تحميل رواية «متى تخضعين لقلبي» PDF
بقلم شيماء يوسف
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
اليوم هو يوم عطلتها. استيقظت من أحلامها كعادة كل عطلة على صوت صياح آتٍ من خارج غرفتها. تنهدت بألم وهي تضغط على عينيها بقوة رافضة تقبل أمر استيقاظها أو التحرك من فراشها إلا بعد خروجه، ولكنها تعلم جيدًا أن أمنيتها تلك دون جدوى، فهو مقيم في المنزل ما يقارب ال 24 ساعة. بالرغم من انتظارها كل عطلة أسبوع بفارغ الصبر حتى يستطيع جسدها الارتياح قليلًا، إلا أنها تكرهها بسببه. شعور غريب ينتابها وهي تستمع إلى كل ذلك الصياح والانتقاد والسخط الخارج من فمه عليهم جميعًا. كانت كل صرخة تخرج منه لتقتحم أذنها تشعر ب...
رواية متى تخضعين لقلبي الفصل الحادي عشر 11 - بقلم شيماء يوسف
قضت حياة اليوم التالي لها ما بين الصحوة والغفوة، مع الاستمرار الدائم لهلاوساتها وأحلامها الغريبة، والتي كان العامل المشترك بينها جميعًا هو شخص واحد.. فريد.
أما عنه، فكان ملازمًا لها خلال الليل والنهار، لا يتحرك من جوارها إلا لمتابعة آخر التطورات لمعرفة مرتكب تلك الجريمة بحقه وحقها، ثم يعود إليها مرة أخرى راكضًا، ينصت بإستمتاع إلى هلاوسها بقلب أب حنون قبل أن يكون قلب عاشق. وما أشد سعادته عندما كان يستمع إلى اسمه يخرج من بين شفتيها، عالمًا أنه محور تلك الهلاوس، فهي ما زالت تلجأ إليه مثلما كانت تفعل في صغرها، وها هو الآن يجلس بجوارها يستمع إليها ويلبي طلباتها مثلما كان يفعل أيضًا وهو صغير.
تذكر بسعادة أن أول خطوة لها تحركت نحوه، وأول ركضة لها كانت لتصل إليه، وأول شكوى منها كانت إليه. كان تفسير والدته ووالدتها على ذلك التعلق الشديد هو افتقار كل منهما لوجود أخ أو أخت من نفس فئتهما العمرية، وكم سمع من شفتيهما كلمة "حياة أختك"، ولكنه أبدًا لم يستسيغ تلك الكلمة، ويبدو أن قلبه أيضًا لم يفعل، فهي ببساطة لم تكن أخته.
في اليوم الذي يليه، بدأت حرارتها تعود طبيعية، وعليها كانت استفاقتها قريبة، لذلك قام فريد بنقلها إلى غرفتها، وأكد على كل من بالمنزل، وأولهم السيدة عفاف التي كانت ترعاها في أوقات انشغاله، بعدم التطرق لتلك الحادثة، والأهم عدم التحدث عن أي تفاصيل تخص ميعاد عودته أو وجودها داخل غرفته.
في منتصف النهار، فتحت حياة عينيها بتثاقل ووهن، قطبت جبينها وعقدت حاجبيها معًا، محاولة تذكر ما حدث. استغرق الأمر قليلًا لمعرفة ما يدور حولها وسبب تيبس عضلاتها، قبل أن تنتفض من نومتها بفزع وتنظر حولها بقلق. حركت رأسها عدة مرات، محاولة طرد تلك المخاوف من رأسها. طمأنت نفسها بقوة، كانت مجرد أحلام، والدليل أنها هنا غافية داخل غرفتها، إذا ليس هناك داعٍ للقلق، هكذا حدثت نفسها داخليًا، مجرد أحلام عابرة ليست إلا.
لكن هناك سؤال واحد يفرض نفسه داخل عقلها بقوة، هل عاد إلى المنزل أم لا؟
قررت بعد قليل التحرك من ذلك الفراش واكتشاف ذلك بنفسها، فهي أيضًا لا تعلم كم مضى على مرضها ومن أسعفها، فآخر ما تتذكره هو محاولتها للخروج من غرفتها لطلب المساعدة ووصول شخص ما. تحركت من الفراش وقررت التوجه إلى المرحاض والاغتسال جيدًا بالماء الساخن لانبساط عضلاتها واستعادة نشاطها قليلًا.
وبالفعل، بعد حوالي ساعة، كانت تقف أمام المرآة تنظر برضى بعدما قامت بتجفيف شعرها وتركه منسدلًا بحرية فوق كتفيها، ثم قامت بوضع لمسات بسيطة من الكحل وأحمر الشفاه لإعادة بعض اللون إلى وجهها. هزت كتفيها بعدم اهتمام وهي تتساءل لماذا أرادت فعل ذلك، ولكن يبدو أن مزاجها كان مرحًا دون أي أسباب، أو هذا ما حاولت إقناع نفسها به قبل التحرك للأسفل.
بمجرد خروجها من الغرفة، استرعى انتباهها وجود عدد من الأشخاص يتناقشون بتركيز فيما بينهم. أكملت طريقها للأسفل، عندها صادفت السيدة عفاف التي أسرعت إليها مهرولة تستقبلها بترحاب وهي تقول بحبور:
"حمدلله ع السلامة.. البيت نور.. لا البيت إيه.. دي الدنيا كلها نورت."
احتضنتها حياة بحب وهي تتمتم بخجل:
"الله يسلمك يا داد."
ابتعدت عنها قليلًا حتى يسنح لها رؤيتها جيدًا، ثم سألتها بفضول:
"داد قوليلى هو حصل إيه؟"
ارتبكت نظرات عفاف قليلًا وهي تتذكر تنبيهات رب عملها التي وصلت لحد التهديد، فأجابتها محاولة إخراج نبرتها مقنعة قدر الإمكان:
"حالة تسمم.. واضح إن الأكل بتاع بره ده كان فيه مشكلة."
صمتت قليلًا، ثم أضافت بنبرة نادمة:
"ياريتني مسمعتش كلامك وكنت عملتلك الأكل بإيدي."
اقتربت حياة منها مرة أخرى، تربت على كتفها قائلة بود واضح:
"خلاص يا دادا الحمدلله إنه محصلش حاجة أكتر من كده، تلاقيها بس غلطة المطعم، متتحطيش في بالك."
أنهت جملتها، ثم أضافت تسأل بفضول، قاطعة المجال على عفاف لأجابتها قائلة:
"دادا.. إيه الناس دي؟"
أجابتها عفاف وقد علت ثغرها ابتسامة واسعة قائلة بحماس:
"ده مهندس ديكور فريد بيه طلبه عشان يهد البار اللي هنا ويشوف هيعمل إيه بداله."
اتسعت حدقتا حياة بدهشة وسعادة حقيقية، حتى شعرت بترقرق الدموع بداخلها، ثم سألتها بكلمات متلعثمة من شدة صدمتها قائلة:
"البار... اللي كان بيش... ده حقيقي.. هو فعلاً هيشيله؟"
هزت عفاف رأسها موافقة، وقد ازدادت ابتسامتها اتساعًا برؤية السعادة واضحة على وجه حياة التي أشرق وجهها بابتسامة وسعادة حقيقية لم تشعر بها منذ زمن بعيد.
في تلك الأثناء، كان فريد عائدًا من المستودع الصغير الملحق بالفيلا، والذي احتجز بداخله ذلك المدعو علي، والذي تولى مهمة توصيل الطعام، والرجل الآخر المدبر للحادثة، أو كما يلقبونه "سيد الدولي"، بعدما استطاع بمساعدة المطعم وبعض أساليبه الخاصة التوصل إليهم. وها هما الآن ملقيان في المستودع يرفضان التحدث أو الإشارة بمن طلب تنفيذ تلك الجريمة.
تحرك بغضب نحو الباب الداخلي للمنزل، يفتحه بحده. في تلك اللحظة، رفعت حياة، وهي لازالت محتفظة بتلك الابتسامة السعيدة فوق ثغرها، تنظر إلى القادم، فتفاجئت به.
تسمر فريد مكانه، وقد تبدلت ملامحه على الفور هو الآخر، وهو يراها تنظر إليه بابتسامة عريضة وعيون لامعة. تشابكت نظراتهما للحظات، قبل أن تطرق حياة رأسها للأسفل بخجل. انسحبت عفاف من المكان بهدوء، بعدما رأت تعلق نظرات كل منهما بالآخر. أما هو، فكان قلبه يقفز من شدة الفرح وهو يراها تقف أمامه مرة أخرى وقد استعادت عافيتها من جديد. كل ما أراد فعله في تلك اللحظة هو التوجه نحوها وأخذها بين أحضانه، حتى يتسنى له الشعور بدقات قلبها فوق صدره.
ولكن بدلًا عن ذلك، تحرك نحوها بهدوء حتى توقف أمامها، ثم سألها بنبرة عميقة:
"حمدلله ع السلامة.. انتي كويسة دلوقتي؟"
هزت رأسها موافقة، ثم أجابته برقة بالغة:
"الله يسلمك.. آه الحمدلله."
أنهت جملتها، ثم حركت رأسها باتجاه العمال، قبل أن تعيدها نحوه وهي تمتم بخجل:
"شكراً."
رفع أحد ذراعيه، يحركها فوق مؤخرة رأسه وهو يبتسم لها بهدوء، وقد علم ما ترمي إليه، ولكنه آثر سماعها من بين شفتيها. اقترب منها خطوة واحدة، ثم سألها بصوت أجش:
"على إيه؟"
اتسعت ابتسامتها وزاد احمرار وجنتها، ثم أجابته بخجل:
"انت عارف على إيه."
أنهت جملتها وركضت مسرعة نحو الأعلى حيث غرفتها. أما فريد، فقد ظل حيث هو بلا حراك، وعيناه تتبع خطواتها، والابتسامة البلهاء لم تفارق شفتيه.
عند حلول موعد الغذاء، سمعت حياة بضع طرقات خفيفة فوق باب غرفتها، لذلك طلبت من الطارق الدخول. فطلت السيدة عفاف من خلف الباب تسألها بهدوء قائلة:
"فريد بيه طلب مني أسألك لو ينفع تشاركيه الغداء النهارده.. ده طبعًا لو حاسة نفسك كويسة."
اندفعت حياة تجيبها دون تردد قائلة:
"آه يا دادا.. خليكي انتي وأنا هنزله على طول."
أنهت جملتها، ثم تحركت مباشرة نحو غرفة الطعام، فهي لديها العديد من الأسئلة التي تشغل عقلها، ولن يجيبها أحدًا غيره.
وصلت إلى غرفة الطعام، فوجدته جالسًا في مكانه المعتاد على رأس طاولته ينتظر ردها. تحرك من مقعده بمجرد رؤيتها، يسحب لها الكرسي الملاصق لمقعده، وقد لاحظت حياة اقتراب المقاعد من بعضها أكثر من السابق. جلست في مقعدها، والذي كان ملاصقًا تمامًا لمقعده، حتى أن قدميها تلامست عدة مرات مع قدميه.
لاحظت حياة بعد جلوسها وجود عزة في أحد أركان الغرفة، لذلك ومن باب الذوق، حيتها حياة بهدوء. ردت عزة تحيتها بارتباك واضح، وشرعت فورًا في تقديم الطعام، ثم استأذنت في الخروج من الغرفة، فسمح لها فريد على الفور.
بدأت حياة في تناول حسائها بصمت، وهي تفكر في كيفية سؤاله عن موعد عودته دون أن تبدو كمن يتحرى عن الأمر. قاطع تفكيرها صوت فريد يسألها باهتمام:
"حياة.. الدكتور كان كتبلك شوية أدوية.. أخدتيهم في ميعادهم؟"
ابتسمت بسعادة، وقد أتيحت لها الفرصة للسؤال عما يدور في خلدها براحة، لذلك أجابته برقة:
"آه دادا عفاف من شوية قالتلي وفكرتني بمواعيدهم كمان."
صمتت لتبلع ريقها، ثم استطردت حديثها تسأله بفضول:
"فريد.. هو انت وصلت امتى؟"
ترك طعامه وعاد بجسده للوراء، يستند بكسل على ظهر مقعده، ثم سألها وبريق التسلية يلمع داخل عينيه قائلاً، وهو يتظاهر بالعبوس:
"بتسألي ليه؟ عايزه تطمني عليا؟"
اندفعت تقول في ارتباك:
"لأ طبعًا.. أنا كنت عايزة أعرف عشان حاجة تانية."
صمتت قليلًا عندما رأت ملامح وجهه بدأت في التجهم، ثم أضافت مصححة بارتباك:
"مش قصدي.. أنا عايزة أعرف أكيد."
توقفت عن الحديث وزفرت بتوتر، ثم استطردت حديثها مصححة:
"أنا قصدي إني بسأل من باب الفضول مش أكتر."
عاد بريق التسلية إلى عينيه وهو يرى ارتباكها واضحًا عليها، فسألها بمرح:
"طب قوليلى إيه الحاجة التانية دي يمكن أفيدك؟"
تذكرت ذلك الحلم الذي راودها عندما حملها بين ذراعيه وسمحت هي له بتقبيله، فاحمرت وجنتاها خجلًا وأطرقت رأسها لأسفل، هاربة من نظراته المتفحصة. التوى فمه بنصف ابتسامة وهو يرى ارتباكها وتخبطها أمامه، فهو يتحرق شوقًا لمعرفة إذا كانت تتذكر ما حدث بينهما أم لا، وأبدًا لن يكشف أوراقه أمامها.
قاطع تفكيره اقتحام حرسه الشخصي للغرفة فجأة بجسد وملامح متوترة، ثم توجهه نحو فريد مباشرة، يهمس له بكلمات لم تلتقط حياة منها أي شيء رغم محاولتها المستميتة في معرفة ما يدور بينهم. انتفض فريد من مقعده وهو يقول وقد تحولت ملامح وجهه للجدية:
"تعالى ورايا."
أنهى جملته وتحرك من الغرفة مسرعًا دون وداع، تاركًا إياها تشعر بالحيرة والفضول حول ما يحدث معه دون علمها.
داخل المستودع، تكوم الرجلان في أحد الزوايا، فاقدين الوعي من شدة الضرب والإرهاق. تحرك فريد في اتجاههم، ثم قام بسحب الكرسي الخشبي الموضوع داخل المستودع وجلس فوقه بطريقة عكسية، واستند بذراعيه على رأس الكرسي، ثم أشار برأسه للحارس الذي كان يقف بجواره ويحمل دلوا كبيرًا مملوءًا بالماء. أومأ الحارس رأسه لفريد بإيماءة خفيفة، قبل أن يقوم بسكب الماء البارد فوق وجه المدعو سيد. انتفض الأخير على الفور وهو يحرك رأسه يمينًا ويسارًا، محاولًا التقاط أنفاسه بصعوبة. سأله فريد بنبرة منخفضة:
"ها.. عقلت وناوي تقول مين اللي وزك تعمل كده ولا تحب أخليهم يكملوا عليك؟"
انتفض الرجل فى جلسته متوسلا لفريد:
- لا يا باشا الله يخليك .. أنا هقولك كل اللى عندى والله .. اللى طلبت منى أعمل كده واحدة اسمها سيرين ومعرفش وصلتلى إزاى .. ولا حتى شفتها قبل كده .. كل اللى أعرفه إنها كلمتنى تليفون ومردتش تقولى عرفتنى منين ولا حتى رضيت تقابلنى .. هى عطتنى رقم واحدة قالتلى دى شغالة فى الفيلا وهتساعدك.
صمت الرجل ليزدرد لعابه بخوف ثم أضاف بعدما لمعت عيونه بخبث قائلا لفريد بترقب لعل ما يقوله يشفع له:
- يا بيه صدقنى هو ده اللى عندى ومعرفش غيره .. بس اللى قالتلى إن الهانم لوحدها ودي فرصتنا واحدة شغالة هنا.
جحظت عينا فريد للخارج ثم أجابه بعصبية هادرة:
- قصدك مين؟ انطق!
أجابه الرجل متمتماً في خبث:
- أنا هقول لحضرتك يا باشا.
بعد قليل اقتحم فريد المطبخ بعنف جعل كلا من السيدة عفاف وعزة يجفلان. توجهت نظراته الغاضبة مباشرة نحو عزة التي بدأت تتراجع للخلف برعب وهي تراه يتقدم نحوها كالفهد فعلمت ما ينتظرها. أقض على شعرها قبل أن يجرها بقوة نحو الخارج غير عابئ بصراخها الذي كان يدوي داخل المنزل ولا بنظرات عفاف المصدومة من فعلته. ركضت حياة من داخل غرفتها على مصدر ذلك الصراخ فتفاجئت بفريد يمسك بشعر عزة بحدة ويجرها إلى خارج المنزل بعنف. ركضت خلفه تحاول إيقافه ولكن أوقفتها ذراع عفاف التي امتدت لمنعها بكل قوتها وقد استعادت وعيها من صدمتها قائلة بتوسل:
- حياة هانم .. الله يخليكي بلاش.
صاحت بها حياة بقوة قائلة:
- أوعى يا دادا! انتي مش شايفة هو ماسكها إزاي؟ من فضلك خليني أشوف فيه إيه.
هزت عفاف رأسها بقوة رافضة إفلات يدها وهي تبرر بثقة:
- أكيد عملت حاجة .. فريد بيه أول مرة يعمل كده .. أكيد عملت مصيبة.
أجابته حياة بحنق قائلة:
- هتكون عملت إيه يعني؟ وبعدين حتى لو كان مينفعش فريد يعمل كده خالص.
بعد عدة دقائق اقتحم فريد المنزل مرة أخرى بحدة جعلت كلا من حياة وعفاف ينتفضان من الرعب ثم تحرك نحوها مباشرة وأمسك بيدها قائلا بنبرة خالية:
- تعالي.
إن كانت التجربة قد علمتها شيئاً فهي قد علمتها أن لا تجادله عند وصوله إلى تلك الحالة. فالجدال معه أبداً لن يكون في صالحها لذلك تحركت معه على الفور يجرها خلفه وكفه يحتضن كفها بتملك. تحركا من خلال الحديقة نحو مبنى أبيض مكون من غرفة واحدة عريضة. سألته حياة بخفوت هامسة:
- فريد إحنا رايحين فين؟
لم يجيبها وبدلاً عن ذلك لاحظت ذلك العرق بجانب صدغه ينبض بشدة. كررت سؤالها بعدما توقفت عن السير وهتفت اسمه بيأس:
- فرييييد.
توقف هو الآخر عن السير والتفت بجسده ينظر إليها قائلا وهو يحاول السيطرة على نبرته الحادة:
- دلوقتي هتعرفي .. تعالي.
أنهى جملته ثم قام بضغطة خفيفة مشجعة على كف يدها الموضوع داخل كفه. تحركت معه بصمت حتى دلفا إلى داخل المستودع وهو لا يزال محتضناً يدها بقوة. نظرت حولها باستغراب تحاول استيعاب هذا المكان الغريب. أثناء تأملها له وقع نظرها أولاً على عزة جالسة بجانبه فوق كرسي خشبي ومقيدة ببعض الحبال لتمنعها من الحركة. ازداد قلقها وعبوس وجهها فهي حتى الآن لم تستوعب شيئاً مما يدور حولها. حركت رأسها مرة أخرى تستأنف اكتشافها لذلك المكان الغريب وإذا بها ترى رجلان مكومان فوق الأرضية والدماء تغطي وجههم وملابسهم. شهقت بفزع وحركت جسدها أكثر لتلتصق بفريد في حركة تلقائية منها. ضغط على يدها مطمئناً لها قبل أن يحول انتباهه نحوه عزة ويهدر بها بعصبية وتوعد قائلا:
- حسابي معاكي على خيانتك ليا هيكون بعدين.
ترك يد حياة ثم توجهه يقف قبالة حياة ويطل عليها بجسده الطويل مستطردا:
- لكن دلوقتي .. اللي حياة هانم هتحكم عليكي هو اللي هيتنفذ.
نقلت حياة نظرها بين فريد وبين عزة محاولة استيعاب ما يحدث بينهم ثم هتفت باسمه بنفاذ صبر قائلة:
- فريد!!! فهمني فيه إيه؟
التفت بجسده نحوها قبل أن يتحرك ويقف قبالتها. نظر لها مطولاً وقد ظهر على وجهه لمحة من الألم قائلا بحزن:
- حالة التسمم اللي حصلتلك كانت مقصودة.
اتسعت عينا حياة بصدمة ثم بدأت تنقل نظرها بينه وبين عزة مرة أخرى وهي تتمتم بعدم استيعاب:
- مقصودة إزاي؟ مش ممكن تكون .. عزه!!!!
هز رأسه بجمود دون حديث. استطردت حياة حديثها متمتة بإقرار أكثر منه سؤال:
- انت اللي لحقتني صح؟ انت اللي كنت واقف قدامي؟
لم يأت الرد ولم تكن بحاجة إليه. ظلت تنظر داخل عينيه وقد بدأت الدموع تلمع داخل عينيها. ثم أطرقت برأسها للأسفل. أحاط فريد وجهها بكفه قبل أن يحرك يده ويقبض على خصلات شعرها الناعم قائلا بقوة:
- بصيلي .. حياة بصيلي.
رفعت عينيها تنظر إليه وإذا بها ترى تلك النظرة التي تعرفها جيداً. نظرة التصميم التي يتميز بها ثم أضاف بحده:
- أنا هنا .. فاهمة! أنا من دلوقتي هنا يعني محدش هيقدر يأذيكي تاني .. اعرفي ده كويس.
حركت رأسها مسرعة عدة مرات كأنها تحاول حفظ ما تفوه به للتو. مد أحدى أصابعه يمسح تلك الدمعة التي فلتت عنوة من بين جفنيها. عندها صرخت عزة بحقد قائلة:
- أيوه أنا اللي ساعدته يعمل كده عشان بحبك.
دوت الكلمة داخل أركان المستودع وشعرت حياة بأنها تدوي أيضاً بداخل قلبها. استطردت عزة حديثها بشجاعة قائلة:
- أيوه بحبك وحبيتك من أول مرة شفتك فيها. من ساعة ما ساعدتني وجبتني اشتغل عندك.
ظل فريد يستمع إلى حديثها بملامح جامدة وجسد متصلب. أما بالنسبة لحياة فشعرت بأنها تريد وضع كفيها فوق أذنها حتى لا تستمع إلى ذلك الحديث العقيم. أردفت عزة بغل وهي تنظر نحو حياة قائلة:
- هي مش بتحبك ولا عمرها هتحبك قدي. مفيش حد في الدنيا دي ممكن يحبك قدي.
صرخ فريد بها قائلا بعصبية:
- اخررررررسى.
أجابته عزة بتحدي وقد شعرت أن نهايتها أوشكت:
- لا مش هخرس هي دي الحقيقة اللي لازم تعرفها. أنا قاعدة كل يوم وشايفة هي بتعاملك إزاي وفاهمة كويس إنها مش بتحبك.
اقترب فريد منها وقد بدأ وجهه يتحول من شدة الغضب والاحمرار ثم أجابها وهو يضغط على كل الحروف الخارجة من فمه قائلا بتهديد:
- عارفه .. لولا إني حالف على قبر أمي ممدش إيدي على واحدة ست كنت عرفتك مقامك دلوقتي.
صرخت عزة بجنون تجيبه:
- ده مش هيمنع حقيقة إني بحبك.
في تلك اللحظة قاطعت حياة حديثها بيأس تترجاه قائلة:
- كفاية .. مش عايزة أسمع حاجة تاني .. أنا عايزة أمشي من هنا .. فريد لو سمحت خليني أمشي من هنا.
اتجاه فريد نحوها على الفور ثم اصطحبها نحو الخارج ومنه إلى المنزل دون أن ينبث أحد منهم ببنت شفة. وصلت حياة إلى الدرج ثم حدثته بنبرة جامدة:
- أنا عايزة أطلع الأوضة بتاعتي شوية.
زفر فريد مطولاً بضيق ثم أجابها بتردد قائلا:
- تمام .. أنا في المكتب لو احتجتي حاجة قوليلي.
هزت رأسها موافقة ثم تحركت نحو الأعلى دون إضافة.
في منتصف الليل كانت حياة لازالت داخل غرفتها تتلوى داخلياً من تلك الكلمات المسمومة التي سمعتها من عزة منذ عدة ساعات. فكرت بحزن أيعقل أن يدفع الغيرة الإنسان حتى القتل. مسحت دموعها وقد اتخذت قرارها ثم تحركت إلى الأسفل حيث غرفة مكتبه. وقفت أمام الباب وأخذت نفساً عميقاً ثم طرقته وانتظرت إذنه للدخول. أجابها بصوت عميق:
- اتفضل.
أدارت حياة مقبض الباب ودخلت على مضض. انتفض فريد في جلسته فور دخولها وهو يسألها باهتمام:
- حياة فيه حاجة؟
أجابته مباشرة دون مقدمات:
- أنا عرفت هعمل إيه في عزة.
تحرك حتى مكتبه ثم استند بجسده عليه وعقد ذراعيه أمام صدره ثم أجابها بجدية قائلا:
- سامعك.
رفعت رأسها بتحدي قائلة بإصرار:
- مش عايزآك تعمل فيها حاجة .. بس سلمها للبوليس.
اعتدل فريد في وقفته ثم أرخى ساعديه وعقد حاجبيه معاً سائلا بجمود:
- يعني إيه؟ أنا مش هسيبها تفلت باللي عملته!!!
زفرت حياة مطولاً بيأس ثم أجابته بإرهاق قائلة:
- لا هو ده بالظبط اللي أنا عايزآك تعمله.
قاطعها فريد بحدة قائلا:
- لا مش موافق.
أجابته حياة مسرعة:
- انت قلت اللي أنا هحكم بيه وده حكمي!!!
صاح فريد بها بحدة:
- حياااااااة!!!!!
أجابته بتحدي:
- فرييييييييد!!!
أضافت مستطرده حديثها:
- فريد لو سمحت لو قضينا عمرنا ننتقم من مل حد آذانا مش هنلاقي وقت ولا هنعرف نعيش حياتنا. ده طلبي وده اللي أنا عايزاه فلو سمحت نفذه.
تأملها ملياً ثم أجابها وقد لمعت فكرة ما داخل رأسه:
- موافق بشرط.
أجابته بثقة موافقة.
ابتسم بانتصار ثم باغتها بشرطه مسرعا:
- تقوليلي حصلك إيه وانتي عندك ١٤ سنة؟
ارتبكت نظرتها وارتجف جسدها ولم تعقب. استطردت هو حديثه كاذباً وقد لاحظ اقترابه من هدفه:
- أنا سألت دادا آمنة وحكتلي اللي حصل بس عايز أسمع التفاصيل منك.
نظرت إليه بدهشة أولاً ثم لوت فمها بابتسامة سخرية وهي تتحرك لتجلس على الأريكة الموضوعة بداخل الغرفة. جلست بكبرياء ثم رفعت رأسها تنظر إليه بتحدي قائلة:
- وآمنة هانم قالتلك إنك تاني استعمال .. second hand يعني؟
انتصب جسده واحتقنت ملامحه وهو يسألها بقلق:
- قصدك إيه؟
حبس أنفاسه وهو في انتظار إجابتها. ابتسمت له بتشفٍ ثم أجابت بهدوء كاذب:
- يعني أنا كنت متجوزة.
رواية متى تخضعين لقلبي الفصل الثاني عشر 12 - بقلم شيماء يوسف
حسناً، إنها تفعل ذلك فقط من أجل إثارة حنقه كعادتها ليس إلا. هذا ما فكر به فريد بيأس، رافضاً عقله تصديق الكلمات التي خرجت من فمها للتو. إنها فقط تلعب به. طمأن نفسه بتلك الجملة. ولكن اللعنة! لماذا تبدو ملامحها شاحبة كالأموات؟ سألها وهو على حافة الانفجار، لعل الخلل صادراً من أذنه التي هيأت له تلك الكلمات بينما هي لم تنطق بها من الأساس:
- انتي قلتي إيه؟
رفعت نظرها مرة أخرى إليه وهي تبتسم بشراسة، ثم أجابته بتهكم مرير قائلة:
- أكيد عبد السلام بيه نسي يقول لك التفصيلة الصغيرة دي قبل كتب الكتاب، لحسن ترفض البضاعة.
شعر فريد بأن صاعقة قد أصابت عقله قبل جسده، فأصابه بالشلل. إذاً، أذنه لم تصب بالعطب بعد. متزوجة! ومن رجل آخر! حرك جسده يميناً ويساراً بتشنج. اللعنة، إن ذلك يتخطى قدرته على الاحتمال. رفع ذراعيه بتوتر ومسح بكفه فوق قسمات وجهه بعصبية، قبل أن تستقر قبضته فوق فمه. ازدادت حدة تنفسه وأخذ صدره يعلو ويهبط بقوة. يبدو أنه قد بدأ يفقد السيطرة على رئتيه. لا، إنه بدأ يفقد السيطرة على جسده بأكمله، وأولهم قلبه الذي كان يخفق كالطبول من شدة الغيرة. أين يذهب؟ تجول بنظره داخل الغرفة كأنه يبحث عن شيئاً ما. إنه يبحث عن هدوئه الداخلي. مازالت الكلمة تطن داخل رأسه بقوة. متزوجة! أين يهرب من تلك الصورة التي بدأت تتشكل أمامه عينه بوضوح عن لمس رجل آخر لها؟ سيجن! أقسم لنفسه أنه سيجن. إنه يجاهد نفسه الآن حتى لا يحرق الدنيا بمن فيها. ألا يقوم بهدم ذلك المكتب بكل محتوياته. ماذا عليه أن يفعل؟ إنه يشعر بأنه يقف الآن بداخل مرجل محاطة به النار من جميع جوانبه، فماذا يفعل؟ هل يجلس أم يظل واقفاً؟ أم يتركها ويركض للخارج؟ ماذا يفعل لتهدأ روحه؟ أيسرخ حتى ينقطع صوته؟ أم يبكي حتى تنفد دموعه؟ أو يرتمي داخل أحضانها لعله يجد السكينة بداخله؟ في كل الأحوال، أصابته النار وانتهى الأمر.
انتهى به الأمر بالجلوس فوق المقعد المقابل لها، ومال بجذعه للأمام وهو يستند بمرفقيه على فخذاه ويشبك كفيه معاً للأمام. زفر مطولاً، ثم قال بنبرة متقطعة كمن يلفظ أنفاسه الأخيرة:
- اديني تفاصيل.
أدارت رأسها جانباً تنظر إليه نظرة زجاجية ليس بها حياة، ثم رفعت كفيها ومسحت وجهها وشعرها عدة مرات بتوتر وهي تهز رجلها اليمنى بعصبية، وقد بدأت تتذكر ذلك الصيف المقيت بعدما انتهت من اختباراتها المدرسية لنهاية العام. دخل والدها المنزل في عجالة وطلب منهم جميعاً أمراً كعادته، الاستعداد للذهاب لبلدته حيث مسقط رأسه ومسكن إخوته لقضاء إجازة الصيف معهم. بالطبع لم تكن والدتها لتعارضه رغم عدم تقبلها لتلك الفكرة، أو بالأدق توجسها منها. وبالفعل في اليوم التالي كانوا في طريقهم نحو إحدى قرى الصعيد، ولم تكن تعلم حياة أنها تُساق كالبهيمة لتُعرض في السوق والفائز هو من يدفع أكثر. وكانت القسمة من نصيب رجل يتجاوز عمره الثمانين عاماً، أي حوالي 6 أضعاف عمرها. رجل ماجن مدمن شراب، هوايته الأولى هو تزوج القاصرات.
تم الزواج وبالطبع كان عرفياً، ودون تسجيل بسبب صغر سنها. تذكرت كم انتحبت تحت أقدام والدها ألا يفعل بها ذلك. وكان رده الوحيد أن ذلك طبيعي لجميع فتيات بلدتهم. وكم توسلت إلى والدتها أن تأخذها وتهرب من تلك البلدة وتنقذها من ذلك المصير، ولكن الخذلان كان ولا يزال رد فعل والدتها الوحيد.
تزوجته وقاومته بكل ما أوتيت من قوة. تذكرت كم استعصت عليه وكم كبلها حتى ترضخ له. كان ضعيفاً، لا يقوى على شئ، وكان تمنع حياة عنه يزيده عجزاً، فلا يجد ملجأ لإخفاء ضعفه إلا من خلال تعنيفها. كان يحاول معها كل ليلة بعدما يرتشف زجاجة أو اثنتين من ذلك الشراب الرخيص. وفي كل ليلة كانت تصرخ باسم فريد لكي يأتي ويخلصها من قبضته، فكانت تثير جنونه أكثر ويبرحها ضرباً، من أجل عجزه مرة، ومن أجل تفكيرها برجل آخر مرة.
لم يأت فريد، ولم تنقذها والدتها، ولم يعطف عليها والدها. لم يكن معها في محنتها سوى الله، وقد قال وقوله الحق: "وكفى بالله وكيلاً". وقد كان. كان أرحم بها من والديها. وبعد أيام معدودة من تلك الزيجة المشئومة، ومن عجزه عن جعلها زوجته، سقط صريعاً فوقها ليلاً بعدما تناول جرعة زائدة من الأقراص المنشطة. لقد جاء خلاصها سريعاً، ولله الحمد. تذكرت كيف ركضت في شوارع تلك البلدة الغريبة وهي طفلة تجاوزت للتو الرابعة عشر، حافية القدمين وبوجهه وجسد متورم بعدما انتقم منها زوجته الأولى وأولاده، فأبرحوها ضرباً وطردوها من المنزل باعتبار أنها "وش نحس". ولكن كان يكفيها الخلاص. عادت بعدها إلى بيت والدها وإلى دراستها. دفنت تلك الذكريات بداخل قلبها وتظاهرت كأن شيئاً لم يكن. لم تبكِ ولم تنهار ولم تتحدث في الأمر ثانية.
وبعد عدة أشهر من تلك الواقعة، ظهر فريد مرة أخرى في حياتها، ومن يومها لم يعط لأحد الفرصة للاقتراب منها، وإلا لكان والدها أعاد الكرة بضمير مرتاح.
أعادها من رحلة ذكرياتها صوت فريد يسألها مرة أخرى بنفاذ صبر. كانت تنظر إلى الفراغ بملامح جامدة، ثم بدأت تسرد عليه التفاصيل بنبرة مرتعشة، حاولت قدر الإمكان تغليفها بثبات هش. كان يستمع إلى ما مرت به دون أي رد فعل، سوى ذلك العرق بجانب صدغه والذي كان على وشك الانفجار من شدة غضبه. أنهت ذكر تفاصيلها وهي منقطعة الأنفاس. لقد قصت عليه كل ما حدث، إلا شيئاً واحداً، وهو أنه لا تزال عذراء. لقد أجبرها على الزواج منه مثلما فعل ذلك الرجل الآخر دون أدنى اعتبار لرغبتها، وهي أرادت الانتقام منه بطريقتها الخاصة.
انتفض من مجلسه بعدما انتهت هي من سرد ملابسات زيجتها، مكوراً يده ضاغطاً عليها بشدة حتى ابيضت مفاصله، ثم قال لها بنبرة منخفضة:
- حياة، سيبيني لوحدي.
تحركت كجسد بلا روح حتى وقفت أمامه وقالت ببرود مستفز:
- صعبة على كرامة فريد بيه صح؟
أجابها من بين أسنانه بنبرة شديدة الانخفاض قائلاً:
- حياة! اطلعِ على أوضتك.
تحركت ببطء نحو الباب لتخرج منه، وما إن أغلقت الباب خلفها حتى سمعت صراخه وأصوات تكسير آتية من الداخل.
قضى ليلته بداخل غرفته الرياضية. مارس جميع أنواع الرياضة حتى شعر أن جسده لا يقوى على حمله، ولكن دون جدوى. لازالت تقفز أمامه صورة ذلك الرجل وهو يقوم بلمسها. إن النار لازالت تستعر بداخله، ليس من أجل زواجها، فرفضها وكرهها لتلك الزيجة لا يحتاج توضيح، ولكن ما يؤلمه هو عذابها وغيرته. إنه يغار عليها من نفسها، فكيف بلمس رجل آخر لها!
تحرك بجسد مرهق وقلب مشتعل نحو غرفته ليأخذ دشاً بارداً، لعله يتسلل إلى داخل روحه فيطفئ لهيبها. ارتدى ملابسه وتمدد على الفراش منتظراً قدوم ضيف يعلم جيداً أنه في تلك الليلة بالذات سيكون عزيزاً، متمنعاً.
كان ينام بعين مفتوحة مثل اللصوص، كما يقال. فهي عادة عقيمة اكتسبها منذ طفولته عندما كان يرهف السمع ليتأكد من ميعاد رجوع والده ومن أمان والدته. وبعد ذلك، يبدو أن جهازه العصبي قرر معاقبته، فلقد تطور الأمر لديه حتى أنه أصبح يستيقظ إذا مر أحد ما من جوار غرفته.
انتفض من غفلته القصيرة التي لا يعرف متى زارته، على صوت صرخة مكتومة قادمة من غرفتها. ركض مسرعاً نحو غرفتها وأشعل الضوء قبل أن يستأنف هرولته نحوها. كانت تركل بقدمها وتمسح وجنتها بعنف واشمئزاز وهي تترجى شخصاً ما بيأس من بين شهقاتها أن يبتعد عنها. لم يحتاج الأمر منه إلى أي جهد ذهني لمعرفة زائر حلمها، أو بالاصح كابوسها. استند بركبتيه فوق الأرضية الخشبية بجوار فراشها، ثم قام بهزها برفق هامساً اسمها بحزن.
انتفضت من نومتها وهي تصرخ وتزيح يده ليبتعد عنها
لم تكن تعلم كم كانت بحاجة للأمان إلا بعدما سمعت تلك الكلمات من فمه. لذلك وجدت نفسها دون وعي تدفن رأسها داخل صدره وتطلق العنان لسيل الدموع المحبوس داخل مقلتيها منذ عشر سنين. شد فريد من احتضان ذراعيه حولها كأنه يريد تخبئتها داخل ضلوعه ولا يخرجها مرة أخرى لتسكن بأمان بداخله. ظل يمسح على شعرها ويربت على ظهرها بحنان وهو يتمتم داخل أذنها بكلمات حانية حتى هدأت بين ذراعيه وذهبت في نوم عميق. تحرك ليستلقي بها فوق الفراش وهو لا يزال محتضنها بذراعيه وهي لازالت متمسكة بتيشرته الذي تبلل من كثرة دموعها.
لم يغمض له جفن ما تبقى من الليل. ظل يتأملها وهي متشبثة به كطفل صغير. ومع ظهور أول خيوط للشمس حاول التحرك من جوارها، فلديها زيارة عاجلة يجب عليه القيام بها حتى تخمد ناره قليلاً. ولكنها أجفلت في نومها بمجرد ابتعاده عنها وتمسكت أكثر بيديه، فعاد مرة أخرى لاحتضانها والتمتع بدفء جسدها حتى غالبه النوم.
في الصباح تململت بين ذراعيه، فأستيقظ على الفور بمجرد تحركها داخل أحضانه. فتحت عينيها ببطء فأصطدمت بزوجين ناعستين من العسل المصفى. أصبح الآن يعلم مناطقه المحظورة، لذلك مد يده في ثقة يزيح بعض خصلات شعرها المتمرّدة من فوق جبهتها. قالت ساخرة من هيئتها بصوت متحشرج ناعم من أثر النعاس:
- متتوقعش إني بقوم من النوم شعري بيرفرف حواليا زي أبطال القصص والروايات.
لم يعقب على حديثها بل أخفض يده حتى أطراف شعرها وأسر بعض خصلاته داخل كفه، ثم قربها من أنفه يستنشقه وهو مغمض العينين، ثم قام بتقبيله بنعومة قبل أن يحرره من قبضته. ارتبكت ملامحها من أثر فعلته، فحاولت إخفاء خجلها بسؤاله:
- هتسلم عزة للبوليس؟
أجابها بصوت أجش عميق:
- عشان خاطرك رغم إني مش موافق.
حركت عينيها بعيدًا عنه. وعندما أعادتها إليه مرة أخرى كانت تحمل بداخلها سؤال لم ولن تفصح عنه، ولكنه استشفه من بين جفونها بسهولة. ففهم نظراتها بالنسبة له أسهل من قراءة كتاب مفتوح. حرك ذراعه يمسك كفها بكفه في حنو بالغ، ثم قام بفردها برقة وبطء فوق موقع قلبه هامسًا بحب:
- لو تعرفي في قد إيه هنا حب ليكي هتفهمي إن ولا مليون جوازة قبلي تفرق معايا.
أنهى جملته ثم اقترب منها يطبع قبلة رقيقة فوق أرنبة أنفها قبل أن يفلت يدها ويتحرك نحو غرفته.
أغمضت عينيها تستمع لذلك الفراغ الداخلي الذي أصابها فجأة. فمنذ سنوات طويلة لم تشعر أن بداخلها فراغ مريح هكذا.
***
ترجل فريد من سيارته وأغلق جاكيت بدلته وأشار لكبير حراسه بعدم اتباعه. توقف أمام منزل حياة قارعًا الجرس برأس مرفوع. توقفت آمنة أمامه بقلق متسائلة بداخلها عن سبب تلك الزيارة الغريبة في الصباح الباكر. دلف فريد إلى الداخل متحفزًا وهو ينظر إليها من علياءه، ثم سألها باحتقار:
- جوزك فين؟
فتحت فمها لتجيبه ولكن أوقفها صوت زوجها يخرج من غرفته بمظهر مشعث ناعس. نظر نحو فريد وهو يتثاءب بقوة ثم قال بسخرية:
- نسيبك الباشا جاي يزورك من صباحية ربنا.
هز فريد رأسه موافقًا عدة مرات وهو يحرك يده ليفتح زر سترته، ثم قال وهو يتقدم نحوه بنبرة منخفضة:
- انت عارف ليه مدخلتش حد من الحرس معايا؟
نظر والدها نحوه ببلاهة يحاول حل تلك الإجابة، فاستطرد فريد حديثه قائلًا:
- عشان محدش ياخد حق مراتي غيري.
أنهى جملته ورفع يده المتكورة وبدأ يسدد لكمات متتالية في وجهه حتى صرعه أرضًا. صرخت آمنة بتوسل وهي تحاول رفع جسد فريد من فوق جسد زوجها المتهالك أرضًا، ولكن هيهات. ظل فريد يلكمه وهو يتمتم بحنق:
- انت بتستغل عدم وجودي وتجوزها لواحد ******؟
- أنا أضحك عليا يوم كتب الكتاب وتفكر تستغفلني؟
التقط والدها أنفاسه بصعوبة وهتف من بين أسنانه:
- هي بنت ال**** قالتلك؟
هدر فريد به بعصبية وهو يسدد اللكمات لوجهه مرة أخرى:
- متقولش عليها كده. خسارة إنها بنتك. انت متستاهلش بنت زيها. انت راجل *****.
ظل فريد يلكمه بغضب حتى خر فاقدًا وعيه. كانت آمنة تصرخ وتتوسل له ليتركه ولكن دون جدوى. تحرك فريد من فوق جسده ينفض يده من أثر الدماء بعدما تأكد من فقدانه للوعي، ثم استدار ليواجه آمنة قائلًا بتهديد:
- أنا صابر عليه عشانها. بس أقسم بالله لو ضايقها أو اتعرضلها بأي شكل لأرميه في السجن بقية حياته ومش هيهمني هو مين فاهماني؟
هدر بكلمته الأخيرة بعصبيته المعتادة مما جعلها تنتفض وتحرك رأسها موافقة دون حديث. خرج فريد صافقًا الباب خلفه تاركًا آمنة تحاول إفاقته بكل الطرق الممكنة.
***
لم يعد فريد في ذلك اليوم إلا في المساء. سلم كلا من مدبرة منزله والرجلين للمخفر، ثم بعدها تشاركا وجبة العشاء في صمت. كان يجلس عابسًا كأنه في عالم آخر. استغربت حياة من تغيره منذ الصباح وحاولت فتح فمها أكثر مرة لتسأله عما به، ولكن كان يموت السؤال فوق شفتيها. فكرت بضيق، أيعقل أنه ندم على تنفيذ رغبتها؟
أنهى وجبته وانسحب على الفور نحو غرفة مكتبه دون تبرير. شاركت حياة مساعدة السيدة عفاف في المطبخ، فبعدما سلم فريد عزة للمخفر، ارتمى الحمل بأكمله على كاهل تلك السيدة المسنة، فتطوعت حياة لمساعدتها في بعض الأمور حتى وصول مدبرة جديدة.
