تحميل رواية «مسافات مشاعر» PDF
بقلم روزان مصطفى
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
كان جميع الحاضرين في حفل الزفاف، وجوههم مشدوهه وهم ينظرون للعروس التي دخلت لقاعة الحفل برفقة زوجها وهي ترتدي ذلك الثوب! ألتقطت يارا زوجة نديم مروحتها ذات الريش وبدأت في تحريكها أمام وجهها وهي تبتسم بسخرية وتقول: أخوك لسه جايبها من الغيط على القاعة عدل نديم بنفاذ صبر وهو ينظر لعائلتهم وزملاؤه في العمل قال ليارا من بين أسنانه: إحترمي نفسك بقى على المسا! أرجعت يارا ظهرها للوراء وهي تقلب بعينيها جسد نجمة وثوب الزفاف عاري الكتفين، لكن تصميمه سيء وقديم. قامت والدة رحيم من جانب مها وهي تعود لطاولتها وت...
رواية مسافات مشاعر الفصل الحادي والثلاثون 31 - بقلم روزان مصطفى
حمل سليم نجمة ووضعها على الفراش.
بدأ يبخ رذاذ عطر على معصم يده، ثم أسند رأسها بيده الأخرى وقرب معصمه من أنفها.
تململت نجمة قليلاً وهي تلتقط أنفاسها، ثم سعلت وهي تبعد معصمه عن أنفها وقالت:
"أوف، مبحبش ريحة برفانك تقيلة جدًا. إبعدها عني هرجع."
جلس سليم بجانبها وهو عاقدًا حاجبيه وقال:
"إيه يا بنتي مالك؟ خضتيني. لو ما كنتيش فوقتي بالبرفان، كنت خدتك على أقرب مستشفى."
اعتدلت نجمة بقلق وقالت بتوتر:
"لـ لا، مالوش داعي. أنا كويسة."
قال سليم بهدوء وهو يملس على خصلات شعرها كطفلة صغيرة:
"أكلتي حاجة طول اليوم طيب؟"
قالت نجمة بارتجاف:
"يـ، يعني مش أوي."
قال سليم بهدوء وابتسامة:
"طب يعني ينفع كدا؟ قومي البسي حاجة عشان متبرديش، جسمك بيترعش. وأنا هجيب أي حاجة ناكلها من بره عشان شكلك ضغطتي على نفسك جامد في شغل البيت."
قالت نجمة وهي تقوم بإرهاق وتفتح الخزانة بحثًا عن شيء منزلي مريح ترتديه:
"آه ياريت، لأني مش حاسة إني قادرة أقف وأطبخ. هنشر الغسيل بس وكده يبقى خلاص."
قال سليم بحزم:
"اقعدي وسيبيه، مش مشكلة يتغسل تاني."
قالت نجمة بضحك:
"متقلقش عليا بجد، بقيت كويسة. وبعدين مش هياخد خمس دقايق بدل ما نغسله تاني وأتعب أكتر."
قال سليم وهو يجلس على الفراش وينظر لهاتفه بحثًا عن مطعم:
"آه صح، وجهة نظر برضو. طب خلصيه وأنا مستنيكي."
***
داخل الجناح في الفندق
كانت مها تجلس على الفراش بجانب الطفلين.
قال رحيم الذي كان يجوب الغرفة ذهابًا وإيابًا:
"طب هما ناموا، ممكن ننزل نتمشى أنا وإنتِ شوية؟"
رفعت مها رأسها ونظرت له بذهول ثم قالت:
"هو مفيش أي تقدير للمسؤولية عندك كأب؟ إزاي يعني طفلين في السن ده أسيبهم لوحدهم كده وأنزِل أتمشى معاك؟ ثم إني مش عارفة إنت جايبني هنا ليه وعاوز تتمشى معايا ليه؟ بتحاول تعملي غسيل مخ عشان أقبل بوضعك إنك جايبلي ضرة؟ لا مش قابلاه ومش حباه. ولو قعدتنا هنا مدياك الأمل لكده، أحب أقولك إنك بتضيع وقتك."
نظر لها رحيم بخيبة أمل ثم جلس على طرف الفراش وهو يقول:
"أنا مبحاولش أعملك غسيل مخ يا مها زي ما بتقولي. لإني بالفعل بحبك وعاوز أتقرب منك. وده أدركته لما بعدتي عني. مش بيقولوا مبنحسش بقيمة الحاجة إلا لما تروح؟"
قالت مها بغيرة وضيق:
"والله مش ذنبي بقى. أنا فاض بيا من الكلام وبس. نفس الكلام ده إنت كنت بتقولهولي وإنت متجوزها من ورانا."
قال رحيم بتبرير وحزن:
"يا مها الإنسان ساعات لازم ياخد خطوة معينة مصمم عليها في راسه عشان تفوقه للحقيقة وتفتح عينه. والخطوة دي كانت جوازي من فرح عشان تعرفني إنك حب عمري مش هي."
التقطت عينا مها عينا رحيم، فأسرتها بنظرتها.
أشاحت بوجهها بعيدًا عنه، ليُمسك ذقنها ويجعلها تنظر له ثم قال:
"لو اديتني الفرصة هتعرف قد إيه جوايا حب ليك."
داعب وجنتها بإصبعه، لتُغلق عينيها إثر ارتعاشها مما يفعله.
لاحظ رحيم استجابتها، فسعد لذلك كثيرًا.
قطع المسافة بينه وبينها واقترب منها على الفراش وهو يضع يده حول عنقها ويتلمسه.
فتحت مها عينيها لتنظر له، فتعمق رحيم بنظراته الرومانسية الصادقة التي جعلتها تشعر أنها لن تستطيع مقاومته بعد ذلك.
أنزل يديه من حول عنقها إلى كتفيها وهو يتلمسهما، ويقرب جسدها منهما إليه.
استند بجبهته على جبهتها وهو يحاوط جسدها ويقول:
"وحشني كل حاجة فيكي."
