تحميل رواية «مسافات مشاعر» PDF
بقلم روزان مصطفى
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
كان جميع الحاضرين في حفل الزفاف، وجوههم مشدوهه وهم ينظرون للعروس التي دخلت لقاعة الحفل برفقة زوجها وهي ترتدي ذلك الثوب! ألتقطت يارا زوجة نديم مروحتها ذات الريش وبدأت في تحريكها أمام وجهها وهي تبتسم بسخرية وتقول: أخوك لسه جايبها من الغيط على القاعة عدل نديم بنفاذ صبر وهو ينظر لعائلتهم وزملاؤه في العمل قال ليارا من بين أسنانه: إحترمي نفسك بقى على المسا! أرجعت يارا ظهرها للوراء وهي تقلب بعينيها جسد نجمة وثوب الزفاف عاري الكتفين، لكن تصميمه سيء وقديم. قامت والدة رحيم من جانب مها وهي تعود لطاولتها وت...
رواية مسافات مشاعر الفصل الحادي والعشرون 21 - بقلم روزان مصطفى
بعد أن أرسل رحيم تلك الرسالة إلى مها، ظل ممسكًا بهاتفه في يده على أمل تلقي الرد منها، ولم يستطع أن يجلس حتى، بل ظل يجوب الغرفة يمينًا ويسارًا في قلق تام.
لاحظت فرح ذلك وأشارت له في حديثها قائلة:
مش حاسة إنك مبسوط إننا بعد كل المعاناة دي أخيرًا بقينا سوا!
توقف رحيم عن الحركة ووقف أمامها وهي جالسة على الفراش وقال بصوت جهوري غاضب:
لا مش مبسوط! بتتصرفي من دماغك ليه وبتعرفيهم الحوار بالشكل الحقير دا! معندكيش بربع جنيه تفكير فيا وفي موقفي وشكلي قدام أهلي، أهم حاجة عندك نفسك وبس.
وقفت فرح أمامه مكتفة اليدين وقالت بغضب:
لا أهم حاجة عندي علاقتنا اللي أنا مش فاهمة إنت مخبيها عنهم ليه! أنا ليا حق فيك أكتر من ست مها هانم اللي الكل...
رحيم بغضب مماثل:
بس بقى! متجيبيش سيرتها مش كفاية اللي عملتيه!
كاد بؤبؤ عينيها أن يتحركا من مكانهما من شدة الغيرة، كانت جاحظة النظر له بشكل عفوي لكنه مثير للانتباه. لم يهتم كثيرًا بما تشعر الآن، فقد أثارت سخطه بفعلتها المشينة.
جلست مرة أخرى على الفراش وهي تنظر في اللاشيء وقالت بنبرة المدركة متأخرًا للحقائق وأخيرًا:
إنت حبيتها ونسيت حبنا يا رحيم! أنا إزاي كنت مغفلة كدا؟ أنا كنت فاكرة إن مهما كان أنا بس اللي في قلبك، وكنت فاكرة إن هي اللي بتحاول تتقربلك عشان توقعك فيها، أتاريك بالفعل واقع! طب طالما كدا قبلت تتجوزني ليه؟
رحيم وضع يده فوق رأسه وقال:
ممكن كفاية كلام أهبل عشان أنا بجد مش ناقصك؟ إنت مش مستوعبة إنت عملتي فيا إيه، إنت حرمتيني من عيالي هشوفهم بمواعيد عند أمي.
شهقات البكاء توالت داخل صدرها وهي تقف وتقول ببكاء غاضب:
كفاية تمثيل بقى، من إمتى بتهتم بولادك ده إنت رامي حملهم على مها طول الوقت، هي اللي فارقة معاك مش هما! ده حتى أهلك مش فارقين معاك قد ما هي فارقة معاك.
جلست على الفراش مرة أخرى وهي تخفي عينيها بين أصابع يدها وتبكي بصمت.
جلس رحيم بجانبها ونظر في اللاشيء وقال:
ولو قولتلك إن بفعل حبيتها، هتعملي إيه يا فرح؟
لم ترفع وجهها من بين يديها، بل أخفته جيدًا وعلا صوت بكاؤها بدرجة أكبر، مما دفع رحيم إلى احتضانها من كتفها وضمها لجسده بيده، وباليد الأخرى نظر لهاتفه بعد أن أضاءه بنظرة أمل ورجاء أن ترد مها.
أما الأخيرة فكانت في شقتها، ممدة على فراشها تبكي بقهرة، والطفلين نائمين. كانت تخشى أن توقظهما بصوت بكائها، فغرزت وجهها في الوسادة وارتفع ضغطها أكثر. قامت وهي تشعر بالدوار من الضغط وكانت تتسند على الجدار حتى لا تقع.
إلى أن وصلت إلى المطبخ، جلست على المقعد وهي تلتقط من صحن الفاكهة أمامها موزة تساعدها قليلًا على التوازن.
رن جرس الباب فعقدت حاجبيها وهي تدعو الله ألا يكون رحيم.
قامت مجددًا من فوق مقعدها وتحركت بحذر إلى الباب حتى نظرت من العين السحرية، وجدت والدة زوجها.
أغمضت عينيها والتقطت أنفاسها ثم قامت بفتح باب الشقة وهي تجفف عينيها من الدموع، قالت بأدب:
اتفضلي يا ماما.
نظرت لها والدة رحيم بشفقة وهي تدخل الشقة وتقول:
بسم الله الرحمن الرحيم السلام عليكم يا أهل الدار.
أغلقت مها الباب خلفها وجلست أمامها في الصالة.
مها بصوت مترنح من كثرة البكاء:
تشربي شاي ولا قهوة.
سحبتها والدة رحيم من يدها لتجلسها بجانبها وهي تقول:
اقعدي بس عاوزاك في كلمتين.
جلست مها بحزن وهي تنظر للأرضية، بينما قالت والدة رحيم:
أنا مش جايه أواسيك وأقولك كلام يريحك شوية وهو مش حقيقي، رحيم عنيد ومش عارف هو عاوز إيه، ودائما لما كنا بنحرِمه من حاجة كان يعمل العمايل عشان ياخدها، وأول ما يوصلها يسيبها، بس إنت غير يا مها. أنا مشوفتش ابني مرتاح مع حد قد ما شوفته مرتاح معاك في الفترة الأخيرة، جايز في البداية كان تعامله معاك سيء عشان إجبارنا ليه يتخطى فرح بعد خطوبتها عمدًا عشان يكسر قلبه، لكن بعد كدا واثقة إنه حبك.
رفعت مها رأسها ونظرت إلى والدة زوجها بعينين كنافذة أمطرت السماء عليها:
لو بيحبني أو حبني بعد كل دا، ماكنش راح اتجوزها دلوقتي. رحيم كل مشاعره ناحيتي شعور بالذنب مش أكتر، وأنا عاوزة أعفيه من الشعور ده، ياريت يا ماما تفهميه إن الإنسان مينفعش أبدًا يكون أناني وياخد كل حاجة، هو كان طول الوقت معيشني في ضغط إنه أُجبر عليا واتحرم من فرح، دلوقتي هي بقت مراته رسمي وليهم شقتهم، ياريت يسيبني أنا في حالي وكفاية أوي لحد كدا.
تنهدت والدة رحيم ولم تنطق مجددًا، فمها محقة في كل ما قالته، لذا قامت والدة رحيم وهي تتنهد وقالت:
طب على الأقل متقاطعنيش أنا والحاج، لو مش حابة تقابلي رحيم خالص هطلعلك أنا أقعد معاكِ ومع الأولاد.
جففت مها وجهها وهي تقول:
ده إنت تنورينا ده في الأول والآخر بيتكم.
والدة رحيم:
لا يا بنتي ده بيتك وبيت ولادك، ومحدش يقدر يضايقك بعد كدا، هنزل أنا عشان عمك الحاج مبيقدرش يقعد لوحده المدة دي كلها.
ودعتها مها وأغلقت باب الشقة وهي تستند عليه وتلتقط أنفاسها، كل ذلك الخراب كان يثقل صدرها تجاه كل شيء، ذهبت لغرفتها مرة أخرى حتى لا تستمع إلى المزيد من المبررات الواهية عن زوجها.
داخل شقة سليم ونجمة.
نجمة وهي عاقدة حاجبيها:
اللي مضايقني إنها سكنت هنا في العمارة، بجد بنت خالتكم دي شيطان رجيم.
فرك سليم عينيه وقال بهدوء:
نجمة.
التفتت له ونظرت باستغراب لإن نبرته كانت جدية حزينة نوعًا ما وقالت:
مالك في إيه؟ للدرجادي جواز أخوك مأثر فيك؟
قام سليم وهو يجوب الغرفة وازدرد لعابه ثم قال:
عاوزك تستمر فترة كمان على، على حبوب منع الحمل.
ارتجف جفنها وهي تنظر له ثم ابتسمت ابتسامة سريعة وعاد وجهها لطبيعته وقالت:
أنا قولت أبطلها عشان حرام يكون في مقدرتنا نخلف وأنا أفضل موقفة، مش فاهمة طلبك الغريب؟
أرجع سليم خصلات شعره للخلف ثم تنهد قائلاً:
معلش أنا كدا هكون مرتاح.
وقفت نجمة وقالت بغضب:
طب راحتي أنا فين مش فاهمة؟ مع نفسك قررت إنك مش عاوز تخلف وجاي تبلغني بالقرار ده!
أمسك سليم كتفيها بين يديه وقال:
افهميني، أنا مش حاسس إني هكون أب كويس للطفل ده لما ييجي، مش عارف جايز نختلف أنا وإنتِ، جايز منكملش.
توقف عن الحديث عندما استمع لشهقة خافتة فلتت من شفتيها، رفع عينيه بعجز ونظر لعيينيها، لتقول نجمة بصوت باهت:
هو إنت برضو عندك حبيبة قديمة مش هتقدر تنساها، فدخلت معايا في العلاقة دي؟ يعني أنا ساذجة لدرجة إني مفكرة إني اتجوزت عن حب!
سليم وهو عاقدًا حاجبيه:
مش علاقة قديمة ولا حاجة.
