داخل سيارة رحيم كانت مها قلقة على طفلها وهي تضع يدها فوق جبهته من حين لآخر، متمتمة بدعاء ومناجاة لله أن يعود صغيرها بخير. وكان رحيم يراقب طفله من آن لآخر بتأنيب ضمير، لأنه طوال سنوات زواجه من مها أهمل مسؤوليته تمامًا وتركها على عاتق زوجته. وتتنقل عيناه على تقاسيم وجهها القلقة، وكيف لها أن تكون جميلة حتى عندما يتخلل الخوف ملامحها. كجندي هارب من مهامه وقائده، متكئًا على حائط في منطقة آمنة.
نظرت له مها بِمحض المصادفة، فالتقت عينه بعينيها. ارتبكت قليلاً ولكنها لم تبالِ إلا لثوانٍ، فبالطبع صغيرها وصحته أهم. وصلوا إلى المشفى، وترجلت مها وهي تحمل الصغير بين يديها وتركض به إلى الداخل. حاول رحيم إيقافها عن طريق نداء اسمها لكنه فشل، لذا لحقها إلى الداخل. وقفوا أمام مكتب ممرضة الاستقبال. رحيم: عاوز دكتور أطفال عشان ابني حرارته مرتفعة.
الممرضة: الدكتور إبراهيم سيد الدور الثاني، ادفعوا عند الممرضة فوق وخذوا دوركم. صعدت مها بقلق وخلفها رحيم حتى وصلوا إلى مكتب الممرضة في الأعلى. وقفت مها تلهث وهي تحمل طفلها وتقول: مها: لو سمحتي عايزة أحجز مستعجل عشان الدكتور يكشف على ابني، سخن نار وإديته خافض حرارة وعملتله كمادات حرارته مبتنزلش، أبوس ايدك دخليني مستعجل وهديكِ اللي انتِ عايزاه.
الممرضة بضيق: مينفعش حضرتك ادفعي واستني دورك عادي، مستعجل يعني هتاخدي دور غيرك وكل دول أطفال تعبانين برضو. مها بصراخ وقد فقدت أعصابها وهدوئها المعتاد: أيوة بس مفيش واحد فيهم حرارته فوق الأربعين! يعني يستنوا عادي لكن ابني لا!! الممرضة بغضب: من فضلك وطّي صوتك في مرضى محتاجين راحة في الأقسام التانية!! رحيم بنفاذ صبر: فين مكتب مدير المستشفى؟! الممرضة ببرود: فوق، آخر الممر على إيدك الشمال.
رفع رحيم أحد حاجبيه وقال: أه يعني مش فارق معاكِ؟ الممرضة بثبات: أيوة، لأن حضرتك والمدام تعديتوا على موظف أثناء تأدية عمله وزعقتوا في مكان عام وعليتوا صوتكم وكمان المدام بتعرض رشوة. مها بصدمة: هو الكشف المستعجل بقى رشوة! حسبي الله ونعم الوكيل فيكِ وفي أمثالِك معدومين الرحمة، ابني بيروح مني فـ طبيعي أزعق! رحيم وهو يشير بإصبعه للممرضة: صدقيني هعمل نفسي مسمعتش الهبل الفارغ اللي قلتيه. مد يده وهو
يسحب مها من ذراعها وقال: استنيني في الكافتيريا هدفع الحجز وأجيلك. مها بدموع لم تستطع كبتها: تمام. دفع رحيم ثم ذهب إلى الكافتيريا ليجد مها تجلس على المقعد وتقبل رأس طفلها ثم تبكي بحرقة. جلس رحيم أمامها ثم مد يده وهو يمسح بإصبعه إحدى دموعها ويقول بصوت خافت: رحيم: هيبقى بخير.. اهدي. مها ببكاء: جسمه كله سخن مش هيستحمل، دا الكبار بيرقدوا في السرير ما بالك بطفل. رحيم حتى يجعلها تهدأ: يرقد إيه هو فرخة!
انفلتت ضحكة من ثغرها تتخللها الدموع، فقال رحيم: رحيم: واحد من اللي مستنيين دورهم قالي ادخل مكاني عشان ابنه مش تعبان أوي وعشان شاف انفعالك وأثرتي فيه. رفعت مها رأسها للأعلى وهي تبكي وتدعي قائلة: مها: يارب! بعد مرور ساعة ونصف خرج رحيم برفقة مها من المشفى وهو يحمل الطفل ومها تحمل أكياس الدواء. جلسوا داخل السيارة وبدأ رحيم في قيادة السيارة بعد ما أعطى الطفل لمها وقال: رحيم: أنا هعدي على مطعم ناكل سوا.. مها بعد
ما اطمئن قلبها على صغيرها: لا ميرسي مش جعانة، عايزة أروح البيت وشكرا لتعبك معانا.. مها وهي تلتقط أنفاسها: محدش قال حاجة! بس معلش متقولش زي دي، لأن كلنا عارفين مين اللي رباهم وتعب عشانهم! صفق رحيم بسخرية وهو يقول: رحيم: يا ستي كتر خيرك، دا انتِ سوبر مامي فعلًا. دمعت عينا مها وهي تقول بغضب وقد فاض بها الكيل:
مها: لا أنا سوبر بني آدمة، استحملت معاملتك السخيفة دي لسنين ومعاملة مرات أخوك وقولت عيشي يا بنتي كفاية تكوني جنبه، وياريتك قدرت ولا حتى اتهزت مشاعرك ناحيتي، كنت طول الوقت مشربني المرار على ذنب مش ذنبي! عايزني أعمل إيه تاني؟ خلاص مبقاش فيا حيل معافرة زي زمان، طاقتي بقت لولادي وبس.. انت بقى جاي تفوق بعد فوات الأوان دي مشكلتك! لم يرد رحيم، بل كان ممسكًا بالمقود بكل قوته ثم قال بنبرة غريبة: رحيم: أنا مش راجع على البيت.
مها نظرت له بعدم فهم وقالت: مها: تمام! أنا هنزل هنا وأركب تاكسي. أغلق رحيم أقفال السيارة وهو يستعد ليقود، فقالت مها: مها: إيه اللي بتعمله دا ورايح على فين أنا ابني التاني في البيت! رحيم بإصرار: هخلي سليم يجيبهولنا.. ثم قاد بسرعة ومها مصدومة ومشابثة بطفلها! داخل المشفى كانت نجمة ممددة على الفراش الطبي، والطبيبة تمرر الجهاز فوق معدتها وهي تقول: الطبيبة: حامل يا مدام نجمة، مبروك!
تنهدت نجمة وهي تنظر لشاشة السونار ثم انفلتت من عينها دمعة عجزت عن التحكم بها. نظرت لسقف الغرفة وهي تقول: نجمة: عايزة أنزله يا دكتورة، من فضلك..
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!