أطلقت مها تنهيدة اشتياق وعشق حاولت جاهدة إخفاءهما.
ليقترب رحيم منها أكثر ويقول:
"خليني أتنفسك يا مها، خليني أحس قد إيه أنا غبي في كل لحظة مقربتش فيها بنفس منك."
ثم امتزجت أنفاسهما في قبلة، حاول جامحًا كبتها.
***
داخل شقة سليم
كانت نجمة تقوم بنشر ملابسهما في الشرفة.
طلت عليها يارا من شرفتها أسفلها ونظرت إلى نجمة قائلة بكيد:
"ياريت غسيلك اللي ملهوش لازمة مينقطش على التنده بتاعتي."
طلت نجمة عليها بضيق ولم ترد.
بل خرجت من الشرفة ورأت أمامها سليم يقف متصنمًا، وكلا يديه خلف ظهره.
قالت نجمة له بضيق:
"هي مرات أخوك اتجننت ولا إيه؟ مها مشيت فجت تجر في شكلي أنا."
كان سليم عاقدًا حاجبيه ولم يجب.
نظرت له نجمة وقالت:
"بتبصلي كده ليه؟"
قال سليم بنبرة غريبة:
"مقولتليش ليه إنك حامل؟"
رواية مسافات مشاعر الفصل الثاني والثلاثون 32 - بقلم روزان مصطفى
وقفت نجمة ترتجف من أثر مفاجأة سليم لها. كان الأخير ينظر لها محاولًا بشتى الطرق ألا يفقد المتبقي من أعصابه وينهال عليها بكلمات لن تنساها ما حييت.
أومأت نجمة برأسها رهبة منه وقالت:
إقعد طيب، هفهِمك.
رفع سليم أحد حاجبيه وقال:
أه هتفهمني إيه تحديدًا؟ عارف إني قولتلك نأجل الخلفه بس دا مش معناه إن ينفع تخبي عني حاجة زي كدا. مش فاهم غرضك إيه من إنك تخبي؟ خايفة من رد فعلي مثلًا! شايفاني راجل همجي؟
قاطعته نجمة بجملة كانت أشبه بخنجر مسموم:
كنت هنزله من غير ما تعرف، عشان مكانش ينفع أحط نفسي وحياتي معاك في كفة والبيبي دا في كفة.
نظرت للأسفل خذلانًا ولم تجرؤ على النظر لعينيه، تعلم جيدًا النظرة التي سترتسم داخلهما.
أما سليم، كمن أُنهال على جسده سوط مباغت. لم يحرك شفتيه حتى في محاولة منه للنطق، لكنه استجمع قواه وأخيرًا ثم قال:
بتخبي عني حاجة زي دي عشان تروحي من ورايا تقتلي ابني؟
رفعت نجمة رأسها ونظرت له وفوهة فمها مفتوحة ذهولًا ثم قالت:
أه عندك حق! أنا إزاي وحشة أوي وكدا ومدارية عليك حاجة زي دي وهروح أرتكب جريمة زي دي!! أصل الله أعلم مين كان كل شوية يقولي إوعي تحملي، إوعي يحصل حمل.. أنا مش جاهز.
ثم ارتفع صوتها وقالت باتساع أعيُن غاضبة:
مش جااهِز لإيه بالظبط؟؟ أنا عايزة أعرف مطلوب مني بعد كل التأكيدات دي أروح أخلف وأحمل عادي! مش كفاية إني مستحملة الحربايتين اللي تحت اللي أمها طفشت من تحت راسهم! إخيه عليا دا أنا ست وحشة أوي.
ارتفع صوت سليم فوق صوتها وقال بغضب:
أيوة ست وحشة!! تفكيرك وحش ونيتك أوحش، قولت حاولي قدر الإمكان لكن لو حصل خلاص أمر ربنا مش هنروح نعصيه وننزله.
صفعت نجمة فخذيها وقالت:
أنا بقى اللي مش عايزة أخلف منك! إنت فاهم؟ أنا اللي مش عايزة يا سليم.
ركضت لغرفتها وأغلقت الباب وهي تبكي، فصرخ سليم فيها قائلًا:
لا إنتي اتجننتي رسمي، إيه الجنان وتفكير الشياطين دا!!!
***
داخل شقة نديم
كان صوت عراك سليم ونجمة مرتفع للحد الذي جعله يصل إلى شقة نديم ويارا. كانت يارا تمسك بين يديها كوب القهوة الخاص بها وترتشف منه بإستمتاع وهي تقول:
يارب تولع أكتر وأكتر.
أزاح نديم نظارته الطبية عن عينيه وهو يفركهما ويقول:
يارب إنتي تولعي وما نلاقي مية نطفيكي يا بعيدة.
يارا بغضب:
إنت بتدعي عليا يا نديم أنت اتجننت؟
نديم بنفاذ صبر منها:
من تدخل فيما لا يعنيه سمع ما لا يرضيه، مالك إنتي بيتخانقوا ولا لا؟ لاحظي إن دا أخويا واللي يتمناله الشر كأنه اتمناهولي أنا.
لوت يارا فمها بسخرية وقالت:
أوه معلش بجد غلطنا في البخاري، المرة الجاية هنخلي بالنا.
نديم بجدية تامة:
ما إنتي لازم المرة الجاية تخلي بالك، عشان المرة الجاية فيها طلاقك بالتلاتة عشان ميبقاش السم اللي منشور في العمارة مبخوخ من شقتي أنا، جتـ**ـك داهية فيكي وفي قعدتك.
قام نديم من الأريكة ولاحقته وسادة الأريكة التي قامت يارا بحذفها عمدًا عليه وهي تقول:
امشيي!
***
داخل غرفة الفندق
كان رحيم يجلس على المقعد يتابع بعينيه مها التي تحزم أمتعتها في قرار منها لذاتها أنها ستغادر رفقة أطفالها، وأن مكثها معه في غرفة الفندق لن تكفيء النيران التي أشعلها بزواجه من فرح! ولا جدوى لها!