نجمة:
أومال إيه؟ حب من طرف واحد!
لم يجبها سليم، ووقفت هي تصارع أفكارها الخائبة المشتتة.
في شقة مها.
كانت تقوم بتغيير أغطية الفراش وهي شارده، استمعت لصوت باب الشقة يفتح ويغلق. خرجت بهدوء حذر من الغرفة وهي تتلفت حولها لتجد رحيم يقف في منتصف الصالة. وعندما رآها قطع المسافة بينه وبينها قبل أن تصرخ، واضعًا يد على خصرها والأخرى أغلق بها فمها وهو يقول:
اهدِي يا مها، لازم أتكلم معاكِ، برضاكِ غصب عنك لازم تفهمي مشاعري! وأنا عملت كدا ليه!
كانت عيناها متسعة أمام عينيه، تمالك نفسه بصعوبة حتى لا.
رواية مسافات مشاعر الفصل الثاني والعشرون 22 - بقلم روزان مصطفى
حتى لا يفعل أي شيء قد يثير حنقها منه أكثر، يعلم أنها متألمة. تحملته كثيرًا وتحملت معاملته السيئة لها، لكن ما فعله جرحها جرح عميق من الصعب أن يلتئم.
أبعدت يده عن خصرها وهي تقول بعد ما رفع يده الأخرى عن شفتيها:
"مش من حقك تلمسني ولا تحط إيدك عليا!"
رحيم بغضب من بين أسنانه:
"لا من حقي لإن جوزك لسه منفصلناش، ومش هننفصل."
اقترب منها وهو ينقل عينيه ما بين عينيها وشفتيها، وقبل أن يقبلها، صفعته مها على وجهه صفعة جعلته ينتفض.
كانت ترتجف رجفة غاضبة وليست ضعيفة، لتقول ببكاء:
"هي المدام التانية مش كافية ليك في العلاقة الزوجية ولا إيه؟"
رحيم بصدمة:
"مها! اتأدبي في كلامك! إنتِ قصدك إن كراجل كل مشاعري رايحة للإتجاه دا وبس!"
كتفت مها يديها وقد بلغ الأذى منها مبلغه وقالت:
"أنا مش شايفة غير كدا، حتى لو حاولت تقنعني بالعكس. إنت عاوز تخلي مشاعر الحب الصادق اللي بتحس بيه تجاه فرح قريب منك، والحب الشهواني، حب اللذات اللي هو أنا، برضو قريب منك.. لذلك أنا بستسلم من الدور الرخيص دا. أنا لا قصرت معاك.. ولا مع حد من عيلتك وشيلاكُم فوق راسي في المعاملة، وبستحمل كلمة من دي ونظرة من دا عشان أحافظ على بيتي اللي إنت هادمه بإيدك. عاوزني أعمل إيه تاني؟ الضغط بيولد الانفجار وأنا خلاص فاض بيا. اطلع برا شقتي وروح لمراتك وإياك تيجي هنا تاني من غير إذن ممي شخصيًا، أنا مش عشيقتك ولا عمري هكون في الخانة دي."
رحيم بلهفة وهو يقترب منها:
"يامها أنا.."
صفعته مها على وجهه وهي تنظر له بحزن عميق، ثم أشارت بعينيها إلى باب الشقة وهي تقول:
"مش عاوزة صوتي يعلى عشان الولاد نايمين.. اخرج برا شقتي ولو جيت بدون إذن تاني هيكون ليا كلام مع والدك.. برااا!"
نظر لها رحيم بغضب ممزوج بحزن ثم خرج وأغلق الباب خلفه. انهارت بعدها مها أرضًا وهي تبكي، وكأن ضيق صدرها من الألم جعل براح الشقة كثقب إبرة.
***
داخل شقة سليم.
كان جالسًا على الفراش ونجمة تجوب الغرفة ذهابًا وإيابًا وهي تقضم أظافرها. نظرت له وقالت بغضب:
"إنت هتفضل ساكت كدا كتير؟ إنت بتحب حد وأنا معرفش فـ عشان كدا مـ.."
قاطعها سليم وهو يمسك كتفيها ويقف أمامها ثم قال:
"لا! والله العظيم ما حبيت ولا هحب حد غيرك. أنا من التوتر ساكت بفكر أوضحلك إحساسي إزاي. كل الحكاية إني بفكر في ولاد أخويا رحيم هيتربوا إزاي بين أب وأم منفصلين حتى لو نفسيًا. لو خلفت أنا وإنتِ وحصل بيننا اختلافات وإنفصلنا لأي سبب، ولادي مش هيسامحوني لإني قررت أجيبهم وفكرت في نفسي بس في الآخر!"
أبعدت نجمة يديه عن جسدها وهي تقول بذات الغضب:
"إيه الكلام الأهبل اللي إنت بتقوله دا؟ ما كلنا عارفين إن رحيم أخوك اتجوز مها تحت ضغط في البداية عشان كدا بينهم الحوارات دي وبينهم فرح. لكن إنت محبتش ولا هتحب غيري وكويسين مع بعض يبقى إيه لازمتها الفوبيا اللي ظهرت عندك دي وأزمة الثقة! لا يا سليم أنا نفسي أخلف منك وأبقى أم، وأحمل وأحس بالشعور دا زي كل الستات. بذمتك مستاهلش؟"
وضع سليم يده حول عنقها وهو يقول برومانسية وحب:
"تستاهلي كل حاجة حلوة وأكتر، بس برضو الفترة دي استمري على حبوب منع الحمل. الفترة دي بس."
أبعدت نجمة يديه عنها مجددًا وهي تقول ببرود:
"بدل ما آخدها اتحكم إنت في نفسك طالما خايف أوي كدا ومتقربليش ولا تاخد حقوقك الشرعية مني."
تركته واقفًا أمام الفراغ ثم ذهبت إلى الفراش وتمددت عليه لتنام وأغلقت الضوء وهي تقول:
"تصبح على خير. بكرة سبوع بنت أخوك نديم."
جر خيباته إثر النقاش السلبي ذلك وتمدد بجانبها لينام هو الآخر.
***
صباح اليوم التالي.
استيقظ بيت الحاج عبد الكريم وزوجته نبيلة مبكرًا، ومعهُم يارا وفرح، ونجمة. كانوا يساعدون في تعليق الزينة والبالونات على الجدران لسبوع ابنة نديم ويارا.
لكن السيدة نبيلة والدة رحيم كانت حزينة لأن مها لا تشاركهم السعادة والجمعة العائلية رغم أنها أكدت على حضورها السبوع حتى لا يحزن منها الحاج عبد الكريم.
يارا وهي تضحك مع فرح:
"شكلها حلو أوي مش راضية تتنفخ أكتر من كدا."
نظرت لهما نجمة بضيق وقالت:
"الطيور على أشكالها تقع."
نظرت يارا إلى نجمة وقالت برفعة حاجب:
"بتقولي حاجة؟"
نجمة ببرود:
"بقول الطيور على أشكالها تقع، يعني البالونتين دول شبه بعض أوي فنحطهم جنب بعض جايز يتفشوا ونخلص منهم."
يارا بذات البرود:
"ياري والله، ياريت نخلص منهم ومن المسكنة بتاعتهم."
لاحظت السيدة نبيلة التوتر بين زوجات أبنائها فقالت:
"وبعدين! اللي مش هيتطوع ويساعدنا يروح بيته. مش عاوزة دوشة."
"السلام عليكم."
قالتها مها وهي ترتدي ثوب باللون الأزرق يبرز جمال بشرتها، مزخرف من الأطراف بنقوشات ذهبية، وترتدي حجاب باللون الأزرق. كانت تحمل صينية وضع فوقها أطباق صغيرة وقالت بابتسامة:
"عملت تشكيلة كدا مش قد المقام.. رز بلبن بالمكسرات، وجيلي على كاسترد عشان يتوزعوا على الأطفال في السبوع."
قبلتها السيدة نبيلة بسعادة وهي تقول:
"تسلم إيديكِ وعينيكِ يا بنتي تعبتي نفسك."
يارا بوقاحة:
"إوعي يكون واقع فيهم دموعك يا مها."
ضحكت فرح بخفة وهي تنظر لمها بـ|قرف.
تدخل رحيم وهو يدخل من باب الشقة حاملاً في يده صندوقين من المشروبات الغازية:
"لا واقع فيهم عسل وخفة، كح كح قلش من ٢٠٠٥."
شعرت يارا بالإحراج وفرح بالغيرة. أما مها نظرت أرضًا وهي تقول:
"أنا هطلع يا ماما عشان الراجل بيغير الكالون ميبقاش لوحده."
وضع رحيم صناديق المشروبات الغازية أرضًا وقال وعيناه تشيط غضبًا:
"إنتِ فزقة مع الراجل لوحدك!!!"
نظرت له مها ولم ترد، فـ قال بحزم لوالدته بينما ينظر لمها بغضب:
"ماما، خلي مها تساعدك هنا لغاية ما أتابع مع الراجل فوق. الظاهر إن المدام نسيت إنها لسه على ذمتي."
نظرت له مها بتحدٍ، فـ قالت السيدة نبيلة لتتدارك الموقف:
"عداك العيب يا رحيم، اطلع إنت وإحنا هنجهز المغات سوا."
عض رحيم على شفته بغيظ ثم رمق مها نظرة أخيرة قبل أن يصعد للأعلى.
وقفت مها تنظر للشقة، فـ جائت نظراتها على فرح التي عندما لاحظت ذلك وضعت يدها خلف ظهرها وهي تقول بتعب مصطنع:
"ضهري واجعني أوي من امبارح، تؤ."
شعرت مها بنغزة في قلبها ولم تعد تتحمل، لذا قررت أن تصعد لشقتها وتفعل شيئًا مع رحيم!
ولكن قبل صعودها سحبتها السيدة نبيلة إلى المطبخ وهي تقول:
"متعمليش لكلامهم قيمة سيبك منهم."
مها بهدوء:
"أومال نجمة فين؟"
نجمة عندما خرجت من دورة المياه وجدت مها تقف في المطبخ فـ قالت بسعادة:
"ميهووو."
