.. فوق.
اتكلم بصوت عالي شوية، عشان تسمعه من جوه:
- أنا هنزل أجهز العربية لحد ما تلبسي وتنزلي.
مستناش يسمع ردها وخرج من الأوضة.
في الحمام، كانت زينة واقفة قدام المراية، إيديها على قلبها.
إزاي هتعيش معاه؟
إزاي هتشوفه كل يوم؟
صوته، قربه، لمسته... لسه حاساهم.
خلعت الفستان بسرعة، خدت شاور دافي، ولبست ملابس الخروج.
خدت شنطتها في إيدها... ونزلت.
بعد ساعات في الطريق.
جوه العربية، السكون كان مخيم...
كل واحد فيهم غرقان في أفكاره،
معتصم سايق وعينيه على الطريق،
وزينة قاعدة جنبه، ضامة نفسها، مش قادرة ترفع وشها.
وصلوا قدام العمارة اللي فيها شقته، ومعتصم نزل وفتح الباب ليها من غير ما يبص لها،
هي نزلت وراحت ماشية وراه في صمت.
فتح باب الشقة، ودخلوا...
شقة معتصم كانت بسيطة، راجل عايش لوحده، كل حاجة منظمة وباردة، مفيهاش روح بيت.
دخل وقفل الباب، وقال بجفاف: الأوضة دي بتاعتي، وأنتي ادخلي الأوضة التانية... على الشمال.
أنا مش عايز مشاكل، فلو احتاجتي حاجة قوليلي... بس غير كده كل واحد في حاله.
زينة هزت راسها من غير ما تتكلم، ودخلت الأوضة التانية،
قلبها واجعها، بس عارفة إنها مش في موقف يخليها تشتكي...
وأول ما قفلت الباب وراها، دموعها نزلت من غير صوت.
في أوضة معتصم...
كان واقف قدام الشباك، بيدخن سيجارة،
كل شوية ياخد نفس عميق ويفكر،
حاسس إنه مخنوق، وإن الدنيا كلها ضغطت عليه،
بس جوه قلبه فيه صوت ضعيف بيقوله:
"بس هي يمكن مش قصدها تأذيك فعلاً، يمكن فعلاً الظروف هي اللي لعبت بيكم والنصيب جمعكم..."
قعد على السرير، ودفن وشه في كفه، وقال لنفسه بصوت خافت: أنا هاتجنن.
في أوضة زينة...
كانت قاعدة على طرف السرير، ماسكة طرحتها بإيدها،
وعينيها على الباب...
مش خايفة منه، بس خايفة من اللي جاي،
من اللي ممكن يحصل، من الوحدة اللي دخلت فيها، ومن قلبها اللي بيحبه.
سمعت صوت خطواته في الصالة،
قلبها دق، بس الصوت عدى وراح...
اتمددت على السرير وهي لابسة هدومها،
وحطت إيدها تحت خدها...
ودموعها نزلت على الوسادة.
صباح يوم جديد.
في بيت الشرقاوي.
ياسمين نزلت من أوضتها وهي بتدور على تليفونها ومش لاقياه في أوضتها.
كان جدها قاعد بيفطر وأحمد قاعد جنبه ومامتها قاعدة ساكتة كالعادة.
ياسمين قرّبت منهم واتكلمت بقلق: أنا مش لاقية الموبايل بتاعي في أوضتي! هو في حد دخل أخده وأنا نايمة؟
جدها مردش، ومامتها قالت بدهشة: ومين اللي هياخد التليفون بتاعك يا ياسمين؟
وبصّت للحاج شرقاوي بتوتر، وبصّت لأحمد ابنها وسألته: أنت خدت تليفون أختك يا أحمد؟
رد أحمد بصدق: لا يا ماما أنا ماخدتش حاجة.
يحيى قرّب منهم وعلى وشه ابتسامة باردة وقال: صباح الخير.
ياسمين بصّت له بغضب مكتوم وقالت: أنا هطلع أدور عليه في أوضتي تاني.
وطلعت ياسمين بخطوات سريعة وهي هتتجنن ومش عارفة إزاي الموبايل بتاعها اختفى من أوضتها.
يحيى بص لأحمد وقاله: يلا يا أحمد عشان أوصلك المدرسة النهاردة.
سماح بحركة عفوية وتلقائية حطّت إيديها على ابنها وقالت بقلق: هتوصله المدرسة ليه النهاردة؟ هو بيروح مع أخته.
رد عليها الحاج شرقاوي: ياسمين مش هتروح المدرسة النهاردة.. أنا عايز أتكلم معاها في موضوع.
وبص لأحمد وقاله: قوم يا أحمد مع ابن عمك وروح معاه.
أحمد قام وقف وخرج مع يحيى.
سماح كانت حاسة وكأن قلبها بيتخلع من مكانه ومش مرتاحة لخروج ابنها مع يحيى.
الحاج شرقاوي قام وقف وقالها: أنا هدخل أُقعد في مكتبي شوية.. بعد ساعة هاتي بنتك وتعالوا عشان عايز أتكلم معاكم في حاجة مهمة.
سماح هزت راسها بتوتر وخوف.
أول لما دخل أوضة مكتبه، قامت سماح بسرعة وطلعت عند ياسمين.
كانت ياسمين لسه في أوضتها عمالة تدور على تليفونها ومش لاقياه وهتتجنن ومش فاهمة إزاي اختفى فجأة.
