قرب رحيم رأسه منها وقبّلها. اندمجت شفتيهما في قبلة خطفت أنفاسها وتفكيرها بعيدًا، وأخرجت الشوق المكلوم بداخله. تناسوا كلاهما سيوف الحديث التي أطلقها رحيم بغضب في منزل العائلة.
رويدًا رويدًا، حاوط ظهرها بذراعه، يقربها لجسده أكثر. ذُهلت من طاقة مشاعره تجاهها. في المرة الأولى قبل حملها في التوأم، كانت تعلم أنه لم يكن واعيًا تحت تأثير الخمر، فعل ذلك لأنها امرأة تسكن ذات المنزل معه. لكن الآن، تستشعر من شفتيه نبضات قلبه المتلاحقة، حتى أنفاسه تود أن تحتضنها بداخله.
ابتعدت عنه بصعوبة بالغة، وهي تجفف شفتيها بأصابعها وتنظر له بعتاب. أما نظراته، فكانت شوقًا للمزيد، وكأنه يود تعويضها عن ليالٍ كثيرة غفت وهي تبكي من قسوته وتبلّد مشاعره. خرجت من الغرفة حتى لا يستيقظ الطفلان، وخرج رحيم خلفها وهو يهندم من ذاته ويقول: "آسف يا مها، مقدرتش أتحكم في نفسي." كانت مها توليه ظهرها، مكتفة ذراعيها. حتى التفتت ونظرت له وقالت: "عشان ترجع تندم إن في حاجة ربطتني بيك حتى لو لحظات حلال لأني مراتك؟
عشان تعايرني قدام أهلك إنك محبتنيش وإني أنا اللي خربت علاقتك بفرح؟ أغلقت عينيها وبلّت شفتيها كأنها ستتفوّه بأحرف ثقيلة وقالت: "أنا قلبي بيوجعني يا رحيم من تصرفاتك وكلامك وحتى نظرات عينيك. لو عاوزها، أنا ماشية وفاضية ليها المكان. تقدر تعيش معاها بس خلي ولادي معايا. إنت كدا كدا مبتحبهمش! رد رحيم قائلاً بنبرة دفاع: "مفيش حد مبيحبش ولاده! قالت مها بحزن: "إنت مبتحبهمش!
مبتحبهمش عشان مني. إنت لما جيت اتقدمت كان صعب أرفضك حتى لو شايفاك بتتعذب بحب واحدة تانية. عارف ليه؟ ثم قالت بنبرة بكاء مثقلة بمشاعر جياشة:
"عشان بحبك. كنت أشوفك من بعيد أحس الدنيا كلها اتزينت حواليا ورود. كان نفسي تحبني وأنا. أنا كنت هعمل أي حاجة تسعدك. دا إنت لما كنت بتبتسم كنت بقعد أركز على خطوط وشك، وعينيك وهي بتقفل وبتفتح تاني، وأنفاسك وهي بتتقطع في الضحكة وبترجع تاني وأحس بيها. كنت كل ما تصحى الصبح عشان تغير هدومك وتروح الشغل وأشوفك وإنت بتربط زراير قميصك، أقف بعيد أبص لك من المطبخ، وأبقى نفسي إيدي اللي تعملهالك بس بخاف من نظراتك، ومن تنهيداتك المتضايقة من وجودي، بخاف أستشعر كرهك ليا."
قال رحيم: "يا مها أنا... قاطعته مها بمقاطعة رقيقة: "إنت مبتحبنيش يا رحيم، طلقني وارجع لفرح. وطالما هي قابلة وتقربت منك وإنت معايا، أنا مش هستحمل قرب مخلوق منك وأنا معاك، فسبني أفضل وروح لها." بكت مها وقالت: "عشان خاطري... أقصد عشان خاطر ربنا لإني مليش خاطر عندك." عقله كان يحدثه أن ما يريده قد حدث بالفعل!
ها هو ذا سيتخلص من المرأة التي فرقت بينه وبين حبيبته وابنة خالته وستتركهما لينعما ببعضهما البعض. انفرجت ثغرة في نيته لقول يمين الطلاق، لكن لسانه لم يحرك ساكنًا. لم يستطع النطق. كانت مها تتأمله بعينين لامعتين كالأطفال الذين يبكون بصمت. وكان رحيم يود إلتهامها داخل أحضانه. شعور غريب كأنه يود احتجازها بين ذراعيه لا أن يقطع صلة الحلال بينهما. لذا، أغلق فمه وعينيه ثم نظر لها قائلاً:
"معرفش هتقولي عني إيه في عقلك، بس أنا مش عاوز أطلقك." تقدم خطوتين تجاهها وقال: "سميني أناني، عندي انفصام، مريض... بس عاوزك على ذمتي." التقطت أنفاسها بصعوبة وهي تنظر له، فـ قال وهو يقترب من أذنها: "مش هاكل أي حاجة النهاردة، ولا حتى هشوف فرح، عشان تفضل اللحظة اللي حصلت بيننا من دقيقة طعمها على بوقي."