بعد التاسعة مساءً كانت حياة تجلس في غرفة المعيشة بعدما انسحبت عفاف إلى مخدعها. قُرع جرس المنزل فتوجهت حياة بنفسها لتفتحه. وجدت أمام الباب سيدة مسنة تجاوزت السبعين من العمر على أقل تقدير. ابتسمت لها العجوز ثم سألتها بحنان:
- حياة صح؟
ابتسمت لها حياة في المقابل ثم سألتها بأدب:
- أيوه صح، بس حضرتك مين؟
أجابتها الجديدة بنبرة مراوغة:
- فكري كده شوية. أنا عارفة إن ملامحي اتغيرت وإنتي كنتي صغيرة، بس معقول تنسي كلمة "حَيّو" من لساني؟
صرخت حياة بفرح وهي ترمي نفسها بداخل أحضانها قائلة بسعادة:
- تيتا سعاااااد! أنا آسفة معرفتكيش. نورتي البيت والمكان كله.
ربتت السيدة سعاد فوق ظهرها بحنو وهي تتمتم بشوق:
- وحشتيني يا حياة. ياه، إنتوا الاتنين من ريحة الغالية.
ابتعدت حياة عن حضنها ثم أخذت بيدها وهي تتمتم باحترام:
- يا تيتا لسه واقفة؟ اتفضلي ادخلي.
أنهت جملتها وهي تسحبها للداخل. ظهر من خلفها الحارس حاملاً حقيبة السفر، فطلبت منه حياة بوضعها في الداخل، ثم أغلقت الباب وهي لا تزال تحتضن يدها. خرج فريد على مصدر الصوت وسار في اتجاههم حتى توقف أمامهم بجسد متصلب. وضع كلتا يديه داخل رداء بنطاله، ثم تحدث بنبرة جافة متسائلًا ونظره مسلط فوق جدته:
- جيتي ليه؟ ما كان له داعي.
شهقت حياة بصدمة من طريقته الفظة في التعامل مع جدته، ولكنها أثرت الصمت. أجابته أم والدته في عتاب واضح:
- جيت بيت ابن بنتي يا فريد، ولا عندك كمان مانع؟
هز كتفيه بعدم مبالاة، ثم استدار بجسده عائدًا بإدراجه نحو مكتبه الذي اختفى به ثانية. شعرت حياة بالحزن والغضب من معاملته الجافة مع جدته والدة والدته. ولكنها سرعان ما استعادت مرحها واحتضنتها قائلة بترحيب:
- نورتينا يا تيتا. تعالي بقى نقعد هنا واحكيلي عن كل السنين اللي فاتت دي.
نظرت السيدة سعاد نحوها بشوق، ثم رفعت كفها تمسد شعر حياة وهي تقول بحزن:
- آه يا حياة لو تعرفي رحاب كانت بتحبك قد إيه؟ إنتي وفريد كنتوا عندها واحد.
أغرورقت عيون حياة بالدموع وأخفضت نظرها تقول بصوت متحشرج:
- وأنا كنت بحبها أكتر من أمي. ربنا يرحمها يا رب.
آمنت السيدة سعاد على دعائها ثم تحركا نحو الداخل.
قضت كلا من حياة والسيدة سعاد أمسيتهم في تحري أخبار كل واحدة الأخرى، فشعرت حياة بالدفء يملأ قلبها. شعرت أنها عادت طفلة من جديد عندما كانت عائلة فريد هي عائلتها أيضًا التي تمنحها الدفء والحنان، فتعوضها عن جفاء والدها وعائلتها. عند حلول المساء تقريبًا، بدأت السيدة سعاد في التثاؤب ثم طلبت من حياة بإرهاق:
- حياة يا بنتي تعالي طلعينى فوق ارتاح. الأ طريق السفر كان طويل عليا.
نفذت حياة على الفور، وفي الدقائق التالية كانت تقف أمام الغرفة المخصصة لزيارتها في الطابق العلوي وجانب غرفتها. اندفعت حياة تسألها بتهور:
- تيتا لو حضرتك تحبي تقضي الليلة معايا معنديش مانع.
سألتها الجدة سعاد مستنكرة:
- ليه يا بنتي؟ إنتي مش بتنامي مع جوزك؟
عضت حياة على شفتيها ولعنت غبائها بصمت. بماذا تجيب الآن؟ لن تخدع تلك العجوز الرائعة بقول الأكاذيب، لذلك أثرت الصمت ودلفت داخل غرفتها دون رد.
***
في الصباح الباكر دلفت السيدة سعاد إلى المطبخ وجلست بعدما رحبت بها عفاف. سألتها السيدة سعاد بترقب:
- ها يا عفاف، في جديد؟
أجابتها عفاف بهمس وهي مسلطة نظرها فوق الباب تراقبه:
- مفيش. من ساعة ما اتجوزوا وكل واحد في أوضة زي ما قلتلك. هما فاكرين إن محدش واخد باله.
صمتت قليلًا ثم أضافت بحزن:
- حتى اللي اتجوزت عزة دي لما لاحظت كده حاولت تبوظ الدنيا وتؤذي حياة، بس الحمد لله فريد بيه لحقها.
هزت السيدة سعاد رأسها بإحباط ثم تمتمت بصوت خفيض قائلة:
- كله يتحل إن شاء الله. المهم فريد صحي؟
أجابتها عفاف بحزن:
- مانتي عارفة اليوم ده بيعدي عليه إزاي! مبينامش أصلًا. تلاقيه في المكتب من بدري.
هزت السيدة سعاد رأسها بحزن ثم تحركت نحو الخارج دون إضافة.
انتهت حياة من ارتداء ملابسها وتمشيط شعرها وهمت بالخروج عندما أوقفها طرق خفيف فوق باب غرفتها. تحركت نحو الباب تفتحه فتفاجئت بجدة فريد تقف أمامها بحزن. استقبلتها بابتسامة واسعة وطلبت منها الدخول. دلفت الجدة سعاد تتفحص الغرفة جيدًا، ثم جلست بإرهاق فوق المقعد الوثير الموضوع بداخل الغرفة. نظرت إلى حياة مطولًا، ثم طلبت منها الجلوس. جلست حياة بترقب، فقد ظنت أنها سوف تسألها على سبب انفصال غرفهم، ولكنها باغتتها بسؤال آخر مستفسرة بحزن:
- حياة عارفة النهارده إيه؟
أجابتها حياة بقلق نافية:
- لا يا تيتا.
هو النهاردة إيه؟
أجابتها الجدة بعيون لامعة بالدموع:
- النهاردة ٨ نوفمبر.
شهقت حياة حزن وهي تضع كفها فوق فمها ثم تمتمت بخفوت:
- النهاردة سنوية ماما رحاب!
هزت الجدة رأسها بأسى ثم استطردت حديثها بغصة قائلة:
- عرفتي ليه فريد قابلني كده امبارح؟ كل سنة باجي أقول يمكن أخفف عنه يوم زي ده وكل سنة بيرفض إن حد يشاركه حزنه.
تنهدت بألم ثم أردفت حديثها قائلة:
- عارفة يا حياة رحاب ماتت إزاي؟
أجابتها حياة بنبرة حزينة:
- ماما رحاب ماتت بسكتة قلبية، الله يرحمها.
حركت السيدة سعاد رأسها نافية ثم أضافت مفسرة:
- آه رحاب ماتت بالسكته القلبية بس على إيد غريب وقدام عيون فريد.
شهقت حياة بصدمة وأخفت فمها بكفها وقد بدأت الدموع تتجمع داخل مقلتيها. استطردت السيدة سعاد ذكرياتها وهي تنظر إلى نقطة ما فوق كتف حياة كأنها ترى الذكريات أمامها:
- كان فريد عنده ١٢ سنة. وفي يوم زي ما كان غريب بيضرب رحاب كعادته أخد منها الدوا بتاعها ونزل فيها ضرب لحد ما قلبها وقف ومرضاش يجبلها دكتور أو يسعفها. فريد شاف وحضر كل ده. ولما وصلت الصبح على الخبر حكالي وكان مرعوب من تهديد غريب ليه. بس غريب الله يسامحه وقف بكل قوته قدام كلامي وكلام فريد وهو طفل صغير وعرف بنفوذه وقتها يداري على الحكاية كلها. واندفنت رحاب بتقرير طبي شرعي إن سبب الوفاة طبيعي.
استمعت حياة إلى حديث جدته ودموعها تفيض من داخل عينيها حزنًا على ما لقاه فريد في صغره وبمفرده. أكملت الجدة سعاد حديثها الموجه لحياة مستفسرة:
- انتي فكرك إن الموضوع خلص على كده؟ ياريت كنت قلت خلاص، أمانة ورجعتله وربنا عوضني بابنها أربيه وأخده في حضني. بس غريب رفض وأنا على قدي مليش لا حول ولا قوة وعرف ياخد مني فريد بسهولة. وراح يعيش معاه في بيت جيهان اللي كانت بتكره فريد كره العمى وبتحاول تخلص منه بأي طريقة ممكنة. لحد ما وصل بيها الأمر إنها كانت بتحط لفريد في الأكل دوا يسببله ضمور في عضلات القلب عشان يحصل رحاب.
انتفضت حياة من مجلسها غير قادرة على استيعاب ما يقال لها الآن. أردفت السيدة سعاد مكملة حديثها:
- بعد ما رحاب ماتت فريد صمم يلعب كل ألعاب الدفاع عن النفس وكان بيموت نفسه في التمارين. هو كان فاكر إن محدش فاهم هو بيعمل كده ليه. بس أنا كنت عارفة إنه بيعمل كده عشان يحمي نفسه. وفي يوم طلبوا منه يعمل تحاليل روتينية فاكتشفوا الدوا في دمه. الحمدلله لحقوه وغريب ساعتها كان أضعف من إنه ياخد موقف من جيهان، ففضل إنه يبعد ابنه عنها. بحجة التعليم والعلاج سافر فرنسا ورماه هناك في مدرسة داخلية لوحده من غير أب ولا أم ومرجعهوش غير وهو عنده ٢٢ سنة. بعدها فريد رجع بالشكل اللي إنتي شايفاه ده. كل أحواله مقلوبة وجواه غضب يمحو الدنيا كلها. لا بيعمل حساب لحد ولا بيهمه حد. ولا بيشفق على حد. وعلى قد ما بتقهر على حاله على قد ما بعذره من اللي شافه. على قد ما بدعي ربنا يريح قلبه ويرجع فريد بتاع زمان.
ارتمت حياة فوق الفراش بذهول. يا الله! اللعنة عليها وعلى غبائها. لم يتركها بإرادته. ولم يتخلى عنها. ولم ينتهِ الأمر على ذلك بل عانى أكثر منها. لقد حاولت زوجة والده تسميمه وهو طفل صغير. شعرت بقلبها يتمزق حزنًا وألمًا عليه. أخفت وجهها داخل كفيها وأخذت تبكي بصمت على ما حل برفيق عمرها. تحركت السيدة سعاد من مقعدها وربتت على كتف حياة بحنان قبل أن تتركها وتذهب.
***
ظلت حياة طوال يومها تتحرك بتوتر محاولة رؤيته أو الاطمئنان عليه ولكنه ظل حبيس غرفة مكتبه دون خروج. في المساء قررت رؤيته وليحدث ما يحدث لها. وقفت أمام المكتب وزفرت عدة مرات مشجعة نفسها ثم أدارت مقبض باب مكتبه ودلفت للداخل بعدما أغلقت الباب خلفها مرة أخرى. كان الظلام يعم الغرفة لذلك انتظرت قليلاً حتى اعتادت عينيها على الظلام ثم تحركت في اتجاهه عندما لمحته يجلس بحزن فوق الأرضية مسندًا رأسه وظهره فوق الحائط خلفه وواضعًا كلتا ذراعيه فوق ركبتيه. تحركت تجلس بجواره بهدوء واتخذت نفس وضعيته. ظل الصمت سيد الموقف حتى استجمعت حياة شجاعتها وتحدثت بتوجس محاولة فتح حديث معه:
- تيتا سعاد قالتلي إنك مش بتحب حد يكون معاك بس إنت عارف كويس أنا مش بعرف أسمع كلام حد.
لم يصدر منه أي رد فعل حتى ولو بسيط كأنها تتحدث إلى جماد. حسنًا، هذا ما كانت تتوقعه، فهو في العادي قليل الكلام. فكيف بتلك الليلة؟ بلعت لعابها بقوة ثم استطردت حديثها وهي تدير رأسها في اتجاهه تنظر إليه قائلة بصوت خفيض:
- إنت عارف ليه أنا طلبت منك تسلم عزة للبوليس ومتتعاملش معاها إنت؟
استطاعت جذب انتباهه. فحرك رأسه جانبًا ببطء لينظر إليها بصمت. تحركت في جلستها حتى أصبحت تقابله وشبكت قدميها معًا. ثم أضافت وهي ترفع ذراعها تحتضن بكفها كفه الممدودة فوق ركبته قائلة:
- عشان ماما رحاب.
رفع إحدى حاجبيه ينظر إليها باستنكار. هزت رأسها له عدة مرات موافقة ثم أردفت قائلة بحنان:
- أيوه عشان ماما رحاب. عشان أنا عارفة ومتأكدة إنها لو كانت عايشة مكنتش هتحب إنك تضيع وقتك ولا تتعب قلبك في الانتقام. وأكيد هي دلوقتي حاسة بيك وفخورة باللي إنت عملته حتى لو كان حاجة بسيطة أكيد هي فرحانة زي ما أنا كمان فرحت.
نظر لها مطولًا باندهاش ثم تحرك فجأة يحيط عنقها بكفه ليدنيها منه وفي اللحظة التالية التهم شفتيها بين شفتيه في قبلة متطلبة. اتسعت حدقتا حياة بدهشة فقد باغتها على حين غرة منها ورفعت كفيها التي استقرت فوق صدره لتدفعه قبل أن تسقط مقاومتها من نعومة وشغف قبلته.
رواية متى تخضعين لقلبي الفصل الثالث عشر 13 - بقلم شيماء يوسف
متى تخضعين لقلبى
الفصل الثالث عشر ..
حرر فريد شفتيها من بين شفتيه ببطء وابتعد عنها قليلاً حتى يتسنى له رؤيتها وهو يلهث بقوه ، زاغت عيونها وارتبكت نظراتها ولم تدرى ما الذى يجب عليها فعله فهو شعور لم تختبره فى حياتها من قبل ، كانت هناك لمحه من فريد القديم تطل من داخل عينيه هى التى كبلتها ومنعتها من التحرك ، اغمضت عينيها لبرهه وعضت على شفتيها فى محاوله منها لإيجاد مقاومتها المسلوبه ، ثم دفعته بكفيها المرتعشتين وركضت نحو الخارج ، ركضت دون توقف حتى وصلت غرفتها وأغلقت الباب خلفها واستندت بجسدها عليه ، وضعت كفها فوق قلبها لتهدء تلك الخفقات المتسارعة التى اصابته ، كيف حدث هذا ، عنفها عقلها بقوه ، كيف سمحت له ، وجدت يدها ترتفع تلقائياً نحو شفتيها تتلمسها بحذر ، اغمضت عينيها تتذكر تلك القبله ومدى روعتها لقد كانت ناعمه ومتطلبه بشكل يخطف الانفاس ، هذا ما برره قلبها ، هزت رأسها بقوه لنفض تلك الافكار من داخل راسها ، وتحركت لتبدل ملابسها وتستلقى فوق الفراش محدقه فى سقف الغرفه ، ظل عقلها وقلبها فى صراع طيله الليل ، بداخلها تمنت لو عادت تجربه ذلك الشعور المثالى مره اخرى وعقلها أعاد ارتباك قلبها بسبب وسامته وقوته فهو فى النهايه يعتبر مكتمل الرجوله حتى لو رفض هو الاعتراف بذلك علنياً .
***********
قضت حياة اليوم التالى بأكمله وهى تتهرب منه ، حاولت بقدر الامكان عدم رؤيته او الاحتكاك به وعندما كانت تشاركهم وجبات الطعام وهذا فقط من اجل الجده سعاد ، كانت تهرب بنظراتها منه قدر المستطاع ، الامر الذى استمتع به فريد كثيراً ، كان يتطلع إلى ارتباكها وهروب نظراتها بعيداً عن عينيه بسعادة ، كم اراد قربها واختبار ذلك الشعور مره اخرى .
اما عن حياة فأنتهزت فرصه وجود الجده سعاد داخل المنزل واستولت على المطبخ ، فى الحقيقه بعد معرفتها بمحاوله زوجه والده لتسميمه إلى جانب اصابتها هى شخصياً تمنت لو تتولى هى مهمه إعداد الطعام لضمان سلامته ولكن الجده سعاد طمأنتها انها تستطيع الثقه فى عفاف كثقتها بها شخصياً فوافقت حياة مجبره وبداخلها تنتوى تولى تلك المهمه كلما سنحت لها الفرصه .
**************
فى تلك الليله عاد فريد من مكتبه باكراً فوجدها تحتل المطبخ بجانب جدته وأصوات مرحهم تملئ المنزل ، تناول عشاءه وتوجه مباشرةً نحو مكتبه فيبدو ان لديه الكثير من العمل المتراكم ، هذا ما فسرت به حباة انسحابه عندما سألتها الجده عن سبب غيابه .
بعد حوالى الساعتين خرج فريد من غرفه مكتبه وهو يتمطى بأرهاق متسلقاً اولى درجات الدرج ومنه إلى غرفته لتبديل ملابسه والدخول لغرفه الرياضه عندما سمع صوت ضحكاتها تدوى بسعاده آتيه من داخل المطبخ ، أستدر بجسده وعاد ادراجه متوجهاً نحو المطبخ لرؤيتها فهو على استعداد لدفع الكثير ليسمع او يرى تلك الضحكات موجهه إليه ، وصل إلى المطبخ واستند بجسده على حافه مدخله يتأملها وهى جالسه فوق الطاوله تضع علبه من الشيكولاته بين فخذيها وتتتناول منها بسعاده ، لمحته جدته اولاً فتنحنح ثم سألها بجديه ملعناً عن وجوده :
-انتو بتعملوا ايه كل ده ؟!..
ارتبكت حياة من سماع صوته الرخيم ولكنها قررت تجاهل وجوده والتصرف كأنها لا تراه ، اجابته جدته بسعاده قائله :
-حياة صممت نعمل كيكه شيكولاته قبل ما ننام .. حظك حلو جيت فى وقتك عشان تاكل منها ..
نست حياة ارتباكها وقرارها واندفعت تجيب الجده سعاد قائله :
-فريد مش بياكل الاكل بتاعنا ده يا تيتا ريحى نفسك ..
حك فروه رأسه بمرح ثم حركها موافقاً على حديثها وهو يعتدل فى وقفته ثم بدء يتقدم منها ببطء ، لاحظت السيده سعاد ارتباك نظراتهم فأثرت الانسحاب بهدوء بحجه البحث عن هاتفها المحمول
اقترب فريد من الطاوله الجالسه عليها واستند بكفيه ماداً ذراعيه بجوارها كأنها يحاصرها ثم انحنى بجسده نحوها فأصبح فى نفس مستواها وعلى بعد خطوه واحده منها ، سألها بصوت أجش مستفسراً:
-كنتى بتقولى ايه ؟!..
شعرت حياة فجأه بارتفاع درجه حراره المطبخ من حولها وأرجعت ذلك للفرن المشتعل ، فكرت بالقفز من فوق الطاوله والهرب ولكن ذراعيه الممدوان على جانبيها سيعيقان تحركها لذلك اجابته بتعلثم قائله :
-انت .. دادا عفاف .. يعنى انت ..
قال فريد ليحثها على التحدث وهو يقترب اكثر من وجهها هامساً :
-اها انا ..
ابتلعت لعابها بقوه ثم استطردت قائله بصوت خفيض:
-قصدى يعنى ان دادا عفاف قالتلى انك مش بتاكل اى حاجه من دى ..
اجابها فريد بصوت أجش قائلاً بمرح :
-انا فعلا مش باكل غير الاكل الصحى بس الشيكولاته دى مغريه بشكل يخلينى مقدرش ارفضها ..
انهى جملته وامال رأسه نحو الملعقه المملوءة بمعجون الشيكولاته والتى كانت حياة ترفعها نحو فمها وتوقفت عن إكمال فعلتها منذ حاصر جسدها بذراعيه ليلعق بعض من الشيكولا منها ، تسمرت بذهول وفتحت فمها فى ببلاهه وهى تنظر إليه حركته بأندهاش ، ابتسم لها ابتسامه مستمتعه وهو يرى حاله الذهول التى انتابتها فأضاف هامساً وهو يقترب منها :
-بس الشيكولاته اللى هنا احلى بكتييير ..
انهى جملته واقترب بشفتيه يلعق ببطء شفتها السفلى والشيكولاته العالقه فوقها ، ارتبكت حياة وافلتت الملعقه المليئه بمعجون الشيكولا فوق فتحه عنقها وملابسها ، ابتعد عنها على ببطء ثم قال مازحاً بأيحاء وهو ينظر إلى عنقها :
- المره الجايه خلى بالك عشان انا ممكن الحس الشيكولاته من اى حته ..
انهى جملته ثم انصرف بعد ان غمز لها بعينه ، تاركها متسعه العينين تنظر بذهول وبلاهه من فعلته الجريئة .
************
خلال الايام التاليه كل ما كان يشغل تفكير فريد هو مساعده الشرطه للوصول إلى تلك المدعوه سيرين التى بدت بالنسبه لهم كالأشباح ، ففعلياً بعد التحرى الدقيق من جهته شخصيا وجد ان هذا الاسم برقم الهاتف يعود إلى سيده متوفيه ولكنه اقسم بأنه سيصل إليها مهما كلفه الامر ، اما عن نجوى فكانت تشتعل غيظاً من فشل مخططها حتى انها لم تستطع اصابه حياة بأى اذى ولو بسيط إلى جانب أيشاء ذلك الوغد المسمى سيد بها ، بالطبع استطاعت معرفه ذلك من خلال بعض الرشاوى التى قامت بتقديمها لبعض الرجال من داخل الحبس وحمدت ربها كثيراً انها استطاعت التخفى جيداً فلازال فى جبعتها الكثير من الامور لفعلها والتخلص من حياة .
*************
عادت نيرمين من الخارج ليلاً فوجدت والدتها لازالت تجلس فى غرفه المعيشه بجمود ، اقتربت منها تطبع قبله فوق وجنتها وتحتضن رقبتها بقوه وهى تتمتم بمرح :
-ايه يا جيجى القمر لسه زعلان ؟!..
اجابتها جيهان بحنق :
-سبينى يا نيرو انتى مش حاسه بحاجه ..
صمتت قليلاً ثم اضافت بغل وعينيها تطلق شرراً قائله :
-اه يا نارى .. انا ابن الخدامه ده يجى ويعمل كده فيا وفى بيتى كمان !! لا والانيل ان ابوكى ولا عرف ينطق قصاده ..
عادت تستند بجسدها إلى ظهر الكتبه الوثيره وتضع ساق فوق الاخرى قائله بتوعد :
-بس هيروح منى فين .. مبقاش جيهان السكرى لو مدفعتهوش التمن غالى هو وحته الخدامه اللى متجوزها دى .. اه بس لو اعررف مين اللى عمل فيها كده كنت ارتحت ..
اجابتها ابنتها قائله بتفكير :
-يا مامى مش مهم مين اللى عمل كده .. المهم نشوف هنخلص منهم ازاى سوا ..
اتسعت عينى جيهان بمكر وهى تتمتم بنبره منخفضة :
-لازم حد يساعدنا ويكون قريب منها عشان نخلص منها مره واحده ..
سألتها نيرمين بترقب وحماس :
-قصدك مين يا مامى ؟!!..
اجابتها جيهان وهى تحرك رأسها بتصميم :
-هتعرفى بس بعدين .. والمهم نخطط بهدوء وروووواقه عشان الضربه تيجى صح .
**********
رحلت الجده سعاد عائده إلى منزلها مره اخرى بعدما وعدت حياة التى حزنت كثيراً لذهابها بزيارتهم فى القريب ، وفى المساء وبينما كان فريد جالساً فى مكتبه كعادته كل ليله اندفعت حياة بعصبيه داخل المكتب دون استئذان وأغلقت الباب خلفها ووقفت امامه تسأله بغضب وقد عقدت ذراعيها فوق صدرها فى وضع استعداد سائله بحده :
-انت رحت عند بابا وماما !!!!...
تحرك فريد من مقعده حتى وقف امامها ثم زم شفتيه معاً للأمام وهى يحرك كتفيه بعد اهتمام قائلاً ببرود :
-اها ..
زفرت بغضب من رد فعله الامبالى ثم سألته بعصبيه :
-ومين قالك تعمل كده ؟!..
أغضبه عصبيها ورد فعلها وهو قد فعل ذلك من اجلها فاجابها بنبره حاده جعلتها تتراجع قليلاً :
-حيااااااة !!! وانا من امتى بستنى حد يقولى اعمل ايه ..
ابتلعت ريقها وقالت بنبره مرتبكه :
-انت عارف قصدى كوووويس .. انا مكنتش عايزه كده !!..
اجابها فريد بأستفزاز :
-وانا مكنتش هخليه يعدى باللى عمله ده واحمدى ربنا عشان انا اعتبر معلمتش فيه حاجه ..
اجابته بنبره حاده يائسه :
-فريد مينفعش برضه ده ف الاخر بابا !!! ..
هدر بها محذراً بنبره ارعبتها :
-حياة مش عايز كلام فى الموضوع ده كتير ..
تمتمت بحنق وهى تنظر نحوه قائله :
-وانا مش تحت امرك على فكره عشان تسكتنى وقت ما تحب ..
هدر بها بعصبيه وهو يضغط على شفتيه بقوه :
-حيااااااااااة !!!! ..
تراجعت عن الحديث ثم اخذت تتمتم بحنق قائله بصوت خفيض
-مغرور ومستبد وانسان مستفز على فكره..
نظر لها مطولاً ثم اجابها ببرود لآثاره حنقها :
-حظك وهو ده اللى عندى ..
تحرك بجسده نحو الباب بعد انتهاء جملته ثم قال بنفاذ صبر وجمود :
-يلا اتفضلى على اوضتك ..
رفعت رأسها بكبرياء ثم اجابته بنبره حاولت اخراجها قدر الامكان ثابته :
-مش هطلع انا هاخد روايه اقعد اقراها هنا ..
تبدل مزاجه على الفور ورفع حاجبه ينظر إليها محاولاً كتم ضحكته من تمردها الطفولى ثم اجابها بنبره جامده :
-براحتك .. بس اعملى حسابك متناميش هنا عشان مش ناوى اشيلك اتفقنا !!..
ضربت قدمها بالأرض من شده الغيظ ثم اجابته بحنق قائله :
-محدش قالك تشيلنى على فكره .. وبعدين انا افضل يحضنى قطر عنك ..
رفع احدى حاجبيه بأستنكار ثم استدار بجسده يتقدم منها حتى توقف امامها وانحنى بجزعه نحوها فأصبح وجهها على بعد حركه واحده منه ، ثبت نظره فوق فمها ثم مال برأسه جانباً وهو يحرك شفتيه بالقرب من شفتيها حتى كادت تلامسهما، انفرجت شفتيها فى حركه تلقائيه منها واسبلت عينيها وهى تراه بذلك القرب منها ، تحولت النظره فى عينيه إلى ابتسامه عابثه ثم قال لها بنبره هامسه مثيره :
-متخافيش ومتتحمسيش مش هشيلك حتى لو طلبتى ..
عادت إلى وعيها فور سماعها لجملته ورفعت نظرها تنظر إليه بصدمه ممزوجه بغضب اما عنه هو فابتعد عنها وعلى شفتيه ابتسامه عريضه من الرضا ، مسحت حياة شعرها وجهها بكفيها ونفضت راسها يميناً ويساراً ثم اتجهت نحو احد الرفوف تلتقط منه احد المجلدات بعصبيه وهى تتوعد له .
***************
امتلئت السماء بالغيوم وبدء الرعد يدوى فى الخارج ، خرج فريد بعد الانتهاء من تمارينه الرياضيه وهو يتسائل بقلق هل لازالت تخشى صوت الرعد ام انه مجرد رعب طفولى قديم انتهى مع مرور الوقت ، اتجه نحو غرفه مكتبه وهو على يقين انها ستعانده وقد كان ، كان ضوء الغرفه الخافت يتسلل من عُقب الباب فعلم انها لازالت بالداخل ، دلف الغرفه فوجدها غافيه فوق الاريكه وجسدها مقابل لها و ذلك الكتاب الذى كانت تقرأه ملقى فوق عنقها ومقدمه صدرها بعشوائية ، يبدو انها سيحسد تلك الكتب كثيراً بعد ، هذا مافكر به بسخريه وهو ينحنى بجزعه نحوها ويضع ذراعيه أسفل ركبتيها ليرفعها بخفه إلى داخل احضانه ، تململت هى فى نومتها واستدارت تواجهه وتشبك ذراعيها حول عنقه بقوه لتتمسك به ثم تمتمت بنبره ناعسه وهى تحك انفها داخل تجويف عنقه :
-انا لسه متعصبه منك ..
رفع حاجبه بأندهاش من جملتها ثم احنى رأسه قليلاً ليرى وجهها فوجدها لازالت مغمضه العينين ، اجابها بأستمتاع قائلاً :
-عارف ..
استطردت حديثها قائله بنبره طفوليه معاتبه :
-انت اتعصبت عليا على فكره ..
ابتسم داخلياً وقد تذكر طفولتهم عندما كانت تقوم بشئ ما خاطئ ويعنفها من اجله كانت تتركه وتركض بعيداً عنه ثم بعد قليل تعود لتجلس بجواره وتشتكى له من معاملته الحاده معها ، اذا طفلته قد عادت لتصرفاتها القديمه ، رفع ذراعيه ليضمها اكثر نحو صدره ثم زفر بأستسلام قائلاً بيأس :
-حياة .. عنادك ده هيجننى فى يوم ..
اجابته بنبره طفوليه مجادله :
-انا مش عناديه انت اللى مش بتسمع غير لنفسك وبتحب تعمل اللى فى دماغك وبس ..
توقف عن السير ورفع كلتا حاجبيه معناً بأستنكار وقد تشنجت ملامحه بحنق ثم حدثها آمراً مغيراً مجرى الحديث :
-افتحى الباب ..
فى بدء الامر لم تستوعب طلبه لذلك فتحت عينيها لتنظر حولها فتفاجئت به قد وصل إلى غرفتها دون ان تشعر بذلك ، مدت كفها تدير مقبض الباب ثم قام هو بدفعه بقدمه قبل توجهه بها نحو الفراش ليضعها على حافته ثم انحنى مستنداً بركبه واحده فوق الارضيه يحل بصمت رباط حذائها ويخلعه، تنهدت هى بحزن حقيقى ثم أردفت قائله بأحباط :
-مكنتش عايزاه يكرهنى اكتر ..
توقفت يده عن العمل ثم رفع رأسه ينظر إليها بصدمه فقد فاجئه شعورها واحزنه إحباطها ، تنهد بضيق ثم مد أصابعه يتلمس جبينها بحنو ويزيح بعض الخصلات من فوقه ثم اجابها بصوت رخيم هادئ :
-لو كرهك صدقينى دى مشكلته هو وهو الخسران ..
هزت رأسها ببطء موافقه كأنها كانت تنتظر سماع تلك الكلمات لتطمئنها ، فى ذلك الوقت دوى صوت الرعد مره اخرى فأجفل جسدها وتمسكت يدها بياقه قميصه ، تمتم لها هامساً ليطمئنها :
-هششش متخافيش انا هنا ..
عضت على شفتيها وإجابته كاذبه متظاهره بالشجاعه :
-مش خايفه انا بس اتخضيت ..
التوى جانب فمه بأبتسامه جانبيه فهو يعلم جيداً ومنذ الصغر مدى رعبها من صوت الرعد ولكنها تعاند امامه ، اجابها بسخريه ليستفزها قائلاً :
-طب سيبى التيشرت عشان اقوم ..
اتسعت حدقتيها بصدمه وافلتت يدها مسرعه بأرتباك قائله :
-مكنتش مسكاها قصد على فكره !!..
فتح فمه ليجيبها ولكن أوقفه صوت الرعد الذى دوى مره اخرى بقوه اكبر من المره السابقه فانتفضت من نومتها وهى تصرخ برعب وتتعلق بعنقه ، دوت ضحكته عالياً ثم قال لها هامساً باستسلام :
-تعالى ..
انهى آمره واستلقى فوق الفراش بجوارها يحيط خصرها بذراعه ويجرها نحوه ، رفعت نظرها تنظر إليه فقاطع نظرتها متوسلاً بأرهاق وبنبرة خفيضه للغايه :
-حياااة .. انا تعبت وعايز انام كفايه مجادله النهارده ..
هزت رأسها طائعه بصمت ، ابتسم لها مطولاً ثم اقترب منها وطبع قبله حانيه فوق جبهتها ثم اخفض راسه ببطء وطبع واحده اخرى فوق ارنبه انفها واخيراً قبله خاطفه ناعمه فوق شفتيها ثم تمتم لها هامساً :
-تصبحى على خير وفى حضنى ..
اجابته هامسه وهى مغمضه العينين قبل ان تذهب فى نوم عميق داخل احضانه
-وانت من اهله .
فى الصباح استيقظت حياة فوجدت الفراش بجوارها بارد ، تحركت إلى الاسفل بعدما اغتسلت وارتدت ملابسها تسأل عفاف بأهتمام :
-دادا هو فريد فين ؟!..
اجابتها عفاف بأنشغال :
-فريد بيه اتحرك من الصبح وقالى لو حضرتك سالتى عنه اقولك انه خرج ..
هزت رأسها موافقه فاستطردت عفاف متسائله :
-تحبى احضرلك الفطار هنا ولا فى السفره ..
اجابتها حياة باحباط قائله :
-اى حاجه يا دادا مش فارقه ..
تناولت حياة فطورها وانقضى يومها دون اى فعل يذكر لذلك شعرت لاول مره بأفتقداها لوجوده داخل المنزل ، فى المساء عاد فريد إلى المنزل وتوجهه مباشرةً نحو غرفه مكتبه دون تبديل ثيابه طالباً منها تناول العشاء بمفردها فلديه الكثير من العمل المتراكم خصوصا مع اقتراب نهايه العام ، عادت حياة إدارجها مره اخرى حيث المطبخ لتناول وجبتها بمفردها ، حينها رن جرس الهاتف الداخلى للفيلا الموجود داخل المطبخ أجابت عفاف على الحارس الأمنى ثم أردفت بحماس قائله :
-ايوه طبعا دخلها انت لسه هتسأل !!..
سألتها حياة بفضول قائله :
-فى حاجه يا داد ؟!..
اجابتها عفاف وهى تتجه نحو الاستقبال :
-دى الانسه جميله بنت عم فريد بيه وصلت دلوقتى من إنجلترا ..
اكملت عفاف حديثها وهى على عتبه المطبخ قائله باستعجال :
-هروح ادى خبر لفريد بيه واستقبلها ..
اومأت حياة رأسها لها موافقه وتحركت فى اثرها تمسح يدها وفمها وتستعد هى الاخرى لاستقبالها ، كانت فى طريقها للخارج عندما سمعت صوت صراخ انثوى ناعم ينطق اسم فريد بدلال ، تقدمت مسرعه فوجدت فريد يحتضنها بدفء ويربت على ظهرها بحنان وعلى شفتيه شبح ابتسامه هادئه ، تفاجئت حياة من رد فعله فهى لم تراه يتعامل بود مع اى حد من قبل سواها بالطبع ولم تدرى لم اثار ذلك حنقها
تحركت نحوهم حتى توقفت بجواره ، استدار فريد بعدما افلت جسده من ذراع جميله ناظراً إليها ثم قال بنبره عاديه :
-حياة .. دى جميله بنت عمى .. جميله دى حياة مراتى ..
صرخت جميله بأندهاش قائله :
-لا مش معقووول .. واتجوزت كمان !! ومن غيرى ومن غير ما حتى تقولى مع انى دايما بكلمك !..
ابتسمت حياة لها ابتسامه باهته ثم تمتمت بنبره خفيضه لم يلتقطها احد :
-شوفى ازاى !!..
سألتها جميله مستفسره :
-معلش مسمعتش ؟!..
اجابتها حياة مصححه بحنق :
-بقول مينفعش نفضل واقفين هنا اكيد راجعه من سفر تعبانه وعايزه ترتاحى ..
بأدلتها جميله ابتسامتها المصطنعة بابتسامه واسعه مشرقه ثم قفزت تتمسك بذراع فريد الموضوع داخل جيوبه تدفعه وتحثه على السير معها قائله بسعاده :
-لا ارتاح ايه .. انا عايزه اعرف كل حاجه بالتفصيل ..
حرر فريد ذراعه من قبضتها ثم قال بنبره جافه :
-لا انتى فاضيه وهتاكلى دماغى وانا مش ناقص وجع دماغ .. انا داخل اكمل شغلى ومش عايز ازعاج ..
انهى جملته محذراً قبل ان يختفى نحو الداخل ، اما عن حياة فتفاجئت من جميله التى قفزت تحتضنها بسعاده وحدثتها بنبره مختنقه من شده الحماسه :
-حياااة انا فرحانه اوى ان اخيراً فريد لقى واحده تخليه يستقر .. تعالى احكيلى كل التفاصيييل ومتسبيش تفصيله واحده ..
استدارت حياة براسها تنظر نحوها متشككه ولكن روح جميله المرحه جعلتها تستسلم وترضخ لطلبها .
*************
كانت جميله فتاه اسماً على مسمى تبلغ من الأعوام ٢٣ عاماً كانت تعيش مع والديها فى إنجلترا قبل وقوع حادث سيراليم منذ خمس سنوات راح ضحيته والديها معاً ، ومنذ ذلك الوقت وتولى غريب مسئوليتها ، كانت الاقرب لفريد فى العائله أوبالآدق الأكثر حباً له لذلك كان يعاملها كأنها اخته الصغيره بصرف النظر عن حماسها الزائد وثرثرتها طوال الوقت .
قصت حياة على مسامع جميله تفاصيل زواجهم دون التطرق لمرحله الاجبار ، تنهدت جميله بحراره ونظره حالمه وهى تتعجب كم ان روايه حياة رومانسيه فما احلى من حب الطفوله ؟.
بعد منتصف الليل اصرت حياة على جميله التى قاومت بشده تناول الطعام ولكنها رضخت فى اخر الامر لرغبه حياة ، بعد قليل بدءت تشعر بتوعك فطلبت من حياة على عجاله الذهاب إلى غرفتها ، تحركت حياة معها إلى احدى الغرف المخصصه للضيوف وكانت على وشك الخروج عندما شعرت بحركه عنيفه خلفها ، استدارت لترى جميله تركض باتجاه المرحاض وهى واضعه يدها فوق فمها ، دلفت واغلقت الباب خلفها غافله عن حياة التى عادت تنتظر امام الباب بقلق ، خرجت جميله بعد قليل تمسح فمها بباطن كفها واليد الاخرى موضوعه فوق معدتها وتتحرك بوهن ، سألتها حياة بقلق :
-جميله انتى كويسه ؟!..
حاولت جميله التحامل على نفسها وإخراج نبرتها طبيعيه قدر الامكان فأجابت حياة وهى تبتسم لها بأرهاق وجهه شاحب :
-اه انا الحمدلله كويسه متقلقيش ..
اجابتها حياة معترضه :
-مقلتش ازاى وانتى وشك اصفر كده ؟!..
اجابتها جميله محاوله التظاهر بالقوه قدر الامكان وقد شعرت بالغثيان يعود إليها مره اخرى وبشكل اقوى :
-انا كويسه صدقينى .. تلاقينى بس اخدت ب.....
لم تنهى جملتها فقد شعرت انها سوف تتقيأ مره اخرى وفوق الارضيه لذلك ركضت إلى المرحاض ثانيةً ، ركضت خلفها حياة ومنعتها من إغلاق الباب خلفها وظلت تنظر إليها برعب وتفكيرها يأخذها إلى منحيات اخرى ، هزت رأسها رافضه ، فعفاف هى من قامت بتحضير الطعام ، ولكن ما حدث معها اضافه إلى ما عرفته من الجده سعاد عن محاوله تسميم فريد جعلها مرتابه نحو الجميع ، ولكنها تناولت من نفس الطعام دون حدوث مشكله حتى الان ، هذا ما فكرت به وهى تحاول التوصل لقرار ، اخرجها من شرودها نوبه قئ اقوى اصابه جميله فتحدثت حياة برعب حقيقى قائله :
-انا هبلغ فريد يجيب دكتور ...
صرخت جميله بحده معترضه :
-لا دكتور لا انا كويسه ..
عارضتها حياة قائله بتوتر :
-كويسه ازاى !! ده انتى شويه وهيغمى عليكى !! خلي الدكتور يجى ويطمنا ..
انهت جملتها واستدارت بجسدها متوجهه نحو الخارج ، ركضت جميله خلفها بقوه لتمسك بها مما جعلها تترنح من حركتها المفاجئه ، تمسكت بطرف رداء حياة وهى على وشك السقوط ، ارتاعت حياة من مظهرها الشاحب فاستدارت تدعم جسدها بذراعيها وتتحرك بها نحو الفراش لتجلسها فوقه وهى تمسح فوق شعرها بحنان وتقول مطمئنه بنبره دافئه :
-متخافيش انا هنزل ثوانى اخلى فريد يكلم الدكتور وارجعلك ..
تمسكت جميله بكف حياة بقوه تمنعها من الحركه وقد بدءت دموعها فى التساقط فوق وجنتيها وهى تتمتم بتوسل :
-لا الله يخليكى فريد دلوقتى لا .. بلاش دكتور ..
اجابتها حياة بعدم فهم :
-طب اهدى بس .. انتى بتخافى من الدكاتره طيب ولا ايه ؟!..
اجابتها جميله ونحيبها فى تزايد قائله بنبره هامسه :
-انا حامل ..
شهقت حياة ورفعت كفها لتغطى به فمها وهى تتحرك للخلف ، استطردت جميله قائله برعب :
-لو فريد عرف هيقتله ..
هزت حياة رأسها يميناً ويساراً بعدم استيعاب فالخبر وقع فوقها كالصاعقة ولا تدرى ما الذى يجب عليها فعله ، تحركت ترتمى بجسدها فوق اقرب كرسى وهى تحاول ايجاد صوتها لتسألها بهمس :
-من امتى ومين ابوه ؟!..
هزت جميله راسها نافيه ورافعه كفها المرتعش تمسح دموعها ثم اجابتها بصوت خفيض قائله :
-انتى فهمتى غلط .. انا متجوزه وجواز شرعى ..
رفعت حياة رأسها لتنظر إليها بدهشه ثم سألتها بعدم فهم :
-متجوزه !! بس دادا عفاف قالت انك آنسه !! انا مش فاهمه حاجه !!..
اجابتها جميله وهى تبتلع لعابها بصعوبه قائله بتوسل :
-انا هحكيلك كل حاجه .. انا اصلا جيت عشان احل المشكله بس انا خايفه من فريد ومن رد فعله .. بس هقولك وأوعدينى تساعدينى ..
اجابتها حياة بتوجس :
-مش هقدر أوعدك غير لما افهم الاول ..
حركت جميله رأسها موافقه برجاء ثم قالت بهدوء :
-انا كنت عايشه مع مامى وبابى فى إنجلترا من وانا صغيره وبابى كان استاذ فى الجامعه هناك .. ومن ٥ سنين بابا وماما كانوا راجعين من بره حصلهم حادث سير واتوفوا فى لحظتها وسابونى لوحدى .. انا رفضت طلب اونكل غريب انى ارجع غير لما اكمل دراستى هناك ع الاقل وهو وافق وفجأة ظهر فى حياتى هشام .. قدملى نفسه على انه طالب ماستر عند بابا الله يرحمه وبابا ساعده كتير وكان بيحبه وبيحترمه جدا وعشان كده حاول يردله جزء من جميله ده بأنه يساعدنى لو احتجت حاجه وانا لوحدى هناك .. وفعلا مسابنيش لحظه وعوضنى عن حنان بابا وماما الله يرحمهم .. حبيته جداً وبقى كل حياتى وهو كمان حبنى .. وطلب انه يتقدملى وفعلاً من ٣ سنين نزل إجازته الصيفيه وراح اتقدم لاونكل غريب .. طبعا عشان كانت عيلته بسيطه جدا وبباه فلاح على قده اونكل رفضه واتهمه انه طمعان فى فلوسى وفريد كمان رفض يقابله او يتكلم معاه ..
