تحميل رواية «متى تخضعين لقلبي» PDF
بقلم شيماء يوسف
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
اليوم هو يوم عطلتها. استيقظت من أحلامها كعادة كل عطلة على صوت صياح آتٍ من خارج غرفتها. تنهدت بألم وهي تضغط على عينيها بقوة رافضة تقبل أمر استيقاظها أو التحرك من فراشها إلا بعد خروجه، ولكنها تعلم جيدًا أن أمنيتها تلك دون جدوى، فهو مقيم في المنزل ما يقارب ال 24 ساعة. بالرغم من انتظارها كل عطلة أسبوع بفارغ الصبر حتى يستطيع جسدها الارتياح قليلًا، إلا أنها تكرهها بسببه. شعور غريب ينتابها وهي تستمع إلى كل ذلك الصياح والانتقاد والسخط الخارج من فمه عليهم جميعًا. كانت كل صرخة تخرج منه لتقتحم أذنها تشعر ب...
رواية متى تخضعين لقلبي الفصل الحادي والعشرون 21 - بقلم شيماء يوسف
متى تخضعين لقلبى
الفصل الواحد والعشرون ..
توقف فريد عن تقبيلها على مضض ورغم ذلك لم يبتعد عنها ولم تفعل هى بل ظلت تستند بجبهتها على جبهته وهى تحتضن وجهه بكفها كأن كل منهما يتلمس العون من صاحبه ، بعد فتره من الوقت تحركت برأسها مكرهه حتى تسمح له بالتنفس براحه ولكنه منعها قائلاً بصوته الاجش :
-خليكى .. نفسك مدفينى ..
يالله .. أيجب عليه ان يكون بتلك الروعه طوال الوقت ، انها تجاهد لكبح جماح لسانها حتى لا ينفجر ويكشف عن كل ما يحمله قلبها له من عشق وهيام ، تنهدت بحب وهى تعود وتدفن وجهها داخل ثنايا عنقه حيث راحتها وامانها .
بعد وقت ليس بقليل وهما على تلك الحاله ابتعدت هى عنه ببطء بعد سماعهم طرقه خفيفه فوق باب الغرفه يليه دخول احدى الممرضات وهى تحمل صينيه محمله بالدواء بين يديها ، استقامت حياة فى وقفتها قبل ان تسأل الممرضه بخجل موجهه لها ابتسامه عريضه:
-لو سمحتى ممكن اديله انا العلاج ؟!..
بادلتها الممرضه ابتسامتها بأخرى موافقه وهى تومأ لها برأسها قبل تحركها نحو الخارج ، ناولته حياة دوائه بشغف شديد بعدما اصرت ان تناوله عشائه بيدها ، وبعد انتهاءها حاول التحرك من مكانه ولكنه اجفل بقوه من شده الالم ، اغمض عينيه برُهه من الزمن محاولاً السيطره على ألمه وهو يسب ويلعن بخفوت ، علقت حياة على سبابه قائله بسخريه شديده :
-حتى وانت تعبان بتشتم ؟!..
نظر إليها متشدقاً وقد بدء صوته يستعيد قوته قائلاً بتهكم مرير :
-انا اسف يا زوجتى العزيزه انى خدشت حيائك بكلامى وبذائتى .. المره الجايه لما حد يحاول يموتنى وعد هبقى اقوم ابوسه تقديراً لجهوده فى انه يريحك منى ..
نظرت له حياة بأحباط وفتحت فمها لتجيبه ولكن قاطعها صوته قائلا لها بنبره حازمه :
- اندهيلى حد من اللى بره ..
انتفضت حياة من مقعدها بجواره تسائله بقلق :
-اشمعنى ؟!!!...
اجابها بنبره خاليه :
-من غير اشمعنى .. ناديلى حد من البهايم اللى بره دول ..
تحولت نبرتها هى الاخرى وهى تحدثه بنبره شبهه محتده :
-انت بتهزر صح !!! اكيد مش هندهلك حد ومش هتكلم حد لحد ما تخف ..
زفر فريد بنفاذ صبر قبل ان يقول بحسم شديد :
-حياة !! لو مندهتليش حد من الاغبيه اللى بره دول هقوم اناديهم بنفسى ..
اجابته حياة بحنق شديد:
-تقوم تنده مين !! فريد لو حضرتك مش واخد بالك انت اضربت برصاصه جنب القلب على طول يعنى لازم تراعى صحتك اكتر من كده !!..
اجابها بتهكم ونبره ذات مخزى وهو يستعد للتحرك من الفراش :
-متخافيش عليا لو على قلبى فهو مستحمل كلام كتير اسوء من الرصاص ولسه عايش اهو ..
علمت جيداً ما يرمى إليه فأخفضت رأسها بخجل وقد بدءت الدموع تتجمع داخل مقلتيها وهى تتذكر ما تفوهت به خلال شجارهم الاخير قبل اصابته لذلك آثرت الانسحاب نحو الخارج مغمغه بأستسلام :
-تمام خليك هعملك اللى انت عايزه ..
غابت قليلاً وعادت وبجوارها رئيس الحراس مطأطأً رأسه بخزى من فشله فى حمايه رئيسه ، وجهه فريد حديثه لحياة بنبره آمره كأنها لم تكن قبل دقائق معدوده داخل احضانه :
-سبينا لوحدنا شويه ..
رفعت احدى حاجبيها تنظر له بتحدى صامت ، زفر فريد مره اخرى بملل قبل ان يهتف اسمها بنبره محذره :
-حيااااااة !! ..
اندفعت حياة خارج الغرفه وقد صفقت الباب خلفها بقوه وهى تشعر بالغضب الشديد من عناده وجفائه معها خاصةً ان لديها شكوك قويه عن سبب استدعائه للحارس فى ذلك الوقت بالذات .
وامام باب غرفته ظلت حياة تذرع الممر ذهاباً واياباً وهى تنظر كل عده دقائق بساعه يدها مفكره بقلق ما الذى يحيكه فريد برفقه حارسه ، تحركت تضع اذنها فوق الباب مرهقه السمع لعلها تستمع إلى ما يرضى فضولها او يطمئنها ولكن ذلك العنيد كان يتخذ احتياطه جيداً ويتحدث بنبره خفيضه حتى لا يصل ترتيبه إلى مسامعها او مسامع اى حد اخر فى الخارج ، وأثناء استراقها للسمع فُتح الباب فجأة وهى لازالت مستنده براسها عليه فترنحت قليلاً لإمام ، تنحنحت محاوله اخفاء حرجها من الحارس الذى تفاجئ بوجودها امامه وكاد ان يصطدم بها ثم بادلته ابتسامه مقتضبه قبل ان ترفع رأسها بكبرياء وتعود بداخل الغرفه مره اخرى دون حتى النظر إليه ، بمجرد دخولها الغرفه سألها فريد بتذمر :
-مفيش اى حاجه البسها بدل البتاع الغريب ده !! ..
اجابته بنبره شبهه جامده :
-اه طبعاً تيتا سعاد جابتلك لبس معايا ثوانى هطلعهولك ..
انهت جملتها وهى تتوجه نحو الخزانه الصغيره والموضوعه بجانب الغرفه تلتقط منه بنطال رياضى واسع وستره رياضيه بسحاب أمامى حتى تسهل له عمليه إرتدائه دون ألم ، وقفت امامه عاقده حاجبيها بتركيز تام وهى تفكر فى كيفيه ارتدائه للبنطال فهى ابداً لن تساعده فى تلك المهمه مهما حدث ، ابتسم هو من ترددها الواضح داخل عينها ثم قال بتهكم واضح :
-هاتى متخافيش انا هتصرف .. غمضى عينيكى بس ..
ضغطت على شفتيها بخجل قائله وقد تناست كل غضبها منه :
-تمام حاول تلبسه وانا هساعدك فى التيشرت ..
هز رأسه بعبوس وهو يحاول ارتداء البنطال بحذر شديد من اسفل ذلك الرداء الازرق الخاص بالمرضى ، فتحت حياة عينها على مضض حتى تتاكد من انتهائه قبل ان تزفر براحه وهى تتحرك من خلفه حتى تحل الرباط الخلفى الرداء ثم تعود مره اخرى لتساعده فى خلعه وارتداء سترته ، غمغم فريد فى اول الامر رافضاً مساعدتها قائلاً بتحدى :
-انا هلبسه لوحدى ..
نظرت حياة نحوه بتحذير قبل ان تجيبه بأقتضاب وهى تساعده فى ادخال ذراعه فى احد الأكمام :
-ممكن تبطل تعلق على كل حاجه وتسيبنى اشوف شغلى !!.. وبعدين على فكره انت مريض متعب اوى ..
اجفل وتأوه متألماً بصوت مكتوم بمجرد لمسها لذراعه القريب من الاصابه فسارعت تحتضن وجهه بكفيها وهى تغمغم برعب شديد :
-اسفه .. اسفه .. انا وجعتك غصب عنى انا اسفه ..
لمح فريد اللهفه والذعر داخل عنيها فأوماً لها برأسه مطمئناً قبل ان يقول بتهكم محاولاً تلطيف الجو بينهما :
يمكن عشان اللى بيساعدنى حد مش مريح ..
انهت مهمه ادخال ذراعه الاخر داخل الرداء ثم مالت بجذعها نحوه حتى تستطيع التقاط السحاب ثم اجابته وهى تغلقه بهدوء شديد وعينيها تحملق بأعماق عينيه:
-اخر طموحاتى انى أريحك .. خصوصاً لو فى حاجه اخرتها وجع قلبى .. خليك عارف ده كويس ..
انهت جملتها ثم تركت السحاب يفلت من بين أصابعها قبل ان تتوجهه نحو احد المقاعد بأخر الغرفه تجلس فوقه بصمت ،
استلقى فريد بهدوء شديد فوق الفراش وقد بدء يشعر بالإرهاق والنعاس من الدواء وحركته المستمرة منذ الصياح ثم وجهه حديثه لها قائلاً بنبره آمره :
-تعالى عشان ننام ..
عقدت ذراعيها معاً امام قفصها الصدرى قائله بتهجم :
-اتفضل انت انا مش هنام غير هنا ..
زفر فريد بأرهاق ونفاذ صبر قبل ان يبها بحده شديده :
-حياة مش عايز لعب عيال .. يا تيجى تنامى جنبى يا هبعت لحد بره يروحك !! مش هتفضلى تجادلى فى كل حاجه اقولك عليها ..
كان يعلم جيداً انه لن ينفذ تهديده فهو لا يأمن على إرسالها بعيداً عنه ومن دونه خاصةً بعد ما حدث له ولكنه متعب من مجادلتها فى كل شئ يطلبه ، زفرت بحنق وهى تتحرك من مقعدها وتتجه نحوه بغيظ شديد حتى توقف امام الفراش تسأله بقلق :
-طب هنام ازاى دلوقتى والسرير ضيق كده اكيد هتعبك !!!..
