تحميل رواية «منعطف خطر» PDF
بقلم ملك ابراهيم
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
راجعة من الشغل متبهدلة وتعبانة وشايفة حياتها كلها بتتلخص في سؤال واحد: هاكل إيه دلوقتي؟ قررت تقف عند كشك جنب بيتها تشتري حاجة خفيفة، بس واضح إن حتى طلب الزبادي مش هيعدي على خير. "لو سمحت." رد صاحب الكشك بحماس أكتر من اللازم: "عايزة إيه يا عروسة؟" البنت اتجمدت مكانها: "عروسة؟ إنت عرفت منين؟!" ضحك وقال وهو بيقلب في الحاجات المعروضة قدامه: "يا بنتي دي تحية رسمية، بقولها لأي بنت تيجي تشتري مني!" "ماشي يا عم الحاج، اديني علبة زبادي وكيكة كبيرة عشان ماما ناوية تخليني أنام من غير عشا النهاردة." صاحب ال...
رواية منعطف خطر الفصل الحادي والثلاثون 31 - بقلم ملك ابراهيم
الشرقاوي كلمني وعزمنا على الفرح وطلب مني إن كارما تحضر.. والبنت دي هتبقى في بيته بصفتها مرات يحيى.
خالد حس إن قلبه هيقف من الصدمة وقرب منهم بخطوات ثقيلة وسألهم بدهشة: فرح مين؟!
ردت كارما: فرح يحيى ابن عمي.. هيتجوز البنت اللي المفروض إنها أختي.
خالد اتصدم واتجمد مكانه... همس بصوت مسموع: ياسمين؟!
كلهم بصوا لخالد بدهشة، وجده اللواء وحيد كان متابع صدمته بغموض.
خالد وقف لحظات بيحاول يستوعب اللي سمعه ومش قادر يصدق إن ده حقيقي!
اتحرك بخطوات سريعة وخرج من البيت من غير ما يتكلم.
مامته اتوترت من رد فعل ابنها الغريب وخالته سألت بدهشة: هو خالد راح فين؟ ليه مشي بسرعة كده من غير ما يقول حاجة!
رد اللواء وحيد وهو بيبص قدامه بشرود: يمكن عنده شغل.
وبص لكارما وقالها: المهم دلوقتي يا كارما.. جهزي نفسك عشان هتحضري فرح ابن عمك.
عبير مامت كارما اتكلمت بعصبية: مستحيل يا بابا. أنا مش موافقة إن بنتي تدخل بيت الشرقاوي طول ما الست دي وولادها هناك.
رد عليها اللواء وحيد بثقة: موضوع الست دي اتقفل خلاص يا عبير.. الشرقاوي قالي إنه سفر ابنها عند عمه في أمريكا، وهيجوز البنت ليحيى.. والست دي هيخرجها من بيته بس بعد ما يحيى يتجوز بنتها وتبقى تحت سيطرتهم..
يعني كل اللي انتي عايزاه حصل.
في بيت الشرقاوي، في وقت متأخر من الليل.
كانت ياسمين لسه قاعدة على طرف السرير، ملامحها باهتة، ودموعها بتنزل في صمت موجع.
النهاردة عرفت قد إيه هي ضعيفة قدام جدها ويحيى...
انكسرت من أول مواجهة، مفيش عندها فرصة تقاوم.
كانت ماسكة صورها مع أخوها، عينيها بتغرق في ملامحه اللي وحشتها، بتحاول تطمن قلبها إنه بخير.
بينها وبينه دلوقتي بلاد وبحور...
صعب توصله، وصعب ترجعه.
مفيش طريق غير إنها تنفذ اللي جدها بيطلبه...
حتى لو الثمن كان كسر قلبها.
كل ما تتخيل نفسها عروسة ليحيى، بتحس إن قلبها بيقف من كتر الألم...
إزاي ده هيحصل؟ إزاي الدنيا خذلتها بالشكل ده؟
قطع شرودها صوت دق خفيف على باب الأوضة.
رفعت راسها بتعب، وصوتها طالع مبحوح:
مين؟
قامت تمشي بخطوات بطيئة وفتحت الباب...
ولقته قدامها.
يحيى واقف، بنفس الابتسامة الباردة اللي بتحسها خالية من أي مشاعر.
قال بسخرية ناعمة: خبطت على الباب المرة دي... عشان ما تزعليش.
مسحت دموعها بإيدها بسرعة، وقالت بغضب: عايز إيه يا يحيى؟
رد وهو بيبصلها بنظرة فيها شيء من التلذذ بحالتها المنكسرة: جاي أطمنك... أخوكي الحمد لله وصل أمريكا بالسلامة.
ومتقلقيش، أهلي هناك هيهتموا بيه لحد ما نعمل الفرح.
وممكن كمان نقضي شهر العسل هناك...
تشوفيه بنفسك، وتطمني عليه.
كلامه دخل زي السم في قلبها، وعيونها اشتعلت بالغضب.
بصتله وقالت بحدة: هتوافق تتجوز واحدة مش عايزاك؟
واحدة مجبورة تتجوزك عشان أخوها؟!
كأن كلمتها ضربت كبرياءه في مقتل...
وشه اتشد، ونظراته اتغيرت.
قرب منها فجأة، ومد إيده، مسك دراعها بعنف.
ضغط بقسوة، وقربها منه وهو بيقول بصوت مشحون بالغضب: وأنا كمان مش عايزك!
بس مجبر أتجوزك عشان جدي.
حاولت تبعده، ودفعت صدره بضعف واضح، وهي بتتألم من قوة قبضته على دراعها:
ابعد إيدك عني!
دموعها نزلت من غير استئذان، وصوتها اتكسر وهي بتصرخ فيه: أنا بكرهك يا يحيى... بكرهك.
قرب منها وجذبها من شعرها وهو بيصرخ فيها بجنون: بتكرهيني أنا وبتحبي حضرة الظابط صح؟.. هو فيه إيه أحسن مني عشان تحبيه هو.
صرخت ياسمين وهو بيضغط على شعرها بقوة: أنا مش بحب حد ابعد عني.
في اللحظة دي، خرجت سماح من أوضتها على صوت صرخة بنتها المليانة وجع.
قلبها انتفض من مكانه أول ما شافت يحيى ماسك ياسمين بعنف، وإيده مشدودة على شعرها.
قربت منهم بسرعة وهي بتصرخ بكل ما فيها:
ابعد عن بنتي ملكش دعوة بيها!
وحاولت تفك بنتها من بين إيديه، لكنه دفعها بعيد عنه بقسوة سريعة، لدرجة إنها تهادت ووقعت على الأرض.
وعينه رجعت لياسمين، وصرخ فيها بجنون وهو بيشد شعرها: فاكرة نفسك مين عشان ترفضي جوازنا؟!
ياسمين صرخت من الألم، لكن كل ده اتحول لصرخة تانية لما شافت أمها واقعة، وإيديها على صدرها، وعينيها مفتوحة على وسعها ومابتتحركش.
ماماااااااااا!!
دفعت يحيى بكل قوتها، جرت عليها، وقعدت على الأرض جنبها وهي بتصرخ:
قومي يا ماما... بالله عليكي قومي!
في اللحظة دي، كان الحاج شرقاوي طالع من أوضة مكتبه على صوت الهلع اللي مالي البيت.
شاور بإيده للخدم يجيبوا الدكتور فورًا، ووقف يتفرج على المشهد قدامه من غير ما يرمش:
حفيده واقف متعصب، وياسمين منهارة على الأرض، وسماح ساكنة... مفيش نفس، مفيش حركة.
بعد شوية، الدكتور وصل.
ياسمين واقفة على جنب، عيونها متثبتة على أمها، ودموعها بتنزل بغزارة وهي مش قادرة تنطق.
الدكتور قعد جنب سماح، بدأ يكشف، لكن ما كانش فيه حاجة تنقذها.
بعد دقيقة صمت خانقة، رفع الغطا وغطى بيه وشها.
سكت كل اللي في الأوضة، إلا قلب ياسمين اللي بدأ يضرب بجنون.
قربت منه، صوتها بيرتجف:
ليه غطيت وشها؟ ماما مش هتعرف تتنفس كده! شيل الغطا عنها، هي لسه صاحية بس تعبانة شوية...
وبصت له برجاء:
هتتنقل للمستشفى دلوقتي صح؟ هتلحقوها صح يا دكتور؟
الدكتور رد بصوت هادي وموجوع:
أنا آسف يا آنسة... والدتك كانت مريضة قلب... واللي حصل ده سكتة مفاجئة... البقاء لله.
لحظة سكون قاتل...
وبعدها طلعت من ياسمين صرخة شقت سكون البيت، قبل ما تقع على الأرض فاقدة الوعي.
تاني يوم – في المستشفى.
كانت ياسمين نايمة على السرير، عينيها مفتوحة ومثبتة في سقف الغرفة، والدموع بتنزل منها من غير صوت.
مفيش حركة، مفيش رد... كأنها انفصلت عن العالم.
برا الغرفة
الحاج شرقاوي قاعد على الكرسي، متكئ على عكازه، جنب يحيى اللي عينيه شاردة.
قال الحاج بصوت هادي لكنه حاد:
ساكت ليه؟ عاجبك الحالة اللي وصلت ليها بنت عمك؟!
أنا مش فاهم انت كنت بتعمل إيه فوق عندها في ساعة زي دي، وإزاي تمد إيدك عليها؟
يحيى اتنهد بضيق:
هي اللي استفزتني بكلامها، خلتني أفقد أعصابي... أنا كنت هعرف منين إن كل ده هيحصل؟
وأمها هي اللي ما استحملتش!
أنا ما كنتش أعرف إن قلبها تعبان كده!
رد عليه جده بنظرة باردة: موت أمها مش فارق معايا كتير...
أنا كنت بفكر في طريقة أبعدها عن حياتنا بعد ما تتجوز ياسمين.
أهي جت من عند ربنا وماتت... الله يرحمها.. المهم عندي دلوقتي إن حالة ياسمين تتحسن عشان نكتب عليها ونقفل الموضوع ده خالص.
سأله يحيى بدهشة: وهي ياسمين هتوافق اتجوزها بعد اللي حصل؟
رد جده بثقة: هتوافق غصب عنها.. ما تنساش إن أخوها لسه نقطة ضعفها اللي نقدر نضغط عليها بيها.
يحيى بصله وقال بصوت هادي بس وراه قلق:
يعني كل حاجة زي ما هي وهتجوز ياسمين؟
الحاج شرقاوي هز راسه بتصميم:
كل حاجة زي ما هي.. كام يوم بس تفوق من صدمتها في موت أمها وأنا هجوزهالك.
يحيى هز راسه باتفاق مع كلام جده وقال: ماشي يا جدي.. نستنى كام يوم مش مشكلة.
جده قام وقف وقاله بتحذير: أنا هرجع البيت أرتاح شوية.. ما تدخلش عليها الأوضة دلوقتي خالص يا يحيى.. هي محتاجة وقت تستوعب اللي حصل.. وبكرة أو بعده بالكتير هنرجعها البيت.
يحيى هز راسه بتفهم وسكت.
في شقة مهاب.
فتح الباب بسرعة لمعتصم اللي دخل بخطوات سريعة وعلى وشه علامات القلق:
في إيه يا مهاب؟
رد مهاب وهو بيقفل الباب:
خالد عايز يروح المستشفى عند ياسمين بعد ما عرف إن أمها ماتت وإنها اتنقلت المستشفى...
وابن عمها ورجالة جدها مالين المستشفى هناك... لو راح واتشابك معاهم هتحصل كارثة.
معتصم دخل وبص لخالد، اللي كان قاعد على الكرسي بيهز رجله بعصبية، وعينه فيها نار مكبوتة.
قرب منه وسأله بهدوء:
في إيه يا خالد؟ من إمتى وإحنا بنجري ورا مشاعرنا؟
دي مستشفى، والمكان هناك حساس جدًا، مش هينفع تروح وتسبب مشكلة.
خالد قام واقف، وصوته علي:
هو أنتوا ليه مش حاسين بيا؟!
ياسمين تليفونها اتقفل فجأة، وبعدين عرفت إنها هتتجوز ابن عمها اللي الكل عارف إنه مجرم!
وتاني يوم... أمها تموت وهي تدخل المستشفى!!
إزاي بعد ده كله ومش عايزني أروح أشوفها؟!
مهاب قال بثبات:
وهتشوفها بصفتك إيه؟
ده ابن عمها مجنون ومسلح برجالة جدها، تفتكر هيعديها كده؟
ولا هتدخل تتخانق معاه جوه المستشفى؟ وتتحول لقضية؟
خالد قال بعصبية:
أنا هدخل وأشوفها بأي طريقة... ومفيش حد هيمنعني.
معتصم سكت لحظة، وبص قدامه وكأنه بيرتب أفكاره: مهاب معاه حق يا خالد.. إحنا لازم نلاقي طريقة تانية تطمنك عليها من غير ما تروح وتعمل مشكلة مع ابن عمها.
رد خالد بغضب وجنون: طريقة إيه يا معتصم.. مفيش طريقة غير إن أنا أروح أشوفها واللي يحصل يحصل.
معتصم اتكلم بهدوء: اهدى يا خالد، على الأقل عشانها هي. أي مشكلة هتعملها هناك ممكن تعرض حياتها وحياة الناس اللي في المستشفى للخطر. أنا فكرت في طريقة ممكن تطمنك عليها وتعرفنا إيه اللي بيحصل معاها بالظبط.
خالد ركز معاه باهتمام، فقال معتصم:
أنا هاخد زينة ونروح المستشفى، وأخليها تدخل تقول إنها صحبتها وجاية تزورها، وتتكلم معاها وتفهم منها إيه اللي حصل.
مهاب سأل بتعجب: زينة مين؟
معتصم رد تلقائي: زينة مراتي.
مهاب ضحك وقال: ما أنا عارف، بس كنت حابب أسمعها منك.
معتصم بص له بضيق: تصدق إنك تافه ومعندكش دم؟
مهاب ضحك أكتر: بهزر معاك يا عم، الخطة تمام وأنا موافق. إنت رأيك إيه يا خالد؟
خالد كان واقف، قلبه مش مطمن، بس العقل بيقوله يستنى عشان ما يعرضش حياتها لأي خطر.
قال بصوت غاضب: موافق.
معتصم قام من مكانه:
خلاص أنا هتحرك دلوقتي، هاخد زينة وأوصلها المستشفى، وهفهمها كل حاجة في الطريق.
مهاب قال وهو بيضحك: ما تقول مراتي على طول ولا أنت مكسوف مننا؟
معتصم بصله بحدة: طب ابعد عن وشي بدل ما أدخلك المستشفى ونيجي نزورك هناك.
خرج معتصم وهو متغاظ من مهاب.
مهاب بص لخالد وقاله: معتصم بقى عصبي أوي بعد ما اتجوز، شوفت الجواز بيعمل فينا إيه؟
خالد بص له بغضب وقال: عارف أنا هعمل فيك إيه لو ما سكتش دلوقتي؟
مهاب قلق وقال: أنا بقول أدخل أحضر حاجة ناكلها أحسن.
واتحرك مهاب من قدام خالد بسرعة.
خالد بص قدامه بشرود وهو بيفكر في ياسمين ونفسه يطمن عليها بجد.
بعد ساعة قدام المستشفى.
معتصم كان قاعد في عربيته، عينيه على باب المستشفى، وزينة جنبه، متوترة، وعينيها بتتهرب من عينه.
بص لها معتصم بهدوء، وصوته خرج ناعم لكن جواه قلق واضح: فهمتي يا زينة هتعملي إيه؟
هزت راسها بخفة وردت بصوت ناعم فيه شوية رجفة: فهمت، ما تقلقش.
فضل ساكت لحظة، وبعدين بص لها بعمق كأنه بيحاول يطمنها ويطمن قلبه عليها:
لو حسيتي بأي قلق، أو أي حد ضايقك جوه، اتصلي بيا فورًا، هتلاقيني قدامك.
زينة اكتفت بهزة بسيطة من راسها، كان فيها كلام كتير، ونزلت من العربية بخطوات مترددة.
معتصم فضل يراقبها وهي بتبعد، قلبه بيخبط في صدره بسرعة، كان حاسس بإحساس غريب، مزيج بين القلق والحب.
من ساعة ما طلب منها تساعده في مشكلة خالد وياسمين، وافقت من غير تردد، ولما حكى لها اللي حصل مع ياسمين عن موت والدتها المفاجئ اتعاطفت من قلبها.
اللحظة دي عرف قد إيه قلبها طيب وحنون.
...
دخلت زينة المستشفى، قلبها بيدق، سألت عن غرفة "ياسمين يحيى الشرقاوي".
الممرضة أخدتها وفضلت ماشية جنبها لحد ما وصلوا للطابق المطلوب.
قدام الغرفة، كان يحيى قاعد، ملامحه مش واضحة، بس عينيه فيها حاجة مش مريحة.
أول ما شافها، وقف ووقفته كانت حادة، ونظرته فاحصة وهو بيسأل بجمود: خير؟ حضرتك عايزة مين؟
زينة بلعت ريقها وردت بتوتر واضح: أنا صاحبة ياسمين، وعرفت اللي حصل، وجيت أطمن عليها.
نظرته فضلت غامضة، وصوته طلع بارد كأنها دخيلة على مكان مش من حقها تدخله: بس للأسف، ياسمين تعبانة والدكتور مانع الزيارة.
زينة حاولت تسيطر على توترها، وردت بنبرة هادية فيها إصرار: أنا مش هتعبها في الكلام، بس عايزة أطمن إنها بخير.
يحيى سكت لحظة، باصص لها بتفكير، في لحظة خطر في باله إنها ممكن تكون الفرصة اللي يستغلها علشان يتأكد إذا كانت ياسمين فعلًا فقدت النطق ولا لأ.
هز راسه وفتح لها الطريق:
تمام، اتفضلي شوفيها.
زينة دخلت بخطوات مترددة، وكل حواسها متحفزة، قلبها مش مرتاح لنظراته ولا لهدوئه اللي كان يخوف.
فتحت الباب ببطء، ولما دخلت، وقفت لحظة.
قدامها بنت في نفس سنها تقريبًا، نايمة على السرير، ملامحها مرهقة، بشرتها شاحبة، وعيونها باين عليها إنها بكت كتير، كتير أوي.
الهدوء في الغرفة كان تقيل، كأنه بيحكي حكاية ما بين الوجع والسكوت.
قربت زينة من السرير بخطوات بطيئة مترددة، وكل خطوة كانت تقيلة كأنها شايلة هم الدنيا.
ياسمين كانت فاتحة عينيها، نظرتها متجمدة في السقف، وكأنها مش موجودة في المكان، روحها في عالم تاني، بعيد.
وقفت زينة قدامها، وقالت بصوت هادي وحنون:
إزيك يا ياسمين؟
ما فيش رد.
السكوت كان خانق، وزينة حست بتوتر بدأ يزحف لقلبها، فعرفت نفسها بسرعة، يمكن تكسر بيه الحاجز:
أنا زينة، مرات معتصم، صاحب خالد.
مجرد ما خرج اسم "خالد" من بقها، عيون ياسمين اتحركت فجأة، وبصت لزينة.
في نظرتها كان في حزن غارق، ودموع ساكنة نزلت في صمت، كأن قلبها هو اللي بيبكي مش عينيها.
حست زينة بقلبها بيتقطع، وقالت بصوت فيه رعشة:
خالد قلقان عليكي، وعايز يطمن إنك بخير.
لكن ياسمين فضلت ساكتة.
زينة قربت أكتر، وقعدت جنبها على طرف السرير، بإيدين مرتعشة مسكت إيد ياسمين.
كانت الإيد باردة، هزيلة، فيها وجع ما لوش صوت.
بصت لها زينة والدموع بتنزل من عينيها على الحالة الصعبة قدامها، وقالت بحزن:
طب، إنتي حاسة بإيه؟
ساعتها دموع ياسمين زادت، وبدأت تهتز وهي بتحط إيدها على صدرها، وبصوت ضعيف خرج كأنه بيتقطع من جواها:
حاسة بنار هنا، وجع جامد، عمري ما حسيته في حياتي.
الوجع اللي في صوتها خلى زينة تنهار في البكاء، وقالت وهي بتحاول تمسك نفسها:
معلش، الوجع ده هيخف، بس إنتي لازم تجمدي، لازم تقومي تاني عشان الناس اللي بيحبوكي.
بس ياسمين هزت راسها بـ"لا" ضعيفة، وقالت بصوت مبحوح فيه كسر:
ما بقاش في حياتي ناس بيحبوني، خلاص، أنا اتحرمت منهم ومش هشوفهم تاني.
الكلمات دي خبطت في قلب زينة بقسوة، وخلتها تبكي أكتر، مش قادرة ترد، مش عارفة تقول إيه يواسيها أو يرجع لها الأمل.
وفجأة دخل الدكتور ومعاه الممرضة، يبصوا على حالة ياسمين.
طلب من زينة تخرج علشان الكشف، ووقفت زينة بتتردد.
لكن في اللحظة دي، عيون ياسمين اتعلقت بعيونها.
نظرة غريبة، فيها ألف كلمة، كأن بينهم معرفة قديمة، كأنهم مش أغراب عن بعض.
زينة خرجت من الأوضة وقلبها بيصرخ، والدموع مغرقة وشها.
ولما طلعت، شافها يحيى، استغرب من شكلها، بس فهم إنها قريبة لياسمين، ومجروحة من حالتها.
قرب منها وسأل بنبرة فيها ترقب:
ياسمين اتكلمت معاكي؟
زينة ما قدرتش تتكلم، بس هزت راسها بـ"لا" وهي بتبكي، ومشيت بخطوات سريعة كأنها بتجري من الوجع اللي شافته.
كان معتصم واقف قدام عربيته، عينه ما فارقتش باب المستشفى، قلبه قلقان وكل دقيقة بتعدي كانت بتطول في نظره.
فجأة لمح زينة خارجة بسرعة، ووشها غرقان دموع، بتجري عليه بخطوات مرتبكة.
اتجمد لحظة من الصدمة، وبعدين قلبه اتخلع من مكانه وجري ناحيتها بسرعة.
قبل ما يلحق حتى يسأل، كانت رمت نفسها في حضنه بعفوية، دموعها بتغرق صدره، وبكاءها بيقطع القلب.
حضنها معتصم بقوة، إيده بتطمنها وصوته كله قلق:
إيه اللي حصل؟ حد ضايقك جوه؟
ردت بصوت مكسور من كتر البكاء:
حالتها صعبة أوي، ما قدرتش أشوفها كده، صعبت عليا.
حس بيها، حس بكل حرف نطقته، شدها لحضنه أكتر كأنه بيحاول يحميها من كل وجع شافته.
طب اهدي، تعالي نرجع العربية.
فتح لها الباب بهدوء، وهي ركبت وهي لسه بتبكي زي طفلة، الدموع بتنزل من غير توقف، وكانت حاسة إن روحها بتنزف معاها.
ركب جنبها، وقلبه وجعه من منظرها، وبص لها بنظرة كلها خوف واهتمام:
اهدي يا زينة، وفهميني، هي قالتلك إيه بالظبط؟
مسحت دموعها بإيدها المرتعشة، وردت ببكاء باين فيه العجز: قالتلي إن قلبها بيوجعها، نار جواها، وحالتها صعبة، ومقهورة على موت أمها.
سكت معتصم، وعينه اتثبتت قدامه، كأنه بيحاول يستوعب كل حاجة.
زينة كملت كلامها، وفي صوتها قلق واضح:
وفي واحد واقف قدام أوضتها، شكله مش مريح خالص، تقريبًا ابن عمها اللي قولتلي عليه، وكان بيمنع أي حد يدخل عندها.
معتصم هز راسه بتأكيد، وقال بهدوء وفي صوته نبرة أسف: طب اهدي يا زينة، وأنا آسف إني حطيتك في موقف زي ده.
لكن زينة بصت له وهي بتعيط، وعيونها فيها صدق حقيقي: بالعكس، هي صعبت عليا أوي، ونفسي أعمل أي حاجة تساعدها تخرج من اللي هي فيه.
بص معتصم قدامه، وقال بنبرة فيها أمل وعزم:
هتخرج، إن شاء الله هتخرج.
شغل العربية، وبدأ يتحرك بهدوء، وباله مشغول بالتفكير في كلام زينة عن حالة ياسمين.
وصل زينة البيت وبعد ما وصلها، رجع على طول لخالد، علشان يحكي له اللي حصل ويفكروا مع بعض في طريقة ينقذوا بيها ياسمين من الضلمة اللي وقعت فيها.
الساعة اتنين بعد نص الليل.
سكون تقيل كان مخيم على المستشفى، ما بيتكسرش غير بصوت أجهزة الرعاية.
في غرفتها، كانت ياسمين نايمة تحت تأثير المهدئات والأدوية الثقيلة اللي بيكتبوها علشان "يريحوها".
ملامحها هادية، بس ملامح الوجع ما فارقتهاش.. كأنها بتحلم بكوابيس مش قادرة تصحي منها.
بره أوضتها، كان واقف اتنين من رجالة الحاج شرقاوي، ثابتين في مكانهم، عيونهم بتتحرك في كل اتجاه، حذرين، ومركزين.
وفي الجناح المجاور، كان يحيى حجز غرفة مخصوص علشان يفضل قريب منها، وقال إنها "للراحة"، لكنه في الحقيقة كان بيحرص يفضل مسيطر.
وفجأة.. ظلام.
الكهربا انقطعت فجأة عن المستشفى كلها.
صوت الأجهزة فصل، والنور اختفى، والمكان كله غرق في عتمة خانقة.
وفي اللحظة دي بالظبط، دخلوا.
اتنين ملثمين، خطواتهم سريعة وواثقة، مفيش تردد فيها ولا ارتباك.
واضح إنهم عارفين الطريق.. والهدف.
واحد منهم طلع من جيبه بخاخ مخدر، وثبت الاتنين اللي واقفين قدام أوضة ياسمين في ثواني، ووقعوا من غير صوت.
والتاني دخل الأوضة بهدوء، بص بسرعة على البنت اللي نايمة، شالها بحذر، وخرج بيها كأنها ورقة في الهوا.
مفيش صوت، مفيش مقاومة، مفيش أي علامة على فوضى.
دقيقتين بس.. وكانت العملية انتهت.
خرجوا من باب الطوارئ وركبوا عربية كانت مستنياهم ولفت بسرعة في الشارع المظلم، كأنها بتجري تسرق لحظة من الزمن.
وبعد ثواني، رجعت الكهربا.
رجع النور فجأة، والممرضين والناس بقوا يتحركوا بقلق وارتباك.. كله بيسأل:
"إيه اللي حصل؟!"
"في حد فصل الكهربا؟"
"اللي في الدور التاني شاف حاجة؟"
وفي وسط اللخبطة والدوشة دي، يحيى فتح باب أوضته بسرعة، وشه مرسوم عليه توتر غريب.
خرج وشاف المنظر اللي خبط قلبه..
رجالة جده الاتنين واقعين على الأرض، فاقدين الوعي.
وقف مكانه لحظة، والنار ولعت في قلبه..
فهم إن في حاجة خطيرة حصلت، بس لسه ما يعرفش حجمها.
رواية منعطف خطر الفصل الثاني والثلاثون 32 - بقلم ملك ابراهيم
في وسط اللخبطة والدوشة، يحيى فتح باب أوضته بسرعة، وشه مرسوم عليه توتر غريب.
خرج وشاف المنظر اللي خبط قلبه.
رجالة جده الاتنين واقعين على الأرض، فاقدين الوعي.
وقف مكانه لحظة، والنار ولعت في قلبه.
فهم إن في حاجة خطيرة حصلت، بس لسه ما يعرفش حجمها.
اتحرك يحيى بجنون ناحية أوضة ياسمين، فتح الباب بعنف،
وعينه اتسعت من الصدمة...
السرير فاضي.
مفيش أي أثر لياسمين.
فضل واقف لحظة، عينيه بتتحرك بجنون في كل ركن، قلبه بيدق بسرعة، كأن الأرض بتتهز تحته.
مفيش أي صوت غير صوت نَفَسه المتقطع، ووشه كان مرسوم عليه ملامح صدمة قاتلة.
وفجأة، صرخ بأعلى صوته، صرخة خلت كل اللي في المستشفى يلتفتوا حواليهم من الخوف:
– فين أمن المستشفى دي؟ فرغوا الكاميرات!
......
في شقة معتصم،
كانت الدنيا هادية، والأنوار خافتة، كأن المكان كله بيحاول يطمن ياسمين وهي نايمة على السرير، ملامحها مرهقة، لكن أنفاسها هادية.
جنبها، كانت زينة قاعدة تراقبها بقلق واضح.
بدأت عيون ياسمين تفتح ببطء، نظرتها ضايعة، تعبانة، كأنها طالعة من حلم تقيل.
أول ما شافت زينة، ابتسامة صغيرة ارتسمت على وش زينة، وملامحها بقت أرق وأهدى.
– حمدلله على السلامة. انتي كويسة؟
قالت زينة برقة، وصوتها فيه حنان صادق.
نظرة ياسمين كانت ساكنة، لكنها غريبة...
راحتها زادت أول ما شافت وش زينة، حست براحة مكانتش متوقعة تحسها.
هزت راسها بـ "آه"، وبدأت تبص حواليها باستغراب.
– هو أنا فين؟
نطقت الكلمة بصوت متعب، وكل ملامحها بتسأل قبل لسانها.
زينة ابتسمت بهدوء، وقالت:
– خالد خرجك من المستشفى. هو ومعتصم ومهاب.
اتسعت عيون ياسمين بدهشة، وحاولت تقوم، بس كانت ضعيفة.
رفعت نفسها بصعوبة، وهي بتبص حوالين الأوضة بخوف، ونبرة صوتها مليانة أسئلة:
– خالد خرجني من المستشفى؟! إزاي؟! وامتى؟! وأنا فين هنا؟!
زينة قربت منها، وبصوت ناعم فيه طمأنينة، قالت:
– دي شقة معتصم، وأنا مراته وعايشة معاه هنا.
وخالد لما عرف انك تعبانة كان هيتجنن عليكي. هو اللي قرر يخرجك ويجيبك هنا علشان تكوني بأمان.
نظرة ياسمين بدأت تتغير، القلق بان في عيونها، لكن جواها لمحة خفيفة من ارتياح.
فضلت ساكتة لحظة، وبعدين زينة قالت بهدوء:
– خالد برا مع معتصم. لو حابة تشوفيه عشان تطمني، أندههولك.
هزت ياسمين راسها بـ "أيوه"، والدموع لمعت في عينيها، بس ما نزلتش.
قامت زينة تقف، وقالت بابتسامة رقيقة:
– ثواني وهقوله إنك عايزة تشوفيه.
لكن ياسمين وقفتها بصوت ضعيف، فيه رجاء واضح:
– وارجعي تاني معاه...
ابتسمت زينة بإحساس دافي وقالت بلطف:
– حاضر.
في الصالة،
كان معتصم قاعد جنب مهاب، بيتكلموا بصوت هادي، ولسه في وشوشهم آثار التوتر اللي سبق لحظات التنفيذ.
نجاح خطتهم في دخول المستشفى وخروجهم بياسمين في أقل من دقيقتين كان أشبه بالمستحيل، لكنهم عملوها.
ومع كل فخر مهاب وهو بيحكي التفاصيل،
كان خالد قاعد ساكت...
جسمه معاهم، لكن روحه وعقله وعيونه رايحة كلها ناحية الأوضة اللي فيها ياسمين.
قلبه بيصرخ من الوجع، وكل اللي عايزه يشوفها بخير... يشوفها مرتاحة.
زينة دخلت عليهم، خطواتها هادية وصوتها رقيق وهي بتقول:
– ياسمين فاقت. وعايزة تشوفك يا خالد.
خالد قام فورًا، كأنه كان مستني اللحظة دي من ساعة،
وقال بلهفة واضحة:
– هي كويسة؟!
زينة هزت راسها بابتسامة طمنت قلبه شوية، وقالت:
– كويسة الحمد لله. بس أول ما فاقت، اتوترت، كانت فاكرة نفسها لسه في المستشفى، فقلقت.