ابتسمت مها وهي تقترب منها وتحتضنها وقالت:
"كنت لسه بسأل عليكِ."
نجمة بابتسامة:
"سألت عنك العافية، شكلك أمورة والله إيه السكر دا."
السيدة نبيلة:
"هو سليم لسه مصحاش يا نجمة؟"
تجهم وجه نجمة وهي تكتف يديها وتستند بخصرها على الرخام وقالت:
"لا يا ماما نايم من امبارح، تلاقيه هيقوم ياخد شاور ويفوق وينزل يعني لسه قدامه وقت."
السيدة نبيلة:
"آه ونديم لسه مجاش راح يجيب علب الشوكولاتة والسبح، والناس على الساعة خمسة هتلاقيهم هنا."
نجمة بضيق:
"حد يروح لحد الساعة خمسة؟ يدونا فرصة نتغدى وناخد راحتنا."
نظرت مها حولها فـ لم تجد طعام فـ قالت:
"أه صحيح يا ماما هتتغدوا إيه؟"
السيدة نبيلة:
"مش مشكلة بقى نجيب سندوتشات من برا."
رفعت مها أكمامها وقالت:
"لا وعلى إيه التكاليف ما كفاية تكاليف السبوع، تسمحيلي أطبخ على السريع حاجة حتى عشان عمي عبد الكريم صحته مش حمل أكل من برا."
السيدة نبيلة وهي تجفف وجهها بمنديل ورقي:
"طب بصي في كيس لحمة طلعيه اسلقيه، مع حبة شوربة ورز ناكل لقمة سريعة."
أخرجت مها اللحم من المبرد وبدأت في تحضير الطعام. استمعت السيدة نبيلة إلى صوت شيء ما وقع في الصالة فـ خرجت لترى ماذا حدث.
رواية مسافات مشاعر الفصل الثالث والعشرون 23 - بقلم روزان مصطفى
حاولت قدر الإمكان إبعادُه عنها، كانت تُبعد شفتيها عن خاصتهُ تارة في مُحاولة للتحدُث، فـ يعود هو لـِ يلتقطها بـِ شفتيه مُجددًا.
تمالكت مشاعِرها قدر الإمكان وإبتعدت عنهُ وهي تنظُر لهُ بـِ غضب مُشتعل.
رفعت يدها للهواء في مُحاولة لـِ صفعه فـ أوقفها بـ يدهُ وهو يقترِب مِنها أكثر.
تمايل جسدها على الموقد المُنطفيء فـ قال رحيم:
مش من حقِك تمدي إيدك عليا، عيب عشان أنا جوزك وكمان معملتلكيش حاجة تضايقك.
قالت من بين أسنانها:
بوستني!
نظر لها رحيم بـِ ضحكة قصيرة وقال:
مراتي، حقي.. شرعًا مش عيب ولا غلط.
مها وهي تعتدِل وتُجابهُه:
وشرعًا مينفعش تلمسني غصب عني! وجعلنا بينهُما مودةً ورحمة.
حاوط رحيم جسد مها بـِ ذراعيه وقال بـِ همس:
طب ما ترحميني إنتِ ومتبعديش أكتر من كِدا؟
وضعت كِلتا يديها على صدرهُ وقالت:
هو مش إنت روحت إتجوزت وعملت اللي إنت عاوزُه؟ انا بقى مش هسمحلك تقربلي تاني.. إبعد عني!!
إقتحمت والِدة رحيم المطبخ في تِلك اللحظة وهي تنظُر لـِ أثار أحمر الشفاه على شفتي إبنها، وشِفتا مها المُلطخين التي حاولت قدر الإمكان أن تُهندِمهُم.
والِدة رحيم بـِ إبتسامة حاولت قدر الإمكان إخفاؤها:
الراجل بتاع كالون الشقة بيسأل عليك برا يا رحيم.
كان رحيم لازال ينظُر داخِل عينا مها فـ قال بـِ تنهيدة مُثقلة بـِ الشوق:
قوليله جاي.
ثُم همس لـِ مها قائِلًا وهو ينظُر لـِ شفتيها:
هنكمل كلامنا بعدين.
ثُم إبتعد عنها حتى يخرُج مِن المطبخ فـ قالت بـِ صوت مُرتفِع حتى يسمعها:
الكلام خلِص أصلًا.
ثُم إلتفتت لـِ الموقد تُشعِلُه وتبدأ في تحضير الطعام.
إجتمعوا جميعهُم على الطاوِلة لـِ تناول طعام الغداء قبل مجييء الناس، لكن مها لازالت واقِفة.
قالت والِدة رحيم لها:
إقعدي يا مها كُلي لُقمة عشان اليوم طويل.
مها بـِ إعتذار:
معلش يا ماما هطلع عشان الولاد وبعدين أنا مش جعانة.
والِد رحيم:
إقعُدي يا مها، يعني إنتِ اللي عملتي الأكل ومش عاوزة تاكلي؟
مها بـِ إعتذار:
عشان الولاد زمانهُم صحيوا و..
سحب رحيم المِقعد بـِ جانبُه وقال:
إقعُدي كُلي وأنا هاخُد بالي منهُم.
نظرت لهُ فرح نظرة ذات معنى وقالت:
وإنت اللي ملكش نفس تاكُل يعني؟
في النهاية وبعد عناء جلست مها لـِ تأكُل ولاحقتها نظرات فرح ويارا الساخرة والضحك المكتوم.
نديم لاحظ أفعالهُم المقيتة فـ قال بـِ نبرة تحذيرية:
في ناس شكلها حبت قعدة البيت أوي وكيفتهُم.
فهمت يارا ذلِك التلميح فـ قامت وهي تقول:
الحمدُلله شبعت، هلحق أحمي البيبي وألبسها وأجهزها.
ظلت مها تتناول طعامها مُحاوِلة تجاهُل نظرات رحيم المُتكررِة لها، حتى سقطت مِلعقة رحيم أرضًا فـ إنحنى لـِ يلتقِطها ثُم إعتدل، لـِ يجد مها قد قامت من الطاولة.
تلفت حوله فـ قالت والِدتهُ:
متدورش عليها، هي هتغسل إيديها عشان هترضع عيالها فوق.
قام رحيم من الطاولة وغسل يديه على الفور ، ثُم ركض للخارِج فـ وجدها تصعد على الدرج بـِ هدوء.
ركض ووقف أمامها وهو يمنعها من الصعود ويتأمل عينيها.
حركت مها مِقلتيها تنظُر في شتى الإتجاهات عدا عينيه.
مما جعلهِ يُمسِك وجهها ويقول:
بُصيلي متهربيش بعينيكِ مني.
مها بـِ هدوء واثِق:
المفروض اللي يهرب بـِ عيونه إنت مش أنا، مش أنا اللي خونتك وجرحتك وإتسليت بيك..
رحيم:
إتسليت بيكِ إيه! أنا مخلف منك إتنين.
مها بـِ نظرة مُتألِمة:
عشان أهلك اللي أجبروك، عن إذنك عايزة أعدي.
رحيم وهو ينظُر لها:
مها!
رفعت عينيها ونظرت لهُ فـ قال:
معرفتش يعني إيه حُب حقيقي غير لما.. لما حبيتك إنتِ!
رواية مسافات مشاعر الفصل الرابع والعشرون 24 - بقلم روزان مصطفى
عندما استمعت مها لما قاله رحيم لها للتو، شعرت برجفة تجتاح قلبها، لكن ألم ما فعله بها وزواجه من فرح سرعان ما قضى على تلك الرجفة، لتحاول تخطيه والابتعاد عن طريقه والصعود لشقتها.
لكنه أوقفها مجددا وهو يقول:
مش مصدقاني؟
رفعت مها عينيها ونظرت له ثم قالت:
في حاجات لما بتيجي متأخر، مبيبقاش ليها طعم. رغم إننا استنيناها كتير، أنا كنت بفرح لما كنت أصحى وألاقيك بتقولي صباح الخير، أو لما عيني تيجي في عينك بالغلط ويحصل بيننا نظرة سريعة مش مقصودة. كنت لما تشرب ميه وتسيب الكوباية أشرب مطرحك من كتر ما بحبك. دلوقتي إنت واقف قدامي وعينك في عيني بتقولي بالمعنى الصريح إنك بتحبني، وأنا مش حساها يا رحيم.
اقترب رحيم منها ووقف على ذات الدرجة التي تقف هي عليها، حتى كادت أن تقع للخلف لولا أنه حاوط خصرها بيده. سحب جسدها تجاهه أكثر وهو يهمس أمام شفتيها قائلا:
عاوز فرصة أعوضك عن كل دا، عاوز فرصة كمان عشان أخليكي تحسي حبيتك إزاي، وعاوزك إزاي، أكتر من أي حاجة تانية.
حاولت مها إبعاد يده عن جسدها لكنه كان يشد عليها داخل حضنه أكثر، حتى تنحنح نديم وهو يقول:
كنت طالع أجيب حاجة من شقتي بس.
احمر وجه مها وتنحى رحيم جانبا وهو عاقدا حاجبيه وقال:
تعالى عدي، كدا كدا أنا هطلع الشقة مع مها أجيب ليا غيارات عشان آخد شاور.
وقفت مها وتسمرت مكانها وهي تقول:
اتفضل إنت اطلع خد اللي عاوزُه وأنا هرضع الأولاد تحت في بيت ماما.
رحيم بصوت حازم:
فيه إيه يا مها هو أنا هاكلك! تمام ماشي أنا غلطت، بس بقولك اديني فرصة! ما جايز الغلط دا حصل عشان يرجعنا لبعض.
امتلأت عينيها بدموع مترددة بين خروجها من مقلتيها وفقدان كبريائها، وبين حبسهما وكبت مشاعرها الدفينة لتقول:
مفيش أمل ولو صغير، إن أنا وإنت نرجع وأعتقد إنت عارف ليه، إنت اخترت وخلاص.. معنديش حاجة تانية أقولها، وعارف كمان يا رحيم! إحنا عمرنا ما كنا مع بعض بجد.. عمرنا.
صعدت مها إلى الشقة وانتهى الحديث بينهما عند ذلك الحد.