كانت كاذبه فالفراش رغم صغره الا انه كان يكفى لفردين براحه ، اغمض فريد عينه لبرُهه قبل ان يفتحها مره اخرى ناظراً لها بتحذير التقطته على الفور فتحركت تستلقى بجواره دون اى تعليق اخر
ورغم اتساع الفراش نسبياً الا ان فريد ترك لها مساحه صغيره جداً لتستلقى فوقها فتوارى نصف جسده تقريباً تحتها ، حركت جسدها بعيداً عنه لتعطى له مساحه اكبر للراحه ولكن بسبب انزلاق جسدها من فوق الفراش والذى منعته يده التى امتدت خلفها تدعمها جعلها تعود للالتصاق به مجدداً
وبمجرد لمسها لجسده وبسبب الدفء والامان الذى تسلل إليها من قربه شعرت بكل غضبها يتلاشى منه وبدء جسدها يسترخى على الفور والنوم يداعب جفونها وهى داخل احضانه ، غمغمت بصوت رقيق ناعس :
-فريد لو سمحت ممكن تمسك ايدى وانا نايمه ..
سألها بهدوء وقد بدء يسترخى هو الاخر بسبب قربها منه :
-حاضر بس ليه ؟!..
اجابته بأهتمام بالغ :
-عشان خايفه ايدى تتحرك وانا نايمه وتخبط فيك او توجعك ..
زفر فريد بحراره وهو يحرك يده اليمنى ليحيط خصرها ويدنيها منه اكثر فأكثر حتى يتسلل دفء جسدها كاملاً إليه .
بعد عده دقائق شعر بأنفاسها تنتظم بداخل ثنايا عنقه فعلم بذهابها فى النوم ، أغمض عينيه متنهداً براحه يستمتع بقربها ودفء جسدها فوقه وبأنفاسها الواقعه عليه ، تحركت هى فى نومها تدفن راسها فى تجويف عنقه وتشدد من احتضان يدها ليده السليمه ، اتسعت ابتسامته كأنه مراهق يلمس يد حبيبته لاول مره ، ولكن ليس بيده حيله كل ما يحدث له وهى بقربه ليس بيده ، فقربها منه هكذا يدعوه إلى دنيا اخرى ، دنيا مليئة بالسعاده لم يختبرها من قبل وهى فقط من تمتلك مفتاحها ، لو انها تأذن له بالدخول بدلاً من تركه معلقاً هكذا تدنيه تارة وتبتعد عنه تارة لكان تخلى عن دنياه وما فيها من اجلها .
**********
تحركت جيهان بمجرد رؤيتها لغريب يدلف من خلال الباب الداخلى للمنزل تساله بلهفه واضحه :
-ها يا غريب ايه الاخبار ؟!!..
اجابها غريب وهو يبتسم بسعاده :
-الحمدلله يا جيهان .. ربنا ستر وفريد فاق النهارده ونقلوه لاوضه عاديه ..
تهدلت اكتاف جيهان وهى تغمغم بأحباط جلى :
-فعلاً .. طب كويس حمدلله على سلامته ..
لم يعقب غريب على حديثها وبدلاً من ذلك سألها بنبره شبهه معاتبه :
-جيهان .. هى نرمين فين ؟!! ..
اجابته جيهان بضيق واضح بعد ذلك الخير الغير سعيد بالنسبه إليها :
-نيرو مع نجوى اكيد بيغيروا جو ..
رمقها غريب بنظره حانقه قبل ان يقول بعتاب صريح :
-عندها وقت تغير جو بس معندهاش وقت تزور اخوها اللى كان بين الحياة والموت صح !!
اندفعت جيهان تخاطبه بنبرة محتده:
- بقولك إيه، سيب بنتي في حالها، ملكش دعوة بيها ولا بيا كمان.
حرك غريب رأسه بيأس وهو يغمغم أثناء صعوده الدرج:
- مفيش فايدة.. عمرك ما هتتغيري يا جيهان، حتى حقدك ورثتيه للبنت!
***
في النادي الليلي، جلست نرمين بوجه متعب وملامح شاحبة وهي تحتضن جسدها بيدها، ويبدو الاضطراب جليًا على ملامح وجهها وحركات جسدها بأكمله. سألتها نجوى بخبث شديد:
- مالك يا نيرررررو.. شكلك مش في المود النهارده خالص.
أجابتها نرمين وهي تضغط بأصابعها فوق صدغيها:
- مش عارفة يا نوجه.. حاسة إني مش مظبوطة خالص وجسمي كله سايب.. بقولك إيه، ما تجيبلي من المشروب الحلو بتاعك ده.. مفيش حاجة بتضيع صداع دماغي غيره.
رمقتها نجوى بابتسامة تشفي قبل أن تقول بسعادة واضحة:
- لا مشروب إيه بس.. أنا عندي ليكي حاجة جامدة آخر حاجة هتطيرك فوق السحاب.
قالت نرمين بلهفة واضحة:
- طب وحياتك يا نجوى، الحقيني بيها أصل أنا على آخري.
أجابتها نجوى وهي تعبث بحقيبتها قبل أن تخرج لفافة صغيرة وتدسها في كف يدها، مغمغمة بنبرة خفيضة:
- خدي جربي البتاع ده وهتدعيلي.
فتحتها نرمين تتفحصها بأصابع مرتعشة قبل أن تقول باعتراض:
- إيه ده يا نجوى!! دي بودرة؟
أجابته نجوى متصنعة الضيق:
- بقولك إيه، مش عايزاه هاتيه، أضربه أنا وأريح دماغي من الدوشة دي.
أطبقت أصابع نرمين فوق الكيس تتمسك به بقوة، مغمغمة بلهفة واضحة:
- خلاص يا نوجه، ميبقاش خلقك ضيق كده، هاخده وأمري إلى الله.
أومأت نجوى رأسها لها موافقة، وابتسامتها تزداد اتساعًا شيئًا فشئ من نجاح مخططها.
***
تجاوزت الساعة الثانية صباحًا ولم يغمض له جفن رغم ألمه وإرهاقه الذي كان يشعر به قبل اندساسها بجواره. ومن قال إنه يريد أن يغفو وتغفل عيناه عن رؤيتها بذلك الوضع، متمسكة به وكأنه كل دنياها. مد أحد أصابعه يتلمس وجنتها وجفونها المنتفخة من شدة الإرهاق والقلق. أغمض عينيه بقوة محاولًا إيجاد سلامه الداخلي. هل حقًا يرى ما تومض به عيناها منذ استيقاظه، أم أن كل ذلك من نسيج خيالاته؟
انزلق إصبعه فوق شفتيها متذكرًا مذاق قبلتها له. حتى قبلتها أصبحت مختلفة. تمتمت هي اسمه بخفوت أثناء نومها:
- فريد..
أجابها متنهدًا وقد اجتمع عشق العالم داخل قلبه:
- عيون فريد..
لم يصدر منها أي رد فعل سوى أنها اقتربت بجسدها أكثر تحتضنه. أخفض وجهه قليلًا ثم اقترب منها يقبل وجنتها وأنفه وجفونها، قبلات ناعمة خفيفة. أوقفه طرق خفيف على الباب يتبعه دخول إحدى الممرضات من أجل موعد الدواء. توقفت مترددة بخجل بسبب رؤيتها لحياة نائمة بجواره، ولكن فريد أشار لها بالتقدم دون إحداث ضوضاء. بالفعل تقدمت لإعطائه الدواء والاطمئنان عليه دون صوت يذكر، ثم تسللت بهدوء مرة أخرى للخارج لتتركه يعود إلى تأمله وأفكاره.
استيقظت حياة في الصباح والابتسامة تعلو وجهها، فقد كان يراودها حلم جميل أن فريد يحتضنها ويهمس في أذنها بالكثير من عبارات الحب. فتحت عينيها ببطء لتجد نفسها مازالت قابعة داخل أحضانه، تحتضن كفه بتملك شديد. حركت رأسها بحذر تطبع قبلة رقيقة فوق عنقه وهي تبتسم بسعادة. ففاجئها صوته يقول لها بنبرة ناعسة مرحة:
- مش بقولك انتي بتستغليني..
أغمضت عينيها بقوة خجلًا من تهورها، فلم تتوقع أنه مستيقظًا، وخاصة مع ذلك الدواء الذي يأخذه. سمعت صوت ابتسامته يأتيها بوضوح قبل أن يقول بهمس شديد مشاكسا:
- طب مفيش صباح الخير ولا الاستغلال ده وأنا نايم بس..
تمنت هامسة بخجل شديد وهي تخفي وجهها بصدره:
- فريييييد..
أجابها بمرح محافظًا على همسه:
- مفيش فريد.. أنا عايز صباح الخير الأول.
رفعت رأسها تنظر إليه قائلة بجدية:
- صباح الخير.
رفع حاجبه ينظر لها بدهشة قبل أن يتشدق بتذمر:
- إيه دي!! مش هي صباح الخير اللي عايزها.. يلا خلصي.
عقدت حاجبيها معًا قائلة بمرح وكان حديثهم لا يزيد عن الهمس:
- أنت تعبان على فكرة ولازم متتحركش عشان الجرح.
جاوبها بخبث وهو ينظر نحو شفتيها:
- ما أنتي لو قربتي مني مش هتعب.
حركت رأسها رافضة قائلة اسمه بسماجة لتستفزه:
- فريييد..
عقد حاجبيه متسائلًا بتفكير:
- انتي قلتي اسمي كام مرة وأنا مش فايق.
اندفعت تجاوبه دون تفكير:
- مش فاكرة بس كتير بصراح...
شهقت بفزع وهي تدرك مقصده، فسارعت تقول مصححة:
- ولا مرة.. مقلتش أي حاجة خالص.
حرك رأسه لها بتوعد، مغمغمًا ومتصنعًا الضيق:
- ماشي تمام.. أنا هفكرك.
حرك رأسه مقتربًا منها، فسارعت هي بإبعاد جسدها عنه. تأوه بصوت مسموع وتشنجت ملامحه وهو يعود ليرتمي بجسده ورأسه فوق الوسادة مرة أخرى، مغمضًا عينيه متظاهرًا بالألم. تمتمت بلهفة وهي تقترب منه وتتلمس بكفها موضع إصابته قائلة بذعر حقيقي:
- فريد في حاجة حصلت.. أنا آسفة والله مكنتش أقصد.
لم يجيبها ولم يفتح عينيه، فأردفت تقول بصوت مختنق وهي تطبع قبلة معتذرة فوق وجنته:
- أنا آسفة وغبية ومكنتش أقصد إني أتعب..
قاطع جملتها بالتقاطه لشفتيها، طابعًا قبلة متطلبة فوقها. ابتعدت عنه وهي تغمغم بحنق وقد بدأت الدموع تترقرق بداخل عينيها:
- انت بتستهبل صح.