صمتت قلبلاً لتأخذ نفساً عميق ثم استطردت حديثها بعيون لامعه من كثره الحب :
-بس ده مخلهوش يسبنى او يتخلى عنى .. بالعكس كان كل سنه بينزل مصر ويطلبنى من اونكل غريب على امل انه يوافق بس برضه كان بيرفضه ، مع انه مجتهد جداً وخلص الدكتوراه واتعين فى الجامعه هناك وحياته استقرت .. بس هما كانوا مصممين انه فقير ومش مناسب لعيلتنا .. وفى يوم اتعرضت لمضايقه من واحد مصرى زميلى عايش هناك ولما هشام عرف صمم اننا نتجوز حتى لو من غير موافقتهم .. وفعلا سألت وعرفت انى ممكن اتجوز رسمى بمحامى او قاضى واتجوزنا من ٤ شهور وانا دلوقتى حامل ..
انتظرت اى رد فعل من حياة ولكن الاخيره لم تعقب لذلك أردفت جميله حديثها قائله :
-انا عشت معاه اجمل ايام حياتى .. هشام هو كل حاجه فى حياتى ودنيتى كلها .. لما عرف انى حامل صمم اننا نزل مصر ونواجهه عمى تانى بس انا خفت عليه وطلبت منه انى انزل وامهد الموضوع الاول وعشان كده جيت لفريد عشان افاتحه فى الموضوع بطريقه مناسبه ..
شعرت حياة على الفور بالتعاطف تجاههم لذلك تحركت بعيون لامعه من اثر الدموع وجلست بجوارها على الفراش واحتضنها بحب ثم قالت متأثره :
-أوعدك انى هعمل كل اللى اقدر عليه .. بس انا عارفه فريد عصبى وانتوا غلطتوا لما اتجوزتوا من وراهم وهو مش بيسامح فى الغلط انتى عارفاه ..
تحركت جميله من بين ذراعيها ورفعت رأسها تنظر إليها برجاء وهى تحتضن كفها قائله بلهفه :
-عارفه انى غلطت بس دى حياتى وحبى وانا مكنش عندى استعداد اتخلى عن حب حياتى عشان اوهام فى دماغ عمى وفريد وبس .. الله يخليكى ساعدينى واكيد فريد هيسمعلك ..
اومأت حباة لها موافقه بأستسلام ثم أردفت قائله لتطمئنها :
-خلاص ربنا يسهل انا هكلمه بس فى الوقت المناسب ..
نامى انتى وارتاحى دلوقتى وبكره ان شاء الله نشوف حل ..
انهت حديثها وتحركت نحو الباب تدير قبضته ثم استدارت بجسدها قائله لجميله بتحذير :
-خلى بالك يا جميله اوعى تكلميه وفريد فى البيت وانا مش هقوله انك حامل غيربعد ما نحل المشكله ويقبله..
لم تنهى اخر حرف من جملتها عندما شعرت بالباب يندفع خلف جسدها بحده، دلف فريد للغرفه بعيون تطلق شرراً ثم سألها بنبره خفيضه ضاغطاً على شفتيه وحروف كلماته :
-فريد مين اللى عايزه تخبى عليه انها حامل !!!!!!!...
شهقت حياة برعب وتراجعت للخلف وهى تراه يتقدم منها ويقبض على ذراعها بقوه جعلتها تنتفض هادراً بها بعصبيه :
-انطقى يا حياااة !!!!!!..
*********
نهايه البارت ♥️♥️..
متنسوش الفوت ودمتم ذواقيين 😘🙈🙈
رواية متى تخضعين لقلبي الفصل الرابع عشر 14 - بقلم شيماء يوسف
متى تخضعين لقلبى
الفصل الرابع عشر ..
كان فريد فى طريقه إلى غرفته عندما توقف متراجعاً عده خطوات للخلف ومقرراً الذهاب والاطمئنان على جميله اولاً قبل الذهاب للنوم ، وعندها تفاجئ وهو واضعاً قبضته فوق الباب بصوت حياة تحذرها من معرفته بحملها ، لم يحتاج الامر لكثير من التفكير منه لربط الخيوط معاً ومعرفه هويه الفاعل .
انتفض جسد حياة تحت قبضته من اثر نبرته ونظراته الشرسه ، ابتلعت لعابها بصعوبه بالغه كأن هناك حجره تقبع بمدخل حلقها تمنعها من ازدراده ، أعاد سؤاله مره اخرى ولكن هذه المره بنبره منخفضة كالفحيح جعلت جسدها يرتجف ممن هو قادم ، حاولت ايجاد صوتها لتجيبه ولكن يبدو انه قد هرب منها مع الدم الذى بداخل عروقها ، هز رأسه بشراسه متوعداً وهو ينفض ذراعها من تحت قبضته بقوه ثم توجهه نحو جميله التى كانت جالسه على حافه الفراش تنتفض هى الاخرى من مظهره قائلاً بقسوه وتصميم :
-انتى فاكره انها هتعرف تدافع عنك او تخلصى من تحت ايدى !!! ..
انهى جملته واقبض بكفه على ذراعه يرفعها من فوق الفراش غير عابئاً بشهقاتها ولا توسلاتها مستطرداً حديثه بحده :
-انطقى مين ال**** اللى ضحك عليكى ..
صرخت جميله من شده ضغطه فوق مرفقها وتمتمت من بين شهقاتها وهى تحرك رأسها رافضه :
-الموضوع مش زى مانت فاهم .. بليز اسمعنى بالراحه ..
هدر بها بعصبيه جعلت كلاً من حياة وجميله ينتفضا متسائلاً :
-اخلصصصى .. قولى من اللى عمل معاكى كده !! اكيد حته العيل اللى متعلقه بيه صح !! ..
لم تجيبه وبدلاً عن ذلك ازداد علو شهقاتها ..
دفعها فريد بقوه فوق الفراش ثم قال وهو يتحرك نحو الخارج بتوعد وعيونه تطلق شرراً من شده الغضب :
-انا هعرف ازاى أربيه عشان يعرف يضحك عليكى ..
صرخت جميله برعب وهى تحاول الاستناد على مرفقيها ليساعداها فى النهوض اما عن حياة فقد اعاد تهديده قوتها لذلك تحركت مسرعه لتركض خلفه وهى تهتف بأسمه بزعر ، لم يهتم بها ولم يعيرها اى انتباهاً بل دخل غرفته صافقاً الباب خلفه بقوه فى وجهها
فتحت حياة باب الغرفه خلفه لتدخلها وقد قررت انها لن تتخلى عنهم مهما كلفها الامر ، شهقت بصدمه وهى تضع يدها فوق كفها بمجرد رؤيتها للغرفه بألوانها الزرقاء الزاهيه ، فغرفته هى تلك الغرفه التى سكنت احلامها ايام مرضها او كذلك تهيأ لها ، تمتمت هامسه بصدمه بأقرار اكثر منه سؤال :
-هى دى الاوضه .. انا كنت هنا !! انا مكنتش بحلم بولا حاجه من دى .. فريد انت كنت هنا من الاول ..
استدار بجسده ينظر إليها بجمود وهو يخلع سترته قائلاً بتهكم يشوبه الكثير من الغضب :
-لما قولتيلى خليك هنا انا بردانه ..
لوى فمه بأستهزاء ثم أردف قائلاً :
-لا مش انا ..
حسناً انها يسخر منها ، نفضت رأسها بقوه فتلك ليست قضيتها الرئيسيه وستتعامل معها بعد حين ولكن الان لتعود إلى تلك المصيبه التى حلت فوق رؤوسهم بسبب اندفاعها وعدم حرصها اثناء الحديث ، ابتلعت ريقها بصعوبه ثم اضافت بقوه حقيقه:
-فريد الموضوع مش زى مانت فاهم ..
رمقها بنظره ناريه وهو يحرك يده ليحل آزار قميصه ثم قال بجمود :
-مطلبتش رايك ولا توضيحك .. واطلعى عشان هغير هدومى ..
هزت رأسها بقوه رافضه ثم اجابته قائله بنبره شبهه متوسله :
-فريد اسمعنى .. جميله متجوزه وجواز شرعى كمان يعنى معملتش حاجه غلط ..
توقفت يده عن العبث بأزرار قميصه ثم رفع احدى حاجبيه ينظر لها بأستنكار وهو يسألها بغضب :
-والمفروض اعمل ايه .. اروح اباركله !! ولا اقوله برافو انك اتجوزت البنت من ورا اهلها !!..
تشدق بجملته الاخيره بحنق واضح ثم انحنى يلتقط هاتفه من جيب سترته بعنف وعبث به قليلاً قبل وضعه فوق اذنه ثم تحدث دون تحيه قائلاً للطرف الاخر بجديه :
-اسمع .. فى واحد اسمه هشام عبد الجليل تقريباً .. عايز بكره تكون جايبه فى شوال قدامى .. هو عايش فى إنجلترا هبعتلك عنوانه ولو ملقتهوش يبقى اكيد نزل مصر تدور عليه وتجمعه .. فاهم !!! بكره زى دلوقتى بالكتير الاقيه مرمى قدامى ..
اغلق هاتفه وألقاه بقوه فوق الفراش ثم قام بخلع قميصه وألقاه هوالاخر بعشوائيه فوق الارضيه الخشبيه
ركضت حياة نحوه برعب بعد سماعها لمكالمته ثم رفعت كفيها تتلمس ذراعيه العاربين فى محاوله بائسه لتوقيفه وجعله يستمع إليها ، هتفت بأسمه متوسله بيأس :
-طب نتفاهم .. طب انت ليه معترض عليه من غير ما تسمعها ولا تسمعه .. فريد حرام عليك دى حامل وهما بيحبوا بعض ليه تفرقهم !!!..
نظر لها بنفاذ صبر قائلا بجمود :
-مش هقعد اتناقش معاكى .. وروحى على اوضتك عشان هقلع هدومى ومش هيهمنى انك واقفه ..
صرخت به وقد بدء اليأس يتملك منها بسبب تصرفاته الجامده معها :
-مش هتحرك من هنا وانت لازم تسمعنى وتفهمنى !! انت بتعمل كل ده عشان هو فقير !! طب مانا كمان فقيره ..
هتفت جملتها الاخيره بصوت متحشرج من أثر الدموع ، اجابها بنبره خاليه :
-متقارنيش نفسك بحد ..
هتفت به مره اخرى شاعره بالحزن من جموده الذى لا يلين:
-لا انا زى اى حد !!! لو هو فقير فانا أفقر منه اتجوزتنى ليه !! ..
اجابها بنفاذ صبر قائلاً :
-ده واحد ضحك عليها وهى لوحدها واهو لما ملقاش فايده اتجوزها من ورانا ..
صرخت بِه بعصبيه لتجيبه قائله :
-وانت مين قالك انى مش زيه !! ما يمكن عملت عليك كل التمثيليه دى عشان تتمسك بيا اكتر وتتجوزنى !!..
رمقها بنظرات خاليه ثم أشاح وجهه بعيداً عنها ، نظرت إليه بعيون لامعه وقد بدءت الدموع تتجمع داخل مقلتيها وتظهر بنبره صوتها المنكسرة ، اضافت حياة بحزن حقيقى يائسه:
-انت حكمت عليه بناءاً على وجهه نظر بباك وحتى معطتهوش فرصه تسمع فيها رأيه !! وفوق كل ده حرمت اتنين بيحبوا بعض بجد من انهم يتجوزوا قدامكم وفرحتهم تكمل !! مع انك المفروض اكتر واحد تحس باللى بيحب . ده لو فعلا بتحب بجد ...
صمتت قليلاً لتسمح بأصابع مرتعشه بعض الدموع التى تساقطت فوق وجنتها عنوه ثم أردفت بتوسل قائله :
-اثبتلى بقى ان خوفى ده مش فى محله وان جوازك منى حب مش تملك وخلاص !..
انتظرت انكاره او صدور اى رد فعل منه يطمئنها ولكنه لم يجيب ، فقط تحرك فى مكانه بجسد متوتر وهو يحاول الهروب بنظراته من نظراتها ، هزت رأسها بأحباط وقد وصلتها اجابته قائله بألم :
-تمام انا كده فهمت ..
مسحت اخر دمعه فوق وجنتها بعنف ثم تركته وتحركت بأكتاف متهدله من شعورها الثقيل بالخيبه والخذلان نحو باب غرفتهم المشترك لتختفى خلفه تاركه فريد شاعراً انه قد تمزق لشطران ولا يدرى لأيهما يستجيب
************
خلال اليوم التالى التزمت حياة بالمكوث داخل غرفتها ولم تخرج منها ابداً ولم تتناول اى شئ على الاطلاق حتى مع محاولات عفاف وتوسلاتها المتواصله التى لم تجدى نفعاً ، لامت نفسها بقوه فهى من توقعت انها تستطيع إقناعه وهيأت لها نفسها انها ربما تكون فى مكانه اوضح لها فى البارحه انها لن تحتلها ابدا ، ولكن اكثر ما كان يؤلمها هو حال جميله وزوجها فقد شعرت بصدق حبهم تجاه احدهم الاخر والآن يبدو ان مصير زوجها ووالد طفلها الذى لم يولد بعد فى قبضه انسان قاسى القلب لا يعرف الرحمه ، اما عن جميله فلم يكن حالها بأحسن منها فقد كانت تنحب طوال اليوم على حب عمرها وتوأم روحها والذى بسبب عنادها وسوء تقديرها سيلقى حتفه دون ان تحظى حتى بفرصه وداع له .
فى صباح اليوم التالى كانت حياة تجلس داخل غرفتها بأحباط وحزن شديد فلم يغمض لها جفن طوال الليل وهى تفكر بقلق ما الذى اقدم فريد على فعله مساء البارحه مع هشام ، عندما طُرق باب غرفتها بخفوت، ظنت انها عفاف فأجابتها باصرارمن وراء الباب المغلق قائله :
-ريحى نفسك يا دادا مش هنزل ومش هفطر..
لم تتلقى اى رد على جملتها فظنت انها استسلمت لرغبتها وعادت للأسفل ولكن لحظتها فُتح باب الغرفه وطل فريد من خلفه ، بمجرد رؤيتها له شاحت ببصرها بعيداً عنه ولم تلقه اى اهتمام ، تحدث على الفور وبأقتضاب بلهجته الجامده الآمرة :
-حياة قدامك عشر دقايق يا تنزلى تاكلى معايا تحت يا انا هخليهم ينقلوا الفطار هنا .. اختارى ..
رفع معصمه ينظر فى ساعه يده قبل ان يضيف بجمود :
-دلوقتى بقوا ٩ ..
ظلت تنظر شرزاً فى اثره بعدما استدار عائداً بإدراجه للأسفل وبرغم انها علمت جيدا بأضطرارها للنزول حتى لا تشاركه الطعام فى تلك الغرفه المغلقة الا انها قررت التحرك بعد مرور العشر دقائق كامله فقط من اجل اثاره حنقه .
دلفت إلى غرفه الطعام وهى تتحاشى كلياً النظر فى اتجاهه ، وفقط من اجل عناده توجهت إلى الكرسى المجاور لمقعدها المعتاد لتجلس عليه ، جلست بجمود وهى تتجاهله تماماً ، وبرغم عدم رؤيتها لوجهه الا انها كانت تشعر بنظراته الثاقبه المسلطه عليها تخترق جسدها واعماقها معاً ، نظر إليها مطولاً ثم تحرك من مقعده ببطء يزيح المقعد الفاصل بينهم بعيداً ثم توجهه نحوها يميل بجانبه الايسر على احد ارجل المقعد ثم قام بجر المقعد وهى جالسه فوقه ، شهقت من فعلته وادرات رأسها تنظر إليه شرزاً ولكنها سرعان ما تمالكت نفسها وعادت لجمودها ولامبالاتها مره اخرى ، عاد فريد يجلس فوق مقعده بأستمتاع وقد اصبح مقعدها ملتصق تماماً بمقعده اكثر من العاده حتى ان الجزء السفلى من ساقه كان مستندا بكسل على ساقها ، حاولت بهدوء تحريك مقعدها بعيداً عنه مره اخرى ولكنه كان يحاصر بقدمه الجزء السفلى من رجل المقعد ليمنعها من التحرك بِه بعيداً
لم يكن امامها حل سوى الابتعاد بجسدها ، ابتعدت حتى اصبحت تجلس على حافه المقعد ولكنه بحركه واحده اغلق المسافه بينهم مجدداً ، تحركت مره اخرى بسوء تقدير فمال جسدها وكانت على وشك السقوط ولكن يده القويه امتدت تحاصرها وتدعم جسدها ثم إعادتها مره اخرى لتلتصق به دون اى فواصل ، لو نظرت نحوه لرأت بوضوح نظره الاستمتاع التى تملاً عينيه وتلك الابتسامه العابثه التى تحتل ثغره ، مال بجزعه نحوها ثم حك انفه بوجنتها وجانب وجهها الأيمن ، أشاحت بوجهها إلى الجهه الاخرى محاوله تجنب لمساته قبل ان يوقفها صوته الهامس قائلاً بنبره شبهه متوسله :
-حيااااة ..
دون وعى منها وجدت نفسها تدير رأسها لتنظر إليه بأنفاس مضطربه بسبب انفاسه الدافئة التى تلحف وجهها ، كان عقلها يأمرها وبقوه ان تشيح بنظرها بعيداً عنه ولكن كان هناك دفء غريب خارجاً من عسليتيه أسرها رغماً عنها ومنعها من الابتعاد عن تلك العينين التى استحالت إلى لون البندق من فرط مشاعره ، ظلا مده يحدقان ببعضهما البعض فى عتاب صامت من جهتها ونظره عاشق من جهته قبل ان تشيح بوجهها بعيداً عنه مره اخرى ، رفع كلتا كفيه يحتضن وجهها بحب ويجبرها على النظر إليه مره اخرى ثم اقترب بشفتيه من شفتيها وقام بتوزيع قبلات ناعمه على طول شفتيها المنغلقتين قائلاً لها بصوت أجش من بين قبلاته :
-بحبك .. مش تملك .. ومش اجبار ..
الصق انفه بأنفها وأغمض عينيه مستطرداً بهمس وهو يتنهد بحراره :
-والنفس ده اهم من حياتى كلها ..
رغم انه لم يعد يحاصرها او يمنعها من الحركه الا انها شعرت نفسها مكبله بعدد لا نهائى من القيود الغير مرئيه ، قيود لن تجرؤ حتى على الاعتراف بها بينها وبين نفسها ، فتحت فمها لتعترض ولكنه انتهز الفرصه ولامس شفتيها بشفتيه لبدء تتقبيلها ، افاقت حياة من لمسته على صوت صراخ جميله التى كانت تركض نحوهم ، ابتعد فريد عنها على مضض تاركاً المجال لجميله التى من شده سعادتها لم تنتبه لمدى تقاربهم ، انحنت جميله تحتضن كتفى حياة بشده وهى تقفز بسعاده وتمتم بفرح :
-شكراً .. شكراً .. شكراً يا احلى اخت فى الدنيا ..
انهت جملتها وقامت بطبع قبله مطوله فوق وجنه حياة ثم تركتها وركضت لتحتضن فريد هو الاخر الذى استقبل احتضانها بجمود ثم قال لها مهدداً بنبره خاليه :
-اقعدى مكانك من غير دوشه قبل ما ارجع فى كلامى ..
ركضت جميله تجلس فى المقعد المقابل لحياة التى كانت تنقل بصرها بينهم بعدم فهم ، التقطت جميله دهشتها فسألتها بأستنكار قائله :
-متقوليش ان فريد لسه مقالكيش ؟!..
اجابتها حياة بترقب متسائله :
-مقاليش ايه بالظبط مش فاهمه ..
اجابتها جميله بنبره شبهه مختنقه من شده الحماس والفرح :
-هنعلن جوازنا انا وهشام وفرحنا بعد بكره ..
شهقت حياة بدهشه وادارت راسها بحده تنظر نحو فريد بذهول وعيونها تلمع من شده الفرح
حرك رأسه مطمئناً بايماءه خفيفه قبل ان يمد يده من أسفل الطاوله ليحتضن كفها ويضغط عليه برفق ، ظلت تنظر إليه بأبتسامه بلهاء ونظره حالمه بادلها إياها بأخرى عاشقه وهو يمسد أصابعها ويتلمس باطن كفها بلمسات مثيره أرسلت قشعريرة إلى سائر جسدها غير عابئين بوجود جميله بجوارهم ، أعادهم من شردوهم صوت جميله تسأله بقلق :
-فريد بس تفتكر اونكل غريب هيوافق على كده ولا هيقلب الدنيا علينا ؟!..
التفت فريد ينظر إليها بحده قبل ان يجيبها بنبرته الجاده محذراً :
-جميله !! انا محدش بيراجع كلامى حتى لو كان غريب ..
انكشمت فى مقعدها وهى تتمتم له بعبارات أسفه فاخر شئ تريد فعله فى تلك الايام هو اثاره حنقه
ظلت حياة تنظر إليه وهى تفكر بأستغراب كيف يستطيع التحدث مع ابنه عمه بذلك الوجهه الجامد وتلك النبره القاسيه فى حين ان يده لازالت تعبث بكفها بلمسات تجعلها على وشك الانصهار من نعومتها ورقتها .
انتهى فريد من تناول قهوته فترك يدها ليلتقط المحرمه التى امامه يمسح به فمه ، شعرت حياة بالبروده تتملك منها بمجرد تركه ليدها ولكنها فسرت ذلك بسبب بدء فصل الشتاء وعليه فالجو اصبح بارد ، تحرك فريد من مقعده وهو يوجه حديثه لجميله بنبره خاليه قائلاً بلامبالاه :
-جوزك بقى هيحضر الفرح بوش مشلفط بس دى حاجه خفيفه كده عشان يتعلم ميعملش حاجه من ورايا تانى..
انهى جملته وانحنى بجذعه يطبع قلبه حانيه فوق شعر حياة ويستنشق رحيقه قبل ان ينصرف للخارج
دفعت حياة مقعدها بعجل ثم ركضت خلفه وهى تهتف اسمه بلهفه جعلته يتوقف على الفور ، استدار ينظر إليه بأبتسامه دافئه بادلته إياها بأخرى مرتبكه وهى تضع كفيها داخل الجيوب الخلفيه لسروالها الجينز وتتحرك بتوتر ، سألته برقه بالغه جعلته يفكر فى التراجع عن التحرك من امامها قائله :
-فريد انت هتتأخر النهارده ؟!..
ابتسم لها بأستغراب ثم اجابها مندهشاً بنبره مترقبه :
-مش عارف .. بس لو فى حاجه مهمه هحاول ارجع بدرى ..
حركت جسدها بتوتر يميناً ويساراً ثم اجابته بخجل قائله :
-مفيش بس هستناك بليل مش هتعشى من غيرك ..
ظل واقفاً مكانه لبُرهه من الوقت محاولاً استيعاب هذا التغيير المفاجئ فى تصرفاتها ، اللعنه ان عنادها ارحم كثيراً من تعاملها ذلك فهو بالكاد يستطيع تمالك نفسه امام تخبطها ونظرتها التى ترمقه بها والتى يعلم جيداً انها خارجه دون وعى منها ، انحنى بجزعه يطبع قبله خفيفه على طرف شفتيها كعلامه موافقه ثم تركها وانصرف دون حديث قبل تفاقم الامور .
************
فى شركه الجنيدي وتحديداً فى مكتب منصور الجنيدي جلس منصور فى مقعده المريح يضع ساقاً فوق الاخرى فى زهو واضح وكان جالساً قبالته ابن اخيه وائل الجنيدى ويقف بينهما بجوار المكتب سكرتير منصور الشخصى ، هتف به منصور فى حنق واضح يسأله مستفسراً بعصبيه :
-يعنى ايه الشركه مش عايزه توردلنا تانى !! يعنى ايه الكلام ده ؟!..
ارتبك السكرتير الخاص فى وقفته وتنحنح بأرتباك قائلاً بتوتر :
-يافندم انا شاكك ان فى حد لعب فى دماغهم فعلاً ..
ساله منصور بنظرات شرسه :
-قصدك مين ؟!..
اجابته سكرتيره بتردد :
-فى كلام انهم هيمضوا مع فريد رسلان والتوريد هيتنقل حصرى ليهم ..
ضرب منصور سطح مكتبه بقبضه يده وهو ينتفض بأنزعاج واقفاً ثم تمتم وهو يضغط على حروف كلماته بغل :
-ايوه مفيش غيره ابن غريب .. طول عمره **** زى ابوه ..
التفت بشراسه ينظر إلى سكرتيره الخاص ويأمره بحده :
-عايزك تتأكدلى من الكلام ده ولو طلع صح عايزك توصل تحيه لفريد وفى بيته فاهمنى ؟!..
اومأ له سكرتيره رأسه بخنوع ثم تحرك بهدوء مغلقاً الباب خلفه وتاركاً وائل الجنيدى ينظر بضيق نحو عمه الذى من تولي اداره الشركات بعد والده المرحوم وهو يتعمد استفزاز عائله رسلان بكل مناسبه ، هتف وائل بحنق واضح قائلاً:
-يعنى كان ايه لازمته يا عمى اللى عملناه معاهم ده ؟!.. ماحنا كنا بنوردلهم والدنيا كانت ماشيه كويس ليه دلوقتى بنجر شكلهم وخلاص ؟!..
هتف بِه منصور بعصبيه وشبح الماضى يلوح امام عينيه قائلاً بحقد دفين :
-لازمته انهم دايما بياخدوا حاجه مش من حقهم .. بس خلاص وقتهم خلص ويا انا يا هما .
*************
دلفت حياة إلى المطبخ بعد خروج فريد وطلبت من السيده عفاف ترك المطبخ لها اليوم فهى تريد مفاجاه فريد ثم شرعت بتحضير بعض الأصناف بعدما استفسرت منها على الأنواع المفضله بالنسبه له وفى المساء بعد الانتهاء من كافه التحضيرات صعدت للاعلى للاغتسال وتبديل ثيابها والهبوط مره اخرى ، عاد فريد فى الموعد يزفر بضيق بعد جداله العقيم مع والده الذى استمر لساعات بسبب رفض الاخير لامر الزيجه ولكن فى نهايه الامر رضخ لرغبه فريد كالعاده
دلف إلى غرفه الطعام يبحث عنها بعينيه بعدما بحث عنها فى المطبخ أيضاً ولم يجدها ، جاءت من خلفه تمتم بخجل قائله بنعومه :
-حمدلله على السلامه ..
استدار ينظر إليها وفتح فمه ليجيبها ولكنه تعقد لسانه وهو يراها امامه ترتدى بنطال من الجلد الاسود ابرز تفاصيل أنوثتها بكل وضوح وفوقه ستره مفتوحه فضفاضه اضافت إليها مظهر طفولى عابث وأسفلها بلوزه بيضاء بعنق منخفض كشفت عن عنقها الممشوق وعضمتى كتفيها البارزتين إلى جانب شعرها المجعد بنعومه والذى تركته ينسدل بحريه خلفها وعيونها التى تلمع بسعاده وهى تنظر إليه ، زفر بيأس فكل هذا كثير على صبره وعلى اعصابه بحق !! ، كل ما ارداه فى تلك اللحظه هو الشعور بها بين يديه واكتمالهما سوياً ، ولكنه لن يجازف فى تلك المرحله بفعل اى شئ قد يعيدهما لنقطه الصفر من جديد
زفر مطولاً لإخراج تلك الافكار من رأسه وحاول تشتيت انتباهه بأى شئ لذلك تنحنح لتنقيه حلقه ثم سألها بصوت متحشرج من اثر الرغبه:
-امال فين جميله لسه مضربه فى اوضتها ؟!..
حينها ابتعدت عنه عده خطوات للوراء لضمان مسافه أمنه بينهم ثم قالت وهى تنظر إليه بتوجس ونبره متردده :
-بص .. عايزه اقولك حاجه .. بس عشان خاطرى متتعصبش ..
تأهبت ملامحه على الفور وضاقت عينيه وهو ينظر إليها بترقب ثم سألها بنفاذ صبر قائلاً بنبره حاده وقد شعر بترتيب شئ ما بينهم من نظراتها الخائفه :
-حياة فى ايه ؟!..
توترت ملامحها اكثر وهى ترى الغضب بدء يعلو قسماته فأردفت تقول بتوسل :
-هقول بس اوعدنى انك متتعصبش ..
هدر بها بحده وقد بدء بالفعل يغضب :
-حياااااااة ..
انكمش كتفيها وأغمضت عينيها وقالت وهى تخفى وجهها بملامحها برعب مسرعه :
-جميله طلبت تروح تزور هشام فى الأوتيل وانا وافقت ..
انتظرت عده ثوانى وهى مغمضه العينين متوقعه هجومه ولكنه لم يصدر اى صوت منه ، فتحت احدى عينيها ببطء وتوجس لتتبين رد فعله ولكنها وجدته يحاول كتم ابتسامته متأملاً ملامحها الطفولية بشغف واضح ، فتحت كلتا عينيها وبسطت كتفيها مره اخرى وهى تسأله بدهشه :
-انت مش هتتعصب عليا ؟!..
بالفعل كان هذا بالظبط ما ينتوي فعله عندما نطقت جملتها ولكن رعبها الطفولى البريئ منه جعله يشعر بأن كل ما يريده فى تلك اللحظه هو اخذها داخل احضانه ليطمئنها حتى وان كانت مخطئه فى حقه هو شخصياً ، نظر لها مطولاً قبل ان يفتح فمه ليجيبها محاولاً التظاهر بالغضب :
-والله عال يا حياة بقيتى بتتصرفى من دماغك كمان !!..
تمتمت بنبره خفيضه قائله :
-انا طول عمرى بتصرف من دماغى ..
هدر بها بصوت جهورى يسألها :
-انتى قلتى ايه ؟!..
انتقضت من صوته وقالت وهى تتقدم نحوه وتضع كفيها فوق صدره فى رجاء :
-مقلتش مقلتش .. انا بقول اخر مره والله بس هى قعدت تعيط كتير وكانت خايفه وعايزه تطمن عليه وقالت هتروح تشوفه وترجع على طول وانا بعتت معاها حد من الحراسه مسبتهاش تروح لوحدها والله..
زفر بضيق ثم تمتم بحنق واضح :
-هى بتستغلك وانتى هبله ماشيه وراها وخلاص ..
زمت شفتيها معاً للأمام فى حركه طفوليه تعبرعن حزنها ثم استدارت بجسدها مبتعده ، اقبض على ذراعيه بكفه ليعيدها امامه مره اخرى ثم زفر بنفاذ صبر قبل ان يخفض رأسه نحو رأسها ويطبع قبله حانيه فوق شعرها وهو يتمتم بحنو :
-خلاص .. خلينا ناكل انا جعان ..
عادت ابتسامتها تملئ وجهها وعينيها وهى ترفع رأسها تنظر إليه قائله بحماس :
-على فكره انا اللى عملت الاكل النهارده بأيدى ..
رفعت رأسها بكبرياء ثم اضافت مازحه :
-عشان تعرف بس انى مش اى حد ..
رفع احدى حاجبيه لها وهو يبتسم ابتسامه جانبيه ثم قال بتهكم واضح :
-يعنى ربنا يستر ومتسممش النهارده ..
سارعت تقاطعه وهى تقول بلهفه :
-بعد الشر ..
عضت على شفتيها بندم بعد انتهاء جملتها فهى لم تقصد ابداً التفوه بها علناً ، اتسعت ابتسامته وهو ينظر إلى داخل عيونها بعشق واضح ثم امسك كفها يرفعه نحو شفتيه ليقبله وهو مازال ينظر لعينها بحب ، تنحنحت فى محاوله منها لإخفاء ارتباكها الظاهر ثم تمتمت بنبره حاولت اخراجها طبيعيه قدر الامكان وهى تسحب كفها من يده قائله :
-الاكل هيبرد بقى ممكن نقعد ناكل ..
سحب لها المقعد اولاً لتجلس فوقه ثم انحنى بجزعه نحو جانبها الأيمن هامساً داخل اذنيها بنعومه :
-تصدقى كويس ان جميله مش هنا ..
التفت بأرتباك تنظر إليه بدهشه فباغتها بطبع قبله خاطفه فوق شفتيها قبل ان يستقيم فى وقفته ويتجه نحو مقعده الملاصق لها .
************
بعد انتهاء وجبه العشاء التى كانت مربكه لحد كبير بالنسبه لحياة بسبب نظرات فريد ولمساته انسحب هو لغرفه مكتبه لاستئناف عمله ، بعد قليل طلب من عفاف احضار القهوه له فتطوعت حياة لتحضيرها وإدخالها له بنفسها فهى لم تشكره بعد عن موقفه من جميله وهشام ، طرقت باب غرفته ثم دلفت للداخل بعد سماع اذنه وهى تحمل صينيه القهوه بين يديها ، تحركت حتى وقفت امام مكتبه ثم وضعتها فوقه وبعيداً عن اوراقه المبعثره بحذر ، وتراجعت تمتم بخجل وهى تجمع طرفى رداءها معاً سوياً قبل ان تعقد ساعديها امام صدرها قائله :
-حبيت اعملك القهوه النهارده بدل دادا عفاف .. لو ده مش هيضايق يعنى ..
حمقاء !! هل تسأله ان كان فعلها ضايقه !! انها اقصى امانيه ان تظل معه طول الوقت لو انه فقط يستطيع تخبئتها بداخل جيب ردائه فتكون بجواره أينما تحرك وبجانب قلبه دائماً ، أردفت تسأله بفضول وقد رأت الارهاق بادياً على ملامحه :
-ايه الاوراق دى كلها ؟!..
مسح وجهه بكفيه ثم اجابها بنبره متعبه :
-دى حسابات الشركه .. اخر شهر من كل سنه اتعودت اراجعهم بنفسى عشان لو فى اخطاء اواى لعب اكتشفه ..
عقدت حاجبيها معاً وهى تسأله بأستنكار :
-طب فين مدير الحسابات ؟!..
آجابها معللاً بهدوء:
-انا مش بثق فى حد ثقه كامله .. عشان كده براجع وراه ..
تحركت بجسدها تتجه نحوه حتى وقف بجوار مقعده ثم سألته بترقب :
-تحب اساعدك ؟!..
رفع رأسه ينظر نحوها ثم اعاد سؤالها مستنكراً :
-تساعدينى ؟!..
اجابته بحزم مازحه وهى تحرك جسدها لتستند على حافه مكتبه ويصبح وجهها مقابلاً له :
-ايوه اساعدك .. انت ناسى يا استاذ انى دارسه اداره اعمال وعامله ماستر كمان ..
نظر لها مطولاً بعيون لامعه ثم اجابها بنبره تملؤها الفخر :
-لا طبعا مش ناسى ان حبيبتى اذكى واحده فى الدنيا ..
تنحنحت بأحراج ثم أردفت تقول محاوله تغيير مجرى الحديث :
-فريد .. شكراً على انك وافقت على جواز جميله ..
تحرك من مقعده يقف قبالتها وهو يستند بجسده على ذراع مقعده ثم مد يديه يحتضن كلتا كفيها وهو ينحنى نحوها قائلاً بحراره :
-انا عملت كده عشانك ..
هزت رأسها ببطء موافقه وقائله بهمس :
-عارفه .. وعشان كده بشكرك ..
تنهد بحراره ثم رفع يديه يزيح بعض من خصلات شعرها برفق من فوق جبهتها ثم حرك أصابعه بحذر يتلمس وجنتها بنعومه وترقب ، اجفلت قليلاً من لمسته لكنها لم تبتعد عنه ، تحدثت هى لإخفاء قلقها قائله بتوتر :
-يلا ابدء اراجع الاوراق معاك؟ ..
اجابها بأرهاق قائلاً :
-لا مش النهارده انا تعبت جداً فى الشركه ومش مركز خلينا من بكره ..
هزت رأسها موافقه فأردف هو بعدما نظر فى ساعه معصمه يسألها بتأهب :
-حياة جميله اتاخرت الساعه عدت ١١ !..
ابتلعت لعابها بصعوبه ورمقته بنظره خائفه فهى لا تدرى بما تجيبه بالفعل جميله وعدتها الا تتأخر وها هى حاولت الاتصال بها اكثر من مره ولكن هاتفها مغلق ، ضاقت عين فريد نحوها وهو يعيد سؤاله مره اخرى بنبره تهديد قائلاً :
-حياة انتى مخبيه عنى ايه تانى ؟..
لم تعقب ولكنها تحركت بجسدها مبتعده بخوف من تلك الشرارت المنبعثة من عسليتيه والتى كانت منذ قليل مصدر الدفء بالنسبه لها ، تقدم هو الاخر منها يعيد سؤاله بنظرات غاضبه ونبره محذره :
-حياة!!!..
اصطدم جسدها بالباب فحاولت مد كفها من خلف جسدها لفتحه والهروب ولكنه لاحظ حركتها تلك فاقبض على ذراعها يمنعها من التحرك ، ظلت تنظر إليه وعينيها معلقه بعينيه فى خوف وترقب وهى تلعن جميله وما اقحمتها به معه ، هدر بها بعصبيه جعلتها ترتجف سائلاً :
-انت عارفه انها مش هترجع تبات هنا ؟!!..
اذا ظنونها وصلت إليه هو الاخر ، ازدردت ريقها بصعوبه واسرعت تجيبه بهلع مدافعه عن نفسها :
-لا والله معرفش اى حاجه.. انا بس كلمتها تليفونها مقفول ..
هز رأسه بعصبيه عده مرات ثم حرر ذراعها وابتعد عنها متجهاً نحو مكتبه ليلتقط هاتفه من فوقه بعنف ، هاتف حارسه ليسأله عنها فأجابه انها لازالت بداخل الغرفه وهو ينتظر خروجها ، اجابه فريد بنبرته القويه الآمرة :
-خليك عندك وانا جايلها ..
انهى جملته وتحرك نحو الباب يزيح حياة من طريقه بسهوله ليعبر ، كانت تعلم انه فى اقصى درجات غضبه الان ولديه الحق فجميله تعول على صبره كثيراً غير مدركه لعواقب فعلتها ، ركضت خلفه هاتفه بأسمه بذعر وهى تحاول اللحاق به ، لم يتوقف ولم يعير لتوسلاتها اى اهتمام ، زادت من سرعتها وهى تركض نحو الحديقه خلفه بلهفه فأنزلقت قدمها أسفل منها والتوى كاحلها اسفل قدمها ، صرخت بقوه من شده الالم فالتفت فريد مسرعاً ينظر خلفه ، تحاملت على قدمها للنهوض ولكنها صرخت مره اخرى بدوى اكبر ، ركض فريد نحوها يتفحصها ، ظن فى بادئ الامر انها تفعل ذلك من اجل تعطيله وامتصاص غضبه ولكن دموع الالم التى اجتاحت عيونها فى لحظه جعلت قلبه ينتفض فزعاً عليها .
رواية متى تخضعين لقلبي الفصل الخامس عشر 15 - بقلم شيماء يوسف
جثا فريد على ركبتيه يتفحص كاحلها حيث أشارت له عن موضع الألم، أما هي فكانت تتقافز بطفولية على قدم واحدة كحيوان الكنغر.
هتف بها هو بانفعال ورعب قائلاً:
"حياة! اثبتي، خليني أشوف رجلك كويس!"
أجابته بحنق وهي لا تزال تتقافز ولا تقوى على الوقوف ثابتة من شدة الألم:
"انت بتتعصب عليا ليه دلوقتي! مش انت السبب، وبعدين رجلي وجعاني، هموت، مش قادرة أقف."
تهدج صوتها بألم واضح في الكلمة الأخيرة مما جعله ينتفض من جثوته مسرعاً ليقف أمامها قائلاً بلهفة لم يحاول إخفائها:
"إيه اللي حصل؟"
أجابته وهي تضغط على شفتيها لاحتواء ألمها:
"رجلي اتلوت وأنا بجري."
كانت بالفعل غاضبة منه بسبب اندفاعه غير المحسوب دائماً وعدم استماعها لها، لذلك حاولت التحرك قليلاً للابتعاد عنه، ولكن يبدو أن لقدمها رأي آخر مخالف. تأوهت بقوة للمرة الثالثة من شدة الألم فانحنى هو على الفور يضع ذراعيه أسفل ركبتها ليحملها في اللحظة التالية بين يديه.
حاولت دفعه وهي تتمتم باعتراض قائلة:
"لو سمحت نزلني، أنا هعرف أمشي لوحدي."
اخفض رأسه ينظر إليها بحاجب مرفوع ثم أجابها بحنق:
"حياة بطلي عند في كل حاجة.. وبعدين ما انتي جربتي ومعرفتيش!"
اندفعت تجيبه بنبرة حادة:
"أنا مش بعاند، مش عايزة حد يشيلني، رجلي وأنا حرة فيها."
استطردت حديثها قائلة بنبرة ساخطة:
"وبعدين مش حضرتك من كام يوم كنت مضايق إنك هتشليني!"
أشاحت بوجهها بعيداً عنه بعد انتهاء جملتها، أما عنه هو فقد اتسعت ابتسامته من رد فعلها، ثم أجابها مشاكسًا:
"ما كنتش أعرف إن الموضوع ده مأثر في نفسيتك أوي كده.. بس عندك حق، أنا غلطان ولازم أصلح غلطي."
أنهى جملته ثم توقف عن سيره واقترب من شفتيها بشفتيه. شهقت حياة بارتباك وابتعدت بوجهها قدر المستطاع عنه، ثم استطردت حديثها بتعلثم واضح قائلة:
"مش عايزة منك حاجة، نزلني بس."
أجابها وهو يبتسم لها بإغاظة قائلاً ببرود:
"في المرة الجاية هنزلك، بس المرة دي إحنا وصلنا خلاص."
شهقت باندهاش وهي تلتفت حولها لتجد نفسها بالفعل أمام الفراش بداخل غرفتها. وضعها فريد برفق ثم جلس قبالتها يخلع عنها حذائها ليرى مدى تضرر كاحلها. شهقت بخفوت من لمسته البسيطة، ولعن فريد بخفوت وهو يرى كاحلها قد بدأ في التورم. التقط هاتفه مسرعاً ليستدعي الطبيب متجاهلاً اعتراضاتها المستمرة.
وبعد فترة ليست بالطويلة كان الطبيب يجلس قبالتها يتفحص كاحلها باهتمام. أما عن فريد فقد كان يقف بجوارها بجسد متصلب وملامح حانقة من شدة الغيرة وهو يرى الطبيب يتلمس قدمها وكاحلها براحة. زفر مطولاً لتهدئة غضبه، فهو يعلم أن لمساته ضرورية ولكنه لا يتحمل الفكرة من الأساس. فكر بيأس أنه أخطأ باستدعاء طبيب، وفي المستقبل سيكون التعامل مع طبيبة أفضل. نعم، هذا ما قرره بصرامة.
أعاده من أفكاره صوت الطبيب يسألها بوقار:
"مدام حياة.. رجلك دي كانت مصابة قبل كده؟"
هزت رأسها موافقة ببطء ثم أجابته بتردد:
"آه.. وقعت عليها قبل كده وأنا صغيرة وحصلها شرخ واتجبست."
تململ فريد في وقفته بجوارها بعصبية فقد ظن أن هناك أحدًا ما وراء هذا الأمر. هز الطبيب رأسه مطمئنًا لها ثم أخرج ورقة وقلم من حقيبته دون بها بعض الأدوية ثم استقام من جلسته ليقف مقابلاً لفريد يعطيه الروشتة ويحدثه مطمئنًا بعملية شديدة:
"اطمن، المدام زي الفل.. هو بس حصل التواء بسيط والألم ده كله بسبب إصابة القدم قبل كده. هكتبلها على مسكن عشان الألم، وندهن المرهم ده مع رباط ضاغط، وكام يوم وراحة تامة هتبقى زي الفل.. بعد 3 أيام تقدر تدوس عليها خفيف، وبعد أسبوع تقدر تتحرك عادي."
التقط فريد الروشتة من يده بجمود ثم تحرك معه نحو الخارج حيث كان أحد الحراس في انتظاره أمام الباب. ودعه بجفاء شديد، ثم التفت برأسه موجهاً حديثه لحارسه بنبرته الآمرة يطلب إيصال الطبيب وإحضار الدواء في الحال.