بدأ سبوع الطفلة، وامتلا منزل الحاج عبد الكريم بالمهنئين والمباركين، ونظرات الشوق كانت موجهة من عيني رحيم إلى مها التي تجاهلتهم عمدًا، تليها نظرات فرح الحاقدة تجاه مها أيضا. على الرغم من أن نساء العائلة كانوا يجلسن كالملكات إلا أن مها كانت تدور بأكواب "المغات الساخن" على المتواجدين بابتسامتها النقية.
ذلك الحال لم يعجب رحيم أبدا، لم يرض أن تكون زوجته محبوبته تدور أمام أعين الجميع والبقية جالسون. همس في أذن والدته أن تحاول أن تجلس مها بهدوء.
لأنه يعلم جيدًا إن حدثها هي لن تقبل وستعاند.
بينما كانت تقدم بقية الأكواب قالت لها والدة رحيم وهي تربت على المقعد بجانبها:
تعالي اقعدي جنبي يا مها، كفاياك عشان متتعبي.
عدلت مها من حجابها وقالت:
مش تعبانة ولا حاجة يا ماما خليكِ مرتاحة.
انتقمت نجمة لتساعدها عندما شعرت بالحرج.
وظلت نظرات فرح ويارا تلاحقها بالسخرية والتهامس السيء.
حتى قام نديم وجذب يارا من ذراعها وقال لها من بين أسنانه:
مش عارف هتعدي يومك ولا لا لكن قسمًا بالله لو لمحت بعيني إنك قاعدة تتهامسي مع فرح على مها مرات أخويا هعيشك ليلة لما نرجع شقتنا معيشيهاش قبل كدا، لمي نفسك واتظبطي أحسن عشان مظبطكيش.
يارا من بين أسنانها:
انت اتجننت سيب إيدي الناس بتبص علينا.
نديم بتحذير أخير:
مش هكرر تاني الكلام دا ساعتها هقل منك قدامهم طالما مش عاملالي احترام قدام أخويا!
يارا بألم:
خلاص قولت! سيب إيدي!
ترك نديم يدها وعاد ليجلس مرة أخرى، بينما قامت فرح في محاولات عديدة للحديث مع رحيم حتى تظهر للجميع أنهما زوجين سعيدين، لكنه كان غاضبا من رفض مها له، وكان مشتاقا لها.
اقتحم السبوع المصور وهو يلتقط صور فوتوغرافية عشوائية للجالسين. عندما رفع الكاميرا الخاصة به ونظرت لها مها عن طريق المصادفة، أنزل الكاميرا وهو ينظر لها بإعجاب، ثم عندما اقتربت هي بالأكواب الفارغة لتضعها في المطبخ، جلس على ركبتيه أمامها وهو يلتقط صورة لوجهها ثم قال بإعجاب:
ملامحك بسم الله ما شاء الله، مش محتاجة أي فلاتر!
استمع الجميع من بين صوت الموسيقى الصاخبة والأحاديث ذات الصوت المرتفع إلى صوت كوب يتهشم. نظر الجميع لمصدر الصوت ليجدوا رحيم قد كسر الكوب بين أصابعه وهو ينظر بعينين تلتهمهما نار وغيرة، وبين يديه الزجاج الصغير وقطرات دماء تقطر على الأرضية.
تجاهلت مها كل شيء وهي تقول بلهفة حقيقية وخوف واضح عليه:
رحيم!!!
رواية مسافات مشاعر الفصل الخامس والعشرون 25 - بقلم روزان مصطفى
ذُهِل الجميع من رد فعل رحيم المفاجئ، وكيف أثار ما حدث غيرته، وخاصة فرح التي كانت تراقب نظراته المشتعلة عن قرب، وكانت تشتعل هي أيضًا من داخلها. كيف له أن يعود لمها قلبًا ويبقى معها هي جسدًا فقط؟
قامت والدة رحيم تجاهه وهي تقول بلهفة:
"إسم الله عليك يابني، قوم ألف لك إيدك بأي حاجة عشا."
وقف رحيم بملامح لا تبشر بالخير، واقترب بخطوات واثقة تجاه المصور، مد يده والتقط الكاميرا منه بهدوء، ثم بذات الهدوء أخرج منها الفيلم وأعادها له مرة أخرى وهو يقول:
"وقتك خلص هنا، مش عاوزين ناخد منك شغل."
المصور بصدمة:
"وعربون الفلوس اللي أنا أخدته مقابل الشغل ده؟"
رحيم عليه وهو متمالك أعصابه إلى أقصى حد:
"اعتبره هدية مني ليك عشان بعد كدا، تجيب نظارة مفيمة.. تحجب عنك إنك تبص لحرمة غيرك.. اتكل على الله."
ثارت يارا وهي تقول:
"هو انت بأي حق تعمل كدا وتخرب لي سبوع بنتي؟ ما تقول حاجة يا نديم!"
نديم بطرف عينه:
"اسكتي دلوقتي."
تقدم نديم بخطوات هادئة تجاه المصور وقال:
"معلش يا باشمهندس، ومستغنيين عن العربون، اتفضل انت."
سحب المصور الكاميرا الخاصة به وغادر الشقة وهو يشعر بالإهانة. التفت نديم للجميع واصطدمت نظراته بـ يارا زوجته التي كانت تحمل طفلتها وفي محجر عيونها دموع مكبوتة.
قال نديم بابتسامة لطيفة:
"بنعتذر يا جماعة خلاف بسيط، مين المسؤول عن الأغاني! يلا شغلوا خلينا ننبسط."
بدأت الموسيقى مجددًا. دخلت فرح الغرفة وأغلقت الباب في انتظار رحيم أن يصالحها ويبرر موقفه. وفعلت يارا المثل في غرفة أخرى.
أما رحيم فذهب إلى المطبخ المظلم ولكنه مستنير بضوء بسيط من ضوء الصالة، وجلس على مقعد الطاولة وهو يسحب منشفة ورقية ويضعها على الجرح.
حوصلت صوت مها وهي تقول:
"لازم يتعقم، لو تسمح لي أعمل دا؟"
سحب رحيم بيده الأخرى مقعد بالقرب منه، ففهمت مها أنه وافق. كانت تحمل في يدها بعض القطن والشاش والكحول، جلست أمامه وهي تمسك يده وتلمس الجرح بقطنة مبتلة بالكحول وتقول:
"هي عميقة بس مافيهاش إزاز، هوقف لك بس الدم وألفها لك."
استند على الطاولة بمرفقه وقال:
"أنا مش حاسس بيها، مش دي اللي وجعاني يا مها وإنت عارفة."
رفعت عينيها لتصطدم بعينيه فقالت بهدوء:
"بلاش نتكلم في الموضوع دا."
سحب رحيم يده ونظر لها وهو يقترب بمقعده لمقعدها وقال:
"يعني إيه؟؟ بتقولي لي اتخرس متغيرش عليا!"
قالت مها بحزن:
"أيوة يا رحيم متغيرش عليا! مينفعش واحد خان واحدة يغير عليها مفيش مبرر."
التقط وجهها بكف يده وهو يضغط على وجنتيها بأصابعه وقال:
"المبرر إني بحبك!! وإنك مراتي ملكي، افهمي دا!"
حاولت التملص من يده لكن عيناه كانت تراقب شفتيها المضمومتين إثر مسكته لها. فقبلها كالعطش الذي يرتوي من ماء بارد بنهم. كان كل همها أثناء تلك القبلة ألا يقتحم أحدهم المطبخ وتصاب بالحرج، لكن فيما بعد كانت تحاول إبعاده عنها لأن قبلته كانت قاسية وتؤلمها. لكنه لم يتوقف، بل شد عليها أكثر وأكثر.
دخل نديم الغرفة فوجدها تجلس في منتصف الفراش وهي تبكي بضيق، وتحمل طفلتها بين ذراعيها.
أغلق نديم باب الغرفة وجلس على طرف الفراش وهو يضم يده وقال بهدوء:
"آسف، أنا عارف إن دا جزء من يوم مهم في حياتنا، بس أخويا كان متضايق عشان مها كا.."
قاطعته يارا وهي تضع طفلتها النائمة على الفراش وتحيطها بالوسائد وقالت:
"إياكش يولع هو والمسحوكه بتاعته! وشها فقر عليا وخراااب، كل حاجة لازم تتعمل عشان راحته وراحة البرنسيسة، طب ليه؟ عشان هو الكبير.. كبير إيه! هنستحمل لحد إمتى؟ أنا خلاص فاض بيا.. خربولي أهم يوم في حياتي ربنا يسيمهم زي ما سايميني."
وقف نديم أمامها وقال:
"يا يارا يا حبيبتي أنا عارف إن اللي حصل مضايقك ولك حق، بس أعمل إيه دا واحد بيعاكس المعازيم و.."
قاطعته يارا مرة أخرى وهي تقول:
"آه ومين عزمها!! مين قالها تيجي أنا معزمتهاش أساسًا، معزمتهاش وعاملة فيها الكيوت أم قلب أبيض وهي أخ** خلق الله."
نديم:
"يا شيخة حرام عليكي، دي فضلت رايحة جاية عشان تخدم ضيوفك مع إنُه مش واجب عليها."
يارا بحقد:
"انت بيخيل عليك لؤم النسوان دا، والله ما هترتاح غير لما تخرب علينا كُلنا وتقعد هي هنا الكُل في الكُل، وبكرة تقول يارا قالت."
رواية مسافات مشاعر الفصل السادس والعشرون 26 - بقلم روزان مصطفى
إبتعد رحيم أخيرًا عن مها، فالتقطت أنفاسها كالغريق الذي وصل للتو إلى البر. شعرت بالألم في شفتيها، ورحيم كان يلتقط أنفاسه لأنه أفرغ كل غضبه منها.
ضغطت مها على يده المجروحة، فأغمض عينيه تألمًا. قالت هي من بين أسنانها:
"لو لمستني تاني غصب عني هشهد أبوك عليك. إنت مش عارف تختار بيني وبينها ومخليها على ذمتك يبقى متقربليش أنا، إنت فاهم!"