جاوبها هامسًا وهو يطبع قبلة على طرف فمها وقد شعر بالذنب من ذعرها:
- أنا آسف.
لم تعقب بل ظلت تنظر إليه بخوف وضيق، وهو يعبث بإحدى خصلات شعرها الشاردة. ثم تحولت نظرتها لارتياح مع لمسته، قبل أن تقترب هي منه وتقوم بطبع قبلة حانية فوق شفتيه، انتهز فيها قربها ولم يسمح لها بالابتعاد بعدها.
***
ابتعد عنها بعد قليل وهو يلهث من فرط مشاعره. فتحت فمها لتتحدث ولكن أوقفها طرق الباب الذي جعلها تنتفض من فراش الفراش مبتعدة عنه وهي تغمغم بخجل أثناء ركضها نحو المرحاض:
- تيتا سعاد.
اتسعت ابتسامته من مظهرها المضطرب وهو يقول بلامبالاة:
- إيه المشكلة تيتا!! هو انتي مش مراتي ولا أنا متجوزك تخليص حق؟
دَلفت الجدة سعاد للداخل بعدما سمح لها بالدخول، وهي تحييه بمرح قائلة بحب شديد:
- الحمد لله والله أكبر.. زي الفل.. الحمد لله إني اطمنت عليك.
أنهت جملتها ومالت بجذعها تطبع قبلة حانية فوق جبهته، استقبلها فريد بأخرى خاطفة فوق وجنتها. تسمرت الجدة في مكانها وقد فاجأها رد فعله، فتلك هي المرة الأولى التي يظهر بها عاطفته نحوها، ولكنها سرعان ما تمالكت نفسها وربتت بيدها فوق كتفه بحنو بالغ. خرجت حياة من الحمام بعدما استعادت وعيها وجزء من هدوئها، في نفس الوقت الذي اندفعت فيه نجوى لداخل الغرفة قائلة باهتمام مبالغ فيه وهي تتحرك في اتجاه فريد:
- فريد.. ألف حمدلله على سلامتك.. انت مش متخيل كنت هموت من القلق عليك إزاي، خصوصًا وإن أونكل قال لي الزيارة ممنوعة.
هرولت حياة هي الأخرى في اتجاهه تضع ذراعها حاجزًا بينهم، وقد توقعت ما تنوي نجوى على فعله، خاصة وهي تميل بجذعها نحوه قائلة بجمود شديد:
- معلش الدكتور مانع أي حد يقرب منه.. حتى السلام ممنوع.
حركت رأسها تنظر نحوه بتحذير قائلة باستفهام:
- مش كده يا فريد.
عقد حاجبيه معًا بعبوس مصطنع وهو يومئ لها برأسه موافقًا، قبل أن يقول بنبرة غاية في الجدية:
- آه خالص ممنوع أي حد يقرب مني حتى حياة.
ضغطت حياة فوق شفتيها محاولة إخفاء ابتسامتها، خاصة وهو يغمز لها بعينيه في الخفاء دون أن يراه أحد.
أثناء زيارة نجوى القصيرة، حبست حياة أنفاسها متوقعة صدور أي فعل منها قد يثير أعصابها، ولكن للحق لم يسمح لها فريد بمضايقتها بأي شكل من الأشكال. حتى هي تعمدت الجلوس بجواره فوق الفراش وهي تحتضن يده بتحدٍ وتملك واضح، رافضة التحرك من جواره لأي سبب كان حتى تخرج نجوى أولًا. وبعد حوالي ساعة، تنفست حياة الصعداء عندما تبرعت جدته لتوديعها حتى باب المشفى.
بعد خروجها، رمقه فريد بابتسامة واسعة، بادلته إياها بأخرى غاضبة وهي تغمغم بضيق:
- البني آدمة بتتعب لي أعصابي.. هروح أجيب حاجة أشربها وأصلي وأرجعلك.. ماشي.
أومأ لها فريد برأسه موافقًا، والاستمتاع يلمع داخل عينيه بوضوح، فهي حتى لا تحاول مداراة غيرتها عنه. هبطت حياة للأسفل حيث الكافتيريا، وفي ذلك الوقت تحديدًا، دلف وائل الجنيدي ابن شقيق منصور الجنيدي لغرفة فريد. تأهب فريد واعتدل في جلسته وهو يستقبل ضيفه بتأهب شديد. ابتسم وائل على الفور مبررًا زيارته ليقول:
- متقلقش يا فريد بيه.. صدقني الزيارة دي بس عشان أطمن عليك لا أكتر ولا أقل.. وعشان حابب أبلغك حاجة كمان.. إني مش موافق ولا قابل كل اللي بيحصل بين عمي وبينك.. وأتمنى تكون العلاقة بينا مختلفة.
ارتخت ملامح وجه فريد وعضلات جسده قليلًا، ولكنه لم يتخل عن حذره ولن يفعل في القريب.
انتهت زيارة وائل الجنيدي القصيرة بعودة الجدة سعاد ووصول غريب رسلان لغرفة ابنه. ودعه فريد بجمود شديد، ولم يبادله غريب تحيته، بل ظل وجهه متجهمًا حتى انصرف من الغرفة بأكملها. ثم اندفع يسأل فريد بفضول شديد عن سبب زيارته الغير متوقعة، ولكن هيهات أن يفصح فريد عن أي شيء يخصه، وخاصة لوالده.
***
أثناء وصول حياة لبداية الممر المؤدي لغرفة فريد، وبسبب انشغالها بالتركيز في كوب القهوة الساخن الذي تحمله، اصطدمت بجسد ما صلب جعلها تترنح وكوب القهوة بيدها. اندفع وائل الجنيدي يسألها بلهفة:
- أنا آسف ماخدتش بالي.. كنت مركز مع التليفون.. حصلك حاجة؟
رفعت حياة رأسها تنظر إليه وهي تغمغم بابتسامة باهتة:
- محصلش حاجة.. أنا كمان ماخدتش بالي ومكنتش مركزة.. عن إذنك.
لم يستمع وائل إلى ما تبقى من حديثها، فبمجرد رفع عينيها نحوه تشتت انتباهه وتسمرت نظرته فوق تلك الحورية بعيونها التي تشبهه قطعة من الليل بنجومه المتلألئة، ونظرتها الهائمة التي تأسر كل من يراها على الفور، غافلاً عن ذلك المحبس الذي يزين يدها اليسرى. ظل ينظر في أثرها حتى اختفت عن ناظريه وهو يحك فروة رأسه بيده ويبتسم ببلاهة متمتماً بإعجاب:
- ياترى اسمك إيه.. المفروض يسموكي ريم.
أنهى جملته وهو يتحرك هو الآخر نحو المصعد قبل أن يختفي بداخله متمنياً رؤيتها مرة أخرى.
***
انقضت الأيام التالية على عائلة رسلان بهدوء، ففريد بدأ يتماثل للشفاء بشكل سريع، حتى أنه أصر على الخروج من المشفى والعودة لمنزله، غير عابئ بتوسلات كلا حياة وجدته والطبيب المعالج بالمكوث أكثر حتى يتماثل الشفاء تماماً، والتي لم تثنه عن قراره، وبالفعل عاد للمنزل بعدها. أما عن أمور الشركة فقد تولاها غريب كاملة حتى يعود وريثه ويباشر مهامه مرة أخرى، وكان يبعث له كل مساء بكافة الأوراق والمستندات حتى يراجعها ويعيد تدقيقها والنظر فيها وتوقيعها. وبالنسبة لجيهان فقد كانت غارقة في تخبطها ورعبها وتخطيطها مع منصور الذي شعر بالخطر المحدق بسبب فشل مخططه في إنهاء حياة غريمه، غافلة عن ابنتها التي كانت تتسلل كل مساء من أجل الحصول على جرعتها من ذلك "الديلر" الذي أوقعتها نجوى في طريقه. أما عن حياة فلم تبارح مكانها بجواره مطلقاً، وكانت تهتم بكل تفصيلة خاصة به، بداية من طعامه الذي تولت مهمة إعداده بنفسها، ومواعيد دوائه التي كانت تحرص على إعطائها له بيدها، وفي المساء كانت تندس بجواره وتساعده في مراجعة الأوراق الحسابية، ويقوم هو بشرح باقي البنود لها قبل أن تغفو هي بين ذراعيه ليلاً، وتستيقظ على قبلاته صباحاً.
وأخيراً، جدته السيدة سعاد عادت إلى منزلها بعدما قالت لحياة مشجعة:
- أنا دلوقتي بس أقدر أمشي وعارفة إن ابن بنتي في إيد أمينة. عارفة لو كانت رحاب عايشة ما كنتش هعمل أكتر من اللي إنتي عملتيه معاه. أيوه متستغربيش. أنا في الأول كنت فاكرة إن حب فريد أكبر من حبك ليه، مع إني كنت شايفاه في عينيكي رغم محاولتك إنك تخبيه. بس دلوقتي عرفت وتأكدت إنك تستاهلي حبه ليكي وأكتر. قلب فريد أمانة في رقبتك يا حياة. حاولي تشفيه من كل اللي عاناه ومر بيه. وحاجة أخيرة.. متنسيش إنك فرصته الوحيدة عشان تصالحيه على حياته وبالأخص ماضيه. رجعيه فريد بتاع زمان، وأوعي تيأسي ولا تقولي مش هيتغير، عشان أنا بدأت أشوف التغيير ده طالع من عينيه. محتاج بس اللي ياخد بأيده ويطمنه.
***
في إحدى الأمسيات وأثناء انشغال حياة بإعدادها وجبة العشاء، هرولت عفاف داخل المطبخ باتجاه حياة تقول لها برعب وهي تضع يدها فوق قلبها:
- حياة يابنتي الحقي. عمك رضا سمع رجالة فريد بيه وهما بيقولوا إنهم قبضوا على اللي ضرب نار على فريد. وكانوا بيضحكوا بينهم وبين بعض وهما بيقولوا إن فريد بيه هيخلص عليه دلوقتي.
جحظت عيني حياة للخارج مذعورة وهي تقذف الملعقة من يدها وتركض برعب نحو الخارج حيث المخزن القديم.
انحنى فريد بجذعه فوق جسد القاتل المأجور المقيد ومسجى فوق الأرضية وهو يبتسم بشراسة شديدة قبل أن يقول ضاغطاً على حروف كلماته:
- منصور ال****** هو اللي بعتك تعمل كده صح؟ بس لما قالت تقتلني، منبهكش إن فريد لو عاش مش بيسيب حقه ولا تاره؟
صمت قليلاً ليشد أجزاء مسدسه مستطرداً بنبرة جامدة:
- والله كان نفسي أوديكم انتوا الاتنين سوا في يوم واحد، بس معلش. منصور عنده حساب قديم لازم يخلص معاه قبل ما أخلص الجديد.