بعد عدة دقائق عاد فريد يجلس قبالتها بهدوء وهو يضع الدواء بجوارها ثم سألها على الفور مستفسراً بنبرة خرجت منه حادة دون قصد:
"مقلتليش ليه إن رجلك دي كان فيها مشكلة؟"
اعتدلت في جلستها قليلاً وقد أربكتها نظرته الجامدة ثم أجابته بترقب قائلة:
"انت مسألتنيش، وبعدين مجتش مناسبة."
انتبه لقلقها فزفر مطولاً وهو يمرر كفه على وجهه ورأسه مستطرداً بضيق:
"هو اللي عمل فيكي كده؟ لو ضربك قوليلي."
استوعبت أنه يتحدث بصيغة الغائب عن والدها فأجابت بنبرة جافة قائلة:
"لا، دي حادثة عادية.. وقعت فعلاً ورجلي اتصابت."
صمتت قليلاً ثم أضافت بمرارة لم تخفَ عليه وهي تحني رأسها للأسفل:
"هو بصراحة عمره ما ضربني.. بس مين قال إن الوجع بالضرب بس!"
إنها تتحدث الآن عن أكثر شيء يعلمه جيداً. تنهد بألم ثم اقترب منها حتى أصبح على بعد خطوات من وجهها، ثم مد أنامله أسفل ذقنها ليرفع رأسها إليه، ثم رفعها ليتلمس جبهتها برفق ويزيح إحدى الخصلات التي سقطت فوق جفونها وهو يتنهد بحرارة.
تحدث إليها بنبرته الحانية قائلاً:
"انسيه.. كل ده ماضي وراح.. مش عايزك تفكري في اللي عمله طول ما أنا معاكي."
هزت رأسها موافقة وهي تنظر بداخل عينيه. في تلك اللحظة رأت صديق طفولتها يطل لها من بين نظراته. ابتسمت له مطولاً قبل أن تتذكر عصبيته وخوفها منه في الساعة الماضية، لذلك اختفت ابتسامتها وحلت محلها تقطيبه جادة وهي ترفع يدها لتزيح كفه ببطء وهي تتحدث بطفولية بنبرة معاتبة يشوبها دلال فطري:
"انت قاعد هنا ليه! اتفضل روح مشوارك اللي كنت بتجري عشانه."
تأملها مطولاً بشغف ومبتسمًا لها بحنان. إنه يعشقها بجميع أحوالها، ولكنها تكاد تفقده عقله عندما تعود طفلة وتتعامل معه بدلالها القديم. فهي طفلته قبل أن تكون حبيبته، ومنذ أن وقعت عيناه عليها وهو يشعر بالمسؤولية تجاهها، لذلك فلتتدلل عليه كيفما شاءت، فهو موجود فقط ليراضيها.
التقط كفه يدها وظل يتحسس ظهر كفها ببطء وهو يجيبها بنبرته الحانية متجاهلاً الرد على جملتها:
"أنا هقوم ربع ساعة وأرجعلك، تكوني غيرتي هدومك عشان تاخدي الدوا."
فتحت فمها لتعترض ولكنه كان بالفعل قد تحرك من جوارها نحو خزنتها يعبث بها قلبلاً وهو يغمغم بتفكير:
"بلاش حاجة فيها بنطلون عشان متوجعكيش وانتي بتلبسيها."
بعد دقيقة كان قد انتهى من بحثه فاستدار بجسده ينظر إليها وهو حاملاً بيده قميص بيتي متوسط الطول. وضعه أمامه ثم انحنى يسألها بمكر:
"هتعرفي تلبسيه ولا تحبي أساعدك فيه؟"
غمز لها بعينيه بعدما انتهى من سؤاله وهو يحرك أصابع يده نحو فتحة عنقها مما جعلها تشهق بخجل ثم تتمتم بعدها بعدة كلمات غير مفهومة وهي تدفعه بكلتا يديها ليبتعد عنها. انحنى بجزعه أكثر ليطبع قبلة مطولة فوق شعرها ثم تحرك نحو غرفته وضحكته تدوي بشدة من أثر خجلها واحمرار وجنتيها.
عاد إلى غرفتها بعد قليل وهو يرتدي ملابسه البيتية وقد تعمد التأخر قليلاً حتى تنتهي من تبديل ملابسها ولا تشعر بالانزعاج من اقتحامه لخصوصيتها. جلس قبالتها ومال بجسده يلتقط إحدى الوسادات الصغيرة الموضوعة بجوارها ثم وضعها بجواره وأمسك قدمها بحذر يرفعها ويضعها فوق الوسادة. أجفلت من حركته فحدثها بهدوء قائلاً بصوته الأجش:
"هش.. متخافيش.. رجلك لازم تتلف."
عضت على شفتيها محاولة إخفاء خجلها الذي ظهر جليًا فوق وجنتيها. التقط علبة الدهان من جواره وبدأ بوضعه بحذر فوق كاحلها ثم بدأ بتوزيعه بأطراف أنامله في حركات دائرية ناعمة. سرت رجفة بسيطة على طول عمودها الفقري من أثر لمساته الناعمة وأغمضت عينيها بقوة محاولة تدارك ذلك الشعور. أنهى هو مهمته وانتهى أيضاً من لف الرباط الضاغط فوق قدمها ورفع رأسه ينظر إليها بعيون داكنة فتفاجأت بها مغمضة العينين وهي تضغط على شفتيها برفق. رفع قدمها ببطء شديد نحوه. فتحت هي عينيها مسرعة على حركته تلك وقد ازداد ارتباكها وخجلها بسبب انحصار منامتها إلى نحو ركبتيها تقريباً.
بادلها نظرتها المرتبكة بأخرى راغبة ثم انحنى برأسه يقبل كاحلها بشغف قبل أن يعود ويضع قدمها مرة أخرى فوق الوسادة الصغيرة. شهقت حياة بارتباك ولم تدري ما الذي يجب عليها فعله فقد ازدادت درجة حرارة جسدها بأكمله من أثر تلك الحركة البسيطة التي أصابتها برجفة بداخل قلبها.
تحرك مبتعداً عنها نحو المرحاض لإزالة بقايا الدهان من فوق يده ثم عاد إليها مرة أخرى يجلس هذه المرة بجوارها ويضع بين شفتيها حبة الدواء بدون حديث. رفعت رأسها ببطء تنظر إليه قبل أن تنحني برأسها نحو يده الممدودة تلتقط بشفاه مرتعشة الحبة من بين أصابعه. شعر هو الآخر بقشعريرة تتملكه عندما أطبقت شفتيها بنعومة على أصابع يده، ولكنها تجاوزتها مسرعاً بتحريك جسده للإمساك بكأس الماء وإعطائه لها. تجرعته مرة واحدة لعل ذلك يروي جفاف حلقها ثم ناولتها له مرة أخرى بتوتر ملحوظ. وضعه بجواره مرة أخرى ثم مال في جلسته وهو يرفع قدميه فوق الفراش ليستلقي بجوارها وظهره يستند على الوسائد خلفه. لف ذراعه حولها ليحاوط خصرها ويقربها منه حتى أصبح رأسها يستند على كتفه مغمغمًا لها بإرهاق:
"تعالي."
فتحت فمها لتعترض ولكن كان لصوتها رأي آخر، رأي يتعارض تماماً مع عقلها ويتفق مع ما تبقى من خلايا جسدها. كل ما استطاعت فعله هو رفع رأسها لتنظر إليه متسائلة.
تنهد بصبر ثم تحدث إليها مفسراً:
"انتي سمعتي الدكتور قال مفيش حركة.. وأنا عارف لو سبتك لوحدك هتكملي نط زي القنفذ طول الليل."
امتلأ وجهها بابتسامة واسعة لم يستطع إلا أن يبادلها إياها بأخرى سعيدة متفهمة قبل أن يحني رأسه ليطبع قبلة مطولة فوق شعرها ويستند بعدها بذقنه على مقدمة رأسها. عادت هي تستند برأسها فوق كتفه واضعة يدها المتكورة فوق صدره القوي. تنهدت باستسلام وهي تغمض عينيها براحة مستمتعة بذلك الشعور الرائع بالدفء الذي اجتاح روحها قبل جسدها. لقد تربت حياة بالفعل حياة جافة عاطفياً، فوالدها بالكاد كان يتحمل وجودها في هذا العالم وكأن خلفه البنات عار وعبء مجبر على تحمله حتى موعد الخلاص. حتى أنه لم يكن يسمح لأخيه أن يقترب منها بحضن أو لمسة أخوية مهما كان السبب للمحافظة على تربيتها وأخلاقها. أما والدتها فكانت تحتضنها في الطامات الكبرى فقط ودون ذلك لم تكن تحصل منها حتى على نظرة حانية ويبدو أنها اعتادت ذلك من كثرة معاشرة زوجها حاد الطباع. وبالطبع عندما ألقاها والدها في أحضان رجل بعمر والده هي كانت رافضة له وتكره حتى لمسته لذلك لم تتعلم حتى كيفية الاحتضان وما هو شعور الاحتواء الذي يتنغنون به في الأغاني ويتحاكون به في الأفلام. ولكن كل ما كانت تعلمه أنها أرادت التمسك به بكل قوتها حتى يتسلل إليها أكبر قدر من الشعور بالأمان حتى لو أنكر عقلها ذلك. أما هو فلم يكن حاله بأفضل منها فقد حُرم من حضن الأم في سن مبكر ورغم تأكده من حب والده له، إلا أنه كان حب ضعيف لا يُسمن ولا يُغني من جوع، حب يشوبه الكثير من علامات الاستفهام ولم يفده حتى في الدفاع عنه ضد حقد وغِل زوجته.
بعد فترة من الصمت شعرت خلالها بألم قدمها يتراجع بفعل المسكن سألته بنعومة بالغة بصوت يقرب الهمس:
"فريد.."
أجابها بنبرة تماثلها هامسًا بجوار أذنها:
"حياة فريد."
امتلأ وجهها بابتسامة عريضة من تلك الجملة ذات المغزى وظهرت تلك الابتسامة واضحة في نبرة صوتها الهامس فأضافت متسائلة:
"انت ليه مقلتليش إنك كنت معايا لما تعبت وإني كنت في أوضتك؟"
حرك ذقنه فوق رأسها ثم أجابها وهو يطبع قبلة حانية فوق جبهتها مفسراً:
"عشان مكنتش عايزك تضايقي إني معاكي وقتها.. وبصراحة أكتر عشان مكنتش قادر أبعد عنك وانتي بتحضنيني ومحتاجاني بالشكل ده."
ازدادت ابتسامتها اتساعاً وخجلاً من جملته فحركت رأسها تدفنه في ثنايا عنقه وقد بدأت تشعر بالنعاس يراودها بسبب ذلك الدواء المسكن الذي يحتوي على نسبة بسيطة من المخدر. شعر هو بخجلها دون أن يراه، فازدانت شفتيه بابتسامة رضا ثم رفع ذراعه لتعبث أنامله برفق داخل خصلات شعرها.
هتفت باسمه مرة أخرى ولكن هذه المرة بصوت مكتوم يغالبه النعاس:
"فريد هتعمل إيه مع جميلة؟"
أجابها بنبرة هادئة:
"كلمتها من تليفون الحارس وطبعًا مقدرتش تعترض.. وزمانها قربت توصل."
أجابته متوسلة:
"طب عشان خاطري بلاش تزعلها.. فريد جميلة بتحب بجد بلاش تقسي عليها."
تنهد مستسلمًا ثم أجابها بنبرته الحانية وهو لا يزال يمسد خصلات شعرها بأصابعه:
"حاضر عشان خاطرك إنتي."
حرك رأسها ببطء داخل عنقه ثم تمتمت بخفوت:
"ربنا يخليك ليا."
توقفت يده عن العبث بشعرها لوهلة واتسعت مقلتيه بدهشة وهو يزدرد لعابه بقوة ثم سألها بتلهف:
"حياة انتي قلتي إيه؟"
أجابته أنفاسها التي انتظمت فعلم من خلالها أنها ذهبت في النوم تاركة قلبه يتراقص فرحاً من دعوتها البسيطة.
*******
في الصباح استيقظت حياة ورأسها يتوسد صدره. عقدت حاجبيها معاً وهي تتذكر البارحة قبل أن تغزو شفتيها ابتسامة خافتة من ذكرى أفعاله الحانية. رفعت رأسها لتنظر إليه وتتأمل ملامحه. إنه وسيم بحق وبشكل مثالي يتناسب تماماً مع شخصيته بجبهته العريضة التي تغزوها بعض التجاعيد من كثرة العبوس والتي تبدو أكثر وضوحاً عندما يعقد حاجبيه معاً. أما أنفه فهو حاد شبه مستقيم بطريقة مثالية لا يوجد به زيادة أو نقصان وشفاهه حادة تمثل خط مستقيم أيضاً وممتلئة بأن واحد مع تلك الذقن غير الحليقة والمشذبة بعناية. أما أقوى ما يمتلكه فهي تلك العينين الجوزيتين واللتين تشبهه مناهل العسل في حالتها صفائها وتتحول إلى لون البندق عند الغضب أو الانفعال. يوازيها ذلك العرق الذي ينبض بقوة بجوار فكه مع غمزة خفيفة لا تظهر إلا وقت الابتسامة الحقيقية والتي نادراً ما تحدث.
رفعت أصابعها بهدوء تتلمس ذقنه بحذر شديد. أما هو فقد استيقظ منذ تململها بين ذراعيه ولكنه تظاهر بالنوم حتى يستمتع قليلاً بدفء جسدها بين ذراعيه ولكنه فتح عينيه فوراً بمجرد ملامستها لذقنه. اتسعت عينيها بصدمة وارتكبت نظرتها بمجرد اصطدامها بعسليتيه واللتين كانتا الآن في قمة صفائهما. رفعت يدها محاولة فك حصار ذراعيه من فوق خصرها لتتحرك بعيداً عنه ولكنه شدد من احتضانها وهو يسألها بصوت أجش ناعم:
"تعالي هنا رايحة فين؟"
رمته بعدها كلمات مبعثرة:
"اصل أنا.. كنت عايزة.. هروح.."
ابتسم له بعبث قائلاً بصوت أجش:
"مش مهم ومش وقته."
أنهى جملته وهو يقترب بشفتيه منها ببطء شديد عندما قاطعه طرقات حادة متواصلة فوق باب غرفتها. ابتعد فريد وهو يزفر بحنق حتى يفتح ذلك الباب وفي نيته تعنيف من خلفه. اندفعت جميلة نحو الداخل تركض في اتجاه حياة التي اعتدلت في جلستها بمجرد رؤيتها. ارتمت جميلة تحتضنها بحنان وهي تسألها بحزن:
"حياة.. ألف سلامة عليكي.. إيه اللي حصلك يا حبيبتي لسه دادا عفاف قايلالي."
ربتت حياة فوق كتفها بحنان مطمئنة وهي تغمغم لها بصدق:
"الحمد لله يا جميلة، حاجة بسيطة متخافيش."
أنهت جملتها ورفعت نظرها في اتجاه فريد لتتبين رد فعله عن دخول جميلة المفاجئ وتبعتها الأخيرة هي الأخرى لموضع نظرها لتنظر بترقب وهي تبلع ريقها بصعوبة وتوتر. عقد فريد ساعديه فوق صدره وهو يقف في وضع استعداد وينظر نحو جميلة بجمود قبل أن يحدثها بنبرته الحادة:
"لو خلصتي واطمنتي على حياة اتفضلي بقى هوينا واطلعي بره لحد ما أجيلك."
رمقته حياة بنظرة معاتبة فأردف يقول متشدقاً بجملته:
"متبصليش، مينفعش تدخلي الأوضة كده، وبعدين لسه حسابها معايا طويل."
وقفت جميلة تنظر إليه بحزن ثم تحركت نحو الخارج برأس منكسة. تحدثت حياة فور خروجها قائلة بإشفاق:
"انت كده كسفتها على فكرة."
نظر إليها مطولاً قبل أن يقول وهو يتحرك بجسده مبتعداً عنها:
"عشان غبية ومتسرعة ومتدافعيش عنها بعد اللي حصل امبارح عشان هي السبب فيه."
أطرقت حياة رأسها وتنهدت باستسلام فقلبها يحدثها أنها لو استطردت في الحديث أو الدفاع عنها ستكون النتيجة عكسية لذلك لازمت الصمت. توقف هو عند مدخل غرفته واستدار برأسه ليردف حديثه قائلاً بتحذير وهو يشير لها بسبابته:
"هروح آخد دش وأغير هدومي.. متتحركيش من مكانك لحد ما أرجعلك وأنا هطلب من عفاف تبعتلك الفطار هنا."
أومأت له برأسها موافقة دون جدال. ابتسم بحبور عائداً إليها ثم انحنى بجسده نحوها مغمغماً باعتراض:
"جميلة دي نسيت أنا كنت بقول إيه."
أنهى جملته وطبع قبلة ناعمة خاطفة فوق شفتيها وهو يتمتم هامساً:
"صباح الخير."
اتسعت ابتسامتها وأطرقت برأسها وهي تجيبه بهمس خجول:
"صباح النور."
تنهد بحرارة وهو يفرك بكفه فروة رأسه مجعداً أنفه كأنه يحاول التوصل لقرار ما ثم انسحب بعدها إلى غرفته تاركها تنظر في أثره وابتسامة حالمة لا تزال تعلو ثغرها.
بعد قليل عاد إليها وهو يرتدي بذلة رسمية من اللون الرصاصي الغامق وربطة عنق حريرية من نفس اللون أسفله قميص من اللون الأسود مع رائحة عطره المميزة وتصفيف شعره. كان يبدو وسيماً بشكل خطير. ابتلعت لعابها بتوتر وهي تراه يقترب حتى جلس قبالتها ثم تمتم بانشغال قائلاً:
"حياة أنا لازم أتحرك دلوقتي عندي شغل كتير.. دادا عفاف هتكون معاكي طول اليوم متتحركيش من نفسك ومتنسيش الدوا بتاعك."
أجابته بحماس قائلة:
"مش هتحرك بس بشرط."
تنهد ببطء ثم سألتها بنبرته الحانية:
"إيه شرط حياتي؟"
ابتسمت بخجل ثم أضافت بلهفة:
"أقعد أراجع الملفات اللي المفروض أراجعها معاك بليل."
عقد حاجبيه معاً ثم أجابها بنبرة قاطعة:
"لأ."
أجابته باندفاع وهي تمد كفها لتحتضن كفه بتوسل قائلة:
"ليه بس لأ!! أنا هقعد هنا طول اليوم لوحدي وجميلة هتكون بتجهز لبكرة وانت هترجع متأخر.. خلي دادا عفاف تطلعهملي وهراجعهم وأنا قاعدة والله مش هتتحرك."
نظر لها دون رد كأنه يحاول التوصل لقرار فأستطردت بنبرة طفولية متوسلة وهي تضغط بكفها على كفه مشجعة:
"فريد بلييييييييز!!"
زفر باستسلام ثم أجابها على مضض متردداً:
"ماشي بس بشرط متتعبيش نفسك ومتنسيش أكلك ودواكي وأوعى تتحركي فاهمة؟"
هزت رأسها عدة مرات موافقة وهي تبتسم له بسعادة ثم أردفت تحدثه بتوجس:
"طب في حاجة كمان."
نظر لها لوهلة ثم أجابها على الفور دون انتظار سؤالها:
"متخافيش معملتش حاجة عشان وعدتك بس.. بس لو عملت حاجة تانية لحد بكرة هلغي الفرح وأنا فهمتها ده."
صفقت بيدها وعيناها تلمع بسعادة وهي تجيبه بحماس:
"وعد، مش هتعمل حاجة تاني ولو عملت يبقى انت عندك حق."
هز فريد رأسه موافقاً وهو يرفع يدها المتعلقة بكفه ليقبلها بحب ثم استقام في جلسته مغمغماً وهو يهندم من وضع لباسه:
"أنا هتحرك دلوقتي وزي ما نبهت عليكي."
مال نحوها يطبع قبلة مودعة فوق شعرها قائلاً بخبث:
"ومتدهنيش رجلك غير لما أجي بليل عشان الموضوع عجبني."
شهقت بخجل وأطرقت برأسها للأسفل تداري ارتباكها مما جعل ضحكته تدوي وهو في طريقه نحو الخارج.
********
انقضت الأيام التالية على حياة وهي غارقة بين ملفات الحسابات تراجعها بشغف حتى انتهت مما يعادل نصفها تقريباً. أما عن زفاف جميلة فانتهى بدون حضورها رغم توسلاتها الشديدة لفريد ولكنه آثر بقائها في المنزل بحجة راحتها وأوامر الطبيب. أما السبب الآخر، والذي لم يعترف لها به، هو قلقه من تكرار تجربة حفلة التوقيع مرة أخرى وخصوصاً بعدما أجبر والده على دعوة كبار الدولة وهو أبداً لن يسمح بانهيارها لأي سبب كان. أما عن جميلة نفسها فقد سافرت في اليوم التالي للزفاف بعدما زارت حياة وودعتها بقلب مثقل وهي تتمنى لها الخير مع وعود بالتواصل يومياً والاطمئنان عليها. وكم أحزن حياة فراقها فقد شعرت معها بمشاعر الأخوة والتي لم تتذوقها مع أختها الحقيقية التي كانت تهاتفها مرة كل عام وفقط لدقائق ومن أجل مصلحة.
********
جلس منصور الجنيدي في مكتبه وهو شارد في أفكاره بما يتعلق بذلك الماضي القديم. تنهد مطولاً وهو يتذكر تلك العينين الزرقاوين اللتين اخترقت سهامهما قلبه منذ أول مرة وقعت عيناه عليها في حفل شراكتهم سوياً. اللعنة على غريب رسلان وعائلته وذريته وكل ما يتعلق به. لقد فاز بها قبله. كم اشتهاها وكم تمنى قربها فغريب أبداً لم يكن يستحقها. "رحاب" تلك الحورية التي سرقت قلبه بشعرها المسترسل فوق كتفيها كأشعة الشمس والتي أخذها القدر منه قبل اكتمال مخططه ومحاولة التخريب بينها وبين غريب حتى يستطيع الحصول عليها.
عاد من شرود أفكاره على صوت طرقات خفيفة فوق باب مكتبه يليها دخول سكرتيره الخاص متنحنحاً قبل أن يبدأ حديثه بجدية قائلاً:
"يا فندم زي ما توقعت.. فريد رسلان اتفق مع الشركة الألمانية هيوردوله مباشرةً، والتوقيع قريب جداً."
انتفض منصور من مقعده ليقف أمامه ثم تحدث بنبرة قوية متوعداً:
"ماشي يابن غريب ال***."
التفت ينظر نحو سكرتيره وعيونه تطلق شرراً ثم أضاف بغل:
"النهاردة زي ما قلتلك تحيتي توصله وفي بيته فاهم؟"
أومأ السكرتير رأسه بخنوع قبل إخراجه لهاتفه الخلوي يتحدث لأحد الرجال قائلاً بجدية:
"نفذ ودلوقتي."
********
كانت حياة تجلس داخل غرفتها وهي تتأفف بملل. فبرغم شفائها التام إلا أن فريد رفض تحركها إلا بعد الرجوع للطبيب والسماح لها بذلك، فهي مجبرة على البقاء هنا بداخل غرفتها امتثالاً لرغبته والعجيب أنها وافقت على ذلك دون جدال.
في تلك الأثناء وقفت سيارة مصفحة أمام الباب الرئيسي للفيلا وطل من نوافذها عدة رجال ملثمين الوجه بأسلحة آلية وبدأوا بإطلاق النار بعشوائية نحو مداخل ونوافذ الفيلا. انتفضت حياة من مقعدها على صوت الرصاصة الأولى تليها وابل من الرصاصات المتتالية. شعرت بقلبها على وشك التوقف من شدة الهلع والذعر مع دوى الرصاصات المتلاحقة وهي حبيسة الغرفة بمفردها ولا تدري ما الذي يحدث بالأسفل. لم تعلم ما الذي يجب عليها فعله لذلك وبدون تفكير وجدت نفسها تزحف بجسد مرتجف نحو هاتفها الموضوع فوق الفراش تطلب رقمه بأصابع مرتعشة. فدون إدراك منها شعرت في تلك اللحظة أن صوته هو مصدر الأمان بالنسبة لها وهو أيضاً آخر شيء تود سماعه إذا أصابها مكروه.
أما فريد فكان في ذلك الوقت داخل اجتماع هام مع مدراء الأفرع لمناقشة خطة السنة القادمة. نظر بتأفف نحو شاشة هاتفه التي أضاءت أمامه بصمت ليجد اسمها يسطع بداخله. عقد حاجبيه معاً وهو يفكر بقلق، فهي المرة الأولى التي تحاول الوصول إليه وهو بالعمل، ترى ما هو الأمر الهام الذي دفعها لذلك. التقط هاتفه مسرعاً يجيبها ويطمئن عليها. صرخت هي باسمه من بين شهقاتها المتلاحقة تستنجد به قائلة:
"فريد الحقني.. فيه ضرب.. نار بره.. أنا خايفة."
انتفض فريد من مقعده على صوت أحد الرصاصات التي اخترقت مسامعه بقوة. صرخ بها بلهفة وهو يركض نحو الخارج برعب حقيقي يحذرها قائلاً:
"خليكي مكانك أوعي تتحررررركي.. ابعدي عن الشباك والباب.. اتحامي في حاجة وأنا ثواني وهكون عندك.. متخافيش أنا مش هسيبك."
أنهى اتصاله معه وهو يركض نحو الدرج ليستخدمه اختصاراً للوقت. وصل إلى الباب الرئيسي للشركة وصرخ بحراسه وهو يستقل سيارته ليتحركوا سريعاً دعماً لأصدقائه فمنذ حادثة التسمم السابقة قد أعطى أمرًا بانقسامهم نصفين، نصف للبقاء حول الفيلا والنصف الآخر للتحرك معه أينما ذهب. كان يسابق الزمن ليصل إليها في أسرع وقت وأكثر ما كان يقلقه هو عدم إجابتها على الهاتف عندما حاول الاتصال بها مرة أخرى. دوت دقات قلبه كالطبول وشعر بالاختناق يصيبه وعقله يهيئ له أسوأ الاحتمالات حدوثاً.
بعد 10 دقائق من إطلاق النار المتواصل والذي أدى إلى تحطيم جميع نوافذ الفيلا وتناثر الطلقات فوق الجدران وإصابة أحد الحراس بقدمه هدأت الصوت وانسحب الملثمون بسيارتهم وعم السكون المكان.
أما عن حياة فحتى بعد وقف إطلاق النار ظلت جالسة فوق الأرضية الخشبية بجوار الفراش وهي تضم ركبتيها إلى صدرها وتحيطاهما بكلتا ذراعيها دافنة وجهها الباكي بينهما وهي تحرك جسدها بقوة من شدة التوتر والرعب منتظرة قدومه.
وصل فريد في الثواني التالية وهو يلهث بقوة من شدة الغضب والرعب فوجد جدران الفيلا متراشقة جميعها ببقايا الرصاص المنثور فوقها وجميع حراسه محاوطين زميلهم الملقى على الأرضية مصاباً ينتظر قدوم سيارة الإسعاف لنقله. أعطى الأمر لرئيس حراسه على عجالة أن يتولى أمره ثم أكمل ركضه نحو الداخل ليستقل الدرج وهو يهتف باسمها برعب حقيقي.
دفع باب غرفتها بحدة وهو لازال يهتف باسمها بلهفة فوجدها جالسة فوق الأرضية تحتضن جسدها بذعر. بمجرد رؤيتها له قفزت من جلستها ترتمي داخل أحضانه بكل ما أوتيت من قوة حتى ترنح جسده للخلف قليلاً وهو يلتقطها داخل أحضانه. اعْتَصَرَ جسدها بين ذراعيه وهو يتحسسه برعب ليتأكد من عدم وجود أي إصابة بها. شددت هي من احتضان ذراعيها المنعقدين حول عنقه وهي تنتحب بشدة وتسأله من بين شهقاتها إذا أصابه مكروه.
ابتعد عنها قليلاً لينظر إليها بلهفة محاوطاً وجهها بكفيه ليسألها من بين أنفاسه اللاهثة:
"انتي كويسة صح؟"
هزت رأسها عدة مرات وهي تزدرد ريقها بصعوبة ثم رفعت كفيها المرتعشتين تضعها فوق صدره وتتحسسه كأنها تتأكد من وقوفه أمامها حقاً معافى.
بدأ هو في تقبيل وجهها بالكامل بشوق جارف غير عابئاً بحذره الذي كان يتمسك به خلال الأيام السابقة. قام بتقبيل جبهتها وأنفه وجفونها ووجنتها وشفتيها وذقنها ومقدمة عنقها وكل ما يقع عليه نظره وهو يردد من بين قبلاته كأنه يحاول طمأنة نفسه وليس طمأنتها:
"حياتي انتي كويسة.. حبيبتي انتي كويسة.. متخافيش انتي كويسة يا عمري كله."
أما هي فلم تعترض ولم تبالِ كأن قبلاته هي الشيء الوحيد الذي يقنعها أنها لازالت على قيد الحياة وأنه هو كذلك يقف أمامها بجسده كاملاً. رفعت ذراعيها مرة أخرى تحاوط عنقه ضاغطة بجسدها فوق جسده لتستمد منه الأمان محاولة إخفاء وجهها بداخل كتفه وهي لا تزال تبكي بقوة.
زفر فريد عدة مرات مطولاً يحاول استعادة هدوئه بعدما اطمأن عليها وهو يربت على ظهرها بحنان حتى هدأت وسكنت بين ذراعيه.
بعد توقف نحيبها حملها وتوجه بها نحو الفراش ليجلس فوقه وهو لا يزال يحملها بين ذراعيه. ظلا هكذا فترة من الوقت حتى هدأت أعصاب كلاهما وانتظمت دقات قلوبهما وهما في حضن أحدهما الآخر. وبعد فترة ليست بقليلة حاول فريد إنزالها ووضعها فوق الفراش ولكنها تمسكت بقميصه بقوة مغمغمة بتوسل وهي مغمضة العينين:
"لا خليك معايا متمشيش."
تنهد براحة وهو يمسح فوق شعرها بحنان ثم أجابها بنبرته الناعمة:
"أنا هنا عمري ما هسيبك."
حكت رأسها بمقدمة ذقنه كعلامة موافقة على حديثه. وبعد مدة طويلة من جلوسها داخل أحضانه شعر بانتظام أنفاسها فوق عنقه فعلم أنها ذهبت في نوم عميق. تحرك بها بحذر ليضعها فوق الفراش في وضع أكثر راحة ثم انسحب من جوارها بهدوء. ظل فترة واقفاً يتأملها محاولاً استجماع إرادته وإجبار عينيه وساقيه على التحرك من أمامها. اللعنة، إنه يريد العودة والاندساس داخل أحضانها والاستمتاع بدفء أنفاسها الواقع على عنقه ووجهه بصرف النظر عما ينتظره بالأسفل. فعقله يحدثه بضرورة التحرك لمعاقبة من سولت له نفسه بالتعدي على منزله وفي غيابه وأيضاً الاطمئنان على حارسه المصاب والذي تركه بالأسفل منذ ما يقارب الساعة دون معرفة التفاصيل. أما قلبه فهو مكبل بحبها يريد قربها بيأس حاله حال عينيه وباقي جسده. زفر باستسلام وقد حزم أمره، فحياته دائماً في المرتبة الأولى وما تبقى مهما بلغت أهميته يأتي خلفها. لذلك عاد مرة أخرى يتسلق بجوارها وهو يجرها نحوه ويحتضنها بكلتا ذراعيه حتى يرتاح قلبه داخل ضلوعه وهي بين يديه.
رواية متى تخضعين لقلبي الفصل السادس عشر 16 - بقلم شيماء يوسف
استيقظ فريد من غفوته بجوارها على صوت أزيز هاتفه الموضوع فوق الكومود بجواره. التقطه ينظر بشاشته قبل أن يجيب وهو يتأفف بملل، فالمتصل لم يكن سوى والده وهو يعلم جيدًا فحوى ذلك الاتصال، لذلك أجابه بضيق ساخرًا:
- مش محتاج أسأل عن سبب اتصالك ده.
أجابه غريب من الطرف الآخر متشدقًا بحنق:
- مش عايزني أطمن عليك كمان!!!
أجابه فريد وهو يعود لاحتضان حياة التي بدأت تستفيق على أثر مكالمته قائلاً:
- لا اتفضل اطمن براحتك ومتفكرش إني مش عارف مين اللي بينقل لك كل حاجة.. أنا بس سايبه بمزاجي.
صدح به غريب بقوة حتى وصل صوته من الهاتف إلى مسامع حياة قائلاً بعصبية:
- يابني انت عايز تجنني!! إيه البرود اللي عندك ده!! اضرب نار على بيتك وأنت بتكلمني في مين اللي وصلي الخبر!! عمتا أنا بعتلك شوية حرس زيادة يفضلوا معاك الفترة دي لحد ما نشوف آخرتها مع الزفت منصور ده، أكيد هو السبب.
تشنجت ملامح وجه فريد وأبعد الهاتف عن أذنه قليلًا حتى انتهى والده من صياحه، ثم أجابه ببرود مستفز:
- متشغلش بالك بمين ضرب نار على مين، وبعدين أنا مش عايز حاجة من حد.. أموري وأنا هظبطها بمعرفتي.. المهم أنت متدخلش.
أجابه غريب باستسلام:
- أنا عارف إن مفيش فايدة فيك وكلامي كله ع الفاضي معاك.. عمتا نكمل كلامنا بكرة في الشركة.
أراد فريد إنهاء المكالمة بأسرع ما يمكن، لذلك لم يجادل والده أكثر وأنهى المكالمة دون تعليق. ظلت حياة تراقبه حتى انتهاء مكالمته، ثم بدأت تحدثه بهدوء قائلة:
- فريد.. بباك عنده حق.. أنت لازم تزود عدد الحراسة معاك لحد ما تعرف مين اللي عمل كده.
تأملها مطولًا بعشق، ثم تنهد بحرارة وهو يدني بجسده من جسدها، ثم أحنى رأسه يطبع قبلة فوق جبهتها قائلاً بحنان:
- تعالي.
احتضنها جيدًا وحاصر جسدها بذراعه، ثم أردف حديثه بنفس نبرته الحانية قائلاً:
- متخافيش ومتقلقيش، أنا عارف مين عمل كده والموضوع ده هيخلص قريب.
تنهدت حياة باستسلام ورأسها يتوسد صدره، ثم أردفت قائلة بتردد:
- فريد.. ينفع أسألك سؤال.
أجابها وهو يعبث بخصلات شعرها مجيبًا بحب:
- اسألي يا قلب فريد.
رفعت حياة جسدها مستندة على مرفقها لتنظر إليه متسائلة بترقب:
- أنت عارف مين اللي عمل كده صح؟
أومأ برأسه موافقًا دون حديث. ازدرت حياة ريقها بقوة، ثم استطردت سؤالها باستنكار:
- طب ليه كل ده؟ ليه يعمل كده؟
أغمض عينيه لبرهة يتذكر حديث والده عن اكتشاف حب منصور لوالدته وكرهه الواضح لفريد دون مبرر، ثم فتحهما مرة أخرى قائلاً لها وهو لازال يعبث بمقدمة شعرها:
- واحد من منافسين السوق.. مش قابل إننا نتفوق عليه.
زفرت حياة بحزن، ثم استطردت قائلة بضيق:
- هو في حد يعمل كده عشان الرزق ده كله بتاع ربنا!!! طب وبعدين هتعمل إيه دلوقتي؟
اعتدل فريد بجسده حتى أصبح أمامها، ثم أضاف وهو يحتضن كفها بكلتا يديه قائلاً بحنو:
- متشغليش بالك أنتِ، زي ما قلتلك الموضوع هيتحل قريب.. بس دلوقتي أنا لازم أتحرك ورايا كام مشوار.
تبدلت نظرتها للقلق وتمسكت بيده بقوة متمتمة برعب:
- لا متمشيش.
أجابها فريد وهو يحتضنها بين ذراعيه قائلاً تبريرًا:
- حبيبي أنا مش هغيب، بس في حارس اتصاب ولازم أروح أطمن عليه، مش هينفع أسيبه كده، وكمان لازم أفهم إزاي كل ده حصل.
شدت من احتضان ذراعيها حول جسده متمتمة بتوسل:
- لا متسبنيش.. لو مصمم تنزل خدني معاك.
أجابها فريد بحزم حانٍ:
- حياة مش هينفع.. أنا هروح المستشفى، وبعدين متخافيش هسيب ناس معاكم هنا جوه الفيلا كمان للاحتياط.
هزت رأسها بقوة وهى لازالت تحتضنه قائلة بإصرار:
- لا مش عايزة حد.. يا أجي معاك يا تفضل هنا.
أنهت جملتها ورفعت رأسها تنظر إليه بعيون لامعة من أثر تجمع بعض الدموع بداخلها. تنهد باستسلام بمجرد رؤيته لدموعها، ثم قال على مضض:
- ماشي خلاص.. قومي حضري نفسك واعملي حسابك ننتعشى بره.
قفزت من الفراش بحماس كالطفلة وهي تركض نحو غرفتها متمتعة بنبرة تملؤها الحماس:
- حاضر.. ربع ساعة وهكون جاهزة.
كانت جيهان جالسة بجوار غريب تستمع إلى مكالمته وعيونها ممتلئة بالتشفي. سألت غريب بعد انتهاء مكالمته متلهفة:
- غريب هو حصل إيه؟
زفر غريب بضيق وهو يعود بجسده للوراء ليستند على ظهر مقعده قائلاً بحزن:
- في حد ضرب نار على البيت عند فريد.
سألته جيهان بخبث مستفسرة:
- نار مرة واحدة!!! وفي بيته كمان!!! طب حد حصله حاجة؟
أجابها غريب بعدما تنهد براحة:
- لا الحمد لله جت سليمة.. واضح إن اللي عمل كده كان قاصد يهوش بس.. كل الضرب كان على الشبابيك والمداخل.
أردفت جيهان تسأله بتفكر:
- طب ويا ترى عرفتوا مين اللي عمل كده؟
أجابها غريب مسرعًا:
- مش محتاجين نعرف.. هو منصور زفت مفيش غيره.
هزت جيهان رأسه ببطء ونظراتها شاردة في مكان آخر. نظر لها غريب مطولًا باستنكار يتأمل سكوتها، ثم سألها متوجسًا:
- جيهان أوعي تكوني!!!!
صاحت به جيهان بعصبية قائلة بحنق:
- جيهان جيهان!!! جيهان زهقت منك أنت وابنك.. كل ما تحصل مصيبة تجيبوها فيا!! روح شوف ابنك اللي مش مخلي حد في السوق مش عامل معاه عداوة.
لم يجد غريب ما يجيبها به، فقط اكتفى بالانسحاب من تلك الجلسة غير المجدية. أما عن جيهان فقد غمغمت بسعادة قائلة بعيون تلمع من شدة الحماس:
- والله زمان يا منصور.. شكلنا هنعيد القديم تاني.. كويس إنك ظهرت لي قبل ما أتورط لوحدي.
انتهى كلا من فريد وحياة من زيارة الحارس الخاص بالفيلا، وتفاجئت حياة أن المصاب ليس إلا ذلك الحارس الذي ساعدها في أول يوم لها بالمنزل، لذلك حزنت من أجله كثيرًا وتمنت له الشفاء العاجل من كل قلبها، الأمر الذي أسعد الحارس كثيرًا.
وبعد انتهاء زيارتهم، اصطحبها فريد إلى أحد أفخم مطاعم الإسكندرية والمطل مباشرة على البحر. ومنذ وصولهم وأثناء فترة العشاء، كان فريد مراعيًا إلى أقصى درجة ممكنة حتى يستطيع إذابة ذلك الارتباك الذي تحمله نظراتها طوال الأمسية. وبعد انتهاء وجبة العشاء، تنهد فريد مستعدًا قبل أن يحدثها بلهجته الحازمة التي لا تحمل مجالًا للتراجع:
- حياة.. من أول الليلة دي هتنامي معايا في أوضتي.. أنا عطيت أمر لدادا عفاف تنقل حاجتك كلها معايا.
استحوذ على انتباهها بالكامل بمجرد نطقه لتلك الكلمات، فازدردت لعابها بقوة وقد بهتت ملامحها وظهر التوتر جليًا عليها قبل أن تسأله بنبرة منخفضة مترقبة:
- يعني إيه؟
أخذ نفسًا عميقًا ليستطرد قائلاً بنبرة عملية جادة:
- يعني أنا أوضتي آمن من أوضتك، غير إني مش هطمن بعد كده وأنا في مكان وأنتِ في مكان حتى لو كان الفاصل باب.. عشان كده هتنتقلي معايا لحد ما أحل المشكلة دي.
ظلت تنظر إليه ولم تعقب، ولكن من قال إنه يحتاج صوتًا ليفهمها، فقد التقطت عينيه حيرتها بسهولة، فأضاف بنفاذ صبر قائلاً بنبرة خالية:
- متتبصليش كده.. أنا مش عضك.. ومفيش أي حاجة هتحصل بينا غير بموافقتك.. وبعدين قرري يا أنا أنام عندك يا العكس.
لوت فمها بضيق، فهي من جهة تعلم أن كلامه منطقي وهي نفسها تخشى الابتعاد عنه خاصة بعد ما حدث اليوم، ومن جهة أخرى يراودها إحساس قوي أن ذلك القرار لن يسير في صالحها أبدًا. أما قلبها فكان له رأي ثالث لن تجرؤ حتى على الاستماع إليه.
أما عن فريد فكان يجلس مترقبًا ينتظر قرارها، والذي بناءً عليه سيقرر إذا كان سيستمر فيما انتوى فعله معها لبدء حياة طبيعية بينهم، أم أنه سينتظر قليلًا بعد. زفرت بتوتر ثم أجابته مسرعة كأنها تخشى التراجع في قرارها:
- أوك.
امتلأ وجه فريد بابتسامة واسعة، فبرغم وضعه لخطه بديلة في حالة رفضها أو عنادها، إلا أنه أسعده كثيرًا أن توافق بملء إرادتها، فهذا معناه أنها أصبحت مستعدة ولو بنسبة بسيطة لمشاركته حياته. تنحنح محاولًا السيطرة على مشاعره ونبرة صوته قبل أن يستطرد حديثه قائلاً بجدية شديدة:
- تمام.. دي أول نقطة.. تاني نقطة إن من أول بكرة هتنزلي معايا الشركة.
نظرت إليه مطولًا وهي تعض على شفتيها لمنع لسانها من الاندفاع، فهي تعلم جيدًا أنه لن يحتاج التفوه بأكثر من ذلك لتهتف بحماس بموافقتها، فهي تكاد تموت مللًا من الجلوس بالمنزل طوال النهار بمفردها، ولم تعِ مدى اشتياقها للعمل إلا بعدما رمى إليها كل تلك الملفات التي راجعتها كالنهمة، ولكن لا ضير من إثارة حنقه قليلًا. لذا سألته مستفسرة باستفزاز:
- هعمل إيه في الشركة؟
رفع إحدى حاجبيه ينظر إليها متأملًا، قبل أن يتشدق بجملته ساخرًا:
- في تمثال ناقص من الشركة ومحتاجين حد بداله؟
نظرت إليه في بادئ الأمر مستنكرة، قبل أن ترتخي نظراتها وتسأله بتهكم قائلة:
- وعلى كده بتدفعوا حلو للتماثيل بتاعتكم؟
التوى جانب فمه بنصف ابتسامة قبل أن يجيبها قائلاً بسخرية:
- مكنتش أعرف إنك مادية كده!!!
اتسعت ابتسامتها وبدأت عيونها تلمع ببريق تسلية أعجبه بشدة، قبل أن تضيف مشاكسة:
- وأنا مكنتش أعرف إنك شايفني تمثال!!
فتح فمه ليجيبها، ولكن في تلك الأثناء مرت من خلف حياة امرأة كانت تبتسم لفريد بإغراء وهي تلوح له بيدها بدلال واضح. في بادئ الأمر عقد حاجبيه محاولًا التذكر إذا كانت من معارفه أم لا، قبل أن يشيح بنظره بعيدًا عنها بعدم اهتمام. التقطت حياة نظراته المتفحصة، فالتفت برأسها للخلف تنظر حيث تركيز نظراته، فتفاجئت بتلك المرأة تشيح بنظرها بارتباك بعيدًا عنه. استدارت برأسها بحدة تنظر إليه بغضب وتمتم بحنق واضح:
- عيب كده على فكرة!!!