قال رحيم بنبرة هادئة:
بتعملي إيه؟
مها بحزم:
زي ما إنت شايف بلم حاجتي وحاجة ولادي عشان نتكل على الله، لو متكرمتش وصلتنا بنفسك همشي بيهم على رجلي لغاية ما ألاقي عربية ولا تاكسي يوصلوني.
قام رحيم من مقعده واتجه بجوارها وقال وهو يتلمسها:
طب اديني آخر فرصة عشا..
قاطعته مها بضيق:
كان بينا أيام كتير أوي فاضية وباردة وميتة بسببك، كل دي كانت فرص كان ممكن تقرب مني فيها ونبقى حلوين سوا في بيتنا وسط ولادنا بس إنت عشت دور المحروم من حبه الوحيد وطفحتولي مرار معاك، معنديش وقت تاني أضيعه من حياتي غير في تربية ولادي بصراحة، وإنت كدا كدا آخر همك العيال وأنا اللي بربيهم فـ هستمر على الوضع دا، عيش حياتك بقى مع حبك اللي يا حرام كلنا حرمناك منه.
رحيم وهو يمسك أكتافها جعلها تستدير وتنظُر إليه ثم قال:
آخر فرصة النهاردة بالليل، استني لـ بالليل وأوعدك الصبح بنفسي هوصلك إنتي والأولاد بنفسي للبيت، مش بتقولي مفيش أمل؟ معلش خديني على قد عقلي واستني لـ بالليل دي آخر محاولة.. ولو فشلت فيها أوعدك عمري ما هضايقك تاني حتى لو روحي فيكي. هتديني فرصة؟
نظرت له مها وقالت:
رواية مسافات مشاعر الفصل الثالث والثلاثون 33 - بقلم روزان مصطفى
نظرت له مها وقالت: تمام، دي آخر مرة هقعد هنا، ويا ريت لو فشلت زي ما بتقول تبعد عني تمامًا، وكفاية اللي حصل.
رحيم بيأس: أوعدك.. أوعدك يا مها.
ازدردت مها لعابها وهي تنظر له حزينًا، وكأنه لا يود أن يلتمس منها الأعذار ليبقى بجانبها، يود أن يكون العشق بينهما متبادلًا.
أدارت ظهرها له وجلست على الفراش مرة أخرى تُهدد صغيرها.
أما رحيم فتنحنح قائلًا: هتستعملي الحمام؟ لإني هدخل آخد شاور.
مها دون أن تنظر إليه: لا.
تنحى رحيم من أمامها وذهب إلى دورة المياه ليتحمم.
***
داخل شقة الحاج عبد الكريم
والدة سليم وهي تُهدئه: معلش يا ابني، دي بنسميها هرمونات الحمل، وبعدين هي غلطانة أه، مش هقولك لا، بس برضو من قلقها وخوفها لأحسن تهديداتك ليها حسستها إن ده ممكن يخرب بيتها. بصراحة كده إنتوا الاتنين غلطانين.
رفع سليم رأسه من بين يديه ونظر لوالدته ثم قال: لحد دلوقتي مش قادر أستوعب إن تفكيرها جابها للعبث ده، إزاي أصلًا تفكر فيا إني ممكن أطلقها لو عرفت حاجة زي كده لمجرد إني قولتلها نأجل الخلفة شوية! حاسس إني لو طلعت الشقة دلوقتي هجيبها من شعرها.
والدته بحزم: إوعى أسمعك بتقول كده تاني! أنا مربيتكوش على إهانة المرأة وعلمتكم من صغركم إنها شيء مقدس والقرآن كرمها. أي نعم أخوك رحيم مطمرش فيه علامي بس إنت لا يا سليم!
سليم وهو يتنهد: يا أمي أنا مقصديش كده! أنا بقول كتعبير مجازي بسبب غيظي منها، بس أنا أكيد مش همد إيدي عليها. مش عارف أعمل إيه بجد.
دخل نديم إلى الشقة بغضب وهو يقول: مساء الخير، إيه ده إنت هنا يا سليم!
ضحكت والدتهم ثم قالت: تعالى يا ابني، أنا هحط يافطة فوق باب الشقة وأكتب "منزل الحاج عبد الكريم للاستشارات الزوجية".
نديم بضيق وهو يدخل ويجلس: اعملي كده..
سليم شعر أن شقيقه يود التحدث في أمر خاص، فقال ذوقيًا: هقوم أنا أعمل مكالمة برا.
قام سليم، ففرك نديم عينيه.
وقالت والدته بشفقة: ربنا يعينك يا ابني، أنا عارفة وحاسة باللي إنت فيه. طول عمرك أحن واحد في إخواتك واللي في إيدك مش ليك، لغاية ما ربنا بلاك بواحدة تحول الملاك لشيطان.
نديم بإرهاق: ولسه أنا ملاك معاها، وياريتها تقدر ده.. المشكلة هي فاكرة إن حنيتي عليها ضعف. أنا تعبت أحلف عليها بالطلاق وإحنا عندنا بنت عاوزين نربيها في بيئة سوية وهي مش مستوعبة ده. كل شوية مين عمل إيه ومين سوى إيه، وبت بص لبيوت إخواتي بالخراب! أتكلم مع مين يفهمني، أعاملها إزاي؟ أمها مش مغلطاها خالص.
التقطت السيدة نبيلة فنجان القهوة الخاص بها وارتشفت منه وهي تمدد قدميها ثم قالت: ما هي البت بتبين نفسها قدام أمها إنها ملاك. قوم التانية بقى تحاملها. بس أنا مش هعمل زي حماتك وأسقف للي بيستحمل أكتر، أنا هقولك زي ما متقربلهاش خالص عشان تحس وتسألك، لأن مراتك بقت صعبة أوي لا تحتمل.