أنهى جملته وانحنى يجلس على ركبتيه حتى أصبح في نفس مستوى القاتل، ثم قام بوضع فوهة مسدسه فوق موضع قلبه مباشرة، مغمضاً بشراسة:
- العين بالعين والسن بالسن. والرصاصة هتضرب في نفس المكان ونشوف ساعتها حد هنا هينقذك ولا هتفضل مرمي هنا زي الكلب لحد ما روحك تطلع.
كان الرجل مستسلماً تماماً، لم يعقب ولم يقاوم، فيبدو أنه تقبل نهايته وأيقن أنه لا سبيل للفرار، خاصة بعد ما لاقاه اليومين الماضيين عندما ألقى رجال فريد رسلان القبض عليه. أغمض الرجل عينيه عندما قام فريد بوضع إبهامه فوق الزناد استعداداً لقتله.
التفت فريد على صوت حياة التي اندفعت من داخل الباب القديم تهتف اسمه بذعر شديد وهي تركض نحوه متوسلة:
- فريد.. لا.. عشان خاطري لا.. إلا القتل يا فريد.
انتبه فريد بحواسه كامله لها واستقام في وقته ملتفتاً لينظر نحوها بغضب، غافلاً عن حاله الذعر والارتجافة التي أصابتها. توقفت أمامه واضعة جسدها درعاً بينه وبين القاتل الملقى على الأرض، قبل أن تمد يدها المرتجفة لتدفعه للخلف قليلاً، مستطردة بيأس شديد:
- وحياة أغلى حاجة عندك.. برحمة ماما رحاب.. وحياتي لو فعلاً بتحبني بلاش دم. متلوثش إيديك بالدم وتطفي قلبك بسواد القتل.
لم يعقب، فواصلت دفعه بكل ما أوتيت من قوة، وقد بدأ يلاحظ ارتجافها أمامه ودموعها التي بدأت تنهمر بغزارة:
- أنا عارفة إنه يستاهل أكتر من كده، بس لو إنت موته إحنا اللي هنخسر. إنت اللي هتخسر وأنا هخسر معاك.
اقتربت منه تضغط بجسدها فوق جسده وهي تحتضن وجهه بكفيها، غير عابئة بوجود أحد ما حولهم:
- متخلنيش أخسرك. بلاش تخلي الدم يفرق بينا، أنا مش عايزة كده. عشان خاطري بلاش.
بدأت نظراته تلين أمام ارتجافة جسدها ونظرة الإعياء التي بدأت تظهر جلياً فوق ملامحها. واصلت هي ضغط جسدها فوق جسده وهي تشعر بعضلات جسده المتشنجة، بدأت تلين تحت لمستها، ولذلك رفعت ذراعها تحتضن كفه قبل أن تضعه فوق موضع قلبها حتى يشعر بدقاته التي تكاد تنفجر ذعراً عليه، ثم أردفت قائلة وهي تنظر داخل عينيه بحب:
- عشان خاطري.
ضغط فوق شفتيه بقوة محاولاً إنهاء صراع مشاعره الذي يكاد يمزقه نصفين، قبل أن يدفعها بعيداً عنه ويتحرك نحو الخارج بخطوات مسرعة. تنفست حياة الصعداء وأغمضت عينيها وهي تزفر براحة، قبل أن تلتفت برأسها للخلف موجهة حديثها للقاتل الذي كان ينظر إليها مذهولاً بنبرة عدائية:
- أوعى تفكر إني عملت كده عشانك. إنت تستاهل أكتر من القتل بكتير، بس أنا هستنى أشوف عقاب ربنا ليك.
***
عادت حياة للمنزل خلفه وهي لازالت ترتجف من هول ذعرها، فهي حتى الآن لا تكاد تصدق أنها استطاعت الانتصار على شيطانه ومنعه من التهور وزهق روح حتى لو لم تكن بريئة. جالت بعينها بحثاً عنه، وما إن لمحت ضوء غرفة المكتب الخافت يتسرب من عقب الباب حتى توجهت نحوه مباشرة، تدفع الباب بيديها دون استئذان، وما إن رآها هو أمامه حتى انتفض من مقعده الذي كان يرتمي فوقه حتى يقف أمامها بتأهب. اندفعت هي بكل قوتها تطوقه بذراعيها وتعانقه بقوة، وقد بدأ في النحيب. صدم فريد من حالتها تلك ولم يملك إلا أن يشدد من لف ذراعيه حولها محاولاً احتوائها وإخماد ثورتها العجيبة. دفنت وجهها بداخل كتفه وظلت تشهق بصوت مسموع وهي تغمغم من بين شهقاتها:
- شكراً.
زفر فريد بحيرة، فبرغم غضبه منها ومن منعها له، إلا أنه هنا جزء بعيد وصغير داخل قلبه متفق معها ومرحباً بفعلتها. رفع كفه يمسح على شعرها ويهدئ من روعها حتى استكانت بين يديه بعد فترة ليست بقليلة. ابتعدت عنه بعدما جففت دموعها وهدأّت نوبة بكائها، والتي لا تعلم تحديداً سببها، ثم رفعت كفها حيث موضع قلبه قائلة برفق شديد وهي تحدق بداخل عسليتيه:
- مش هستسلم غير لما الدفا اللي شايفاه فيهم ده يتنقل لهنا عشان ترتاح وأنا أرتاح معاك.
ربتت بحنو شديد فوق موضع قلبه قبل أن تخفض رأسها وتطبع قبلة ناعمة بطيئة حيث قلبه، ثم تركته وانصرفت.
ارتجف قلب فريد من فعلتها وتسمر في مكانه غير قادر على السيطرة على سيل مشاعره الذي اجتاحه من فعلتها البسيطة. أغمض عينيه بألم وهو يفكر بحزن في جملتها، آه لو تعلم كم يتمنى أن يرتاح قلبه فعلاً من كل ما يحمله. أن يرمي ذلك الماضي البئيس وراء ظهره وعن كاهله الذي أضناه لسنوات وسنوات ولم يجني منه سوى الظلام والوحدة. أن يستطيع التسامح في حق والدته وحقه، وأن يستطيع العيش بسلام دون أحقاد ومؤامرات.
***
أثناء الليل استيقظت حياة من نومها تتأمله وتتأكد من انتهاء تلك الليلة على خير، فهي حتى الآن لا تكاد تصدق أنه فعل ذلك من أجلها. زفرت براحة وهي تمد أناملها تتلمس ببطء ورفق شديد ملامحه، شاعرة وكأنها فقدته ثم عاد لها من جديد. فتح هو عينيه على لمستها الناعمة، فلم تتحدث ولم تعطِ أي رد فعل، بل ظلت تحدق بداخل عسليته الناعستين بهيام شديد. تحرك هو نحوها قليلاً حتى التصق بها ثم سألها بهدوء شديد:
- بتبصيلي كده ليه؟
أجابته بصوت ناعم متحشرج من أثر النعاس:
- مش مصدقة إنك اتنازلت عشاني.
زفر مطولاً قبل أن يجيبها بصوت هامس:
- عارفة إن من جوايا مكنتش حابب أعمل كده، بس أنا لو معاقبتهوش هيقولوا عليا جبان وهيتمادوا. لازم تنتقم عشان تعرف تعيش. لازم تكون قوي عشان متتاكلش.
تنهدت بحب وهي تقترب منه هامسة أمام شفتيه:
- مينفعش نهرب من كل ده ونعيش من غيرهم، من غير مشاكل.
طبع قبلة فوق أرنبة أنفها وهو يقول بألم:
- ياريت يا حياة، ياريت.
اقتربت هي تطبع قبلة فوق فمه، فأوقفها قائلاً بصوت أجش:
- مش هقدر.
عقدت حاجبيها معاً في سؤال صامت، فأردف يقول بنبرته الهامسة:
- لو قربت منك مش هقدر أبعد. مش هكتفي منك. وأنا بيني وبينك وعد إن عمري ما هقربلك غصب.
ظلت تنظر نحوه بارتباك محاولة التوصل لقرار، فقلبها يضرب داخل صدرها بعنف مطالباً بقربه، أما عقلها فيطالبها بالتروي قليلاً قبل التسليم له. أغمضت عينيها قليلاً قبل أن تفتحها وتهمس له:
- مش عايزك تبعد.
اعتدل فريد في جلسته يسألها بترقب:
- يعني إيه؟
أجابته بخجل وهي تضغط على شفتيها بتوتر:
- يعني اللي إنت فهمته، متبعدش.
ظل فريد ينظر نحوها مطولاً بعدم تصديق، حتى ظنت أنه لا يريدها أو تراجع في رغبته فيها، فأردفت تقول بخجل شديد، لاعنة نفسها سراً من تسرعها:
- لو إنت مش عايز، اعتبر إن...
قاطعها قائلاً بسعادة:
- مش عايز! أخيراً! ده إنتي طلعتي عين أمي.
همست معترضة بخجل:
- فريد.. على فكرة مينفع...
لم يترك لها المساحة لتكمل جملتها، فقد اعتصرها بين جسده يقبلها بجنون على كل إنش من جسدها، يبث لها كل أشواقه التي أتعبته ليالي طويلة، منتظرًا ذلك الاكتمال بينهم، والذي ينوي أن يعطيه وقته كاملاً، مكملاً.
رواية متى تخضعين لقلبي الفصل الثاني والعشرون 22 - بقلم شيماء يوسف
ظل فريد يتأمل تلك الغافية بين ذراعيه والابتسامة البلهاء لا تفارق وجهه، خاصة وهو يتذكر عندما توقف في منتصف ما يفعله ليسألها بذهول:
- حياة!!! انتي؟
كانت تعلم جيدًا سبب ذهوله وتترقب تلك اللحظة، لذلك هزت رأسها بإيجاب وهي تكاد تذوب خجلًا من نظرته ولمسته المراعيه، خاصة بعد هذا الاكتشاف.
رفرفت حياة بعينيها قليلًا، ثم فتحتهما بخجل شديد. ظل فريد على تأمله لها بصمت جعل وجنتيها يستحيلان للأحمر من شدة توترها وخجلها. تنهد هو بحرارة مقرراً قطع الصمت بينهما بسؤال، رغم سعادته الشديدة يتأكله فضوله لتلقي إجابته، لذلك هتف مستفسرًا:
- حياة.. انتي إزاي لسه بنت لدلوقتي، والأهم ليه خبيتي عليا حاجة زي دي؟
ضغطت على شفتيها بإحراج شديد، وقد سلطت نظرها فوق صدره العاري متجنبة تلك المواجهة. فرغم ما حدث بينهما منذ قليل، إلا أنها لا تستوعب بعد مناقشة هذا الأمر معه. هتف فريد باسمها مرة أخرى ليحثها على الحديث، فهو ينتظر إجابتها على أحَر من الجمر. رفعت نظرها لمواجهته بمجرد سماعه ينطق اسمها بتلك النبرة المطمئنة، فتحدثت تقول بارتباك:
- مش عارفة.. قصدي يعني إنه مكنش.. يعني مش بيقدر..