رحيم وهو ينظر لعيناها:
"مكانش واضح إنه غصب عنك، أنا كنت حاسس بمشاعرك اللي بتحاولي تداريها."
مها بضيق عين:
"إنت عايز توصل لإيه؟"
رحيم بحب:
"لقلبك."
مها بضيق:
"ما هو كان ملكك! وإنت اللي مقدرتهوش. أنا كنت كلي ملكك يا رحيم لكنك مقدرتش دا، واستهونت وضمنت وجودي كعادة أي حد مبيحسش بقيمة النعمة اللي معاه. ودلوقتي بعد ما عرفت إنك ضيعتني منك راجع تقول معرفش إيه! لا مش مصدقاك.. إنت تجاهلتني، وبالرغم من كدا روحتلها. مش مصدقاك يا رحيم لو حلفتلي بدل السنة ألف."
قامت من مقعدها وخرجت من المطبخ مباشرة إلى الحمام. وقفت أمام المرآة لتشعر أن قواها قد خارت منها. استندت على الحوض بقلة حيلة، وغيره على زوجها وألم مما فعله بها. بدأت في البكاء والنحيب.
اعتدلت وحاولت قدر الإمكان ألا يرتفع صوتها. بدأت تخرج من خلف مرآة الحمام دواء لشفتيها كترطيب للالتهاب. بدأت تضعه على شفتيها، وكل نفس تستنشقه مختلط برائحة رحيم، عطره تغلغل جيدًا.
***
داخل غرفة فرح. دخل رحيم وهو ينظر لها تقضم أظافرها وقال بهدوء:
"إيه؟"
نظرت له فرح بجانب عينيها وقالت:
"مستنية منك تفسير على اللي حصل برا دا؟"
رحيم وهو يجلس على الفراش:
"تفسير لإيه؟ هو أنا عملت حاجة غريبة ولا غلط؟"
فرح بنبرة خانقة:
"يعني إنت مش شايف رد فعلك غريب شويتين؟ عادي يعني تغير على مها! دي كانت بتكون قاعدة جنبك وعينك مش شايفاها."
رحيم بهدوء بارد:
"آه كانت.."
اتسعت عينا فرح وهي تقول:
"يعني إيه آه كانت! يعني كان فعل ماضي ودلوقتي هي فارقة معاك؟"
عقد رحيم حاجبيه وقال بضيق:
"فرح إنتِ عايزة إيه دلوقتي؟"
فرح بصدمة:
"جاوبني يا رحيم! إنت حبيتها ولا إيه؟"
رحيم من بين أسنانه:
"أيوه، لإنها مراتي من قبلك. عشان قلبي مرتاحش غير معاها. عشان من غيرها بتعب. وعشان أم ولادي. وعشان كويسة مع الكل وشايف الخير فيها. وعشان بتحبني من قلبها وبتخاف عليا. وعشان أنا وهي بنكمل بعض. إنتِ دخولك معانا كان غلط، وأنا زودت الطين بلة. فـ عاوز أصلح دا وصعب أعمل كدا بعد اللي أنا هببته. ارتاحتي؟"
جلست على الفراش مجددًا وشلالات الدموع قد اتخذت مجرى وديان وجنتيها. فمها مضموم بقلة حيلة.
جلس رحيم على ركبتيه أمامها وقال:
"سامحيني يا فرح، بس رغم محاولاتك دي كلها ورغم استسلامي ليها، فشلت إني أقنع قلبي ميحبش مها. وبعد اللي عرفتيه ليكِ القرار تكملي معايا ولا تطلبي الطلاق. وصدقيني حقوقك كاملة هتاخديها علـ.."
قاطعته فرح وقالت:
"هكمل معاك.. مش عايزة أتطلق."
***
في الصالة.
سليم بصدمة:
"مالك يا حبيبتي احكيلي، مش اتفقنا نشارك بعض كل مشاكلنا عشان ميبقاش جوازنا تعيس زي بقية الناس؟"
وضعت نجمة الأكواب داخل الحوض ونظرت له وهي مكتفة ذراعيها وقالت:
"حاولت أعمل اللي إنت بتقوله دا. عشان الأول كنت بعمله أو كنا بنعمله سوا عشان مفيش بينا شروط أو قيود. لكن أنا ومشاعري كست.. أنثى مش فارقين معاك!"
سليم وهو يمسك يدها:
"مين قال كدا بس؟ مين قال كدا. صدقيني دا سوء فهم بيني وبينك، أو يمكن حاولت أفهمك وجهة نظري بس التعبير خانني ووصلك للحالة دي.. يا نجمة أنا بحبك يعني مش متجوزك صالونات. لا جوازنا دا عن حب واتحدينا الجميع عشان نكون سوا."
بكت بين ذراعيه وهي تستمع لاعتذاراته. بعدها اعتدلت في وقوفها وهي تجفف عينيها بإصبعها وقالت:
"وأنا مش قادرة أتعامل معاك الأيام دي. لو سمحت.. متضغطش عليا أكتر من كدا."
سليم بحزن:
"عمري ما ضغطت عليكي يا حبيبتي ولا أجبرتك على شيء، بس عشان خاطري لو في حاجة أقدر أعملها تشيل عنك حزنك دا عرفيني أعمل إيه. مقدرش أشوفك حزينة وأسيبك وأسكت."
اقتحمت مها المطبخ باندفاع وهي تحمل بقية الأكواب، لكنها عادت خطوتين للخلف وهي تقول:
"أنا آسفة بجد، معرفش إنكم هنا."
سليم بهدوء:
"تعالي اتفضلي. أنا نسيت حاجة في العربية هنزل أجيبها وبعدين هاجي آخد نجمة ونطلع شقتنا."
صفعة باب جعلتهم يرجفون من الخضة. تلاها صوت غاضب يقول:
رواية مسافات مشاعر الفصل السابع والعشرون 27 - بقلم روزان مصطفى
تلاها صوت غاضب يقول: أنا مش فاهم ده عند ولا إيه!
انتفضت مها إثر سماعها لصوت رحيم الغاضب، وتذكرت ما حدث بينهما فقالت باعتذار لنجمة: أنا هطلع أنا بقى عشان هغير للأولاد عشان يناموا.
نجمة بإرهاق: تمام اطلعي.
مها بقلق بعد ما رأت نجمة تضع يديها فوق جبهتها: مالك انت تعبانة ولا إيه؟
أغلقت نجمة عينيها ثم فتحتهما مرة أخرى وهي تقول: دايخة بس شوية، لو مددت ظهري على السرير هرتاح.
مها: طب ما تيجي أوصلك شقتك مش هتعرفي تطلعي لوحدك!
نجمة وهي تربت على كتفها: لا عشان سليم طالع دلوقتي هياخدني.. روحي انت يا مها. متقلقيش هكلمك واتس أب بالليل.
جاءت مها لتخرج ولكنها التفتت مجددًا إلى نجمة وقالت: مش هاين عليا أطلع وأسيبك، طب أعملك حاجة دافية تفوقك؟
دمعت عينا نجمة مما أثار استغراب مها لتقول نجمة: لا صدقيني أنا بخير، أهو سليم جه أهو.
دخل سليم إلى المطبخ وهو يقول: مالكم واقفين كدا ليه؟
مها بقلق: نجمة حساها تعبانة شوية، ساندها تطلع معاك عشان تستريح.
وضع سليم المفاتيح على الرخام وقال وهو يربت على ظهرها: مالك يا حبيبتي، تحبي نروح الدكتور؟
نجمة بلهفة: لا! أنا كويسة بس دايخة شوية غالبًا إرهاق، عايزة أطلع أفرط ظهري فوق على السرير.
التقط سليم ذراعها بين ذراعه وهو يقول بلباقة: تصبحي على خير يا مها.
مها بابتسامة: وانتوا من أهل الخير.
هندمت مظهرها قبل أن تخرج من المطبخ لتجد فرح قد وقفت ومدت ذراعها على الحائط وهي تنظر لمها بتحديها بضيق وقد عقدت حاجبيها ونظرت بعيد عن فرح التي ترمقها بوقاحة: لو سمحت عايزة أعدي.
مدت فرح يدها وهي تدفع مها في صدرها للخلف وتقول: أوعي تكوني فاكرة جو سكتة الاحترام ده هياكل معايا، أنا قاعدة على قلبك، تسحبيه ناحيتك متر هبعده عنك أربعة كيلو متر وأقربه ليا، فهماني؟ قاعدة على قلبك.
كتفت مها ذراعيها ونظرت لفرح وقالت: ولا تقعدي على قلبي ولا على رجلي، سيبتهولك واكتفيت بولادي، وبدل ما تيجي ترميلي الكلمتين دول ياريت تروحي تتحكمي فيه هو مش فيا أنا.. متقربيش مني تاني عشان مـ..
قاطعتها فرح بدلع: عشان إيه! هتروحي تشتكيني للحج والحاجة؟ أنا بس بفهمك عشان دماغك متسرحش لبعيد وتفتكري إني هزهق.. كل حاجة هترجع زي ما كانت قبل ما ربنا يبلينا بيكي.
دفعتها مها وهي تقول من بين أسنانها: قولتلك وسعي عايزة أعدي!
ضحكت فرح وهي تنظر لها وتجاهلتها مها تمامًا، خرج رحيم من دورة المياه وهو يجفف وجهه من الماء ونظر إلى مها التي تجاهلته تمامًا وصعدت للأعلى.
رحيم اقترب لفرح وهي تهز جسدها بكيد وقالت له: انتي قولتي حاجة لمها!
نظرت له فرح وقالت: بقولك إيه يا رحيم، سيرة مها دي متتفتحش طول ما أنا على ذمتك احترامًا ليا كمراتك، عشان مزعلش وأخرب الدنيا هنا.
سحبها رحيم من ذراعها وهو يقول بعنف: طب يلا على أوضة النوم مش عايز هري كتير على المسا!
دخلت فرح للغرفة ونظر رحيم خارج باب شقة والده ليجد مها قد صعدت بالفعل، تنهد بضيق وأغلق باب الشقة ثم دخل للغرفة وأغلق الباب.
كانت فرح تجلس على الفراش وتنظره بضيق.