معتصم قال بنبرة عقلانية وهو بيحاول يخفف التوتر:
– طبيعي تبقى قلقانة. من ساعة كانت في أوضة مستشفى، وفجأة تلاقي نفسها في مكان تاني. محتاجة تطمن بس.
خالد بص لزينة بعينين مليانين قلق وأمل وقال:
– هدخلها.
زينة مشيت جنبه لحد باب الأوضة،
ودخلوا سوا.
كانت ياسمين قاعدة على السرير، جسمها ساكن لكن عيونها كانت شاردة، نظراتها فاضية، مفيش فيها أي حياة.
أول ما دخل خالد، حس قلبه بينقبض من منظرها.
كانت مكسورة بزيادة... كأن الدنيا كلها اتجمعت وجت عليها لوحدها.
قرب منها بخطوات بطيئة، كل خطوة فيها خوف ووجع،
وزينة وقفت عند الباب تراقب المشهد في صمت.
نظرات ياسمين اتحركت ببطء...
ولما اتقابلت عيونها مع عيون خالد،
دموعها نزلت في هدوء، بس الوجع اللي فيها كان أعلى من كل الصرخات.
دمعتها نزلت تحرق خدها... وتحرق قلبه قبل أي شيء.
قرب أكتر، وصوته كان مكسور وهو بيقول برجاء:
– بلاش دموعك دي يا ياسمين، عشان خاطري. مش قادر أشوفك كده.
ردت بصوت ضعيف، مبحوح،
فيه نبرة استسلام موجعة:
– كسروني يا خالد.
حرقوا قلبي على أمي وأخويا في يوم واحد.
أنا طلعت أضعف من اللي كنت فاكراه... طلعت ضعيفة آوي قدامهم.
خالد قرب أكتر، مسك إيديها بين إيديه وقال بإصرار:
– لا يا ياسمين، انتي مش ضعيفة.
هما بس اللي وحوش.
بس أقسم لك… هيدفعوا التمن غالي…
بحق كل دمعة نزلت من عينك، مش هسيب حقك يضيع.
وأحمد…
هجبلك أحمد، حتى لو كانوا سفروه آخر الدنيا… هرجعه لك، بوعدك.
نظرت له ياسمين بنظرة ضايعة، مليانة خوف، وعيونها بتلمع بخوف طفلة فقدت كل أمان في الدنيا:
- هيجبروني أتجوز يحيى…
قالولي لو رفضت، مش هشوف أحمد تاني.
وسكتت لحظة،
وبعدين بصت له مباشرة وقالت بصوت مخنوق:
- أحمد هو اللي باقي لي في الدنيا…
لو متجوزتش يحيى، هيحرموني منه.
هما فعلًا أخطر مما كنت متخيلة، خالد.
أنا مش قدهم…
أنا مش هستحمل يحرموني منه زي ما حرموني من أمي.
انهارت ياسمين في البكاء، وانكسر صوتها برجاء موجع وهي بتقول:
- رجعني ليهم تاني يا خالد… لو اتجوزت يحيى، هيخليني أشوف أحمد… هو وعدني.
خالد بص لها بصدمة، وسألها بصوت مبحوح من الغضب:
- إنتي بتقولي إيه؟ ترجعي ليهم؟ بعد كل اللي عملوه فيكي؟
وعايزة تتجوزي المجرم ده؟!
صوت خالد علي، والنار كانت طالعة من قلبه قبل لسانه:
- فاكرة إنك كده هترجعي أخوكي؟ دول مجرمين يا ياسمين… ملهمش كلمة!
هيضحكوا عليكي، وبعدها تبقي تحت سيطرتهم للأبد!
ياسمين بكت أكتر، وجسمها كان بيرتعش من الخوف والضغط.
زينه دخلت بسرعة، وحاولت تهدي خالد بنبرة هادية:
- أهدى يا خالد… هي تعبانة ومش مستحملة عصبيتك دلوقتي.
لحظات ودخل معتصم ومهاب، وقربوا من خالد، وكان باين عليهم القلق.
معتصم بصله وقال:
- تعالى نطلع نتكلم برا، خليها تهدى شوية.
خالد زعق وهو بيبص لياسمين ودموعه محبوسة:
- دي هتجنني يا معتصم!
أنا كنت بموت في كل لحظة وهي بين أيديهم… والنهاردة، بعد ما طلعناها من جحيمهم،
تيجي تقولي عايزة ترجعلهم؟ وتتجوز يحيى كمان؟!
زينه قعدت جنب ياسمين، وحاوطتها بذراعها بحنان.
وخالد بص لياسمين وقال بصوت حازم، مليان تحذير وألم:
- اللي في دماغك مش هيحصل يا ياسمين…
أنا مش هسيبك تضيعي نفسك.
يحيى مجرم، ومكانه السجن، وانتي مكانك هنا…
لحد ما أرجعلك أحمد…
فهمتي؟
ياسمين حطت وشها بين إيديها، ودموعها مغرقة وشها.
خالد كان خلاص هينفجر، فمعتصم ومهاب خدوه وخرجوا بيه من الأوضة.
سادت لحظة صمت.
وزينة بصت لياسمين وقالت بصوت ناعم مليان طيبة:
- على فكرة… خالد بيحبك أوي، وكان هيموت من الخوف عليكي بجد.
متزعليش منه.
ردت ياسمين بصوت باكي ومختنق:
- أنا مش زعلانة منه…
أنا خايفة عليه.
جدي ويحيى مجرمين بجد، وأنا مش هستحمل أخسره هو كمان.
أكيد هيعرفوا إنه هو اللي خدني من المستشفى، وهيأذوه في شغله، وفي حياته.
زينه هزت راسها بهدوء وقالت:
- متخافيش… إن شاء الله مفيش حاجة وحشة هتحصل لحد فيكم.
إحنا كلنا جنبك.
ياسمين بصتلها بنظرة حزن وامتنان وقالت:
- شكرًا على كل حاجة بتعمليها عشاني.
زينه ابتسمت لها وقالت بلطف:
- أنا معملتش حاجة.
إحنا كلنا هدفنا نساعدك.
وخالد بيحبك بجد صدقيني.
هو ومعتصم ومهاب خاطروا بحياتهم ومستقبلهم عشان يخرجوكي من المستشفى.
فطبيعي يتوجع لما يسمعك بتطلبي منه إنك ترجعي تاني، وتتجوزي واحد غيره.
سكتت لحظة، وياسمين قالت بصوت منخفض مليان قلق:
- يحيى مش هيسكت…
ده مريض، ومستعد يأذي أي حد عشان يوصل لهدفه.
زينه خدت نفس عميق، وبصتلها بثقة:
- يبقى تسيبي خالد يتصرف معاهم.
ثقتك فيه هي اللي هتقويه ويقدر يواجه أي حد عشانك، حتى لو كان ابن عمك المريض ده.
ياسمين هزت راسها بإيجاب،
وزينة مسكت إيديها برفق، وقالت بابتسامة دافية:
- ومتقلقيش…
إحنا كلنا معاكي،
لحد ما أخوكي يرجع…
ولحد ما تاخدي حقك منهم.
***
في الصالة…
كان خالد واقف في مكانه بعصبية، بيكلم نفسه بجنون وكأنه بيحاول يفهم اللي بيحصل:
- بعد كل ده؟ وعايزة تتجوز يحيى؟ خايفة منه؟ بجد خايفة منه للدرجة دي؟
معتصم بصله وقال بهدوء:
- هي معذورة يا خالد… مهما كانت قوية، دي بنت في الأول وفي الآخر.
في يوم واحد اتكسرت… أمها ماتت، وأخوها اتاخد منها وسافروا بعيد.
الوجع ده ممكن يهد جبل، فما بالك بياسمين؟
خالد اتنفس بصعوبة وقال بعصبية بتزيد:
- كل ما بفكر إنهم عملوا فيها كده، نفسي أروح أخلص عليهم بإيديا.
مهاب تدخل بصوت عقلاني وحازم:
- لازم تهدى وتفكر صح… إزاي تحميها من غير ما تضيع نفسك.
ما تنساش إنك أول حد هيشكوا فيه دلوقتي بعد اختفائها.
معتصم هز راسه وقال بحزم:
- مهاب معاه حق.. وهما لو معرفوش مكانها النهاردة هيعرفوه بكره.. احنا لازم نفكر في حل.. لأنهم أكيد هيتهموك بخطفها.
خالد قال بعناد وغضب:
- أنا مش فارق معايا أي حاجة.. يعملوا اللي يعملوه.
مهاب بصله بحدة وقال:
- لأ، لازم يفرق معاك!
إنت ناسي إنك ظابط؟ ناسي إنك ممكن تتحول من مدافع عن القانون لمتهم؟
مستقبلك هيضيع يا خالد… مش لعبة!
وفي اللحظة دي،
كانت ياسمين خارجة من الأوضة مع زينة،
كانت عايزة تشكرهم على مساعدتهم ليها.
لكن صوت مهاب العالي وصل لأذنها…
وسمعت بوضوح:
"مستقبلك هيضيع يا حضرة الظابط."
عينها اتسعت، وقربت منهم بسرعة، قلبها بيخبط في صدرها.
وقالت بفزع بصوت ضعيف:
- يعني إيه يضيع مستقبله؟
وبصت لخالد بعيون مكسورة وقالت:
- قولتلك… رجعني ليهم.
انت كده بتضر نفسك عشاني.
خالد شد نفسه، وحط إيده على وشه بعصبية، وبعدين قرب منها، اتنفس بعمق بيحاول يمنع غضبه:
- ياسمين… انتي عايزة تجننيني؟
يعني أخدك بإيدي وأرجعك ليهم؟
أقول ليحيى: اتفضل، خد البنت اللي بحبها… اتجوزها بالإجبار عشان أنا خايف على مستقبلي؟
كانت الجملة دي زي طلقة… لما نطق كلمة "بحبها"، قلب ياسمين دق بسرعة،
وبصت له بعينين فيها ألف سؤال وألف دقة قلب.
زينة كانت واقفة وبتبصلهم بابتسامة فيها دفء وتعاطف،
ومعتصم عيونه كانت على زينة، وهو شايف الابتسامة دي على وشها وقلبه بدأ يدق بحبها.
ياسمين عيونها لمعت بالدموع وقالت بصوت بيترعش:
- أنا… أنا خايفة عليك.
مش عايزة أخسرك انت كمان.
دموعها نزلت، وخالد حس بقلبه بيتقطع.
قرب منها أكتر، وبص في عنيها وقال بصوت كله حنان وثقة:
- متخافيش…
هما اللي لازم يخافوا.. أنا مش هتخلى عنك أبدًا.. وهحميكي منهم وهرجعلك أخوكي.. بس بلاش تستسلمي ليهم.. بلاش تطلبي مني تاني إني أرجعك ليهم.. انتي مش هتكوني لحد غيري يا ياسمين.. حتى لو هموت وأنا بدافع عنك.. روحي وعمري كله فداكي.
ياسمين اتأثرت بكلام خالد… عيونها ماقدرتش تبعد عن نظرته اللي كلها حب واحتواء، وكأن الدنيا كلها كانت ساكنة في اللحظة دي.
هزت راسها بالموافقة وهي بتبكي، والدموع كانت بتنزل بس مش من خوف المرة دي… من إحساس بالأمان.
مهاب قطع الصمت بنبرته الجدية - اللي عمرها ما بتستمر أكتر من خمس ثواني - وقال وهو بيعدل وقفته كأنه داخل يلقي خطاب:
- تمام كده… يبقى قدامنا حل واحد بس.
كل العيون اتوجهت له باهتمام، ومع تصاعد التركيز، قلب الجو فجأة بطريقة درامية وهو بيقول:
- في ظل الظروف العصيبة، ومع محاولة خالد ابن الدريني إنه يرجع الحق لأصحابه… لازم برضه ياسمين تمد له إيدها وتساعده يحافظ على مستقبله.
معتصم رفع حاجبه وقال بسخرية:
- وهتساعده إزاي يا وحش الداخلية؟ هتكتب له مذكرة للمباحث تشكره فيها إنه خطفها من المستشفى؟
مهاب مد إيده بحركة مسرحية وقال بفخامة:
- تتجوز خالد وتبقى مراته رسمي.. ويحيى المجنون ابن عمها مش هيقدر يعمل حاجة لأن مفيش راجل بيخطف مراته. وبكده هكون أنا ضحيت ب اتنين من أعز أصحابي وكنت شاهد على جوازهم ودخلتهم بإيدي سجن الزوجية.
زينة غطت ضحكتها بإيدها، ومعتصم بص لمهاب بغيظ مصحوب بابتسامة:
- عارف.. انت صحيح تافه بس أوقات كتير بتطلع منك أفكار حلوة.
بعدين بص لخالد وياسمين وسألهم بجدية أكتر:
- رأيكم إيه في الكلام ده؟
ياسمين كانت محتارة... ملامحها كلها توتر، وعنيها بتدور بين الكل.
خالد قرب منها شوية وقال بنبرة قلق هادي:
- رأيك إيه يا ياسمين؟
ياسمين خدت نفس عميق وقالت بصوت مرتعش:
- مش عارفة... أنا خايفة ومتلخبطة.
مهاب دخل بنبرة جدية فاجأتهم كلهم وقال:
- مفيش حاجة تخوف يا ياسمين.
هتتجوزي خالد بعقد رسمي، وتقعدي هنا مع زينة... محدش هيقدر يقول إنك مخطوفة، ولا هيقدر يمسك بكلمة.
ولما نلاقي أخوكي وتطمني، ساعتها تقرري.
لو شايفة إنك تقدري تستحملي ابن الدريني وعصبيته... كملوا.
لو لا... يبقى تعملي زيي، أنا معرفتش أتحمل خنقة الجواز وطلقت، وعايش دلوقتي مرتاح قدامك أهو مثال حي وبيتنفس.
ضحكت ياسمين وزينة، وكان أول ضحك حقيقي يطلع من ياسمين من زمان.
خالد ومعتصم رمقوا مهاب بنظرات تهديد، وخالد قال:
- هو انت مينفعش تقول كلمتين حلوين للآخر!
رد مهاب بثقة مصطنعة:
- أنا بنصح البنات على فكرة.
وبص لزينة وياسمين وقالهم:
- مفيش حد يستحمل الاتنين دول صدقوني.. بس معلش نصيبكم كده.
زينة قربت من ياسمين وقالت لها بحنية:
- وافقي يا ياسمين ... مفيش حاجة هتتغير، هتكتبي الكتاب بس وتقعدي معايا، وأنا مش هسيبك لحظة.
بصت لها ياسمين بعين فيها طمأنينة لأول مرة من شهور، وقالت بصوت هادي:
- موافقة.
كلمة واحدة، لكن وقعت على قلب خالد كأنها موسيقى...
مستحيل ينسى اللحظة دي. قلبه كان بينط من الفرح، ووشه نور بنظرة مش ممكن تتكرر.
مهاب قطع لحظة السعادة وهو بيبص في ساعة إيده وقال بحماس:
- الساعة بقت 6 الصبح.. هنزل أشوفلكم مأذون يكون راجع من صلاة الفجر وأجيبه في أيدي وأجي.
قالت ياسمين بسرعة، وارتباكها ظاهر:
- بس أنا مش معايا بطاقة... ولا أي إثبات شخصية.
مهاب ابتسم بثقة وقال:
- متقلقيش... أنا عندي ليكي ملف كامل، فيه كل حاجة عنك.
هجهز الورق، وأرجع بالمأذون في أيدي.
ولما خرج، معتصم بص لخالد وقال:
- الواد ده ساعات بينفع على فكرة.
وخالد كان لسه واقف في مكانه، عيونه على ياسمين، وابتسامة فرحة مش قادر يخفيها.
كان حاسس إن قلبه بيرقص جواه...
النهار طلع، والضلمة اللي بينهم ابتدت تنور.
في بيت الشرقاوي.
كان يحيى واقف قدام جده، عنيه مولعة شر، وصوته عالي لدرجة إن البيت كله سمعه.
صرخ بانفعال وهو بيضرب على المكتب:
- كاميرات المستشفى مش موضحة أي حاجة!
الاتنين اللي خطفوها كانوا مغطيين وشهم، بس مش اتنين عاديين أبدًا يا جدي.. دول متدربين كويس أوي وعارفين بيعملوا إيه.
الحاج شرقاوي اتكلم بقلق واضح:
- وهيكونوا مين دول يا يحيى؟ مين اللي عنده الجرأة يدخل مستشفى يخطف بنت من أوضتها وسط رجالتنا ومحدش يحس بيه؟
يحيى عض شفايفه من الغيظ، وبص لجده بعنف:
- خالد!
خالد الدريني... حفيد اللوا وحيد!
اتسعت عيون جده بدهشة حقيقية، وقال باستغراب:
- وإيه اللي يخلي خالد يعمل كده؟ هو ماله ومال ياسمين؟!
رد يحيى بصوت بيغلي من الغضب:
- بيحبها يا جدي!
أنا متأكد!
هو الوحيد اللي يقدر ينفذ خطة بالاحتراف ده، والوحيد اللي كان مهتم بيها أكتر مني!
جده سكت لحظة، واضح عليه الارتباك، ثم قال بهدوء ظاهر يخفي عاصفة جواه:
- وإحنا نعمل إيه دلوقتي؟
رد يحيى بعنف:
- نبلغ! ونقدم بلاغ رسمي إنه خطفها!
لكن الحاج شرقاوي هز راسه باعتراض وقال:
- لأ... مش قبل ما أكلم جده الأول. لازم أعرف الحقيقة منه.
يحيى اتجنن، صرخ وهو بيقرب من جده:
- جده؟! انت كمان هتقولي جده؟!
أنا مليش دعوة بيه! لا هو ولا جده!
ياسمين هترجع غصب عنه وهاخد حقي منه بإيدي!
الحاج شرقاوي بص له بحدة وقال بصوت عاقل حاسم:
- بس أنا يهمني منخسرش جده... وياسمين هترجع.
بس مش بالهمجية بتاعتك دي.
اقعد واهدى، وأنا هكلمه بطريقتي... وأعرف منه الحقيقة.
في بيت اللوا وحيد.
كان قاعد على السفرة بيفطر مع بنته عبير... الجو هادي، وصوت المعلقة في الطبق هو اللي مالي المكان.
رنّ تليفونه. بص عليه باستغراب وقال:
- الشرقاوي؟! بيتصل بدري كده ليه؟!
رد وهو بيحاول يسيطر على استغرابه:
- ألو؟ إزيك يا حاج شرقاوي؟
رد الحاج الشرقاوي بنبرة ظاهر فيها التحفظ:
- صباح الخير يا سيادة اللوا... عامل إيه.. أخبار صحتك؟
اللواء وحيد ابتسم وقال بلطف حذر:
- بخير الحمدلله... بس غريبة، أول مرة تكلمني بدري كده؟
قال الشرقاوي بصوت تقيل:
- حفيدتي ياسمين اتخطفت من المستشفى .. الساعة اتنين بالليل كده في اتنين مخبيين وشهم دخلوا وخطفوها وخرجوا من غير ما حد يشوفهم وكاميرات المستشفى مش موضحة شكلهم.
اللواء قعد مكانه شوية، ملامحه مش مبينة أي رد فعل وقال:
- طيب... شاكك في حد؟
عبير رفعت راسها وبصت لأبوها بقلق، وهو بيحاول يفهم اللي بيحصل.
الشرقاوي كمل:
- مش شاكك في حد بعينه، بس بصراحة يحيى بيقول إن خالد حفيدك هو اللي خطفها.
بيقول إنه كان مهتم بيها بزيادة آخر فترة، وخطفها عشان يمنع جوازها من يحيى.
اتغيرت ملامح اللواء وحيد، قام من مكانه فجأة، صدمته واضحة في كل تفاصيل وشه.
اتكلم بحدة:
- خالد؟!!!
أكيد خالد مالوش علاقة بالموضوع ده!
رد الشرقاوي بنبرة خبيثة وهادية:
- أنا حبيت أكلمك قبل ما نقدم بلاغ رسمي، يمكن تلحق تعقله لو هو اللي عملها... وتعرفه إن خطف عروسة من عريسها مش أصول.
سكت اللواء لحظة، لكن جواه كان فيه طوفان...
افتكر كل لحظة كان خالد فيها بيدافع عن "الست وأولادها"، وصدمته الكبيرة لما سمعهم بيتكلموا عن جواز يحيى من البنت دي!
الحقايق بتتجمع قدامه فجأة...
رد بجفاف:
- تمام يا حاج... سيبلي الموضوع ده وأنا هتصرف.
وماتعملوش حاجة لحد ما أكلمك.
قفل المكالمة، ووشه اتبدل... عبير قامت ووقفت قدامه، وقالت بقلق:
- في إيه يا بابا؟ الشرقاوي عايز إيه من خالد؟
رد وهو لابس بدلته بسرعة وبيتحرك ناحية الباب:
- هفهمك بعدين... لازم أروح لأختك دلوقتي... أشوف خالد.
في شقة معتصم.
وصل المأذون، وقعد خالد وياسمين قدامه، ونبض قلب كل واحد فيهم كان بيتسابق مع اللحظة.
تم كتب الكتاب رسمي، وشهد عليه معتصم ومهاب.
المأذون قال بابتسامة هادية:
- ألف مبروك.
خالد بص لياسمين، كانت عيونها شاردة... والدموع لمعت فيها من غير ما تنزل.
كان شايفها موجوعة، حزنها على موت والدتها لسه جارح قلبها، وفراق أخوها حارقها.
اتنهد في صمت، ووعد نفسه إنه هيرجع لها أخوها، ويملي حياتها من جديد بالفرح.
مهاب رجع بعد ما وصّل المأذون، وقال بضحك خفيف:
- كده أنا بقيت شاهد على عقد جوازك يا معتصم... ودلوقتي على عقد جواز خالد... يعني اللي هيزعل بنت من البنات، أنا اللي هقفله بنفسي.
زينه ضحكت، ومعتصم بص له وسأله باستغراب:
- اللي عايز أفهمه انت إزاي جبت مأذون في وقت زي ده؟ لقيت فين مأذون الساعة 7 الصبح وقدرت تقنعه يجي بدري كده؟
رد مهاب وهو بيرفع حاجبه بثقة:
- يابني انت مش مقدر قدراتي في إقناع الناس.. قولتله ان الولد والبنت غلطوا وعايزين يصلحوا غلطتهم.
شهقت ياسمين من الصدمة، وزينة كتمت ضحكتها بصعوبة.
خالد ومعتصم بصوا له بدهشة، وقال خالد وهو بينفجر:
- أنت اتجننت؟! إزاي تقول للراجل كده؟!
ضحك مهاب وقال ببساطة:
- يعني كنت هقوله إيه؟ إنكم صحيتوا الصبح كده قررتوا تتجوزوا على الفطار؟!
ضحك معتصم وقال لخالد:
- بص.. هو يشكر إنه اتصرف وجاب المأذون في وقت زي ده.. أي كلام يقوله بقى محدش يعلق.
زينة بصت لياسمين وضحكوا سوا، ضحكة باهتة لكنها كانت أول محاولة للفرحة.
معتصم بص في ساعته وقال بجدية:
– لازم ننزل دلوقتي... كل واحد يروح شغله كأن مفيش حاجة حصلت، عشان كل شيء يفضل طبيعي.
خالد قال بقلق وهو بيبص لياسمين:
– وهنسيبهم هنا لوحدهم؟
معتصم طمّنه بثقة:
– متقلقش، العمارة مؤمنة، وتحت فيه أمن مش بيسمح لحد يدخل.
وغير كده... محدش هنا يعرف اننا أصحاب، ولا إن ياسمين ممكن تكون في شقتي.
مهاب كمل:
– يعني حتى لو شكوا، مش هيعرفوا يوصلوا ليهم بسرعة... وعلى ما يعرفوا، نكون رتبنا كل حاجة.
خالد كان لسه بيبص لياسمين... النظرات بينهم مطولة، فيها وجع، حب، وخوف من الجاي.
مهاب لاحظ وقال بضحك:
– طيب أنا كده مش هعرف أنزل من غير فطار... المطبخ فين؟
ردت زينة وهي بتقوم:
– ثواني، هحضر لكم حاجة تاكلوها بسرعة.
لكن معتصم مسك إيدها وقال بهدوء:
– لأ، تعالي معايا... سيبيه هو يحضر لنفسه.
وبص لمهاب وقال:
– المطبخ هناك... بس بلاش تخلص الأكل كله.
مهاب ضحك ودخل على المطبخ، وزينة بصت لمعتصم بخجل من لمسته، ومشيت وراه.
خالد فضل يبص على ياسمين، قلبه موجوع عليها وهي بتحاول تبان قوية، لكن رعشة جسمها خانتها... والحزن كان باين في كل تفاصيل وشها.
قرب منها وقعد جنبها، صوته كان دافي وحنون:
– ياسمين... مش عايزك تخافي بعد اللحظة دي.. انا هفضل دايما جنبك ومفيش حد في الدنيا هيقدر يقرب منك او يزعلك تاني.
دمعة نزلت من عينها وهي بتبص له... سحب إيديها، وقربها منه، وباسها بحب حقيقي، وقال بصوت هادي:
– انا بحبك واتجوزتك عشان بحبك.. مش عشان مستقبلي واتهامهم ليا وكل الكلام ده.. ومن اللحظة دي انا عايش بس عشان اسعدك.
مسح دموعها بإيده وقال:
– دموعك مش عايزها تلمس خدك تاني.
عارف إن الفراق صعب، بس مامتك في مكان أحسن... شايفاكي، وحاسه بيكي.
ردت بصوت باكي:
– مكنتش متخيلة اليوم ده...
ماما راحت فجأة... وأحمد مش عارفة عنه حاجة...
حاسه إني بقيت لوحدي في الدنيا.
خالد سحبها لحضنه، وضمها بقوة، كأن حضنه هو اللي هيجمع كل اللي اتكسر جواها.
وهي سابت نفسها ليه... كانت محتاجة الحضن ده أكتر من أي كلام.
رواية منعطف خطر الفصل الثالث والثلاثون 33 - بقلم ملك ابراهيم
مكنتش متخيلة اليوم ده…
ماما راحت فجأة… وأحمد مش عارفة عنه حاجة…
حاسة إني بقيت لوحدي في الدنيا.
خالد سحبها لحضنه، وضمها بقوة، كأن حضنه هو اللي هيجمع كل اللي اتكسر جواها.
وهي سابت نفسها ليه… كانت محتاجة الحضن ده أكتر من أي كلام.
في بيت الدريني.
كانت بهيرة قاعدة على السفرة بتفطر مع جوزها سالم الدريني، الجو هادي، لحد ما الباب اتفتح بقوة…
دخل اللواء وحيد والشرار طالع من عينه، صوته عالي وغاضب وهو بيقول:
– ابنك فين يا بهيرة؟ خالد فين؟!
قامت بهيرة بسرعة، قلبها وقع من الخضة:
– بابا! في إيه؟ هو خالد حصله حاجة؟!
رد والدها بغضب وهو بيقرب منها:
– أنا اللي جاي أسأل! هو هنا ولا لأ؟!
سالم اتدخل، صوته هادي لكنه متوتر:
– لا يا سيادة اللواء، خالد في شغله.
صرخ وحيد بنبرة غضب متزايد:
– شغل إيه؟! يعني خالد ما باتش هنا الليلة اللي فاتت؟!
بهيرة بدأت توترها يزيد:
– لا… ما باتش… بس يا بابا هو في شغله من إمبارح، في إيه؟ خالد مش في القسم؟
رد والدها وهو بيزفر بعصبية:
– حفيدة الشرقاوي اتخطفت من المستشفى… وهو عايز يتهم ابنك إن هو اللي ورا الموضوع!
شهقت بهيرة، ووشها اتسحب الدم منه:
– ابني؟! وماله ومال بنت الشرقاوي؟! هيخطفها ليه؟ ده راجل عايز يلبس ابني مصيبة بأي شكل!
بص لها أبوها بعين حادة وقال:
– المصيبة الحقيقية… لو طلع عنده حق! لو خالد فعلًا اللي عمل كده، يبقى بيضيع مستقبله بإيده!
ردت بهيرة بصوت متمسك وثقة أم:
– مستحيل، خالد ما يعملش كده… ده ظابط، مش بلطجي! وبعدين هيخطفها ليه أصلًا؟!
سالم الدريني فضل ساكت، بصته سابته في الأرض، وكأن في حاجة عايز يقولها ومش قادر.
اللواء وحيد لاحظ سكوته وسأله بريبة:
– أنت تعرف ابنك فين يا سالم؟!
وقبل ما يرد… دخل خالد فجأة، صوته ثابت، ووشه ما فيهوش أي خوف:
– أنا هنا يا جدي… خير؟
لف وحيد ناحيته، وبص له بنظرة كلها تساؤل وغموض.
بهيرة قامت بسرعة، قربت من ابنها وقالت بانفعال:
– تعالى اسمع الراجل اللي اسمه الشرقاوي بيقول إيه لجدك!
لكن والدها قاطعها بحدة:
– اسكتي يا بهيرة!
قرب من خالد، عينه مش بتفارق وشه، وسأله ببطء كأنه بيقيس كل كلمة:
– كنت فين يا خالد؟
رد خالد بنفس الثبات:
– في شغلي يا جدي… في إيه؟ في مشكلة؟
اللواء وحيد قرب أكتر، وصوته بقى أهدى لكن نبرته كانت مشبعة بالشك:
– وياترى شغلك ده… كان في القسم؟ ولا المستشفى؟
بص له خالد من غير ما يرمش، وقال بهدوء الواثق من نفسه:
– في الاتنين… خلصت اللي ورايا في القسم، وبعدين رحت المستشفى… كملت شغلي هناك.
سكت الجد لحظة، وبعدين سأله بصوت جهوري مليان اتهام:
– أنت اللي خطفت حفيدة الشرقاوي؟
رد خالد بنفس الهدوء:
– لأ… ما خطفتش حد.
بهيرة رفعت راسها وقالت بإصرار:
– أنا قلتلك يا بابا… ابني بريء، ومش هيتورط في مصايب بالشكل ده!
سأل اللواء وحيد خالد بحدة، عينه ما بتتحركش من على وشه:
– يعني أنت ملكش علاقة بخطف البنت من المستشفى؟
رد خالد بثبات، وهو بيبص لجده بعينين ما فيهاش خوف:
– ومين قال إنها اتخطفت؟
هو لما واحد ياخد مراته من المستشفى... تبقى اتخطفت؟
شهقت بهيرة بذهول، وكأن الكلام نزل عليها زي الصاعقة:
– مرات مين؟!
قال خالد بنفس الهدوء، لكن صوته كان بيحمل قرار واضح:
– ياسمين يحيى الشرقاوي... مراتي.
اللواء وحيد اتجمد في مكانه.
عينيه اتسعت، وملامحه تهزت بصدمة حقيقية.
وبهيرة صرخت، بصوت مكسور ومذهول:
– إنت اتجوزت من ورانا يا خالد؟!
خالد سكت. الصمت كان هو الجواب.
وساعتها انفجر جدّه، صوته اتغير وغضبه كان واضح:
– يعني إيه اتجوزتها؟!
مين دي أصلًا؟ ناسي إنك ظابط؟ ناسي إن أبوها مات في قضية سلاح؟
ناسي إن جدها وابن عمها تحت المراقبة وممكن يتقبض عليهم في أي لحظة؟
انت اتجوزت بنت كل عيلتها مجرمين!
خالد بص له بثبات وقال بلهجة هادية لكنها موجعة:
– ومين اللي جوز بنته لواحد من العيلة دي؟
ولا حضرتك نسيت إن ياسمين أخت كارما حفيدتك؟
الاتنين من نفس الأب ونفس العيلة.
بهيرة ما قدرتش تستحمل، وصرخت في جوزها بصوت عالي وعيون مشدوهة:
– إنت هتفضل ساكت كده؟!
اتكلم مع ابنك... عقله!
قام سالم الدريني بهدوء، ووقف قصاد خالد، صوته كان واثق:
– ابني راجل وعارف هو بيعمل إيه كويس، وقبل ما يكتب كتابه، اتصل بيا... وأخد موافقتي.
صمت لحظة.
بهيرة اتجمدت في مكانها، واللواء وحيد بص له بذهول.