تركت جملتها غير مرتبة، فدقات قلبها المضطربة تمنعها من صياغة الجملة بشكل كامل صحيح. راقب فريد ارتباكها وترددها بتفهم شديد، وقد قرر إعطائها وقتها كاملًا حتى تستطرد هي حديثها من تلقاء نفسها دون ضغط منه. أخذت نفسًا عميقًا تهدئ به توترها، ثم حاولت النظر داخل عينيه بثبات، فهي أيضًا ينتابها الفضول لمعرفة رد فعله، ثم أردفت قائلة بهدوء نسبي:
- أنا فعلًا معرفش السبب، أنا كنت صغيرة وقتها ومكنتش فاهمة حاجة.. بس الأكيد إنه كان بياخد الحبوب دي عشان تساعده ومكنتش بتنفع.
أخذت نفسًا عميقًا مرة أخرى، وقد بدأت ملامح وجهها تتمعض من هذه الذكرى، لذلك أثرت إنهاء الحديث قائلة بنبرة شبه حاسمة:
- مش عايزة أفكر ولا أشغل دماغي.. بس كل اللي أقدر أقولهولك إن ربنا كان رحيم بيا أوي.
مد ذراعه واضعًا كفه فوق مؤخرة عنقها، ثم ضغط برفق شديد حتى يدنيها منه، طابعًا قبلة حنون مطمئنة فوق جبهتها، ثم أردف قائلًا بامتنان شديد:
- ده ربنا كان رحيم بيا أنا.
ازدرد لعابه ببطء قبل إعادة الجزء الأخير من سؤاله مرة أخرى بترقب:
- طب ليه خبيتي عليا حاجة زي دي؟
عضت على شفتيها بإحراج لم يخفِ عليه، ثم أجابته مفسرة بنبرة شبه نادمة:
- بصراحة.. في الأول كنت عايزة أضايقك عشان انت أجبرتني أحكي مقابل تنفيذ رغبتي.. وبعد كده اتحرجت إني أحكيلك حاجة زي دي خصوصًا إن مكنتش مناسبة.
ضيقت عينيها عليه تتبين رد فعله لحديثها بترقب شديد، ثم استطردت في تبريرها قائلة بنبرة صادقة:
- والسبب الأخير.. كان في جزء جوايا صغير عايز يطمن إنك بتحبني بكل مشاكلي واللي حصلي، وإني دايما هفضل حياة القديمة بالنسبالك مهما حصلتلي من ظروف ضدي.
لمحت شبه صدمة تلوح من داخل عينيها قبل تحولها لنظرة فهم واضحة. تنهد براحة، ثم سألها بصوته الأجش وهو يجذبها بذراعه لتتوسد صدره:
- أعمل فيكي إيه دلوقتي؟
لاحت على شفتيها ابتسامة لم يراها، ولكنها ظهرت جلية في نبرتها وهي تجيبه قائلة بحب:
- اممم ممكن مثلاً تخليني هنا على طول.
هز رأسه موافقًا بشدة، قبل إدراكه أنها لا تراه، فعاد موافقته من خلال قبلتين قام بطبعهما فوق منابت شعرها. أغمضت عينيها تستمع بذلك الأمان الذي يجتاح روحها بمجرد اندساسها بين ذراعيه، فقد شاءت أقدارها ألا تتلقى ذلك الأمان والاحتواء إلا على يده.
بعد فترة من الهدوء، كانت هي من قرر قطع الصمت هذه المرة، عندما رفعت جسدها لتنظر إليه داعمة ثقلها بمرفقها لتسأله بتوسل:
- فريد.. ممكن أطلب منك طلب؟
أجابها مشجعًا ويده تعبث بخصلات شعرها الثائرة:
- حياة فريد تتآمر وهو ينفذ.
ظهرت ابتسامتها ولمعت عيناها بعشق وهي تجيبه بنبرة رقيقة للغاية:
- ممكن مهما حصل بينا.. ميعديش علينا يوم وانت مديني ضهرك أبدًا.
انزلقت أصابعه حيث وجنتها يتلمسها برفق شديد بلمسات حانية، ثم أجابها هامسًا أمام شفتيها:
- مع إنك مش محتاجة تطلبي.. بس أوعدك عمري ما هخليكي تنامي غير في حضني.
اتسعت ابتسامتها بسعادة شديدة وهي تعود لتندس داخل أحضانه، ويحيطها هو بذراعيه وقد أخذت مطلبها. حركت رأسها للأعلى قليلًا حتى يتسنى لها الاختباء بداخل عنقه، وهي تفكر بسذاجة طفلة صغيرة، ماذا سيحدث لو تحولت لعصفور صغير واتخذت من المسافة بين عنقه وكتفه ملاذًا دائمًا لها؟ أغمضت عينيها بسلام وتلك الفكرة تداعب قلبها العاشق.
فتحت حياة عينيها في الصباح فوجدت فريد يتأملها بصمت بمظهرها الفوضوي وشعرها المشعث بخصلاته الثائرة إلى جانب شفتيها المتورمة من أثر قبلاته وعلامات الحب التي تملأ عنقها وتمتد حتى كتفيها. إن مظهرها هذا يقوده للجنون، خاصة وهو يتذكر ما مرا به البارحة وذلك الاكتشاف المذهل الذي أعاد الحياة لروحه. تنحنح محاولًا تثبيت حلقه، قبل أن يحدثها مشاكساً:
- شعرك منكوش على فكرة.
جعدت أنفها ورمقته بنظرات شبه حانقة، وهي تلكزه بخفة فوق كتفه وتغمغم متصنعة الضيق:
- بطل تتريق عليا عشان ربنا هيرزقك ببنت شعرها شبهي وساعتها مش هيهون عليك تتريق عليها. ده غير إنه كده بسببك لو كنت سبته في حاله بليل مكنش بقى كده.
تنهد بانتشاء وهو يمد إصبعه متلمسًا وجنتها، وقد بدأت عيناه تضوي بسعادة من مجرد التفكير بطفلة منه تنمو داخل أحشائها وتحمل ملامحها.
أردفت حياة حديثها وهي تبادله ابتسامته بابتسامة ونظرة ناعمة، وهي تسأله بصوت أجش متحشرج من أثر النعاس:
- وبعدين ممكن أعرف بقى انت بتنام إمتى؟
أجابها وهو يبادلها ابتسامتها بأخرى واسعة:
- أقولك سر.
أخرجت صوتًا من حنجرتها ينم عن الموافقة، قبل أن تقول بمرح:
- ااامممم قوليلي على سر.
استطرد يسألها بخبث:
- طب ولو قلتلك على سر هاخد إيه المقابل؟
ابتسمت بخجل وهي تمد إصبعها وتتلمس ذقنه ببطء قائلة بنبرة خفيضة مرتبكة:
- اللي انت عايزه.
أجابها بمكر وهو يقترب منها:
- أنا عارف هاخد إيه، بس خلينا في السر الأول.
ضغطت فوق شفتيها وهي تسأله بحماس:
- طب بقى قولي السر عندي فضول.
دوت ضحكته وهو يمد ذراعه ليدنيها منه، قبل أن يقول بنبرة شبه مرحة:
- أنا نومي خفيف جدًا، وأول ما بتتحركي من جنبي بصحى، بس كنت بعمل نفسي نايم عشان أسيبك براحتك.
شهقت بمرح وهي تجيبه متصنعة الضيق:
- يعني انت كل ده كنت بتضحك عليا!!
حرك عينيه يمينًا ويسارًا، مدعيًا التفكير، قبل أن يقول بنزق:
- أنا غلطان إني كنت بسيبك تتحركي براحتك.
أنهى جملته وهو يمد كلتا ذراعيه ليحيط خصرها ويرفعها قليلًا من فوق الفراش، وهو يسألها بصوت خفيض:
- تعبانة؟
هزت رأسها نافية وهي تبتسم بخجل، فأردف مغمغمًا وهو يلتقط شفتيها بين شفتيه:
- طب كويس.
نطقت هي اسمه معترضة بدلال:
- فرييييد هتتأخر.
همس فريد أمام شفتيها بنبرة ناعمة مثيرة:
- لما آخد مقابل السر الأول.
حاولت مشاكسته والابتعاد عنه، ولكنه كان أسرع منها في أخذها بين يديه ويغيب بها داخل عالمهما الخاص والمليء بمشاعرهم المحبة.
بعد فترة لا بأس بها، كان فريد يرتمي بجسده فوق جسدها يحاوطها ويحتضنها، وبرغم ثقل وزنه فوقها، إلا أنها كانت سعيدة للغاية وهي تشعر بدقات قلبه قريبة من قلبها، وأنفاسه غير المنتظمة تلحف عنقها. غمغمت قائلة اسمه بنعومة شديدة، وهي تحرك كفها فوق ظهره بلمسات مداعبة:
- فريد!
أصدر صوتًا مكتومًا من حنجرته يحثها على الاستمرار، فأردفت تحادثه وهي تبتسم بهيام:
- الوقت أتأخر على فكرة وانت اتأخرت أوي على الشغل.
رفع رأسه على مضض ينظر نحوها متفحصًا ملامحها بعشق شديد، وهو يجيبها بهمس ناعم:
- إيه رأيك نلعب لعبة.
هزت رأسها موافقة، وهي تضغط على شفتيها وتسأله بحماس شديد:
- لعبة إيه؟
أجابها وهو يقوم بلثم شفتيها:
- هقترح عليكي اقتراح، ولو موافقة قولي آه، ولو مش موافقة قولي لا.
ابتسمت بحبور وهي تهز رأسها موافقة وعيناها تلمع بسعادة، فأردف يقول بنفس نبرته الهامسة:
- إيه رأيك نقضي اليوم أنا وانتي النهارده سوا بعيد عن الشغل ودوشته.
كان يسألها وأصابعه تتحرك بلمسات خفيفة كالفراشة فوق عنقها، مما أفقدها القدرة على النطق، لذلك أصدرت صوتًا ضعيفًا من حنجرتها ينم عن الموافقة. ابتسم هو برضا مضيفًا، وهو لا يزال محافظًا على نبرته المثيرة:
- وندي عفاف إجازة وتطبخيلي بإيدك، وأنا هحاول أساعدك.
أسدلت عيناها وهي تحرك رأسها موافقة، غير قادرة على إيجاد صوتها بسبب أصابعه التي انزلقت للأسفل لتتحرك فوق جسدها بلمسات مثيرة، ويتحدث وكأنه لا يفعل شيئًا. حرك رأسه هو الآخر موافقًا، قبل أن يضيف بمكر غامزًا لها بعينه:
- وعايز تعمليلي كيكة شوكولاتة وأكلها زي ما أحب.