نديم بضحكة مريرة: لو عملت كده مش بعيد تتصل على أمها تقولها ده مبيدنيش حقوقي الشرعية.
السيدة نبيلة بصدمة قالت: والله عندك حق يا ابني، اللي زي دي تتوقع منها أي حاجة.
أحن نديم رأسه بخيبة أمل، لتلمع فكرة رائعة داخل عقل السيدة نبيلة وتقول: أنا جالي فكرة، هتخليها تمشي على العجين متلخبطوش، بس بقولك إيه هتكون بيني وبينك.. فاهم؟
نديم بحماس: قولي!
***
داخل شقة نديم
جلست فرح بجانب يارا وهي تقول: طب على الأقل إنتوا جوازاتكم موجودين وبتتخانقوا معاهم، الدور والباقي عليا أنا اللي مش عارفة جوزي رحيم فين، واللي غايظني إن التانية اللي اسمها مها محبوسة معاه.
يارا وهي تُهدئ من بكاء ابنتها: تلاقيها سحبته عندها، ما أصل مها دي أنا عرفاها، تمثل قدام الكل إنها المظلومة المنكسرة ومن ورانا تخطط وتعمل لمصلحتها.
صفعت فرح فخذيها بضيق وهي تقول: آآه مفقوعة منها فقع، إنتي هتقوليلي ما هي أيام خطوبتي برحيم استغلت إني سبته وقولت هتخطب لغيره ولفِت عليه زي الحية.
يارا بحقد: وعمالة تخلي الكل يشكر فيها وكأن مفيش غيرها على الحجر، وأنا سراب مش موجودة.. إحنا لازم نتخلص منها بجد.
فرح بصدمة: نقتلها!
صفعتها يارا على ذراعها وقالت: إنتي اتجننتي ولا الأفلام أثرت على نافوخك! بقول نتخلص منها يعني ميبقاش ليها صلة بعيلة عبد الكريم خالص.
فرح بضحكة ساخرة: عشم إبليس في الجنة يا حبيبتي، مأمنة نفسها وجايبة ولدين توأم من رحيم، آآه هموت من الغيظ.
يارا بوجه أصفر: اتقلي، محضرة لها مصيبة هتطلع من نافوخها أوي.
***
داخل الجناح / ليلاً
كانت مها قد غفت إثر إرهاقها من إطعام صغارها وهدهدتهم.
صوت موسيقى ضئيل ورقيق انتشر في الجناح الفندقي المقيمون به.
أفاقت مها على ذلك الصوت لتجد الغرفة مظلمة.
نظرت حولها وتحسست الفراش لتجد أطفالها غير موجودين.
قفزت من الفراش وهي تصرخ وتقول: ولادي!
جاءها صوت رحيم الخافت يقول: متخافيش، في الأوضة اللي جنبنا مع صاحبتك الوفية اللي كنتي قاعدة عندها.
وضعت مها يدها على قلبها وهي تزفر براحة، ثم عاد لها الخوف من الظلام.
تحسست الهواء أمامها لتقول بخوف: طب إنت فين أنا مش شايفة حاجة!
شعرت أن جسدها ارتطم بجسده فشهقت.
قام رحيم بإشعال القداحة وقال وهي بين أحضانه: أنا أهو..
رواية مسافات مشاعر الفصل الرابع والثلاثون 34 - بقلم روزان مصطفى
قام رحيم بإشعال القداحة وقال وهي بين أحضانه: أنا أهو..
إرتبكت وإرتجفت مها وهي تنظر لوجهه في الظلام.
إزدردت لعابها وقالت بخوف: طب قافل النور ليه!
رحيم وهو يلتقط خصرها بذراعه الآخر قال: عشان تدوري عليا وتجيلي، الضلمة بتجمعنا، بس لو فتحت النور مش هتحسي أنك محتاجالي.
مها بنبرة مر تجفة: كنت بحتاجك وبحبك وبحب أشوفك في عز النهار وقصاد خلق الله كلهُم، كنت إنت دايمًا اللي بتلف وشك عني كإنك مش شايفني.
رحيم بهمس: وإتغيرت، عرفت قيمتك، والأيام واللحظات اللي كان المفروض نقضيها سوا، المُهم في اللي فات يا مها هو إننا ننساه، وعشان الجاي يكون زي ما إحنا حابين لازم نحاول عشان خاطر ولادنا على الأقل.
دمعت مها وقالت بنفس الهمس: مقدرش، إنت جرحتني.. مقدرش أعيش معاك وإنت متجوز عليا.
رحيم بجدية وقرار حازم: هطلقها، أنا إكتشفت إني مبقدرش تبعدي عني ثانية، وإني هظلمها لو فضلت على ذمتي وأنا حارِمها من حقوقها الشرعية ومن أي مشاعر لإن مشاعري كُلها معاكي.
مها وقد انهمرت الدموع من مقلتيها أخيرًا: نفسي أصدقك.
جذبها رحيم تجاهه وهو يداعب عنقها بأنفه وشفتيه ويقول بنبرة يغلفها الشوق تمامًا: صدقيني، مش عاوز غيرك، مش شايف غيرك.. أنا مسحور يا مها.
وضعت كلتا يديها على صدره وهي تقول: إنت شارب حاجة؟ متأكد إنك في وعيك؟
لمس وجنتيها بكفي يديه وقال وهو يقرب شفتيه من شفتيها وينظر لها بعيون امتلأت بعشق فاضح: في كامل قواي العقلية وثباتي واتزاني، مفيش حاجة فاقدة ثباتها فيا غير قلبي اللي مش قادر يقاومك!
ابتعدت عنهُ وفي عينيها نظرة مكسورة، ثمة شيء لم يجبر داخلها بعد.
توقع رحيم ذلك فـ التقط يدها برقة وهو يسحبها معه تجاه النافذة ويقول: أقولك حاجة؟
مها وهي تنظر قالت: حاجة إيه؟
رحيم: ملمستهاش.. مجيتش ناحيتها عشان من ساعة ما بقت على ذمتي محسيتش إن ينفع واحدة تكون مراتي وأقربلها غيرك.