لكن النظرة في عينه كانت مليانة غضب.
اتكلم بصوت غليظ متوتر:
– يعني إنت بتشجعه يضيع مستقبله؟
رد سالم ببساطة شديدة، لكنها كانت أشبه بصخرة اتحدفت في بحر متوتر:
– ابني واعي لمستقبله كويس، وبيفكر بعقله... مش بعقلكم.
وبعدين... إيه الفرق بين كارما وبين مرات خالد؟
الاتنين إخوات.
وما أظنش كان ده هيبقى رأيكم لو كان اتجوز كارما.
صرخت بهيرة، صوتها كان فيه غل وكبرياء مجروح:
– إزاي تشبه البنت دي بكارما بنت أختي؟!
كارما معروف أصلها... معروف مين أمها ومين جدها.
أما البنت دي... الله أعلم أمها كانت مراته فعلًا؟ ولا كانت عايشة معاه من غير جواز؟!
خالد ما استحملش.
صوته علي فجأة، وكانت لهجته فيها وجع وغضب حقيقي:
– ماما! لو سمحتي... الست ماتت ومش هسمح لحد يهينها.
أم ياسمين كانت مراته شرعي... قبل ما يتجوز خالتي.
ومحدش في الدنيا له حق يشكك في أخلاقها!
أنا اتجوزت ياسمين عشان بحبها... وهتفضل مراتي لآخر يوم في عمري.
اللواء وحيد بص له ببرود مصطنع، بس نبرة صوته كانت تقيلة وواضحة:
– ماشي يا خالد... اعمل اللي يريحك.
أبوك واقف في ضهرك وبيشجعك عالغلط.
بس لما الشرقاوي يعملك محضر رسمي ويتهمك بخطف حفيدته...
ولما تتوقف عن العمل...
ما تبقاش تزعل.
ده نتيجة عنادك... والطريق الغلط اللي اخترته بإيدك.
هز خالد راسه بإصرار:
– أهلًا بالشرقاوي وحفيده... يعملوا اللي يقدروا عليه. أنا جاهز.
اللواء كان خلاص هيمشي، لكن صوت بهيرة قطعه، بصوت عالي ممزوج بخيبة أمل وانكسار:
– استنى يا بابا... أنا جاية معاك.
والبيت ده... مش هدخله تاني غير لما أشوف ورقة طلاق البنت دي بعيني.
رد خالد بسرعة وهو بيبصلها بألم:
– لا يا أمي... متسيبيش بيتك.
أنا اللي هسيب البيت.
ومشى.
طلع على أوضته بخطوات تقيلة، لكنه ما بصش وراه.
اللواء وحيد خرج من البيت، والباب اتقفل وراه بصوت تقيل كأنه بيقفل صفحة من حياة خالد.
وبهيرة بصت لجوزها، ودموع الغضب في عينيها:
– لو مستقبل ابنك ضاع...
هتبقى إنت السبب.
في شقة معتصم.
دخلت زينة الأوضة بهدوء، كانت ياسمين قاعدة على السرير، نظرتها سرحانة في الفراغ، كأنها بتراجع شريط حياتها...
من أول حادثة الكشك، وشافت خالد لأول مرة، وهروبهم مع بعض من العصابة، ظهور جدها ويحيى في حياتهم، سفر أخوها، موت أمها، ودلوقتي خالد بقى جوزها رسمي.
قعدت زينة جنبها، ومدت إيدها تلمس إيدها برقة:
– عاملة إيه دلوقتي يا ياسمين؟
ردت ياسمين بنبرة هادية، بس فيها تعب واضح:
– الحمد لله...
سكتت لحظة، وبصت لزينة بكسوف:
– أنا هضايقكم بوجودي هنا في بيتكم... صح؟
زينة ابتسمت، ابتسامة فيها وجع خفيف، وقالت:
– بالعكس...
إنتي ربنا بعتك ليَّ، تهوّني عليّ وحدتي هنا.
استغربت ياسمين، وقالت بدهشة:
– وحدتك؟ ليه؟
هو مش إنتي ومعتصم عايشين سوا هنا؟
زينة بصت لها، وبعدين بصت بعيد كأنها بتحاول تخبي مشاعرها:
– آه... عايشين سوا...
بس كل واحد في حاله.
تعرفي؟ أول مرة يكلمّني من بعد الجواز... كانت لما طلب مني أروح المستشفى وأطمن عليكي.
رفعت ياسمين عينيها لزينة، كانت بتسمعها باهتمام حقيقي لأول مرة.
وشافت في عيونها حزن ساكن، مش بتشتكي، بس بيحكي نفسه غصب عنها.
وزينة لقت نفسها بتفضفض، يمكن لأول مرة، بصوت واطي، حكت لياسمين عن جوازها بمعتصم، وإزاي اتجوزته، وعن الصمت اللي مالي بيتهم، وعن الكلام اللي عمره ما اتقال، والمشاعر اللي اتحبست من أول يوم.
في بيت الشرقاوي، جوه أوضة يحيى.
يحيى قاعد على السرير، ضهره منحني، عينيه مثبتة على شاشة تليفون ياسمين اللي أخذه منها.
أخيرًا قدر يفتحه.
صفحات طويلة من الرسايل بينها وبين خالد ظهرت قدامه، حرف حرف بيشعل نار الغضب جواه.
الغيرة، والقهر، والإهانة... كله انفجر في قلبه مرة واحدة.
ضغط على الشاشة بقوة، وكأنها هي اللي خانته. وسط الغليان، عقله رجع يفتكر حاجة... البنت اللي زارت ياسمين في المستشفى.
مين دي؟ جات منين؟
وإزاي عرفت إن أم ياسمين ماتت، رغم إن تليفون ياسمين كان معاه قبل ما أمها تموت! يعني مستحيل تكون ياسمين هي اللي كلمتها وبلغتها بالخبر!
فتح سجل المكالمات... مفيش.
الرسايل... مفيش.
حتى الاسم... مش موجود.
كأنها شبح.
لكن يحيى حس إن المفتاح معاها.
هي الخيط الوحيد اللي ممكن يوصلّه لياسمين.
قال بصوت واطي، بس نبرته كانت مرعبة:
– البنت دي...
هي الحل.
هي اللي هتوصلني لياسمين.
في مكتب الشرقاوي.
كان الحاج الشرقاوي قاعد على مكتبه، عينه على التليفون كأنه مستني منه خبر حياة أو موت.
رنّ التليفون أخيرًا.
رد بسرعة وبلهفة:
– خير يا سيادة اللواء؟ عرفت حاجة؟!
صوت اللواء وحيد جه من الطرف التاني هادي لكنه حاسم:
– أيوه يا حاج شرقاوي...
خالد هو اللي خرجها من المستشفى، بس الموضوع مش زي ما انت متصور.
هي اللي طلبت مساعدته... وهو اتعاطف معاها شوية، مش أكتر.
اديني يومين بس... وهرجعهالك لحد باب بيتك.
شدّ الحاج الشرقاوي في صوته، وقال بغضب مكبوت:
– يعني إيه؟!
إزاي ياخد حفيدتي من المستشفى من غير إذني؟!
رد اللواء بنبرة حازمة:
– حفيدتك اللي طلبت منه ده بنفسها.
وبعدين، أنا اتكلمت مع خالد واتفقت معاه إنها هترجعلكم.
اسمعني كويس... أنا مش عايز يحيى يعرف حاجة عن المكالمة دي، ولا يتدخل في الموضوع.
وبالنسبة للبلاغ اللي عايزين تقدموه ضد خالد... تنسوه خالص.
واعتبر حفيدتك... عندي أنا.
حاول الحاج يعترض:
– بس يا سيادة اللواء...
قاطعه اللواء بصرامة شديدة:
– خلاص يا شرقاوي...
قلتلك، اعتبر حفيدتك أمانة عندي.
وخلص الكلام.
قفل اللواء المكالمة، وبص للاتنين الرجالة اللي واقفين قدامه:
– راقبوا خالد 24 ساعة...
عايز أعرف بيروح فين، بيقابل مين،
وكل حركة بيعملها.
في بيت الشرقاوي، كان الحاج شرقاوي لسه بيبص لتليفونه اللي حطه قدامه على المكتب. كلام اللوا وحيد بيغلي في دماغه، نار مش قادرة تهدى.
دخل يحيى المكتب بنبرة فيها نفاد صبر:
– ها يا جدي... هنعمل إيه دلوقتي؟
الحاج رفع عينه له، وقال بتفكير:
– كلمت اللوا... ولسه بيحاول يوصل لحاجة.
رد يحيى بحدة:
– ولا عمره هيوصل!
بس أنا عرفت أوصل لطرف الخيط.
بصله جده بدهشة، وسأله بعينه من غير كلام.
يحيى وقف بثقة، وهو بيفكر في البنت الغريبة اللي جات زارت ياسمين في المستشفى... البنت اللي فجأة ظهرت، وقالت إنها عرفت إن أم ياسمين ماتت، مع إن التليفون كان معاه.
مين دي؟ وإزاي عرفت؟
في المساء، خرج خالد من القسم متأخر، ملامحه كانت مجهدة لكن صلبة.
ركب عربيته وتحرك بهدوء، لكنه حس إن في عربية ماشية وراه من وقت ما طلع.
الموضوع مكنش صدفة.
في المراية، شافهم بوضوح... نفس العربية بتلف وراه في كل منعطف.
ابتسم بسخرية، وقال لنفسه:
– الشرقاوي باعت حد يراقبني!!
بدأ يلف في شوارع جانبية، ويغير اتجاهه فجأة، يدخل من طريق ويخرج من التاني... لكن العربية وراه لسه مكمله.
لحد ما وقف فجأة وقطع عليهم الطريق.
نزل من عربيته بسرعة، وسلاحه في إيده، حركته كانت حاسمة، وملامحه جامدة.
خبط على إزاز العربية بقوة، وصوته كان حاد:
– إنزل!
اللي جوه العربية اتجمدوا مكانهم من الخوف... مقدروش يتكلموا... ولا حتى يتحركوا.
خالد بص لهم بنظرة صارمة وقال:
– انزلوا.
نزلوا من العربية بخوف، وعيونهم على خالد اللي واقف قدامهم بالسلاح.
صوته جه حاد وقاطع:
– انتوا مين؟ وبتراقبوني ليه؟
رد واحد منهم بسرعة وهو بيحاول يخبي رجفته:
– والله يا باشا احنا مش بنراقبك ولا حاجة، إحنا كنا ماشيين في طريقنا وانت اللي فجأة وقفت قدامنا!
خالد ابتسم بسخرية، وقال بصوته الجامد:
– حلو أوي.. يبقى هتطلعوا معايا على القسم حالًا وهناك هعرف أخليكم تتكلموا بطريقتي.
اتوتروا أكتر، وواحد منهم قال بسرعة:
– قسم إيه بس يا باشا؟! احنا غلابة، والله ملناش دعوة... سيادة اللوا وحيد... جدك هو اللي بعتنا نراقبك ونعرفه بتروح فين!
كأن الكلام وقع على دماغ خالد زي الصاعقة، عينه وسعت، وسأل بذهول:
– جدي؟!
التاني قال بخوف صادق:
– باشا.. جدك لو عرف انك كشفتنا هنروح في داهية.. احنا عندنا عيال عايزين نربيهم وكنا بننفذ الأوامر بس!
خالد وقف لحظة، تفكيره بيغلي، وبعدين قال بحزم:
– افتح تليفونك... وكلمه قدامي.. عايز اتأكد إن هو اللي بعتكم فعلًا.
فتح الراجل التليفون بإيد بتترعش، واتصل، وكلمه فعلًا.
خالد وقف بيراقب، وكل حاجة بتتأكد قدامه... اللي بيراقبه فعلًا تبع جده... وجده هو اللي باعتهم!
إزاي؟ وليه؟!
بص للاتنين وقال بنبرة أهدى لكن مش أقل تهديد:
– بصوا… أنا مش هقول لسيادة اللوا إني كشفتكم.
بس انتوا كمان مش هتفتحوا بُقكم... ولا كلمة!
لو عايزين تحافظوا على حياتكم... وحياة عيالكم.
هزوا راسهم بسرعة، واحد فيهم قال:
– يا باشا دي أمور عائلية بينكم، وإحنا ملناش دعوة.
احنا بس كنا بننفذ الأوامر.
خالد قرب منهم شوية وقال بصوت غامض:
– وأنا كمان عايزكم تنفذوا الأوامر... بس من دلوقتي، الأماكن اللي هتبلغوه إن أنا رحتها... أنا اللي هقولكم عليها.
فاهمين؟
ولا آخدكم على القسم وأشرحلكم هناك؟!
ردوا في صوت واحد وبنبرة مذعورة:
– فاهمين يا باشا... فاهمين!
خالد رجع لعربيته، وسابهم واقفين بيتنفسوا بصعوبه.
ركب وساق بهدوء، لكن جوّاه كان بركان.
إزاي جده، الراجل اللي اتربى على احترامه... يستخدم معاه أساليب مجرمين؟
ليه المراقبة؟ وليه السرية؟
الشك بدأ يزحف لقلبه، وإحساس غريب إن جده وراه أسرار كتير.
في حاجة غامضة... حاجة كبيرة... ولازم يعرفها.
فجر اليوم التالي، كان يحيى سهران طول الليل بيراجع الكاميرات اللي قدام المستشفى، تحديدًا في الوقت اللي زينة كانت بتزور فيه ياسمين.
شغل الفيديو بدقة، وابتدى يركز على الوجوه والحركة قدام باب المستشفى.
شاف زينة وهي خارجة من المستشفى، باين عليها التوتر، وكان في واحد واقف مستنيها عند العربية، أول ما وصلتله اتكلموا شوية وبعدين فتحلها الباب وركبت، ومشي بيها.
قرب على نمر العربية ووضحها على الشاشة، وبعتها لواحد من رجاله في المرور برسالة قصيرة:
"هاتلي اسم صاحب العربية دي حالًا".
فضل منتظر، وعينيه مش بتبعد عن الشاشة.
بعد شوية، جاتله مكالمة.
رد بسرعة:
– ألو؟
– أيوه يا باشا، عرفت مين صاحب العربية.
– مين؟
رد عليه الراجل من المرور بهدوء:
– ظابط… اسمه معتصم عبد الرحيم.
سكت يحيى لحظة، وبص قدامه وهو بيكرر الاسم في سره:
"معتصم عبد الرحيم".
رواية منعطف خطر الفصل الرابع والثلاثون 34 - بقلم ملك ابراهيم
قرب من نمرة العربية ووضحها على الشاشة، وبعتها لواحد من رجاله في المرور برسالة قصيرة:
"هاتلي اسم صاحب العربية دي حالًا."
فضل منتظر، وعينيه مش بتبعد عن الشاشة.
بعد شوية، جاتله مكالمة.
رد بسرعة:
ـ ألو؟
ـ أيوه يا باشا، عرفت مين صاحب العربية.
ـ مين؟
رد عليه الراجل من المرور بهدوء:
ـ ظابط… اسمه معتصم عبد الرحيم.
سكت يحيى لحظة، وبص قدامه وهو بيكرر الاسم في سره:
"معتصم عبد الرحيم"
..........
في شقة مهاب.
كان خالد واقف في البلكونة، وشمس الشروق بتكسر حدة السواد في السماء.
كان شارد، غرقان في دوامة تفكير مقلقة بكل اللي بيحصل حواليه مؤخرًا، وكل الطرق كانت بتوصله لجده اللي كان دايمًا طرف في كل حاجة غريبة بتحصل حواليه.
تفكيره راح لياسمين، اللي بقت مسؤولة منه دلوقتي. عارف إنها مش هينفع تفضل في شقة معتصم كتير، ولازم يلاقي لهم بيت يجمعهم هما الاتنين. هو كمان خلاص خرج من بيت أهله، وده وقت الاستقرار الحقيقي، وقت إنه يكون له بيته خاص به هو ومراته.
في الداخل، خرج معتصم من الحمام وهو بيجفف شعره بالمنشفة، عينه وقعت على مهاب اللي كان قاعد يفطر بحماس، قدامه كمية أكل ملفتة.
ضحك معتصم وقال بسخرية:
ـ هو انت يا ابني عايش بس عشان تاكل؟ مفيش حاجة في حياتك تشغلك عن الأكل شوية؟ أو حتى تسد نفسك؟!
مهاب رد من غير ما يرفع عينه عن طبقه، وكأنه مستمتع بكل لقمة:
ـ خليك في حالك.. يا تيجي تاكل معايا وانت ساكت، يا تطلع البلكونة، تحط همك على هم صاحبك اللي واقف يعد النجوم من امبارح!
معتصم التفت بسرعة ناحية البلكونة وبص على خالد، القلق بدأ يتسلل لصوته:
ـ هو منامش طول الليل؟
مهاب هز كتفه وقال بنبرة ساخرة:
ـ لأ.. هو في واحد متجوز بيعرف ينام؟!
معتصم نفخ من ضيقه وقال:
ـ كمل أكلك، مفيش فايدة فيك!
ومشي بخطوات سريعة للبلكونة، وقف جنب خالد وسأله بصوت هادي فيه قلق واضح:
ـ في إيه يا خالد؟ مهاب بيقولي إنك منمتش خالص!
خالد كان لسه عينيه على الشمس، ملامحه مزيج بين الإصرار والتفكير العميق، وقال بصوت هادي:
ـ أنا لازم أشتري شقة يا معتصم.. لازم يكون ليّا بيت أعيش فيه أنا وياسمين. أكيد مش هتفضل عايشة في شقتك، وأنت كمان لازم ترجع لمراتك.
معتصم رد بنفس الهدوء، لكن في نبرة صوته شيء خفي من الهم:
ـ متشغلش بالك بحكاية شقتي دي دلوقتي.. وبعدين ياسمين محتاجة زينة جنبها الفترة دي، تقدر تهون عليها اللي هي فيه.
خالد لف وشه ناحيته وقال بجدية:
ـ بس أنا لازم يكون عندي بيت يا معتصم.. الوضع اتغير، وبقيت متجوز، ومش هينفع تعيش معايا في بيت أهلي. لازم ألاقي شقة بسرعة.
معتصم هز راسه بتفهم وقال:
ـ عندك حق.. ممكن نشوفلك شقة قريبة من شقتي، عشان ياسمين تبقى قريبة من زينة.
فجأة، سمعوا صوت مهاب من جوه الصالة، صوته عالي ومليان حياة:
ـ هتيجوا تفطروا ولا أخلص الأكل كله؟!
بص معتصم لخالد وضحك، وقال وهو بيهز راسه:
ـ أنا بحسد الواد ده على راحة باله، والله!
في شقة معتصم.
كان الهدوء ساكن في المكان، وضوء الشمس الدافئ بيغمر أركان الشقة بهدوء جميل.
زينة وياسمين كانوا قاعدين جنب بعض، بيقرؤوا وردهم اليومي من القرآن، كل واحدة في عالمها الروحي.
ياسمين كانت حاسة إن آيات ربنا بتمس قلبها، بتقويها وتطبطب عليها بلطف. الرضا بقضاء ربنا كان بيتضاعف جواها مع كل آية، كأنها بتتنفس من جديد.
قرأت الفاتحة على روح والدتها، ودعت لها من قلبها بدعاء صادق، وهي حاسة براحة غريبة بتسري في جسدها، كأنها بتبدأ بداية نقية، صفحة جديدة من عمرها.
زينة خلصت وردها، وقامت بهدوء، لابسة إسدالها، وقربت من ياسمين وابتسمت لها ابتسامة فيها حنان:
ـ حاسة إنك أحسن دلوقتي؟
ياسمين ابتسمت، كانت ابتسامة فيها رضا وسكينة:
ـ الحمدلله.
زينة اتكلمت برقة دافية:
ـ طب إيه رأيك نحضّر الفطار سوا ونفطر في البلكونة؟ الجو تحفة النهاردة.
ردت ياسمين بابتسامة خفيفة:
ـ ماشي.
دخلوا سوا على المطبخ، وزينة قالت وهي بتحاول تخلي الجو أخف:
ـ معتصم اتصل بيا إمبارح بالليل يطمن علينا.. وخالد كان عايز يطمن عليكي.
ابتسامة هادية ظهرت على وش ياسمين أول ما سمعت اسم خالد، قلبها اتملّى دفء وهي بتفتكر إنه بقى جوزها، ودي مش مجرد فكرة، دي حقيقة.
زينة كملت كلامها بنبرة خفيفة فيها أمل:
ـ بفضلكم إنتي وخالد، معتصم بقى يكلمني كل يوم.
بصّت لياسمين وقالت بصوت فيه شجن:
ـ تعرفي؟ أنا كنت بحلم اللحظة اللي أشوفه فيها من قريب وهو بيكلمني أو أسمع صوته، طول عمري شايفاه حلم بعيد.. حتى لما اتجوزنا، كنت لسه حاسة إنه بعيد عني.
محستش إنه قرّب غير لما حصل موضوعك أنتي وخالد.
ياسمين بصّت لها بابتسامة فيها تفهم وقالت:
ـ بس الحلم بقى حقيقة دلوقتي، وبقيتي مراته.. وكل اللي بينكم محتاج شوية وقت عشان تاخدوا على بعض.
زينة قالت وهي عينيها فيها لمعة حزن:
ـ كان نفسي يحبني ويتجوزني بإرادته.. مش عشان خالي طلب منه!
نظرة حزن مرت في عيون ياسمين، وزينة كملت بصوت هادي كأنه خارج من جرح قديم:
ـ عارفة يا ياسمين.. بعد اللي حصل معاكي، فضلت أسأل نفسي..
تفتكري لو أنا اتحطيت في نفس الموقف، معتصم كان ممكن يعمل عشاني زي ما خالد عمل عشانك؟
كان ممكن يغامر بحياته ومستقبله عشاني؟
ياسمين بصّت لها بحنية وقالت:
ـ للدرجة دي بتحبيه يا زينة؟
زينة ردت وهي بتحط إيدها على قلبها:
ـ أكتر ما تتخيلي يا ياسمين.
قربت منها ياسمين، وعينيها مليانة يقين:
ـ أولًا.. إن شاء الله عمرك ما تتحطي في الموقف اللي أنا كنت فيه.
وثانيًا.. معتصم هيحبك، وهيحبك أكتر ما انتي بتحبيه كمان، لأن لو لف الدنيا كلها مش هيلاقي بنت بجمالك ولا طيبة قلبك. هو بس محتاج وقت.
زينة ابتسمت، ووشها نور مع كلام ياسمين اللي كان طبطبة على قلبها.
قطع اللحظة صوت رنين الموبايل.. زينة شافت الاسم وابتسمت بفرحة هادية:
ـ دا معتصم.
ياسمين ضحكت:
ـ شكله عرف إننا بنتكلم عليه!
زينة ردت عليه بصوتها الرقيق:
ـ ألو؟
---
في شقة مهاب.
معتصم كان قاعد جنب خالد، ومهاب قدامهم بيشرب عصير، شكله مستمتع بالجو.
معتصم وهو ماسك التليفون، قال بلطافة:
ـ صباح الخير يا زينة.. طمنيني، عاملين إيه؟
زينة:
ـ الحمدلله، كويسين.
معتصم:
ـ ياسمين صاحيه؟ خالد كان عايز يطمن عليها.
زينة بصّت لياسمين وابتسمت:
ـ آه، صاحيه وجنبي.
معتصم:
ـ طب ادّيها التليفون تكلمه.
زينة ناولت الموبايل لياسمين وهمست لها:
ـ خالد عايز يكلمك.
وش ياسمين احمّر خجل، ومدت إيدها وخدت التليفون، وزينة خدت الأكل وخرجت البلكونة بالفطار.
ياسمين:
ـ ألو.
خالد أول ما سمع صوتها، قام بسرعة وخرج للبلكونة عشان يتكلم على راحته.
خالد:
ـ عاملة إيه النهاردة؟
ياسمين:
ـ الحمدلله، أحسن كتير.
خالد:
ـ وحشتيني.
سكتت ياسمين من الخجل، قلبها بيدق بصوت تسمعه هي بس.
خالد تنهد وسأل بهدوء:
ـ ساكتة ليه؟
ردت بخجل واضح في صوتها:
ـ بسمعك.
خالد ابتسم وقال:
ـ عايز آجي آخدك نروح مشوار سوا النهاردة.. إيه رأيك؟
ردت بتوتر وقلق بسيط:
ـ مشوار إيه؟
خالد طمّنها بنبرة دافئة:
ـ هقولك لما أشوفك.
ياسمين بتوتر:
ـ في إيه يا خالد؟ قلقتني.
خالد ضحك وقال بهدوء:
ـ حبيبتي متقلقيش من أي حاجة وأنا موجود. هو لما واحد يحب يخرج مع مراته، تبقى حاجة تقلق؟
سكتت ياسمين من الكسوف.
خالد كمل بصوت هادي فيه حنية:
ـ هعدي عليكي بالليل.. تكوني جاهزة. اتفقنا؟
قالت برقة:
ـ اتفقنا.
قفلت المكالمة، وزينة رجعت من البلكونة، وبصت لها بسعادة باينة في عينيها:
ـ في إيه؟
ياسمين:
ـ خالد هياخدني بالليل وهنخرج سوا.
زينة ابتسمت بحب:
ـ ربنا يسعدكم.. طب يلا نفطر، وبعدها تختاري فستان حلو من عندي تلبسيه وانتي خارجة معاه.
ياسمين ابتسمت، وقربت منها وحضنتها:
ـ انتي أجمل إنسانة قابلتها في حياتي يا زينة.. دخلتي قلبي كأنك أختي.. ربنا يخليكي ليا.
زينه بسعادة: ويخليكي ليا ياسمين.
في بيت اللواء وحيد.
علت صرخة كارما فجأة، وهزّت سكون الصالة بصدمتها:
ـ إيييه!! خالد اتجوز البنت دي؟! إزاي؟! وإمتى؟! وإشمعنى هي؟!
اتكلمت بهيرة، والشرار بيطلع من عينيها:
ـ أكيد بنت مش سهلة زي أمها!! اللي خلى أمها قدرت تضحك على أبوكي وتتجوزه من ورا أهله في السر وتخلف منه اتنين.. مش هستغرب لما بنتها تستخدم نفس الأسلوب مع ابني!
دموع الغيظ لمعت في عيون كارما وهي بتقول بقهر:
ـ وانا اللي كنت فاكرة إنه رافضني علشان اسم بابا!
علشان سمعته، وإنه ظابط ومش عايز يربط اسمه ببنت راجل مات وهو تاجر سلاح!
هي مش بنت نفس الراجل؟ مش شايلة نفس الاسم؟
إشمعنى اختارها هي؟
اتكلمت عبير، أم كارما، بصوت غاضب ونبرة مليانة مرارة:
ـ عشان بنت مش سهلة زي ما خالتك قالت!
وأنا مش هسمح إنها تكرر معاكي نفس اللي أمها عملته معايا!
وبصّت بغضب ناحية أختها بهيرة وقالت:
ـ انتي هترضّي إن البنت دي تبقى مرات ابنك؟!
ردت بهيرة بثقة فيها كبرياء:
ـ مستحيل أقبل..
وكنت هسيب البيت لحد ما يطلقها.
بس خالد هو اللي مشي وساب البيت!
كارما صرخت بقهرة:
ـ معقووول؟! كمان ساب بيته عشانها؟!
جرت بسرعة على أوضتها، دموعها بتسبق خطواتها.
وبالصدفة، دخل اللواء وحيد من الباب، شاف حفيدته وهي بتجري على أوضتها منهارة، فبص بسرعة ناحية بناته.
ـ بهيرة!
صوته كان حاد وهو بيقول:
ـ انتي قولتي قدام كارما إن خالد اتجوز البنت دي؟!
ردت بهيرة بعناد:
ـ آه يا بابا، قلتلهم.
هو ده ينفع يتخبى؟!
اللواء اتنفس بغضب، وقال:
ـ لأ يا بهيرة.. كان لازم يتخبى.
أنا لحد دلوقتي معرفتش الشرقاوي إن خالد اتجوز حفيدته، وقولتله إني هرجعها لحد بيته بنفسي!
عبير وبهيرة اتبادلوا نظرات القلق، وقالت عبير بدهشة:
ـ وهترجعها إزاي يا بابا؟ مش خالد اتجوزها رسمي؟
ردّ بثقة الرجل الغامض اللي واخد قراره:
ـ زي ما اتجوزها.. هيطلقها.
أنا عارف بعمل إيه كويس، ومش عايز أي واحدة فيكم تدخل في الموضوع ده تاني.
وكان المفروض كارما ما تعرفش حاجة خالص!
خفضت بهيرة وشها، وقال أبوهم وهو بيبص لعبير:
ـ اتكلمي مع بنتك.. حاولي تقنعيها إن خالتها فهمت الموضوع غلط، وإن مفيش جواز ولا حاجة.
إحنا كلنا عارفين إن كارما بتحب خالد، ومعلومة زي دي هتبقى حاجز بينه وبينها، خصوصًا لو عرفت إنه اتجوز أختها!
عبير قالت بقلق:
ـ هاقنعها إزاي إن ده مش حقيقي؟!
قال بصوت حاسم:
ـ اتصرفي.
ثم لف ناحيه بهيرة وقال بحدة:
ـ وانتي.. ولا كلمة عن الموضوع ده لأي حد تاني.
الكلام ده لو خرج لحد تاني.. هتبقي انتي السبب في نهاية مستقبل ابنك!
بهيرة ارتبكت وبصّت لأختها بقلق واضح.
في المساء – داخل شركة الشرقاوي.
كان يحيى قاعد على مكتبه، ملامحه مشدودة وهو مستني معلومات عن الظابط "معتصم" صاحب العربية اللي كانت قدام المستشفى.
بعد دقايق، وصله ملف مختصر على الموبايل: الاسم بالكامل، الرتبة، عنوان السكن، ومكان خدمته.
بص في التفاصيل، وقام من مكانه بسرعة وعينيه فيها نظرة إصرار.
---
تحت شقة معتصم.
نزلت ياسمين من العمارة، خطواتها متوترة وقلبها بيدق بسرعة.
خالد كان مستنيها بالعربية، أول ما شافها ابتسم، ونزل فتح لها الباب وهو بيقولها بهدوء وحب:
ـ شكلك زي القمر النهاردة.
قالت بتوتر وخجل:
ـ هو إحنا هنروح فين؟
بصّ لها وقال بابتسامة غامضة:
ـ هاخدك مكان متأكد إنه هيعجبك.
هزت راسها بخجل وهو بدأ يتحرك بالعربية.
في الوقت نفسه – عند معتصم.
كان في مأمورية "ضبط وإحضار" لمجرم هارب.
المكان متحدد، والخطة محطوطة، ومعتصم قدامه فريق من رجاله، كلهم جاهزين.
بص في ساعته، وقال:
ـ نتحرك.
انطلقت المأمورية وهو قافل تليفونه.
.........
تحت العمارة – نفس العنوان اللي ظهر في ملف الظابط معتصم.
وقف يحيى بعربيته قدام العمارة، عينيه بتراقب المكان بدقة.
البوابة مشددة، وأفراد أمن قاعدين قدامها، واضح إنهم مش بيسمحوا لأي حد يدخل.
بهدوء محسوب، بص للسكرتيرة اللي كانت قاعدة جنبه وقال بهمس:
ـ نفذي الخطة.
هزّت السكرتيرة راسها وفتحت الباب بهدوء ونزلت بخطوات واثقة.
في الخلف، كانت في عربيتين واقفين، جواهم رجال يحيى المسلحين، مستنيين الإشارة.
السكرتيرة قربت من رجال الأمن عند باب العمارة وابتسمت بابتسامة ناعمة، وقالت برقة:
ـ مساء الخير.. معلش، شقة الظابط معتصم هنا ولا في العمارة اللي جنبها؟
بصّ لها واحد من الأمن باستغراب وقال:
ـ لأ يا فندم هنا.. بس الظابط معتصم مش موجود دلوقتي.
قالت له بلطافة مصطنعة:
ـ طب ممكن أتكلم مع أي حد من أهله؟ فيه موضوع ضروري جدًا.
رد الأمن، بنظرة متحفزة:
ـ المدام بتاعته فوق.. بس ممنوع حد يطلع.