عند خالد في القسم.
كان ماسك تليفونه وبيحاول الاتصال على ياسمين عشان يطمن عليها وتليفونها مقفول.
كان قلقان عليها ومش عارف يوصلها إزاي!
قرر يروح يستناها قدام المدرسة ويشوفها.
راح فعلًا المدرسة وعرف إنها ماجتش المدرسة النهاردة ولا هي ولا أحمد أخوها!
بعد ساعة في بيت الشرقاوي.
دخلت ياسمين أوضة مكتب جدها مع مامتها.
كان واضح عليهم التوتر وجدها قاعد بثبات وبرود.
اتكلمت ياسمين بدهشة: خير يا جدي؟ ماما قالت لي إن حضرتك عايزنا في موضوع مهم؟
جدها بص لها بعمق وقال بثبات: أنا عايزك تجهزي نفسك يا ياسمين.. فرحك أنتِ ويحيى ابن عمك بعد يومين من النهاردة.
ياسمين حست إن الكلام عدّى على سمعها لكن وقف عند استيعابها!!
هزت دماغها بعدم فهم وقالت: فرح مين؟
رد جدها ببرود: أنتِ ويحيى.
مامتها شهقت بصدمة وياسمين انتفضت من مكانها وقالت بغضب: دا مستحيل يحصل.
جدها كان قاعد بيبصلها ببرود ومردش.
تليفونه رن ورد عليه بهدوء.
الحاج شرقاوي: أيوه يا يحيى.... الطيارة طلعت دلوقتي؟... طب كويس... أهم حاجة اطمنت عليه............. ماشي يا يحيى...... لما يوصل بالسلامة ابقى طمني.
ياسمين ومامتها بصوا لبعض بصدمة وسماح قلبها حس إن الكلام ده عن ابنها.. سألت الحاج شرقاوي بترقب: هو أحمد ابني فين؟.. هو يحيى وصله المدرسة؟
رد الحاج شرقاوي ببرود: لا.. يحيى وصله المطار.. أحمد سافر أمريكا عند عمه ومرات عمه هناك.
سماح صرخت بصدمة وياسمين زعقت بذهول وجنون: يعني إيه أحمد سافر لوحده!! أنتوا عملتوا إيه في أخويا؟؟
رد جدها بصرامة: صوتك مايعلاش يا بنت... أخوكي سافر مع واحد من أخلص رجالتي وهيوصله بنفسه لإيد عمه في أمريكا وهناك مرات عمه وبنت عمه هيرعوه هناك لحد ما أنتِ تعقلي وتسمعي الكلام.
سماح صرخت بانهيار: رجّعلي ابني أبوس إيدك يا حاج شرقاوي.. أنا ماليش غير عيالي ماتحرمنيش منهم.
ياسمين كانت حاسة بنار في قلبها وهي شايفة أمها في الحالة دي وجمود جدها وجبروته.. دموعها نزلت بعجز وهي سامعة جدها بيرد على أمها.
الحاج شرقاوي: رجوع أحمد متوقف على موافقة ياسمين على جوازها من ابن عمها.. ولما أتأكد إنها عقلت ومش هتعمل مشاكل.. أنا بنفسي هرجع أحمد هنا تاني.. إنما لو بنتك فضلت بعنادها ده.. أحمد هيعيش في أمريكا مع عمه وهيكمل تعليمه هناك.. وأنتوا مش هتشوفوه تاني.
سماح بصّت لبنتها برجاء وهي بتبكي.
دموع ياسمين نزلت بعجز وقالت: أنا موافقة أنفذ كل اللي أنتوا عايزينه.. بس أخويا يرجع هنا تاني.
جدها ابتسم بثقة وقال: يبقى تجهزي نفسك.
الفرح بعد يومين من النهاردة.. أنا خلاص عزمت الناس.. وهعملكم فرح ما اتعملش في البلد قبل كده..
وبص لسماح وقالها: خليكي جنب بنتك وعقليها.. دا لو عايزة تشوفي ابنك تاني.
ياسمين خرجت من مكتب جدها وطلعت تجري على أوضتها وهي بتبكي.
سماح وقفت قدامه وقالت بغضب وهي منهارة: كان عنده حق يحيى ابنك لما بعدنا عنك.. حسبي الله ونعم الوكيل.
في المساء.
خالد كان راجع بيته وهو مشغول على ياسمين.
تليفونها مقفول من الصبح وما راحتش المدرسة ولا أخوها!
دخل بيته وكان جده وخالته وكارما موجودين وقاعدين مع مامته.
سمع خالته بتقول بغضب: يعني إيه يا بابا نروح نحضر فرح بنت الست اللي جوزي كان بيخوني معاها!! هو الشرقاوي فاكر لما يجوز البنت دي ليحيى يبقى إحنا كده هنقبل بالأمر الواقع.
رد اللواء وحيد: الشرقاوي كلمني وعزمنا على الفرح وطلب مني إن كارما تحضر.. والبنت دي هتبقى في بيته بصفتها مرات يحيى.
خالد حس إن قلبه هيقف من الصدمة وقرب منهم بخطوات تقيلة وسألهم بدهشة: فرح مين؟
ردت كارما: فرح يحيى ابن عمي.. هيتجوز البنت اللي المفروض إنها أختي.
خالد اتصدم واتجمد مكانه.