استنشقت مها نفس عميق وجاءت لتتحدث.
انحنى رحيم وحملها بين يديه وهي مشبثة في عنقه وخائفة.
فقال رحيم: متقلقيش، عاملِك مفاجأة تانية.
منزل الحاج عبد الكريم
جلست والدة رحيم برفقة فرح وهي تقول: شوفي يا بنتي، زمان لما خطبناكي لإبني رحيم، أنا كنت طايرة من السعادة.. خطبت إبني لبنت أختي اللي بحبها زي بنتي بالظبط، لأني مخلفتش بنات، وكله حاجة كانت ماشية تمام لغاية ما إنتي اتعوجتي أو الشيطان لعب في دماغك وبقيتي تعاملي إبني وحش، وساعتها فسختي الخطوبة وقولتي هيخطبك واحد تاني.. كان حقنا ساعتها نخطب لإبننا وقد كان، كنت فاكرة إنكم هترجعوا بعد كل ده؟ كان لازم يتجوز خطيبته.. بقولك الكلام ده ليه وبفكرك باللي فات؟ عشان إحنا دلوقتي محدش مرتاح فينا، واللهُم صل على النبي جريتي صاحبتي يارا وعمالين تتفقوا وتخططوا للبت الغلبانة اللي مرمية في الشارع هي وولادها.
انهمرت دموع من مقلتي فرح وهي تقول: مفيش حد هيحب رحيم قد ما أنا بحبه، صدقيني هي بتمثل.. ولو أنا زي بنتك بجد زي ما بتقولي كنتي صلحتي الأمور بيني وبين ابنك بس دا كإنك ما صدقتي! رحتي على طول خطبتيله، رحيم بيحبني أنا وميحبش غيري.
ابتسمت خالتها وهي تنظر لها بشفقة ثم قالت: لا حب، حب مراته أم ولاده، إنتوا الحب اللي بينكم دا حب سهل يتمحي، عشان كنا دايماً من صغركم بنقول إنكم لبعض، بس عاوزة أفهمك حاجة.. الحياة مبتوقفش على حد، لو سبتي رحيم لبيته ومراته وولاده ربنا هيرزقك بالأحسن، أنا متأكدة إنك من جواكي عارفة إن الحب اللي بينك وبين رحيم انتهى، بس إنتي قبلتي تتجوزيه وتقعدي هنا عناد، مش صعبان عليا غير ابني ومراته اللي متبهدلين بسببك إنتي وأمك، لإن لو أختي كان فيها خير كانت ربتك إن النصيب لازم يصيبنا، وإن طالما الإنسان اتمرد على حاجة مينفعش يرجع يدور عليها، أنا بقولهالك أهو وإنتي وضميرك، لو عندك ذرة كرامة واحترام لنفسك هتطلبي الطلاق وتروحي لأمك، لإن لا أنا ولا ابني عايزينك، إنتي مهما تكوني غالية مش هتكوني أغلى من ابني و بيته، اطلعي من حياتنا بقى يا شيخة.
وضعت فرح يدها على فمها وهي تركض إلى الغرفة، قررت حزم أمتعتها والمغادرة.. لم تعد تحتمل الخسارة فـ قررت رفع راية الاستسلام.
منزل سليم
دق على باب غرفة نجمة التي أغلقتها عليها وهو يقول: عايزين بعد ما نتصالح نروح عند دكتورة عشان تتابع معاكي الحمل، يا متخلفة ياللي مبتفهميش، إوعي تكوني قافلة على نفسك عشان بتنطي من فوق السرير والحركات العبيطة دي.
ضحكت نجمة من الداخل وهي تعدل من خصلات شعرها.
فقال سليم: أنا كل الحكاية يعني إن حوار رحيم أخويا كان مأثر عليا فـ قولت نأجل الخلفة، لكن طالما جت يبقى ليه الخوف إنك تقوليلي؟ يا نجمة إحنا قبل ما نتجوز كنا أكتر اتنين الناس بتشوف إنهُم عاقلين وقادرين يتعاملوا مع بعض من غير خناق، شكلنا اتحسدنا ولا إيه؟
قامت نجمة وفتحت باب الغرفة وهي تقول: معرفش، اسأل مرات أخوك.
ابتسم سليم وهو يستند على الباب ويقول: ماليش كلام معاها، أنا بسأل حبيبتي.
ابتسمت نجمة بسخافة وهي تقول: حبك بُرص.
سليم باستفزاز: أيوة ما أنا عارف إنك بتحبيني.
ضحكت نجمة وجاءت لتضربه.
فـ جذب ذراعها الممدود تجاهه وسحبها داخل حضنه وهو يتلمس خصلات شعرها ويقبل عنقها.
في البحر / الفندق
قام رحيم بخلع حذائه وهو يقول لمها: كويس إني جبتك حافية.
مها بصدمة: بنعمل إيه هنا؟ أنا بخاف من المياه جدًا.
رحيم بتساؤل أثار القشعريرة في جسدها: بتخافي وإنتي معايا؟
صمتت مها ثم قالت بهدوء: ساعات.
رحيم: لا متخافيش، معنديش هدف إني أغرقك غير في حضني.
مد يده تجاهها فـ نظرت ليده وهي مترددة.
فـ ضحك رحيم وقال: إيه؟ مش عايزة تغرقي فيه ولا إيه؟
مدت مها يدها ليده وقالت: على فكرة أنا محجبة، يعني الهدوم لو لزقت على جسمي هيبقى المنظر مش لطيف.
أشار لها رحيم لمعطفه وقال: مش ديوث أنا والله، هلبسك الجاكيت بتاعي وبعدين الحتة دي من البحر مفيش حد بييجي عندها.
مها بخوف: ليه فيها قروش؟
رحيم: تؤ، دافع للفندق عشان الحتة دي محدش ييجي فيها ولا ناحيتها، هاتي إيدك.