السكرتيرة قربت أكتر بخطوة، وقالت بإلحاح لطيف:
ـ مش هطلع ولا حاجة، بس أكلمها من التليفون.. الموضوع يخص حضرة الظابط، ومش هينفع يتقال غير ليها شخصيًا.. أرجوكم، الموضوع حياة أو موت.
الأمن اترددوا لحظة، وبعدين واحد منهم اتصل على الشقة، وفعلاً، زينة ردت.
السكرتيرة همست وسألتهم قبل ما تكلمها:
ـ اسمها إيه؟
الامن:
ـ مدام زينة.
أخذت السماعة وقالت بصوت ناعم فيه غموض:
ـ ألو؟ مدام زينة؟
أنا محتاجة حضرتك في موضوع شخصي جدًا يخص حضرة الظابط معتصم.. الأمن بلغني إن محدش مسموح يطلعلك، فقولت أكلمك من تحت.
زينة ردت بقلق:
ـ موضوع شخصي إيه؟ إنتي مين؟!
قالت السكرتيرة بهدوء:
ـ معلش.. لو تقدري تنزلي دقيقة بس، هتفهمي كل حاجة.
الغيرة والشك كانوا أسرع من عقل زينة.
نزلت بسرعة، وهي في قمة التوتر.
---
بعد دقايق قليله جدا
عند مدخل العمارة.
زينة قربت من السكرتيرة، وقفت قدامها وسألتها بعصبية متحفظة:
ـ حضرتك مين؟ وعايزة إيه بالظبط؟
ردت السكرتيرة بابتسامة هادية:
ـ مش هينفع نتكلم هنا.. ممكن نمشي خطوتين بس بعيد عشان محدش يسمعنا؟
زينة بصّت لها بريبة، لكنها وافقت ومشيت معاها بره العمارة.
أول ما خرجوا على الرصيف الجانبي، وقفت زينة وقالت بحدة:
ـ اتكلمي بقى، إنتي مين؟ وإيه الموضوع الشخصي اللي بينك وبين جوزي؟
رفعت السكرتيرة إيدها بإشارة بسيطة وهي بتقول:
ـ استهدي بالله بس.. أنا هفهمك كل حاجة.. الموضوع إن...
وفجأة، من بعيد، أشار يحيى بإيده من جوه عربيته.
في لحظة، العربيتين اللي وراه اتحركوا بسرعة، ووقفوا قدام العمارة.
رجال يحيى نزلوا بسرعة، مسلحين، وفي ثواني كانوا حوالين المكان!
السكرتيرة دفعت زينة بقوة لجوه العربية المفتوحة، وزينة صرخت لكن صوتها اتخنق لما راجل جوه العربية حط شريط لاصق على بؤها بقوة!
الرجالة رفعوا السلاح في وش الأمن، ومنعوهم يتحركوا،
واحد فيهم قال بتهديد:
ـ ولا نفس!
الأمن اتجمدوا في أماكنهم من هول الموقف.
ركبت السكرتيرة جنب زينة، والعربية انطلقت بيهم بسرعة.
وراهم على طول، كانت عربية يحيى بتتحرك بهدوء، وهو بيبتسم بنصر هادي.
الاختطاف تم بنجاح، وبسرعة متقنة.
رجال أمن العمارة كانوا واقفين مشلولين.. مش عارفين يعملوا إيه.. ولا حتى لحقوا ياخدوا رقم العربية!
في حضن الجبال العالية، تحت ضوء القمر الساطع.
ركن خالد عربيته في مكان هادي، منعزل، بتحاوطه جبال شامخة كأنها حراس للصمت.
نور عربيته كان كافي يلون المدى حواليهم، وضوء القمر ناعم بينور السماء بنور فضي خفيف.
بص لياسمين وقال بهدوء:
ـ ننزل.
زاغت نظراتها في المكان وسألته بتوتر:
ـ ننزل فين؟
ابتسم ليها بهدوء، وفتح باب العربية ونزل.
لحظة ونزلت وراه، خطواتها مترددة في البداية، لكن أول ما وقفت برا، نسيم الهوا لفها بحنان، كأن الطبيعة كلها بتطبطب عليها.
وقفت قدامه، بصّت حواليها بدهشة وقالت:
ـ إيه المكان ده؟
رد عليها وهو بيبص في عينيها:
ـ إيه رأيك فيه؟
قالت بابتسامة خفيفة:
ـ جميل أوي.. بس جبتني هنا ليه؟
قرب منها، مسك إيديها وقال بنبرة دافية:
ـ جبتك هنا عشان تصرخي بكل صوتك وتطلعي كل الحزن والوجع اللي جواكي..
جبتك هنا عشان تقفلي صفحة الحزن وتفتحي معايا صفحة جديدة.
بصّت له مستغربة:
ـ اصرخ؟!
اتحرك خطوات بعيد عنها، وبص لها وهو بيضحك وقال:
ـ المكان هنا صدى صوته غريب.. اسمعي.
وبصوت عالي نادى:
ـ ياسميننننننننننننن.
صدى صوته ارتد بين الجبال، باسمها، كأنه بينده عليها من كل اتجاه.
ابتسمت لا إرادي، قربت منه وقالت بنفس الحماس:
ـ خالدددددددددد.
ضحكت لما سمعت صدى صوتها، وخالد رجع لها، عيونه متشبعين بالعشق.
مسك إيديها وقال:
ـ عيون خالد انتي.
احمر وشها من الخجل، وهو رفع إيده بحنية ولمس خدها.
قالها بصوت واثق:
ـ بحبك.
وفجأة، لف إيديه حوالين خصرها ورفعها لفوق وهو بيلف بيها بحماس وقال بصوت عالي يهز الجبال:
ـ بحبككككك يا ياسميننننننننن.
حست إنها بتطير.. الهوا بيحضنها، وصوته بينحت حبهم على صخور الجبال.
نزلها على الأرض، وفك الحجاب بتاعها برفق، ومرر إيده في شعرها وفرده عشان النسيم يداعبه.
مسك أيديها، وذكريات أول لقاء ليهم لمعت في عينيها.
افتكرت لما كانوا بيهربوا من العصابة سوا، وهي ماسكة إيده وبتجري.
وكأنهم بيعيشوا نفس اللحظة بس المرة دي بيهربوا من أحزانهم.
رجليهم وقتها كانت بتعدي فوق الأرض.. لكن قلوبهم طايرة فوق السما.
رجعوا للجري، بنفس العفوية، نفس النبض.
وفجأة، وقف خالد، وبص لها وقال بصوت عالي:
ـ أي وجع جواكي.. خرجيه هنا.
ـ أي أمنية نفسك فيها.. قوليها بصوت عالي.
بصّت له والدمعة في عينيها، لكن صوتها كان ثابت:
ـ نفسي أحمد يرجعلي.
ـ ونفسي انت تفضل دايمًا معايا.
قرب منها، لمس خدها وقال بإصرار:
ـ هيرجع.. صدقيني هيرجع.
ـ وأنا.. أنا هفضل معاكي لآخر لحظة في عمري.
بعد عنها خطوتين، وفتح دراعه للسماء، وقال بصوت عالي يرن:
ـ انا بحبك من كل قلبي يا ياسمين...
بحبككككككككك.
جرت عليه ورمت نفسها في حضنه، لف بها في دوامة عشق، حضنه كان أمان، وكان وعد، وكان بداية لحياة جديدة.
تبدأ من هنا.. من وسط الجبال.. من صدى صوته وهو بيعلن حبه لها، ومن ضحكتها اللي رجعت للحياة من ثاني... بقلمي ملك إبراهيم.
رواية منعطف خطر الفصل الخامس والثلاثون 35 - بقلم ملك ابراهيم
أنا هفضل معاكي لآخر لحظة في عمري.
بعد عنها خطوتين، وفتح دراعه للسماء، وقال بصوت عالي يرن:
ـ أنا بحبك من كل قلبي يا ياسمين... بحبككككككككك.
جريت عليه ورمت نفسها في حضنه، لف بيها في دوامة عشق، حضنه كان أمان، وكان وعد، وكان بداية لحياة جديدة... تبدأ من هنا.. من وسط الجبال.. من صدى صوته وهو بيعلن حبه ليها، ومن ضحكتها اللي رجعت للحياة من تاني.
...........
في مكان مهجور.
وقفت العربيات تبع يحيى، ونزلوا منها زينة وهي عينيها مليانة رعب، وقلبها بيرجف من الخوف.
كان المكان كئيب، عبارة عن مخزن قديم تابع ليحيى، كانوا بيخزنوا فيه السلاح زمان، جدرانه مقشرة وريحة التراب والزيت تقيلة في الهوا.
عيون زينة كانت بتدمع بصمت، وشفايفها مقفولة بلاصق خنق صوتها زي ما الرعب خنق نفسها.
قعدوها على كرسي حديدي مهزوز، وربطوا إيديها ورا ضهرها بحبل خشن زاد من وجعها، بس وجع القلب كان أعمق.
دخل يحيى بخطوات ثابتة، في عينيه نظرة قسوة مش غريبة عليه، وعلى شفايفه ابتسامة سخرية.
قال بنبرة باردة، فيها نوع من الجنون المقنع بالهدوء:
ـ بقى حتة عيلة لسه مولودة امبارح.. تستغفلني أنا؟ تيجي المستشفى تمثلي إنك صاحبة ياسمين، وأنتي أصلاً جاية تستكشفي المكان لجوزك وصاحبه عشان يجوا يخطفوها؟
هزت راسها بـ"لا"، ودموعها نزلت بغزارة وهي بتنهار بصمت.
أشار يحيى لأحد رجاله، فقام وفك اللاصق من على بؤها.
اتكلمت زينة بصوت متقطع، مشوش بالبكا:
ـ أنا فعلاً صاحبة ياسمين، وبحبها.. كنت خايفة عليها منك.. وجوزي وصاحبه أنقذوها، مش خطفوها!
ضحك يحيى ببرود، ضحكة ما فيهاش رحمة، وهو بيقرب منها خطوة بخطوة، كأن قربه في حد ذاته تهديد.
قال بنبرة رخيمة لكنها مرعبة:
ـ آه.. وتفتكري إن ياسمين ممكن تردلك الجميل ده؟ وتيجي تنقذك هي كمان؟
سكتت زينة، ونظرتها ليه كانت مليانة قرف وخوف في نفس الوقت.
قرب منها أكتر، ولمعة عينه كانت باينة، لمعة الراجل اللي فقد الإحساس بوجع الناس.
قال:
ـ ياسمين فين؟
ردت بإصرار وهي بتحاول تثبت نفسها وسط الخوف:
ـ معرفش!
مسك تليفونه، وابتسامة هادية مرسومة على وشه، بس كانت أخطر من أي غضب.
قال بثقة وهو بيبص لها:
ـ هنعرف مع بعض دلوقتي.
اتصل برقم خالد، وبعد ثواني بسيطة قال بسخرية:
ـ إيه ده! تليفون الباشا خارج الخدمة!
وبعين ماكرة سألها:
ـ رأيك يكون فين دلوقتي؟
زينة فضلت ساكتة، ورفضت تجاوبه، كانت عارفة إن أي رد هيضر ياسمين وخالد.
هز يحيى راسه، وقال بصوت منخفض وهو بيركز نظراته عليها:
ـ عندك حق.. أنا عارف مين اللي هيعرف يوصله.
مسك تليفونه تاني، واتصل باللواء وحيد، وفضل مستني الرد كأنه متأكد إن الطرف التاني هيرد.
ـ سيادة اللواء.. أخبارك؟
رد اللواء بنبرة حادة:
ـ عايز إيه يا يحيى؟
ـ عايز الباشا حفيدك.. هو فين؟ وتليفونه ليه خارج الخدمة كده؟
اللواء وحيد قال بصرامة وقلق بدأ يظهر في صوته:
ـ أنت مالك ومال حفيدي؟ مش جدك فهمك تبعد عن الموضوع؟ وأنا وعدته إني هرجعلكم بنت عمك!
قعد يحيى على كرسي قصاد زينة براحة، وكأن المشهد كله تحت سيطرته، وقال:
ـ يا سيادة اللواء.. أنا مش عايز أتعبك معانا.. واطمن، أنا اتصرفت. بس بلغ الباشا حفيدك إن زي ما هو معاه أمانة تخصني.. أنا كمان معايا أمانة تخصه. ولو عايز يرجع أمانته.. يرجعلي أمانتي.
اللواء سكت لحظة، قلبه بدأ يدق بسرعة، وهو بيحاول يلم أطراف الخيوط اللي بدأت تتشابك في دماغه.
ـ أمانة إيه اللي عندك يا يحيى؟ أنت عملت إيه؟
رد يحيى بنبرة باردة مميتة:
ـ خليه يكلم صاحبه الظابط معتصم.. وهو يقوله أنا عملت إيه.
وقفل المكالمة، وهو بيبتسم ابتسامة خبيثة بانتصار، ونظراته لزينة كانت كلها تهديد.
زينة بصت له بخوف حقيقي، وشعرت لأول مرة إن الشخص اللي قدامها مش إنسان عادي. ده مريض نفسي خطر.
عند اللواء وحيد، في أوضة مكتبه.
كان واقف، بيخبط بإيديه على المكتب بعصبية شديدة، صوته الداخلي بيصرخ من القلق والغضب.
كلام يحيى كان خطر، وأسلوبه كان أخطر.
يحيى مش طبيعي.. وعايز ياسمين بأي تمن.
وخالد مستعد يواجه الدنيا كلها عشانها.
فضل يردد لنفسه:
ـ البنت دي هي سبب المصايب كلها!
وجودها خطر.. وجودها هيخرب حياة الكل!
لازم ألاقي حل.. البنت دي لازم تختفي.. تختفي من حياة حفيدي ومن حياة يحيى كمان.
........
عند خالد وياسمين.
كانوا راجعين في عربية خالد، جو العربية دافي بحالة فرح هادية.
ياسمين كانت قاعدة جنبه، الضحكة منورة وشها، ولسه صدى صوته وهو بيقول "بحبك" بيرن جواها كأن قلبها بيعيد تشغيل اللحظة دي كل ثانية.
خالد كان بيبصلها من وقت للتاني، وابتسامتها بالنسباله كانت أعظم انتصار.
أخيراً رجعت لها الضحكة اللي كان بيدور عليها من أيام.
لكن الهدوء اتكسر أول ما دخلوا منطقة فيها تغطية، ورن تليفون خالد.
بص على الشاشة، وكان المتصل واحد من رجالة خالد المكلفين بمراقبة يحيى الشرقاوي.
فتح المكالمة بسرعة، وكان حاسس إن في حاجة مش طبيعية.
جاله الصوت على الطرف التاني لاهث ومتوتر:
ـ أخيراً يا باشا فتحت تليفونك.. في حاجة خطيرة حصلت، بتصل عليك من بدري وتليفونك كان برا التغطية!
شد خالد جسمه، ونبرة القلق ظهرت في صوته:
ـ في إيه؟ قول بسرعة!
ـ يحيى الشرقاوي... كنت متابع كل تحركاته زي ما أمرت، ومن ساعتين تقريباً وقف بعربيتين قدام عمارة وخطف بنت من هناك.
قلب خالد اتقبض، ووشه اتغير فجأة وهو بيسأله بصوت جاد:
ـ العمارة دي عنوانها إيه؟
رد الراجل وقال العنوان... عنوان عمارة معتصم.
داس خالد فرامل العربية فجأة، وكأن الدم اتجمد في عروقه.
ياسمين بصت له برعب، لمحت الصدمة على وشه، وسألته بخوف:
ـ في إيه يا خالد؟
كان سامعها، بس وعيه كان مشغول بالمكالمة، عقله بيجري أسرع من كلامه.
فجأة صرخ في التليفون:
ـ ومشيت وراهم؟ عرفت خدوها فين؟
رد الرجل:
ـ أيوه يا باشا، خدوها على مخزن قديم في منطقة مهجورة.. شكله من اللي بيخزنوا فيه سلاح. أنا هناك لسه، براقب من بعيد ومستني تعليماتك.
داس خالد بنزين العربية لأقصى سرعة، وقاله:
ـ خليك مكانك.. أنا جاي حالاً، ولو في أي حركة أو يحيى خرج من عندك، كلمني فوراً.
اسم "يحيى" وقع في ودن ياسمين كأنه رصاصة.
قلبها بدأ يدق بسرعة، وبصت لخالد وقالت بقلق بيزيد:
ـ يحيى عمل إيه؟
رد خالد بعصبية وهو بيزيد السرعة:
ـ خطف زينة مرات معتصم!
شهقت ياسمين شهقة كبيرة وكتمتها بإيديها، وصوتها طالع مرتجف:
ـ خطف زينة؟!! ليه؟ دا ممكن يأذيها يا خالد!
وبصت قدامها بخوف:
ـ زينة طيبة، ومالهاش ذنب في اللي بيحصل ده.
دموعها بدأت تلمع في عينيها، وبصت له وقالت بحرقة:
ـ أنا قولتلك من الأول.. رجعني ليهم. يحيى مش هيسكت.
رد خالد بغضب مفاجئ، صوته عالي وعصبي:
ـ أرجعك ليهم إزاي؟ أنتي مراتي!
ويحيى ده أنا هسجنه وهخليه يندم ندم عمره على كل غلطة عملها في حياته.
ياسمين سكتت، بس كانت بتبكي بخوف على زينة، والسيناريوهات السودا بدأت تتكرر في خيالها وخوفها على زينة من يحيى بيزيد.
خالد اتصل بمهاب وهو سايق، كان لازم يعرف إذا معتصم عرف.
رد مهاب وقاله إن معتصم طلع مأمورية ولسه مرجعش.
خالد قاله بسرعة:
ـ يحيى خطف زينة مرات معتصم، وأنا رايح دلوقتي شقة معتصم أسيب ياسمين هناك وأطلع على المكان اللي أخدوها فيه.
مهاب ما استناش وقال بسرعة:
ـ أنا جاي معاك يا خالد.
وقفل وجري.
في الطريق...
مهاب كان طالع من المديرية، بيجري بكل سرعته.
وقابله معتصم راجع من مأموريته، مستغرب شكله وقال وهو بيضحك:
ـ إيه يابني؟ بتجري زي البطة كده ورايح فين؟
بس ملامح مهاب كانت مختلفة، جدية بشكل خلى الدم يتجمد في عروق معتصم.
وقف مهاب وقالها مباشرة:
ـ زينة... مراتك اتخطفت.
يحيى الشرقاوي خطفها من شقتك.
اتسحب الدم من وش معتصم، وعينيه توسعت، وكل حواسه وقفت.
---
تحت عمارة معتصم.
وقف خالد بعربيته، وكان في ظابط وعساكر وبوكس، والناس متجمعة حوالين مدخل العمارة.
أمن العمارة واقفين بيحكوا للظابط، والوجوه كلها متوترة.
نزل خالد بسرعة، وياسمين وراه.
قرب من الظابط وسلم عليه:
ـ خير يا علي.. إيه اللي حصل هنا؟
رد الظابط بجدية:
ـ أمن العمارة بلغ إن واحدة من السكان اتخطفت من قدام العمارة.
خالد بص لأمن العمارة بغضب:
ـ اللي اتخطفت.. مدام زينة مرات الظابط معتصم؟
أحد أفراد الأمن قال بقلق:
ـ أيوه يا باشا.. بس والله ما كنا نعرف!
في واحدة ست كلمتها ونزلتها تتكلم معاها تحت، وإحنا كنا قريبين منهم بس ملحقناش نتحرك.
بصله الظابط علي وسأله:
ـ إيه اللي بيحصل يا خالد؟
رد خالد وهو بيبص حواليه بضيق:
ـ هفهمك كل حاجة.. بس أطلع مراتي فوق الأول بعيد عن الزحمة دي.
راح لياسمين، ومسك إيدها وهو بيقربها من مدخل العمارة.
لكنها وقفت عند الباب وقالت بعناد، وصوتها مخنوق:
ـ مش هدخل يا خالد!
ـ زينة اتخطفت بسببي أنا، وهي مالهاش ذنب.
ارجعني ليحيى وخذي زينة.
خالد بص لها بعصبية، ومسك دراعها بحدة:
ـ انتي هتفضلي تقولي كلام ملوش معنى؟
وسحبها على شقة معتصم.
باب الشقة كان موارب، فتحه بعصبية، ودخلها وقال بتحذير واضح:
ـ اقعدي هنا، ساعة بالكتير وزينة هترجع.
بصت له بعناد، لكنها ما لحقتش ترد، كان قفل الباب ونزل.
وقفت في نص الشقة، وبصت حواليها، وكل ركن فيها بيصرخ باسم "زينة".
حست بتأنيب ضمير قاتل، ودموعها بدأت تنزل بصمت.
تحت العمارة.
نزل خالد، وكان معتصم ومهاب وصلوا.
معتصم باين عليه الانفجار، صوته عالي وهو بيزعق في الأمن، وعينيه بتدور على أي أثر.
خالد قرب منه بسرعة، وقال وهو بيهديه:
ـ أنا عارف المكان اللي خدوها فيه.. يلا ننقذها الأول، وبعد كده اعمل اللي انت عايزه.
الكل اتحرك بسرعة، والظابط علي طلع بعربيته هو وقوته، واتجهوا كلهم ناحية المخزن.
في شقة معتصم.
ياسمين ماقدرتش تستحمل تقعد ولا دقيقة تانية، ضميرها بياكلها، والإحساس بالذنب خانقها.
هي السبب في اللي حصل لزينة، وعارفة كويس مين يحيى وقد إيه ممكن يكون خطر ومجنون.. عارفة إنه ممكن يعذب زينة زي ما كان بيعمل فيها، وإنه مش هيرجعها إلا لما ترجع هي تحت سيطرته.
قامت بسرعة، فتحت باب الشقة ونزلت، قلبها بيخبط في صدرها وهي خارجة من العمارة.
وقفت تاكسي، وادته عنوان بيت جدها.
المسافة لبيت الشرقاوي كانت أقرب بكتير من المكان المهجور اللي فيه زينة.
كانت عايزة توصل بسرعة.. قبل ما يعمل حاجة متهورة.
قدام بيت الشرقاوي.
نزلت ياسمين من التاكسي وهي بتجري، دخلت البيت تنادي بصوت عالي:
– يحيى! يحيى!!
خرج جدها من أوضة المكتب وهو مصدوم شافها واقفة قدامه.
قرب منها وقال بذهول:
– ياسمين؟ إنتي رجعتي إزاي؟!
بصت له وهي بتكتم غضبها بصعوبة:
– يحيى فين يا جدي؟
جدها: ماله يحيى؟
ياسمين: خطف بنت بريئة عشان يجبرني أرجعله! وأنا رجعت أهو.. بس يرجع البنت دي بيتها، هي مالهاش ذنب!
جدها اتصدم من كلامها وبسرعة اتصل بيحيى من تليفونه.
في المخزن المهجور.
رد يحيى بهدوء غريب:
– خير يا جدي؟
صوت جده كان حاد وقاطع:
– إنت خطفت بنت يا يحيى؟!
ضحك يحيى بنص صوت:
– إنت عرفت منين؟ بتراقبني ولا إيه؟
جده: ياسمين رجعت، وهي اللي قالت لي. رجع البنت حالًا!
عين يحيى اتسعت من الصدمة:
– ياسمين رجعت؟!
أخذت ياسمين التليفون من جدها، واتكلمت بعصبية وصوتها بيرتعش من التوتر:
– رجعي زينة دلوقتي يا يحيى.. ما تقربش منها ولا تلمسها، ولا تفكر تأذيها!
ضحك يحيى وهو بيبص على زينة اللي كانت قاعدة تبكي بهدوء:
– غالية أوي عليكي صاحبتك دي! بس اعذريني.. مش هرجعها إلا لما أتأكد إنك مش عاملة فخ ولا متفقة مع حضرة الظابط.
ردت ياسمين بغضب: أنا في بيت جدك، ولوحدي!
سكت لحظة، وابتسم بانتصار:
– كويس.. خليكِ عندك، لسه لازم نتفق. وبعدها نشوف هعمل إيه.
قفل المكالمة، حس إنه كسب الجولة.
دي فرصته.. فرصته يجبر ياسمين تبقى مراته، وهو ماسك ورقة ضغط حقيقية.
بص لزينة وهو بيقرب منها بخطوات باردة، وقال بابتسامة مريبة:
– شكلك غالية أوي عند ياسمين.
زينة بصت له بخوف، دموعها كانت نازلة من غير صوت.
بص للرجالة وقال:
– محدش يقرب منها.. واستنوا مني تليفون.
خرج يحيى من المخزن وركب عربيته، وعينه مليانة رضا وشماتة.
في مكان بعيد..
الراجل اللي كان بيراقب اتصل بخالد فورًا:
– باشا، يحيى خرج من المخزن وركب عربيته، ومشي. أتابعه؟
خالد: خرج لوحده ولا معاه البنت؟
– لوحده يا باشا.. البنت لسه جوه.
خالد: خلاص، خليك مكانك.. إحنا قربنا نوصل.
في عربية خالد.
معتصم كان قاعد جنبه، قلبه بيتخلع من مكانه، كل خلية في جسمه بتصرخ: "زينة!"
الذنب بيكسر قلبه.. هي ساعدته لما طلب منها، وهو ماقدرش يحميها.
كل لحظة بتمر كانت كأنها سنة، وكل فكرة في دماغه كانت بتخوفه من المصير اللي ممكن تكون زينة بتعيشه دلوقتي.
بعد دقايق.. في المخزن.
كانت زينة قاعدة في مكانها، خايفة ومرتعشة..
المكان مظلم وبارد، وريحة الرطوبة فيه خانقة، ونظرات رجالة يحيى ليها كلها شر وتهديد.
كل ثانية بتمر كانت كأنها سنة، وقلبها بيخبط في صدرها من الرعب.
فجأة...
صوت ارتطام قوي دوى في المكان، وباب المخزن طار من مكانه بعد ما عربية شرطة اقتحمته بقوة.
صرخات، أوامر، وأصوات أسلحة ارتفعت فجأة..
رجال شرطة كتير اقتحموا المكان بأسلحتهم المرفوعة، وأولهم كان معتصم!
عيون زينة كانت بتدور في المكان برعب، لكن أول ما شافت معتصم، الوقت وقف.
شافت في عينيه خوف ولهفة، شافت وعد بالنجاة.
معتصم جري ناحيتها، وهو بيصرخ بأوامر تهديد:
– الكل ينزل السلاح! محدش يتحرك!
خالد ومهاب كانوا وراه، والظابط علي معاه القوة قبضوا على الرجالة اللي في المخزن بسرعة وحسم.
رجالة يحيى ماقدروش يقاوموا قدام قوة الشرطة، واتحطت القيود في إيديهم في لحظات.
زينة كانت بتعيط وهي لسه قاعدة مكانها، دموعها نازلة بس مش قادرة تتكلم.
معتصم نزل على ركبته قدامها، بص لها وعينه مليانة وجع:
– انتي كويسة؟
هزت راسها بـ "آه" وهي بتبكي من الصدمة والخوف.
فك قيودها بسرعة، ووقفها قدامه، وبعدها حضنها بكل قوته.
ضمها كأنه بيحاول يرجع لها الأمان اللي ضاع.. وهمس بصوت مهزوم:
– أنا آسف يا زينة.. كل ده حصلك بسببي.
زينة كانت بتعيط وهي في حضنه، وإيديها بتتشبث فيه كأنه ملاذها الأخير.
خالد شاور للظابط علي علشان يبدأوا في نقل المقبوض عليهم للقسم، ويبدأوا في إجراءات القبض على يحيى الشرقاوي بتهمة اختطاف إنسانة بريئة.
معتصم خرج بزينة وهو لسه محتضنها، دخلها العربية، وقعد جنبها وسألها بقلق وهو بيطمن عليها بعينيه قبل كلامه:
– انتي حاسة بحاجة؟ في حد أذاكي؟ قرب منك؟
هزت راسها وهي بتبكي:
– أنا كويسة الحمد لله.
قرب منها، وقبّل مقدمة راسها وقال لها بصوت مختنق:
– سامحيني يا زينة.. أنا آسف.
قرب مهاب وخالد عليهم.
مهاب قال بهدوء:
– حمد لله على السلامة يا زينة.. انتي كويسة؟
هزت راسها بالإيجاب.
خالد بص لها بحزن وقال:
– أنا آسف يا زينة.. اللي حصلك ده بسببي.. وانتي لا ليكي ذنب ولا تستاهلي ده.
زينة بصت له وقالت بحزن واستغراب:
– بس انت رجعت له ياسمين ليه يا خالد؟ إزاي؟ ده مريض! أكيد دلوقتي بيأذيها!
خالد اتجمد في مكانه:
– أنا مرجعتش ياسمين.. هي في شقتكم، مستنيانا نرجع بيكي.
زينة رمشت بذهول وقالت:
– لأ.. أنا سمعت يحيى بيتكلم معاها في التليفون، وقالها إنه مش هيرجعني غير لما يتأكد إنها رجعت فعلًا! وكان باين إنه ناوي يساومها!
معتصم ومهاب بصوا لبعض بذهول، وكلهم اتلفتوا لخالد.
خالد بص لها، وصوته بدأ يتوتر:
– انتي متأكدة يا زينة؟ سمعتيه بنفسك؟
زينة قالت وهي بتحاول تفتكر التفاصيل:
– أيوه.. سمعته وهو بيكلمها، وبعدها خرج من المخزن!
خالد غمض عينيه بصدمة، قلبه بدأ يدق بسرعة، وفجأة ضرب العربية برجله بعنف، وقال من بين أسنانه:
– ليه يا ياسمين؟! ليه تعملي كده؟!
ركب عربيته بسرعة، ووشه كان بيولع من الغضب، واندفع بالسواقة كأنه رايح يحارب الدنيا كلها.
في بيت الشرقاوي.
دخل يحيى وهو معاه مأذون واتنين شهود.
كانت ضحكة السخرية والانتصار مرسومة على وشه، وكأنه كسب الجولة قبل ما تبدأ.
ياسمين كانت قاعدة في انتظاره، ملامحها جامدة، قوية، مافيش أي تعبير واضح على وشها،
وجدها كان قاعد قصادها، بيفكر بقلق ودهشة، إزاي يحيى خرج عن طوعه وبقى بيخطط وينفذ عملية خطف من غير ما يرجع له أو ياخد رأيه.
يحيى قرب منهم وقال بنبرة ساخرة وهو بيبص لها:
– حمد لله على السلامة يا ياسمين.. نورتِ بيتك.
وبص للمأذون والشهود اللي وراه، وشاور لهم على أوضة مكتب جده وقال للخدم:
– استضيفوهم لحد ما ندخل.
رجع يبص لياسمين وقال بنغمة كلها خبث:
– أنا جبت المأذون والشهود معايا عشان ما نضيعش وقت.. كفاية الوقت اللي ضاع..
وأحمد أخوكي كل يوم بيسألني عنك ونفسه يشوفك.. قلت له إننا هنتجوز الأول، وبعدين نروح له هناك نقضي شهر العسل زي ما وعدتك.
كانت ياسمين ساكتة، بتبص له بنظرة غريبة، نظرة مافيهاش خوف، لكن فيها برود غامض.
البرود ده خلى يحيى يحس بلحظة قلق جواه، لحظة صغيرة، لكنها غرست نفسها جواه.
جدها اتدخل وقال له بصرامة واضحة:
– إزاي تخطف بنت وتعمل كل اللي عملته ده من غير ما تعرفني وتاخد رأيي يا يحيى؟!
رد يحيى بثقة:
– أنا وانت يا جدي طرقنا مختلفة.. أنا بوصل لهدفي بأي ثمن.. حضرتك بتحب تفكر وتوزن الأمور..
أنا بحب أتحرك بدماغي.
(وبص لياسمين مباشرة وهو بيكمل)
واقدرت ارجع ياسمين وأخليها تيجي برجليها لحد هنا.. مش دي النتيجة اللي كنا بندور عليها؟
جده بص له بغضب وقال:
– وده مبرر إنك تعمل المصايب دي؟ تخطف مرات ظابط يا يحيى؟!
رد يحيى ببرود أكتر:
– مافيش حاجة تثبت إني خطفت حد..
أنا كنت في شركتي، وعندي بدل الشاهد 100.