سألها فريد بعدم اهتمام واضح:
- هو إيه اللي عيب بالظبط؟
ازداد حنقها من إنكاره، فأجابته بنبرة حادة:
- أنت عارف كويس أنا بتكلم على إيه.. متلفش وتدور!
ضيق نظراته عليها قبل أن يسألها مستفسرًا وهو يضغط على حروف كلماته:
- أولًا، مش فريد رسلان اللي يلف ويدور، فلو عندك حاجة عايزة تقوليها، وضحّي! ثانيًا، دي واحدة ***** شافت نفسها حلوة شوية فقالت أجرب يمكن أطلع منه بحاجة، وثالثًا ودي أهم نقطة... حياة، انتي غيرانة؟
ارتبكت نظرتها قليلًا أمام نظراته المتفحصة، ولكنها سرعان ما تمالكت نفسها لتقول بتعلثم واضح:
- لأ، أنا مش غيرانة... بس مش عايزة الناس تتكلم عليا وتقول "يا عيني قاعد مع مراته ويبص لغيرها".
مال بجسده حتى أصبح وجهه على بعد خطوة واحدة منها، ثم قال بنبرة ناعمة صادقة:
- انتي معايا ولا مش معايا، ولا مليون واحدة غيرك تملي عيني. وبعدين هتفرق إيه لو انتي مش قدامي؟ وانتي دايماً هنا.
أنهى جملته والتقط بيده كفها الموضوع فوق الطاولة ورفعه حتى موضع قلبه، ثم قام بفرد أصابعها فوقه وهو لا يزال محتضنًا كفها بكفه. لمعت عيناها بسعادة واتسعت ابتسامتها رغمًا عنها وهي تنظر مباشرة في عسليتيه. أردف هو حديثه قائلًا بهمس ناعم وهو يقترب بشفتيه من شفتيها:
- وبعدين ممكن نثبت للناس دلوقتي إنه جوزك بيحبك انتي.
شهقت بخجل وعادت برأسها للخلف مبتعدة عنه، وهمهمت بكلمات غير مفهومة مما جعله يقهقه عاليًا. تسمرت نظرتها فوقه وهي تتأمل ضحكته بتلك الغمزة الوحيدة التي حفرت بداخل خده من أثر ابتسامته الحقيقية، قائلة بأعجاب واضح:
- ضحكتك حلوة قوي! المفروض اللي زيك ميطلبش يضحك أبدًا.
كانت تريد الآن العض على لسانها، ذلك الذي تفوه الليلة بالكثير من الحماقات. أما هو، فقد لمعت عيونه بسعادة واضحة، ثم تمتم لها وهو يتأمل عينيها قائلاً بعشق:
- واللي زيك المفروض يخبوا عيونهم عن الناس، لأن عيونك دي فتنة وأنا اتفتنت بيها من أول فتحتيهم في وشي.
شعرت بحرارة جسدها تزداد من أثر كلماته ونبرته الهامسة ويده التي لا تزال تحتضن يدها بتملك ونعومة. لذلك أثرت الهرب من ذلك الموقف، فسألته بأرتباك واضح:
- فريد، ممكن نروح؟
كان يعلم جيدًا أنها تراوغ، ولكن يكفيه ما حصل عليه منها الليلة. لذلك أومأ لها برأسه موافقًا، قبل أن يطلب من حارسه إنهاء الحساب والتوجه بها نحو الخارج وهو لا يزال يحتضن يديها بين يديه.
***
في الصباح، استيقظت حياة بحماسة لتجد نفسها نائمة بين ذراعيه ورأسها يتوسد صدره. عقدت حاجبيها بتركيز، فهي تتذكر جيدًا أن البارحة حاولت الحفاظ على مسافة بينهم حتى لا يظن أنها ترتمي داخل أحضانه كلما أتاحت لها الفرصة. أما عن فريد، فقد استيقظ بالطبع كعادته بمجرد تململها بين ذراعيه. فتح عينيه ينظر لها بابتسامة عابثة دون حديث. سألته هي بتقطيبه واضحة مستفسرة:
- بتضحك على إيه؟
هز رأسه نافيًا في حركة تنم عن عدم نيته في الإجابة عن سؤالها، لذلك انسحبت من الفراش وتحركت قبله لتستعد وترتدي ملابس العمل. أما هو، فقد ظل ينظر في أثرها بابتسامة واسعة وهو يتذكر في منتصف الليل، وبعدما أصرت على وضع وسادة فاصلة بينهم حتى يلتزم كلٌ منهم بموضعه، تفاجأ بها تقوم برميها بعيدًا، قبل أن تقترب منه طالبة النوم بين ذراعيه. تنهد بحرارة قبل أن يقرر وهو الآخر التحرك والاستعداد لبدء يومه المشحون.
بعد قليل، كانت حياة تقف أمام الجزء الخاص بملابسها أمام خزانه فريد العريضة تحاول اختيار رداء اليوم. لوت فمها بسخرية وهي تفكر بيأس أن خزانه ملابسه تعادل حجم غرفتها بمنزل والدها، بعدما احتلت هي نصفها تقريبًا. فقد قامت السيدة عفاف بنقل جميع ملابسها الذي انتقاها لها فريد منذ زواجهم، والتي لم تمس أي منهم حتى الآن. حانت منها التفاتة جانبية لذلك الكم من البدل النسائية بألوانها المتنوعة وأقمشتها الناعمة. إنها تحتاج الآن إلى إرادة فولاذية حتى لا تمتد يدها وتنتقي أحدهم من أجل إيبوم. كانت غارقة في تأملاتها ولم تشعر بحركته إلا وهو يقف خلفها ليحتضن خصرها بكلتا يديه ويحني رأسه ليستند بذقنه فوق كتفها ويهمس بجوار أذنها قائلاً، ويده تمتد إلى بدلة ذات سترة طويلة من اللون الأسود مع بنطال من الجينز الفاتح، قائلاً بصوت أجش:
- البسي دي، هتبقى تحفة عليكي.
حركت رأسها قليلًا حتى تستطيع رؤيته، فأردف يجيب على سؤالها الذي لم تنطق به، قائلاً بحرارة:
- الأسود بيليق قوي مع لون عينيكِ وشعرك، وما فيش لون ممكن يعبر عن طبيعتك المتمردة غيره.
أنهى جملته وفك حصار ذراعيه من فوق خصرها، قائلاً بلطف وهو يضع قبلة ناعمة فوق وجنتها:
- هسيبك وأروح ألبس في الحمام، وانتي البسي براحتك.
ظلت تنظر في أثره حتى اختفى من أمامها، قبل أن تتحرك لتنفيذ مطلبه دون وعي أو حتى اعتراض واحد.
بعد فترة لا بأس بها، كانت حياة تقف أمام مبنى الشركة والمكون من عدة طوابق، نوافذها جميعها من الزجاج العاكس، وفريد يقف بجوارها يضغط بيده على يدها ليحثها على التقدم والدخول. حركت رأسها تنظر إليه محاولة استمداد شجاعتها منه، ولكنه كان ينظر إلى الأمام بجبين عابس وملامح شديدة الجدية، كأنه يستعد لدخول معركة ما. ابتعلت ريقها بصعوبة وهي تتأمل تبدل ملامحه. فكرت بيأس أن تعود بأدراجها حيث المنزل، فقد تخلت عن الفكرة بأكملها، كما أن فريد بهيئته تلك يبدو من نوعية المديرين التي لا تفضل أبدًا التعامل معهم أو العمل تحت إمرتهم بأي شكل كان. كما أنها تفضل فريد الذي بالمنزل عن ذلك الذي يتحرك بجوارها ويرمي الجميع بنظرات نارية دون سبب مقنع.
استأنفت طريقها بجواره بصمت، شاعرة بالتوتر من كم النظرات المسلطة عليها، ما بين معجب وحاسد ومستنكر ومترقب، حتى وصلا إلى الطابق الثالث حيث غرفة مكتبه. توقف عن السير أمام مكتب سكرتيرته الخاصة، يأمرها بجمود دون أن يتكلف حتى عناء النظر نحوها، قائلاً بحدة:
- اطلبي مدير الحسابات وقولي له يحصلني ع المكتب بعد عشر دقايق. عشر دقايق بالضبط ومش قبل كده.
شعرت حياة بالشفقة كثيرًا على تلك الموظفة، والتي يبدو الارتباك جليًا على مظهرها وملامحها وهي تستمع إلى تعليماته الصارمة. وفكرت بيأس، إذا لم تكن هي "حياة خاصة فريد" كما يلقبها، كيف كان سيتعامل معها وهو مديرها الخاص؟ إنها لا تريد حتى التفكير في ذلك الأمر. تنحنحت محاولة تلطيف الجو من حولها قليلًا، لذلك وجهت حديثها للسكرتيرة قائلة بود شديد:
- صباح الخير.
بادلتها السكرتيرة ابتسامتها بأخرى مرتبكة وهي تهمهم بحذر قائلة:
- صباح النور يا فندم.
سحبت حياة يدها من داخل يد فريد ووجهتها نحو السكرتيرة، مبادرة بتحيتها وهي تسألها بوجه بشوش:
- أنا اسمي حياة، انتي اسمك إيه؟
مدت السكرتيرة كفها مسرعة تحتضن يد حياة وتحركها بترحاب شديد وهي تتمتم باحترام:
- أيوه طبعًا يا فندم، أنا شفت حضرتك في حفلة التوقيع. أنا اسمي إيمان.
هزت حياة رأسها باستحسان وهي تجيبها بمرح:
- اسمك جميل يا إيمان.
قاطع حديثهم صوت فريد الذي هتف باسم حياة بنفاذ صبر وهو يتململ بجوارها، مما جعلها تلتفت برأسها تنظر داخل عينيه لتستبين حالته. اتسعت ابتسامتها وهي تنظر إليه، فبرغم نبرته الحادة، إلا أنه ما زال محافظًا على صفاء عينيه، إذا فهي لا تزال في مرحلة الأمان. أثرت التحرك قبل إثارته غضبه بحق، ولكنها أثناء تحركها معه داخل مكتبه، استدارت بجسدها تلوح لإيمان بمرح وهي تتمتم مسرعة:
- هاجيلك تاني.
في الداخل، سألها فريد بنبرة خالية:
- خلصتي تعارف ولا تحبي أجبهالك تكملي هنا؟
مدت حياة شفتيها للأمام في حركة طفولية منها لتعبر له عن حزنها دون حديث. استطرد هو حديثه الجامد محذرًا بضيق:
- كام مرة قلتلك متعمليش الحركة دي.
اندفعت تجيبه بتذمر واضح:
- أنت بتتعصب عليا ليه دلوقتي؟ أنا أصلًا متوترة وخايفة من غير حاجة.
تنهد باستسلام ثم تحدث وهو يتحرك بها نحو مكتبه ليستند بجسده على حافته، وتقف هي مقابلة له، محتضنة كلتا كفيها بين يديه، ومتسائلاً بهدوء:
- ها يا ستي، متوترة ليه بقى؟
أجابته بضيق وهي تضغط بيدها على يده:
- أنت مش شايف كلهم بيبصولي إزاي؟ تلاقيهم فاكريني جاية أفسح بما إني مرات المدير.
أجابها فريد مازحًا:
- لازم يبصولك، مانتي مرات فريد رسلان... المدير.
تشدقت حياة بجملتها بحنق قائلة:
- مغرور قوي على فكرة.
رفع فريد إحدى حاجبيه ينظر إليها محاولًا تصنع الغضب، وقائلاً بجدية:
- انتي عارفة إن ما فيش حد غيرك بيقدر يقولي كده؟
أجابته ساخرة:
- تلاقيهم بيقولوا من وراك عادي.
سألها بتهكم:
- وانتي بقى الشجاعة اللي فيهم؟
أجابته بفخر وهي ترفع رأسها للأعلى:
- أها، عشان أنا الوحيدة اللي عارفة فريد زمان، يعني أنا صاحبة عمره وأقدر أقول أي حاجة براحتي.
نظر لها مطولًا دون حديث. كانت تعلم جيدًا ما يريد قوله لها دون الحاجة لنطقه للكلمات. قاطع حديث عيونهم طرق خفيف فوق الباب. سمح فريد للطارق بالدخول، وقد كان مدير الحسابات. أومأ له فريد رأسه في تحية شديدة الجفاف قبل أن يقول بعملية شديدة:
- إبراهيم، دي الأستاذة حياة "مراتي". هتبدأ معاك من النهارده في مراجعة الحسابات، وهيكون في إيديها كل الصلاحيات، يعني تتعاون معاها على قد ما تقدر ومش عايز مشاكل. فاهمني؟
أومأ المدير رأسه لفريد بخضوع تام موافقًا على حديثه، قبل أن يرفع رأسه لتحية حياة بأدب:
- أهلًا وسهلًا يا حياة هانم، شرفتينا.
اندفعت حياة تجيبه بمرح وهي تمد يدها لتحييته وهي تبتسم لها ابتسامتها الواسعة:
- لأ هانم إيه، حياة بس طبعًا.
امتلأ وجه الرجل بابتسامة عريضة وهو يردد من ورائها:
- حياة.
انتفض فريد في وقفته وهدر بالمدير بعصبية واضحة لم يحاول إخفائها:
- تقولها حياة هانم، وبعدين اتفضل أنت دلوقتي، ولو احتاجتك هندهلك.
فتح الرجل فمه ليعترض، ولكن نظرة فريد جعلته يتراجع على الفور ويهرول نحو الخارج في عجلة. استدار فريد يهتف بها بعصبية:
- أنا جايبك هنا تهزري ولا تشتغلي؟
فتحت فمها لتجيبه وقد أرعبتها نظرته، ولكنه رفع يده يوقفها مستطردًا بغضب شديد:
- رجعت في كلامي. مفيش شغل، وما فيش شركة، والنهارده هتقضي طول اليوم جنبي في المكتب من غير صوت ولا حركة ولا نفس لحد ما أخلص بليل. فاهمه؟
صمت قليلاً محاولاً تهدئة غضبه، ثم أردف رافعاً إصبعه في وجهها محذراً:
- اقسم بالله لو اتعاملتي معاه أو مع أي راجل كده تاني هتشوفي مني وش تاني مش هيعجبك أبداً يا حياة. ومتضحكيش لأي حد مهما كان السبب! فاهمة!
هدر بقوة في كلمته الأخيرة مما جعلها تنتفض رعباً، وبدأت الدموع تتجمع داخل مقلتيها، ثم انسحبت بهدوء تجلس فوق أحد المقاعد حتى تتجنب المزيد من غضبه، فحركة جسده ونظرته تخبرها أنها تخطت خطوطها الحمراء.
في منتصف الظهيرة، وأثناء عودة نيرمين من النادي الرياضي، صادفت والدتها خارجة من المنزل على عجالة. استوقفتها نيرمين تسألها باستنكار:
- مامي! انتي رايحة فين؟
تفاجأت جيهان بعودة ابنتها باكراً، فهي قد تعمدت اختيار ذلك التوقيت بالتحديد لثقتها بعدم وجود أحد بالمنزل في ذلك الوقت. أجابتها جيهان على مهل حتى تبدو منطقية في حديثها قائلة باستفهام:
- نيرو! انتي إيه رجعك بدري كده من النادي؟ انتي ملحقتيش تقعدي؟
أجابتها نيرمين بضيق واضح:
- ولا حاجة يا مامي بس نجوى مجتش النهارده وملقتش حد أقعد معاه. ولما كلمتها قالتلي تعبانة وهنتقابل بليل. فزهقت من القعدة لوحدي ورجعت.
حركت جيهان رأسها متفهمة، ثم أردفت تقول في عجالة وهي تتحرك نحو سيارتها لتستقلها:
- تمام. ادخلي انتي يا حبيبتي وأنا شوية وهرجع مش هتأخر.
مدت نيرمين ذراعها تستوقف والدتها وهي تسألها بفضول قائلة:
- انتي برضه مقلتيليش رايحة فين؟
أجابتها جيهان بارتباك:
- زهقت وقلت أروح النادي أقابل طنط صفية.
أجابتها نيرمين بتذمرها المعتاد:
- يا مامي مش كنتي قلتيلي طيب كنت استنيتك هناك. طب استنى أجي معاكي.
قاطعتها جيهان بحزم واضح:
- لأ انتي تدخلي ترتاحي مش هتقضي اليوم كله بره. ويلا عشان انتي معطلاني.
لم تنتظر لسماع المزيد من الحديث، فقد تحركت على الفور تستقل سيارتها لتقودها بنفسها على غير عادتها، تاركة ابنتها تشعر بالاستنكار من تصرفات والدتها الغير منطقية.
في إحدى الكافيهات المعزولة، كانت جيهان تجلس أمام منصور الجنيدي بكل ثقة وهي تضع ساقاً فوق الأخرى وتجيبه عن سؤاله المتشكك قائلة بإقناع:
- انت عارف أنا طلبت أشوفك ليه يا منصور، فبلاش نلف وندور على بعض. أنا عرفت انت عملت إيه في بيت فريد عشان التوكيل اللي أخدته منك. يعني من الآخر كده مصلحتنا رجعت مشتركة تاني.
ضرب منصور الطاولة أمامه بقبضته غاضباً وهو يجيبها بحنق:
- محدش استفاد غيرك المرة اللي فاتت يا جيهان وأنا طلعت من المولد بلا حمص.
أجابته جيهان باندفاع ونبرة حادة وهي تقترب تتحرك بجسدها متخذة وضع الاستعداد للهجوم:
- وأنا كنت أعرف منين إن غريب هيعمل كده؟ أنا قلت هيطلقها بعد ما يشك فيها وخلاص. بس عمتا المرة دي اطمن انت فعلاً هنستفاد.
نظر لها منصور بتشكك قبل أن يسألها بحرص:
- قصدك؟
أجابته جيهان بعيون تقطر حقداً وصوت يشبه فحيح الأفاعي:
- يعني المرة دي تعمل اللي أنا مقدرتش أعمله زمان. تخلصني منه ومش هو لوحده، هو ومراته كمان.
سألها منصور باستهزاء واضح:
- ولما أنا أعملك كل ده أنا هستفاد إيه؟
أجابته جيهان بنبرة جادة مقنعة:
- أنا مش هاممني التوكيل ولا إن الشركة تتوسع. انت عارف إن شراكتنا مع الفرنسيين مكفية الشركة وزيادة. كل اللي عايزاه إني أخلص منه وكرسي رئيس مجلس الإدارة يكون لبنتي. والباقي حلال عليك كل حاجة هترجع زي الأول. وأوعدك إني هكون متحكمة في كل حاجة لما نيرمين تمسك بداله وأخلص لك كل الصفقات اللي انت مش قادر عليها.
حك منصور ذقنه بيده وعيونه شاردة في تفكير عميق استمر لعدة دقائق قبل أن يجيبها بهدوء:
- موافق. أنا كده كده عايز أخلص منه من زمان ومستني الفرصة.
أجابته جيهان بسعادة واضحة وهي تمد كفها تحتضن كفه:
- اتفقنا بس زي ما قلت لك هو ومراته وتقتل مراته قبله. مش عايزة يطلع لي ديل يا منصور وتطلع حامل ولا حاجة ساعتها أنا وانت هنخسر كل حاجة.
أومأ منصور برأسه موافقاً وهو يجيبها بثقة:
- منصور مبيفشلش. ومع إنها متخصنيش بس عندك حق. لازم المرة دي نخلص خالص.
في المساء، كانت نيرمين تجلس مع نجوى في أحد بارات الإسكندرية الشهيرة. مالت نيرمين حول نجوى تصرخ في أذنها قائلة بشماتة:
- عارفة مين كان في الشركة النهارده؟
سألتها نجوى بقلق وصوتها يماثلها في الصراخ حتى تستطيع سماعها من بين تلك الموسيقى الصاخبة:
- بنت الخدامة. فريد أخدها معاه تشتغل في الشركة.
صرخت نجوى بصوت أعلى ولكن هذه المرة من أثر الحنق قائلة بغيظ:
- مين قال لك الأخبار الزفت دي؟
أجابتها نيرمين وهي تحتسي مشروبها المسكر:
- بابي. ولما ماما عرفت كان حالها زيك بالظبط وأكتر منك.
صرخت نجوى بعصبية قائلة:
- البنت دي هتكوش على كل حاجة ولا أنا هطلع بفريد ولا أنتوا هتطلعوا بالشركة.
نظرت نيرمين نحو نجوى بتفحص شديد قبل أن تسألها بشك:
- نجوى.. انتي فعلاً مش همك الفلوس وبتعملي كل ده عشان خاطر فريد؟
أجابتها نجوى بنبرة لا تحمل أي دليل على الكذب:
- آه طبعاً. أنا ميهمنيش غير فريد وحب فريد. هو انتي لسه هتعرفيني دلوقتي يا نيرو؟ ده احنا حتى صحاب من أيام الطفولة.
هزت نيرمين رأسها لها بسعادة قائلة بحبور وقد اطمأنت على نوايا صديقتها:
- طبعاً يا روحي ده انتي صاحبة عمري.
ربتت نجوى على كتفها متصنعة الحب قبل أن تنظر نحو كأس نيرمين الذي أوشك على الانتهاء لتقول لها بخبث:
- نيرو يا قلبي. الدرينك بتاعك خلص. خليكي متتعبيش نفسك أنا هروح أجيب لك واحد جديد معايا.
أومأت نيرمين رأسها موافقة وهي تتمايل على نغمات الموسيقى الصاخبة. تحركت نجوى نحو بار المشروبات ثم مالت برأسها نحو شاب ما يقف بجوارها وسألته بنبرة خفيضة:
- ها اللي طلبته جاهز؟
هز الشاب رأسه لها بثقة قائلاً بفخر:
- عيب عليكي يا حب العمر. جاهز وزي ما طلبتي.
أنهى جملته وأخرج من جيب ردائه الخلفي مجموعة من الحبوب. التقطتها نجوى بتوجس وهي تنظر حولها أولاً لتتأكد من عدم رؤية أحد ما لها، ثم أخذت تنظر بها بتفحص شديد وهي تسأله بتركيز:
- الزفت ده هيجيب معاها من الآخر صح؟
أجابها الشاب بثقة:
- زي ما اتفقنا. أسبوع واحد كل يوم حبايتين في أي درينك وبعدها هتجيلك زاحفة تقولك الحقيني بالجرعة. ساعتها أتعامل معاها أنا بقى في البودرة وأطلع لي بسبوبة حلوة.
ربتت نجوى على كتفه بتشجيع قائلة بغل:
- يدخل بس في دمها وأشتغل معاها زي ما تحب.
أردفت تكمل حديثها بخفوت قائلة بتوعد وهي تفرغ حبتين من المخدر داخل شراب نيرمين:
- وكده يبقى خلصنا من نيرمين وكل الهيصة دي تروح لفريد. ومن فريد لإيدي بعد ما أخلص من بنت الخدامة ست الحسن بتاعته.
رواية متى تخضعين لقلبي الفصل السابع عشر 17 - بقلم شيماء يوسف
في غرفتهم ظلت حياة تذرع الغرفة ذهابًا وإيابًا بعصبية وهي تفرك كفيها معًا بضيق من لامبالاته نحوها. فهو منذ تعنيفها في الصباح لم يتحدث معها بكلمة واحدة ولم يتعامل معها بأي شكل كان. وهي أيضًا لم تفعل، حتى أنها رفضت مشاركته وجبة العشاء علّ وعسى أن يبعث في طلبها أو يأتي هو بنفسه طالبًا صحّبتها كعادته، ولكن أيضًا دون جدوى.
فكرت بعناد وهي تتوجه نحو خزانة الملابس: إذا انتظرت منه أن تبدأ هي في الحديث معه، فهو سينتظر طويلًا.
دلف فريد بعد قليل إلى داخل الغرفة متجاهلًا وجودها تمامًا. كانت تقف هي أمام خزانة الملابس لإخراج ملابس للنوم، وعندما رأته يدلف داخل الغرفة التقطت أول ما وقع تحت يدها دون النظر به، وهو عبارة عن قميص قطني قصير بفتحة عنق منخفضة وينحصر إلى ما بعد الركبة بمسافة لا بأس بها. وأغلقت باب الخزانة خلفها بقوة فأصدرت صوت ارتطام قوي قبل أن تتحرك برأس مرفوع بتحدٍ لتبديل ملابسها في الحمام.
شهقت بصدمة وهي ترى ذلك الرداء القصير الذي جذبته يدها دون تركيز. ظلت جالسة فوق حافة البانيو فترة لا بأس بها تفكر بيأس في حل لتلك المعضلة. هل ترتديه أم تعود للخزانة وتستبدله بقميص أطول؟ إذا خرجت بعد كل تلك المدة دون تبديل ملابسها سيسخر منها، وهي ليست في مزاج يسمح لها أبدًا بسخريته. لذلك قررت ارتداءه والتحرك مباشرة إلى الفراش والاندساس تحت الأغطية، وإذا حالفها الحظ فمن الممكن ألا يراها.
بدل فريد ملابسه ووقف ينتظر خروجها، لكنها استغرقت وقتًا أطول من اللازم للخروج. أرهف سمعه محاولًا الاطمئنان عليها فوجد الصمت يعم المكان. ظل يتحرك داخل الغرفة بقلق يحاول الوصول لقرار: هل يطرق الباب ليطمئن عليها أم يستمر في تجاهلها حتى تخرج بمفردها؟ حسم أمره وقرر تنفيذ الاختيار الأول، فهو كان ينوي في كل الأحوال التحدث معها قبل انتهاء تلك الليلة. لذلك استدار بجسده في اتجاه المرحاض بدءًا لتنفيذ قراره، عندما اصطدمت عيناه بها ترتدي رداء نوم قطني بسيط يحاوط جسدها بشغف ويبرز جميع تفاصيله ويكشف عن أغلب ساقها وعنقها بمقدمة صدرها. وقعت عيناها عليه فصرخت بصدمة قائلة باستنكار:
- إيه ده؟ انت بتعمل إيه؟
أفاق من شروده وتأمله لها على صوت صراخها وهي تسأله بحدة. عقد حاجبيه معًا عابسًا وهو يجيبها بعدم فهم:
- عملت إيه؟
أجابته بتعلثم قائلة:
- انت مش لابس.. قصدى فين تيشرتك؟.. قصدى انت مش لابس غير بنطلون.
نظر لها مطولًا ثم أجابها بعدم اهتمام:
- الجو حر وأنا متعود أنام كده.
قاطعته معترضة بضيق:
- يا سلااااام!!!!! مانت كنت بتنام جنبي بالتيشرت.
أجابها بنبرة خالية وهو يتحرك نحو الفراش ليستلقي فوقه:
- كنت بعمل كده عشان متضايقيش، بس بيتهيألي لازم تتعودي بقى زي ما بتتعودي تضحكي وتهزري مع باقي الناس عادي.
هتفت باسمه بحنق واضح:
- فرييييييييد!!!
أجابها هو بتحدٍ رافعًا إحدى حاجبيه:
- حيااااااة!!
زفرت بإحباط ثم أردفت قائلة بيأس:
- ولا حاجة مش مهم أصلًا. أنا هروح أنام في أوضتي.
أنهت جملتها وهي تتحرك نحو باب غرفتهم المشترك تدير مقبضه، فانتقض هو من نومته وفي اللحظة التالية كان أمامها يمسك بيدها ويمنعها من التحرك. هتفت به بحنق قائلة:
- فريد لو سمحت سبني.
لم يجيبها بل انحنى بجسده يضع ذراعيه أسفل ركبتها ليرفعها بين ذراعيه، ثم قام بإلقائها فوق الفراش قائلًا بنبرة حازمة:
- أنا قلت مفيش بيات في الأوضة دي تاني وكلامي يتسمع.
أشاحت بنظرها بعيدًا عنه وقد بدأت الدموع تتجمع داخل مقلتيها من الإحباط. استلقى هو بجوارها متمددًا فوق الفراش وهو يزفر بضيق. انتهزت فرصة إبعاد يده عنها فزحفت بجسدها بعيدًا عنه. مد ذراعه يسحبها نحوه مرة أخرى. كررت محاولتها ولكنه إلى جانب ذراعه التي حاوطت خصرها قام بلف قدميه حول قدمها ليكبلها، فعلمت أنه لا جدوى من مقاومته. لذلك استلقت على جانبها الأيمن تدير ظهرها له وبدأت بالبكاء في صمت. ظل فريد يتأملها من الخلف لمدة دقيقة. كان يعلم أنها تبكي رغم محاولتها عدم إصدار أي صوت أو حركة توحي بذلك، ولكنه كان يعلم جيدًا أنها تبكي. زفر بتأثر ثم استدار على جانبه المقابل لها ورفع جسده يستند بمرفقه على الوسادة فوقها وهو يتمتم لها بحزم حانٍ:
- حياة بصيلي.
لم تصدر منها أي حركة تدل على سماعها أو نيتها تنفيذ طلبه، وبدلًا من ذلك رفعت إصبعها لتمسح سريعًا بعض الدموع التي بللت وجنتيها. أعاد طلبه مرة أخرى ولكن بنبرة هامسة ناعمة لم تستطع مقاومتها، فوجدت جسدها يستدير في ناحيته تلقائيًا. اخفضت عينيها وثبتت نظرها فوق صدره العاري حتى لا ينظر في عينها ويكتشف أمر بكائها. مد يده الحرة يتلمس بأصبعه خصلات شعرها ثم سألها بهمس وهو لا يزال محافظًا على نبرته الحانية:
- بتعيطي ليه دلوقتي؟
في ظروف ونبرة صوت أخرى كانت ستجادله وتثير حنقه بكل ما أوتيت من قوة، ولكن بتلك النبرة التي يهمس بها بجوار أذنها والتي تحمل في طياتها حنان العالم أجمع، شعرت أنها على وشك الذوبان أو الإجهاش في البكاء، أيهما أقرب.
هزت رأسها رافضة ثم أجابته بصوت هامس متحشرج وهي لازالت مثبتة نظرها فوق صدره:
- مش عارفة.
لاحت شبح ابتسامة حانية فوق شفتيه حاول السيطرة عليها ليستطرد حديثه بنفس النبرة الناعمة قائلاً:
- طب ممكن ترفعي عينيك وتبصيلى.
هزت رأسها مرة أخرى رافضة، فهي تحاول جاهدة الحفاظ على رباطة جأشها أمامه، وإذا رفعت نظرها نحوه ستنهار في البكاء. تنهد هو مرة أخرى مطولًا ثم أردف حديثه قائلاً بعتاب حانٍ:
- طيب يعني ينفع تتعاملي مع حد أول مرة تشوفيه بالطريقة دي؟ وبعدين افرضي طلع حد دماغه شمال وفهم تعاملك ده غلط، أعمل إيه أنا وقتها؟
لم يخطر ببالها تلك الفكرة على الإطلاق، فقد دفعها حماسها للتعامل معه مثلما تعاملت مع السكرتيرة، فقط من باب المجاملة وكسر التوتر وليس إلا. صمتت قليلًا ثم أجابته بنبرة طفولية تحمل دلالًا فطريًا خالصًا:
- مكنش قصدي على فكرة.
اتسعت ابتسامته رغما عنه من أثر نبرتها المدللة، فأردف يقول وقد بدأ المرح يغلف همسه الناعم بعدما قام بطبع قبلة رقيقة فوق جفنها الأيمن:
- يعني انتي مش عارفه إني بغير عليكي من أي حد.
هزت رأسها ببطء عدة مرات موافقة وهي لازالت تتحاشى النظر إليه.
أردف هو متسائلًا بهيام وهو يطبع قبلة أخرى فوق جفنها الأيسر:
- وعارفه إني لما بغير مبشوفش قدامي؟
هزت رأسها مرة أخرى وبنفس الطريقة عدة مرات موافقة على حديثه وهي تنظر إلى خط البداية في مقدمة عنقه وتقاوم إغراء شديد لمد إصبعها وتلمسه.
أردف قائلاً بنبرة جادة:
- يبقى احمدي ربنا إني مكسرتلهوش صف سنانه ده اللي كان بيضحكلك بيه.
هزت رأسها هذه المرة ولكن مسرعة كأنها تخشى إذا تأخرت أن يقوم بفعل ذلك الآن. عادت ابتسامته تملأ وجهه وهو يرى الذعر بادياً على وجهها، فاستطردت حديثه قائلة بمرح:
- اتفضلي بقى نامي عشان عندنا شغل الصبح.
رفعت نظرها تنظر إليه بدهشة فوجدت الابتسامة تزين ثغره وتملأ عينيه. أردف هو مغمغمًا بعبوس كأنه يتحدث إلى نفسه:
- أنا بقيت برجع في كلامي معاكي كتير ودي حاجة مش عجباني على فكرة.
اتسعت ابتسامتها وهي تنظر نحوه ثم تمتمت بخجل:
- شكراً.
ودون وعي منها وكأن عقلها قد انفصل عن جسدها مدت إبهامها نحو عنقه تتحسس ببطء بدايته وتتبع عضلاته حتى توقفت عند مقدمة معدته. تسمر إصبعها في المنتصف وكأنها أدركت فجأة أنها تفعل ذلك حقيقة وليس داخل عقلها.
أغمضت عينيها بخجل وسحبت إصبعها سريعًا وكورت يدها كأنها تخشى إذا تركتها مفرودة أن يخونها إصبعها مرة أخرى. كان فريد يتتبع بنظره إصبعها ويشعر وكأن يترك من خلفه خطًا من الحريق فوق جسده. أغمض عينيه قليلًا محاولًا السيطرة على سيل مشاعره المتدفقة، ثم حدثها بمكر قائلاً:
- حلو أوي البتاع اللي انتي لابساه ده، أنا عايز منه كل يوم.
فتحت عينيها تنظر إليه بعدم فهم، قبل أن يقع نظرها على جسدها وتشهق بخجل. لقد انحصر الرداء بسبب حركتها وكشف عن ساقيها كاملة تقريبًا. مدت يدها بارتباك تحاول إنزاله مرة أخرى، ولكن يد فريد كانت أسرع منها فقد قام بتكبيل كلتا يديها معًا بيد واحدة وهو يتمتم داخل أذنها بإغواء:
- سيبيهالي أنا المهمة دي.
أنهى جملته ومد كفه ببطء يلتقط طرف ردائها بأصبعه ثم بدأ يسحبه للأسفل ببطء شديد متعمدًا. أثناء حركته لمس باطن كفه ساقها. عضت حياة على شفتيها محاولة السيطرة على تلك الرعشة الخفيفة التي اجتاحتها من أثر لمسته البطيئة. اللعنة على هرموناتها المتقلبة! لقد اختار التوقيت المثالي ليقوم بفعله هذا. هذا ما فكرت به حياة بيأس وهي تشعر بحرارة جسدها تزداد مع كل لمسة منه على ساقها. انتهى فريد مما يفعله ورفع رأسه ينظر إليها وقد استحالت لون عينيه إلى البندق من شدة انفعاله ورغبته. اخفض رأسه قليلًا ليقترب منها وهو ينظر نحو فمها. فانفرجت شفتيها في حركة تلقائية منها أمام نظراته الملتهبة. اللعنة على جسدها الخائن تلك الليلة! واللعنة أيضًا على فريد ونظرات فريد ولمساته التي تكاد تفقدها صوابها. إنه لا يلعب بعدل مطلقًا، فهي تكاد تكون بكرًا في كل شيء وتفتقد حتى لتلك النبرة الناعمة والتي كان يهمس بها بجوار أذنها منذ قليل. أعادت كل ذلك إلى هرموناتها التي أوشكت على التغيير.
همس فريد اسمها بنعومة من بين شفتيه التي تكاد تلامس شفتيها، فذابت آخر نقطة مقاومة لها. رفعت كفها لتضعه خلف عنقه وتدنيه منها. التهم فريد شفتيها بين شفتيه ببطء ونعومة شعرت معها أنها تغيب عن الوعي. قطع قبلتهما صوت رنين هاتفه والذي صدع بقوة داخل أرجاء الغرفة. ابتعد عنها فريد وهو يلعن بحنق ثم سحب هاتفه من فوق الكومود ليجيب. أخبره مساعده أنه علم بطريقته الخاصة أنه قد تم اختيار الغد لتقوم الضرائب بتفتيشها السنوي. أغلق فريد هاتفه بعدما قام بعدة اتصالات هاتفية أخرى لترتيب أوضاعه، ثم استلقى مرة أخرى فوق الفراش ساحبًا جسدها معه وهو يتمتم بخفوت:
- تصبحي على خير.
لم تدري لمَ أصابها الإحباط عندما ابتعد عنها فجأة، نهرت نفسها بقوة على ذلك التفكير، فيبدو أن عقلها لا يستطيع التفكير بطريقة سليمة تلك الأيام.
تنهدت بحيرة وهي تفكر في تبدل أحوالها معه، فمنذ فترة ليست ببعيدة كانت تخطط للهرب منه بكل ما أوتيت من عزم، والآن ها هي تندس بين أحضانه كأنها تريد الاختباء تحت جلده وداخل ضلوعه.
أما هو فأغمض عينيه بقوة محاولاً السيطرة على أعصابه وجسده واستجماع إرادته حتى لا يعود ويقبلها مرة أخرى، فهو في تلك اللحظة يعلم أن قبلتها لن تكفيه وهي ليست مستعدة لذلك بعد. سيتمهل ويسير في طريق علاقتهما كما خطط، وأول شيء يجب عليه فعله هو محو لمسات ذلك الرجل المقيت من فوق جسدها ومن داخل عقلها.
في الصباح استيقظت حياة وهي تتذكر بخجل كيف دنت بنفسها منه تطلب قربه وقبلته. تنهدت بضيق ثم انسحبت بهدوء من جواره لتأخذ دشاً بارداً يعيد إليها توازنها وسلامة فكرها قبل الذهاب إلى العمل.
استيقظ فريد فور انسحابها من داخل أحضانه، ولكنه آثر التظاهر بالنوم حتى تتحرك بطبيعتها. ابتسم بسعادة وهو يتذكر البارحة وكيف أثبتت له أنها أكثر من متقبلة لمساته.
أما عن حياة فقد حاولت منذ استيقاظها التهرب بنظراتها من نظراته قدر الإمكان حتى تضع مسمى لكل ذلك التخبط الذي تشعر به وهي بجواره.
***
أمام مقر شركته ترجل فريد من سيارته ومد يده ليحتضن يدها وسار بها نحو الداخل، وظل محتضناً يدها بداخل يده حتى وصلا إلى طابق غرفة مكتبه.
ابتسمت حياة بحبور في تحية صامتة لسكرتيرته الخاصة "إيمان"، والتي انتقضت من مقعدها بمجرد رؤيتها لفريد يخرج من باب المصعد وحياة تسير إلى جواره بصمت.
وقف أمامها ويبدو أنها عادته اليومية أن يملي عليها تعليماته المبدئية قبل دخوله مكتبه.
سألها فريد بنبرته الجادة:
- في حاجة ناقصة؟
سارعت إيمان بالإجابة على سؤاله بوقار واضح:
- لا يا فندم كله تمام وكل الأوراق جاهزة وقت ما يوصلوا.
هز فريد رأسه باستحسان ثم أجابها وهو يتحرك نحو باب مكتبه ساحباً حياة من خلفه:
- تمام أنا في المكتب، دخلي لي كل الأوراق اللي عايزة تتأمضي أخلصها لحد ما يوصلوا.
توقفت يده على مقبض الباب ثم استطرد حديثه كأنه تذكر ما يريده للتو:
- آه.. وهاتي لحياة هانم باقي ملفات الحسابات هنا.
أومأت إيمان رأسها بخضوع موافقة على حديثه، ثم رفعت رأسها موجهة ابتسامة إعجاب نحو حياة، والتي بادلتها الأخيرة ابتسامتها بإيماءة خفيفة من رأسها مطمئنة قبل أن تختفي مع فريد داخل غرفته.
غمغمت حياة بإعجاب واضح بمجرد إغلاق فريد للباب خلفهم لتقول:
- إيمان دي باين عليها طيبة أوي وشاطرة كمان في شغلها، هي بقالها كتير معاك؟
أجابها فريد وهو يمد كلتا يديه ليحتضن خصرها قائلاً:
- آه يعني بقالها حوالي ٧ سنين.. كانت سكرتيرة ليا من قبل ما أمسك رئاسة الشركة واترقيت معايا برضه.
همست حياة بدهشة قائلة بسخرية لإغاظته:
- وااااو.. فريد بيه متمسك بحد.. أكيد إيمان عندها إرادة حديدية عشان شغلها يعجبك كده.. أنا عجبت بيها فعلاً.
رفع فريد إحدى حاجبيه ينظر لها بعبث ساخر وهو يشدد من لف ذراعيه حول خصرها حتى أصبحت ملتصقة به تماماً، ثم همس بشفتيه أمام شفتيها قائلاً بشغف واضح:
- متأكدة إني مش بتمسك بحد؟
ازدردت لعابها بقوة ولم تعقب، وبدلاً من ذلك حركت ذراعيها لأعلى لتستند بكسل على ساعديه وتحتضنهما بكفيها في تملك واضح وهي تسلط نظرها فوق شفتيه.
حرك فريد رأسه ببطء فتلامست شفاههما معاً، قبل أن يبتعد عنها قليلاً.
رفعت حياة رأسها تنظر إليه بتساؤل جعل ابتسامة رضا تلمع داخل عينيه، ثم أخفض رأسه مرة أخرى نحوها ملامساً شفتيه بقبلة قاطعتها عدة طرقات فوق باب غرفته.
زفر هو بضيق وابتعدت عنه حياة على الفور وهي تمسح جبهتها بتوتر، لائمه نفسها على الانسياق وراء رغبة جسدها في التقرب منه.
دَلفت إيمان نحو الداخل بتوجس وهي ترى نظرات فريد النارية نحوها دون مبرر. وضعت الملفات فوق مكتبه بارتباك وهي مطرقة الرأس، ثم استأذنته في الخروج والتفتت مرة أخرى نحو الخارج مسرعة.
عبث فريد بأصبعه في أحد الملفات ثم سأل حياة بنبرة جامدة كأنها لم تكن منذ دقيقة واحدة بين أحضانه:
- في مشاكل قابلتك امبارح؟
هزت حياة رأسها نافية بغيظ، وقد تذكرت كيف قام بتجاهلها البارحة طوال اليوم ولم يهتم حتى بسؤالها عن أول يوم لها بالعمل، ولكن ذلك المغرور تذكر فعل ذلك اليوم بعدما أنهى عقابه لها.
تحركت بحدة نحوه تسحب الملفات من تحت يده بقوة وهي ترمقه بنظرة غاضبة من بين أهدابها الطويلة، ثم انسحبت نحو الأريكة تجلس بكبرياء وهي تضع ساقاً فوق الأخرى وتتفحص الملف بتركيز.
اتسعت ابتسامة فريد من مظهرها الغاضب وهو ينظر نحوها بإعجاب، فهو لم يكن يتوقع أن يستمر هدوؤها مطولاً، وخصوصاً أنها لم تعانده البارحة.
هز كتفيه بعدم اهتمام ثم تحرك يجلس خلف مكتبه ليبدأ عمله.
انغمست حياة في مراجعة الملفات بعناية، وقد أقسمت على تجاهله طوال اليوم وعدم السماح له بالاقتراب منها.
بعد حوالي الساعتين التفتت منه التفاتة جانبية نحوه وهي تفكر بأشفاق أنه حقاً يعمل بجد طوال اليوم، ففي خلال هاتين الساعتين أجاب على ما يقارب خمسة عشر اتصالاً هاتفياً إلى جانب كم الملفات الموضوعة أمامه والمطلوب منه مراجعتها قبل انتهاء اليوم، ورغم ذلك فهو يبدو في قمة وسامته وقد خلع سترته وشمر عن ساعديه القويين وأرخى ربطة عنقه وحل الزر الأول من قميصه كاشفاً عن عنقه المثير.
حركت حياة رأسها بشدة محاولة طرد تلك الأفكار الغريبة من داخل رأسها.
وفي منتصف اليوم وردته اتصال داخلي يبلغه بوصول موظفي هيئة الضرائب إلى الطابق الأرضي، فطلب فريد إيصالهم إلى غرفته.
بعد قليل استقبلهم فريد وحياة بجانبه بداخل مكتبه، وصمم على قيامهم بالمراجعة هنا وبداخل مكتبه لضمان أكبر قدر من الراحة لهم.