مدت مها يدها له.
فـ قام بسحبها تجاهه وحملها بين ذراعيه.
فـ تشبثت به وهي تقول: بس متدخلش جوة أوي.
تقدم بها داخل المياه وهي ترتجف وتتمسك به بكامل قوته.
رحيم وهو يحاوط خصرها قال عند أذنها: وحشتيني، كدا أعرف أتحكم فيكي أكتر، في المياه مش هتعرفي تهربي مني.
مها وهي تقول: أيوة بس أنا.. بس أنا.
قاطع حديثها بقبلة أخرج بها كافة انفعالاته وشوقه تجاهها.
ظلوا في المياه مدة عشر دقائق.
فـ حملها رحيم وهو يخرج بها من المياه ثم لفها بمعطفه.
صعدوا إلى غرفتهم وفتح رحيم باب الجناح ثم دخلوا.
أغلق الجناح خلفه وهو يزيح معطفه عنها ويقول: إنهاردة، حلال ومفيهوش أي شرب أو سكر أو أي حاجة، بكامل وعيي وقواي العقلية.. عاوزك يا مها.
كلمة أعلن بها رغبته في حقه الشرعي في زوجته، وفعلها!
رواية مسافات مشاعر الفصل الخامس والثلاثون 35 - بقلم روزان مصطفى
صباح اليوم التالي
جناح الفُندق
استيقظت مها وهي تشعر بالخمول والإرهاق، وحتى جسدها شعرت أنها لا تستطيع تحريكه. قامت بهدوء وهي ترتدي ملابسها، وقامت بفتح نافذة الجناح وهي تنظر للخارج وتستنشق الهواء ورائحة البحر بابتسامة صافية وذهن رائق.
تقدم منها رحيم بعد ما ارتدى هو الآخر بنطاله واحتضنها من الخلف وهو يقول بالقرب من عنقها:
مستني قرارك، إنتي فكراني عرفت أنام وأنا متوتر كدا؟
أعادت مها رأسها للخلف لتستند على ذقنه وهي تقول برقة:
أنا كمان معرفتش أنام، في المرة الأولى اللي خلفنا فيها الولدين كنت حاسة بإهانة رهيبة كأن كل اللي شدك ليا شكلي وبس! لكن المرة دي بجد حسيت بمشاعرك، حسيت كأننا متجوزين جديد.. حسيت بمشاعر مختلفة، فاهم حاجة؟
ابتسم رحيم وهو يلفها له ثم نظر لعيناها وقال:
قولتلك اديني فرصة امبارح بس أفهمك قد إيه بحبك وجوايا مشاعر صادقة من ناحيتك، صدقتيني دلوقتي؟
ابتسمت مها فداعب أنفها بأنفه لتبتسم هي وتقول:
عاوزة أطمئن على الولاد مشفتهمش من امبارح.
عقد رحيم حاجبيه وهو يقول بمزاح:
هما كان اسمهم إيه صحيح؟
ضربته مها بخفة على ذراعه ليحتضنها ويقبل رأسها بقوة وهو يستنشق رائحة شعرها.
***
داخل شقة سليم
سليم وهو يرتدي حذاءه:
يلا يا ست هانم أنا خلصت لبس، واخِد أجازة من الشغل مخصوص عشان الدكتورة بتاعت سيادتك عملالك معادك النهارده بدري.
خرجت نجمة وهي ترتدي معطفها وتقول:
يا سلاام، كمان أول معاد ليا عشان أشوف البيبي مش عاوز سعادتك تتعِب نفسك وتيجي معايا؟
سليم بابتسامة وهو يقترب منها:
أنا قولت حاجة؟ إيه القمر دا بس، دا منظر واحدة حامل ورايحة عيادة تتابع.
وضعت نجمة يدها في خصرها وهي تقول:
أومال منظر إيه بقى إن شاء الله؟
جذبها سليم من خصرها وهو يقول:
منظر قمر، حاجة كدا مسكرة.
نجمة بنحنحة:
إحم، طب يلا هنتأخر على الدكتورة؟
عض سليم على شفته السفلى وهو يقول:
هعديهالك المرة دي، يلا بينا.
خرجوا كلاهما من الشقة وهم ينزلون الدرج. كانت يارا تخرج صندوق القمامة الخاص بها وهي تنظر بقرف إلى نجمة التي قامت برفع إحدى حاجبيها وتتأفف.
يارا لنجمة:
بالراحة على نفسك شفطتي الأكسجين كله.
لم تستطع نجمة مجاراتها أكثر من ذلك، كان لابد من وضع حد لتلك الشمطاء. اقتربت منها نجمة ووقفت أمامها وهي تقول بابتسامة صفراء:
اعتذري حالًا عن اللي انتي قولتيه.
يارا بضحكة رقيعة:
أء إيه؟ يظهر إنك متعرفنيش كويس.
خلعت نجمة معطفها وهي تضعه فوق كتف سليم ثم اقتربت من يارا وهي تقول:
تؤ، يظهر انتي يا بت اللي متعرفنيش كويس.
أمسكت نجمة بشعر يارا بين يديها وهي تحركه منه يمينًا ويسارًا، ثم أمسكت رأس يارا وحشرته داخل صندوق القمامة وهي تقول:
كفاية بقى، استحملتك كتير، والغلبانة التانية مها استحملتك أكترر، انتي إيه البعيدة حرباية مبتتهديش، أنا بقى اللي ههدك.
خرج الحاج عبد الكريم وزوجته وهم يحاولون فض العراك لتقول نجمة لوالدة زوجها:
دي مش هتتهد غير كدا، سبيهالي يا ماما هروقهالك.
الحاج عبد الكريم:
خلاص يا بنتي لما نديم ييجي يشوفلُه حل معاها، انتي حامل متتعبيش روحك.