والرجالة اللي خطفوها، لو الحكومة قبضت عليهم أو حتى ماتوا، مش هينطقوا بكلمة واحدة ضدي.
وحتى لو البنت بنفسها قالت، تثبت إن أنا اللي خطفتها!
أنا اتربيت على إيدك يا جدي، وأنت اللي علمتني أحسب خطواتي.
وأديك شوفت، في كام ساعة، قدرت أخلي بنت عمي المحترمة ترجع البيت وبإرادتها.
ياسمين كانت لسه ساكتة، لكن نظراتها كلها استحقار.
يحيى قرب منها وقال بصوت فيه تهديد واضح:
- دلوقتي صحبتك تحت إيدي، ورجالتي معاها، مستنيين كلمة مني.
يا إما يسيبوها، يا إما يخلصوا عليها.
ياسمين اتوترت، بس حاولت تداري ده بصوت قوي:
- والمطلوب؟
رد ببرود:
- نتجوز.
ضحكت ياسمين ضحكة كلها برود، وقالت له بهدوء:
- هتتجوزني إزاي؟
هو ينفع واحدة تتجوز مرتين؟!
يحيى اتجمد مكانه، ملامحه اتبدلت، وبص لها بصدمة:
- تقصدي إيه؟
قامت ياسمين من مكانها، وقفت قصاده وقالت بنبرة كلها تحدي:
- أنا متجوزة يا يحيى... متجوزة خالد سالم الدريني.
وفي اللحظة دي...
دخل خالد من الباب.
رواية منعطف خطر الفصل السادس والثلاثون 36 - بقلم ملك ابراهيم
هتتجوزني إزاي؟
هو ينفع واحدة تتجوز مرتين؟!
يحيى اتجمد مكانه، ملامحه اتبدلت، وبص لها بصدمة:
- تقصدي إيه؟
قامت ياسمين من مكانها، وقفت قصاده وقالت بنبرة كلها تحدي:
- أنا متجوزة يا يحيى... متجوزة خالد سالم الدريني.
وفي اللحظة دي، دخل خالد من الباب وشاف ياسمين واقفة قصاد يحيى بتحدي.
خالد دخل بخطوات سريعة، عينيه مولعة بغضب مكتوم، وصوته جه قوي وهو بيقول:
- كلام ياسمين صح، هي مراتي على سنة الله ورسوله، وبعقد رسمي.
وسحب ياسمين من دراعها ووقفها وراه بحماية ووقف قصاد يحيى وهما بيتبادلوا النظرات بغضب.
يحيى بص لخالد كأنه شاف كابوس قديم بيطلع له تاني، وشه شحب واتقلب غضب وصدمة في نفس الوقت.
بص لياسمين وقال بصوت بيترعش:
- بتكدبي... انتي بتلعبي لعبة رخيصة عشان تنقذي صحبتك!
رد خالد بصوت غاضب ونبرته مشتعلة بالغضب:
- مفيش حد بيلعب ألعاب رخيصة هنا غيرك يا يحيى! وصحبتها اللي كنت بتساومها عليها؟ رجعت دلوقتي بيتها مع جوزها، ورجالتك اتقبض عليهم، وأنت هتلحقهم كمان شوية.
نظرت ياسمين ليحيى وضحكة خفيفة كلها ثقة ارتسمت على ملامحها:
- أنا جيت هنا وأنا متأكدة إن جوزي هييجي ياخدني.
والتفتت لجدها ونظرتها اتبدلت بالجدية والشجاعة، وقالت بصوت ثابت:
- أنا وخالد متجوزين رسمي يا جدي، يعني لا أنا مخطوفة ولا هربانة.
أنا جيت عشان نقفل الموضوع ده، وعايزة أعيش حياة مستقرة بعيد عن المشاكل، ومش عايزة حد يتأذى بسببي.
وبعد إذنك، هطلع آخد حاجتي من فوق، لأني رايحة أعيش مع جوزي على طول.
يحيى كان متجمد مكانه من الصدمة ومش قادر يستوعب إن خالد سابقه وكان أسرع منه واتجوزها وقفل أي طريق يوصله ليها!
هز الشرقاوي رأسه بالموافقة بصمت، وكأن صمته اعتراف بالأمر الواقع.
بصّت ياسمين لخالد بسرعة وقالت:
- هطلع أجيب شنطة هدومي بسرعة وأنزل.
وأول ما اختفت في الدور العلوي، بص الشرقاوي لخالد بعينين مشتعلة بالغضب وقال:
- هي دي الأصول يا ابن الأصول؟ تتجوز بنتنا من ورانا؟!
رد خالد بنبرة هادية لكن حاسمة:
- ياسمين مش صغيرة، وأنا اتجوزتها برضاها، مش بالغصب زي ما حضرتك كنت عايز تجوزها لحفيدك!
يحيى ابتسم ابتسامة كلها خبث، ملامحه كانت مشوشة بين الصدمة والانكسار، ولسه مش قادر يستوعب إن خالد فعلًا غلبه في معركته الأخيرة. قال بصوت مليان غل:
- مش هسيبك تتهنى بيها يا خالد، ياسمين مش هتكون لغيري.
خالد كان واقف ثابت، عارف إن يحيى بيحاول يستفزه ويدفعه للغلط، لكن رغم كل وعيه، الكلمة الأخيرة جرّحته في كرامته ومراته. وفجأة، بدون تفكير، اندفع بإيده ولكم يحيى في وشه بقوة، وصوته انفجر بالغضب:
- اللي أنت بتتكلم عليها دي مراتي.
الشرقاوي ما استناش، اتدخل بسرعة قبل ما الدنيا تفلت من إيدهم، ووقف بين الاتنين عشان يمنع الخناق من إنه يتصاعد. مسك يحيى من دراعه بشدة وهو بيبعده بعصبية، خايف يغلط أكتر ويكمل في طريق مالوش رجعة. وبنظرة ضيقة مليانة شك وقلق، وجّه كلامه لخالد بحدة:
- وجدك، سيادة اللوا، يعرف بالجوازة دي؟
رد خالد بثقة واضحة وهو بيقابل نظراته بعين قوية:
- تقدر تكلمه بنفسك وتسأله.
وفي اللحظة دي، دخل الظابط "علي" ومعاه قوة من الشرطة، والهدوء اللي كان مسيطر على المكان انفجر فجأة بصوت أوامر سريعة وحركة متوترة. العساكر انتشروا حوالين البيت، وكل العيون اتوجهت ليحيى، وهم بيقبضوا عليه بتهمة الخطف.
يحيى ما قاومش، بالعكس، كان واقف بثقة غريبة، كأن كل اللي بيحصل ده مجرد مرحلة وهتعدي. ملامحه كانت هادية بشكل مريب، ونظراته بتقول إنه متأكد إنه هيخرج منها.
في نفس اللحظة، نزلت ياسمين بسرعة وهي شايلة شنطة صغيرة فيها حاجات بسيطة. قلبها بيخبط في صدرها من التوتر، لكنها كانت مصممة تخرج من الجحيم ده. لما شافت المشهد قدامها، وقفت متجمدة مكانها، واتسعت عينيها بذهول وهي بتشوف الكلبشات بتتقفل في إيد يحيى.
خالد ما استناش. قرب منها بسرعة، مد إيده وخد منها الشنطة من غير ما ينطق بكلمة. ملامحه كانت حاسمة، وحركته فيها حنية مكبوتة. مسك إيدها بخفة وسحبها وراه، وهو بيحاول يخرجها من المكان اللي بقى كله توتر وانهيار. خرجوا سوا بسرعة، وسابوا وراهم بيت الشرقاوي مليان وجع وصدامات ما خلصتش.
***
فتح خالد باب العربية لياسمين بصمت.
نظراته كانت جامدة، ملامحه مشدودة، والزعل باين في كل حركة. هو مش بس متضايق، هو موجوع من تصرفها. كسرت كلمته، عرضت نفسها للخطر، وجت بيت جدها رغم كل التحذيرات.
ركب جنبها وسحب الباب بقوة، وساد بينهم صمت تقيل، بيقطّع القلب.
ياسمين بصت له، عينيها كانت مليانة إحساس بالذنب، كانت عارفة إن جواه غضب مش بسيط، وإنها السبب.
قالت بهدوء، صوتها شبه هامس:
- كنت عارفة إنك هتيجي تاخدني على فكرة...
وعشان كده جيت، كان لازم الموضوع ده يتقفل، عشان محدش يتأذى بسببي تاني.
كلامها ما ريّحهوش، بالعكس، زاد النار جواه.
قال بعصبية نارية وهو بيبص قدامه:
- مين اللي طلب منك تيجي هنا؟ مش أنا قولتلك هنرجع زينة؟
فاهمة عملتي إيه؟
لما كلمتي الزفت اللي اسمه يحيى، وخلتيه ييجي هنا يساومك؟
في نفس اللحظة، كنا بنقتحم المكان اللي زينة كانت مخطوفة فيه.
كان هيتقبض عليه متلبس...
لكن دلوقتي؟
دلوقتي يقدر يثبت إنه ماكنش هناك، وإنه ملوش علاقة بالخطف، ولا برجالته اللي اتقبض عليهم، ومفيش واحد من رجالته هينطق بكلمة واحدة ضده!
نزلت عيون ياسمين للأرض، وقالت بحزن ناعم:
- أنا مكنتش متخيّلة إنكم هتوصلوا لزينة بالسرعة دي...
خفت عليها من جنانه، وهي مالهاش ذنب.
خالد هز رأسه ببطء، صوته كان مليان خيبة وحزن:
- مكنتيش متخيّلة...
عشان مش بتثقي فيا يا ياسمين.
حاولت تتكلم، تشرح، تعتذر، لكنه قاطعها بحسم، صوته مش بس غضبان، صوته موجوع:
- خلاص يا ياسمين، مش عايز أتكلم أكتر من كده.
أنا فعلًا متعصب ومش طايق نفسي.
دلوقتي هنروح شقة معتصم، تطمني على زينة، وتنزلي معايا.
هنبات الليلة دي في أوتيل، وبكره هنروح شقتنا.
ماقدرتش ترد.
هي عارفة إنها غلطت.
سكتت، وسابوا الكلام وراهم، وكمل معاهم صمت تقيل، صاحبهم طول الطريق.
---
في بيت الشرقاوي...
الظابط "علي" كان بيحط الكلبشات في إيد يحيى، والجو كله مشحون.
الحاج شرقاوي حاول يمنعهم، صوته عالي وانفعاله واضح:
- حفيدي معملش حاجة! مفيش دليل ضده... مش هتاخدوه من هنا!
لكن ماحدش سمع له.
ويحيى خرج معاهم بخطوات واثقة، كأنه مش أول مرة، وكأنه متطمن إنه هيطلع منها زي كل مرة.
الشرقاوي ما ضيّعش وقت، مسك تليفونه واتصل على طول باللواء وحيد.
قال بانفعال واضح:
- يحيى حفيدي اتقبض عليه بتهمة خطف بنت! لازم يخرج... بأي تمن.
اللواء وحيد رد بصوت غاضب، مليان ملل:
- مش أنا قلتلك تبعده عن الموضوع ده يا شرقاوي؟
حفيدك مجنون، وهيودينا كلنا في داهية!
الشرقاوي انفجر فيه:
- وإنت يا سيادة اللوا؟
إنت معرفتش تبعد حفيدك عن ياسمين ليه؟
كنت عارف إنه اتجوزها وساكت؟ كنت ناوي على إيه؟
اللواء وحيد رد بثقة:
- هيطلقها...
مش هتفضل على ذمته كتير.
الشرقاوي قال بحدة:
- ده ميهمنّيش دلوقتي...
اللي يهمّني إن يحيى يخرج... وبأي تمن!
بعد وقت في شقة معتصم...
دخلت ياسمين أوضة زينة بهدوء، وكانت نظراتها متوترة وقلقانة.
معتصم كان قاعد جنب زينة، بيحاول يهديها بكلامه ونظراته، صوته هادي وفيه حنان واضح.
قربت ياسمين من سرير زينة، وانحنت ناحيتها وقالت بصوت فيه حزن وارتياح في نفس الوقت:
- حمد لله على السلامة يا زينة.. أنتِ كويسة؟
زينة هزت راسها بابتسامة خفيفة، نظرتها لياسمين كانت ممتنة ومليانة مشاعر:
- ليه عملتي كده يا ياسمين؟ معقول أنتِ رجعتي لهم عشان تنقذيني؟
معتصم وقف من مكانه بهدوء، حس إنهم محتاجين لحظة لوحدهم.
بص لزينة وقال بلطف:
- هجيبلك كوباية عصير عشان تهدي.
وخرج من الأوضة، وسابهم وسط لحظة دافية.
زينة، أول ما الباب اتقفل، عدلت قعدتها بسرعة وحماس كأنها كانت مستنية اللحظة دي، وقالت لياسمين بعيون مليانة فرحة:
- شوفتي يا ياسمين؟ شوفتي معتصم كان خايف عليا قد إيه؟!
أنا فرحانة أوي... مش قادرة أوصفلك!
قربت منها أكتر، وحكت بحماس طفولي:
- آه لو كنتي شوفتيه وهو داخل ينقذني!
كان بيجري عليا كأنه بيدور على روحه...
أنا شفت الخوف الحقيقي في عينيه...
كنت حاسة إني بطلة في فيلم رومانسي، وحبيبي البطل جاي ينقذني!
ياسمين بصتلها بصدمة ممزوجة بالضحك، وقالت وهي بترفع حاجبها بدهشة:
- زينة... قولي لي بجد...
هو يحيى خبطك على دماغك بحاجة وإحنا مش عارفين؟
متأكدة إنك فرحانة عشان اتخطفتي؟!
ضحكت زينة وقالت بحماس أكتر، وهي بتحاول تشرح مشاعرها اللي مش قادرة تخبيها:
- بصي... آه، يحيى ده مجنون وأنا كنت مرعوبة منه، بس...
بسببه اتحقق حلمي!
أنا عشت لحظة كنت بتخيلها طول عمري.
كان نفسي تبقي معايا وتشوفيه...
معتصم هو اللي أنقذني، وشكله كان رهيب وهو ماسك سلاحه وبيجري عليا بخوف...
كنت مبسوطة، مبسوطة أوي.
ضحكت ياسمين، وكانت لسه هترد، لكن الباب اتفتح، ودخل معتصم وهو شايل كوباية العصير في إيده.
قرب منها بهدوء، وعينيه على زينة بلهفة وقلق.
وقفت ياسمين، وبصت لهم بنظرة فيها مودة ولمعة خفيفة في عينيها، وغمزت لزينة بخفة، وقالت لمعتصم:
- خلي بالك منها يا معتصم...
هي محتاجة تحس بالأمان دلوقتي، وهتفضل فترة خايفة ومتوترة لحد ما تنسى اللي حصل.
قرب معتصم من زينة وقال بجدية فيها حنان صادق:
- أنا مش هسيبها تاني أبدًا...
هفضل دايمًا معاها.
ابتسمت ياسمين، وخرجت من الأوضة بهدوء، وسابتهم لوحدهم،
سابت وراها لحظة دافية بين اتنين، خوفهم قربهم، والحب كان أصدق رابط بينهم.
في الصالة،
كان مهاب قاعد، ماسك الريموت بإيد ومتكئ باليد التانية على الكنبة.
كان بيقلب بين القنوات بملل واضح، كأن حتى التلفزيون مش قادر يخرجه من زهقه.
قربت منه ياسمين وسألته بنبرة هادية:
- خالد راح فين؟
رد مهاب بنصف ابتسامة وسخرية خفيفة:
- واقف في البلكونة...
ابن الدريني بقى بيعد النجوم الصبح وبالليل.
ضحكت ياسمين، وهزت راسها، واتحركت ناحية البلكونة بخطوات خفيفة.
فتحت الباب بهدوء، ودخلت.
خالد كان واقف، شارد وعينه معلقة بالسماء، كأنه بيدور على حاجة ضايعة فيها.
وقفت جمبه، ومدت إيدها بخفة وخبطته على كتفه بمشاكسة وقالت بنبرة فيها خفة دم:
- بقولك إيه يا حضرة الظابط...
أنا عايزة أعمل محضر صلح مع جوزي،
إيه الإجراءات بقى؟
ما بصش ليها، ولا حتى اتحرك...
فضل ثابت، كأن كلامها ما وصلش.
سندت على كتفه أكتر، وقالت وهي بتشاور للسماء:
- على فكرة في نجمة هناك...
أنت نسيت تعدها.
لكن برضه ما جاش منه رد،
ساعتها وقفت قدامه مباشرة، وبصت له بعينين فيها ندم ورقة وقالت بهدوء:
- أنا آسفة...
متزعلش مني.
بص لها أخيرًا، لكن بنظرة جامدة، وصوته جه ببرود:
- لا، يا ياسمين...
أنا فعلًا زعلان،
عشان مسمعتيش كلامي...
وما وثقتيش فيا.
ردت بسرعة، وملامحها كلها رجاء:
- لا والله! أنا بثق فيك جدًا...
وعشان كده روحت بيت جدي وقلبي مطمن...
كنت متأكدة إنك هتيجي تاخدني، ومفيش حد هيقدر يمنعك.
وكنت خايفة على زينة.
قلت أتكلم مع يحيى وأشغله لحد ما توصلوا لها،
كنت مرعوبة يأذيها بجنونه وما يرحمهاش.
صوته ارتفع بغضب مكبوت، ونبرته كانت حادة:
- مين طلب منك تعملي كده؟
ورايحة تساوميه على إيه؟
ضحكت غصب عنها من الموقف وقالت:
- ما هو فكر إنه يقدر يضغط عليا...
وجاب معاه المأذون والشهود كمان،
كان متخيل إني هوافق أتجوزه.
خالد اتجمد في مكانه، وبص لها بذهول وصدمة:
- كمان جايب مأذون وشهود؟!
ردت وهي بتحاول تكتم ضحكتها، بنبرة بريئة:
- بس أنا ما وافقتش طبعًا...
قلت له: مينفعش أتجوز مرتين!
خالد بص لها بغيظ، صوته ما بين الغضب والذهول:
- لا كتر خيرك والله...
جدعة.
قربت منه أكتر، ونظرتها اتكسرت بالندم وقالت برقة صافية:
- خلاص بقى يا خالد،
أنا آسفة والله...
مش هعمل كده تاني،
صالحني.
بص لها خالد، وعيونه كانت بتحارب ما بين زعله وحبه...
لكن قلبه دايمًا كان بيخسر قدامها.
فتح دراعاته وضمها ليه، وهي غمضت عينيها جوا حضنه،
وحست بأمان ما لقتوش غير في حضن خالد وبس.
هو كمان كان محتاج اللحظة دي...
كان بيطمن قلبه بإنها قريبة منه،
هي متعرفش هو حس بإيه لما عرف إنها رجعت بيت جدها،
ولا قد إيه قلبه اتقطع من الخوف عليها.
بعد لحظة سكون دافية، قال بصوت هادي:
- يلا ننزل.
هزت راسها بالموافقة، وقالت بابتسامة خفيفة:
- هسلم على زينة بسرعة...
وننزل.
دخلت ياسمين تسلم على زينة.
وخالد قرب من مهاب وقعد جنبه في الصالة، ومعتصم خرج من أوضة زينة وقرب منهم وقال لخالد:
- سيب ياسمين تبات هنا مع زينة يا خالد لحد ما تستلم شقتك الجديدة بكرة!
رد خالد بنبرة حاسمة:
- لا يا معتصم...
أنا حجزت في أوتيل وهنبات فيه الليلة، وبكره هستلم الشقة.
ضحك مهاب وقال وهو بيبص لخالد بنظرة ماكرة:
خالد خايف يسيبها، يلاقيها هربت تاني على بيت جدها!
خالد بص له بنرفزة وقال بحدة:
خفيف أوي.
معتصم رد بنبرة فيها ضيق:
حد من العيال اللي قبضنا عليهم اعترف على يحيى؟
هز خالد راسه وقال بنبرة جادة:
معروف إن رجالتهم مبيتكلموش... الصبح هروح القسم وأشوف "علي" عمل معاهم إيه.
وفي اللحظة دي، خرجت ياسمين من أوضة زينة.
خالد قام ووقف وقال بهدوء:
هنمشي إحنا.
مهاب كان لسه قاعد بيتفرج على التلفزيون وساكت كأنه مش سامع.
خالد بص له وقال بنفاد صبر:
ما تقوم يا بني آدم! روح على شقتك أنت كمان!
مهاب رد وهو عامل نفسه مظلوم:
هو احنا مش هنتعشى الأول؟! يعني كل واحد مراته تتخطف، يروح ينقذها، وأنا أكون معاكم في المغامرة، أجري وأتعب، وفي الآخر تمشوني من غير عشا؟!
ضحكت ياسمين، وخالد بص لمعتصم وقال بنفس مخنوق:
شوف هتعشيه إيه... أنا ماشي.
معتصم قال بسرعة، كأنه بيهرب من الفكرة:
أعشي مين! خده معاك وإنت نازل، متسيبهوش هنا!
مهاب بص لياسمين بنظرة درامية وقال:
هو أنا شكلي بانطرد يا ياسمين، صح؟
ضحكت وقالت له:
هما مش عارفين قيمتك على فكرة!
رد بثقة:
صح... إنتِ أكتر واحدة بتفهم هنا.
خالد قال وهو بيقوم مهاب:
طب قوم، وأنا هطلبلك عشا على البيت عندك.
مهاب وقف وقال لمعتصم بنبرة خبيثة وكوميدية:
خلي بالك من مراتك، عشان لو اتخطفت تاني... أنا مش مسؤول! لما أنتوا مش قد الجواز بتتجوزوا ليه مش عارف أنا!
معتصم بص له بغيظ وقال لخالد:
خد الواد ده من قدامي يا خالد بدل ما أخلص عليه.
مهاب بص لخالد وقال بنبرة جادة:
أنت اللي هتحاسب على الأكل على فكرة.
ياسمين ضحكت، وقربت من خالد، مسك إيديها بخفة، وهو بيرد على مهاب بغيظ:
همك على بطنك دايمًا.. اتفضل قدامي.
ونزلوا سوا من الشقة.
بعد خروجهم، معتصم دخل يطمن على زينة، ولقاها نايمة بهدوء. قرب منها، وقعد جنبها على السرير، إيده امتدت بهدوء ولمست شعرها بحنية. كان بيبصلها وكأنه بيحفظ ملامحها جواه. البنت دي دخلت قلبه من غير ما يحس، وبقت مهمة في حياته أكتر مما كان يتخيل. الخوف اللي حسه عليها مكنش بس عشان بنت عمته اللي اتجوزها بعدم رضاه اتخطفت... كان خوف نابع من القلب... البنت اللي بيحبها من كل قلبه.. مسؤولة منه وحبها بدأ يتمكن منه من غير ما يعترف بيه لنفسه. كل اللي كان محتاجه دلوقتي، إنه يطمن قلبه... ويحس إنها جنبه، آمنة، بخير. اتمدد جنبها بهدوء، وضمها لحضنه... وساب نفسه ينام، وقلبه أخيرًا حاسس بشيء من السلام.
في جناح راقٍ داخل أوتيل مشهور، دخلت ياسمين بصمت وهي حاسة بقلبها بيدق بسرعة. كانت حاسة بكل خطوة بتاخدها جوه الأوضة... كأنها بتدخل عالم جديد مش متعودة عليه.
خالد وقف عند الباب، قفل وراه بهدوء، وبص لياسمين بنظرة فيها احتواء وقال:
هنمات هنا الليلة دي بس، وبكره إن شاء الله نروح بيتنا.
ياسمين هزت راسها بخجل وتوتر، وخدت بيجامة من شنطتها بسرعة، ودخلت الحمام من غير ما تبصله.
خالد وقف في مكانه، ساكن من بره، لكن جواه كان مليان قلق. قلبه مش ثابت، والمكان حواليه بيشهد على لحظة عمره ما عاشها قبل كده. دي أول ليلة يتقفل فيها عليه باب واحد معاها... بس توتره مكنش لمجرد إنها أول ليلة، التوتر الحقيقي كان من كل الحاجات اللي تقيلة على قلبه. وعدها إنه هيرجعلها أخوها ولازم يوفي بوعده، ووعد نفسه إنه يكون أمان ليها في مواجهة العاصفة اللي لسه ما خلصتش. ويحيى؟ هو أكتر حد متأكد إنه مش هيقبل الهزيمة بسهولة. وجده... اللواء وحيد، الشخص اللي كل تصرفاته ملفوفة بالغموض... واللي أكيد هيكون ليه دور تاني في القصة دي.
قطع سلسلة أفكاره صوت الباب بيتفتح... خرجت ياسمين من الحمام، مرتدية بيجامتها، شعرها مبلول ووشها فيه لمحة ارتباك. كانت بتحاول تخفي توترها، لكن ملامحها فضحتها قدامه.
خالد حس بقلبه بيرجع يدق أسرع، ابتسم ليها ابتسامة تلقائية، مش قادر يصدق إن البنت اللي خطفت قلبه واقفة قدامه كده، قريبة منه بالشكل ده.
وقفت قدام المراية، بتحاول تصفف شعرها، بس إيديها كانت بترتعش خفيف... وهو شايف، شايف كل حاجة بتحاول تخبيها.
قرب منها بخطوات هادية، ولما حست بيه وراها اتوترت أكتر، وفرشة الشعر وقعت من إيديها على الأرض.
انحنى خالد بخفة، ولما رفع الفرشة، بص لها، وقرب منها أكتر، ومد إيده على شعرها بحنية، وصوته طلع ناعم وفيه شغف حقيقي:
لو تعرفي إنتي بتعملي فيا إيه...
ردت بخجل، صوتها هادي وفيه استغراب:
بعمل إيه؟
قرب وشه من شعرها، تنفس عطرها وكأنه بيحاول يحتفظ بيه جواه، وقال بهمس مجنون بعشق:
بتجننيني.
رجعت ياسمين خطوة بسيطة لورا، التوتر مالي ملامحها، وقالت وهي بتتهرب بعفوية مرتبكة:
هو... ممكن الأكل يكون وصل لمهاب دلوقتي؟
خالد ضحك بصوت هادي وقال وهو بيقرب منها:
تصدقي؟ دي أكتر حاجة كانت شاغلة بالي فعلًا دلوقتي!
حاولت تغير الجو، فهوت بإيديها في الهوا وقالت:
هو التكييف هنا مش شغال صح؟!
رد وهو بيضحك:
لا... التكييف شغال تمااام.
اتلخبطت أكتر، وعينيها بدأت تلف بسرعة، وجريت ناحية السرير وقالت:
أنا حاسة إني بردانة جدًا... أحسن حاجة دلوقتي إني أنام. تصبح على خير!
وسحبت الغطا بسرعة وغطت وشها، بتحاول تهرب من اللي بتحس بيه.
خالد كان واقف مكانه، بيضحك من قلبه على ارتباكها البريء. خد هدومه اللي كان جايبها من شقة مهاب، ودخل الحمام.
وأول ما سمعت صوت الباب بيتقفل، اتنفست أخيرًا... وطلت من تحت الغطا بخجل، بتحاول تهدي قلبها اللي بيدق بسرعة.
همست لنفسها:
اهدي بقى يا ياسمين... ده جوزك! يعني عادي... عادي جدًا...
اهدي.
وبعد دقايق قليلة، سمعت باب الحمام بيتفتح…
رجعت بسرعة غمضت عينيها، وعملت نفسها نايمة.
خالد أول ما شافها ابتسم، كان متفهم الموقف كويس، وقلبه بقى أهدى لأنها موجودة معاه وتحت سقف واحد.
قرب من السرير، ونام جنبها.
كان حاسس برعشة خفيفة في جسمها، فهمس ليها وهو بيضحك بلطف:
- افتحي عينك يا ياسمين… متخافيش مني.
ردت عليه وهي مغمضة:
- أنا مش خايفة… أنا بس… عايزة أنام.
ضحك وهمس:
- طب تعالي نامي هنا.
وسحبها جواه بحضن هادي وحنين، قرب منها، قبل شعرها بحب، وهمس:
- أنا بحبك يا ياسمين، ومش هيحصل بينا حاجة غير لما تكوني إنتي جاهزة… ومش خايفة.
هي ما ردتش، بس ضمت نفسها جواه أكتر، غمضت عينيها في حضنه… وحست لأول مرة براحة، كأنها أخيرًا لقت حضن العالم اللي يطمنها ويحميها.
.......
في مكان تاني تمامًا… جوه القسم، ووراء القضبان الباردة… كان يحيى قاعد لوحده، الظلمة حواليه… لكن السواد الحقيقي كان جواه.
عينيه شاردة في الفراغ، عقله بيعيد المشهد ألف مرة: جواز ياسمين من خالد… اللحظة اللي هدمت كل خططه!
إزاي؟ إزاي ينهار كل شيء بالسهولة دي؟!
عينيه ولعت بالغضب، وملامحه اتشدت بكره صامت. توعد جواه، بقسم ما نطقوش لكنه سمعه كويس:
- مش هسيبهم يتهنوا… طول ما أنا عايش… مش هيعرفوا يعني إيه أمان.
رواية منعطف خطر الفصل السابع والثلاثون 37 - بقلم ملك ابراهيم
جوه القسم، ووراء القضبان الباردة...
كان يحيى قاعد لوحده، الظلمة حواليه... لكن السواد الحقيقي كان جواه.
عينيه شاردة في الفراغ، عقله بيعيد المشهد ألف مرة:
جواز ياسمين من خالد... اللحظة اللي هدمت كل خططه في لحظة!
إزاي؟ إزاي ينهار كل شيء بالسهولة دي؟!
عينيه ولعت بالغضب، وملامحه اتشدت بكره صامت.
توعد جواه، بقسم ما نطقوش لكنه سمعه كويس:
- مش هسيبهم يتهنوا... طول ما أنا عايش... مش هيعرفوا يعني إيه أمان.
.........
في شقة معتصم، صباح يوم جديد.
زينة فتحت عينيها على هدوء غريب مالي المكان... حاسة بدفا وراحة أول مرة تحس بيهم في حياتها.
كانت نايمة جوه حضن معتصم، وقلبها بيرقص من جوه.
عينيها وقعت على ملامحه الهادية، وشه كان قريب منها قوي، لدرجة إنها حست إنها بتحلم.
مدت إيديها، ولمست وشه بحنية كأنها بتتأكد إنه حقيقي.
ابتسامة صغيرة خرجت منها غصب عنها، فرحة مالهاش وصف سيطرت على قلبها.
لكن فجأة، عينيه فتحت على لمستها.
اتصدم شوية واستغرب اللي هي بتعمله، وهي اتفاجئت واتكسفت جدًا، وحاولت تقوم تبعد بسرعة.
بس إيده كانت أسرع منها، مسكها ومنعها تتحرك، وقربها منه أكتر.
ابتسم لها، ونبرة صوته كانت دافية مليانة حب:
- عاملة إيه دلوقتي؟
ردت بخجل وهي مش قادرة تبص في عينيه:
- كويسة... أنا هقوم أجهزلك الفطار.
قامت تتحرك، بس هو شدها عليه وقال بهدوء:
- خليكي... هننزل نفطر برا النهاردة.
عيونها لمعت بفرحة شبه طفلة صغيرة:
- بجد يا معتصم؟ هتخرج معايا أنا؟!
ضحك برقة:
- آه يا زينة...
قعد قصادها على السرير، مسك إيديها وقربها منه أكتر، وبحب واضح، قرب شفايفه من أيديها وباسها وقال:
- وبتمنى تقبلي تخرجي معايا...
زينة كانت على وشك إنها تطير من الفرحة، قلبها بيخبط بسرعة، نفسها متلاحق، حاسة إن حلم كبير اتحقق.
ضحكت وقالت بحماس وفرحة خارجة من قلبها:
- آه طبعًا.. دي أكتر لحظة كنت بتمناها طول عمري.
معتصم بص لها بعمق، وعينيه شايفة حب حقيقي في كل نظرة منها.
سألها بصوت كله لهفة:
- واتمنيتي إيه تاني يا زينة؟
اتكسفت، وبصت له بخجل وسكتت.