كانت حياة تراقبه وهو يتعامل مع الأمور بمنتهى الحنكة والذكاء، غير قادرة على إخفاء نظرة الفخر والتي كانت تلمع بها عينيها وبوضوح.
حتى أنها وجدت نفسها تحرك جسدها تلقائياً لتدنو منه عندما قام رئيس اللجنة وهو رجل في منتصف الخمسينات بسؤالها بنبرة ودية عن تخصص دراستها العليا بعدما قام فريد بإخباره عن مجال دراستها بفخر شديد وهو يرمقها بنظرة أبوية مشجعة.
أجابته حياة على سؤاله باستحياء قبل أن يعود الرجل مع باقي لجنته ليدفنوا رؤوسهم داخل الملفات مرة أخرى.
انتهز فريد فرصة اقترابها منه وانشغال الرجال بعملهم، ومد يده ببطء ليضعها فوق ظهرها تحت سترتها، ثم قام بعدها وبحذر شديد برفع طرف بلوزتها وأدخل يده تحتها.
تسمرت حياة في مكانها واتسعت مقلتيها وهي تنظر نحوه باندهاش من فعلته الجريئة، غير قادرة على إيجاد صوتها والاعتراض.
غمز لها فريد بطرف عينيه دون أن يراه أحد وهو يبتسم نصف ابتسامة مستمتعة وهو يحرك أصابعه بإغراء فوق بشرتها الناعمة حتى وصل إلى جانبها الأيمن.
ضمت حياة ذراعها تضغط بمرفقها من فوق ملابسها وبكل ما أوتيت من قوة على أصابعه لتحاصره وتمنعه من الاسترسال في تحسسه لجسدها، ولكنه فرق أصابعه وحررها من تحت ضغطها بسهولة واستمر في تحسسه حتى وصل للجزء العلوي من ملابسها النسائية وأخذ يعبث بها محاولاً فك رباطها.
شهقت حياة بقوة مما جعل أحد الرجال يرفع رأسه للأعلى بفضول مستكشفاً.
سحب فريد يده مسرعاً دون أن يلاحظه أحد ووضعها بجانبه كأنه لم يفعل شيئاً.
حاولت حياة تدارك موقفها وإخفاء احمرار وجنتيها فتحولت شهقتها إلى سعال مفتعل.
ربت فريد فوق ظهرها محاولاً كبت ابتسامته وهو يسألها بخبث:
- انتي كويسة؟
هزت رأسها بارتباك موافقة ونافية في نفس الوقت، ثم تمتمت بخفوت قائلة:
- عن إذنكم..
أومأ لها فريد برأسه موافقاً وهو يرمقها بابتسامة عابثة وفي نفس الوقت ساحرة.
ركضت حياة مسرعة إلى داخل المرحاض الملحق بغرفته.
أغلقت الباب خلفها جيداً، ثم استندت بجسدها فوقه وهي تتنفس بحدة محاولة السيطرة على ارتجاف جسدها وخفقات قلبها التي تقرع كالطبول.
رفعت يدها تتلمس بكفها وجنتها وجبهتها وهي تغمغم لتهدئة أنفاسها المضطربة:
- دي هرمونات مش أكتر.. انتي اليومين دول متلخبطة مفيش حاجة من اللي في دماغك.. انتي بس هبلة ومتأثرة بكلامه مش أكتر.. متفكريش في حاجة مش موجودة.. يومين وهترجعي طبيعية تاني.
هزت رأسها بحزم وهي تعدل من وضعية ملابسها، ثم خرجت برأس مرفوع محاولة قدر الإمكان تجاهل نظرته والتي كانت تعلم جيداً أنها مسلطة عليها، ثم غمغمت هاربة منه:
- أنا هطلع أسأل إيمان على حاجة وراجعة..
أنهت جملتها وهرولت نحو الخارج مسرعة دون انتظار إجابته.
قضت حياة ما تبقى من يومها على المقعد المقابل لإيمان تثثرثر معها في أي شيء وكل شيء محاولة صرف تفكيرها عنه وإشغال عقلها بأي حديث حتى لا تتذكر لمساته التي لازالت تشعر بحرارتها على جسدها.
***
في تلك الأثناء اصطدم منصور أثناء خروجه من أحد المطاعم الشهيرة بجسد أنثوي مغري. ضغطت المرأة والتي لم تكن تتجاوز أواخر العشرينات بجسدها على جسده وهي تقول بدلال مصطنع:
- سوري.. ماخدتش بالي.
أجابها منصور وهو يتأمل جسدها ومفاتنها الأنثوية والتي تظهرها ملابسها الفاضحة بقوة قائلاً بإعجاب:
- لا سوري إيه بس.. ده ياريت كان حصل من زمان.
دوت المرأة ضحكتها عالياً وهي تتحسس صدره بكفها قائلة بإغراء:
- اسم الباشا إيه؟
أجابها منصور وهو يتنهد بحرارة قائلاً:
- باشا إيه بس ده انتي اللي باشا.
رنت ضحكة المرأة مرة أخرى وهي تسأله بإغواء:
- طب إيه هنفضل واقفين هنا كتير؟
التفت منصور برأسه يميناً ويساراً ليتأكد من عدم وجود أحد حولهم، ثم قال بخبث:
- لا هنا إيه.. تعالي عندي مكان تاني هيعجبك أوي.
أنهى جملته وهو يمسك بذراعها ويسحبها نحو سيارته بحذر قبل أن يراه أحد.
جلست المرأة بجواره ثم أخرجت هاتفها مسرعة تبعث برسالة نصية إلى شخص ما، ثم أخفته بحذر مرة أخرى دون أن يراها.
***
انتهى اليوم وانتهى معه التفتيش، ورافق فريد اللجنة إلى الخارج مودعاً بتفاخر بعدما سار كل شيء على خير ما يرام، ثم التفت نحوها يقول بنبرته الآمرة:
- حياة حضري نفسك عشان هنتحرك.
هزت رأسها موافقة وهي تتحرك خلفه نحو غرفته تلتقط حقيبتها وهي تحمد الله سرا على انتهاء يومها أخيرًا، فهي تشعر بإرهاق شديد من جلوسها على ذلك المقعد طوال اليوم، كما أنها بدأت تشعر بآلام خفيفة تغزو ظهرها وأسفل بطنها.
التقط فريد هاتفه ومفاتيح سيارته ثم مد يده الخالية يحتضن يدها وهو ينظر إليها بتفحص، ثم سألها باهتمام:
- أنتي كويسة؟
هزت رأسها له مطمئنة وهي تبتسم بشحوب.
عقد حاجبيه معًا وهو يسألها مستفسرًا:
- متأكدة إنك كويسة؟ حاسس إنك تعبانة.
كانت تشعر بالخجل من الإفصاح عن سبب ألمها الحقيقي، لذلك أجابته كاذبة:
- مفيش بس صدعت شوية، هروح آخد مسكن وأبقى كويسة.
ترك يدها على الفور مبتعدًا عنها وهو يبتسم لها بتفهم، ثم غمغم بإصرار وهو يلتقط الهاتف الداخلي:
- وليه نستنى لما تروحي؟
صمت قليلاً ثم تحدث على الفور آمرًا بلهجته الصارمة:
- إيمان لو سمحتي هاتي مسكن دلوقتي وتعالي مكتبي.
أبعد سماعة الهاتف عن أذنه قليلاً، موجهًا حديثه لحياة متسائلاً:
- تحبي تجيبلك نوع معين ولا أي حاجة؟
حركت رأسها بارتباك وهي تغمغم بخفوت:
- أي حاجة مش مهم.
بعد قليل كانت إيمان تقف أمامهما بشريط كامل من الأقراص المسكنة وكوب من الماء. أخذهم فريد من يدها مسرعًا، ثم أخرج حبة دواء ووضعها داخل فم حياة التي فتحت فمها دون اعتراض تلتقطها منه بشفتيها قبل أن يرفع كوب الماء نحو فمها لتبتلع حبة الدواء وسط نظرات إيمان المتفاجئة، والتي كانت تفتح فمها باندهاش من تصرف رب عملها غير المتوقع والمسبوق.
استدار فريد ينظر نحوها شرزًا ويرميها بنظرات عابسة جعلتها تستدير بجسدها بارتباك، ثم ركضت على الفور نحو الخارج مغلقة الباب خلفها بذعر.
انحنى فريد يطبع قبلة حانية فوق شعر حياة وهو يحتضنها بين ذراعيه بنعومة، تناست معها قسمها الذي أقسمته صباحًا بالابتعاد عنه وتجاهله.
همس فريد بجوار أذنها قائلاً بمكر:
- على فكرة أنا نومي خفيف وسمعتك الشهر اللي فات وإنتي بتسألي عفاف على مسكن برضه.. وبعد كده لما تكوني تعبانة متكدبيش عليا وقوليلي على طول.
شهقت حياة بخجل وهي تتذكر الشهر المنصرم عندما تفاجأت في منتصف الليل بألم شديد ولم تجد أحد تطلب منه المساعدة غير دادا عفاف التي هرولت إليها تساعدها، وكانتا تتحدثان معًا داخل غرفتها الملاصقة له، ولم تتخيل أبدًا أن أصواتهم تصل إليه.
فتحت فمها لتجيبه معترضة، ولكن أوقفها أو بمعنى أصح أنقذها صوت رنين هاتفه الذي صدع داخل الغرفة مقاطعًا.
أجاب فريد متسائلاً على الفور:
- ها كله تمام؟
صمت قليلاً، ثم أردف قائلاً بجمود:
- استناني.. نص ساعة وهكون عندك.
أنهى مكالمته ثم تمتم لها على عجل قائلاً وقد تبدلت نبرته تمامًا للجدية:
- حياة السواق هيوصلك على البيت وأنا عندي مشوار هخلصه وأرجع.
نظرت إليه فأردف قائلاً بحزم شديد:
- حياة.. مش عايز اعتراض.. روحي على البيت وأنا هحصلك بليل.
هزت رأسها موافقة، فهي لم تكن في مزاج يسمح لها بالمجاملة من الأساس.
***
في منزل منصور، دلفت المرآة إلى الداخل وهو يحتضنها باشتهاء واضح.
غمز لها قائلاً بمجون:
- بقولك إيه، أوضة النوم فوق، اطلعي ظبطي نفسك عقبال ما أحصلك.
سألته المرآة وهي تفرك يدها معًا متصنعة القلق:
- بس يا باشا الناس اللي واقفة بره دي هتفضل كده عادي؟
سألها منصور بعبوس:
- مالهم يعني؟
أجابته المرآة وهي تعض على شفتيها وتقترب منه بإغواء:
- قصدي إني مش هبقى واخدة راحتي وأنا عارفة إن فيه حد بره واقفلي كده، وبعدين ممكن يسمعونا.
أجابها منصور بنفاد صبر:
- ملكيش دعوة بيهم، مش هيركزوا، وبعدين خلصي بقى مش هنقضي اليوم كله كلام.
اقتربت المرآة منه لتقاطعه معترضة وهي تتعمد لمسه بإثارة حتى يرضخ لطلبها قائلة بهمس مغري:
- يا باشا عشان خاطري نص ساعة بس، حتى خليهم يمشوا عشان أعرف أشتغل معاك بمزاج، و أهو في الآخر كله لمصلحتك.
نظر إليها منصور مترددًا، ولكن يدها التي كانت تعبث بجسده جعلته يستسلم قائلاً بحرارة:
- ماشي، هخليهم يمشوا شوية، بس إنتي انجزي.
ابتعدت عنه وهي تغمغم بحماس:
- هوا يا باشا، أغير هدومي وأجيلك.
وصف لها منصور موقع غرفته، ثم تركها وذهب ليطلب من حراسته الذهاب والعودة بعد حوالي ساعة، على ألا يبتعدوا كثيرًا عن محيط المنزل.
دلف منصور إلى غرفته فوجدها تتمدد فوق الفراش برداء فاضح يظهر جسدها كاملاً.
دنى منها فأوقفاته يدها وهي تقول باعتراض:
- يا باشا!! هنبدأ كده!! مش لما تخلع الأول.
أجابها منصور وهو يمرر لسانه فوق شفتيه باشتهاء قائلاً:
- عندك حق يا بنت الـ...، شكلك عارفة شغلك صح.
أنهى جملته وانتهى من خلع ملابسه، ثم تمدد جوارها في الفراش وسحبها نحوه، ثم شرع في تقبيلها بنهم.
وفي اللحظة التالية، دلف فريد لغرفته وبصحبتة حراسته كاملة.
انتفض منصور من فوق فراشه وهو يصرخ بحنق مستنكرًا:
- إيه ده!!! إنت بتعمل إيه هنا؟
حرك فريد رأسه ببطء أسفًا، ثم تحدث ببرود متعمدًا استفزاز منصور:
- تؤ تؤ تؤ.. أعصابك يا منصور بيه.
تحرك فريد حتى وصل إلى أحد المقاعد الموضوعة بداخل الغرفة ليجلس فوقه وهو يضع ساقًا فوق الأخرى بزهو، بعدما أومأ برأسه للحراس بتكبيل منصور ومنع حركته، ثم أردف حديثه وهو يمُط شفتيه بتفاخر قائلاً:
- عارف قوة فريد رسلان إيه؟ إنه بيصبر لحد ما يعرف إيه هي نقطة ضعف اللي قدامه عشان لما يضربه.. يضربه صح.
تحرك من فوق مقعده ثم تحرك في اتجاهه مستطرداً حديثه قائلاً باشمئزاز واضح:
- وعارف إنت إيه هي نقطة ضعفك؟ إنك نجس.. والنجاسة بتجري في دمك.. يعني مفيش أسهل من كده.
وقف أمامه ثم مال بجذعه نحوه، ثم أردف يقول بتشفي:
- عشان كده شايف الشنطة اللي هناك دي!! فيها كاميرا HD يعني فضيحتك هتكون بالصوت والصورة وFull HD كمان.. عشان تتعلم لما تلعب تلعب مع اللي قدك.
أنهى حديثه واستدار بجسده نحو الخارج بعدما أخذ الكاميرا من داخل الحقيبة، ثم توقف ونظر إليه من فوق كتفه وهو يبتسم بشراسة قائلاً:
- إنت عارف إن كان ممكن أنفذ كل ده من غير ما أتعب نفسي وأجيلك.. بس لما فريد بيعمل حاجة بيقول إنه عملها مش بيستخبى زي النسوان!!.. عمتا لما تفوق كده وتستر نفسك ابقى كلمني عشان تسمع شروطي بدل ما صورك بكرة تكون مغرقة النت.. واحمد ربنا إن محدش جراله حاجة ساعتها عشان صدقني كنت هتحصله ليلتها.
حاول منصور الإفلات من قبضة الحراس، ولكن فريد أشار لهم، فقام أحدهم بضرب منصور فوق رأسه وأسقطه فوق الفراش فاقدًا للوعي.
ركضت جليلة التي انسحبت بمجرد دخول فريد وحراسه لتبديل ملابسها خلف فريد تستوقفه وهي تسأله برجاء:
- باشا.. الله يخليك انت وعدتني وشي مش هيبان صح؟
أجابها فريد مطمئنًا:
- اطمني يا جليلة.. إنتي خدمتينى وأنا عند وعدي.. شقتك موجودة هتختفي فيها ومحدش هيعرف يوصلك والصور هتنزل من غير ما حاجة منك تبان.
انحنت جليلة نحو كف يده لتقبلها، ولكن فريد سحب يده مسرعًا وهو يتمتم بنفاد صبر:
- خلاص يا جليلة متوجعيش دماغي.. هخلي حد من اللي معايا بره يوصلك وزي ما نبهتك مشوفش وشك تاني.
حركت رأسها بسرعة موافقة، فزفر هو براحة ثم تحرك مسرعًا نحو سيارته يستقلها ويذهب.
***
دلف فريد إلى غرفته وهو يبحث عنها بعينيه فلم يجدها.
فتح خزانته وسحب ملابسه ثم توجه نحو الحمام ليأخذ دشًا سريعًا يزيل به إرهاق يومه.
خرج بعد قليل فوجدها تقف أمامه وهي ترتدي جاكيت ثقيل مبطن يخفي جسدها بأكمله حتى عنقها مع بنطال واسع فضفاض.
سألها مستنكرًا:
- حياة إيه اللي إنتي لابسة ده؟
أجابته كاذبة بحدة:
- إيه سقعانة!! بلاش كمان أتدفى؟
أجابها مقلدًا لهجتها اللاذعة:
- سقعانة والدفاية شغالة ودرجة الحرارة ٢٦!!!
ارتبكت ملامحها ثم أجابته مهاجمة وهي تتجه نحو الفراش تستلقي فوقه وترفع الأغطية فوق جسدها:
- آه سقعانة وبعدين أنا حرة، هو إنت اللي حاسس بالسقعة ولا أنا؟
حرك فريد رأسه باستسلام وهو يبتسم من حركتها الطفولية تلك، ثم تحرك خلفها ليستلقي فوق الفراش ويجرها نحوه لتنام داخل أحضانه.
تنهدت حياة بضيق، فهي بالفعل تشعر بالحرارة منذ الآن، ولكنها لن تجازف بالنوم بجواره بملابس خفيفة حتى لا يكرر ما فعله معها في شركته في الصباح، لذا ستظل بتلك الملابس التي تخفي جسدها حتى تنتهي أيامها الصعبة وتعود سيطرتها على جسدها مرة أخرى.
حل منتصف الليل ولم يغمض لها جفن، فهي في الحقيقة تشعر بالحر الشديد بسبب تلك الملابس التي ترتديها مع الغطاء ونظام التدفئة الذي يستخدمه فريد لتدفئة المنزل بأكمله في الشتاء، إلى جانب الحرارة المنبعثة من جسده والذي يحاوطها بتملك.
زفرت بيأس ثم استدارت برأسها تنظر إليه حتى تتأكد من ذهابه في النوم، ثم انسحبت ببطء تسير بحذر على أطراف أصابعها حتى وصلت إلى الخزانة.
قامت بسحب شورت قصير وكنزة صيفية فضفاضة وقامت بارتدائهم على عجل وعادت مرة أخرى تستلقي بجواره.
قاوم هو بشدة ابتسامة هددت بفضح أمره والكشف عنه وعاد للتظاهر بالنوم مرة أخرى.
في الصباح، استيقظت حياة على أصابع ناعمة تدلك أسفل بطنها برفق.
تأوهت براحة وهي تقوس ظهرها لتلتصق به وهي تظن أنها تحلم بكل ذلك.
دنى فريد منها ثم سألها هامسًا داخل أذنها بصوته الناعس:
- لسه تعبانة؟
استدارت بجسدها تنظر إليه وتستلقي على ظهرها، فتفاجأت به ينظر إليها حقًا.
إذاً، فهي لا تحلم!!
شهقت بصدمة، فسارع هو يقاطعها هامسًا:
- هششششش.
همت بالحديث، ولكن كفه الذي كان يضغط برفق فوق بطنها ويبعث لها بالحرارة والدفء جعلها تفقد النطق تمامًا.
سألها فريد هامسًا:
- تحبي أوقف؟
هزت رأسها ببطء رافضة وهي تضغط بقوة على جفونها بعدما أغلقتها لتسيطر على المشاعر المتدفقة.
هتف فريد باسمها بنعومة قائلاً:
- حياة..
افتحي عينيكِ.
أطاعته على الفور وبدأت تفتح جفونها في عسليتيه الداكنتين وهي تعض على شفتيها بترقب. تحرك بجسده ليستدير على جانبه المقابل لها، مستندًا بمرفقه، ثم أحنى رأسه وبدأ يقبل جبهتها وجفونها، ثم أخفض شفتيه يتلمس وجنتيها أولاً، ثم بدأ يقبلهما ببطء شديد وهو يسألها من بين قبلاته بترقب:
- مضايقة؟
حركت رأسها نافية، فأكمل سيل قبلاته حتى وصل إلى عنقها وأخذ يقبلها بقوة ورجولته تغويه لترك علامات فوقها ليثبت لها أنها ملكه هو فقط وللأبد. أخذت حياة تتأوه بخفوت ودقات قلبها على وشك التوقف من نعومة قبلاته. إنها سيمفونية متكاملة. لم تكن قبلاته عبارة عن اشتهاء أو مجرد رغبة جسدية، بل كان يبث من خلالها كل ما يشعر به من عشق خالص لها. انحنى برأسه فوق بطنها وأخذ يقبلها في خط مستقيم بعدما قام برفع كنزتها حتى وصل إلى فمها. رفعت يدها تحاوط عنقه وتدنيه منها غير واعية بأي شيء آخر. التقط شفتيها بين شفتيه وأخذ يقبلها بجنون وشغف ويده تطوف فوق جسدها. ابتعد عنها بعد فترة حتى يسمح لرئتيهما ببعض الهواء وهو يتأملها بشغف وشفتيها قد تورمتا من أثر قبلاته.
همس أمامها قائلاً بهيام:
- ما تمنيت حاجة في حياتي قد إنك تبقي بين إيديا كده.
دفن رأسه في تجويف عنقها مستنشقًا عطرها، ثم أضاف وهو يهمس بجوار أذنها:
- حياة متنفعش غير لفريد. وفريد مينفعش غير لحياة.
---
بعد انتهاء الفطور والذي تناولته حياة معه وهي تكاد تذوب خجلًا كلما تذكرت ما حدث بينهم في الصباح، تحركا معًا إلى الشركة جنبًا إلى جنب. كانت فريد يحتضن يدها بتملك واضح وشديد كأنه يخشى إفلاتها. دلفا معًا إلى مكتبه ثم حدثها فريد بنبرته الناعمة قائلاً بحنان وهو يقف قبالتها:
- حبيبي.. مكتبك جهز. من النهارده هتقعدي فيه. هو جنب مكتبي هنا. لو احتجتي أي حاجة قوللي.
هزت رأسها موافقة وفتحت فمها لتجيبه عندما أوقفها اندفاع نجوى من الباب دون استئذان نحو فريد قائلة بدلال:
- فريد حبيبي.
استدارت حياة بحدة تنظر نحوها وهي تسألها باستنكار شديد:
- نعمممممممممممم!!!!!
رواية متى تخضعين لقلبي الفصل الثامن عشر 18 - بقلم شيماء يوسف
نظرت حياة يميناً ويساراً بصدمة قبل أن تعود بنظرها لفريد، هل حقاً تحرك لسانها وأفصح عما يدور في عقلها أم أن هذا الاستهجان الذي كان بداخل عقلها ظل بداخله؟
"اللعنة على لساني الذي أصبح يثرثر كثيراً وينطق دون تفكير! لا اللعنة على تلك الوقحة المتصنعة التي تحاول إغراء زوجها وتحسسه أمامي! زوجها، هل قالت للتو زوجها؟ ما هذا الهراء الذي يسيطر على تفكيرها هذه الأيام! لقد فقدت توازني تماماً لأتقبله كزوجي، ولكن لم لا، فتلك هي الحقيقة!"
نفضت رأسها بحدة وهي تفكر بضيق، فسيكون لديها الكثير من الوقت للتفكير في وضعها، أما الآن فستعود إلى تلك الوقحة التي اندفعت لتزيحها من طريقها وتأخذ مكانها.
وقفت قبالته بملابس كاشفة وتلمست ذراعه بطريقة فاضحة.
زجرها فريد بقوة وهو يحاول نفض يدها من فوق ذراعيه، وينظر في اتجاه حياة التي كانت في تلك اللحظة في عالم آخر تفكر، هل تقوم بنتف شعر تلك المتطفلة أم إلقائها من نافذة المكتب؟
أعادها من أفكارها العدائية صوت نجوى قائلة لفريد بدلال:
- سوري يا فريد.. أنت عارف إني متعودة على كده وماخدتش بالي إن مراتك يعني من ثقافة تانية وممكن تضايق.
في تلك اللحظة، وعندما هم فريد بطرد نجوى، أوقفه اندفاع حياة نحوه تتأبط ذراعه قائلة بتهكم شديد ونبرة ذات مغزى:
- عندك حق.. بس مش في ثقافتنا إحنا بس، هو معروف في العالم كله إن اللي بتتعامل كده مع راجل متجوز ليها مسمى وتوصيف واحد.
لمعت عينا فريد بإعجاب واضح وهو يفكر بسعادة بقطته المشاكسة التي لا تحتاج لمن يدافع عنها. ابتسم لها بحب وهو يتحرك نحو مكتبه، مستديراً بجسده عنها، سائلاً نجوى بنفاذ صبر ومستفسراً بجمود:
- نجوى إيه اللي جابك وعايزة إيه؟
ركضت نجوى بلهفة واضحة تجلس في المقعد المقابل له وهي تجيبه بدلال مصطنع:
- ولا حاجة يا حبيبي.. قصدي يا فريد.. أنا زهقت من القاعدة وطلبت من بابي يخليني أنزل اشتغل وهو وافق على طول وطلب مني أجيلك أمسك مكانه مادام هو مسافر.
زفر فريد بضيق وهو يتململ داخل مقعده الوثير مفكراً في طلب نجوى في ذلك التوقيت تحديداً، فهو يعلم طباعها جيداً، على أن يكون كل ذلك مصادفة.
أما عن حياة، فقد تحركت نحو المقعد الوحيد الشاغر قبالته، تجلس هي الأخرى تضع ساقاً فوق الأخرى وتنظر نحو نجوى بترقب كأنها تنتظر اللحظة المناسبة للهجوم عليها.
سألها فريد بصوته العميق مستفسراً بعدما وجه نظراته لها:
- حياة! مش هتروحي على مكتبك؟
التفتت تنظر له بحدة ثم سألته ببطء شديد رافعة إحدى حاجبيها باستنكار:
- أنت عايزني أمشي؟
أجابها فريد وهو يحاول كبت ابتسامته مفسراً:
- لا بس كان فيه الملف اللي طلبته منك محتاج تخلصيه عشان محتاجاه بكرة في الاجتماع.
أجابته بحدة:
- تمام مادام مستعجل عليه، هقعد أخلصه هنا زي اليومين اللي فاتوا.. ولا فيه مشكلة؟
نطقت جملتها الأخيرة بنبرة ذات مغزى وهي ترمقه بنظرة محذرة مفادها ألا يجرؤ على طردها أمامها. أما عن نجوى، فقد كانت غافلة عن حرب النظرات الواقعة أمامها، وكل ما يشغل تفكيرها هو كيفية التخطيط واستغلال ذلك الملف وتلك المعلومة لصالحها، فيبدو أنها وصلت في الوقت المناسب تماماً.
بعد فترة من الصمت المطبق والترقب، بدأت نجوى تتحدث مع فريد وتسأله عن سير الأعمال، وبدأ هو بالإجابة عن أسئلتها والاندماج معها في الحديث لا إرادياً. راقبت حياة حديثهم الودي بقلب حزين. فما هذا الشعور المؤلم الذي يتملك منها! إنها تشعر كما لو أن أحداً ما قام بعصر قلبها بين كفيه دون رحمة بعدما أضرم النيران به، حتى أن رئتيها لا تستقبلان الهواء بشكل سليم. وكل ما تريده في تلك اللحظة هو إخفائه بداخلها أو التحرك والوقوف أمامه حتى لا تراه عيون تلك المتطفلة ولا يرى هو سواها.
حاولت أخذ نفس عميق وإبقائه بداخل رئتيها قليلاً قبل إخراجه ببطء، لعل ذلك يهدئ تلك النار التي تستعر بداخلها من رؤيته يتحدث مع غيرها. زفرت بإحباط وبدأت تهز ساقها بعصبية لم تخف عن فريد، أو الأهم نجوى، التي تحركت من مقعدها باتجاه فريد متظاهرة بتوضيح شيء ما له على هاتفها الخلوي، وهي تراقب رد فعل حياة من طرف عينيها.
أسقطت نجوى الهاتف متعمّدة بين ساقي فريد، ثم مدت يدها تلتقطه وهي تتصنع الترنح قبل أن تسقط بتمثيل داخل أحضانه وهي تبتسم بخبث.
هدر بها فريد بعصبية وهو يدفع يدها وجسدها بعيداً عنه.
شهقت حياة بصدمة ثم اندفعت من مقعدها باتجاه نجوى وهي تغمغم بعصبية:
- لا كده كتير!
في اللحظة التالية، كانت تقف أمامها قابضة على ذراعها بقوة، ثم جرتها نحو الخارج وقد فقدت السيطرة على أعصابها تماماً.
تذمرت نجوى بتمثيل مدعية الألم من قبضة حياة وهي تتمتم بتصنع:
- آه إيدي.. سيبيني إيدي طيب..
توقفت حياة عن السير ورفعت قبضتها من فوق ذراعها قائلة بحدة:
- اطلعِ بره!
هتفت نجوى بتذمر مستنجدة:
- فريد!
تحركت حياة بجسد متصلب نحو باب المكتب لتفتحه عن آخره وهي تشير لها بعينيها قائلة بتهديد:
- اطلعِ بره المكتب أحسن لك.
نظرت نجوى مرة أخيرة لفريد الذي كانت عيناه تلمعان بإستمتاع من رد فعل حياة غير المتوقع، قبل أن ترفع رأسها وتسير بكبرياء نحو الخارج وهي تبتسم تتمتم بداخلها:
- سهل أوي أخليها تطلع عن شعورها.. حلوووووو..
أغلقت حياة الباب خلفها بعنف، ثم رفعت إصبعها في وجه فريد الذي تحرك يقف قبالتها بعدما استدارت لتواجهه، هادرة بعصبية شديدة وصدرها يعلو ويهبط من شدة الانفعال قائلة بتحذير:
- أوعى تفكر إني هسمح في يوم إن حاجة زي دي تحصل قدامي تاني وأنا هقف أتفرج، ماشي!
حدثها فريد ببرود مستفز متجاهلاً جملتها:
- حياة، وطّي صوتك الموظفين هيسمعونا.
حدقته بعيون ترمي بشرر من شدة غيظها قبل أن تصرخ به قائلة:
- متستفزنيش ومتغيرش الموضوع.
ابتسم فريد ببرود ثم سألها فريد بإستمتاع شديد وهو يدفع كلتا يديه داخل جيوب بنطاله:
- طب وإنتي مضايقة ليه دلوقتي؟ هي معملتش حاجة!
اقتربت منه حياة حتى وقفت أمامه، ثم لكزته بقوة وهي تتمتم بغضب:
- متدافعش عنها قدامي!
لكزته مرة أخرى بقوة أكبر حتى ترنح بجسده غير المتزن قليلاً للخلف، مضيفة بحنق:
- ومتقولش عملت إيه عشان أنت عارف!
ومتقولش عملت إيه عشان انت عارف!!!
- ومتستناش مني أسيب واحدة تانية تلمسك وأنت جوزي، أنا فاهم.
هدرت بكلمتها الأخيرة بعصبية وهي تلكمه بكلتا يديها، ثم اندفعت مسرعة نحو المرحاض صافقة الباب خلفها بعنف شديد، تاركة فريد ينظر في أثرها بعيون تلمع بسعادة وابتسامة رضا تملأ وجهه.
استندت حياة بكلتا يديها على الحامل الرخامي لحوض الغسيل، محاولة السيطرة على غضبها، وقد بدأت تشعر بوخز الدموع الذي قاومته في الخارج يزداد داخل مقلتيها. رفعت يدها حيث موضع قلبها تضغط بقوة على موضع الألم وهي ترفع نظرها لتتأمل انعكاس صورتها داخل المرآة بضياع. أهكذا هو الشعور بالغيرة! أن تشعر بقلبها يتمزق بداخل صدرها لمجرد دفاعه عن امرأة أخرى أمامها! أن تشعر بالنار تستعر بكامل جسدها لمجرد سماع كلمة "حبيبي" تقال له من فم غريبة!
هزت رأسها بعنف رافضة، فهي لا تشعر بالغيرة عليه. كاذبة! هذا ما واجهت به نفسها بقوة وهي تنظر في المرآة. مدت يدها المرتعشة من فرط انفعالها تفتح صنبور الماء وتلقي بالماء البارد فوق وجهها وعنقها. امتدت أناملها ببطء نحو ياقة قميصها الأبيض لتزيحها وتتلمس بأصبعها تلك العلامات التي تركها في الصباح كدليل على تقاربهم. أغمضت عينيها بتعب محاولة التخلص من ذلك الشعور الذي ينتابها. شعور الضياع. أن تكون ممزقة نصفين. نصف يريده ونصف يكرهه. نصف يطلب قربه ونصف يريد الابتعاد عنه. جزء يحترق شوقاً لصوته ولمسته وجزء آخر يريد الفرار من أمامه. جزء يتحكم به قلبها والجزء الآخر يتلقى يومياً اللوم من قلبها. حتى عقلها بدأ يفقد قدرته على المقاومة أو التفكير بشكل سليم، سواء في حضوره أو في غيابه. أما عن إرادتها، فهي الأخرى أصبحت لا تكفي لمقاومة جنون قلبها بجواره.
بعد فترة ليست بالقليلة، جففت وجهها ومسحت على شعرها وعدلت من وضع ملابسها، ثم خرجت من المرحاض بوجه متجهم فوجدته ينتظرها أمام الباب. تجاهلت وجوده وتقدمت نحو مكتبه تسحب حقيبة يدها من فوق المقعد متوجهة نحو باب الخروج.
ركض فريد خلفها يمسك ذراعها برفق ليستوقفها وهو يهمس اسمها بهدوء:
- حياة!
حاولت سحب ذراعها من بين قبضته وهي تستدير بجسدها في الجهة الأخرى بعيداً عنه. تحرك بجسده في اتجاهها حتى وقف قبالتها، ثم أخفض ذراعه يحتضن خصرها وهو يغمغم اسمها، ولكن هذه المرة بنعومة واضحة:
- حياة.. مش عايزة تبصي لجوزك؟
هل يستغل كلمتها ضدها الآن! لا، لن تسمح له بذلك. رفعت رأسها تنظر نحوه بغضب وهي تدفعه بجسدها وذراعها ليبتعد عنها، ولكن الفارق الجسدي غير القابل للمقارنة بينهم حسم النتيجة لصالحه من قبل أن تبدأ حتى. هتف باسمها مرة أخيرة بتحذير:
- حيااااة..
اندفعت تجيبه بحدة وهي تحاول دفعه بكل ما أوتيت من قوة، وقد عاد كل غضبها وإحباطها وتخبطها ليطفو على السطح مرة أخرى دون سابق إنذار:
- أوعى.. سيبني.. مش عايزة تمسني ولا تكلمني ولا تقرب مني.. اتفضل روح اطمن على الهانم بتاعتك.
أحكم فريد حصار ذراعيه لخصرها حتى يمنعها من الإفلات منه ويضمها إلى صدره أكثر. دفنت رأسها بداخل صدره وقد هدأت مقاومتها تماماً، وعم الصمت. انتظر فريد قليلاً قبل أن ينطق اسمها للمرة الأخيرة بنبرة حانية:
- حياة..
شعر بجسدها يهتز بين ذراعيه، فهتف باسمها بقلق وهو يبعد جسدها عن جسده قائلاً بتوسل:
- حياة؟ حبيبي؟
بدأت شهقاتها تعلو، خصوصاً بعدما سمعته وهو ينطق اسمها بكل ذلك الحنان، فلم تشعر بنفسها إلا وهي ترفع ذراعيها وتشبك كفيها خلف رقبته، ثم دفنت رأسها داخل عنقه وبدأت تشهق بقوة من كل تلك المشاعر التي تحاصرها ولا تقوى على وضع مسمى لها أو الاعتراف بها.
ظل فريد يمسح فوق شعرها بحنان وهو يهمس داخل أذنها بحب حتى هدأت تماماً، وابتعدت عنه وهي تمسح دموعها ووجهها بظهر كفها، ثم تمتمت بصوت باكٍ:
- ممكن أروح الأوضة بتاعتي؟
ظل فريد ينظر إليها لفترة كأنه يحاول التوصل لقرار، قبل أن يفتح فمه ويجيبها بإصرار وهو يمد يده ليحتضن كفها داخل كفه:
- لا مش ممكن!
مش هتتحركي من جنبي النهاردة.
زفرت حياة بأرق ثم أجابته بنبرة هادئة وكأن دموعها قد عادت إليها هدوئها وتعقلها:
- فريد.
قاطعها فريد قبل إكمال جملتها قائلاً بحسم وهو يعاود احتضانها بين ذراعيه:
- مفيش فريد. هتقعدي هنا جنبي وتكملي شغلك هنا، واعملي حسابك تخلصي بسرعة عشان نروح بدري.
هزت رأسها باستسلام، وقد جاء طلبه على هوى قلبها حتى تظل بجواره في حال عودة تلك الشمطاء مرة أخرى.
***
ركضت نجوى نحو الخارج تبحث عن مدير الحسابات لتسأله عن ذلك الملف المهم الذي طلبه فريد منذ قليل، حتى يتسنى لها التخطيط بتروي. أعطاها مدير الحسابات المعلومات كاملة بعدما صار اتفاق سري بينهم على زيادة راتبه مع شيك فوري يحتوي على مبلغ ضخم من المال، ووعود بالتخلص من حياة الدخيلة على منصبه وتأمين مستقبله داخل شركة أخرى في حال انكشاف مخططتهم مقابل مساعدتها في ذلك.
وفي نهاية اليوم، كانت حياة قد انتهت من تدقيق ثلاثة أرباع ذلك الملف، وتبقى لها الجزء الأخير ثم طباعته ورقياً وإنزاله للأرشيف في حال موافقة فريد عليه.
في الصباح التالي، استيقظت حياة بحماس بين ذراعي فريد، ثم دفعته بإصرار للذهاب باكراً لمقر الشركة حتى يتسنى لها إنهاء ذلك الملف المهم وإعطائه له في أسرع وقت ممكن. طاوعها فريد بحب وهي تتقافز أمامه كالأطفال من شدة الحماس، وبعد حوالي ساعة وصلت حياة إلى مكتبها بعدما قامت بتوديع فريد، وقد آثرت الذهاب إلى مكتبها حتى تستطيع التفكير بشكل سليم، فهي بجواره يتعطل عقلها عن العمل بنسبة كبيرة.
أما عن فريد، فقد كان لديه الكثير من الأعمال المتراكمة والتي يجب عليه الانتهاء منها قبل ذلك الاجتماع الهام، لذلك دلف إلى غرفته وأغلق الباب خلفه بعدما أعطى أمراً قاطعاً لسكرتيرته بعدم الإزعاج لأي سبب كان.
بعد حوالي ساعة، أنهت حياة تدقيق الملف بالكامل، ثم قامت بحفظه داخل الحاسب الآلي بعدما احتفظت بنسخة منه على ذاكرة خارجية كعادتها، ثم تحركت للخارج لتشرف على طباعة الملف بنفسها قبل أن تعود مرة أخرى لمكتبها وتراجعه للمرة الأخيرة، فهذا الملف إلى جانب أهميته يعتبر أول اختبار حقيقي لها داخل المؤسسة، ويجب عليها إثبات كفاءتها لموظفي الشركة قبل مدير الشركة نفسه، حتى لا يظن الجميع أنها عُينت هنا فقط من أجل زواجها به.
***
جلس فريد بداخل غرفة مكتبه يتحدث عبر الهاتف إلى مساعده الشخصي ويسأله مستفسراً:
- عملت كل اللي قلتلك عليه؟
أجابه مساعده بثقة:
- أيوه يا فندم، الفيديو والصور كلها جاهزة.
سأله فريد مرة أخرى منبهاً:
- ووش البنت مظهرش زي ما طلبت؟
طمأنه الطرف الآخر بثقة شديدة:
- أيوه يا فندم، أنا فضلت جنبه لحد ما ظبط كل حاجة على إيدي.
ابتسم فريد بشراسة وهو يحك إصبعه بذقنه قائلاً بانتصار:
- عارف هتعمل إيه بعد كده؟
أجابه مساعده بخضوع:
- أيوه يا فندم. هيطلع نسخة من الفيلم على عنوان منصور، والصور هتتسرب كلها للإعلام ومواقع الإنترنت.
أردف فريد قائلاً بنبرة رضا:
- اتحرك فوراً وبلغيني بالجديد، ومتنساش محدش يقدر يتتبع المصدر الأساسي للصور.
تمتم مساعده له مطمئناً بثقة قبل أن يغلق فريد هاتفه، وهو يتمتم بتوعد وعيونه تلمع بقسوة واضحة:
- أول ضربة ليك يا منصور الكلب عشان تعرف حجمك، تتعلم إن فريد مبيهددش وبس.
***
في منتصف النهار، انتهت حياة من مراجعة الملف للمرة العشرين والأخيرة، وكانت على وشك التحرك للخارج عندما انقطع التيار الكهربائي. زفرت بضيق، فقد كانت غرفتها من الداخل ولا تطل على أي نوافذ، وبالتالي فقد أظلمت بالكامل، وذلك الظلام يعني شيئاً واحداً، هو ذكرياتها مع ذلك العجوز البائس. لذلك خرجت مسرعة في اتجاه غرفة فريد. حاولت إيمان إيقافها وإخبارها أن السيد فريد قد طلب من الجميع عدم إزعاجه، ولكن يد حياة قد سبقتها واطرقت باب مكتبه وهي تهتف اسمه بارتباك. تحرك فريد نحو باب غرفته مسرعاً ريثما استمع إلى صوتها القلق. اندفعت حياة لداخل غرفته تبرر بمجرد رؤيتها له بتوتر:
- فريد النور قطع وأنا... زمان...
قاطع فريد حديثها المضطرب قائلاً بحنو:
- ششششش... تعال.
أنهى جملته ومد ذراعه ليجذبها نحوه ويحتضن خصرها برفق، ثم رفع رأسه موجهاً حديثه لسكرتيرته بتلك النبرة الآمرة الجامدة:
- متدخليش حد تاني... فاهمة؟
لم ينتظر إجابتها، بل أغلق الباب في وجهها بعد انتهاءه من إكمال جملته، ثم تحرك بحياة نحو الأريكة الوثيرة الموضوعة بداخل الغرفة، جالساً فوقها وساحباً حياة هي الأخرى نحوه. تحركت هي لتجلس بجواره، ولكنه أوقفها طالباً منها بابتسامة عابثة:
- لا مش هنا... تعالي اقعدي هنا.
أشار لها بالجلوس فوق ساقيه الممدودة بكسل فوق الأرضية. اخفضت حياة رأسها بخجل وهي تتحرك لتجلس داخل أحضانه، متذكرة البارحة عندما سقطت تلك الحرباء بين ذراعيه بكل تبجح، وتذكرت أيضاً كيف راودها ذلك التفكير برغبتها في التسلل بين ذراعيه حتى تمحو ذكرى جلوس أخرى بأحضانه، حتى لو كان حادثاً كما ادعت. قاطع تفكيرها صوت فريد يسألها بترقب:
- حياة... أنتي مش بتحبي الضلمة؟
أجابته بتردد وهي تعض على شفتيها:
- لو لوحدي بس، لما بيكون حد معايا عادي.
صمتت قليلاً لتبلع ريقها بتوتر، ثم أردفت تقول وهي تشعر لأول مرة برغبتها في إخباره ومشاركته ذكرياتها:
- لما أجبروني... أنت عارف يعني... كنت بطلب منه يطفي النور عشان مشوفش ملامحه ولا وشه، رغم إن ده مكنش بيفرق في حاجة، بس على الأقل مكنتش ببقى مجبرة أشوفه. وبعدها فضلت فترة بضايق أول ما النور بيطفي، لأني كنت بفتكر الأوضة بكل تفاصيلها.
صمتت قليلاً تراقب تعبيراته المتجهمة قبل أن تضيف بارتياح:
- بس مبحسش بكده وأنت موجود، حتى لو في ضلمة.
لم يعقب، ولكن بدلاً عن ذلك رفع إصبعه يتلمس جبهتها برفق وهو ينظر داخل عينيها، في حديث صامت مفاده اعتذار يشوبه الغيرة، مع نظرة أخيرة محملة بوعده بالأمان. ظلت تنظر إليه بهيام وهي تفكر باستغراب، فكيف ومتى استطاعت قراءة نظرته بكل تلك السهولة؟ جاءتها الإجابة من داخل قلبها ليقول دائماً: نعم، دائماً كانت تفهمه دون حاجته للحديث، حتى وهي تعاند وتدعي غير ذلك.
قطع نظراتهم جرس هاتفه الذي دوى بداخل الغرفة، فتحرك فريد ليتلقطه مسرعاً من فوق مكتبه، ثم عاد في اللحظة التالية إلى جلسته السابقة وهو يجذبها لتجلس مرة أخرى بين أحضانه. ظلت تراقبه بإعجاب وهو يتحدث إلى شخص ما بجدية شديدة بالفرنسية مكتملة، ويده الخالية تعبث بخصلات شعرها. وبعد انتهاء مكالمته، سألته بتذمر:
- على فكرة أنت عمرك ما كلمتني عن دراستك ولا حكيتلي عنها.