ظلت تحدق به بهيام غير قادرة على إيجاد صوتها للإجابة، فأخفض رأسه مقتربًا بشفتيه من شفتيها، محركًا رأسه ومتعمدًا الاحتكاك بهما، وهو يسألها هامسًا:
- مسمعتش إجابتك على فكرة.
كانت همهمة ضعيفة متقطعة هي كل ما صدر عنها كعلامة موافقة على اقتراحه الماكر. أردف هو قائلاً بخبث:
- مادام اتفقنا يبقى فاضل آخر حاجة.
رفعت رأسها تسأله بعينيها مستفسرة، فأستطردت يقول وهو يقترب منها:
- توافقي على اللي هعمله فيكي دلوقتي.
صرخت اسمه بمرح معترضة قبل أن تخمد مقاومتها ويختفي صوتها بين يديه، حيث لا طاقة لها على معارضته وهو يبث لها ذلك الكم من المشاعر الرائعة.
***
خرجت حياة من المرحاض وهي تحيط جسدها بمنشفة سوداء كبيرة، تاركة شعرها المبلل يقطر ماءه فوق كتفها وعنقها، مما أعطاها مظهراً مثيراً للغاية. ازدرد فريد لعابه بصعوبة وهو واقفاً أمامها يتأملها، وقد بدأت حرارة جسده في الارتفاع من مظهرها العفوي. مد ذراعه يجذبها نحوه ليحاصرها بين ذراعيه، ثم أخفض رأسه نحو شفتيها ليبدأ في تقبيلها.
ولكن حياة عادت برأسها للخلف متجنبة قبلته، وقد قررت أنه الوقت المناسب لبدء مصالحة فريد على نفسه، وأول خطوة لفعل ذلك هو إعادة العلاقة بينه وبين خالقه. لذلك قالت بتحفظ شديد مبررة ابتعادها عنه:
- فريد.. هروح أصلي الأول.
هز رأسه متفهماً، وقد بدأت يده تلقائياً ترتخي حول جسدها تاركة لها المجال للتحرك بحرية. ازدردت حياة لعابها بتوتر ثم أردفت بذلك السؤال الذي طالما راودها منذ حادثة الحفلة:
- فريد ممكن أسألك سؤال؟
التقط توترها بسهولة بالغة، فضيق نظراته حولها يتفحصها بارتياب وهو يومئ لها برأسه كعلامة موافقة. أردفت هي تسأله بترقب شديد وبنبرة قلقة:
- ممكن أعرف يعني آخر مرة.. يعني شربت كانت إمتى؟
أنهت سؤالها وكتمت أنفاسها في انتظار إجابته بترقب شديد للغاية، فهي تتذكر وعده لها تلك الليلة، ولكن جزءاً ما بداخلها يريد التأكد من إيفائه به. صمت قليلاً ثم أجابها بتعابير وجهه ونبرة جامدة للغاية:
- يوم الحفلة.
تنهدت بارتياح، وارتخت ملامحها المترقبة، وبدأت رئتاها تعود للعمل بشكل سليم مرة أخرى، وظهرت الابتسامة جلية فوق شفتيها. ثم حركت كفيها تحتضن وجهه بينهما، وقد تعمدت النظر بداخل عينيه وهي تنطق بجملتها:
- فريد عارف.. أنا نفسي أوي أنا وأنت نصلي سوا.
لم تنتظر إجابته، ولن تنتظرها الآن، فقد نطقت بأمنيتها وتركت له المجال ليتسوعبها. ثم طبعت قبلة مطمئنة فوق جبهته وتوجهت لخزانة ملابسه بعدما قامت بتجفيف شعرها استعداداً لبدء صلاتها، وقد تعمدت فعل ذلك أمامه.
كان فريد يعلم أنها تؤدي فرائضها كاملة، فحتى في منتصف الليل ومنذ انتقالها لغرفته كانت تنسحب من داخل أحضانه ثم تعود بعد قليل فيدرك أنها فعلت ذلك من أجل الصلاة. ولكن رؤيتها وهي تتلو آيات الذكر الحكيم أمامه بخشوع تام شيء آخر جعل قلبه يرتجف، وهو يعود للذاكرة حيث عمر السابعة عندما قامت والدته بتعليمه كيفية اسباغ وضوئه وإقامة صلاته، وكانت تحرص على تأديتها معه. بالطبع انتهى ذلك بموت والدته وسفره بمفرده للخارج حيث ثقافة جديدة مختلفة كلياً لم يقو على مقاومتها، وبدأ بعدها بالابتعاد شيئاً فشئ عن كل ما يخص دينه. ولكن تلك اللحظة بالذات أعادت إليه جزءاً من الحنين ظن أنه افتقده للأبد.
***
في الأسفل، شهقت حياة بسعادة وهي في طريقها للمطبخ، وقد تسللت لأنفها رائحة المخبوزات الفرنسية الشهية، والذي يرفض فريد رفضاً تاماً تناولها مدعياً الحفاظ على صحته. صفقت بيدها وهي تركض في اتجاه الطاولة وتهتف بنبرة طفولية سعيدة:
- الله.. دادا عفاف متوصية بيا أوي النهارده.
رفعت رأسها تنظر نحو فريد الذي جلس بالفعل أمام طاولة المطبخ يتناول إفطاره الصحي بجانب قهوته السوداء، وأردفت تقول لإثارة غيظه:
- والأهم إن كل ده ليا لوحدي. الحمد لله مش هاكل النهارده الأكل الغريب بتاعك ده.
ضيق نظراته فوقها وهو يجيبها بحنق واضح:
- أنا نفسي أعرف الأكل اللي بتاكليه كل ده بيروح فين؟
رمقته بنظرة حانقة قبل أن تجيبه بتذمر:
- أولاً يعني دي طبيعة جسم على فكرة. ثانياً بقى أنا بدخل أوضة الجيم من وراك.
رفع إحدى حاجبيه مستنكراً قبل أن يجيبها مقلداً نبرتها وساخراً منها:
- عارف على فكرة.
فرغ فاها وشهقت بصدمة قبل سؤال بعدم تصديق:
- بجد!!! أكيد دادا عفاف هي اللي قالتلك صح؟
هز رأسه نافياً، وهو يوشك على إنهاء طعامه قائلاً بلامبالاة:
- معرفتش من حد.. إنتي اللي بتسيبي آثار وراكي.
مسح فمه بمحرمة الطعام قبل أن يردف قائلاً بنبرته الآمرة:
- ممكن بقى تبدئي تأكلي بدل ما عمالة تلفي كده؟
جلست على الفور بمجرد انتهاء جملته وشرعت في تناول فطورها، ولكن ببطء شديد مما أثار أعصابه، فقد كان يعلم جيداً أنها تماطله.
هتف فريد بها بعد مدة من الوقت قائلاً بضيق:
- حياة ممكن تنجزي شوية بقالك ساعة بتاكلي!!
مطت شفتيها بحزن قبل أن تجيبه متصنعة البراءة:
- الله جعانة طيب أعمل إيه.
أسدلت بعينيها للأسفل حتى لا يكتشف تمثيلها قبل أن تضيف متصنعة الحزن:
- خلاص مش هكمل.. شوف إنت عايز إيه.
زفر مطولاً قبل تحركه بالمقعد نحوها ثم مد ذراعه يحتضن خصرها ويقول باستسلام:
- حبيبتي كلي براحتك بس إنتي بقالك أكتر من نص ساعة بتاكلي.
عضت على شفتيها وقد بدأت ابتسامتها تلوح فوق شفتيها قائلة بمرح:
- على فكرة الكرواسون حلو أوي.. بجد دادا عفاف موهوبة.. بس إنت طبعاً مش بتاكل الحاجات دي.
كانت تحاول إثارة حنقه بكل السبل والطرق الممكنة وتستفزه حتى يتناوله، ففي كل مرة تصنعه عفاف من أجلها يسخر منها ومن عاداتها غير الصحية، لذلك أقسمت تلك المرة على جعله يتناوله حتى يتوقف عن سخريته. قطمت قطعة أخرى منه وظلت تمضغها ببطء شديد وهي تراقب رد فعله، ثم مدت كفها في اتجاه فمه تسأله بنبرة هامسة:
- دووق.. هتعجبك أوي على فكرة.
نظر لها مطولاً قبل أن يسألها بنبرة مرحة قائلاً بتهديد لذيذ:
- إنتي قد اللي بتعمليه ده؟
سألته ببراءة مدعية عدم الفهم:
- بعمل إيه مش فاهمه؟
ابتسم لها ببطء وهو يهز رأسه بتوعد قائلاً وهو يجذبها نحوه:
- أنا ممكن أكله على فكرة بس مش هنا.
ضيقت عينيها وعبس جبينها بعدم فهم حقيقي قبل أن تشهق بدهشة وهو يلتقط شفتيها بين شفتيه متمتماً بنبرة ناعمة كالحرير:
- أكيد طعمه هنا أحلى بكتييييير.
في البدء، ظلت جامدة وهي تلوم نفسها على تهورها أمامه، قبل أن يتعمق هو في قبلته متذوقاً ما بداخل فمها، فلم تشعر إلا وهي تبادله إياها بنفس الشغف والتطلب. أخفض جزعه حتى يتسنى له وضع يده أسفل ركبتها وحملها وهو لازال يقبلها، ثم ابتعد عنها قليلاً قائلاً من بين أنفاسه اللاهثة وهو يتحرك بها نحو الدرج:
- كفاية عليكي فطار لحد كده.
***
لم يسمح لها فريد بالعودة للأسفل مرة أخرى لأي سبب كان. وفي المساء، كانت حياة تحاول جاهدة فتح جفنيها من شدة الإرهاق والنعاس. غمغم فريد وهو يحرك يده على طول ظهرها:
- حياة.. أنا جعان.
أجابته حياة بنبرة ناعسة مرهقة وهي تحرك رأسها داخل تجويف عنقه:
- فريد اتلم.. أنا تعبت وعايزة أنام.
دوت ضحكته عالياً وهو يجيبها بصوت مختنق من شدة الابتسام:
- مكنتش أعرف إن دماغك منحرفة كده.. أنا جعان بجد والله.
رفعت رأسها تنظر نحوه متصنعة الغضب وهي تجيبه بنبرة مؤنبة:
- ما عشان حضرتك مفطرتش كويس وقضيتها تريقة عليا.. ده غير إنك اتهورت وعطيت لدادا عفاف إجازة من قبل ما تعملنا الغدا.. ثالثاً بقى ودي أهم نقطة إنك لهتني لدلوقتي ومخلتنيش أنزل أعمل أي حاجة.