قال رحيم: ما تيجي تاخديلك قلمين؟ اسمعي يا فرح أنا فاهم دماغك وفاهم ليه قبلتي بارتباطنا رغم إنك عارفة إني بحب مها، عشان كدا هسيبك زي البيت الواقف وهخليها عناد بعناد.. وبفكرك تاني إن مها هي الأصل وهي أم ولادي، تقبلي الحقيقة دي أو ترفضيها أو تهلفطي بتهديد هايف زي اللي قولتي برا انت حرة، دا كلامي ومش هغيره.. تصبحي على خير.
فرح بكيد: وانت من أهلي.
صباح اليوم التالي.
ارتدت مها ملابسها وهي تحمل طفليها وتنزِل بهما الدرج، التقت برحيم على الدرج وهو يستعد للذهاب إلى العمل.. نظر لها وقال: مش هنصبح على بعض حتى؟
مها وهي تنزل ولا تعيره اهتمام: صباح النور.
نظر لطفله وقال: هو إيه الكمادات اللي على راسه دي؟ هو تعبان!
مها بضيق وهي تتأفف: ملكش دعوة! وانت من امتى اهتميت بعيالك وسألت عنهم؟ لو سمحت ملكش دعوة.
جاءت لتكمل الدرج نزولًا فقال رحيم بنبرة شديدة وحازمة: مها!
توقفت وهي تقول: عايزة أنزل ألحق أروح المستشفى!
رحيم بحزم: هننزل سوا وهنروح سوا دا ابني زي ما هو ابنك يلا.
نزل ووجدها لازالت تقف مكانها فرفع حاجبًا وقال بأمر: يلا!
نزلت مها الدرج خلفه وهي تقول: استغفر الله العظيم.
داخل شقة الحاج عبد الكريم.
جلست فرح بجانب يارا على طاولة الإفطار وهي تقول: وبس هو ده كل اللي حصلي.
يارا بابتسامة مكر: عجبتيني أوي أوي إنك متخليتيش عن جوزك وسبتيه ليها.
التقطت فرح كوب القهوة وهي تقول: ده بعينها، قال أسيبه ليها قال، مبقاش إلا الجربوعة دي.
خرج نديم من دورة المياه وهو يقول موجهًا حديثه لـ يارا: هنفضل طول اليوم نفطر ولا إيه النظام؟
يارا ببرود: انت كمان هتحاسبني على اللقمة! لازم آكل كويس عشان برضع.
فرح بكيد: مفيش صباح الخير يا نديم؟
نديم بـ قرف منها: أهلًا.، أنا طالع شقتي يا مدام لما تخلصي هاتي البنت وحصليني.
خرج نديم من الشقة لتقول يارا بـ قرف: الله يسد نفسك طفحتني الأكل!
فرح وهي تأكل: هي الوصيفة بتاعة الملكة فين؟
يارا بعدم فهم: تقصدي مين؟
فرح ببرود: ست نجمة اللي بتحامي لمها.
يارا بضيق: منزلتش تلاقيها راحت عليها نومة، اللهي ما تقوم منها.
فرح: امين.
في شقة سليم.
كان يرتدي ملابسه استعدادًا للذهاب إلى العمل، التفت إلى الفراش ليجد نجمة ممددة عليه بالعرض وهي تنظر إلى السقف فقال: من امبارح وانتِ مش على بعضك، رأيي نروح نكشف أحسن.
سليم بابتسامة وهو يقترب منها قال: طيب يا حبيبتي سيبتلك الفيزا عشان لو مقدرتيش تعملي أكل تطلبي لنا من برة النهاردة.
نجمة بـ لا مبالاة: أوك.
قبلها سليم من شفتيها وهو يقول: يلا أنا نازل سلام.
نجمة: باي.
غادر سليم وأغلق باب الشقة خلفه، تنهدت نجمة حتى تتخلص من رائحة عطره التي تغلغلت في أنفها إثر قبلته، ثم وضعت يدها على معدتها وهي تتحسسها.
رواية مسافات مشاعر الفصل الثامن والعشرون 28 - بقلم روزان مصطفى
داخل سيارة رحيم
كانت مها قلقة على طفلها وهي تضع يدها فوق جبهته من حين لآخر، متمتمة بدعاء ومناجاة لله أن يعود صغيرها بخير.
وكان رحيم يراقب طفله من آن لآخر بتأنيب ضمير، لأنه طوال سنوات زواجه من مها أهمل مسؤوليته تمامًا وتركها على عاتق زوجته. وتتنقل عيناه على تقاسيم وجهها القلقة، وكيف لها أن تكون جميلة حتى عندما يتخلل الخوف ملامحها.
كجندي هارب من مهامه وقائده، متكئًا على حائط في منطقة آمنة.
نظرت له مها بِمحض المصادفة، فالتقت عينه بعينيها. ارتبكت قليلاً ولكنها لم تبالِ إلا لثوانٍ، فبالطبع صغيرها وصحته أهم.
وصلوا إلى المشفى، وترجلت مها وهي تحمل الصغير بين يديها وتركض به إلى الداخل. حاول رحيم إيقافها عن طريق نداء اسمها لكنه فشل، لذا لحقها إلى الداخل.
وقفوا أمام مكتب ممرضة الاستقبال.
رحيم: عاوز دكتور أطفال عشان ابني حرارته مرتفعة.
الممرضة: الدكتور إبراهيم سيد الدور الثاني، ادفعوا عند الممرضة فوق وخذوا دوركم.
صعدت مها بقلق وخلفها رحيم حتى وصلوا إلى مكتب الممرضة في الأعلى. وقفت مها تلهث وهي تحمل طفلها وتقول:
مها: لو سمحتي عايزة أحجز مستعجل عشان الدكتور يكشف على ابني، سخن نار وإديته خافض حرارة وعملتله كمادات حرارته مبتنزلش، أبوس ايدك دخليني مستعجل وهديكِ اللي انتِ عايزاه.
الممرضة بضيق: مينفعش حضرتك ادفعي واستني دورك عادي، مستعجل يعني هتاخدي دور غيرك وكل دول أطفال تعبانين برضو.
مها بصراخ وقد فقدت أعصابها وهدوئها المعتاد: أيوة بس مفيش واحد فيهم حرارته فوق الأربعين! يعني يستنوا عادي لكن ابني لا!!
الممرضة بغضب: من فضلك وطّي صوتك في مرضى محتاجين راحة في الأقسام التانية!!
رحيم بنفاذ صبر: فين مكتب مدير المستشفى؟!
الممرضة ببرود: فوق، آخر الممر على إيدك الشمال.
رفع رحيم أحد حاجبيه وقال: أه يعني مش فارق معاكِ؟
الممرضة بثبات: أيوة، لأن حضرتك والمدام تعديتوا على موظف أثناء تأدية عمله وزعقتوا في مكان عام وعليتوا صوتكم وكمان المدام بتعرض رشوة.
مها بصدمة: هو الكشف المستعجل بقى رشوة! حسبي الله ونعم الوكيل فيكِ وفي أمثالِك معدومين الرحمة، ابني بيروح مني فـ طبيعي أزعق!
رحيم وهو يشير بإصبعه للممرضة: صدقيني هعمل نفسي مسمعتش الهبل الفارغ اللي قلتيه.
مد يده وهو يسحب مها من ذراعها وقال: استنيني في الكافتيريا هدفع الحجز وأجيلك.
مها بدموع لم تستطع كبتها: تمام.
دفع رحيم ثم ذهب إلى الكافتيريا ليجد مها تجلس على المقعد وتقبل رأس طفلها ثم تبكي بحرقة.
جلس رحيم أمامها ثم مد يده وهو يمسح بإصبعه إحدى دموعها ويقول بصوت خافت:
رحيم: هيبقى بخير.. اهدي.
مها ببكاء: جسمه كله سخن مش هيستحمل، دا الكبار بيرقدوا في السرير ما بالك بطفل.
رحيم حتى يجعلها تهدأ: يرقد إيه هو فرخة!
انفلتت ضحكة من ثغرها تتخللها الدموع، فقال رحيم:
رحيم: واحد من اللي مستنيين دورهم قالي ادخل مكاني عشان ابنه مش تعبان أوي وعشان شاف انفعالك وأثرتي فيه.
رفعت مها رأسها للأعلى وهي تبكي وتدعي قائلة:
مها: يارب!
بعد مرور ساعة ونصف
خرج رحيم برفقة مها من المشفى وهو يحمل الطفل ومها تحمل أكياس الدواء.
جلسوا داخل السيارة وبدأ رحيم في قيادة السيارة بعد ما أعطى الطفل لمها وقال:
رحيم: أنا هعدي على مطعم ناكل سوا..
مها بعد ما اطمئن قلبها على صغيرها: لا ميرسي مش جعانة، عايزة أروح البيت وشكرا لتعبك معانا..
مها وهي تلتقط أنفاسها: محدش قال حاجة! بس معلش متقولش زي دي، لأن كلنا عارفين مين اللي رباهم وتعب عشانهم!
صفق رحيم بسخرية وهو يقول:
رحيم: يا ستي كتر خيرك، دا انتِ سوبر مامي فعلًا.
دمعت عينا مها وهي تقول بغضب وقد فاض بها الكيل:
مها: لا أنا سوبر بني آدمة، استحملت معاملتك السخيفة دي لسنين ومعاملة مرات أخوك وقولت عيشي يا بنتي كفاية تكوني جنبه، وياريتك قدرت ولا حتى اتهزت مشاعرك ناحيتي، كنت طول الوقت مشربني المرار على ذنب مش ذنبي! عايزني أعمل إيه تاني؟ خلاص مبقاش فيا حيل معافرة زي زمان، طاقتي بقت لولادي وبس.. انت بقى جاي تفوق بعد فوات الأوان دي مشكلتك!
لم يرد رحيم، بل كان ممسكًا بالمقود بكل قوته ثم قال بنبرة غريبة:
رحيم: أنا مش راجع على البيت.
مها نظرت له بعدم فهم وقالت:
مها: تمام! أنا هنزل هنا وأركب تاكسي.
أغلق رحيم أقفال السيارة وهو يستعد ليقود، فقالت مها:
مها: إيه اللي بتعمله دا ورايح على فين أنا ابني التاني في البيت!