رفع إحدى حاجبيه مستنكراً وهو ينظر إلى تحولها الشديد، ثم أجابها بنبرة شديدة الثبات:
- يمكن عشان عمرك ما سألتي؟
ابتسمت له برقة وهي تحرك رأسها مستسلمة، فقد التقطت عتابه، ثم أردفت قائلة بمرح:
- واديني سألت، اتفضل بقى احكيلي.
تنهد مطولاً قبل أن يحاول إخراج نبرة عادية قدر الإمكان رغم الضيق الذي ارتسم بوضوح فوق ملامحه:
- بصي يا ستي... غريب بيه عشان يريح دماغه ويرضي جيهان هانم مراته، قرر يبعدني عنها، وساعتها مقررش يبعدني بس، لا ده قرر ينفيني بره البلد كلها، وشاف إن أفضل مكان لكده هي فرنسا، على اعتبار إن شركته كلها معاهم، ولما أعيش وسطهم وأتقن لغتهم هيكون التعامل سهل. وفعلاً سفرني وأنا عمري 12 سنة، دخلت هناك مدرسة داخلية، وعلى غير المتوقع مني، كانت درجاتي كلها عالية أهلتني إنه أدرس الهندسة الملاحية، يعني أساس شغلنا، تقدري تقولي من الآخر كده كنت صفقة رابحة لغريب بيه.
برغم نظراته الثابتة فوقها ونبرته العادية، إلا أنها شعرت بالمرارة تغلف كلماته، لذلك ودون شعور منها مدت إصبعها تتلمس وجنته وخطوط جبهته العابسة بحب وهي تسأله بحنان:
- ومافكرتش تكمل دراسة بعدها بما إنك كنت مجتهد كده؟
أجابها هامساً وهو يقترب برأسه منها:
- لا، مصدقت خلصت الجامعة ورجعت على طول. مقدرتش أفضل بعيد عن حياتي أكتر من كده.
ابتسمت بخجل من جملته المعبرة وهي تحاوط وجهه بكفيها وتتمتم بمرح محاولة تغيير مجرى الحديث:
- آه وحضرتك بقى بقيت بتتكلم فرنسوي زي البلب، وأنا اللي أضحك عليا في الآخر.
سألها مستفسراً وهو يضيق عينيه فوقها:
- مش فاهم؟
أجابته باستطراد قائلة:
- مش أنت كنت بتكره اللغة ورافض تتعلمها؟ أنا كمان لما دخلت المدرسة كانت مادة أساسية عندنا، وكنت بحضر الحصص بالعافية، ومكنتش بقبل أعمل الديفوار بتاعه. ولما كانت المدرسة بتعاقبني كنت بقولها إنه فريد قالي إنها لغة وحشة وأنا كمان مش هعملها.
صمتت قليلاً، ثم أردفت من بين ابتسامتها قائلة:
- أنا كنت على طول بقول فريد، لما كان حد بيضايقني كنت بقول فريد، ولما كان حد بيسألني كنت بقولهم فريد، ولما كان بيقرب مني كنت بقول فريد. فضلت أقول فريد فريد لحد ما في يوم المدرسة بتاعتي قالتلي: أنا لازم أشوف فريد اللي مش بتتكلمي غير عنه ده.
ازدرد هو لعابه بقوة، ثم غمغم آمراً بعيون تلمع بشغف:
- قربي.
ضيقت عينيها تنظر نحوه غير مستوعبة، فأردف يقول مفسراً:
- عارفة في كل مرة بسمع اسمي من بين شفايفك ببقى عايز أعمل إيه؟
هزت رأسها نافية في علامة على عدم علمها، فأردف هو هامساً أمام شفتيها:
- ببقى عايز أعمل كده.
أنهى جملته وقام بلثم شفتيها بنعومة، قبل أن تزداد عمق قبلته أمام تجاوبها معه. ابتعد عنها بعد قليل مستنداً بجبهته فوق جبهتها ومتمتماً بشغف:
- هيجي يوم وهاخد ديني منك كامل عن كل مرة نطقتي اسمي فيها وكنت بعيد عنك.
ابتسمت بخجل وهي تبتعد عنه قائلة بدهشة وهي تنظر حولها:
- فريد النور رجع.
أجابها وهو يرفع شفتيه مقبلاً جبينها مطولاً:
- النور رجع من بدري، بس أنا اللي مكنتش عايزك تتحركي من جوه حضني.
ابتسمت قائلة بمرح:
- طب دلوقتي ممكن أتحرك عشان أسلمك الملف اللي كنت مستعجل عليه؟
أجابها باندهاش:
- أنتي فعلاً خلصتيه؟
أجابته بفخر:
- أيوه طبعًا، أمال انت فاكرني هاوية ولا إيه؟ الملف بتاعك خلص من قبل ما النور يقطع، بس أنا اتوترت ونسيت أجيبه وأنا جايه.
طبع قبله خاطفة فوق وجنتها وهو يهمس بداخل أذنها بثقة:
- أنا عارف إن حبيبتي أشطر حد في الدنيا كلها.
كم أسعدها ثقته فيها وتشجيعه لها، وكم أسعدها أكثر أنه لا يُظهر هذا الجانب الرائع منه إلا لها فقط! لذلك، وقفت على أطراف أصابعها تطبع قبله خاطفة فوق وجنته، ثم ركضت للخارج دون النظر وراءها.
عادت حياة إلى غرفة مكتبها لتأخذ الملف وتعود به مرة أخرى إلى مكتب فريد لتسليمه له. استلمه فريد منها على عجالة وبدأ في مراجعته على الفور تمهيدًا لبدء اجتماعه. أما عن حياة، فقد عادت إلى غرفة مكتبها لمتابعة ما تبقى من مهامها اليومية. وبعد حوالي ساعة، رن هاتف مكتبها الداخلي لتجد إيمان تطلب منها الحضور إلى غرفة السيد فريد على الفور. توجهت نحو مكتبه بابتسامة ثقة، فهي على يقين أنها أدت مهمتها على أكمل وجه. طرقت غرفة مكتبه مستأذنة للدخول، ثم دلفت إلى الداخل بعد سماعها إذنه، لتجده جالسًا بعبوس فوق مقعده وهو يقلب أوراق الملف بحيرة بين أصابعه. نهض من مقعده بمجرد رؤيتها، ثم تمتم بجمود قائلًا:
- حياة، الملف ده فيه غلط 500 ألف جنيه زيادة عن الميزانية اللي طلبتها!
رواية متى تخضعين لقلبي الفصل التاسع عشر 19 - بقلم شيماء يوسف
سألته حياة بأستنكار وهى تقترب منه حتى تلقى نظره حيث موضع إصبعه وتركيزه:
- ملف إيه ده اللي فيه غلط بالظبط؟
أجابها فريد وهو يمد ذراعه ويجذبها نحوه، ثم أشار لها بأصبعه فوق أحد البنود، متسائلاً بحيرة:
- مش عارف الأرقام قدامي بتقول كده. البند ده بالذات فيه صفر زيادة يعني ٣٠٠ بدل ٣٠.
صمت قليلاً وهو يقلب بين يديه عدة صفحات للأمام، قبل أن يستطرد وهو يشير لها بسبابته:
- والبند ده كمان نفس الحكاية. المفروض يكون ٢٠ مش ٢٠٠.
سألته حياة وهي عاقدة جبينها بتعجب:
- إزاي؟ أنا مراجعاه كذا مرة والأرقام دي مكانتش كده!
أجابها فريد بتفهم وهو يحيط خصرها بذراعه:
- خلاص مش مشكلة. أنا راجعته وعرفت فين الغلط لأني حافظ الأرقام. بس حبيبي ابقى خلي بالك المرة الجاية.
رفعت حياة رأسها تنظر نحوه بضيق قائلة باعتراض:
- لا مفيش مشكلة. أنا متأكدة إني مراجعة والأرقام دي مكانتش كده.
زفر فريد بهدوء ثم أجابها بنبرة هادئة متفهمة:
- حياة مش قصة كبيرة يعني. ده صفر بدل اتنين. ممكن متكونيش أخدتي بالك منه خصوصاً إنك خلصتيه بسرعة.
رفعت حياة كفها تدفع ذراعيه بعيدًا عنها وهي تسأله بحدة:
- يعني أنت مصدق إني اتلخبطت ومش مصدق إني بقولك الأرقام دي مكانتش كده؟
صمت قليلاً محاولاً انتقاء كلماته بعناية، فأردفت حياة قائلة بحزن:
- فريد!!!
أجابها هو على الفور وهو يمد يده مرة أخرى ليعاود احتجازها بين ذراعيه، بعدما قام بطبع قبلة مطمئنة فوق مقدمة شعرها قائلاً:
- عيون وقلب فريد. أنتِ مضايقة ليه؟ إذا كنت أنا نفسي مش مضايق، غلطة وممكن تحصل.
أجابته حياة بحنق وهي تدفع يده للمرة الثانية محاولة التخلص من قبضته:
- مضايقة عشان أنت مش مصدق اللي بقوله، أو الأصح مش عايز تسمعه.
صمتت قليلاً تنظر حولها بضياع، ثم أردفت بعدما زفرت مطولاً بإحباط وقد بدأت الدموع تلمع داخل مقلتيها بوضوح:
- عشان أنت شايف إن ده عادي إني غلطت، وعشان أنا مراتك فالموضوع مش مشكلة ويتحل بسهولة. بس أنا بالنسبالي مش كده. ده شغلي وأكتر حاجة في حياتي بعملها صح. ده غير إني مش هقبل أبداً إني أغلط وأعرض الشركة أو اسمك اللي أنا شايلاه لموقف محرج، حتى لو أنت شايفه بالنسبالك حاجة عادية.
أنهت جملتها الأخيرة بصوت متحشرج وقد بدأت دموع الإحباط تعلن عن نفسها بسقوط دمعة خائنة فوق وجنتها. ظل فريد ينظر إليها بانبهار لعدة ثوانٍ، لم يعيده لوعيه سوى تلك الدمعة الوحيدة التي فرت من عينيها على حين غرة منها. اعتدل على الفور في وقفته، ثم سحبها بين ذراعيه يحتضنها وهو يغمغم لها بصوت مختنق من شدة مشاعره:
- شش... أنا مكنش قصدي كل ده وماخدتش بالي من كل ده. حياة بالنسبالي يعني، أنا معقول لو كنت اكتشفت إني غلطت كنت هعمل غير اللي عملته معاكي؟
رفعت رأسها تنظر إليه وفتحت فمها توشك الاعتراض، ولكنه أوقفها عندما قام بوضع سبابته فوق شفتيها قائلاً بحنو:
- استنى لسه مخلصتش. أنا مكنتش عارف إنك خايفة على اسمي أوي كده ومهتمة بحمايته.
حاوط وجهها بكفيه حتى يجبرها على النظر داخل عينيه، قبل أن يردف حديثه قائلاً بشغف:
- بس عايز أقولك إن اللي شايلة وخايفة على اسمه ده، فخور بيكي ومصدقك أكتر من نفسه.
أنهى جملته وهو يطبع قبلة حارة فوق وجنتها وشفتيها. ابتسمت حياة بسعادة ممزوجة بالخجل من أثر كلماته، ثم قالت برقة وهي تشبك كفها بيده وتحثه على التحرك معها:
- طب تعالى معايا.
سألها بابتسامة مستنكرة:
- على فين؟
أجابته بثقة وهي لازالت تبتسم له:
- تعالى أثبتلك إني صح.
أومأ له برأسه موافقاً، ثم تحرك معها نحو الخارج حيث غرفة مكتبها، وهي لازالت تتمسك بيده بتملك واضح، وخاصة عندما رأت نجوى تسير داخل الممر المقابل لهم.
دلفا معاً إلى داخل غرفتها، ثم قامت بتشغيل جهاز الكمبيوتر المحمول "اللاب توب"، وقامت بالبحث بداخله لفترة، قبل أن ترفع رأسها نحو فريد عاقدة حاجبيها معاً وهي تتمتم بعبوس:
- فريد الملف مش موجود.
سألها باستنكار:
- يعني إيه مش موجود؟
أجابته باستغراب مفسرة:
- يعني أنا خلصت الملف وحفظته وحطيته على الـ desktop في فولدر باسمه لحد ما توافق عليه، وبعدها أنقله. بس دلوقتي الملف اختفى ومش لاقياه في أي مكان.
سألها فريد بنبرة شاردة:
- حياة متأكدة إنك حفظتيه يعني؟
رمقته حياة بنظرة معاتبة، فأردف على الفور مصحصحاً وهو يقترب منها:
- مش قصدي حاجة، أنا بس بفكر معاكي بصوت عالي.
هزت رأسها متفهمة قبل أن تجيبه بثقة:
- حتى لو ده حصل، أنا معايا بديل.
غمزت له بعينيها وهي تخرج من داخل جيب ردائها "فلاشة" خارجية خاصة بحفظ الملفات، وقامت برفعها أمام وجهه قائلة بفخر:
- مش أنا اللي أوقع في الغلطة دي.
وضعت الذاكرة الخارجية بداخل المدخل الخاص بها في الجهاز، ثم قامت بفتح الملف وابتسامتها تزداد شيئاً فشئ وهي ترفع رأسها بفخر وسعادة، ثم أدارت شاشة الجهاز نحوه وهي تقول بثقة شديدة:
- اتفضل شوف.
انحنى فريد بجذعه قليلاً حتى يتسنى له الرؤية بوضوح، ثم رفعها بعد قليل قائلاً بحيرة:
- الحسابات هنا مظبوطة فعلاً! فيه صفر في الورق زيادة عن هنا.
أجابته حياة وهي تعقد ذراعيها معاً قائلة بعدم فهم:
- وهو ده بالظبط اللي أنا طبعته وراجعت عليه قبل ما أسلمهولك بنفسي.
نظر فريد نحوها مطولاً، عاقداً حاجبيه معاً بتركيز، قبل أن يتمتم بخفوت:
- طب تعالى معايا.
سألته حياة وهو يسحبها خلفه نحو الخارج:
- أجي معاك فين؟
أجابها فريد وهو يغمز لها بخبث:
- تعالى نعرف مين اللي لعب في ملف حياتي.
أصدرت همهمة سعيدة تدل على موافقتها، وهي تسير خلفه بابتسامة عريضة حتى وصلا إلى غرفة مكتبه مرة أخرى. استدار فريد يقف خلف مكتبه وهو لازال يسحبها وراءه، ثم قام بفتح الشاشة الأخرى والموضوعة بجانب كمبيوتره المحمول، والتي تساءلت حياة كثيراً عن سبب وجودها هنا دون إجابة ترضي فضولها، ثم قال بنبرة تحمل الكثير من التوعد:
- دلوقتي هنقدر نشوف مين اللي بيلعب من ورايا.
سألته حياة بعدم فهم:
- هنشوف إزاي مش فاهمة؟
أجابها فريد مفسراً:
- من كاميرا المراقبة بتاعة الممرات.
قاطعته حياة معترضة:
- بس النور كان قاطع، واكيد اللي عمل كده استغل الوقت ده عشان يتحرك براحته.
سألها فريد بعبوس:
- وإيه علاقة ده بالكاميرا؟
أجابته حياة باستنكار:
- فريد! أنتِ هتجننني؟ ما أكيد الكاميرات في الوقت ده مش هتسجل.
أجابها فريد بثقة:
- ولو سجلت تدفعى كام؟
رفعت إحدى حاجبيها متفاجئة وهي تغمغم بتوجس:
- مش عارفة... يعني لو حد تاني كنت اتحديته بقلب، بس أنت بالذات لا.
أجابها فريد وهو يتحرك في اتجاهها حتى أصبحت شفتيه أمام شفتيها هامساً بشغف:
- طب ما تقولي إنك بتثقي فيا وفي كلامي أسهل من كل ده!
أبعدت وجهها قليلاً عنه قبل أن تغمغم بخجل:
- فريد... عشان خاطري فهمني إيه في دماغك!
أجابها وهو يتلمس وجنتها بأنامله:
- ولا حاجة. بس كاميرات المراقبة بتاعة الممرات بالذات وأوضة مكتبي بتشتغل بالبطارية، ملهاش علاقة بالتيار الكهربي. وده سر محدش يعرفه غير الفني اللي ركبها وأنا.
صمت للحظة قبل أن يضيف بحب:
- وانتِ.
نظرت له مطولاً قبل أن تجيبه بشغف:
- يعني أنت برضه...
بلعت لعابها بصعوبة قبل أن تضيف بتعلثم:
- احم قصدى واحد. لا يعني قصدي إننا في نفس الصف. يعني كأنك مقلتش حاجة.
هز رأسه لها متفهماً، وقد ظهرت على ثغره ابتسامة عابثة، قبل أن يعود للشاشة مرة أخرى ويقوم بتفريغ ذاكرة الكاميرا وينتظر بترقب حدوث أي شيء غير طبيعي. وبعد دخول حياة لمكتبه بعده دقائق، ظهرت نجوى تسير باتجاه غرفة حياة حاملة بيدها رزمة من الأوراق، ثم التفت حولها بقلق يميناً ويساراً، قبل أن تدلف لداخل الغرفة وتخرج بعد حوالي عشر دقائق، ولازالت بيدها رزمة الأوراق، قبل أن تتجه نحو سلم الطوارئ بآخر الممر لتستقله.
شهقت حياة بصدمة واضعة كفها فوق فمها، قبل أن تسأله بعدم تصديق:
- فريد!!! هي دي؟
أجاب فريد على تساؤلها بنبرة جامدة:
- أيوه هي نجوى.
أردفت حياة تسأله بذهول:
- يعني هي اللي عملت كل ده؟ معقول تكون اتعمدت تقطع النور؟
انتفض فريد من مقعده، وقد بدأت علامات الغضب تظهر صريحة فوق ملامحه، وهو يغمغم بصوت خفيض يحمل الكثير من الإصرار:
- دلوقتي هفهم.
التقط سماعة هاتفه طالباً من إيمان بنبرة جامدة إرسال عامل الصيانة إلى غرفته في الحال.
ظل فريد طوال الدقائق التالية يذرع الغرفة ذهاباً وإياباً، مطرقاً رأسه لأسفل بهدوء شديد، كانت تعلم حياة جيداً أنه مصطنع، فدائماً ومنذ الصغر كان يتقبل جميع الأمور بروية دون إصدار أي رد فعل متهور. أما الآن ورغم محافظته على هدوئه الخارجي، إلا أنها باتت تعلم أن خلف ذلك القناع البارد نيران مستعرة يحاول جيداً السيطرة عليها، لا تظهر إلا من خلال نظرات عينيه. عاد فريد مرة أخرى يقف خلف مكتبه ويتابع بشرود وجسد متصلب حركة السير أمامه، وبعد عدة لحظات كان العامل، والذي لم يكن يتجاوز الخامسة والثلاثين بعد، يقف في منتصف الغرفة بعدما سمح له فريد بالدخول.
ظل فريد على وقفته يوليه ظهره لعدة لحظات، قبل أن يستدير وينظر نحوه بعدة نظرات خالية يتخللها صمت متعمد من جهته وترقب شديد من الجهة الأخرى. أما عن حياة، فكانت تراقب كل هذا الوضع ولم تملك إلا الإشفاق على ذلك الرجل، والذي إذا ثبت تورطه لن ينجو من براثنه بسهولة.
قطع فريد أخيراً الصمت قائلاً بهدوء شديد:
- فكرني باسمك كده تاني عشان نسيت.
أجابه الرجل بثبات يحسد عليه:
- مؤمن يا باشا.
مط فريد شفتيه معاً وهو يهز رأسه بتروٍ شديد، ومضيفاً باستفهام:
- حلو اسم مؤمن ده.
طب قول لي يا مؤمن استلمت ورديتك النهارده الساعة كام.
أجاب الرجل بنبرة حاول قدر الإمكان إخراجها مستقرة:
- الساعة ٧ الصبح يا باشا.
أردف فريد يسأله بنبرة جافة:
- كان في حد معاك من زمايلك ولا انت لوحدك.
أجابه العامل وقد بدأت علامات القلق تظهر بوضوح على قسماته:
- لا يا فندم، دي دوريتي لوحدي من ٧ لـ ٣.
هز فريد رأسه عدة مرات ببطء شديد وهو يتقدم عده خطوات في اتجاه العامل الذي ابتلع ريقه بصعوبة سائلاً فريد بقلق وهو يراه يتقدم نحوه بهدوء:
- هو في حاجة يا باشا.
أجابه فريد بثبات ونبرة خالية وهو يدس كفيه داخل جيوب بنطاله:
- لا مفيش.
صمت فريد قليلاً، وأطرق رأسه للأسفل بتفكير ثم سأله بجدية شديدة وهو يرفع نظره نحوه:
- الا قول لي يا مؤمن، عندك ولاد.
رمقه العامل بنظرات متشككة قبل أن يجيبه بتوجس:
- آه يا باشا عندي ٣.
أردف فريد يسأله ببرود قاتل وهو يرمقه نظرات متفحصة وهو لا يزال يتحرك حوله:
- وعلى كده بتحبهم ومستعد تعمل أي حاجة عشانهم.
أجابه العامل باندفاع قائلاً:
- أيوه يا باشا أكيد.
توقف فريد عن التحرك ورفع نظره فجأة وهو يبتسم بشراسة ويقول بنبرة باردة:
- وعشان كده قطعت النور النهارده متعمد.
نظر العامل نحوه بهلع ثم قال بتعلثم شديد بعدما ازدرد لعابه بقوة:
- أنا معملتش حاجة يا باشا هو اللي ق...
هدر به فريد بعصبية شديدة وهو يلوح له بكفه محذراً:
- كداااااب، كمل كدبك وشوف نهايتك لما أكتشف كل حاجة بنفسي.
صمت لبرهة ثم أضاف بنبرة شبه محتده:
- أو زي الشاطر كده تحكي لي الست نجوى اتفقت معاك على إيه، ساعتها عيالك مش هيتضروا.
انحنى العامل بجذعه يلتقط كف فريد ويتشبث بها بتوسل قائلاً برعب شديد:
- أبوس إيديك يا باشا أنا مليش ذنب، هحكي لحضرتك كل حاجة.
تأمله فريد مطولاً، ثم أردف بنبرة جامدة وهو يتحرك نحو مقعده ليجلس فوقه قائلاً بترقب شديد:
- قول وأنا سامعك.
اندفع العامل يجلس أمامه بلهفة مسترسلاً بفزع حقيقي:
- امبارح بالليل بعد ما الموظفين كلهم اتحركوا كان معاد مناوبتي بالليل لحد الساعة ٩. لقيت نجوى هانم ندهت عليا وطلبت مني إن وقت ما تكلمني أفصل النور من التابلوه العمومي لحد ما هي تديني أمر تاني، ولو حد سألني أقوله إن حصل مشكلة والزر العمومي فصل لوحده وشوية وهحلها. وأنا يا باشا نفذت من غير أسئلة، وفعلاً بعد عشر دقايق لقيتها قدامي بتشاور لي إني أرجع كل حاجة زي ما كانت تاني.
صمت الحارس ليبتلع ريقه بتوتر ثم أضاف بصدق شديد:
- وحياة عيالي هو ده اللي حصل، وهددتني كمان إن لو أي حد عرف حاجة عن طلبها ده، والدها هيطردني من الشغل وهترمى في الشارع ومحدش هيصدقني وهتبقى كلمتي قصاد كلمتها.
استمع فريد لكلمات العامل بهدوء عجيب رغم غضب نظراته، وبعد انتهائه عم الصمت المثقل المكان ولم يعقب، لذلك اندفع العامل البسيط يسأله بتوسل:
- صدقتني يا باشا! والله هو ده اللي حصل ومستعد أحلف على مصحف كمان. حتى لو حضرتك ناويه تعاقب حد عاقبني أنا بلاش العيال ملهمش ذنب.
انتفضت حياة من مقعدها مندفعة في اتجاه فريد وقد لامس صدق الحارس قلبها، حتى توقفت أمامه ثم رمقته بنظرة مرتابة وهي تهتف اسمه بتوسل:
- فريد!
نظر نحوها بنظرة خالية ثم عاود بنظره نحو العامل قائلاً بهدوء شديد:
- هصدقك بس بشرط.
هز الرجل رأسه موافقاً بلهفة شديدة فأردف فريد قائلاً بغموض:
- تستمر معاها لو طلبت منك أي حاجة تاني وتجاربها فيه، وفي المقابل تيجي تقول لي لحظتها.
أردف فريد وقد تبدلت نبرته لتهديد شديد:
- وأوعى تفكر إن في حاجة بتستخبى عليا، فاهم!
نطق جملته الأخيرة بصوت محتد جعل العامل ينتفض داخل مقعده وهو يجيب بذعر:
- حاضر يا باشا، اللي تشوفه هعمله، ولو خالفت كلامك اقطع رقبتي حتى مش هعترض.
أومأ فريد له برأسه إيماءة خفيفة قبل أن يشير له بعينه بالانصراف. انتظرت حياة حتى خروج العامل ثم اندفعت تسأله بجدية شديدة وهي تعقد ذراعيها معاً بوضع التأهب الذي بات يحفظه عن ظهر قلب:
- هتعمل إيه دلوقتي.
أجابه فريد ببرود شديد وهو يعتدل في جلسته:
- ولا حاجة.
سألته حياة بتشدق بحده:
- يعني إيه مش هتعمل حاجة دي!
تحرك فريد يقف قبالتها وهو يمد ذراعه ليجذبها نحوه قائلاً بهدوء استفزها:
- زي ما سمعتي، دلوقتي مش هعمل حاجة.
ضاقت عيني حياة فوقه ثم سألته مستنكرة وهي تضغط على شفتيها بامتعاض شديد:
- يعني انت عايز تقول لي إنك هتسيب الست هانم دي ترتب كل ده وتدخل مكتبي تلعب في أوراقي عشان توقعني في غلط وانت مش ناوي تعمل حاجة!
هز فريد رأسه موافقاً دون تعقيب مما أثار حفيظتها أكثر فأندفعت تضيف بغضب شديد وهي تعود بجسدها عده خطوات للخلف:
- انت بتهزر ولا بتتكلم جد ولا بتعمل كده عشان تحرق دمي!
التوى فم فريد بابتسامة جانبية وهو يميل بجذعه نحوها ليجذبها نحوه مرة أخرى فسارعت هي تضيف بحنق وهي تدفع يده بحدة شديدة من فوقها:
- فريد متضحكش ومتستفزنيش!
حركت رأسها بضيق يميناً ويساراً وهي تضيف بنبرة مختنقة من شدة الانفعال:
- طبعاً حضرتك هتعمل كده عشان خاطرها! بس العامل الغلبان ده هو اللي يتعاقب ويتهدد عشان غلط، لكن الست هانم بتاعتك تغلط عادي، ماهي بتعرف تقول حبيبي حلو!
هتف فريد بها بنبرة شبه محتده محذراً:
- حياااااااة!
دفعته بقوة بكلتا يديها وهي ترمقه بنظرات محتقنة قائلة بصوت مختنق:
- متقولش حياة عشان حياة مش بتخاف منك على فكرة، وخصوصاً وانت مش واقف معاها وعشان مين! عشان واحدة تانية.
أنهت جملتها وهي ترمقه بنظرة انكسار واضحة ثم اندفعت نحو الخارج لتختفي داخل مكتبها.
زفر فريد بضيق شديد وهو يمسح وجهه بباطن كفه بإنهاك قبل أن يتمتم بتوعد صريح:
- ماشي يا نجوى الـ ******، خلي حسابك يتقل كمان.
عاد فريد وحياة في المساء إلى المنزل وسط غضب شديد من ناحيتها وعدم اهتمام واضح من ناحيته، تناولت معه وجبة العشاء بحنق شديد فقد تعمدت خلال الطعام التعامل بحدة مع أدوات المائدة مصدرة في كل مرة ضوضاء عالية كتعبير عن غضبها منه، أما عن فريد فقد جلس خلف مقعده باسترخاء تام يتابع بكسل شديد ثورتها وعيونه تلمع بتسلية واضحة من شغبها الطفولي وقد قرر أن يترك لها المجال كاملاً للتنفيس عن غضبها، حتى أن غرفة نومهم كان لها النصيب الأكبر من ذلك الغضب، فكلما مر الوقت دون أن يتحدث معها أو يعتذر منها يزداد حنقها وعصبيتها على كل ما حولها حتى الجماد لم يسلم من تلك الثورة العارمة، ظلت تذرع الغرفة ذهاباً وإياباً بضيق وتلك النيران التي استعرت بداخلها البارحة عندما وقعت تلك الحرباء داخل أحضانه بدأت تشتعل بداخلها مرة أخرى وهي تفكر بحزن أنه ولا أول مرة لم يدافع عنها أو يتخذ موقف يسعدها، وكل ذلك من أجل تلك النجوى خاصته.
اغرورقت عينيها بالدموع وهي تفكر بألم شديد يعتصر قلبها، هل هناك أحد خاصته غيرها؟ زفرت بقله حيلة وهي تحاول التخلص من تلك الوغزات التي تتجمع داخل مقلتيها وإشغال فكرها بأي شيء آخر عداه، هذا إن استطاعت بالطبع. لذلك توجهت بأكتاف متهدلة نحو خزانة ملابسها تلتقط بعدم اهتمام ملابس بيتيه للنوم، وبما أنها كانت في مزاج سيء فقد اختارت بيجامة بيتيه بملابس كرتونية مضحكة لعلها تعدل مزاجها ولو قليلاً.
وأثناء سحبها لبيجامتها سمعت صرير باب الغرفة يفتح بهدوء ثم يغلق مرة أخرى فعلمت أنه دلف للداخل، وخاصة بعدما تسلل إلى أنفها رائحة عطره المميزة لها، ولكنها قررت تجاهله مثلما يفعل منذ مناقشة الصباح. تنحنح هو بصوت عال نسبياً للفت انتباهها وقد نجح بالفعل، فقد اشرأبت بعنقها تنظر نحوه بغضب واضح قبل أن تغلق باب الخزانة بقوة وحدة متناسية ذراعها الذي مازال ممتد بداخلها. صرخت بقوة عندما ارتطم مرفقها بباب الخزانة الخشبي وبدأت تقفز في الهواء كعادتها عند شعورها بالألم. هرول فريد نحوها بلهفة يتفحص باهتمام تلك الكدمة الكبيرة والتي أصابت الجزء العلوي من ذراعها مع مرفقها وهو يتمتم بحنق:
- نفسي تبطلي شغل الأطفال ده وتعقلي!
سحبت ذراعها من بين يديه بحدة قائلة باستفزاز وهي ترمقه بنظرات محتقنة:
- محدش طلب منك تشوفه ده أولاً، يعني. ثانياً، بقى معلش روح للست هانم بتاعتك العاقلة الناضجة وملكش دعوة بشغل العيال.
أنهت جملتها وهي تدفعه بكل ما أوتيت من قوة قبل أن تتوجهه نحو المرحاض وتصفق بابه بنفس القوة، تعجب أنها خارجة من ذلك الجسد الضئيل!
في فيلا غريب وبعد انتهاء العشاء تحركت جيهان لتجلس بتفاخر بجوار غريب ترتشف قهوتها المسائية كعادتها كل ليلة وهي تتفحص وسائل التواصل الاجتماعي. بعد عدة دقائق من تركيزها التام شهقت مشدوهة وهي تغمغم باندهاش قائلة:
- لا مش معقول! ده هو! يانهار أبيض!
جحظت عينها للخارج هاتفة بعدم تصديق:
- غريب الحق يا غريب حاجة مش ممكن تتخيلها!
سألها غريب مقطباً جبينه باستنكار:
- مالك يا جيجي في إيه؟
رفعت الجهاز اللوحي أمامه وهي تغمغم بشماتة واضحة:
- خد اتفرج ومش هتصدق عينيك! مش ده منصور برضه!
التقط غريب الجهاز من بين يديها وهو ينظر بداخله بتركيز تام قبل أن تجحظ عينيه هو الآخر متمتماً بصدمة:
- ده هو! دي صور فاضحة!
قاطعته جيهان لتسأله بتعجب وهي مقطبة جبينها باندهاش:
- تفتكر يا غريب من اللي نشر الفيديو ده وإيه مصلحته في كده؟
ساد الصمت الغرفة قبل أن يفغر غريب فاه بذهول قائلاً بصوت خفيض:
- يانهار مش فايت! ابني ويعملها.
التقط غريب هاتفه بحنق يطلب رقم ابنه ليتأكد من شكوكه لتأتيه الإجابة على هيئة رسالة مسجلة بأن الهاتف مغلق أو غير متاح.
بعد عده دقائق بدل هو ملابسه خلالها واستلقى فوق الفراش يتابع وسائل التواصل الاجتماعي وصور رجل الأعمال المخله والتى انتشرت فضيحتها كالنار فى الهشيم وهو يبتسم بأنتصار قبل ان يتنهد بأرهاق مغلقا هاتفه ثم قام بألقائه بأهمال فوق الكومود المجاور له.
خرجت حياة من الحمام تتجه نحو الفراش مباشرة بعدما اغتسلت جيدا وقامت بتجفيف شعرها وارتداء منامتها المضحكة وهى تفكر بضيق انه الان سيراها طفلة بحق! عنفت نفسها مستفسرة وما الذى يزعجها ان كان يراها امرأة او طفلة! كل ذلك لا يعنيها! جاءها ذلك الصوت من أعماقها هاتفا بقوه "كاذبة". زفرت بنفاذ صبر وهى تتوجهه بخطوات منزعجة نحو الفراش تستلقى فورا مباشرة دون رفع رأسها والنظر نحوه ولو كانت فعلت لرأت تلك اللمعة الراغبة تنضح من داخل عينيه بوضوح وخاصة بذلك الرداء الطفولي الغريب الذي يزيدها براءة وخطورة معا.
استلقت هي بعصبية ساحبة الغطاء فوقها بحده ليغطيها حتى رأسها. زفرت مرة أخرى بضيق وهى تقوم بأبعاد الغطاء عن جسدها فالغرفة بالفعل درجة حرارتها مرتفعة أو ربما جسدها الغاضب هو من يطلق تلك الحرارة لا تستطيع الجزم. بعد عدة دقائق حاولت بكل طاقتها الذهاب في النوم، أجفل جسدها على صوت الرعد يدوي في الخارج بقوه. ابتسم فريد وهو يفكر بسعادة فيبدو أن السماء قررت الوقوف بصفه تلك الليلة.
أغمضت حياة عينيها بقوة مطمئنة نفسها داخليا بأنها داخل المنزل ولن يصيبها مكروه في وجوده. دوى صوت الرعد مرة أخرى ليتبعه البرق منيرا الغرفة بأكملها. شهقت حياة بفزع وهي تتكور على نفسها مفكرة بيأس لو أعادت جسدها قليلا للخلف كأنها ارتطمت به صدفه هل سيصدقها أم ستكون حجتها واهية؟ أو من الممكن أن تعتبر ذلك المساء كهدنة وتعود في الصباح لغضبها منه مرة أخرى. أنقذها من رعبها وتفكيرها البائس ذراعه التي تسللت ببطء تحتويها وتجذبها نحوه حتى التصقت به تماما. التفت تنظر نحوه بنظرات لازالت محتقنة قائلة بصوت خفيض:
- لو سمحت ابعد ايديك عني!
اعتدل من نومته يتكأ على مرفقه ويستند بجسده كله فوق جسدها قائلا بابتسامة ونبرة عابثة:
- بس أنا مرتاح كده!
بالرغم من غضبها الشديد منه إلا أن الدفء الذي تسرب إليها من حرارة جسده القابع فوقها جعلها تشعر بالأمان الشديد حتى عندما دوى الرعد للمرة الثالثة لم تجفل أو تشعر بالذعر على غير عادتها. ازدردت لعابها بقوة وهي ترمقه بنظرة معاتبة قبل أن تشيح بوجهها بعيدا عنه. اتسعت ابتسامته وهو يضع إصبعه أسفل ذقنها معيدا رأسها نحوه مغمغا بحب شديد:
- عارفه انتي عندك كام نظرة بتوعي أنا لوحدي!
سألته بخفوت وقد بدأ غضبها يتلاشى منه:
- كام؟
أجابها بعشق شديد:
- ١١
قطبت جبينها يندهاش ثم سألته متعجبة:
- ١١؟
اومأ لها برأسه موافقا ببطء شديد ثم أردف هامسا بهيام:
- واحدة لما بتزعلي مني.. وواحدة لما بعمل حاجة تفرحك.. وواحدة لما بتخافي مني مع إن دي قليلة.. وواحدة لما بتتعصبي.. وواحدة لما بقرب منك أو المسك.. وواحدة أول ما بتشوفيني.. وواحدة لما بعمل حاجة مش متوقعاها.. ونظرة لما بتحتاجيني وواحدة لما بتترجيني وأخيرة لما بتعاتبيني من غير كلام زي دلوقتي..
صمتت قليلا محاولة إيجاد صوتها وقد أبهرها حديثه قبل أن تقول بنعومة هامسة:
- بس دول ١٠ بس..
هز رأسه موافقا على حديثها قبل أن يهمس بجوار أذنها:
- الأخيرة هقولهالك لما انتي تعرفيها..
قطبت حاجبيها معا بعدم فهم لتسأله باستفسار:
- مش فاهمه؟
أجابها وهو يقترب منها طابعا قبلتين ناعمتين فوق جفونها:
- مينفعش لما تطلع منك هتعرفيها..
رفعت نظرها نحوه تسأله بمكر قائلة:
- طب والمفروض دلوقتي أي واحدة؟
ابتسم لها باستمتاع قبل أن يقول مضيقا عينيه فوقها:
- كانت عصبية وقلب زعل بس دلوقتي عتاب.. مع إنك لو تعرفيني كويس هتعرفي إن مفيش أي حاجة من اللي في دماغك دي وإن عمري ما هسيب نجوى تفلت باللي عملته في حقك بس أنا مستني غلطة أكبر عشان أعرف أتصرف معاها صح..
تسللت أناملها تتلمس ذقنه قائلة بنبرة طفولية معاتبة:
- طب مقلتليش ده من الصبح ليه وريحتني..
ابتسم لها بحنان وهو يحني رأسه ويقوم بتقبيل إصبعها المستندة فوق ذقنه واحد يلو الآخر قائلا بهمس مغرٍ:
- أولا عشان انتي مسألتش..
ثانيا عشان كنا في الشركة وتتعلمي طول ما إحنا هناك أنا مديرك فتسمعي كلامي..
ثالثا ودي الأهم عشان تتعلمي تثقي فيا..
مطت شفتها السفلية بتذمر طفولي متصنع الحزن ومعاتبة:
- يعني أنت كنت بتعاقبني رغم إنك المفروض تعتذرلي عشان موثقتش فيا من الأول وصدقت إني غلطت في الحسابات..
أحنى رأسه نحوها قائلا بهمس وهو يقبل وجنتها اليمنى:
- أسف..
أعاد تكرارها وهو يحرك رأسه ويقبل وجنتها اليسرى:
- أسف..
ثم غمغم بها وهو يطبع عدة قبلات على جانب شفتيها:
- أسف.. أسف.. أسف..
شعرت حياة بارتجافة تسري على طول عمودها الفقري من أثر قبلاته وهمسه الناعم بصوته الذي أصبح يأسرها. مال فريد برأسه جانبًا وهو لا يزال يحدق بهيام داخل عينيها اللامعتين بسبب قربه منها ثم بدأ يتلمس بشفتيه وببطء شديد وجنتها حتى وصل إلى شفتيها وقام بالتهامهم بين شفتيه بقبلة طويلة عميقة متطلبة شعرت حياة معها أنها تحلق فوق السماء من روعتها ونعومتها.
ابتعد عنها فريد بعد فترة لا بأس بها تاركًا لها المجال لتتنفس قليلا ولكنه ظل يتأملها بشغف وهي تبتلع ريقها بصعوبة بالغة وصدرها يعلو ويهبط من فرط انفعالها بصورة واضحة. أما نظراتها فكانت قصة أخرى فتنة من نوع خاص أصبح على يقين تام أنها خلقت هكذا فقط من أجل أن يقع في حبها من أول نظرة. همس داخل أذنها بإغراء شديد قائلا:
- شكلك ده بيغريني إني أتهور بطريقة مش طبيعية وعشان كده أحسن حل إننا ننام..
أبعد جسدها من فوقها فشعرت ببرودة تجتاحه على الفور بمجرد ابتعاده عنها. استلقى هو فوق الفراش ثم قام بسحبها داخل أحضانه متمتما بإنهاك:
- تصبحي على خير..
أجابته هامسة بخجل وهي تقترب منه دافنة رأسها داخل تجويف عنقه حيث موضعها المفضل:
- وأنت من أهل الخير..
صمتت قليلا ثم هتفت اسمه بنبرة رقيقة مترددة:
- فريد؟
همهم بصوت خفيض ليحثها على الاستئناف فأردفت تقول بنبرتها الطفولية المحببة له:
- فريد دراعي واجعني..
حاول بقدر الإمكان كتم ابتسامته وهو يعتدل بها من نومتهم قبل أن يتركها ويتحرك للبحث عن مسكن للكدمات وهو يهز رأسه باستسلام فهي الوحيدة القادرة على التحول خلال دقيقة من امرأة شديدة الفتنة وهي تتجاوب مع لمساته إلى طفلة تعتبره ملاذها وتشتكي له وفي الحالتين تكاد تفقده صوابه وتعقله.
في الصباح وصلا فريد إلى داخل غرفة مكتبه وهو يحتجزها بتملك داخل أحضانه غير عابئا بنظرات إيمان غير المستوعبة. التفتت حياة تسأله وهي تحاوط خصره بذراعيها رافعة رأسها نحوه:
- فريد هعمل إيه دلوقتي؟
أجابها وهو يطبع قبلة حانية فوق أرنبة أنفها مستفسرا:
- هتعملي إيه في إيه؟
أجابته قائلة بنبرة شبه محتده:
- في الست زفتة دي لو عملت حاجة تاني..
أجابها فريد بتوعد:
- ولا أي حاجة ياريت تعمل حاجة تاني عشان تبقى نهايتها.. بس لحد الوقت دي اتعاملي عادي وخلي بالك بس وأنا عيني عليكي متخافيش..
هزت رأسها موافقة وهي تهم بالانسحاب من داخل أحضانه ولكن شدد فريد من احتضانه لها وهو يسألها مستفسرا بنبرة جافة:
- إنتي رايحة فين؟
قطبت جبينها تجيبه باستنكار:
- رايحة مكتبي!
أجابه وقد امتلأ ثغره بابتسامة عابثة وهو يقترب منها بشفتيه:
- أوك روحي بس بعد ما أخد صباح الخير المتأخرة الأول..
في تلك اللحظة اندفع غريب داخل غرفة مكتبه دون استئذان. اخفضت حياة رأسها بخجل وحاولت الابتعاد عن فريد ولكنه شدد من لف ذراعيه حولها يمنعها من التحرك. رمقه غريب مطولا بنظرات محتقنة قبل يسأله بجمود:
- هو أنا مش بكلمك من امبارح! معبرتنيش ليه؟
أجابه فريد بتهكم واضح ليستفزه كعادته:
- وأنا بقول مادام دخلت عليا دخله السينما دي يبقى في حاجة..
حدجه غريب بنظرات غاضبة قبل أن يقترب منه وهو يخرج هاتفه الخلوي ويرفعه أمام وجهه متسائلا بنبرة محتده:
- ليك علاقة بالصور دي؟
شهقت حياة واخفضت عينها بخجل عندما تناهى أمام عينيها تلك الصور الفاضحة لشخص ما. نظر فريد بوالده مطولا دون إجابة. أعاد غريب سؤاله على مسامعهم مرة أخرى بضيق مستفسرا:
- بسألك عبرني! ليك علاقة بالصور الزفت دي؟
أجابه فريد بنبرة مقتضبة وجسد متصلب:
- أيوه..
زفر غريب بيأس واستدار للخارج على عجل قائلا بعصبية شديدة:
- مصمم تعرض نفسك للخطر!
أما عن حياة فقد ابتعدت من داخل أحضانه تنظر نحوه بذهول وهي تسأله بعدم تصديق:
- فريد!!! أنت حقيقي ليك علاقة بالقرف ده!!! إزاي وليه؟
أجابها محافظا على نبرته الجامدة:
- معنديش استعداد أبررلك على فكرة!