رفع وشها بإيديه، وبص في عينيها بتركيز وقال:
- هو أنا إزاي مكنتش شايف الحب اللي في عنيكي ده كله؟
سكتت، قلبها هيقف من الخجل، وكلماته كانت بالنسبالها أجمل من كل أحلامها.
قامت بسرعة وقالت بحماس طفولي:
- أنا هجهز بسرعة، مش هتأخر!
معتصم قعد يراقبها وهي بتتحرك، وافتكر الكلام اللي سمعه صدفة إمبارح...
كان جايب لها عصير، ووقف بره الأوضة لما سمعها بتقول لياسمين:
"يحيى ده مجنون وأنا كنت مرعوبة منه، بس... بسببه اتحقق حلمي! أنا عشت لحظة كنت بتخيلها طول عمري... كان نفسي تبقي معايا وتشوفيه... معتصم هو اللي أنقذني، وشكله كان رهيب وهو ماسك سلاحه وبيجري عليا بخوف... كنت مبسوطة، مبسوطة أوي."
وقتها فهم قد إيه زينة بتحبه... وقد إيه هي تستاهل حب كبير... يمكن أكبر من حبها له.
عند خالد وياسمين.
خالد صحي على صوت رنة تليفونه.
بص حواليه، ياسمين لسه نايمة جنبه، ملامحها هادية ونفسها منتظم.
بص على اسم المتصل، وأول ما شاف رقم والده، قعد بسرعة وهو حاسس بقلق.
رد:
- أيوه يا بابا؟
صوت والده كان قلقان:
- إنت فين يا خالد؟
- أنا كنت نايم... خير، في حاجة؟
ياسمين بدأت تفتح عينيها على صوت خالد وهو بيتكلم بجدية، شافته بيقوم من على السرير.
والده كمل:
- أمك تعبانة من امبارح، جبتلها دكتور، قال إن ضغطها عالي ومش راضية تاخد الدوا... ومش عارف أتعامل معاها.
خالد قال بهدوء رغم توتره باين في نبرته:
- حاضر يا بابا، أنا جاي دلوقتي أطمن عليها.
قفل المكالمة، وقعد لحظة سرحان، القلق باين على وشه.
ياسمين قربت منه، صوتها كله حنية:
- في إيه يا خالد؟
خالد:
- ماما تعبانة شوية... ورافضة تاخد دواها، فلازم أروح أشوفها.
ياسمين بدهشة:
- رافضة ليه؟!
هز راسه بمعنى "مش عارف"، وقال بسرعة:
- يلا نغير هدومنا، أوصلك عند زينة، وأنا هروح اطمن عليها وأرجعلك، وبعدين نروح شقتنا.
ياسمين وقفت لحظة، الكلام بيدور في دماغها، واستوعبت حاجة مهمة لأول مرة.
بصت له وسألته بقلق:
- خالد... عيلتك لسه ميعرفوش إننا اتجوزنا؟!
وسكتت لحظة كأنها بتسترجع كل حاجة بسرعة، وقالت بنبرة متوترة:
- أنا إزاي ماخدتش بالي إننا اتجوزنا بسرعة كده؟! أكيد هما لسه مش عارفين... صح؟
خالد قرب منها، حط إيده على كتفها وبص في عينيها وقال بثقة:
- لا يا ياسمين... أنا بلغت أبويا قبل كتب الكتاب، وبعد ما كتبنا الكتاب، رجعت وقولت ل أمي وجدي، وكل عيلتي دلوقتي عارفين.
- وهما... موافقين؟
نظرتها كانت مليانة شك وخوف وهي بتسأله.
رد خالد:
- طبعًا موافقين... أنا حبيتك واخترتك تبقي مراتي.. وعيلتي واثقين في اختياري.
ياسمين سكتت، ملامحها كانت بتقول إنها مش مصدقة 100%، قلبها مش مرتاح، وكأن في حاجة مستخبية.
خالد حاول يقطع لحظة الشك وقال بسرعة:
- هدخل أغير هدومي بسرعة، وانتي كمان جهزي نفسك.
هزت راسها بالموافقة وهي قلبها متقلب، ضيق غريب مالي صدرها، وإحساس إنها مهما فرحت، فرحتها عمرها ما هتكمل.
جهزوا بسرعة، ونزلوا من الأوتيل.
وأول ما ركبوا العربية، خالد اتصل على معتصم وهو بيشغل العربية...
........
في مكان هادي وراقي جدًا.
زينة كانت قاعدة مع معتصم على ترابيزة فطار شيك في مكان كله رُقي وهدوء... الديكور رومانسي، والإضاءة ناعمة، والمزيكا في الخلفية هادية كأنها معمولة مخصوص ليهم.
بس رغم الجو الجميل ده، زينة كانت متوترة جدًا... شكلها من برا بيضحك، لكن من جواها قلبها بيخبط، ومعدتها بتوجعها من شدة التوتر.
كانت نفسها تاكل، الأكل شكله يفتح النفس، لكن التوتر والخجل كانوا أقوى من جوعها.
معتصم كان بيبصلها بنظرة مختلفة، نظرة حب صافي... فيها إعجاب واهتمام حقيقي.
عيونه كانت فيها لمعة غريبة، لمعة زينة ما شافتهاش قبل كده...
حست إن عيونه النهارده فيها حاجة تانية، فيها دفء وسكون، وكلام كتير من غير ولا كلمة.
وفجأة رن تليفونه، بص على الشاشة، لقى خالد بيتصل.
رد وهو لسه عينه على زينة:
- أيوه يا خالد، صباح الخير.
خالد من ناحيته سأل:
- صباح النور، إنت فين؟
معتصم:
- بفطر برا أنا وزينة.
عند خالد في العربية:
خالد لما سمع إنهم برا البيت، فهم إن مش هينفع يسيب ياسمين عندهم، سكت لحظة.
بعدين سأل بصوت هادي:
- وزينة عاملة إيه دلوقتي؟
معتصم:
- الحمد لله، أحسن بكتير.
خالد:
- طب كويس، أنا كنت بطمن عليكم، وكمان كنت هجيب ياسمين تشوف زينة.. لكن خلاص، هكلمك بالليل ونيجي نقعد معاكم شوية.
رد معتصم:
- ماشي يا خالد، هنستناكم.
خالد قفل المكالمة، وسرح.
عينه فضلت ثابتة قدامه وهو سايق... جواه قلق كبير مش قادر يخبيه، مش عارف ياخد ياسمين معاه لبيت أهله ولا لأ.
خايف والدته تقول كلمة تجرحها... وفي نفس الوقت مش مطمن يسيبها لوحدها في أي مكان.
هو حاسس إنه بين اختيارات كلها مش مريحة.
ياسمين كانت ساكتة، بس إحساسها مش ساكت... قلبها مش مرتاح، وحاسه إن في حاجة مش مفهومة بين خالد وأهله، حاجة تخص جوازهم.
اتكلمت بصوت هادي مليان حزن وكأنها بتكتم حاجة:
- أنا ممكن أستناك في العربية لحد ما تطمن على مامتك وترجع...
خالد بسرعة بص لها:
- لا طبعًا... انتي هتيجي معايا، وكمان علشان تتعرفي على أهلي.
ردت بتوتر واضح في ملامحها وصوتها:
- بس... ممكن نأجل الموضوع ده دلوقتي؟ مامتك تعبانة، والوقت مش مناسب للتعارف...
خالد حس بقلقها، وفهم إن ورا كلامها شك:
هل أهله رافضينها؟
هل هي عبء عليه؟
مسك إيديها وقرب منها، وباسها بحنية واهتمام وقالها:
- هتيجي معايا يا ياسمين.
هي سكتت، بس قلبها بيقول كلام تاني...
فيه خوف، فيه قلق، فيه إحساس إن في اعتراض مستنيهم ورا الباب ده، اعتراض على وجودها في حياة خالد.
بس فضولها كان أقوى من خوفها... عايزة تشوف بعينها، وتفهم الحقيقة بنفسها.
بعد شوية، وصلوا عند بيت "الدريني".
خالد وقف بالعربية قدام البيت، وسكت لحظة... كان بيبص على البيت كأنه بيستعد لمعركة.
من جواه، دعى ربنا إن أمه تبقى هادية، ومتقولش حاجة تضايق ياسمين.
بص لها بابتسامة وشجعها:
- يلا يا ياسمين.
نزلت من العربية، وأول ما رجليها لمست الأرض، حست برجفة وتوتر...
كأنها داخلة امتحان مصيري، مش مجرد زيارة عادية.
خالد قرب منها، مسك إيديها، واتفاجئ بحرارتها الباردة جدًا...
- إيدك متلجة كده ليه؟ إنتي كويسة؟
ردت برعشة خفيفة وهي بتحاول تخبي اللي جواها:
- آه... كويسة.
خالد شك شوية، بس مردش، هز راسه واخدها من إيدها ودخلوا البيت...
أول ما دخلوا البيت، كان سالم الدريني، أبو خالد، هو اللي واقف في استقبالهم.
ياسمين أول ما شافته، حست براحة خفيفة كده خبطت في قلبها...
كان شكله طيب، وابتسامته فيها هدوء وحنية، ما خلتهاش تحس إنها غريبة.
قرب منهم وهو بيضحك من قلبه وقال بترحاب صادق:
- وأخيرًا شوفت مرات ابني... بسم الله ما شاء الله... نورتي بيتك يا بنتي.
ياسمين اتنهدت براحة بسيطة، رغم إن قلبها لسه بيدق بسرعة.
سلمت عليه بهدوء وخجل، وخالد دخل في الموضوع بهزار عشان يكسر التوتر:
- إيه رأيك في ذوق ابنك؟ أنا كده اكسب، صح؟
ضحك سالم وقال بحب واضح:
- تكسب ونص!... إنت اخترت ست البنات.
بعدين بص لياسمين وقال:
- تعالي يا بنتي، اتفضلي اقعدي.
قعدت ياسمين وهي لسه متوترة شوية، وحاسه إن في حاجة جاية مش سهلة.
خالد سأل أبوه بصوت فيه قلق واضح:
- ماما فين؟ فوق في أوضتها؟
رد سالم:
- أيوه، فوق... ومعاها خالتك وكارما.
الاسم وقع على ودن ياسمين زي الصدمة.
كارما؟!
كارما أختها؟!
معقول اللحظة دي جات؟! لحظة المواجهة؟!
خالد حاول يطمنها، وبص لها بنبرة دافية:
- أنا هطلع أشوف أمي بسرعة وأنزل.
وبعدين بص لأبوه بهزار وقال:
- مرات ابنك أمانة معاك يا حاج.
ضحك سالم وقال:
- دي بنتي وملكش دعوة بينا وشوف انت رايح فين.
خالد ضحك وبص لياسمين وقال لها:
- خلاص انتي كده خطفتي قلب الحاج سالم الدريني، زي ما خطفتي قلب ابنه.
ياسمين وشها احمر، وبصت في الأرض بخجل.
سالم زعق لخالد وهو بيضحك:
- كسفت البنت يا واد... امشي بقى، سيبني اتكلم معاها شوية.
خالد مشي وسابهم، وسالم بص لياسمين بلطف وسألها:
- تحبي تشربي إيه يا بنتي؟
ياسمين ردت بتوتر:
- شكرًا.
قال بإصرار وابتسامة:
- شكرًا إيه بس... انتي مش غريبة، ده بيتك... لازم تشربي حاجة.
إيه رأيك نشرب شاي مع بعض؟
قالت بخجل:
- ماشي.
الخادمة كانت قريبة، أمرها سالم تعمل شاي، وبعد كده أخد ياسمين وخرجوا يقعدوا في الجنينة.
الهوا والورد والطبيعة حوالين ياسمين هدوا قلبها شوية.
بدأت تحس إنها قادرة تتنفس، وإن الجو أخف من اللي كانت متوقعاه.
سالم الدريني بص لها وسألها بحنية:
- خالد عامل إيه معاكي؟
لو زعلك في أي وقت، تعاليلي وانتي تشوفي أنا هعمل فيه إيه...
من النهاردة، اعتبريني أبوكي.
كلامه دخل قلبها بسرعة... بس اللي كمل الصدمة، هو لما قال:
- أبوكي الله يرحمه... كان غالي عليا أوي.
ياسمين بصت له بدهشة:
- حضرتك كنت تعرف بابا؟!
ضحك سالم وقال:
- طبعًا يا بنتي... نسيتي إن أبوكي كان متجوز خالة خالد؟
كان راجل طيب ومحترم... منهم لله اللي خدوه للطريق ده لحد ما ضيعوه.
ياسمين وشها اتغير، وقالت بصوت فيه حزن:
- أنا مبقتش عارفة حاجة..! أنا عشت عمري كله فاكرة إن بابا معندوش عيلة وإنه كان مسافر طول الوقت عشان شغله.. لما كان بيجي في الإجازات يقضيها معانا.. كانت دي أجمل أيام حياتي.. بس بعد ما عرفت الحقيقة.. حسيت إن أنا مكنتش أعرفه.. حسيت إنه شخص غريب معرفوش.. غير بابا اللي عرفته طول حياتي!
سالم رد بثقة وهو بيبصلها في عينيها:
- أبوكي اللي انتي عرفتيه هو الحقيقي.. هي دي شخصيته الحقيقية..
لكن اللي كان عايش هنا في بيت الشرقاوي، ده اللي كان مزيف...
كان مضغوط ومجبر يعيش حياة مش بتاعته.
وبص قدامه وقال بهدوء مليان يقين:
- أبوكي اتظلم يا ياسمين...
وبكره الأيام هتكشفلك كل حاجة.
ياسمين فضلت ساكتة... بس عقلها شغال.
بصت قدامها وسرحت...
واضح إنه يعرف حاجة هي متعرفهاش.
بصت قدامها بتفكير في كلامه.
فوق في أوضة والدة خالد.
خالد دخل بسرعة وهو قلقان، لقاها نايمة على السرير وتعبانة، وخالته عبير قاعدة جنبها. وكارما كانت قاعدة على كرسي قدام السرير، أول ما شافت خالد قامت بسرعة.
قرب من أمه وهو بيكلمها بنبرة مليانة قلق حقيقي:
- خير يا أمي؟ إيه اللي حصل؟ ليه مش بتاخدي الدوا بتاعك؟!
بص لخالته وكارما بنظرة سريعة وقال بأدب:
- إزيك يا خالتي... إزيك يا كارما.
خالته ما ردتش عليه، كانت ملامحها زعلانة. أما كارما، فكانت بتبصله بلهفة واشتياق واضحين في عنيها، نفس النظرة اللي خالد مش شايفها، أو يمكن مش عايز يشوفها!
أمه ردت عليه بصوت فيه عتاب تقيل:
- لسه فاكر إن ليك أم يا خالد؟ معقول تقعد كام يوم لا تسأل ولا تطمن؟!
خالد مسك إيدها بحنية وقال بصوت كله ندم:
- عندك حق يا أمي... أنا آسف، بس المهم دلوقتي صحتك... لازم تاخدي الدوا.
خالته عبير بصت له بضيق واضح وقالت ببرود:
- هنسيبكم شوية لوحدكم.
وبصت لبنتها وقالت:
- يلا يا كارما.
كارما كانت واقفة بتبص لخالد بعيون مليانة حزن، هو مش شايف، مش حاسس، مش مهتم. سابت الأوضة ونزلت ورا مامتها، وكسرة في قلبها بتكبر.
خالد قرب من أمه أكتر وقبّل إيدها، وقال برجاء:
- عشان خاطري يا أمي.. لازم تاخدي الدوا بتاعك ومتقلقنيش عليكي.
والدته ردت بصوت ضعيف متعمد، كأنها بتستعطفه بس بتحاول تجرحه:
- هو أنا بقيت مهمة في حياتك يا خالد عشان تهمك صحتي! ما أنت خلاص، بعت أمك وعيلتك كلها عشان خاطر البنت اللي منعرفش وقعت علينا منين!
خالد عض على شفايفه من الغيظ، وقال بنبرة فيها كتمان غضب:
- من فضلك يا أمي... بلاش نفتح الموضوع ده دلوقتي. أنا كل اللي يهمني دلوقتي... إنك تاخدي علاجك وأطمن عليكي.
بس أمه ما كانتش ناوية تسكت، وقالت بعناد:
- لو فعلًا تهمك صحتي... سيب البنت دي وارجع بيتك هنا، ارجع لأهلك. قلبي بيوجعني عليك كل لحظة يا خالد، ومش قادرة أصدق إنك مش عايز تريح قلب أمك!
خالد قعد قدامها، وبص لها باستغراب ممزوج بغصة وقال بهدوء غامض:
- يعني حضرتك مش بتاخدي علاجك... عشان الموضوع ده؟! فاكرة إنك كده ممكن تضغطي عليا؟!
أمه سكتت، بس عينيها قالت كتير.
خالد بص لها وقال بحسم:
- أنا بحب ياسمين يا أمي، ومفيش أي قوة في الدنيا هتبعدني عنها.
نزلت الجملة تقيلة عليها، وساد صمت مشحون. ما بين دمعة في عين الأم، ونار في قلب ابنها، بيحاول يطفيها بحبه لمراته.
تحت في جنينة بيت الدريني، كانت ياسمين قاعدة تضحك من قلبها، على حكايات الحاج سالم عن خالد وهو صغير. حكايات طريفة ولطيفة، رجّعت البسمة لقلبها، حتى لو للحظات.
عبير وكارما كانوا نازلين من فوق، ولما وصلوا للدور الأرضي، واحدة من الخدامين قالتلهم إن الحاج سالم قاعد في الجنينة.
كارما بصت من بعيد، وشافت أبو خالد قاعد بيضحك مع بنت غريبة، أول مرة تشوفها، بس رغم كده، قلبها اتشد لها! حست بشعور غريب، وشها مش غريب عنها، كأنها تعرفها من سنين، كأنها بتبص في مراية جواها، وش مألوف وحاسّة إنه منها!
عبير شافت بنتها واقفة متجمدة مكانها، وبتبص على الجنينة بنظرة مش مفهومة، قربت منها وسألتها باستغراب:
- بتبصي على إيه كده يا كارما؟
كارما ما ردتش، عينها لسه على البنت الغريبة.
عبير بصّت ناحيتهم وشافت سالم جوز أختها، قاعد بيضحك وبيرغى مع البنت، وفهمت على طول إن البنت دي أكيد هي نفسها مرات خالد.. بنت يحيى جوزها من الست اللي كان بيخونها معاها!
انفجرت جواها نار، ومش قدرت تسيطر على نفسها، واندفعت ناحيتهم بخطوات عصبية وصوتها بيعلى:
- مين البنت دي؟! وبتعمل إيه هنا؟!
ياسمين اتفاجئت ووقفت مكانها كأن الزمن وقف.
كارما جريت ورا مامتها وهي مش فاهمة سبب الانفعال ده!
سالم قام من مكانه متضايق، وقال بحدة وهو بيبص لعبير:
- صوتك عالي ليه كده يا عبير؟ دي ياسمين مرات خالد ابني!
عبير اتصدمت، وكارما اتجمدت مكانها وهي بتبص لياسمين، وعنيها بدأت تدمع من غير ما تفهم ليه. فيه حاجة في وشها وجواها، حاجة بتشدها!
أما ياسمين، فبصت لكارما بعينين متفاجئين، وقلبها دق بقوة، حست بحاجة عمرها ما حستها قبل كده! حاجة بتقولها: دي أختك... دي كارما!
لكن عبير ما سكتتش، وصرخت وهي بتقرب من ياسمين بصوت كله غضب:
- إنتي إزاي تتجرّئي وتيجي لحد هنا كمان؟! إنتي حقيقي بجحة زي اللي خلّفتك!
الكلام وقع على ياسمين زي الصفعة، بس ما سكتتش، وعيونها ولعت وهي بترد عليها:
- إنتي بأي حق تغلطي في اللي خلفتني؟ كنتي تعرفيها منين عشان تحكمي إذا كانت هي اللي بجحة ولا إنتي!!
عبير صوتها علي أكتر، وقالت بانفعال:
- إنتي بنت قليلة الأدب!
وقربت منها بسرعة ورفعت إيدها، كانت هتضربها بالقلم، لكن خالد كان نزل من فوق بسرعة، ومسك إيد خالته قبل ما توصل لياسمين، ووقف قدام مراته، بيحميها بجسمه، وقال بصوت حاد وقوي:
- مراتي مش قليلة الأدب.
عبير بصّت على إيد خالد اللي مسك إيدها ومنعها، وكانت الصدمة باينة على وشها، نزلت إيدها وهي بتبص له بذهول وقالت بحدة وانكسار:
- إنت كمان؟! إنت واقف قصادي وبتدافع عنها يا خالد؟ بتدافع عن بنت الست اللي جوزي كان بيخوني معاها؟!
الكلام نزل على ياسمين زي النار، اتجننت من الإهانة للمرة التانية لأمها اللي ماتت بشرف، فبعدت من ورا خالد، ووقفت قدامهم بصوت عالي كله قهر وغضب:
- أمي عاشت وماتت ست شريفة ونضيفة! بابا كان متجوزها على سنة الله ورسوله.. واللي مش فاهماه بجد، إزاي بابا اتجوز على أمي واحدة زيك إنتي؟!
اللي حواليهم اتصدموا من كلمتها الأخيرة وردها الإهانة لعبير، عبير وشها اتقلب واتجمدت مكانها، وخالد بص لياسمين بقلق وقرب منها يحاول يهديها وقال بصوت قوي:
- خلاص يا ياسمين..
كفاية كده.
لكن ياسمين كانت حاسة إن قلبها بيتقطع، دموعها ماليه عنيها، بس بتحاول متنزلهاش قدامهم. ردت بصوت بيترعش من الغيظ والانفعال:
– لا مش كفاية يا خالد. الست دي لازم تفهم إن أمي ست شريفة، وكانت حب بابا الأول والأخير، ومحدش ليه حق يهينها بالشكل ده!
عبير ردت عليها بسخرية قاسية وهي بتضحك بغل:
– شريفة؟! ولما هي شريفة اتجوزت جوزي في السر ليه؟! ليه محدش من أهله كان يعرف بجوازهم؟ ليه كانوا مخبيين إنهم متجوزين ومخلفين؟ ولا كانوا بيصلحوا الغلط بغلط تاني؟!
سالم الدريني اتدخل بقوة، وصوته علي من شدة غضبه:
– عيب الكلام ده يا عبير! ما يصحش تقولي كلام زي ده لمرات ابني وأنتِ في بيتها.
عبير بصت له وهي مش مصدقة، وشها كله غضب وعيونها بتلمع:
– مرات ابنك؟! وده بيتها؟! أنت مدرك أنت بتقول إيه؟!
سالم رد بهدوء وصرامة:
– أيوه… ومدرك كويس أنا بقول إيه. وأي حد يغلط في مرات ابني… مش مرحب بيه هنا.
وفجأة دخلت بهيرة، والدة خالد، وصوتها طالع بغضب وهي بتبص لجوزها:
– إيه الكلام اللي بتقوله لأختي ده يا سالم؟!
عبير دخلت في الكلام بسرعة وهي مش قادرة تمسك نفسها:
– جوزك بيطردنا يا بهيرة! وبيقول إن البيت ده بقى بيت البنت اللي ضحكت على ابنك واتجوزته من وراكم!
الكلام وقع على ياسمين زي السكاكين، وشها اتشد، ونفسها اتحبس، وحست بكل حرف زي خنجر بيطعنها فكرامتها ووجع قلبها.
بهيرة بصت لياسمين بعين كلها كره، ووشها كان قاسي وهي بتقول بأمر ورفض:
– اخرجي برا بيتي حالًا! مش عايزة أشوف وشك هنا ولا في حياة ابني تاني!
خالد وقف قدامهم بصوت عالي كله غضب وحسم، ومسك إيد ياسمين بإصرار:
– كلمة زيادة في حق مراتي، وهتخسريني لآخر يوم في عمري.
وبعدها بص لياسمين، ورفع إيدها بكل حب ووجع، وباس إيديها قدامهم وهو بيقول بحزن حقيقي:
– أنا آسف يا ياسمين… أنا اللي حطيتك في الموقف ده.
ياسمين كانت مش شايفة قدامها، الدموع مغرقة عيونها… بس بتحاول تمسك نفسها، وما تنهزش قدامهم… رغم إن قلبها كان بيصرخ.
خالد مسك إيديها بحماية وحنان، وخرج بيها من بيتهم، وقلبه بيغلي من كل كلمة اتقالت، ومن نظرة القهر اللي شافها في عنيها.
كارما كانت واقفة، عنيها مش قادرة تسيبهم، شايفة المشهد كله ووشها متجمد. اتأكدت إن خالد عمره ما حبها! شافته وهو بيحضن ياسمين بنظراته، شافت خوفه عليها، شافت وجعه على وجعها… واتأكدت إنها كانت بتضحك على نفسها. وأمها وجدها كدبوا عليها وقالولها إن جواز خالد كان تمثيلية، وهي صدقتهم… ورجعت تتعلق بالأمل، بس دلوقتي؟ الأمل مات.
فجأة صوت خالتها بهيرة قطع شرودها وهي بتزعق لسالم:
– إزاي تستقبل واحدة زي دي في بيتي يا سالم؟! وكمان تطرد أختي عشانها؟!
عبير اتحركت وهي مولعة وقالت:
– أنا هعرف بابا بالإهانة دي يا بهيرة… والبيت ده مش هدخله تاني، لا أنا ولا بنتي… يلا يا كارما.
ومسكت إيد كارما وسحبتها وراها بعصبية.
كارما بصت وراها وهي ماشية، نظرة فيها حيرة… وجع… ومليون سؤال مالوش إجابة.
بهيرة بصت لجوزها وقالتله بحدة:
– البنت دي لو دخلت البيت تاني يا سالم… قبل ما تفتحلها الباب… تكون مطلقني.
واتحركت جوه وهي بتزق الأرض من تحتها.
سالم الدريني وقف مكانه، غضب صامت في عينيه… بس ساكت… علشان خاطر ابنه.
في العربية…
ياسمين كانت قاعدة جنب خالد، والدموع مش بتنشف من عنيها، بتعيط بانهيار… كل حاجة جواها مكسورة.
خالد كان سايق ومش عارف يهديها، كل شوية يبص لها، ويقول: "أنا آسف، حقك عليا…"
بس هي مش سامعة… ولا كلمة كانت بتدخل عقلها.
فجأة رفعت وشها له، عنيها حمر من كتر البكا، وقالت بكسرة ووجع:
– طلقني يا خالد.
رواية منعطف خطر الفصل الثامن والثلاثون 38 - بقلم ملك ابراهيم
ياسمين كانت قاعدة جنب خالد، والدموع مش بتنشف من عينها، بتعيط بانهيار. كل حاجة جواها مكسورة.
خالد كان سايق ومش عارف يهديها، كل شوية يبص لها، ويقول: "أنا آسف، حقك عليا…"
بس هي مش سامعة. ولا كلمة كانت بتدخل عقلها.
فجأة رفعت وشها له، عينيها حُمر من كتر البُكا، وقالت بكسرة ووجع:
– طلقني يا خالد.
الكلمة دي نزلت عليه كالصاعقة، عينيه اتسعت، وقال بصدمة:
– انتي ازاي قدرتي تنطقي الكلمة دي يا ياسمين؟
لكنها انفجرت بصوت عالي، صوت كله وجع وخوف وحيرة:
– لو مطلقتنيش دلوقتي… أنا هموت نفسي!
حاول خالد يمسك إيديها عشان تهدى، كان مقدر إنها مصدومة ومجروحة من كلام خالته القاسي.
لكنها كانت بتشد نفسها منه، وتصرخ وهي مش شايفة قدامها:
– خلّصني بقى… طلقني يا خالد، طلقني!
هو ساكت، سايق في طريقه، جواه نار بتحرقه، بس بيحاول يفضل هادي.
حطت إيديها على الدركسيون، وصوتها كان بيهز العربية:
– وقف العربية دي… طلقني دلوقتي! والا والله هرمي نفسي من العربية!
خالد فضل ساكت، ماسك أعصابه بأقصى قوّة، لحد ما وصلوا قدام العمارة بتاعة شقتهم الجديدة، اللي كانوا المفروض هيبدؤا فيها حياتهم السعيدة.
وقف العربية وبص لها. كانت قاعدة جنبه، ملامحها مكسورة، الدموع مغرقة وشها، وكل نفس بتاخده بيطلع منه وجع.
نظرتها كانت مليانة رجاء، كأنها بتستغيث من جواها:
– لو بتحبني بجد... طلقني.
خالد مبقاش قادر يستحمل، اتجمد في مكانه، بص لها بعدم تصديق وقال بصوت متكسر من الوجع:
– أنا مش هنطق الكلمة دي... ولو فيها موتي يا ياسمين.
هي ما وقفتش دموع، كملت بكلام بيقطع القلب، صوتها مخنوق بالبكاء:
– مبقاش ينفع يا خالد... أنا اتأكدت إنك كدبت عليا. قولتلي إن أهلك موافقين، لكن الحقيقة... إنك اتجوزتني من وراهم.
انهارت أكتر، وكل كلمة كانت خارجة من قلب موجوع:
– أنا مش كده يا خالد، أنا عمري ما كنت رخيصة عشان تتجوزني من وراهم وهما رافضين!
خالد فجأة مسك وشها بإيديه، ثبّت نظرتها فيه كأنه بيحاول يوصل لقلبها قبل ودنها، وقال بصوت متحشرج، فيه قهر وغضب:
– انتي أغلى من عمري كله يا ياسمين... أنا مكدبتش عليكي، صدقيني... قبل ما نكتب الكتاب، أبويا كان عارف، وهو الشخص الوحيد اللي رأيه يهمني. وبعد ما كتبنا الكتاب، روّحت على بيت اهلي وقولت قدام الكل إننا اتجوزنا. مين فيهم موافق ومين رافض؟ ولا يفرق معايا... أنا اللي يهمني إنك بقيتي مراتي ومش هتخلى عنك حتى لو خسرت الدنيا كلها!
ياسمين.. كانت سامعة كلامه وهي بتنهار من جواها، قلبها مش قادر يستحمل الإهانة اللي اتعرضت ليها في بيت اهله، كلام خالته عن أمها، عن شرفها وكرامتها، كأن كل حاجة اتكسرت جواها.
بعدت عنه وهي بتحاول تتنفس، وقالت بصوت بيرتجف:
– أنا تعبانة... ومحتاجة وقت أفكر.
وبصّت له، بعين بتنزف دموع:
– كان غلط كبير إننا اتجوزنا بالطريقة دي...
خالد عض على شفايفه، بيكتم غضبه بالعافية، كل حاجة جواه كانت بتصارع، لكن حافظ على هدوءه بصعوبة، وهز راسه:
– حاضر يا ياسمين... هنطلع شقتنا دلوقتي، ترتاحي وتفكري برحتك.
هي مسحت دموعها بإيديها المرتعشة، ونزلت من العربية بخطوات بطيئة، تقيلة، كأنها شايلة هم الدنيا.
دخلوا العمارة، طلعوا الشقة، وخالد فتح الباب وهي دخلت بسرعة... مش شايفة حاجة، مش حاسة بحاجة، بس عايزة تهرب من كل حاجة.
خالد وقف وراها، ساكت، مش عارف يقول إيه، قرب منها وقال بصوت هادي، بيحاول يكسر الصمت:
– تحبي نتفرج على الشقة مع بعض؟
ردت بجمود، صوتها كان فاضي من المشاعر:
– لا... أنا عايزة أدخل أي أوضة أرتاح شوية... محتاجة أكون لوحدي.
غمض عينيه، وزفر بغضب مكتوم، وحاول يحافظ على هدوءه وهو بيقول:
– الشقة كلها بتاعتك... اختاري اللي يريحك.
مشت بخطوات بطيئة، زي إنسانه مجروحة ومكسورة، ودخلت أول أوضة قدامها، قفلت الباب... وسابت وراها خالد.
قعد هو في الصالة، حاسس إنه السبب في الحالة اللي وصلت ليها، وإنه ظلمها من غير ما يقصد، وبيسأل نفسه:
إزاي يداوي جرح طلع من ناس المفروض إنهم أهله؟
إزاي يصلح اللي كسروه جواها؟
وإزاي يطمن قلبها... اللي اهله واقرب الناس ليه كانوا السبب في وجعه؟
تليفونه رن... كان رقم والده.