رحيم بإصرار: هخلي سليم يجيبهولنا..
ثم قاد بسرعة ومها مصدومة ومشابثة بطفلها!
داخل المشفى
كانت نجمة ممددة على الفراش الطبي، والطبيبة تمرر الجهاز فوق معدتها وهي تقول:
الطبيبة: حامل يا مدام نجمة، مبروك!
تنهدت نجمة وهي تنظر لشاشة السونار ثم انفلتت من عينها دمعة عجزت عن التحكم بها.
نظرت لسقف الغرفة وهي تقول:
نجمة: عايزة أنزله يا دكتورة، من فضلك..
رواية مسافات مشاعر الفصل التاسع والعشرون 29 - بقلم روزان مصطفى
نظرت الطبيبة لنجمة الممدة أمامها ثم عادت بمقعدها للخلف وهي تجلس خلف مكتبها وتقول:
الجنين لسه في البداية ومفيش فيه أي ضرر عليكي، والعمليات دي مبتتعملش غير لما بيكون في ضرر على الأم.. غير كدا اسمه دلع واستهتار بالنعمة.
قامت نجمة من الفراش الطبي وهي تعدل وتهندم من ملابسها ثم قالت:
أو يمكن لظروف خاصة.
أشارت الطبيبة لها أن تجلس أمامها ثم قالت وهي تكتب بعض الإرشادات الطبية في الورقة:
ظروف إيه مادية مثلًا؟ حضرتك عندك فكرة في كام واحدة بتيجي هنا وعندها أمل ولو بنسبة 1% إنها يجيلها فرصة للإنجاب! ربنا بيدينا نعم مبنعرفش قيمتها عشان هي معانا لكن لما بتروح أو مبنملكهاش بنفضل طول عمرنا نحاول نمتلكها، لذلك متتسرعيش وتروحي تدوري على ناس معدومين ضمير يخلوكي تتخلصي من الطفل وترتكبي ذنب.
جلست نجمة أمامها وهي تتنهد ثم قالت:
هيتسبب في طلاقي من جوزي وأنا بـ..
قاطعتها الطبيبة بغضب وكأنها تتعامل خارج حدود وظيفتها:
يعني عشان البيه بتاعك ميطلقكيش عاوزة تموتي طفل ملهوش ذنب!
ثم أفاقت الطبيبة للهجتها وأسلوبها الذي لا يليق وتدخلها في أمور الغير، لتفرك عينيها وهي تستنشق الهواء وتقول:
أنا بعتذر يا مدام نجمة حقيقي على انفعالي وتدخُلي وأسلوبي، بعتذر بالفعل مكانش لازم أشتغل النهارده.. لكن رجاء شخصي فكري مرة كمان.. أنا عن نفسي مبعملش العمليات دي، وربنا يقدم لك اللي فيه الخير.
***
داخل شقة الحاج عبد الرحيم
كان يجلس سليم وهو يتابع بعينيه شاشة التلفاز ووالدته تعطي له صحن حلوى وتقول:
طب لو مش عاوز تاكل عندي خد دوق دي.
سليم بإرهاق:
لا تسلم إيدك يا ماما مش قادر، أنا بس مش عارف نجمة راحت فين ومستأذنتش، لولا إني مرهق ورجعت بدري مقدرتش أكمل شغل مكنتش هعرف إنها خرجت.
جلست والدته بجانبه وهي تقول:
والله يابني مش عارفة، أبوك إنت عارف قعدته كلها في أوضته مبتحركش كتير، وأنا في المطبخ فمبنسمعش اللي برا، فمخدتش بالي إنها نزلت.
أخرج سليم الهاتف من جيب بنطاله وهو ينظر لشاشته ويقول:
دي حتى فونها غير متاح، هستنى شوية وبعدين هتصل على أمها جايز تكون عندها، بس والله ما هعديها حوار خروجها بدون إذن ده.
والدته:
استهدى بالله طيب لما ترجع نعرف كانت فين من غير مشاكل.
خرجت فرح من غرفتها وهي تقول:
ورحيم كمان فونُه غير متاح، جايز تكون مراتك معاه.
سليم بغضب عارم:
أنا على آخري فعدي يومك معايا عشان مش ناقص!
فرح بغضب متبادل:
إيه دا إيه دا إنت إزاي تتكلم معايا بالإسلوب دا؟ نسيت إني مرات أخوك الكبير ولا إيه!
صفع سليم يد بيد وهو يقول بغضب:
اللهم طولك يا روح!
والدة رحيم:
فرح! روحي شوفي وراكي إيه وبطلي اللي بتعمليه دا!
قاطع تلك المهزلة اتصال جاء لهاتف سليم، في البداية ظن أن الاتصال من زوجته نجمة لتطمئنه عليها، لكن وجد رقم شقيقه رحيم أمامه.
أجاب سليم على المكالمة وهو يزدرد لعابه وقال بلهفة:
أيوة يا رحيم، نجمة مراتي معاك؟؟
رحيم بنبرة تعجب:
لا هتبقى معايا ليه؟ في حاجة ولا إيه!
تنهد سليم بخيبة أمل وهو يقول بصوت قد غلفه البؤس:
لا مفيش، كنت عايزني فإيه؟
رحيم بهدوء:
في الأول لو فرح جنبك متعرفهاش إنه أنا.
نظر سليم بطرف عينه ناظرًا لفرح التي تقف جانبًا وهي مكتفة ذراعيها وقالت:
هات أكلمه!
سليم وهو يعقد حاجبيه:
مش هينفع هو قاعد قعدة رجالة!
فرح بإصرار:
طب قوله إنت فين!
أغلق سليم عينيه غيظًا ثم فتحهما وهو يقول من بين أسنانه:
عايز أتكلم مع أخويا بعد إذنك!
تأففت فرح وذهبت لغرفتها، فقال رحيم على الطرف الآخر:
اسمعني هقولك إيه وإعمله من غير ما حد يحس..
بعد قليل صعد سليم إلى شقته لـ يبدل ملابسه، وبينما هو يتهندم استمع لباب الشقة ينفتح ويغلق، مد رأسه خارج الغرفة ونظر لنجمة التي تسير بتعب وإرهاق.
سليم بنبرة غاضبة:
حمدالله على السلامة يا مدام!
تنهدت نجمة وهي تقول:
من فضلك يا سليم أنا تعبانة ومش قادرة أدخل في خلاف معاك.
قام سليم بحذف قنينة العطر التي كان يستعملها على الفراش ووقف أمامها وهو ينظر لها نظرة القاضي أمام متهم وقال:
سؤال من كلمتين وعايز رد واضح مش مايع، كنتِ فين؟
نجمة بتعب:
كنت بتمشى شوية حسيت إني مخنوقة..
سليم أكمل استجوابه قائلًا:
أه كنتِ بتتمشي، وفونك غير متاح ليه؟
نجمة قامت بتضييق عينيها وقالت:
فصل شحن وسيبته في البيت أصلًا في أوضة الأطفال.
عض سليم على شفته السفلى وقال:
تمام ماشي سهلة، هروح المشوار اللي رايحه ونتحاسب لما أرجع.
نجمة بإستغراب:
مشوار إيه؟ وإيه اللي طلعك بدري من الشغل؟
وضع سليم يده على عنقه وقال من بين أسنانه:
كنت مخنوق فطلعت.
ثم تركها وخرج من الشقة صافعًا الباب خلفه.
جلست نجمة على الفراش وهي تقوم بخلع حذائها من قدميها وتتنهد بضيق.. نظرت إلى الشقة المقلوب حالها رأسًا على عقب وتذكرت حديث الطبيبة وهي تقول:
ممنوع الإجهاد ولازم الراحة التامة.
قررت نجمة تنظيف المنزل بدقة بذاتها ودون مساعدة أحد.
***
أمام أحد الفنادق
قال بضيق:
من فضلك رجعنا البيت تاني أنا عايزة أروح!
رحيم ببرود:
مش هينفع أنا حجزت جناح خلاص.
اتسعت عينا مها وهي تقول:
وأنا مالي ما تروحه مع الست هانم التانية! ليه تجبرني أقعد معاك؟
رحيم بنفس البرود:
لأنك مش مديني أي فرصة أتكلم معاك فقررت أخطفك يوم، في الأول كانت حجتك ابننا اللي لسه هنا فبعت سليم يجيبهولك.
مها بضيق:
ولما يقلقوا علينا هناك ويقعدوا يفترضوا حاجات أنا مش حباها هتكون مبسوط؟
ابتسم رحيم وقال:
جدًا، ياريت يفترضوا إنك سامحتيني على إني اتجوزت عليكي ورجعنا سوا من تاني، عشان أنا بحبك بجد يا مها.
مها بضيق:
إنت مبتحبش حد إنت بني آدم أناني، وأنا هنزل آخد تاكسي.
حاولت فتح الباب لكنه أغلقه مجددًا فـ نظرت له وقالت:
من فضلك افتح الباب.
رحيم نظر لها وقال:
المدام بتاعتي قاعدة جنبي أهي وعايزة تنزل، أما فرح فدي كانت غلطة مع الوقت هتسامحيني عليها..
مها:
مبسمحش، أسامحك دا لو كنا لسه مرتبطين وبنخرج خروجات قبل الجواز، مش متجوز عليا!!
رحيم بإصرار:
طب اوعديني لما ننزل تدخلي معايا الفندق، وأنا اوعدك لما نقعد يومين هنا كل الأمور هتتصلح كأنها لم تكن من الأساس!
لم ترد عليه ولم تنظر تجاهه من الأساس، فـ وضع يده فوق يدها وقال:
رواية مسافات مشاعر الفصل الثلاثون 30 - بقلم روزان مصطفى
قال: يا مها أنا كُل اللي طالبُه منك يومين بس! إحنا ولادنا لسه صغيرين يستحقوا مننا فُرصة نحاول فيها نصلح أخطائنا!