تركتها نجمة لتعِتدل يارا وهي تسعل وتلتقط أنفاسها ثم قالت:
وربنا لأوريكي، أنا هوريكُم كلكُم.. أنا هوريكُم.
نجمة رفعت حاجبيها وهي تقترب منها مجددًا وتقول:
لا دي مبتتعظش بقى تعاليلي هِناااا، خلاص مبقاش ليكي حد يسندك اللي اسمها فرح غورناها، وهنغورك إنتي كمان يا حرباية يا عقربة!
صعد نديم بعد ما كان يحضر طعام الإفطار من الأسفل ووقف يشاهد ثم قال بنبرة حازمة:
حقك، ما أنا معرفتش أوقفها عند حدها، حتى الطلاق محوقش فيها فحقك.
في ذات التوقيت وصل رحيم برفقة مها وطفليه وهو يقول بحزم:
إيه اللي بيحصل صوتكم جايب لتحت!
نديم وهو يقول بنفاد صبر:
طلبتيها ونولتيها؟ تمام.. انتي ط..
وضعت والدته يدها فوق فمه وهي تقول:
انت اتجننت ولا إيه الحكاية؟ إوعى تنطقها لو مكانش عشانها يبقى عشان العيال يابني.
نديم بغضب:
عيال إيه أنا مش هخلف تاني منها دي فضحتني وفضحاني في كل حتة أنا خلاص جبت آخري!
أغلقت والدته عينيها وهي تقول:
معلش، قولت خلاص عشان خاطر العيال خدها وربيها بمعرفتك جوة ومحدش هيتدخل.
سحب نديم يارا وهو يقول:
قدامي، والله لأخلي يوم أسود.
ذهبوا لشقتهم فقالت نجمة بارهاق:
معلش حقكم عليا بس أعصابي فلتت وهرمونات الحمل عملت عمايلها فطلعت قديم وجديد عليها، عن إذنك يا ماما هروح مع سليم للدكتورة عشان المتابعة.
والدة رحيم:
ربنا يطرحلكم البركة والخير في كل خطوة من خطواتكم يارب.
جذب رحيم والدته تجاهه وهو يقول:
فرح فين؟
عقدت والدته حاجبيها وهي تقول:
كويس بقى عندها إحساس، اديتها كلمتين في جنابها زعلوها فـلمت حاجتها وراحت لأمها، بتسأل عنها ليه؟
شبك رحيم أصابعه في أصابع مها وهو ينظر لها ويقول:
كنت عاوز أقولها حاجة أخيرة بس.
ابتسمت مها وهي تنظر لأعين رحيم الممتلئة بالعشق وداعب هو أصابع يدها بأصابع يده، ثم قال موجهًا حديثه لوالدته:
أنا هطلع فوق يا أمي، عايزة حاجة؟
والدته والابتسامة اعتلت ثغرها:
الله! طب وشرط مها؟
خجلت مها واحمر وجهها فقال الحاج عبد الكريم:
اطلع يابني في الآخر ملكوش إلا بعض، وبينكم بيت وولاد ربنا يهدي سركم.
صعدوا سويًا إلى شقتهم ثم أغلق رحيم الباب خلفهم.
مها برقة:
إقفل الباب بالراحة عشان الولاد نايمين.
وضعتهما مها في فراشهما وقامت بتغطيتهما، حاوطها رحيم من الخلف من خصرها وهو يقبل عنقها ويقول:
هبعتلها ورقة الطلاق على بيت أمها.
نظرت له مها بعد ما قامت بلف وجهها تجاهه وقالت:
مش ندمان؟
اقترب رحيم بوجهه منها وقال:
أنا لو ندمان على حاجة في حياتي هي على إني محبتكيش أول أنثى في حياتي وضيعت كل الوقت دا من غير ما أكون فيه معاكي.
ابتسمت مها برضا وهي تضع رأسها على صدره وتتنهد براحة.
***
داخل شقة نديم
كانت يارا تجلس على المقعد مطأطئة رأسها للأسفل والدموع تنهمر من عينيها على جلبابها، ونديم يسير ذهابًا وإيابًا أمامها، ثم توقف مرة واحدة وقال:
كنت على تكة وأخلي بيني وبينك محلل عشان أردك ليا تاني دا لو عاوز أردك، عاوز أفهم اللي عندك دا عقد نفسية ولا إيه بالظبط؟ ليه بتأذي اللي حواليكي بلسانك المشكوك بالسكاكين دا! دا أنا في حياتي مشوفتش جبروت كدا! انتي بتعملي كدا ليه؟؟ ليه كارهة اللي حواليكي بالشكل المقرف دا ومكرهاني في عيشتي رغم إني كنت قايدلك صوابعي العشرة شمع!! واستحملتك واستحملت عجرفتك ومناخيرك المنطوحة لفوق وقولت أعدي رغم إن دا دور الست في الغالب، أنا اللي كنت بستحمل قرفك ونظرات أبويا وأمي ليا إني مش عارف أحكمك كانت بتقتلني، بس السم اللي جواكي مهما تنقطي منه لغيرك مبيخلصش! عملتك بني آدمة ومرضتش أمد إيدي عليكي لإن أمي مربياني أحترم الست وأقدسها لإن بيها البيت بيسكن، بس انتي مخلية بيتي مسكون آه بس بعفاريت حقدك، أنا هشحنك بشنطة هدومك لأبوكي وأمك يستحملوا هما خلفتهُم الهباب، أنا مبقتش عايزك ولا بقيت قادر أستحملك، مش كل الستات تقدر تفتح بيوت، في ستات زيك كدا تافهين وشايفين نفسهم ومش عارفين يعني إيه مسؤولية.
وقفت يارا وهي تبكي وقالت وهي تمسح عينيها:
طب اديني آخر فرصة! انت بتقول إنك اتحملت كتير مفيهاش حاجة لما أجي على نفسي وأتحمل أنا المرة دي، أنا مقصديش يا نديم أقل منك قدام أهلك بس بجد أنا مش عارفة بعمل إيه ولا بقول إيه، هما مهما مراتاتهم يغلطوا مبيقبلوش ليهم الإهانة أبدًا، لكن انت شوفت اللي اسمها نجمة دي بتمد إيدها عليا وشجعتها.