خرج من المنزل وأغلق الباب. من فيض المشاعر التي شعر بها، وضعت مها يدها على صدرها تحاول تهدئة قلبها مما حدث، وعيناها متسعتين كنافذتين في حارة شعبية، تعجبًا من رحيم. هل قال لها للتو أنه لا يود رؤية فرح أو أي شيء لتبقى ذكراهما أمامه طوال الليل! تلمست شفتيها وهي ترتجف رهبة وحب. رغم ما حدث سابقًا ورغم أنها لم تكن المرة الأولى التي يقبلها بها، إلا أن تلك المرة كانت ساحبة للأنفاس. كانت تشعر أنها تقبّل قلبه وليس شفتيه.
نزل رحيم وركب سيارته وهو ينظر للبناية وأنفاسه تتلاحق من سرعتها. تعجب من ذاته كثيرًا وقال بغيظ: "إيه اللي إنت عملته دا يا متخلف؟ فاكر نفسك بتحبها! إنت إزاي مطلقتهاش؟ لا لا أنا مبحبهاش، ومكانش ينفع أتكلم كدا قدامها." خبط بيديه المقود بغضب شديد وقلبه لا يزال ينبض. لِما يكابر؟ لِما لا يستطيع قلبه رؤية الحقيقة حتى يرتاح؟ *** داخل منزل والدة رحيم: نظرت هي لإبنة شقيقتها "فرح" وقالت بنبرة مختنقة: "إيه اللي جابك في نص الليل؟
نظرت فرح لخالتها وقالت: "هو دا اللي فارق معاكِ يا خالتو؟ مشوفتيش صاحبة مرات ابنك الراقية عملت فيا إيه تحت؟ رفعت والدة رحيم حاجبيها وقالت: "ما هي معاها حق، شايفة بيت صاحبتها مخرب والعيال هيتلطموا بين أبوهُم وأمهُم، بس هقول إيه، الإحساس نعمة." قالت فرح بغضب: "أنا هنا برجع حبيبي اللي أجبرتوه يتجوز واحدة مبحبهاش ويسيبني ويتخلى عني عشان... قاطعتها خالتها بصوت مرتفع وقالت: "مين قالك مبيحبهاش؟
حتى لو في الأول كدا، لكن أنا عارفة ابني إنه بيحبها. إنتِ مش اتخطبتِ زمان عشان تعاقبيه؟ أنا بقى جوزته، جاية بتجري وراه ليه بعد ما اتجوز وخلف؟ وقفت فرح وقالت بدفاع وقح: "رحيم مبحبهاش وقالي كل حاجة وكلمني أول ما هي غارت من هنا. وولادها خليهم معاها دول شبهها هي وعيلتها مش شبه رحيم." ثم قالت ببكاء: "يا خالتو أنا اللي من دمك مش هي، المفروض تحسي بيا وبالتعب اللي مريت بيه. إنتِ فاكرة إنه سهل عليا رحيم يكون مع واحدة غيري؟
ثم مسحت وجهها وقالت: "بس ربنا عوضني وخلصنا منها ورجعت لمكاني، متوقفيش في وشي." قالت والدة رحيم بغضب: "مقفش في وشك وأخرب بيت اليتيمة الغلبانة؟ والعيال نفسيتهُم تتعقد عشان إنتِ جاية تفوقي متأخر! قالت فرح:
"العيال دول لو كبروا ومها ورحيم لسه متجوزين هيتعقدوا ويكرهوا عيشتهم عشان شايفين أبوهم تعيس وأمهم زي الخدامة. خليهم معاها هناك ورحيم يبعت لهم مصاريفهم. أنا اللي شبهكُم، أنا اللي هجيب لرحيم عيال شبهه يحبهُم ويعيش مبسوط، هو مش ابنك ولا إيه! اقتحم سليم الشقة وقال موجهًا حديثه لفرح: "تصدقي إنك بنت...
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!