مها بـِ تصحيح غا|ضِب: أخطائك إنت! أنا غلطت معاك فـ إيه عشان نفسك تبقى بالدناوة دي وتنفِذ اللي في دماغك وتتجوز عليا! بالعكس أنا كُنت بسمع كلامك وأسيبك تروح وتيجي وأقعُد أنا بالولاد وأراعيهُم وأراعيك! مقصرتش معاك في حاجة حتى في حقوقك الشرعية اللي إنت مكونتش بـِ تطلُبها من الأساس! فـ عيب أوي بعد كُل التضحيات بتاعتي دي تجمعني معاك وتقول أخطائنا.
رحيم عاقِدًا حاجبيه بـِ تركيز قال: أنا واثِق مِن حُبك ليا..
مها نظرت أمامها وقالت: متثِقش أوي، الحُب مع الوقت بيزول وبيحِل محلُه الألم، بتبقى عايش بـِ أسوأ نُسخة ليك بعد ما برائتك مع اللي حواليك خليتهُم يستغلوك وتطلع إنت الولحِش في الأخِر.
تنفس رحيم بـِ عُمق وهو يقول: طب يلا ننزِل، الراجِل بتاع أمن الجراچ بيشاورلنا!
مها بـِ ضيق: مش نازلة من هنا غير على الأقل لو إبني التاني جِه، طالما أنا مُجبرة أقعُد معاك يبقى ولادي يكونوا في حُضني.
إعتدل رحيم في جلستُه وقال: يا مها مش حوار مُجبرة عشان أنا الراجل وبتحكِم فيكي والكلام المُتخلِف دا، كُل الحكاية أنا بحاوِل أنقِذ علاقِتنا بعد ما دمرتها بنفسي زي ما إنتِ حاولتي كتير وفاض بيكي! إديني فُرصتي زي ما إديتك فُرصتِك!
تنهدت مها بـِ عدم إحتمال لـِ كُل ما يحدُث ثُم بكى صغيرها بين ذراعيها لـ تنتفِض وتقول: لازم أرضعُه.
شعر رحيم بـِ الغيرة وهو ينظُر للسيارات من حولهِم والمارة المتچولون وقال: هِنا!!
مها بـِ ضيق: أكيد لا، يلا ننزل وكلم سليم من فضلك قوله على رقم أوضتنا يجبلنا الولد، أو أطلع أنا الأوضة وإنت إستناه في الريسيبشن.
رحيم بـِ تصحيح: جِناح مش أوضة..
مها بـِ نفاذ صبر: يا سيدي جناح ولا ورك أي حاجة المُهم الولد.
فتح رحيم أقفال السيارة ونزلوا مِنها مُتجهين لـِ بوابة الفُندق، إتجهوا إلى الأستقبال ووقف رحيم قليلًا يتحدث مع فتاة الإستقبال حتى ألتقط مِنها مُفتاح الجناح وقال لـِ مها: يلا بينا ولو سليم جِه هيبلغونا على فون الجناح.
صعدوا سويًا ومها تُحاول مِن تهدِئة صغيرها حتى يتوقف عن البُكاء.
* داخِل منزل الحاج عبد الكريم
والِدة رحيم وهي جالِسة على الأريكة: أما أقوم أشوف الطبيخ إستوى ولا لا، فينك يا مها يا مريحاني ربنا يريح قلبِك مش زي بنت أختي اللي مش فالحة غير في الزواقة وبس.
نزلت نجمة إلى الشقة وهي تلتقِط أنفاسها وتقول: عندِك مُطهِر أرضيات يا ماما؟
والدة رحيم: أه يا حبيبتي عندي إستني أجيبلك.
جففت نجمة وجهها بـِ أصابِعها مِن أثار العرق وقالت: معلش عشان بروق شقتي فوق ومش لاقية حد أبعتُه وسليم راح مشوار.
خرجت فرح مِن غُرفتها وهي تستنِد على باب الغُرفة وتقول بـِ إستفزاز: جوزك مش سهل برضو، رحيم كلمُه وقالُه حاجة والتاني ماصدق وطلع يجري عليه، أكيد بيخططوا لحاجة، وأقوله إديني رحيم جوزي أكلمُه رفض، سوسة بعيد عنِك.
نجمة بـِ غضب الحمل: إنتِ إزاي تتكلمي عن جوزي بالإسلوب دا يا بتاعة إنتِ! أُقسِم بالله لولا إني في بيت حمايا وحماتي كُنت عرفتِك مقامِك.. ومفيش سوسة غيرك إنتِ يا أم ودان أرانِب وقاعدة تتجسسي على اللي رايح واللي جاي.
جائت فرح لـِ ترُد لكِن قاطعها دخول يارا من باب الشقة وهي تقول بـِ برود: ما عندها حق، إنتوا عاملين جماعات ضدنا ولا كإننا في حر|ب، مش سالكين كِدانجمة بِغيظ مِن كِلتاهُما: حوش خِلة السِنان اللي بتتكلِم عن السلكان، ما بلاش إنتِ يا يارا دا نديم بيشتكي.
خرجت والِدة رحيم وهي تحمِل المُنظِف وتقول: خلاص مِنك ليها! هتتخانقوا وأنا موجودة ولا إيه؟ سيبي بنتِك مع فرح يا يارا وقومي ساعديني في المطبخ، يعز عليا أطلُب منِك بس مها مش موجودة.
وصعت يارا الطفلة بين يدا فرح وقالت: وهي مها عندها أربع دراعات وإحنا إتنين؟ لعِلمك يا طنط أكلها بيكون زايد ملح وبيتعب الكِلى.
تأففت نجمة وهي تقول: عن إذنك يا ماما هخلص فوق ونزلالك.
والِدة رحيم: ربنا يعينك يا بنتي.
* داخِل الجناح
كانت مها تُرضِع صغيرها عِندما إستمعت لـِ صوت طرق على باب الجناح، وضعت الحِجاب فوق رأسها وأطرافُه الطويلة غطت بها أجزاء جسدها وقالت: إدخُل.
دخل رحيم وهو يحمِل طِفلهُ الأخر فـ تورد وجه مها وهي تقول بحنان: حبيب ماما، هاتُه يا رحيم مِن فضلك.
إقترب رحيم ووضعهُ بـِ جانِبها على الفِراش فـ داعبتهُ بـِ يدِها الأخرى وهي تقول: هرضع أخوك بس وأخُد حُضن وبوسة.
رحيم وهو يستنِد على ذِراعه وينظُر لها وقال: طب وأنا؟
مها بـِ جدية: رحيم مِن فضلك!
إقترب رحيم لها وهو يقول: من فضلي إيه؟
مها إرتجفت مِن قُربه الزائِد وقالت: متقربليش لو سمحت..
إقترب رحيم مُجددًا وقال أمام وجهها: كِدا؟
عادت للخلف وهي تقول: تؤ!
رحيم بـِ هدوء: إحنا إتفقنا تديني فُرصة في اليومين دول إني..
قاطعتهُ مها قائِلة: أنا متفقتِش مع حد على حاجة أنا جاية هنا أنا وولادي غصب عني وقبِلت أنزِل من العربية عشان إبني جعان.
رحيم وهو ينظُر لعينيها: وأنا كمان جعان ونفسي أشبع منك ومن تقضية الوقت معاكي.
مها بـِ ضيق: والله حضرتك ضيعت سنتين من عُمرنا بتتجنبني عشان الست هانم بتاعتك، وأنا كُنت قدامك فضلت تحاول تحاول لغاية ما إتجوزتها ودلوقتي جايلي وطالِب مني السماح فاكرني بـِ زُرار عشان أغفِر؟؟ لا.. زي ما أخدت قرارك ونفذتُه من حقي أنفِذ قراري.
إعتدل رحيم وبدأت تتغلف نبرتُه الجدية وقال: ومين هيسمحلِك تنفذيه؟
مها من بين أسنانها: كُلهُم واقفين معايا وأولهم المدام بتاعتك!
رحيم بـِ ضيق: مها متعصبنيش!!
عقدت حاجبيها فـ تدارك غضبُه وقال بهدوء وحُب: بتعصب لما بتقولي حاجة تحسسني إني عملت اللي عملتُه عن قصد، كُل اللي عاوزك تعرفيه إني.. ندمان، كان خلاص بنقرب لبعض وبعدها.. عكيت الدُنيا.
وضعت مها طِفلها على السرير وهو غافي وعدلت ملابِسها وهي تقول بـِ دموع عالِقة داخِل مقلتيها: ندمك دا متأخر ومش هيفيد.
كانت تنوي السير بعيدًا عنهُ لكِنهُ جذبها تِجاهُه وإحتضننها بـِ كُل ما يمتلِك مِن قوة، كانت تقاوم عن طريق ضربهُ عِدة مرات على ذِراعه ومحاولة إبعادهُ عنها دون إحداث صُخب وضجيج حتى لا يستيقظ الطفلين النائمين، لكِنها فشلت، بل وجدت أنهُ يُزيح الحِجاب عن رأسها ويُغلغِل أصابِعهُ داخِل خُصلات شعرها، شعرت بالوهن والألم في آن واحد، وضع وجهها بين كلتا يديه وهو ينظُر لعينيها ويقول: وحشتيني!
خرجت من أعماق قلبُه حتى من قوة صِدقها جعلت مها ترتجِف، إقترب بـِ وجهه مِن وجهها ثُم..
* داخِل شقة سليم
فتح باب الشقة بـِ المُفتاح ودخل ثُم أغلقهُ خلفُه، إستنشق رائِحة المُعطِر والمُنظِفات وقال بـِ سلام: دا إيه الروقان والجمال دا، بتكفري عن ذنبِك إنك مستأذنتيش بـِ التنظيف؟ بُصي لو طبختي كمان هسامحِك.
خرجت نجمة مِن دورة المياه وهي تلِف منشفة حول جسدها وخُصلات شعرها المُبتلة تناثرت على وجهها.
إبتسم سليم عِندما رآها وقال بـِ مُزاح: لا برضو مش هضعف، نزلتي من غير إذني ليه!
إقترب مِنها وقال وهو ينظُر لعينيها: أعاقبِك ولا..
لم يُكمِل جُملتهُ عِندما وجدها تميل للأمام فاقِدة الوعي بين ذراعيه، قدميها لم تعودا قادرتان على حملِها!