رفع نديم معطفه من على جسده بيديه وهو يقول بصراخ:
ما عشان زهقت وجبت آخري، وانت مبتتهديش! ولسه لحد دلوقتي عايزة تكملي خناق ما هو انتي اللي وصلتيها لكدا! مستلماها في الرايحة والجاية تلقيح عاوزاها تعملك إيه تضربلك تعظيم سلام؟ عاوزة كل الناس تحترمك وإنتي مش محترمة حد!
ثم فرك عينيه وقال وهو يزدرد لعابه بغضب:
قدامك اختيارين ملهومش تالت، يا تعيشي معايا هنا زي الجزمة تهتمي ببيتك وبنتك وملكيش علاقة نهائي بغيرك! يا إما أوديكي دلوقتي عند أبوكي بشنطة هدومك ومش هتلوي دراعي بالعيال.
تمتمت يارا بأحرف غير مفهومة فقال نديم بحزم:
مش سامع!
يارا بصوت أوضح:
هقعد هنا ومش هعمل مشاكل تاني.
جلس نديم على المقعد وهو يقول بلهجة أمر:
خشي اعمليلي كوباية شاي.
تحركت يارا من أمامه فزفر براحة وقال:
يا ساااتر حية على هيئة ست.
***
داخل عيادة النساء
كانت نجمة ممدة على الفراش ويقف بجانبها سليم وهو ينظر للشاشة الصغيرة وذلك الشيء الغير واضح بها الذي تشير إليه الطبيبة وتقول:
أهو بيتحرك وحالته كويسة جداً، هنعرف نوعه بعد كام شهر.
اعتدلت نجمة على الفراش وقال سليم:
كل اللي ربنا يجيبه حلو سواء بنت أو ولد، المهم صحتها.
جلست الطبيبة خلف مكتبها وقالت:
هتبقى عال لو التزمتِ بتعليماتي وبمواعيد المراجعة، وطبعًا مش هوصيكي ممنوع الأكلات اللي ملحها عالي.
كتبت لها الطبيبة التعليمات وأعطتها الورقة، شكرتها نجمة وهي تشبك يدها في يد سليم ويخرجون سويًا من المشفى.
قال سليم بسعادة:
سمعتي يعني مفيش فسيخ.
نجمة بسعادة:
فرحان فيا انت طبعًا، ماشي ماشي.
سليم بضحكة:
طب إيه رأيك أعوضك بأكلة حلوة نتغدى برا احتفالاً؟
نجمة وهي تنظر له:
طب وشغلك؟
سليم وهو يفتح لها باب السيارة:
يتعطل يوم إيه المشكلة؟
جلست نجمة في السيارة بجانبه وجلس هو في مقعده ثم انطلقوا سويًا.
***
بعد مرور شهرين
منزل الحاج عبد الكريم
كانوا ملتفين جميعهم حول مائدة الطعام، كلًا منهم يجلس بجانب زوجته، والخادمة الجديدة تراعي الصغار حتى ينتهي الكبار من تناول الطعام.
وضع الحاج عبد الكريم يده أسفل ذقنه وهو يراقبهم بعينه ويقول:
أهو هو دا المشهد اللي عشانُه بنيت عمارة وسكنتكم مع بعض، معظم البيوت مقاطعين يا عمامهم يا خيلانهم، فقدنا الروح الحلوة بتاعة الإخوات لما كل واحد عمل بيته لوحده، فقدنا اللمة الحلوة والإحسان لبعض.
كان بين مراتاتكم مشاكل مش عارفين تتصرفوا فيها، كان اللي محتار هو خد القرار الصح ولا لا، واللي تايه ومش عارف هل اتحرم فعلًا من اللي عاوزة ولا ربنا عوضه بالأحسن.
بيتي كان دايمًا مفتوح لكم، وأمكم كانت موجودة تسمعكم وتهدي سركم وتحفظ بيوتكم.
صعوبات كتير مريتوا بيها بس في الآخر إيه؟ اتحلت كل مشاكلكم بالمواجهة، سواء مواجهة نفسكم أو مواجهة شريك حياتكم باللي جواكم.
في الآخر فهمتوا إن الحياة بعد الضيق بتتعدل فجأة وكأنها عمرها ما ضاقت، خليكم دايمًا سند لبعض طالما رسيتوا على البر الثابت، وخلوا لعيالكم قرايب حلوين يتسندوا عليهم ويتونسوا بيهم لما يكبروا، عمام وخيلان وكله.. اتقوا ببعض وبحبكم لبعض.
رفع رحيم يده وهو يقول:
بمناسبة كلام الحاج عن عيالنا، في ضيف ثالث هيشرفنا كمان كام شهر.
صفقت نجمة وضحك إخوته وقالت والدته بعد أن أطلقت "زغروطة":
مها حامل يا حبايبي ألف مبروك.
ابتسمت مها بخجل فميل رحيم عليها وقال:
في فرح سليم مكنتش بحب أقعد جنبك كنت بحس إني مخنوق، أما دلوقتي بحس كل الدنيا دي خنقة من غيرك، والأكسجين عندك انتي بس.
مها بهمس:
بحبك..
رحيم بصوت مرتفع:
أنا بموت فيكي.
ضحكوا جميعًا واختلطت أصواتهم الدافئة ببعضها.
نظرت يارا بابتسامة لمها قائلة:
مبروك يا مها.
مها برقة:
الله يبارك فيكي، تسلميلي.
نديم:
عاوز شاي مش قادر.
نظر لهم الحاج عبد الكريم والابتسامة لم تفارق وجهه.
ستستمر الحياة، ليست كل خسائرنا هي النهاية، ربما هي بداية لأمور أبدية أجمل ♡