صدحت به بغيظ شديد مستفسرة بحنق:
- يعني إيه معندكش استعداد تبررلي! دي أعراض!! أنت عارف أنت عملت إيه!! أنت فضحت واحد وواحدة!!! الموضوع عندك بالبساطة دي!!
أجابها بفتور وهو يتحرك بجسده ليجلس فوق مقعده:
- أولا دي حاجة ماتخصكيش.. ثانيا اللي زعلانة عليه دي متعرفيش هو عمل إيه..
هدرت به بيأس شديد قائلة:
- حتى لو معرفش عمل إيه.. مفيش حاجة في الدنيا تخيلني أقبل اللي أنت عملته دي..
رمقها بنظرات جامدة قبل أن يقول بغرور شديد:
- وأنا ميهمنيش رأيك واتفضلي على مكتبك ومتدخليش في شغلي..
صاحت به بحنق شديد قائلة باشمئزاز:
- أنت إنسان مغرور وهتفضل طول عمرك مغرور..
حتى مش عايز تعترف بغلطك.
ضرب فريد حافة المكتب بقبضته، صادحاً بها بحدة شديدة:
- وفري محاضراتك لنفسك، واتفضلي على مكتبك. مش هتفضلي طول اليوم تضيعي وقتك هنا.
حركت حياة رأسها بأسف، وهي تغمغم بعدائية شديدة:
- أنا بكرهك على فكرة.
رفع رأسه ينظر نحوها بحدة، وقد بدأ ذلك العرق ينبض في جانب صدغه بقوة، ثم أجابها بنبرة خالية، ضاغطاً على شفتيه:
- ميهمنيش.
شعرت حياة بالدموع تتجمع داخل مقلتيها بعجز من جموده وطريقته في الحوار، لذلك خرجت مسرعة، صافقة الباب خلفها، ليتنهد هو بعد خروجها بضيق شديد.
***
التقط منصور هاتفه الخلوي بعنف، وهو يقلب القرص المدمج بين أصابعه، والذي وصله البارحة أمام باب منزله، ويحتوي على مشهده الساخن مع تلك الفتاة التي دفعها فريد في طريقه، ليلتقط له ذلك الفيديو المشين كتهديد له، ثم قام برفع صورته على الإنترنت، وأصبحت فضيحته داخل الوسط بأكمله. وقد أقسم على جعله يدفع الثمن حياته لخطئه معه. صرخ بالطرف الآخر قائلاً بعصبية:
- أنا مش قلتلك تنفذ من يومين؟ اهو ابن الـ***** ده فضحني في كل حتة. عايزك تنفذ النهارده ودلوقتي، فاهميني؟
صمت قليلاً، يحرك رأسه بشراسة وعيونه تلمع بغل، قائلاً بنشوة:
- بالليل هستنى منك تطمني إنك خلصت عليه، وزي ما اتفقنا مراته قبله.
***
لم تلتق حياة بفريد خلال ما تبقى من يوم عملهم إلا بعد انتهائه. فتح باب غرفتها بهدوء، ثم سألها بجمود مباشرة:
- جاهزة نتحرك؟
أومأت له رأسها بآلية شديدة دون النظر نحوه، وهي تسحب حقيبتها متجهة نحو الخارج، وهي تسير بجواره بعبوس شديد. وصلا إلى السلالم الخارجية للشركة، فانتفض الحراس الخارجيون في وقفتهم في انتظار وصول سيارته الخاصة. وأثناء تلك الدقيقة، اندس رجل بملابس رثة وجسد هزيل بينهم، يغمغم بتوسل وهو يحاول شق طريقه نحو فريد لإعطائه أي أموال. اندفع حوالي 3 حراس من حوله ليقوموا بإبعاد ذلك الرجل الدخيل من بينهم، فتفاجأوا به يقاومهم بحدة، مما جعل الحراس الباقين يشتركون معه في شجار خفيف. عقد فريد حاجبيه بانزعاج، شاعرًا بوجود خطأ ما، وخاصة بعد انشغال جميع حراسه عنهم. رفع رأسه ينظر حوله بتركيز شديد، وذراعه تمتد تلقائيًا لمحاوطة حياة، التي رمقته بنظرات حانقة وهي تحاول الابتعاد عنه. التقط فريد بنظره الثاقب ظل رجل ما يحمل شيئًا بيده ويتحرك بهدوء شديد أمام إحدى نوافذ البناية المقابلة له. ضيق عينيه فوقه محاولاً التأكد مما يراه! هل تلك فوهة مسدس أم أنه يتهيأ له ذلك؟
هتف بحراسه بجدية شديدة، مما استرعى انتباههم على الفور، وهو يحاوط جسد حياة بجسده بلهفة شديدة. حدث كل ذلك في أقل من ثانية. قبعت حياة داخل أحضانه بهدوء، وهي تشعر بالذعر من اندفاع حراسه نحو تلك البناية وحالة الهرج والمرج التي أصابتهم بعد سماع صوت خفيف مكتوم دوى حولهم. تنهدت براحة وهي تشدد من لف ذراعيها حول خصره، فقد انتهى الموقف بسلام ولم يحدث شيء. إذاً، لماذا بدأت قبضته المحاصرة لها ترتخي حول خصرها؟ هذا ما فكرت به بقلق، وهي ترفع رأسها تنظر نحوه باستكشاف، لتجد ملامح وجهه بدأت في الشحوب، وقد شعرت بسائل ما لزج بدأ يصل إلى كفها المحاوطة خصره. رفعت ذراعها ببطء تتلمس برعب ظهره حتى وصلت لموضع قلبه، تتحسه، شاعرة بخطب ما فوقه. همست اسمه بذعر شديد، كأنها تستجديه أن يكون بخير:
- فريد!
همس أمامها بصوت متقطع خفيض:
- بحبك.
أبعدت كفها قليلاً لتنظر به، فوجدت الدماء تغطيه بكثرة. هتفت اسمه برعب ممزوج بتوسل شديد، وقد بدأ جسده ينزلق من بين يديها بعد ارتخائه بالكامل، غائبًا عن الوعي، ليسقط جسده وتسقط هي معه فوق الأرضية، صارخة بكل ما أوتيت من قوة حتى انقطع صوتها:
- فريد! لااااااا! فرييييييييييييييييييييييييد!
رواية متى تخضعين لقلبي الفصل العشرون 20 - بقلم شيماء يوسف
ظلت حياة جالسة فوق الأرضية الرخامية أمام البوابة المطلة على الشارع الرئيسي، وهي تحتضن جسده المصاب بين ذراعيها. كانت تمنع أي أحد من الاقتراب منه أو تفقد حالته. حتى والده، الذي هرول فزعاً نحو الخارج بعد انتشار خبر إصابة وريثه الوحيد بطلق ناري أمام مدخل المقر الرئيسي لمجموعات شركاتهم.
صرخت به بكل ما أوتيت من قوة وهي تدفعه بإحدى يديها، مانعة يده من الوصول إلى جسده أو تفحصه قبل وصول عربة الإسعاف لنقله وإنقاذه. عادت يدها تحاوط رأسه الملقى فوق صدرها برعب، ويدها الأخرى ضاغطة فوق جرحه بسترتها التي خلعتها بكف مرتجفة، في محاولة بائسة منها لوقف نزيف دمائه. تمتمت لنفسها وله:
- هتبقى كويس.. لازم تبقى كويس.. مش هسمحلك تسبني.. كفاية بعدت زمان مش هسمحلك تاني!
في تلك اللحظات، وصلت سيارة الإسعاف. قفز من داخلها طبيب مختص من مشفاه الخاص، أرسلته المشفى على الفور بمجرد معرفتهم بما أصاب أكبر مساهميها. دفعت حياة الطبيب بيدها في بادئ الأمر لمنعه من لمسه. لم تسمح له بالاقتراب إلا عندما أخبرها أنه الطبيب المعالج. جلس الطبيب فوق ركبته واحدة قبالتها، ماداً يده فوق عنقه مستشعراً بأنامله النبض، قبل إعطاء الأمر لمرافقيه بحمله برفق إلى عربة الإسعاف.
رفعه المسعفون بحذر شديد فوق الحمالة الطبية، ومنها إلى داخل العربة. ركضت حياة خلفهم، دافعة بيدها كل من تقابله حتى وصلت إلى العربة وقفزت بداخلها. حاول أحد رجال الإسعاف منعها، ولكنها صرخت به بحدة قائلة:
- جوزي وأنا مش هسيبه!
أومأ له الطبيب بتركها، فهو يعلم جيداً مكانتها منذ حادثة تسممها، والتي قلبت المشفى رأساً على عقب وقتها بسبب خوف فريد الشديد عليها.
توقفت عربة الإسعاف أمام مدخل المشفى في وقت قياسي. كان الجميع يقف على قدم وساق منتظراً وصوله في أي لحظة. على رأسهم رئيس الأطباء الذي ركض خارجاً ليستقبل رب عمله ويطمئن على حالته الصحية، هاتفا في الجميع بالإسراع به إلى غرفة العمليات مباشرة. ركضت خلفه حياة حيث مدخل العمليات. وهناك، أوقفها رئيس الأطباء طالباً منها بهدوء الانتظار في الخارج.
وبعد لحظات قليلة، وصل خلفهم غريب رسلان بمجموعة حراسته وحراس ابنه المصاب، مطوقين الطابق والممرات، ومانعين أي شخص غريب من التحرك بداخله إلا بعد التأكد من هويته.
أما عن حياة، فقد أصابتها حالة من الهستيريا الشديدة، والتي جعلتها تصرخ في كل من يقابلها، رافضة الاستماع لأي شخص كان. حتى عندما خرج الطبيب الجراح بعد فترة لا بأس بها مطالباً بإحضار أكياس من الدم، أصرت هي على التبرع له، مؤكدة أن فصيلة دمها O، وعليه يستطيع أخذ ما يشاء منها، فهي لن تسمح لأي أحد آخر بإعطاء دم لزوجها طالما هي على قيد الحياة.
وبعد ما يقارب الساعة، كانت جدته السيدة سعاد قد وصلت إلى المشفى بعدما أخبرتها عفاف بهذا الخبر المشؤوم. ركضت مسرعة نحو غريب بعدما ترك لها الحراس المجال للوصول، تسأله بلهفة بصوت باكٍ:
- طمنّي على ابن بنتي، أبوس إيديك..
أجابها غريب بانكسار أن الرصاصة على مسافة قريبة جداً من القلب، ولكن الطبيب أكد له أن حالته حتى الآن مستقرة رغم فقده الكثير من الدم.
تحركت حياة من مقعدها بعد انتهائها من التبرع بالدم، رافضة كل توسلات الممرضة والطبيب بالاستلقاء قليلاً أو تناول أي مشروب لتعويضها عن كمية الدم التي فقدتها. فهي أبداً لن تجلس في تلك الغرفة البائسة المعزولة لا تعلم عنه شيئاً وتتركه هو بمفرده داخل غرفة العمليات الباردة دون الاطمئنان عليه. فحتى إن لم تكن بجانبه، يكفيها أن تظل أمام الغرفة حتى خروجه.
تحركت بجسد متعب حتى بداية الممر، وقد بدأت علامات الشحوب تظهر جلياً فوق ملامحها. ركضت الجدة سعاد في اتجاهها بمجرد رؤيتها قادمة وتسير ببطء في اتجاههم، وكفها بملابسها مغطاة بالدماء. شهقت برعب وهي تتقدم منها، تلتقط كفها وتساعدها على السير. في البدء قاومت حياة رافضة المساعدة منها أو من أي أحد، فمن يحتاج للمساعدة حقاً ملقى بالداخل حتى الآن. لم تسمع منه خبر يهدئ ارتجافة قلبها الذي على وشك الخروج من مكانه من شدة ذعره. ولكن ذلك الدوار الذي داهمها جعلها تتكئ على كفها مرغمة حتى وصلت إلى أحد الكراسي الموضوعة أمام الغرفة الجراحية، تجلس عليه بجسد مرتجف وقلب لم يتوقف ثانية عن الدعاء والرجاء.
مدت كفها الملطخ بالدماء، تنظر برعب إلى آثار دمائه الجافة فوقها، وقد بدأت تشعر بالاختناق يعيق حركة تنفسها. مالت بجزعها إلى الأمام في محاولة بائسة منها لإيصال الهواء إلى رئتيها، فحتى ذلك الفعل البسيط يؤلمها إلى أقصى درجة ممكنة. فكرت بوجع وهي تجاهد لسحب نفسها: هل يمكن للمرء أن يشعر بكل ذلك الكم من الألم دون أن يكون مصاباً بمرض عضوي؟ أن يشعر بانسحاب روحه ثم عودتها في كل نفس يسحبه؟ رفعت كفها المتكور، تضغط بقوة فوق صدرها حيث موضع الألم، عله يهدأ قليلاً، فهي تشعر كما لو أن شخصاً ما قام بشقه نصفين بمنشار حاد دون رحمة.
أما عن قلبها، فوجعه نقرة أخرى. فتلك الرصاصة لم تخترق صدره فقط، بل تشعر أنها تجاوزته واستقرت بداخل قلبها هي.
لاحظت الجدة سعاد، والتي تحركت تجلس بجوارها، ارتجافة جسدها وتنهدت. إنها لا ترتدي سوى بلوزة بيضاء خفيفة تلطخت أكمامها بالدماء في ذلك الجو البارد. لذلك تحركت مسرعة تطلب من أحد الحراس أمر السائق بالذهاب للمنزل وإحضار ملابس ثقيلة من أجلها، بعد الاتصال بعفاف تطلب منها ترتيب عدة أشياء وإرسالها مع السائق الخاص بها، والذي كان يرابط في الأسفل منتظراً إشارة منهم. ثم عادت تجلس بجوارها مرة أخرى، وهي تنظر نحوها باشفاق شديد، فالإعياء يبدو جلياً على ملامحها رغم ادعائها المستمر بغير ذلك.
بعد مرور ساعة ثقيلة تكاد تجزم أنها كالدهر، تقدم أحد الحراس وبيده حقيبة، وضعها أمامهم ثم انصرف بهدوء. اقتربت الجدة سعاد، تحاوط كتفيها بكلتا ذراعيها وهي تغمغم لها بحنان:
- حياة يابنتي، قومي معايا اغسلي وشك وإيديكِ، والبسي حاجة بدل هدومك الخفيفة اللي كلها دم دي..
حركت حياة رأسها تنظر نحوها، ثم حركت رأسها نافية بإصرار. زفرت الجدة بإحباط ثم أردفت قائلة بإقناع:
- يابنتي الهدوم دي خفيفة عليكِ والجو برد كده هيجيلك برد!
نظرت حياة نحوها دون تعقيب. فاستطردت السيدة سعاد قائلة بخبث:
- طيب تمام.. بس انتي عارفة إن لو جالك برد هيمنعوكِ تشوفيه عشان العدوى..
انتبهت حياة لحديثها بكامل حواسها. شعرت الجدة أنها أتمت مهمة إقناعها على أكمل وجه. وبالفعل، تحركت حياة بخطوات بطيئة نحو المرحاض الواقع بآخر الرواق، وبجوارها تسير الجدة سعاد لمساعدتها.
دَلفت للداخل وقامت بغسل يديها وذراعها بآلية شديدة، ثم نزعت تلك البلوزة المغطاة بدمائه وارتدت بدلاً عنها كنزة صوفية ثقيلة. ثم قامت بغسل وجهها ومسح شعرها. عادت يدها مرة أخرى تحتضن بلوزتها والتي كانت مغطاة بدمائه، ثم رفعتها نحو فمها تقبلها بحب. مسحت السيدة سعاد فوق شعرها بحنان وهي تغمغم بدهشة قائلة:
- للدرجة دي بتحبيه يا حياة؟
حركت حياة رأسها تنظر في اتجاهها، قبل أن ترتمي داخل أحضانها وتنفجر في البكاء. وقد عرفت الدموع أخيراً الطريق لمقلتيها. ظلت تشهق بقهر حتى جفت دموعها ولم يعد بمقدارها ذرف المزيد. فابتعدت عن الجدة وقامت بغسل وجهها مرة أخرى، ثم تحركت نحو الخارج، علّ وعسى تسمع خبراً ما يريح قلبها ولو قليلاً.
خرجت من المرحاض في نفس الوقت الذي اندفع به باب غرفة العمليات. خرج منه كبير الأطباء وخلفه جسد فريد ممدداً فوق السرير المدولب "الترولي" دون حراك. ركضت حياة بمجرد رؤيته، غير عابئة بذلك الدوار القوي الذي اجتاحها، حتى وصلت إليه. هالها رؤيته على هذا الوضع، فلم تشعر بجسدها إلا وهو يسقط مغشياً عليه بجواره.
***
أفاقت حياة على صوت والدتها القلق بجوارها، والتي وصلت هي الأخرى للمشفى بمجرد علمها بما حدث لابنتها وابن رفيقة عمرها. مسحت آمنة على شعر وجبهة حياة في محاولة منها لإفاقتها، فهي فاقدة للوعي منذ ما يقارب النصف ساعة تقريباً. فتحت حياة عينيها ببطء وإرهاق شديد، تنظر حولها باستغراب وهي تشعر بوخز قوي داخل كفها. جالت عينيها بنظرة شاملة على محتويات الغرفة لترى والدتها جاثية تنظر إليها بقلق، وذلك المحلول المعلق والمتصل بكفها. انتقضت تجذب تلك الإبرة الطبية من داخل كفها بمجرد تذكرها لما حدث، راكضة نحو الخارج للاطمئنان عليه، غير عابئة لتوسلات والدتها والممرضة، وذلك الدم الذي بدأ يقطر من وريد كفها. فكل ما كان يشغل تفكيرها في تلك اللحظة هو معرفة آخر تطورات حالته.
وصلت إلى الطبيب الذي كان يتحدث بجدية تامة مع السيد غريب، تسأله بلهفة واضحة:
- دكتور طمني؟
أجابها الطبيب باشفاق وهو يرى حالة الذعر التي لا تزال متملكة منها:
- متخافيش يا مدام حياة.. فريد بيه زي الفل.. أينعم الرصاصة كانت قريبة جداً من القلب، بس الحمد لله قدرنا نخرجها وهو دلوقتي تحت الملاحظة في العناية المركزة.. بعد ٤٨ ساعة لو فضلت الحالة مستقرة هيفوق وهي تنقل لغرفة عادية فوراً..
قاطعته حياة قائلة برجاء:
- لو سمحت أنا عايزة أشوفه..
أجابها الطبيب حاسماً:
- للأسف يا مدام مش هينفع.. أنا لسه كنت بكلم غريب بيه وبقوله.. صعب جداً حد يشوفه وهو في العناية المركزة.. بس ممكن حضرتك تشوفيه من ورا الإزاز عادي..
هل يمزح معها الآن؟ بعد كل ذلك الرعب الذي عاشته تراه من خلف الزجاج! رفعت حياة كلتا ذراعيها، تقبض بكفيها على تلابيب الطبيب قائلة بتهديد ونبرة حادة:
- انت عارف لو مخلتنيش أدخله.. صدقني أول حاجة هخليه يعملها أول ما يفوق إنه يطردك بره المستشفى ده..
أردفت قائلة بشراسة أدهشت الجميع:
- يا تخليني معاه لحد ما يفوق، يا أنا هنقله دلوقتي لمستشفى تاني وبرضه هفضل معاه..
صُدم الطبيب من رد فعلها وحديثها غير المتوقع. لذلك رفع نظره نحو السيد غريب ليتلمس العون منه، فوجده يومئ له برأسه أن يدعها ترافقه. هز الطبيب رأسه باستسلام وهو يغمغم لها وقد رأى قطرات الدم التي لا تزال تخرج من كفها:
- تمام يا هانم.. بس اتفضلي حضرتك الأول حطي بلاستر عشان الوريد ده يكتم، والبسِ اللبس المعقم الأول قبل ما تدخلي له.
ومش هاكدب على حضرتك بلاش كلام التعامل يكون بحذر شديد.
هزت رأسها له موافقة وهى تتحرك بلهفة مع إحدى الممرضات التى ظهرت بجوارها من العدم لتوقف نزيف كفها وتساعدها على الدخول إليه.
بداخل غرفة العناية المركزة خطت حياة بخطوات بطيئة مثقلة ناظرة إليه برعب وهى تراه ممدًا على الفراش بضعف تحيط بكتفه وقميصه الصدري حتى معدته ضمادة بيضاء كبيرة تخفى ذلك الجرح الذي أوشك على اختراق قلبه وإبعاده عنها للأبد. بدأت تشعر بوخز الدموع يعود لمقلتيها مرة أخرى وبقوة. أغمضتها قليلاً محاولة السيطرة عليها ولكن يبدو أنه لا سبيل لذلك الآن. لا تدرى لماذا، ولكن منذ إصابته وهى تتظاهر بالصلابة أمامهم رغم شعورها المتزايد بأن كل خلية من خلايا جسدها ترتجف داخلياً فزعاً عليه. شعور مرير بالذعر تختبره لأول مرة بسبب فكرة فقدانه. فهى تشعر كما لو أن أحدهم قام بوضعها وسط موجات البحر المتلاطمة في ليلة شتوية عاصفة ثم تركها تبحر بمفردها ورحل، ولا يعلم أن أكثر ما تخشاه هو البحر الهائج في الظلام. لم تستطع حبس دموعها أكثر، لذلك تركت لها العنان لتنساب فوق وجنتها بحرية.
ارتمت بجسدها على المقعد الموضوع بجانب الفراش والذي يبدو أنها وضع خصيصاً من أجلها، ناظرة إليه بحزن وهو غافٍ ومحاطاً بذلك الكم من الأجهزة والمحاليل ولا يدرى بما يدور حوله، والأهم بما يدور في قلبها من أحاسيس تجاهه. لقد بدأ عقلها يجبرها وبقوة على الاعتراف بما تهربت منه منذ سنوات. الحقيقة التي لطمتها بقوة ودون سابق إنذار. فريد هو ملجأها الوحيد، أمانها منذ أعوامها الأولى، بل منذ أن قررت أن تأتي إلى ذلك العالم وتخوض فيه معركتها الخاصة والتي أبداً لم تكن خاصة. كان معها دائماً، حصنها ورفيق دربها الوحيد. حتى عندما كانت تقف أمامه وتتحداه، كانت تفعل ذلك لعلمها أنه معها وخلفها، يمدها بالقوة، يحبها ويحميها ويشد من عضدها. عندما تقع في أزمة كانت تعلم جيداً أن فريد بجوارها في مكان ما يراها وينتظر فقط الوقت المناسب ليتدخل وينقذها. ولكنه ها هو الآن يرقد في الفراش غير واعٍ، برعبها في الساعات الماضية والتي قضتهم في الخارج وحيدة للغاية بدونه، ترى كل الوجوه غريبة لأنه ليس من ضمنهم. تماماً كورقة شجر في فصل الخريف تخشى هبوب ريح عاصف يميد بها.
لوت فمها بسخرية مفكرة: هل يعلم أن مجرد دخولها الغرفة وجلوسها بجواره أعاد إليها شيئاً من الطمأنينة والدفء لقلبها؟ مدت يدها تتلمس بحذر شديد كفه الأيمن قبل أن ترفعه لتطبع عدة قبلات مشتاقة فوق أصابعه وباطنه. بعض الأشخاص محظوظون كفاية ليقعوا في الحب مثله. أما هي فكانت الأوفر حظاً لأنها لم تقع في الحب بل ولدت فيه. فتحت عينيها عليه وكبرت وترعرت في ظله. لن تكابر بعد الآن ولن تحارب مشاعرها أكثر من ذلك. إنها تحبه كما كانت دائماً، بطهره وعصيانه، بلينه وقسوته، بطاعته وعناده. غارقة في حبه تماماً وكلياً. تحبه الآن كما أحبته في الماضي وستظل تحبه في المستقبل. لم تشعر بالحب إلا معه ولم يدق قلبها إلا له. لم تكرهه أبداً، بل على العكس كل ما كانت تشعر به هو الغضب. كل عبارات الكره التي رمته بها منذ سنوات لم تكن إلا تنفيس عن خيبة أملها منه مع الحزن لفقدانها لحبيبها الأول وصديقها المفضل في أصعب أوقاتها. ولكن كل ذلك أصبح الآن من الماضي. من اليوم ستحارب من أجل إعادة فريد خاصتها، فريد الحنون المتسامح. هزت رأسها بإصرار فهي عاقدة على تنفيذ خطتها وستعمل بكل طاقتها أن تنسيه ذلك الماضي بكل تعقيداته وآلامه وتعويضه عن كل ما عاناه بمفرده دون أن تكون بجواره. ثم بعد ذلك ليبدأ معاً حياتهم الجديدة دون وجود أحد ودون تدخل من أحد، دون أطماع وخطط وأحقاد. والأهم دون خطر أو انتقام.
تحركت نحوه تحتضن وجهه بكفيها بحنان شديد وهى تتأمله بعشق. يالله كم هو وسيم! لقد كان دائماً وسيم بتلك العينين العسليتين التي تدفئ قلبها وحياتها كالشمس، ولكنها تراه الآن أكثر وسامة. كم تمنت أن تتلقى تلك الرصاصة بدلاً عنه! لو فقط يعود بها الزمن لكانت وقفت أمامه تحميه وتفديه بروحها قبل جسدها، فأن تصاب هي وتعلم أنه بجوارها أهون كثيراً من أن يصاب هو وتظل هي هكذا بدونه فاقدة للحياة ولن تعود حياة إلا بعودة فريد.
قامت بطبع قبلة دافئة ومطولة فوق جبهته وهى تهمس له بهيام:
- بحبك.. بعدد كل كلمة بكرهك قلتها لك بحبك.. قوم بقى عشان خاطري متسبنيش لوحدي.. قوم عشان انت عارف إن حياة متنفعش غير لفريد..
سقطت من إحدى جفنيها دمعة أخرى فوق وجنته سارعت بمسحها برعب كأنها ستتسبب في إيذائه، ثم قامت بطبع قبلة ثانية وثالثة فوق جبهته وأخرى فوق وجنته مكان سقوط دمعتها، ثم عادت تجلس فوق المقعد مرة أخرى وهى تحتضن كفه بتملك.
في اليومين التاليين ظلت حياة بجواره لم تبارح مطرحها ولو قيد أنملة. رفضت جميع التوسلات من قبل والدتها وجدته وحتى الطبيب بالارتياح قليلاً أو تناول الطعام، ولكنها رفضت ذلك رفضاً باتاً. فيبدو أن جهازها العصبي أصبح متنبهاً بالكامل بسبب حالة الذعر الذي يمر بها، لذلك لم يغمض لها جفن خلال ذلك اليومين المنصرمين كما أنها لن تشعر بطعم الحياة حتى يفتح عينيه مرة أخرى.
كانت تقضي يومها بالصلاة والدعاء له بالشفاء العاجل، وفى المساء وأثناء صلاتها في جوف الليل فتح فريد عينيه بوهن شديد ليطالعها ساجدة فوق الأرضية وهى تنتحب بصوت رقيق. تمتم اسمها بخفوت شديد عدة مرات قبل أن يغالبه النعاس مرة أخرى من أثر المخدر. أنهت حياة صلاتها ثم هرولت نحوه مسرعة تتفقده. تنهدت بإحباط وهى تراه لازال غائباً عن الوعي، فقد هيأ لها أثناء صلاتها أنه يهتف باسمها، ولكن يبدو أنها تتهيأ بذلك كعادتها في اليومين الماضيين.
أغمضت عينيها تدعو الله بقلب مضطر أن يستيقظ، فهي لا تشعر أن قلبها سيحتمل يوم آخر بدونه. أخفضت رأسها تطبع قبلة حذرة للغاية فوق موقع قلبه، ثم تحركت تطبع قبلات مشتاقة فوق كل إنش من وجهه. أما هو فمن بين صحوته وغفوته، حلمه وواقعه كان يشعر بقبلاتها كالنسيم الناعم تقع فوق وجهه، ممتناً نفسه باليوم الذي يقوم به بكل ما يفكر به الآن كاملاً مكملاً.
بعد ما يقارب الساعتين وعندما كانت حياة تجلس فوق المقعد بجوار فراشه محتضنة كفه كعادتها، شعرت به يتململ ويده تضغط بضعف شديد فوق يدها وهو يتمتم اسمها بهمس خافت. رفعت رأسها بترقب شديد تنظر نحوه فوجدته يرمش عدة مرات قبل أن يفتح عينيه بوهن. انتقضت من مقعدها واندفعت نحوه تتلمس وجهه بلهفة وهى تتمتم بصوت مختنق من شدة مشاعرها:
- فريد أنت صحيت.. أنت صحيت صح.. أنت هنا..
حرك شفتيه يسألها بهمس ضعيف:
- انتي كويسة؟
أومأت رأسها له عدة مرات موافقة وهى تحاول جاهدة كبت دموعها حتى لا تبدأ في التساقط وتفضح مشاعرها أمامه، ثم أجابته وهى تحتضن وجهه بحنان شديد:
- هش.. متتكلمش ومتتعبش نفسك.. أنا كويسة.. ثواني هنده لك الدكتور..
أنهت جملتها وركضت نحو الخارج باندفاع شديد ثم عادت بعد دقائق معدودة وبصحبتها رئيس الأطباء الذي اندفع هو الآخر خلفها للفحص والتأكد من سلامة مخدومه. أجرى الطبيب فحصه مطولاً ثم استقام في وقفته هاتفاً بمرح شديد:
- كله زي الفل مفيش أي حاجة تخوف.. هترتاح هنا شوية والصبح هنتنقل لأوضة عادية..
وجه حديثه لحياة وهو يتحرك نحو باب الغرفة للخروج:
- مدام حياة.. زي ما نبهت على حضرتك بلاش أي كلام أو مجهود وشوية والممرضة هتيجى تكمل العلاج..
أومأت حياة رأسها له موافقة بتفهم شديد قبل أن تتقدم مرة أخرى نحوه. جلست على حافة الفراش بجواره تتأمله ويتأملها في صمت. كان يبدو واضحاً لها من تعبيرات وجهه أنه يتألم، لذلك عندما حاول فتح فمه للحديث قامت بوضع إصبعها فوق فمه قائلة برقة شديدة:
- ششششششش.. ولا كلمة..
ثم أكملت جملتها بمرح شديد وهو لازالت تضع إبهامها فوق فمه:
- أخاف الدكتور يقفشنا وإحنا بنتكلم يطردني وأنا بصراحة ما صدقت أقنعه يخليني هنا..
رفع إحدى حاجبيه معاً باستنكار شديد مما دفعها للابتسام بقوة، ثم فجأة وبدون أي مقدمات سألته برجاء:
- فريد.. ممكن أحضنك؟
لم يجيبها، ولكن بدلًا من ذلك، أبعد يده السليمة عن جسده مشيرًا لها بالاقتراب. مالت بجسدها تحتضنه بحذر شديد، دون تحميل ثقلها عليه. أسندت جبهتها على الوسادة، وما تبقى من وجهها واقعًا بين المسافة بين الوسادة وكتفه. ثم اقتربت ببطء حتى شعرت بأنفاسه المتعبة تلامس أذنها. تنهدت براحة، فالآن يمكنها الاسترخاء وقد عاد دفء أنفاسه يحيط روحها.
في الصباح، استيقظ فريد شاعرًا بثقل ما جاثم فوق ساقه اليمنى. فتح عينيه ببطء، فوجدها غافية ورأسها مستندة فوق ساقه بكسل، ويدها تحتضن كفه بقوة كأنها تخشى هروبه. ابتسم ببطء، ثم حرر يده من كفها وبدأ يتلمس خصلات شعرها باشتياق. لم يدرِ كم مضى عليه من الوقت وهو غافٍ بتلك الضمادة الغبية التي تكتسي صدره، ولكن الشيء الوحيد الواثق منه هو أنه يريد اعتصارها بين أحضانه حتى يطفئ شوقه لها. في تلك اللحظة، دلفت الممرضة للغرفة، فانتفضت حياة من نومتها تسألها بقلق:
- ميعاد الدوا جه؟
أجابته الممرضة بابتسامة ودودة وهي تتحرك باتجاهه وتتناوله عددًا لا بأس به من الأدوية، ثم تفقدت جرحه قبل أن تقول بهدوء:
- ٥ دقايق وهننقل حضرتك لأوضة عادية لو مستعد.
أومأ لها فريد برأسه موافقًا، وقد بدأ يستعيد عافيته وقوته شيئًا فشيئًا.
تمت عملية نقله إلى غرفة عادية بمنتهى اليسر والسهولة، فيبدو أن وجوده داخل المشفى جعل الجميع يعمل على قدم وساق، حتى رئيس الأطباء كان متواجدًا بجوارهم بشكل دائم. انتهى الطبيب المعالج من تفحص جرحه للمرة الأخيرة، ثم بدأ في إعطاء تعليمات صارمة للممرضة التي كانت تستمع لتعليماته بتركيز تام. في تلك اللحظات، تسللت حياة تجلس قبالته على الفراش الوثير في تلك الغرفة التي تشبه غرف الفنادق. لوت فمها بسخرية وهي تجول بنظرها بداخلها، فبالطبع إذا لم تكن تلك الغرفة من نصيب فريد رسلان، فلمن تكون؟
عادت تنظر إليه وهي تفكر بشوق، فكم تود في تلك اللحظة إمساك ذراعه ووضعه فوق خصرها كما كان يفعل دائمًا بتملك. أعادها من شرود أفكارها صوت الطبيب يوجه حديثه إليها قائلًا بنبرة وابتسامة ذات مغزى:
- حمدلله على سلامة فريد بيه يا مدام.
أخفضت حياة رأسها بخجل، متذكرة كيف جذبت ذلك الطبيب من ردائه وقامت بتهديده. ثم رفعت رأسها ببطء تبتسم له بمودة وتقول بنبرة شبه معتذرة:
- شكرًا لمجهودك يا دكتور، والفضل لحضرتك بعد ربنا سبحانه وتعالى. وبتمنى إن حضرتك تعذرني على أي حاجة حصلت اليومين اللي فاتوا دول.
أومأ لها الطبيب برأسه وهو يبادلها ابتسامة متفهمة قبل أن يتحرك وتتبعه الممرضة إلى الخارج.
شعرت حياة به يتململ بجوارها وهو يزفر ببطء. لم تكن تحتاج للنظر إليه لتعلم أنه غاضب. فرغم ضعف حركته، إلا أنها كانت تعلم جيدًا أنها حركات غاضبة. رفعت رأسها بترقب شديد تنظر نحوه، فوجدته بالفعل يرمقها بنظرات حانقة. في السابق كانت تغضب كثيرًا من غيرته، أما الآن فهي تريد رمي نفسها بداخل أحضانه وتقبيله حتى يعلم أنها الوحيدة التي تمتلك قلبها. حاولت كتم ابتسامتها وهي تراه يضغط على شفتيه بقدر ما يسمح له ألمه، وقد قررت إراحته، لذلك تحدثت مبررة:
- فريد، ينفع أقولك حاجة؟
لم يجيبها واستمر في رميها بنظراته الحانقة، فأردفت تقول بنبرة طفولية هامسة كأنها تعترف بذنب كبير:
- لما إنت كنت في العناية، الدكتور رفض إني أدخل. وأنا بصراحة هددته لو مخلينيش أفضل معاك لما تفوق، هارفده.
أنهت جملتها وجعدت أنفها وهي تنظر نحوه بترقب، كأنها تنتظر توبيخه. حاول هو كتم ابتسامة كادت تظهر على شفتيه، ثم تنحنح قائلًا بنبرة جامدة:
- العرض لسه متاح. استمري إنتي في معاملته كده، وإن شاء الله هيقعد في بيته بكرة.
ضغطت فوق شفتيها بقوة وأخفضت نظرها لإخفاء تلك الابتسامة السعيدة التي لاحت فوق شفتيها، ثم ردفت محاولة تغيير مجرى الحديث:
- على فكرة، باباك وتيتا سعاد كانوا هنا. متحركتش من جنبك. هما بس بيروحوا بالليل وشوية وزمانهم على وصول.
لم يعقب على جملتها مطلقًا، بل فاجأها بسؤاله قائلًا بجمود:
- وما روحتش معاهم ليه؟
رغم الجمود الذي كان يغلف نبرته، إلا أن نظرته كانت تلوح بسؤال آخر مختلف. كانت تعلم أنه لا يزال يعاملها بجمود بسبب غيرته، لذلك أجابته قائلة بتهكم شديد:
- امممم... بصراحة الجو شتا والدنيا برق ورعد. والبيت بتاعك ده على البحر على طول، وأنا بخاف من صوت البحر بالليل. عشان كده قلت: خليني هنا أحسن.
رفع إحدى حاجبيه وقد بدأ المرح يظهر جليًا بداخل عينيه، ثم أجابها بنبرة شبه مرحة:
- يعني إنتي بتستغليني حتى وأنا تعبان!!!
لم تستطع كتم ضحكتها لأكثر من ذلك، فأجابته ضاحكة وهي تمد يدها وتحتضن يده اليمنى قائلة بسعادة:
- قدرك بقى.
لم يعقب، وبدلًا من ذلك، ظل يتأملها مطولًا بنظرات أسرتها وجعلتها هي الأخرى فاقدة للنطق.
قاطع نظراتهم صوت الباب الذي اندفع وظهر من خلفه والده يليه الجدة سعاد. حيّاه والده بجمود شديد رغم الدفء الواضح في عينيه ونبرته، ورغم قلقه وذعره الذي لم يفارقه الأيام الماضية والذي كانت حياة شاهدة عليه. فكرت بسخرية وهي تتأمل استقبال فريد له، فقد باتت تعلم من أين ورث كل ذلك الجمود والجفاء. أما عن الجدة سعاد، فقد اندفعت نحوه بعيون دامعة تحتضنه بحب شاكرة الله على استجابة دعائها ورؤيته مرة أخرى سالمًا. ربت فريد على ظهرها مطمئنًا، وكان ذلك هو أقصى رد فعل بدر منه وهو يستقبلهم. استقامت الجدة سعاد في وقفتها مرة أخرى وهي تتمتم بمكر:
- لا ما شاء الله، ده دم حياة اللي اتنقل لك خلاك زي الفل أهو.
تجمدت نظرات فريد فوق حياة التي أبعدت وجهها عنه بخجل شديد، ثم سألت الجدة حياة محاولة الهرب من نظراته التي لازالت تشعر بها فوقها:
- تيتا، حضرتك جبتيلي الحاجات اللي طلبتها؟
أجابتها الجدة بمرح وهي ترى احمرار وجنتيها:
- اتفضلي يا ستي، كل الحاجات اللي طلبتيها لحد ما تروحي. مع إني كنت أفضل ترجعي البيت تريحي شوية وإحنا هنا معاه.
هزت حياة رأسها رافضة بصرامة وهي تتحرك نحو الحقيبة الموضوعة فوق الأرضية، تلتقطها وتتجه بها نحو المرحاض لتبديل ملابسها.
استبدلت حياة ملابسها وقامت بارتداء كنزة صوفية ناعمة ذات فتحة عنق منخفضة من اللون الأحمر مع بنطال يلائمها من اللون الأسود. ثم مشطت شعرها جيدًا ورفعته لأعلى على هيئة كعكة بسيطة وتركت الكثير من خصلات شاردة فوق وجهها وعنقها لتبرز نعومته. ثم تحركت إلى الخارج بعدما استعادت جزءًا كبيرًا من نشاطها وسعادتها بسبب استيقاظه.
تسمرت نظرات فريد فوقها بمجرد رؤيتها تتقدم منه وهي ترتدي تلك الكنزة الواسعة التي تجعلها تبدو كالطفلة بداخلها. طفلة، أي طفلة تلك التي تبدو بهذا المظهر الرائع المثير فقط بسبب كنزة؟ وقعت عينيه على فتحة عنقها وتلك القلادة الفضية الصغيرة التي كانت تلازمها والتي كانت تحتك بعنقها في كل خطوة تخطوها، تثير أعصابه. أغمض عينيه بقوة، لعنًا ذلك الألم الذي يضرب صدره ويمنعه من التحرك والتنعم بقربها ودفء جسدها. جلست حياة في إحدى المقاعد المجاورة له بتوتر وهي ترى نظراته مسلطة عليها. وللحقيقة، لم تستطع هي الأخرى إبعاد نظرها بعيدًا عنه، فكل ما تمنته في اليومين الماضيين هو النظر بداخل عسليتيه والشعور بالدفء والأمان المنبعث منهما.
انقضى النهار سريعًا، وقد لاحظ فريد أنها لم تتناول شيئًا خلال اليوم بأكمله، فقط قهوة وبعض العصائر. إذا لذلك السبب تبدو شاحبة ومرهقة. بالطبع ستبدو مرهقة بعدما تبرعت له بدمائها. هل يحق لامرأة ما أن تكون بكل ذلك الجمال والشحوب يملأ وجهها؟ هذا ما فكر به بيأس وهو يتأمل وجهها بعشق خالص. كل ما يريده هو ذهاب والده وجدته حتى يتسنى له ضمها بين ذراعيه، ولتذهب تعليمات الطبيب إلى الجحيم معه.
زفر فريد براحة بعد توديع والده وجدته وتحركها من جديد لتجلس قبالته وتسأله باهتمام:
- إنت كويس؟
هز رأسه لها ببطء دون حديث، ثم سألها بصوت أجش:
- ممكن بس ترفعليّ السرير شوية؟
تحركت على الفور تنفذ طلبه، ثم بعدها اقتربت منه حتى شعر بعطرها يغزو أنفاسه وخصلات شعرها تلامس جبهته وهي تعدل له من وضع الوسادة خلفه حتى يستلقي بوضعية مريحة. عادت بعدها لتجلس بعيدًا عنه، ولكنه رفع ذراعه الأيمن ليضعه فوق مؤخرة ظهرها ثم ضغط عليه برفق شديد في إشارة لها للاقتراب منه. تحركت على الفور تلتصق به، وكم أسعدها يده التي أحاطتها بتملكها المحبب لها. رفعت جفونها تنظر نحوه، فوجدته يتأملها بحب شديد، فرفعت أصابعها تتلمس ذقنه النابتة بنعومة شديدة، ثم قالت بصوت ناعم كالحرير وهي تتبع بأصبعها خطوط عنقه، ثم انزلقت حتى وصلت إلى بداية جرحه:
- دمي بقى بيجري لحد هنا، وبعد كده بيروح لكل جسمك قبل ما يرجع لقلبك تاني.
أجابها بنبرة هامسة وهو يحرك يده ببطء على طول ظهرها:
- مش بس دمك اللي بيجري جوايا. كلك يا حياة.
تحرك إصبعها يتلمس شفته السفلى برقة بالغة وهي تقترب منه لتتلمس دفء أنفاسه. غمغم هو بهمس ناعم قائلًا:
- حياة، بوسيني.
لم تتفاجأ من طلبه، فهذا كل ما كانت تفكر به في تلك اللحظة. انحدر نظرها مباشرة حيث فمه، ثم غمغمت بنفس النبرة الهامسة معترضة:
- فريد، جرحك...
قاطعها هو قائلًا بعيون داكنة:
- مش متخيل إني كنت هروح من غير ما...
قاطعت حديثه بقبلتها التي التهمت شفتيه، تقبله بعمق غير عابئة بأي شيء مما حولها سوى قربه وملمس شفتيه الناعمة المتملكة. ابتعدت عنه بعد قليل، ثم أسندت جبهتها فوق جبهته وأنفه تلامس أنفه تتنفس أنفاسه بأستمتاع. قالت له وهو مغمضة العينين:
- إنت عارف لو اتقفشت الدكتور هيعمل فيا إيه؟
أجابها مازحًا وهو يطبع قبلة خفيفة فوق أنفها ومقدمة فمها:
- أنا بتلكك عشان أمشيه.
دوت ضحكتها عاليًا وهي تحك أنفها بأنفه، قبل أن تتحرك شفتها تتلمس ببطء ذقنه ووجنته، طابعة عدة قبلات فوقها. جالت يده السليمة فوق جسدها يتلمسها بشغف وهو يغمغم بمرح:
- إنتي بتستغلي مرضي صح؟
شهقت بصدمة، ثم رفعت رأسها قائلة بعتاب:
- والله! إنت اللي طلبت إني...
قاطع حديثها عندما التقط شفتيها مرة أخرى، يبث من خلالها كل ما يعتمر بداخل صدره من أحاسيس ومشاعر مهلكة.