خالد رد بسرعة، أبوه كان قلقان وعايز يطمن على ياسمين. عرف منه عنوان شقته الجديدة، وقاله إنه جاي في الطريق.
جوه الأوضة... ياسمين كانت قاعدة على السرير، وعنيها متغرقة دموع.
الحزن ماسك قلبها بقوة، حاسة إنها اتهانت… عمرها ما كانت تتخيل إن ييجي اليوم وتتحط في موقف زي ده، واهل جوزها يطردوها من بيتهم.
كلام حماتها لسه بيرن في ودنها، كل كلمة كانت زي سكينة بتغرز في قلبها: "اخرجي من حياة ابني."
كانت الكلمة دي بالذات بتدوّي جواها وبتكسرها أكتر.
بعد شوية، سمعت صوت دق خفيف على الباب، عارفة إنه هو… عارفة إنه دافع عنها ووقف قدّام أهله عشانها، بس جواها وجع تاني… هي حاسة إنها غلطت من الأول.
حاسة إنها رخصت نفسها لما وافقت تتجوزه من غير ما أهله يطلبوها رسمي.
بس افتكرت بسرعة إن خالد اتجوزها عشان يحميها، عشان ينقذها من جحيم جدها ويحيى…
قامت بخطوات مهزوزة، وفتحت الباب.
كان واقف قدامها، عينيه مليانة وجع، شكلها وجعه… وشها متورم من البكاء، وعنيها حمرا.
قال بصوت هادي:
– بابا هنا… جاي يطمن عليكي.
ياسمين مسحت دموعها، وخرجت معاه من غير ما تنطق بكلمة.
في الصالة... سالم الدريني كان قاعد، أول ما شافها وقف على طول.
كانت حالتها مكسّرة قلبه.
في إيده ورد وشيكولاتة، مدّهم ليها بابتسامة خفيفة وقال بحنان:
– أنا جاي أعتذرلك على اللي حصل في بيتي… هتقبلي اعتذاري ولا هتحرجيني؟
ردت بسرعة وهي بتحاول تتحكم في دموعها:
– اعتذار إيه؟ حضرتك دافعت عني… أنا اللي المفروض أشكرك.
ابتسم لها بحنية، وقعدوا، وخالد قعد قدامهم، ساكت، بس عينيه كانت متثبتة عليها، بيراقب كل نفس بتاخده، وكل دمعة لسه فاضلة في عينها.
سالم بص لها وقال:
– انتي لسه متعرفيش بهيرة حماتك… هي طيبة، بس اتربت على إن كل حاجة تمشي على مزاجها. أبوها الله يسامحه هو اللي غرس فيهم الحتة دي… هي وأختها عبير الاتنين نفس الطبع. بهيرة معندهاش مشكلة شخصية معاكي، بس تقدري تقولي بتجامل أختها عبير على حسابك. عارفة إن عبير من ساعة ما عرفت إن جوزها كان متجوز واحدة تانية ومخلف منها، وهي اتجننت… حاسّة إن ده جرح كبرياء بنت اللواء اللي شايفة نفسها أعلى من الكل.
ياسمين ردت بتلقائية:
– بس بابا كان متجوز ماما قبلها! يعني هو اتجوزها على ماما، والمفروض اللي تزعل تبقى ماما!
سالم قال وهو واثق:
– أنا فاهمك يا بنتي… عارف إن أبوكي عمره ما حب عبير، وكان بالنسباله جواز مصلحة، عشان يرضي أبوه وبس. وعبير نفسها عارفة ده، وعشان كده هي موجوعة من جواها. بس أنتي وخالد مالكوش أي ذنب في العقد النفسية بتاعتها.
ياسمين بصّت للأرض وقالت بحزن:
– أنا غلطت.. مكنش ينفع أوافق على الجواز بالطريقة دي، أنا عمري ما تخيلت اني اتجوز واحد من ورا أهله.
خالد كان قاعد ساكت، بيبصلها... لكن أبوه هو اللي رد عليها بثقة ونبرة حاسمة:
– ومين قالك إن خالد اتجوزك من ورانا؟ خالد قبل ما يتجوزك كان حاكيلي كل حاجة، وقبل كتب الكتاب كلمني وعرفني، ورجع البيت وقال لبهيرة وجده كان قاعد وسامع! يبقى فين "من ورا أهله" اللي بتقولي عليه؟ وبعدين لو الموضوع ده مزعلك، أنا جيتلك لحد عندك وبطلبك بنفسى لابني… إيه رأيك؟
ياسمين رفعت عينيها ليه بدهشة حقيقية، ما كانتش مصدقة الكلام اللي بتسمعه.
سالم كمل بإصرار وهو بيبصلها:
– ولو عايزاني أروح أطلبك من جدك الشرقاوي أنا هعمل كده.
ردت بسرعة وبتوتر:
– لا… وبصّت لخالد، اللي كان لسه ساكت وعيونه متثبتة عليها، مش بيقول كلمة، ولا علّق على حاجة بتتقال بينها وبين ابوه.
سالم اتكلم تاني وهو بيحاول يطمنها:
– لما خالد قالي إنه هيتجوز، أنا وافقت من قبل حتى ما أشوف عروسته. عشان أنا واثق في ابني… عارف إنه راجل يعتمد عليه، وإن البنت اللي هيختارها تشيل اسمه، أكيد أنا هتشرف بيها قدام الدنيا كلها.
الكلام دخل قلب ياسمين، حست كأن في حد بيطبطب عليها وبيلم جروحها. بس كانت لسه موجوعة من اللي شافته في بيت خالد، الكره اللي شافته في عينين بهيرة مش سهل يتنسي، فقالت بتوتر:
– بس… أنا مش حابة إن مامته تزعل منه بسببي!
سالم رد بهدوء وطمأنينة:
– أنا قولتلك، زعل بهيرة سببه أختها، وملوش علاقة بيكي. ولو على زعلها، هو هيروح مع الوقت. انتي متفكريش غير في حياتك مع جوزك، وسيبِي أي حاجة تانية للزمن… هو كفيل يعالج كل حاجة.
ياسمين بدأت تصدّق كلامه، حست إن كلامه بيطفي النار اللي في قلبها.
سالم بَصّ لابنه وقال بدهشة:
– ساكت ليه يا خالد؟
خالد رد وهو بيبصلها بنظرة وجع:
– أنا قولت كل الكلام ده، بس واضح إن ياسمين مش قادرة تثق فيا لحد دلوقتي.
بصّت له ياسمين بخجل وحزن، ووشها نزل في الأرض.
سالم قال وهو بيحاول يخفف التوتر:
– معلش يا خالد… هي لسه مش متعودة على "الدبش" اللي بيطلع من بنات سيادة اللواء… بس بكرا تتعود عليهم.
وقف وهو بيقول:
– هقوم أنا بقى عشان اتأخرت على المصنع.
ياسمين وقفت معاه، وخالد كمان، سالم بص لخالد وقاله:
– خلي بالك من مراتك.
وبص لياسمين وقال:
– متسمحيش لأي حد يفرقكم عن بعض، وإن شاء الله ربنا يحفظكم يا بنتي.
ابتسمت له ياسمين، ابتسامة فيها حب حقيقي للراجل الطيب ده… ولروحه الطيبة اللي قدر يداويها بكلمتين.
خالد وصل أبوه، وكان سالم لسه بيوصيه على مراته وهما نازلين.
رجع خالد… وياسمين كانت لسه واقفة في نفس مكانها، مكسوفة منه، حاسه بالذنب بعد اللي قالته وطلبها الطلاق منه.
خالد دخل، خد تليفونه ومفاتيحه، وقال بجمود:
– أنا كمان هنزل… اتأخرت على شغلي.
ولسه بيتحرك من قدامها… لكن… قربت منه بسرعة، ومسكت دراعه، وقالت بصوت كله ندم:
– أنا آسفة.
قلبه دق بسرعة، لف وبصلها، وقال بحزن:
– آسفة عشان مش بتصدقي كلامي؟ ولا عشان مش بتثقي فيا؟ ولا عشان طلبتي مني…
سكت شوية، صوته اتكسر:
– أنا حتى مش قادر أنطق الكلمة دي… ومش مصدق إزاي انتي نطقتيها بالسهولة دي!
ياسمين ردت ودموعها بتلمع تاني:
– مكنش سهل عليا… بس أنا مكنتش عايزة تخسر أهلك بسببي.
بص لها خالد وهو موجوع أكتر:
– لو كنتي صدقتيني لما قولتلك إني متجوزكيش من ورا أهلي، وإنّي اتجوزتك عشان بحبك، مش لأي سبب تاني… مستحيل كنتي تفكري تطلبيها مني!
سكتت… ماقدرتش ترد. حاسه إن الكلام اللي قاله دخل قلبها وكسفها من نفسها أكتر.
خالد كان متضايق جدًا، خرج بسرعة من الشقة، وسابها واقفة لوحدها… تفكر. تفكر تصالحه إزاي.
في النيابة.
الحاج الشرقاوي كان واقف برا، متوتر ووشه مش على بعضه، والمحامين جوه مع يحيى.
بعد شوية، الباب اتفتح… وخرج يحيى والكلبشات في إيديه.
خطواته كانت تقيلة، ونظراته كلها تعب… وتحدي في نفس الوقت.
جده جري عليه بقلق:
– إيه ده؟! الكلبشات ليه في إيده؟!
رد واحد من المحامين بهدوء عشان يطمنه:
– خد أربع أيام على ذمة التحقيق يا حاج… بس متقلقش… هيخرج إن شاء الله.
يحيى كان باين عليه الضيق، بس وشه مرفوع ومكابر كعادته.
قرب منه جده وهمس ليه بصوت فيه عتاب:
– شُوفت آخرة تهورك وجنانك؟ بتخطف مرات ظابط يا يحيى؟!
يحيى بصله بثقة وبنبرة متحدية:
– قولتلك هخرج يا جدي… مفيش دليل واحد ضدي.
العسكري قرب وخد يحيى يمشي، وهو ماشي كان رافع راسه… بس عيونه كانت تعبانة.
المحامين قربوا من الشرقاوي، واحد فيهم قال:
– متقلقش يا حاج… احنا متابعين الموضوع، ويحيى هيخرج قريب إن شاء الله. اصبر يومين بس، والنيابة هتخلي سبيله. وبعدين الباشا الكبير ظبّط محضر الضبط على مزاجنا، عشان نعرف نلعبها صح ونخرجه منها.
الحاج الشرقاوي سكت، بس ملامحه كانت ما بين الغضب والخوف، حاسس إن الأمور بدأت تفلت من تحت إيده، وإن حفيده بقى عامل زي النار اللي ممكن تحرق كل اللي حواليها.
في القسم عند خالد.
دخل العسكري وقال باحترام:
– في آنسة برا عايزة حضرتك يا باشا.
خالد رفع عينه من الورق وقال:
– اسمها إيه؟
قبل ما العسكري يرد، كارما طلّت من ورا الباب وقالت بهدوء مرتبك:
– أنا يا خالد.
خالد وقف فورًا وقال:
– اتفضلي يا كارما… ادخلي.
وبصل العسكري وقال له:
– روح إنت.
كارما دخلت بخطوات مترددة، شكلها متوتر ومش على بعضه.
خالد قرب منها وقال باستغراب:
– خير يا كارما؟ إنتي جاية هنا لوحدك؟
ردت وهي بتحاول تلم أعصابها:
– ماما وجدي ميعرفوش إن أنا هنا… كنت عايزة أتكلم معاك شوية.
خالد قال بلطف:
– طب اتفضلي اقعدي… تشربي ايه؟
بصت حواليها بتوتر وهزت راسها:
– لا… مش عايزة أشرب حاجة.
سكتت لحظة، وبعدين بصت له وقالت:
– أنا جاية أسألك عن… ياسمين.
خالد سكت، مستني تكمل.
اتكلمت كارما بصوت خافت:
– هي عاملة إيه دلوقتي؟ كويسة؟
رد خالد بنبرة حزينة باينة في ملامحه:
– بتحاول تبقى كويسة… بعد اللي حصل في بيتنا، والكلام اللي اتقال قدامها.
كارما نزلت عينيها وقالت بحزن صادق:
– هتصدقني لو قلتلك إنها صعبت عليّا؟
ابتسم خالد ابتسامة بسيطة وقال:
– هصدقك يا كارما.
كارما كملت وهي بتحاول تسيطر على مشاعرها:
– أنا اتصدمت من اللي ماما عملته… الكلام كان جارح أوي… وخصوصًا إن مامتها متوفية… أي كلمة عليها بتوجع ياسمين أكتر من أي حاجة.
خالد ابتسم أكتر وقال بنبرة دافية:
– بجد فاجئتيني يا كارما… الكلام ده لو وصل لياسمين، هيفرق معاها جدًا… وهيفرحها.
كارما قالت بتوتر:
– الحقيقة أنا قبل ما أشوفها… كنت فاكرة إني بكرهها… كنت متضايقة من بابا لأنه اتجوز على ماما وخبّى ولاده… كنت كل شوية أسأل نفسي: هو كان بيحبهم أكتر منّا؟
خالد قال بهدوء:
– وممكن ياسمين دلوقتي تكون بتسأل نفس السؤال… هي كمان شايفة إن أبوها حبكوا أكتر… لأنكم كنتوا في النور وهما في السر. يعني الألم عندكم إنتوا الاتنين.
كارما سكتت لحظة وفكرت، وبعدين قالت:
– عندك حق يا خالد.
خالد اقترح:
– طب إيه رأيك تشوفيها؟ تقعدوا سوا، تتكلموا من غير أحكام علي بعض من بعيد. أنا متأكد إنكم لما تتعرفوا على بعض، المسافات هتقرب بينكم.
كارما اتوترت وقالت بصدق:
– مش عارفة! يمكن لسه مش مستعدة… أنا حتى مش عارفة أنا جيت ليه؟ قلقت عليها؟ يمكن! بس مش قادرة أجاوب على نفسي.
خالد قال بتفهم:
– شوية وقت… هو ده اللي محتاجينه دلوقتي يا كارما.
كارما وافقت بهزة راس، وقامت تقول:
– عندك حق… أنا آسفة لو عطلتك عن شغلك.
خالد وقف معاها وقال بلطف:
– لا خالص… أنا فرحت بالزيارة دي، وبكلامك… وبتمنى الزيارة الجاية تبقى لأختك… في بيتها.
كارما ابتسمت ابتسامة خفيفة وخرجت.
وخالد أخد نفس عميق، حاسس براحة، ومتطمن إن كارما مش هتبقى عدوة لياسمين.
رجع لمكتبه… بس عقله كان مع ياسمين.
في شقة معتصم.
زينة كانت قاعدة على السرير في أوضتها، عينها شاردة وابتسامة رقيقة مرسومة على وشها، بتفكر في معتصم، وطريقته معاها النهاردة لما عزمها علي الفطار برا، ونظراته اللي قلبت دنياها.
بين لحظة والتانية، قلبها كان بيدق أسرع، مش مصدقة إن ده بقى واقعها، وإنه بقى معاها.
وفجأة... صوت دق خفيف على الباب، وصوت معتصم وهو بينادي بهدوء:
– زينة...
قامت بسرعة، قلبها اتنفض، فتحت الباب بإيد بترتعش شوية.
كان واقف قدامها، ساند على الباب، شكله متوتر، وعينيه بتقول كلام كتير هو مش قادر ينطقه.
مد إيده لشعره، وعدّى صوابعه فيه كأنه بيهدي نفسه، وبنبرة هادية لكنها واضحة، قال:
– هو احنا هنفضل كل واحد فينا في أوضة لوحده كده لحد إمتى؟
زينة بصّت له بصدمة، عينيها اتوسعت، وسكتت لحظة كأنها مش قادرة تستوعب اللي سمعته.
هو عدّل وقفته، خد نفس عميق كأنه بياخد خطوة كبيرة، وبص في عينيها وقال بكل هدوء وصدق:
– موافقة يا زينة... إن جوازنا يكمل ويبقى طبيعي؟
رواية منعطف خطر الفصل التاسع والثلاثون 39 - بقلم ملك ابراهيم
كان واقف قدامها، ساند على الباب، شكله متوتر، وعينيه بتقول كلام كتير هو مش قادر ينطقه.
مد إيده لشعره، وعدّى صوابعه فيه كأنه بيهدي نفسه، وبنبرة هادية لكنها واضحة، قال:
– هو احنا هنفضل كل واحد فينا في أوضة لوحده كده لحد إمتى؟
زينة بصّت له بصدمة، عينيها اتوسعت، وسكتت لحظة كأنها مش قادرة تستوعب اللي سمعته.
هو عدّل وقفته، خد نفس عميق كأنه بياخد خطوة كبيرة، وبص في عينيها وقال بكل هدوء وصدق:
– موافقة يا زينة... إن جوازنا يكمل ويبقى طبيعي؟
زينة وقفت مصدومة ومش قادرة تنطق.. وكأن الكلام موصلش لعقلها!
معتصم حرك ايديه قدام عينيها وقال بقلق: زينة انتي سمعاني؟
هزت راسه بـ"آه" وهي لسه مصدومة.
معتصم عاد كلامه تاني وقال: موافقة يا زينة؟
هزت راسها بالموافقة وهي لسه مصدومة.
معتصم ابتسم بسعادة وقرب منها اكتر وضمها.
........
في القسم عند خالد.
بص في ساعته، كانت عدت 11 بالليل.
اليوم جري وهو غرقان في الشغل، ولسه عنده مأمورية كمان ساعتين.
مأمورية تقيلة هيطلع فيها للجبل عشان يقبضوا على هربانين من أحكام.
قام من على الكرسي وهو حاسس بتقل في صدره، خد المفاتيح وحاجته، وطلع من أوضة مكتبه.
المفروض يكون في المديرية كمان ساعة عشان يتحرك مع القوة.
بس فكره مشغول، مش قادر يركز غير على ياسمين.
قلقان عليها، بس لسه زعلان منها.
لسه صوتها بيرن جواه وهي بتقوله "طلقني"... والكلام اللي قالته مرسوم قدامه، مش راضي يروح.
ركب عربيته، وبدون تفكير لقى نفسه بيتحرك على عنوان شقته.
المكان اللي هي فيه، هو عارف إنه ممكن يتأخر على المأمورية، بس قلبه مش هيسكت غير لما يشوفها ويطمن عليها بعينه.
........
في الشقة عند ياسمين.
كانت واقفة في البلكونة، عينيها على السما، نفس وقفة خالد اللي دايمًا كان بيقفها.
كانت سرحانة في اللي حصل بينهم، بتلوم نفسها على كل لحظة زعلته فيها أو شكّت في حبه ليها.
دقايق وسمعت صوت المفاتيح في الباب.
قلبها ساب مكانه، دقاته سابقت خطواتها، كأن روحها كانت معلقة برجوعه.
جريت من البلكونة، ولحظة دخوله الشقة، كانت واقفة قدامه.
هو كان باين عليه التعب والإرهاق، وهي وشها كان كله خجل وتأنيب ضمير.
عارفة إن كلمة "آسفة" صغيرة قدام وجعه.
خالد قرب منها وقال بهدوء:
– مساء الخير.
ردت بصوت هادي مليان ارتباك:
– مساء النور.
بص في عينيها وقال بجمود وسرعة:
– معلش اتأخرت في الشغل غصب عني… جيت أطمن عليكي ونازل تاني… أنا كلمت السوبر ماركت يبعتوا كل حاجة ممكن تحتاجيها، وصلت؟
ردت وهي بتحاول تثبت صوتها:
– أيوه… وصلت.
هز راسه واتحرك نحية الأوضة، وقبل ما يدخل قال بنبرة رسمية:
– هدخل أغير بسرعة وانزل.
لازم أكون في المديرية دلوقتي.
فضلت واقفة مكانها، حاسة إن اللي بينها وبينه بقى فيه مسافة مش سهلة تقرب تاني.
بس قلبها مش مستحمل الزعل ده.
دخلت وراه الاوضة، كان سايب الباب مفتوح، واقف يطلع لبسه.
قربت منه بخطوات مترددة وقالت:
– خالد… انت لسه زعلان مني صح؟
ما ردش، بيحاول يفضل ثابت، بس صمته كان واجعها أكتر من أي كلمة.
قربت أكتر، بنبرة مليانة رجاء:
– أنا آسفة يا خالد… والله ما هكرر اللي عملته تاني… أنا كنت موجوعة، وغصب عني جرحتك معايا.
فضل ساكت، خلع الجاكيت بتاعه، وبدء يفك زراير القميص، وهي عينيها بدأت تهرب منه.
أول ما شافته خلع قميصه ورماه علي السرير، لفت وشها بسرعة، ووشها بقى كله احمر.
ابتسامة خفيفة ظهرت على وش خالد، لما شافها اتكسفت منه ولفت وشها بعيد بسرعة، هو مش قادر يزعل منها مهما حصل.
وهي لسه واقفة، صوتها بيترعش:
– طيب قولي أعمل إيه عشان تسامحني؟ أنا مستعدة أعمل أي حاجة.
وفجأة سمعته بيقفل باب الحمام، اختفى من قدامها، وسابها واقفة لوحدها.
قعدت تضرب برجليها الأرض، تعض في صوابعها من الندم، كل كلمة قالتها وزعلته رجعت تضرب في قلبها.
قربت من السرير، مسكت قميصه اللي كان لابسه، ضمته لحضنها كأنه هو، كأن ريحته فيها حتة أمان بتهدي نار جوّاها.
فجأة، الباب اتفتح… خالد خرج، وشافها وهي بتحضن قميصه.
اتكسفت جدًا، حطته بسرعة على السرير وكانت هتجري تخرج… بس إيده سبقتها، شدها ليه.
قرب منها، وهي مش قادرة تبصله… خجلانة منه ومن نفسها ومن كل حاجة.
قال بصوته الهادي الدافي:
– ينفع كده… تحضني قميصي وأنا واقف؟
وشها احمر أكتر، سكتت.
هو ما استناش، ضمها لحضنه. لف إيديه حواليها بكل حنية.
هي كانت مشدودة، بس حضنه فك كل العقد اللي جواها، غمضت عينيها، وسمعت دقات قلبه.
نفس الدقات اللي بتحس معاها بالأمان.
هو كمان كان محتاج الحضن ده، كان تعبان من جواه. بس دلوقتي، حاسس إنه مرتاح. وإنه في حضنها لقى الدنيا كلها.
قطع اللحظة رنة تليفونه.
صوتها كان كأنه صفارة إنذار صحّت ياسمين من حضنه.
بعدت عنه بسرعة، ووشها مليان ارتباك.
خالد بص على الموبايل اللي كان مرمي على السرير، اسم "مهاب" منوّر على الشاشة.
مدّ إيده مسك إيدها، كأنّه مش عايزها تهرب من اللحظة دي، ورد على المكالمة بنبرة هادية:
– أيوه يا مهاب؟
مهاب صوته كان مستعجل:
– انت فين يا خالد؟ القوة كلها جاهزة.
خالد زفر، ضيق ظهر في عينيه:
– حاضر يا مهاب، أنا جاي في الطريق.
قفل المكالمة، ولسه ماسك إيد ياسمين.
هي بصت له بقلق واضح وسألته:
– انت رايح فين متأخر كده؟
خالد بدأ يلبس قميصه بسرعة، وقال بنبرة عملية:
– عندنا مأمورية في الجبل.
ياسمين بصت له بدهشة وخوف:
– يعني إيه مأمورية في الجبل؟
رد وهو بيقفل الأزرار:
– في مجموعة هربانين من أحكام، واتحدد مكانهم… هنطلع نقبض عليهم ونرجع.
سألته بخضة:
– طب ما دول أكيد معاهم سلاح!
ضحك خالد بخفة وهو بيظبط هدومه قدام المرايا:
– واحنا معانا إيه؟ أقلام وبرايات؟!
هي ماسمعتش ضحكه، قلبها اتقبض أكتر:
– السلاح ده حقيقي يا خالد.. صح؟
رد بنبرة جد شوية وهو بيعدّل هدومه:
– دول أساس السلاح يا ياسمين… كلهم عليهم قضايا اتجار وتهريب سلاح تقيل كمان.
خوفها بان أكتر وهي بتقوله بنبرة كلها رجاء:
– طب ينفع متروحش؟
قرب منها، مسك وشها بإيديه وقال بهدوء:
– مينفعش يا حبيبتي… ده شغلي، ولازم أكون هناك.
بصّت له، ولسه مش مقتنعة.
– طب ليه هتروحوا متأخر كده؟
خالد بص في ساعته:
– مش متأخر… احنا لازم نوصل هناك قبل طلوع الفجر.
شهقت بصدمة:
– يعني هتقبضوا عليهم في وقت متأخر كده؟
ضحك تاني وهو بيحاول يخفف عنها:
– ما احنا عارفين إنهم بيناموا بدري… قولنا نروحلهم قبل ما يصحوا، عشان المفاجأة تبقى لطيفة!
ضحك، وقرب منها، طبع قبلة دافية فوق راسها، وفي عيونه حنية وحب واحتواء، قال:
– متخافيش.
خرجت معاه من الأوضة، وهي قلبها مش مطمن وخايفه عليه، وبنبرة صوت كانت هادية قالت:
– خد بالك من نفسك عشان خاطري يا خالد.
رد بابتسامة تطمن القلب:
– وانتي كمان خلي بالك من نفسك يا حبيبتي، ومتقلقيش، مش هتأخر إن شاء الله.
خرج وسابها واقفة تبص على الباب، قلبها بيدعيله من غير صوت.
في مديرية الأمن – بعد شوية وقت.
خالد وصل، وكان مهاب واقف بيتكلم مع ظابط تاني، سلم عليه بسرعة، ودخلوا مع بعض على غرفة العمليات، اللي كان فيها مدير الأمن وكبار الظباط، قاعدين بيجهزوا خطة المأمورية.
وكل واحد هيمسك منطقة ومعاه القوة بتاعته.
بعد كام دقيقة، الباب اتفتح، ودخل معتصم وهو بيقول بعتذار:
– آسف يا فندم على التأخير.
مدير الأمن هز راسه وقال بهدوء:
– اتفضل يا معتصم.
دخل وقعد، مهاب بصله من فوق لتحت كده بتركيز غريب، وبهمس قال لـ خالد:
– الواد معتصم شعره بيلمع.
خالد رفع حاجبه وقال بهمس مستغرب:
– يعني إيه؟
مهاب بص على شعر خالد وقال:
– لا انت شكلك لسه.. بس بكره هتفهم يعني إيه!
خالد تقريبا فهم قصد مهاب وبص علي شعر معتصم وضحك.
معتصم لاحظ، بص لهم بنظرة نصها استغراب ونصها تهديد صامت، وهمس بشفايفه من غير صوت:
– في إييه؟؟
قبل ما يلحقوا يردوا، صوت القائد جه حاسم:
– ياريت الكل يركز معايا.
وبدأ القائد يشرح الخطة، رسم لهم خريطة التحركات، ووزع المهام على كل مجموعة وظابط.
بعد الاجتماع، خرجوا عشان كل واحد يتحرك على حسب فرقته.
معتصم استناهم بره، أول ما خالد ومهاب خرجوا قال لهم وهو واقف قدامهم:
– انتوا كنتوا بتضحكوا علي ايه؟
مهاب ابتسم ورفع ايده ولمس شعر معتصم وقال:
– انت شعرك بيلمع كده ليه النهاردة؟
معتصم اتعصب علي مهاب:
– تصدق إنك عيل بارد.
ومشي سايبهم وراه.
مهاب بص لخالد، وقاله:
– معلش يا بن الدريني… بكره الدور ييجي عليك.
خالد بص له بغيظ وقال:
– انت فعلًا عيل بارد.
وسابه ومشي.
بعد طلوع الفجر – في الجبل.
المأمورية خلصت.
بعد مطاردة عنيفة، رجالة الشرطة قدروا يقبضوا على الهاربين، والمأمورية نجحت رغم إن فيها إصابات: ظابط و3 عساكر.
معتصم بص لمهاب اللي كان قاعد بيتألم من الإصابة في دراعه، وقاله وهو بيضحك:
– من أعمالك! كان نفسي الطلقة دي تيجي في لسانك… عشان نخلص من رخامتك!
خالد قرب منهم وهو بيضحك وقال:
– إيه يا مهاب؟ هنلحق نروح المستشفى ولا نتصرف هنا وندفن الجثه في الجبل!
مهاب بصله بغيظ:
– عايز تدفني عشان حتة رصاصة دخلت في كتفي يا ابن الدريني! بس اطمنوا انا عايش وقاعد على قلبكم.
معتصم ضحك وقال:
– خلينا نحطه مع المصابين اللي مقبوض عليهم ونقول اننا لقيناه معاهم!
مهاب لف ليه وقال:
– آه ما انت جاي مزاجك رايق… لك حق تتريق على أوجاعي!
وبص لخالد وقاله:
– ابن الدريني هو اللي هيحس ب اوجاعي.. عشان احنا موجوعين زي بعض.. انا مجروح في دارعي ،وهو مجروح في قلبه.. وواخد علي دماغه من مراته قبل ما يجي.
خالد بص لـ مهاب بغيظ وضغط علي دراعه مكان الرصاصه وقاله: طب إيه رأيك في الوجع ده!
مهاب صرخ:
– عايز تموتني يا ابن الدريني!
معتصم كان واقف بيتفرج وبيضحك من قلبه، مهاب بص له وقال:
– وانت سايبه يعذبني وواقف تضحك!
معتصم قال لخالد:
– بقولك إيه… خلينا ناخده المستشفى. رغم إن خسارة فيه.
خالد ضحك وقال:
– رأيك نوديه المستشفى الأول؟ ولا نرجع المديرية مع القوة وبعدين نرجع نشوف هنعمل فيه ايه؟
مهاب صرخ فيهم:
– انتوا بتتشاوروا هتعملوا إيه؟ خلصوني! أنا بموت!
خالد قرب منه وسنده، ومعتصم كان بيبص له وهو ماشي يعرجمع إن الرصاصة في دراعه.
الساعة 10 الصبح.
خالد رجع شقته، ولقى ياسمين نايمة في الصالة، شكلها كانت مستنياه ومقدرتش تقاوم النوم.
قرب منها وشالها بحنان، ودخل بيها أوضة النوم، حطها على السرير بهدوء وهو بيبصلها بحب.
خد هدومه ودخل ياخد شاور.
بعد شوية، ياسمين فتحت عنيها، بصت حواليها لقت نفسها على السرير، لكن خالد مش موجود، ولقت تليفونه وحاجته، فاطمنت إنه رجع بالسلامة.
قامت بسرعة وقربت من باب الحمام، سمعت صوت الميه، واتأكدت إنه جوه.
رجعت وقعدت على السرير مستنيا يخرج، وهي قلبها بيدق بسرعه من اللهفة عليه.
بعد دقايق، خرج خالد من الحمام، فجريت عليه أول ما شافته وهي بتقول بلهفة:
– خالد! انت رجعت إمتى؟
حضنها بحب وقال:
– من شوية.
قالت بتوتر:
– اتأخرت ليه؟ أنا كنت قلقانة عليك قوي!
ابتسم لها وهو بيطمنها:
– مهاب اتصاب في دراعه، فروحنا بيه المستشفى، ووصلناه بيته.
شهقت بصدمة:
– اتصاب ازاي! طب هو عامل إيه دلوقتي؟
مسك إيديها بلطف وقال:
– كويس الحمدلله.. بالليل هاخدك ونروح نزوره، ومعتصم وزينة هييجوا معانا.
حضنته وهي بتقول بصدق وخوف:
– الحمدلله إنك رجعتلي بخير يا حبيبي.
بصلها خالد وقال بهدوء:
– أنا حبيبك بجد يا ياسمين؟ يعني لو أنا اللي اتصبت… كنتي هتخافي عليا؟
حطت إيدها بسرعة على شفايفه وقالت:
– متقولش كده تاني أبدًا… ربنا يحفظك ليا يا خالد.
بصلها بحب، وهي بصت له وقالت من قلبها:
– أنا بحبك أوي يا خالد… ومش متخيلة حياتي من غيرك. أرجوك متسبنيش… حتى لو أنا طلبت منك مليون مرة إنك تسيبني، متعملش كده!