أنهت جملتها ثم عادت تندس مرة أخرى بين ذراعيه وتتوسد رأسها صدره. تجعدت ملامح فريد كطفل يتلقى التعنيف من والدته، ثم أجابها بضيق:
- مش مهم.. هروح أطلب أكل من بره.
انتفض جسدها من بين يديه وتحركت ترفع جسدها مستندة على مرفقها قائلة بذعر شديد:
- لا طبعاً.. إلا الأكل من بره ده.
سألها فريد بعدم فهم:
- مالك خفتي كده ليه؟
أجابته وقد بدأ صوتها يختنق وعيونها تلمع بالدموع من أثر الفكرة:
- إنت ناسي إن في حد حاول يأذيك.. يعني ممكن ينتهز الفرصة دي ويعمل فيك حاجة زي ما عملوا قبل كده معايا.
مسح فريد على وجنتها برقة بالغة ثم أجابها بنبرة أكثر رقة محاولاً تهدئة نظرة الرعب التي تطل من داخل جفونها:
- حبيبتي متخافيش.. عايزك طول ما إنتي معايا متخافيش من حاجة.
تنهدت بعدم ارتياح وهي تعود وتدفن رأسها بتجويف عنقه حيث ملجأها المفضل وهي تغمغم برعب:
- فريد مش عايزة أجرب إحساس الكام يوم اللي فاتوا ده تاني أبداً.
- ششششش.. متخافيش أنا معاكي أهو.
تفوه بجملته تلك بعدما طبع قبلة مطمئنة فوق شعرها وهو يحرك كفه فوق ذراعها العاري مهدئاً لها.
بعد فترة من الصمت بينهما، تحدث هو قائلاً بمرح محاولاً تلطيف الأجواء:
- حياة.. أنا لسه جعان.
لم يأتيه إجابة منها، فعاود قول اسمها ولكن هذه المرة بنبرة خفيضة للغاية، فلم يصدر منها سوى همهمة خفيفة علم من خلالها مع أنفاسها المنتظمة أنها ذهبت في نوم عميق. اتسعت ابتسامته وهو يتحرك ليلتصق بها أكثر متنازلاً عن فكرة الطعام ويستعد وهو داخل أحضانها لنوم عميق ظل يحلم بأن يزوره منذ سنوات طويلة، ويبدو أنه أخيراً قرر التعطف عليه.
في الصباح استيقظت حياة شاعرة بثقل ما يجثم فوق قفصها الصدري. فتحت جفنيها بتثاقل لترى فريد، ولأول مرة، رأسه تتوسط صدرها وذراعيه تلتف حول خصرها بقوة كأنه طفل صغير متشبت بها. قاومت إغراءً شديدًا في رفع ذراعها ودس كفها داخل خصلات شعره الناعمة، وبدلًا عن ذلك، آثرت عدم التحرك حتى لا تزعجه في غفوته.
وبعد ساعة من الجمود التام، بدأت تشعر به يتململ بهدوء داخل أحضانها. حركت كلتا يدها على الفور، واحدة تعبث بخصلات شعره والأخرى أحاطت جسده. لم يتحرك من موضعه ولم يصدر أي صوت يدل على استيقاظه، ولكنها علمت أنه استاق من أنفاسه التي أصبحت غير منتظمة وكفه التي تحركت تتشابك مع يدها. قطعت حياة الصمت قائلة بصوت رقيق للغاية:
- على فكرة، أنا صحيت النهاردة قبلك وأنت محسيتش زي كل يوم، شفت إزاي؟
تحرك بجسده قليلًا حتى وصل إلى عنقها وقام بطبع قبلة ناعمة فوقه، ثم دفن رأسه بداخلها وهو يتمتم بنبرة ناعسة:
- أنا فعلًا أول مرة أنام كتير كده.
امتلأ وجهها بابتسامة رضا واسعة، ثم رفعت كفها لتستأنف تمسيد خصلات شعره برفق شديد وهي تقول بترقب:
- فريد.. أنت عمرك ما حكيتلي حاجة من ساعة ما سبنا بعض، رغم إنك عرفت تقريبًا كل حاجة عملتها من يوم ما بابا قرر نتنقل لحد ما رجعت تاني.
رفع جسده قليلًا، متخذًا من مرفقه حاملًا له، قبل أن يجيبها بنبرة جامدة:
- عايزة تعرفي إيه بالظبط؟
رفعت رأسها هي الأخرى، تطبع قبلة خاطفة فوق شفتيه، ثم أحاطت وجهه بكفيها وهي تجيبه بحماس:
- عايزة أعرف كل حاجة.
لمحت سحابة حزن خاطفة مرت بعينيه قبل أن يبتسم لها بمكر وهو يمد ذراعيه أسفل جسدها استعدادًا لحملها، قائلًا بمرح شديد:
- اممم.. بليل هقولك كل حاجة، بس دلوقتي مش هينفع.
سألته باستنكار:
- ليه بقى؟
أجابها وهو يتحرك بها من فوق الفراش، قائلًا بنبرة هامسة مثيرة:
- عشان عندنا شغل، وقبل الشغل لازم ناخد دش.
شهقت حياة بخجل وهي تضرب بقدميها في الهواء محاولة الإفلات منه، ولكنه تأكد من إحكام لف ذراعيه حولها قبل اختفائه بها داخل الحمام.
***
في الخارج، وقفت حياة بجسد جامد أمام المقر الرئيسي للشركة، وتحديدًا أمام مدخلها الذي شهد إصابته. أغمضت عينيها بقوة محاولة طرد تلك الذكرى الأليمة التي ومضت أمام عينيها عن يوم إصابته. شعر فريد بكفها يضغط فوق كفه كأنها تستمد منه قوتها. تحركت نظراته هو الآخر حيث موقع نظراتها قبل أن يفهم سبب توجسها. مال برأسه ليهمس داخل أذنها بنبرة مطمئنة:
- أنا معاكي على فكرة.
حركت رأسها ببطء، رافعة نظرها نحوه وهي ترمقه بابتسامة باهتة، استقبلها هو وبادلها إياها بأخرى مشجعة، قبل أن يتحركا معًا يدًا بيد نحو الداخل. بمجرد خروجهم من المصعد ووصولهم نحو الممر المؤدي لغرفته، لمحت حياة نجوى تهرول في اتجاههم، ثم توقفت بأنفاس لاهثة أمامهم، قائلة بحماس شديد:
- فريد، أنت اتأخرت أوي النهاردة وأمبارح كمان مكنتش موجود، وأنا كنت عايزة أبلغك إن الشركة الجديدة اللي اتكلمت معاها بخصوص الماركتينج عايزة تاخد ميعاد معاك بكرة.
حاولت حياة إثارة غيظها لذلك، وبمجرد رؤيتها، مالت برأسها تستند على كتف فريد ورفعت كفها لتحاوط ذراعه بتملك واضح، أما كفها الآخر فظل يتشابك معه بحب. هز هو رأسه موافقًا بعدم اهتمام، ثم أجابها على عجالة:
- تمام.. هات لي ملف العرض بتاعهم أراجعه قبل ما أكد لكِ الميعاد بكرة.
أنهى جملته وجذب حياة خلفه متجهًا بها نحو غرفته دون انتظار إجابة نجوى.
حدقتهم نجوى بنظرات غل صريحة وهي تتابع سيرهم جنبًا لجنب ونظرات عشقهم الواضحة للعيان، وهي تقول بتوعد صريح:
- ماشي يا بنت ****.. مبقاش نجوى إن ما قلبت الدنيا عليكِ، بس ألاقي فرصتي.
في الداخل، وقف فريد قبالتها بعدما تأكد من إحكام غلق الباب خلفهم، ثم جذبها نحوه مشبكًا يده خلف ظهرها وهو يسألها بنبرته العابثة:
- مينفعش تشتغلي هنا النهاردة.
أجابته بابتسامة واسعة وهي ترفع كفيها وتتلمس صدره القوي:
- أنت عارف كويس إن لو قعدت هنا مش هتشتغل.
اخفض رأسه حتى تلامست شفاهم سوياً، ثم غمغم أمامهما بصوته الأجش، فشعرت به ينطق الكلمات من خلال فمها:
- اقعدي وجربي.
نطقت اسمه بدلال ناعم:
- فريييييد..
طبع قبلة خاطفة فوق شفتيها وهو يجيبها باستسلام:
- خلاص.. اتفضلي روحي، بس خليكي عارفة إن أنا بجمع لحد بليل.
رمقته بنظرة عاشقة وهي ترفع جسدها على أطراف أصابع قدميها لكي تطبع قبلة ناعمة فوق وجنته، ثم تركته وانصرفت مسرعة حتى لا تستسلم لرغبة قلبها في البقاء بجواره.
في منتصف اليوم، جاءها اتصال هاتفي من سكرتيرته تطلب منها التوجه إلى غرفته على وجه السرعة. ركضت حياة مسرعة نحو غرفته وهي تشعر بالقلق من طلبه المفاجئ، فالملفات التي بين يديها لا تستدعي طلبها بهذا الشكل العاجل. طرقت الباب ولم تنتظر الإجابة، بل دلفت للداخل على الفور. وبمجرد دخولها، تفاجأت بيده تجذبها حتى اصطدم جسدها بصدره القوي، ثم احتجزها بينه وبين الحائط وهو يتمتم أمام شفتيها قائلًا بنبرة مثيرة للغاية:
- وحشتيني.
زفرت حياة بارتياح قبل أن تقول وهي تبادله قبلاته المتطلبة بأخرى مشتاقة:
- فريد، إحنا في المكتب.
لم يعرها اهتمامًا، ولم يجد الوقت ليجيبها، بل ظل يعمق من قبلاته حتى تناست جميع ما حولهم، ورفعت كفها تضعه فوق عنقه وتضغط عليه حتى يدني منها أكثر. بعد فترة من الوقت، أبعده عنها ذلك الهاتف الذي ظل جرسه يدوي بلا توقف. تحرك فريد ليلتقطه من فوق مكتبه، ثم أجاب بهدوء شديد وهو يعود لنشر قبلاته فوق وجهها مرة أخرى، كأن الأمرين لا يتعارضان مع بعضهما البعض على الإطلاق. تساءلت حياة وهي تبادله قبلاته كيف يستطيع التركيز في كلا الفعلين معًا؟
أنهى مكالمته دون الرد بكلمة واحدة، فقط استمع إلى الطرف الآخر، والذي علمت حياة أنه رجل من صوته الذي كان يصل إليها بوضوح بسبب اقتراب فريد والهاتف من وجهها.
أغلق فريد الهاتف ودسه في جيب بنطاله دون حتى كلمة وداع، ثم عاد ليلتهم شفتيها مرة أخرى. غمغمت حياة باعتراض ضعيف، محاولة إيجاد إرادتها في الابتعاد عنه، فقد بدأ جسدها بأكمله يستجيب له، وهي تعلم تمام المعرفة أن ما يقومان به هو قمة التهور. استجاب فريد لاعتراضها وبدأ يحرر شفتيه من بين شفتيها وهو يلهث من فرط مشاعره، قبل أن يبلغها بصوت أجش:
- حياة.. أنا لازم أسافر بكرة الصبح.