ضم وشها بإيديه، وقرب منها وهو بيبصلها بثبات وقال:
– مستحيل أسيبك… ولا أبعد عنك لحظة… انتي أغلى من روحي يا ياسمين.
قربت منه ببساطة، وطبعت على خده بوسة رقيقة كلها حب وامتنان.
خالد ضحك وقال:
– هو ده آخرك يعني؟
اتكسفت ياسمين وبصّت في الأرض، مسك إيديها وقال بلطف:
– انتي لسه محتاجة وقت تفكري في جوازنا؟ لسه مش مطمنة؟
هزّت راسها بـ"لأ" وهي مكسوفة وقالت:
– خدت وقتي كفاية، واتأكدت إن جوازنا ده أحسن قرار خدته في حياتي.
ابتسم بسعادة، وقال:
– أنا بحبك أوي يا ياسمين… بحبك.
وضمها لحضنه بقوة، وكأنها بقيت كل دنياه، روحه، ونَفَسه اللي بيتنفسه.
سألها وهي جوه حضنه:
– يعني مش هتندمي لو جوازنا أكتمل؟
هزت راسها بـ"لأ" وقالت:
– مستحيل اندم يا خالد.
واكتمل زواج خالد وياسمين.
زواج مبني على الحب، والتسامح، والاحتواء.
بعد مرور اسبوع.
في بيت الشرقاوي.
دخل راشد الشرقاوي، أبو يحيى، وهو متعصب ووشه مليان غضب.
فتح باب أوضة مكتب أبوه بعصبية وبخطوات سريعة، وصوته كان مليان لوم ومرارة:
– فين يحيى يا حاج؟ ابني اتسجن! ضيّعته زي ما ضيّعت عمه؟!
الحاج الشرقاوي اتفاجئ أول ما شافه، وانتفض من مكانه ورفع صوته:
– انت رجعت من أمريكا إمتى؟! وأحمد ابن أخوك فين؟ سايبه هناك لوحده؟!
رد راشد، وصوته فيه قهر وغضب مكتوم:
– ابن أخويا في أمان مع مراتي وبنتي.. ابني هو اللي هنا في خطر، إزاي تخبي عليا إن ابني مقبوض عليه في قضية خطف؟!
الحاج الشرقاوي رجع قعد مكانه بنفس الكبرياء اللي دايمًا لابسه، وقال بهدوء تقيل:
– ابنك هيخرج النهاردة.. كلها ساعة وهتلاقيه داخل علينا مع المحامين بتوعنا.
راشد انفجر فيه بغضب وعيونه كانت مليانة وجع:
– حتى لو خرج المرة دي! هييجي اليوم اللي هيدخل فيه ومش هيخرج تاني.. وهيضيع شبابه بسببك وبسبب شغلك اللي عمرك ما عرفت توقفه، حتى بعد ما ضيّع منك ابنك!
الحاج الشرقاوي صرخ بعصبية:
– وهو اتقبض عليه عشان شغلي؟! ولا عشان غبي.. بيخطف مرات ظابط!
راشد اتجمد مكانه، صدمته كانت أكبر من إنه يرد في اللحظة دي، وبصله وهو بيهمس:
– وليه يحيى يعمل كده؟!
رد الشرقاوي ببرود:
– اتجنن.. كان عايز ياسمين بنت عمه بأي طريقة. خطف صحبتها علشان يجبرها تتجوزه.. وفي الآخر عرفنا إنها اتجوزت خالد حفيد اللواء وحيد!
راشد كان واقف مش فاهم حاجة، الدنيا بتلف حواليه، مين بيحب مين؟ مين اتجوز مين؟ بس هو مش شايف غير يحيى، ابنه، قدّامه بيضيع.
رفع صوته وقال بإصرار:
– كل الكلام ده ميهمنيش.. أنا هاخد يحيى ونسافر. مش هسيبك تضيع ابني يا أبويا!
وفي وسط الكلام، الباب اتفتح، ويحيى دخل مع المحامين. كان باين عليه التعب، هدومه مش مترتبة، وملامحه شاحبة.
راشد جري عليه بلهفة، قلبه بيترعش:
– يحيى ابني.. طمني عليك!
يحيى رفع عينه ليه وقال بتعب:
– رجعت ليه يا بابا؟ أحمد ابن عمي فين؟
نظرة راشد لـ ابنه كانت كلها حيرة.. صوته حتى بقى شبه جده!
قاله بهدوء:
– رجعت عشان آخدك معايا يا يحيى.. نسافر ونبعد عن كل ده.
لكن يحيى، بخطوات تقيلة من كتر الإرهاق، مشي قدامه وقال بإصرار:
– أنا مكاني هنا يا بابا.. ولسه ليا حق هنا مخدتوش.
وسابهم وطلع على فوق، وساب وراه أبوه واقف مش قادر يتحرك من الصدمة.
الحاج الشرقاوي راح قعد مكانه تاني، بنفس الثقة والبرود، وبص لابنه وقال بنبرة حاسمة:
– ارجع على أول طيارة يا راشد.. مينفعش تسيب مراتك وبنتك وابن أخوك هناك لوحدهم.. في بلد غريبة من غير راجل!
راشد بصله بصدمة، وحس ساعتها إنه فعلاً خسر يحيى خلاص.
في أوضة يحيى.
دخل ياخد شاور، يمكن يهدى أو ينسى، لكن حتى بعد ما خرج، مفيش نوم.. مش قادر يرتاح.
جواه نار.. مش بيهدى، مش مستسلم.
مسك التليفون وكلم واحد من رجّالته، وبعد دقيقتين وصلته صور كتير على موبايله.
صور لخالد وياسمين في كل مكان.. في خروجاتهم، في تحركاتهم، ضحكهم، قربهم.. كل لحظة متوثقة.
قرب من الشاشة، ركّز على ملامح ياسمين وهي جنب خالد.. كانت هادية، مرتاحة، وعنيها بتضحك.
ابتسم بسخرية، عينيه فيها جنون، وهمس بإصرار تقيل:
– هتجيلي برجلك يا ياسمين.. وتترجيني علشان تكوني معايا.
رواية منعطف خطر الفصل الأربعون 40 - بقلم ملك ابراهيم
في أوضة يحيى.
دخل ياخد شاور، يمكن يهدى أو ينسى، لكن حتى بعد ما خرج، مفيش نوم.
مش قادر يرتاح.
جواه نار، مش بيهدى، مش مستسلم.
مسك التليفون وكلم واحد من رجّالته، وبعد دقيقتين وصلته صور كتير على موبايله.
صور لخالد وياسمين في كل مكان، في خروجاتهم، في تحركاتهم، ضحكهم، قربهم، كل لحظة متوثقة.
قرب من الشاشة، ركّز على ملامح ياسمين وهي جنب خالد.
كانت هادية، مرتاحة، وعنيها بتضحك.
ابتسم بسخرية، عينيه فيها جنون، وهمس بإصرار تقيل:
– هتجيلي برجلك يا ياسمين.. وتترجيني علشان تكوني معايا.
تاني يوم الصبح.
خالد كان في القسم، قاعد على مكتبه ووشه باين عليه الإرهاق والتفكير.
دخل العسكري عليه وهو ماسك كارت صغير في إيده، وهو بيقول:
– صاحب الكارت ده عايز يقابل حضرتك يا باشا.
خالد أخد الكارت وبص عليه، عينه وسعت من المفاجأة وهو بيقرأ الاسم: "راشد الشرقاوي".
سكت ثواني كده، وبعدين قال للعسكري بهدوء:
– دخّله.
وقام من مكانه، واقف مستني دخول عم ياسمين، وفي ملامحه ترحيب حذر.
دخل راشد، خطواته تقيلة بس واثقة، وسلّم على خالد وقال بنبرة هادية:
– أنا جيت أقابلك يا حضرة الظابط أول ما عرفت إنك اتجوزت ياسمين بنت أخويا.. لازم أشوفها وأتكلم معاها ضروري.
خالد مد إيده وسلّم عليه باحترام، وقال بنبرة فيها جدية وهدوء:
– طبعًا حضرتك من حقك تشوف ياسمين.. بس اعذرني، لازم أطمن إن المقابلة دي مش هتضرها.
راشد بصله بثقة ونبرته كانت فيها حرقة من جواه:
– دي بنت أخويا يا حضرة الظابط، ومستحيل أأذيها.. أنا جاي علشان أحمي ولاد أخويا، وكمان أحمي ابني من تهوره اللي هيضيعنا كلنا.
خالد فضل ساكت لحظة، وبعدين سأله بنبرة فيها تحفّظ:
– هو حضرتك اتكلمت مع يحيى ابنك قبل ما تيجي؟
راشد خد نفس كأنه بيكتم غضبه، وقال بقلق باين في صوته:
– اتكلمت معاه.. بس لازم أوقفه عن أي جنان بيفكر فيه. أنا مش مستعد أخسره.
خالد فضل باصص له، وعنيه بتقرا ملامحه كويس، وبعدين هز راسه بتفهم وهو سايب الراجل يكمّل اللي في قلبه.
في شقة معتصم.
ياسمين كانت قاعدة على الكنبة، ساكتة وعيونها سرحانة في السقف.
قلبها مشغول بأخوها أحمد، وكانت بتسأل نفسها في صمت: يا ترى عامل إيه دلوقتي؟ عايش إزاي؟ تعبان؟ جعان؟ خايف؟
كانت حاسة بعجز قاتل، ودموعها واقفة على طرف عنيها.
زينة قربت منها، ومعاها طبق كيك سخن لسه خارجة من الفرن، ريحتها مالية المكان.
قعدت جنبها، ومدت الطبق لياسمين وقالت بنعومة:
– بتفكري في إيه؟
ياسمين بصتلها وفي عنيها وجع واضح، وقالت بصوت مكسور:
– بفكر في أحمد أخويا.. وحشني أوي يا زينة.
زينة طبطبت على إيدها بحنان، وقالت بنبرة فيها طمأنينة:
– هيرجع إن شاء الله يا ياسمين.. وبعدين جدك مش هيأذيه، ده حفيده برضه!
وكمان خالد وعدك إنه هيرجعه، صح؟
ردت ياسمين وهي بتتنهد:
– أيوه، وعدني...بس أنا مش خايفة من جدي، أنا متطمنة إن أحمد في أمان طول ما يحيى محبوس...اللي مخوفني بجد، لو يحيى خرج وفكر ينتقم مني من خلال أحمد.
زينة اتشدت فجأة، وبصتلها بارتباك كأنها بتخبّي سر كبير، وقالت بتردد:
– على فكرة... يحيى تقريبًا خرج امبارح.
أنا سمعت معتصم بيتكلم في التليفون وكان متضايق جدًا إنه قدر يخرج...قال إن في حد بيساعدهم يهربوا من أي تهمة بسهولة، ومحدش عارف مين هو!
ياسمين أول ما سمعت الكلمة دي، اتجمدت في مكانها، الدم جري في عروقها بسرعة، وقلبها بدأ يدق بسرعة.
بصت لزينة بخوف وقالت بصوت مرتعش:
– خرج؟! إزاي يعني؟!ده ممكن يأذي أحمد بجد.. ده مجنون، ومحدش هيقدر يوقفه.
وقامت من مكانها فجأة، عينيها فيها قرار، وقالت:
– أنا لازم أروح لجدي وأقوله يحمي أحمد من يحيى.
زينة قامت وراها وقالت بسرعة وبقلق:
– تروحي فين يا ياسمين؟!إنتي هتروحي بيت جدك لوحدك؟!
ردت ياسمين بنبرة فيها عزيمة:
– جدي كان بيحب بابا.. وأنا متأكدة إنه مش هيسمح ليحيى إنه يأذي حفيده.
زينة حاولت تهديها، وقالت وهي بتحاول تمسك بإيدها:
– طب استني بس! كلمي خالد الأول، خليه ييجي معاكي.
لكن ياسمين كانت مصممة، وقالت وهي بتفتح الباب:
– مش عايزة أعطله عن شغله.. أنا هروح أكلم جدي وهرجع البيت على طول، متقلقيش.
وخرجت بسرعة من الشقة، وسابت وراها زينة واقفة مكانها، ضميرها بيأنبها إنها قالتلها إن يحيى خرج.
ياسمين نزلت من العمارة اللي فيها شقة معتصم، وكانت ماشيه بسرعة وفي قلق ظاهر على ملامحها.
وقفت تاكسي، وركبت بسرعة وقالت للسواق عنوان بيت الشرقاوي.
العربية اتحركت بيها، وكل لحظة كانت بتعدي كانت بتزود توترها وخوفها.
بس فجأة، عربية سودة قطعت عليهم الطريق بعنف، والسواق فرمل مرة واحدة وركن على جنب.
ياسمين اتشدت لقدّام من الفرملة، وبصت للسواق وقالت بقلق:
– في إيه؟!
السواق بص من المراية الخلفية وهو واضح عليه الرعب، وقال:
– مش عارف!
رجالة نزلوا من العربية اللي قصادهم، باين عليهم إنهم مسلحين، وكل خطوة منهم كانت بترجّ الأرض.
قربوا من التاكسي، وواحد منهم هدد السواق بالسلاح وهو بيشاور له ينزل.
السواق خاف منهم، فتح الباب ونزل بسرعة.
ياسمين كانت مرعوبة، قلبها بيخبط في صدرها، ومش فاهمة إيه اللي بيحصل حواليها.
وفجأة... باب العربية من ناحيتها اتفتح، ودخل يحيى وقعد جنبها بكل برود.
ياسمين أول ما شافته، وشها شحب، وجسمها كله اتجمد مكانه.
نظراته ليها كانت زي السكينة، بتقطع فيها من غير ما يتكلم.
وقال بنبرة هادية بس باردة، فيها تهديد مستخبي:
– إيه يا بنت عمي؟ رايحة فين كده؟! ده مش طريق بيتك الجديد!
ياسمين بلعت ريقها بالعافية، وكانت بتحاول تخبي خوفها وتركب ملامح قوية على وشها، وردت بتوتر:
– انت... انت عايز إيه يا يحيى؟
ابتسم ابتسامة باردة، ورفع tablet اللي في إيده وقال:
– مش أنا اللي عايز... أحمد أخوكي هو اللي عايز يكلمك.
ضغط على الشاشة، وظهر أحمد في فيديو كول.
ابتسم يحيى وقال:
– عامل إيه يا أحمد عندك؟ وحشتنا!
أحمد رد بصوته الطفولي، اللي قلب ياسمين اتخطف لما سمعته:
– أنا كويس يا يحيى، بس ماما وياسمين وحشوني أوي... وعايز أرجع أشوفهم.
دموع ياسمين نزلت وهي لسه مش مصدقة إن ده صوت أخوها، مدت إيديها وخطفت التاب من يحيى، عينيها مش قادرة تشيلها من وش أحمد، اللي كان بيضحك ومتحمس أول ما شافها.
قال أحمد بسعادة:
– ياسمين! كنتي فين؟! وحشتيني أوي! ماما فين؟! إنتوا مجتوش ليه؟! يحيى قالي إنكم جايين ورايا في الطيارة!
دموعها كانت بتنزل وهي بتحط إيديها على الشاشة كأنها عايزة تلمسه، وصوتها كان مبحوح من الشوق والوجع:
– إنت عامل إيه يا حبيبي؟ مبسوط؟ عايش كويس؟
أحمد قال ببراءة:
– كل حاجة هنا حلوة... بس أنا مش مبسوط من غيرك إنتي وماما. الولاد هنا مش عارف أكون صاحبهم، أنا عايز أرجع عندكم. قولي لجدو ويحيى يرجعوني.
ياسمين كانت بتهز راسها وهي مش قادرة توقف دموعها:
– حاضر يا حبيبي.. هقولهم.
سألها أحمد بقلق:
– إنتي بتعيطي ليه يا ياسمين؟
قبل ما ترد، يحيى خطف التاب من إيديها وقال بصوت هادي وناعم زي السم:
– ياسمين زعلانة علشان إنت عايز ترجع بسرعة، هي كانت عايزة تيجي عندك وتفرّجها على الأماكن الحلوة اللي روحتها.
أحمد رد بعفوية:
– خلاص، قولها متعيطش.. أنا هستناها هي وماما، وهفرّجهم على كل الإمكان الحلوة هنا.
رد يحيى وهو بيقفل الاتصال:
– اتفقنا.. هنكلمك تاني يا بطل. مع السلامة.
وقفل التاب، وبص لياسمين اللي كانت منهارة جنبه، ووشها كله دموع.
قال بنبرة فيها لعب على وتر ضعفها:
– أحمد صعبان عليا أوي... يعني طفل في السن ده، في بلد غريبة، لوحده... من غير أمه ولا أخته؟! صعب.
ياسمين بصت له بعيون كلها غضب وانكسار، وقالت بحدة:
– إنت عايز إيه يا يحيى؟!
بص قدامه بثقة، وقال وهو ماسك أعصابُه:
– إنتي اللي عايزة مش أنا... عايزة أخوكي يرجع؟ مفيش حد في الدنيا كلها يقدر يرجعه ليكي غيري.
سكتت لحظة، وبعدين قالت بنبرة متحدية:
– إيه اللي إنت عايزه؟ عشان ترجعه؟!
بص لإيديه بهدوء، وقال بكل برود:
– تطلبي الطلاق من الباشا جوزك... وتيجي لحد عندي وتعتذري على هروبك مني.
ياسمين فتحت عينيها من الصدمة، وقالت:
– إنت بتحلم يا يحيى!
ضحك بسخرية وهو بيفتح باب العربية:
– وماله... بُكرة الحلم يبقى حقيقة... لما تتأكدي إن مفيش غيري يقدر يرجعلك أخوكي.
نزل من العربية، وشاور لرجالته إنهم يرجعوا السواق لعربيته.
ياسمين كانت لسه قاعدة، مصدومة، مش قادرة تتحرك، وكل اللي في بالها كان احمد اخوها.
السواق رجع يركب مكانه، وهو باين عليه التوتر، وبص لياسمين اللي كانت عيونها متغرقه دموع.
بصّت له وقالت بصوت مكسور:
– مش هروح العنوان اللي قولتلك عليه... وديني قسم الشرطة لو سمحت.
في قسم الشرطة.
كان خالد لسه قاعد مع راشد، عم ياسمين، وبيتكلموا سوا.
راشد قال لخالد بنبرة فيها جدية:
– أنا هساعدكم ترجعوا أحمد مصر... ده ابن أخويا، ومش هسيبه يتبهدل.
قبل ما خالد يرد، الباب خبط، والعسكري دخل، بس ماكملش كلامه، لأن ياسمين دخلت وهي منهارة من العياط.
عينيها حمرا، وأنفاسها متقطعة، ونطقت اسم خالد بصوت مبحوح ومكسور:
– خـ... خالد!
خالد قام بسرعة، وقرب منها بخضة وقلق واضح على وشه:
– ياسمين! في إيه؟! إيه اللي حصل؟!
في اللحظة دي، راشد وقف مكانه مصدوم، بيبص لياسمين، وكل حاجة اتجمعت في ملامحها قدامه…اسمها اللي خالد ناداه، ملامحها اللي فيها من أخوه…فهم في لحظة إنها بنت يحيى... بنت أخوه اللي أول مرة يشوفها.
ياسمين وقفت مكانها وهي بتنهار، وقالت بصوت مقطع من البكاء:
– أنا شوفت أحمد... كلمته فيديو... يحيى هو اللي ورّاني... وقاللي إن مفيش حد غيره يقدر يرجعه!
خالد كان مصدوم، وصوته علي من الغضب:
– وانتي شوفتي يحيى فين؟!
ياسمين بدموع ووجع قالت:
– مش مهم شوفته فين، المهم إن أحمد أخويا محتاجني... وطلب مني أرجعه... وأنا مش قادرة أعمل حاجة!
خالد حاول يطمنها، وبص لراشد وقال:
– عمك راشد هنا يا ياسمين... جاي مخصوص عشان يساعدنا.
أحمد عنده في أمريكا... وعايش مع مراته وبنته، ومفيش خطر عليه.
ياسمين بصت لخالد بصدمة، وبعدين عينيها اتحركت ناحية راشد، اللي كان واقف ورا خالد...هي ماخدتش بالها منه أول ما دخلت من كتر انهيارها.
فضلت تبص له، والصدمة مرسومة على وشها...كان فيه شبه كبير من أبوها... في ملامحه... في صوته وهو بيتكلم ويقرب منها وقال بهدوء:
– متخافيش يا ياسمين... أحمد في بيت عمك، في أمان... وانا اللي هرجعه إن شاء الله.
ياسمين بدأت تمسح دموعها، بس قلبها لسه مش مطمن، خصوصًا بعد اللي حصل من يحيى.
راشد قرب أكتر وقال بحنان:
– أنا عمك راشد... أخو أبوكي الكبير.
ياسمين اتلخبطت، واتوترت أكتر، ومسكت في إيد خالد كأنها بتحتمي فيه، وقالت بصوت مليان خوف:
– هتساعدنا نرجّعه إزاي؟ يحيى قاللي إن مفيش حد يقدر يرجعه غيره!
راشد بص ليها بنظرة فيها حزم وثقة وقال:
– أحمد عندي أنا، ومحدش هيمنعني إني أرجعه.
بس لازم تساعدوني أبعد يحيى من هنا، وأخده معايا يسافر بعيد عن جده، قبل ما يضيع مني آكتر من كده.
خالد بص لياسمين، وكانت ملامحه كلها جدية، وقال بنبرة هادية بس تقيلة:
– ياسمين... يحيى طلب منك إيه عشان يرجع أحمد؟
ياسمين سكتت لحظة، وبصت له بتوتر، وعينيها بدأت تدمع تاني، وقالت بصوت مكسور:
– طلب.. إني اطلب الطلاق منك.
خالد بص لياسمين وعيونه ولعت نار من الغضب، كأن الشرار بيطير منها.
راشد اتكلم بصدمة:
– ويحيى هيستفاد إيه لما تطلبي الطلاق من جوزك؟! هو اتجنن ولا إيه؟!
رد خالد بعصبية:
– واضح إنه مش ناوي يعقل،بس لازم يفهم إن مراتي خط أحمر.
راشد قال بنبرة فيها رجاء:
– أنا مش عايز أخسر ابني يا خالد... بترجاكم ساعدوني، وأنا أوعدكم هساعدكم وأرجعلكم أحمد.
خالد كان لسه واقف، غضبه ظاهر في كل ملامحه، وياسمين كانت واقفة جنبه، قلبها بيخبط من التوتر...
بصت له بقلق، وشايفة عنيه مش مطمنه خالص.
رد خالد بجمود وبنبرة تقيلة:
– اللي يهمني دلوقتي إن مراتي تحس بالأمان وتكون مطمّنة... وده مش هيحصل غير لما أخوها يرجعلها.
لو حضرتك رجعتلها أحمد... ساعتها بس نقدر نتكلم عن إن انا اساعدك.
راشد هز راسه بتأكيد وقال:
– أنا راجع أمريكا النهاردة، ووعد منّي... خلال أسبوع بالكتير، هكون هنا وأحمد معايا.
ياسمين قربت منه وهي بتبصله بلهفة ودموعها لسه على خدها:
– بجد؟ يعني أحمد هيرجع؟ بعد أسبوع بس؟!
راشد ابتسم لها بثقة وقال بنبرة حنونة:
– إن شاء الله يا بنت أخويا... اطمني، أخوكي في أمان.
ياسمين هزت راسها وهي بتحاول تبتسم رغم الدموع، كأن قلبها بدأ يهدى شوية.
راشد سلّم عليهم وخرج، وسابهم لوحدهم.
ياسمين كانت لسه واقفة مكانها، قلبها بيرفرف، بس أول ما بصت لخالد... قلقت.
كان واقف بيبصلها بحدة، عنيه كلها عصبية، ووشه بيغلي.
لف وشه ناحيتها وقال بنبرة كلها لوم وغيرة:
– انتي نزلتي من عند زينة لوحدك ليه؟ ومن غير ما تقوليلي؟
ياسمين اتلخبطت وقالت بتوتر:
– أنا مش هكدب عليك يا خالد...نزلت من عند زينة وكنت رايحة عند جدي بعد ما عرفت من زينة إن يحيى خرج.
كنت ناوية أطلب من جدي يحمي أحمد... أنا متأكدة إنه مش هيسمح ليحيى يضر حفيده.
خالد كان واقف ساكت، بس عينه بتتكلم... شايفة فيها نار.
كملت كلامها وهي مرتبكة:
– وأنا في الطريق ل بيت جدي... لقيت يحيى قطع عليّا الطريق.
خالد ضغط على شفايفه بغيظ، وحاول يسيطر على غضبه، بس فشل.
صرخ فيها بعصبية:
– انتي ليه مبتتعلميش يا ياسمين؟!ليه كل شوية تتصرفي من دماغك وتخدي قرارات من غير ما ترجعيلي؟انتي عارفة إن المجنون ده كان ممكن يخطفك؟انتي شكلك مش هترتاحي غير لما يحيى يموت على إيدي!
سكتت وهي باصة له بتوتر، مش قادرة ترد ولا حتى تدافع عن نفسها.
خالد راح قعد على مكتبه وهو بينفجر من الغيظ وقال:
– مش عارف لحد إمتى هتفضلي متهورة كده!انتي مش مطلوب منك تعملي أي حاجة، كل اللي انتي بتعمليه ده بيعرض حياتك للخطر.
سكتت لحظة، وبعدين قالت بصوت عالي وغاضب:
– لو انت مكاني يا خالد... كنت عملت أكتر من كده!ليه مش قادر تحس بالوجع اللي أنا فيه؟!
بصلها خالد بنظرة جامدة وقال ببرود:
– مين قالك إني مش حاسس بيكي؟
أحمد غالي عليّا أنا كمان، وقلبي بيتقطع عليه.
بس انتي فاهمة غلط... الموضوع مش بسيط زي ما انتي متخيلة.
أنا عرفت مكان أحمد في أمريكا قبل حتى ما عمك ييجي يقول، بس رجوعه محتاج إجراءات لأن جدك هو الواصي عليه ... يعني مش حاجة هتخلص بكرة الصبح!
بصت له بعدم اقتناع وسكتت، كأنها مش مستوعبة الكلام.
خالد اتنهد بتعب، ومسح وشه بإيده، وهو بيحاول يهدى:
– نفسي أطمنك... بس في حاجات لازم تمشي صح، مش بسرعة.
الباب اتفتح فجأة، ودخل مهاب بطريقته المرحة المعتادة وهو بيقول:
– صباح الفل يا جماعة، إيه الأخبار؟!
بس فجأة وقف مكانه وهو شايف ياسمين قاعدة بعيد عن خالد، والجو مش طبيعي...باين عليهم كانوا بيتخانقوا.
قرب منهم بخفة وقال:
– هوه إيه ده؟ إنتوا متخانقين ولا إيه؟!
بص لياسمين وهو بيبتسم وسلّم عليها:
– إزيك يا ياسمين؟ عاملة إيه؟
ياسمين ردت عليه بهدوء، لكن مفيش ابتسامة... الجو مكهرب.
مهاب بص لخالد وسأله باستغراب:
– هو في إيه يا خالد؟!
خالد مردش، وبص للمكتب قدامه كأنه مش سامع ولا شايف.
مهاب رجع يبص لياسمين وقال بنغشة:
– على فكرة، لو جوزك مزعلك، أنتي تقدري تعملي فيه محضر دلوقتي، وأنا أظبطلك الدنيا متقلقيش، ده أنا ممكن أصعّد الموضوع لأعلى مستوى كمان!
ضحكت ياسمين بس ضحكة كلها غيظ، وبصت لخالد وقالت:
– أنا فعلاً عايزة أعمل محضر فيه... يمكن ساعتها يحس بيا شويه!
خالد رفع عينه وبص لها بضيق وقال:
– وانا كمان نفسي تحسي بيا شوية... وتقدّري خوفي عليكي مش تستهيني بيه كده.
ردت ياسمين بسرعة وهي بتبص لمهاب اللي واقف بينهم:
– على فكرة يا مهاب أنا مكلمتكش انت!ووفر خوفك عليا ده، لأني مش طفلة صغيرة... أنا كبيرة كفاية وعارفة بعمل إيه!
خالد رد بعصبية وهو بيبصلها:
– والله يا مهاب، انت مش فاهم أي حاجة... وهتفضل تدخل في اللي ملكش فيه لحد ما تضر نفسك!
ياسمين وقفت وهي مولعة وقالت:
– ماشي يا مهاب... لما أضر نفسي متجيش تلحقني!
خالد رماها بنظرة وقال بسخرية:
– مبقاش الحقك إزاي يعني؟!
مهاب واقف في النص بينهم، وبيبص يمين وشمال مش فاهم:
– هو في إيه بالظبط؟!
قامت ياسمين وهي متنرفزة وقالت بحدة:
– أنا راجعة البيت.
خالد وقف بسرعة وقالها بحدة:
– ترجعي فين لوحدك؟! أنتي مش هتتحركي لأي مكان لوحدك تاني.
قربت منه وهي متعصبه وقالت:
– يعني إيه؟! هو أنا طفلة خايف تتوه؟!
خالد قرب منها كمان وقال:
– لو كنتي طفلة، كنتي سمعتِ الكلام من الأول...وماكنتيش خلتيني أوصل إني أخاف عليكي بالطريقة دي!
ياسمين ضربت الأرض برجليها من الغضب وقالت:
– طب أنا عايزة أمشي من هنا دلوقتي !
خالد بص لها بغيظ وقال:
– تمام... اتفضلي، أنا هوصلك بنفسي.
ياسمين طلعت من المكتب وهي ماشية بسرعة وعصبية، وخالد خد مفاتيح عربيته وخرج وراها وهو بيكتم غليانه بالعافية.
مهاب وقف لوحده في نص المكتب، لافف حواليه زي التايه.
بص حواليه وقال وهو بيهمس لنفسه بدهشة:
– هما اتجننوا ولا إيه؟!
قعد على كرسي خالد وفضل يبص للسقف، ولسه بيكلم نفسه:
– هو انا كنت جاي هنا ليه؟؟
بعد شوية، دخل العسكري المكتب وقال:
– في آنسة برا عايزة تقابل خالد باشا.
مهاب رفع حاجبه وهمس لنفسه وهو بيقلب في الاحتمالات:
– آنسة؟! عايزة تقابل خالد؟! هو ابن الدريني بيعرف بنات من ورا ياسمين ولا إيه؟!يبقى كده ياسمين قفشته وهو بيخونها…🤔
بص للعسكري وقال له وهو بيحاول يخبّي حماسه:
– طب دخلها يابني… نشوف القصة دي هتوصل لفين.
العسكري خرج، وبعد لحظات دخلت كارما.
أول لما مهاب شافها…وقف مكانه وبص لها باستغراب وهو بيهمس لنفسه:
– آاااه يا ابن الدريني… انت حظك نار كده ليه في البنات؟! هو في إيه؟ ده شكلها مصيبة.
كارما استغربت لما لقت مهاب مش خالد، وقالت بنبرة فيها استفسار:
– هو خالد مش موجود؟
مهاب بص لها وهو بيحاول يحافظ على هدوئه، وقال بنبرة رخيمة كده وهو عامل نفسه جامد:
– لا، خالد مش موجود دلوقتي… بس أنا موجود مكانه… تحت أمرك طبعًا.
كارما ابتسمت بخفه وقالت:
– شكرًا… أنا كنت جاية لخالد في موضوع مهم…هو ممكن يتأخر ولا هيرجع تاني؟
مهاب قرب منها شوية ورد عليها وهو بيحاول يبقى رسمي بس واضح عليه الفضول:
– هو خلاص مش جاي النهارده… بس أنا برضه ظابط والله، مش أي حد يعني.
كارما اتكلمت برقة أكتر وقالت بحسم:
– لا، حضرتك فاهمني غلط… أنا مش جايه علشان ظابط، أنا جايه لخالد نفسه… في موضوع شخصي.
مهاب اتفاجئ وقال بتلقائية وهو بيبص للسقف وكأنه بيحكي لنفسه:
– موضوع شخصي كمان! آاه يا ابن الدريني…دي لو ياسمين استنت شوية كانت هتفضحك فضيحة بجلاجل هنا!.😂...