عقدت حاجبيها معًا وهي تسأله بقلق شديد:
- في حاجة حصلت؟
هز رأسه نافيًا، وهو يعاود تقبيل شفتيها بقبل متفرقة، شارحًا لها من بين قبلاته:
- مفيش حاجة مهمة.. بس حاجة لازم أخلصها بنفسي. هما يومين ومش هتأخر عليكي.
هزت رأسها بإيجاب، وقد بدأت تشعر بالإحباط يتملك منها من فكرة بعده عنها، ولكنها حاولت إخفاء ذلك بمهارة لم تخفَ عليه. أعطته ابتسامة واسعة وهي تستدير نحو الباب لتتركه يرتب أمور سفره.
***
دلفت نجوى غرفته بعد خروج حياة بفترة لا بأس بها، وفي يدها ملف تلك الشركة التي وكلت إليها مهمة التنسيق معها. تحدثت معه بعملية شديدة كانت تتميز بها وهي تضع الملف أمامه:
- فريد، ده الملف اللي طلبته مني عشان تراجعه قبل الاجتماع مع الشركة. ياريت تقولي رأيك الأخير فيه قبل ما أكد لهم الميعاد بكرة.
أجابها فريد بجمود دون رفع نظره نحوها، فقد كان غارقًا في الملفات التي أمامه والتي تحتاج مراجعة وتدقيق قبل سفره:
- مش هينفع بكرة يا نجوى خالص.. أنا مسافر يومين ولما أرجع نبقى نحدد لهم ميعاد تاني.
لمعت عيني نجوى بمكر واتسعت ابتسامتها، فيبدو أن الحظ وضع الفرصة التي تبحث عنها أمام عينيها من جديد. لذلك اندفعت تقول بلهفة شديدة مدعية الارتياح:
- كويس أوي.. أنا كمان مكنش يناسبني بكرة لأن بابي طلب أسافر له ضروري وأنا كنت هأجل عشان الاجتماع ده، دلوقتي أقدر أسافر وأنا مطمنة. بس مقلتليش طيارتك الساعة كام؟
أجابها فريد بعدم اهتمام وهو لا يزال ينظر بداخل الأوراق:
- الصبح بدري.
هزت رأسها بسعادة، ثم استأذنته في الخروج قبل ركضها نحو إيمان تطلب منها حجز تذكرة ذهاب لإيطاليا غدًا صباحًا مهما كلفها الأمر.
بعد فترة ليست بطويلة، وبسبب ازدواج جنسيتها، استطاعت إيمان إتمام الأمر بمنتهى السهولة، حتى أنها قامت بطبع تذكرة السفر وسلمتها لها. استلمتها نجوى منها بسعادة غامرة وأخفتها جيدًا بداخل حقيبة يدها، ثم تحركت للتنفيذ خطوتها التالية.
ظلت نجوى تراقب الممر منتظرة خروج حياة من غرفتها لأي سبب كان حتى يتسنى لها إبلاغها بالأمر. وبالفعل، بعد حوالي ساعة، خرجت حياة من غرفتها متجهة نحو مكتب إيمان، حيث أصبحت عادتها في الأيام الأخيرة قضاء وقت راحتها معها. بمجرد رؤية نجوى لحياة، وقفت تعطيها ظهرها وقد تظاهرت بالحديث داخل هاتفها المحمول، قائلة بخبث شديد وبصوت مرتفع نسبيًا حتى تتأكد من وصول حديثها لمسامع حياة:
- أيوه يا بنتي، زي ما بقولك كده.. اتفقنا نسافر سوا بكرة وهو ضحك عليها وقالها إنه شغل.
تسمرت حياة في مكانها، وأبلعت لعابها بصعوبة، وقد بدأت تشعر بدقات قلبها تتعالى توترًا، ولكنها قررت تجاهل كل ذلك الأمر والمضي قدمًا. أسرعت نجوى تضيف بعدما رمقت حياة بنظرة جانبية ورأتها على وشك التحرك:
- يا بنتي، بقولك اتفقنا وحجزنا سوا خلاص وهنتقابل بكرة في المطار، بس هو طلب مني كل واحد يحجز لنفسه أحسن عشان منجازفش يعني، وخصوصًا إن مراته معانا في الشركة.
شعرت حياة بانقباضة قوية داخل قلبها وبدأت الدموع تغزو مقلتيها وهي تفكر بحزن: أيعقل أن يفعل بها فريد ذلك، خاصة بعد ما حدث بينهم؟ نفضت رأسها من تلك الأفكار وهي تستأنف طريقها نحو الخارج، فهي تثق بزوجها ولن تسمح لتلك الحرباء بإفساد صفو حياتها.
ظلت حياة شارده خلال ما تبقى من يومها. فكلما نفضت تلك الأفكار المسمومة من داخل رأسها، عادت إليها مرة أخرى.
وبعد طول تفكير منها، قررت مواجهة فريد والاستفسار منه. نعم، بمجرد وصولهم للمنزل ستسأله، وإذا تطلب الأمر ستطلب الذهاب معه بدلاً من جلوسها هنا بداخل مكتبها يتأكلها التفكير والقلق.
انتهى اليوم، وكعادة فريد اليومية، توجه نحو غرفة حياة لاصطحابها من داخلها والتحرك معًا يدًا بيد نحو الخارج. بالطبع، كانت تلك الفرصة التي تعول عليها نجوى لتنفيذ آخر خطوة من مكيدتها. فظلت واقفة قرب غرفة حياة منتظرة وصول فريد اليومي في نفس الميعاد تقريبًا.
وبالفعل، انزوت بعيدًا بمجرد رؤيته يتحرك داخل الممر. وبمجرد وصوله أمام غرفة حياة، سارعت نجوى توقفه بيدها وتقول له بصوت مسموع حتى تتأكد من استماع حياة لها:
"فرييييد.. أنا حجزت التذكرة على فكرة زي ما اتفقنا، وكده بكرة هنتقابل في المطار الصبح."
عقد فريد حاجبيه معًا بعدم فهم، قبل أن يفتح فمه ليستفسر منها. ولكن نجوى قاطعته قائلة بخبث:
"إن شاء الله تبقى رحلة سعيدة وننبسط بيها."
أنهت جملتها وهرولت نحو الخارج لتقطع عليه أي طريق للاستفسار أو التصحيح، تاركة فريد ينظر في أثرها بعدم فهم، قبل دخوله لغرفة حياة، والتي بالطبع استمعت لما تفوهت به نجوى، وأصبح وجهها شاحبًا يحاكي الأموات.
رواية متى تخضعين لقلبي الفصل الثالث والعشرون 23 - بقلم شيماء يوسف
لاحظ فريد منذ دخوله لمكتبها وحتى وصولهم للمنزل جمودها التام ولكنه أعاد ذلك لمسألة سفره المفاجئة. حسناً، إنه يعلم أنها أحبطت ولكن ليس لذلك الحد، فوجهها شاحب للغاية وعيونها تلمع بالدموع طوال الطريق رغم محاولتها المستميتة لتجنب التقاء عيونهما معاً. إلا أنه لاحظهم. لو أنه يستطيع اصطحابها معه لما توانى في تنفيذ ذلك، ولكن تلك السفرة خصيصاً يحتاج إلى خوضها بمفرده، فهو لا يضمن حتى سلامته فكيف بها؟
زفر بضيق وهو يقفز من مقعده بداخل السيارة عندما توقفت أمام الباب الداخلي للمنزل. مد كفه يحتضن يدها فلم تعارضه ولم تبادله عناقاً أيضاً. سألها مستفسراً وعيناه تتفحص ملامحها باهتمام:
- حياة، انتي كويسة؟
أجابته كاذبة بنبرة جافة بعدما أجبرت نفسها على رسم ابتسامة مقتضبة فوق شفتيها:
- آه كويسة الحمد لله.
بخير! إنها الآن أبعد ما تكون عن أن تكون بخير، فالنار التي بداخلها تزداد اشتعالاً مع مرور الوقت. هذا ما فكرت به بحزن وهي تخطو بداخل المنزل. ذلك المنزل الذي أصبح فجأة ودون سابق إنذار أحب الأشياء إلى قلبها لمجرد أنه يجمعهما سوياً. شعرت بوخز الدموع يعود بقوة لمقلتيها فرفرت بجفنيها عدة مرات محاولة صرف تلك الدمعات من داخل عينيها، فهي لا تنوي البكاء أمامه مهما حدث. توجهت مباشرة نحو غرفتهما ومنه إلى الحمام حيث آثرت الاغتسال لتهدئة أعصابها تاركة العنان لدموعها المختلطة مع رذاذ الماء الدافئ المنهمر فوقها.
خرجت حياة من الحمام بعد فترة لا بأس بها، فقد قامت بتجفيف شعرها أولاً وارتدت ثيابها كاملة وقد تعمدت الإبطاء قليلاً حتى يتسنى لها مواجهته بأعصاب هادئة. بالطبع هذا ما فكرت به منذ قليل، ولكن بمجرد خروجها ورؤية حقيبة سفره قد أُعدت بالفعل عادت تلك النيران لتستعر بداخلها من جديد. تحركت بجمود شديد، تجلس على المقعد المنخفض الموضوع أمام الفراش، ثم أخذت نفساً مطولاً قبل سؤاله بجمود شديد:
- فريد، انت مقلتليش مسافر فين؟
أجابها وهو يتوجه نحوها ليشاركها مجلسها:
- لندن.
مد ذراعه ليدنيها منه، ولكنها انتفضت على الفور من مجلسها بعدما دفعت يديه بحده متجنبة لمسته. تفاجأ فريد من رد فعلها غير المبرر وبدأ الضيق يظهر جلياً على نظراته هو الآخر. ظل يتفرسها مطولاً وهي تقطع الغرفة أمامه ذهاباً وإياباً بعصبية شديدة. ثم اندفعت تقول بنبرة شبه محتده وهي تراه يستقيم في جلسته استعداداً للنهوض:
- بس أنا مش عايزك تسافر.
ضيق فريد نظراته فوقها يحاول استشفاف أي شيء من ملامحها غير المفسرة قبل أن يسألها بنبرة خالية:
- والسبب؟
أجابته كاذبة:
- من غير أسباب.
أعاد فريد نطق طلبها بنبرة مفكرة قائلاً باستنكار:
- انتي مش عايزاني أسافر؟ ومن غير أسباب! والمفروض مني أعمل إيه؟
أجابته حياة بثقة شديدة:
- المفروض تنفذ اللي طلبته عادي يعني.
رمقها فريد بنظرات حانقة قائلاً بنبرة شبه غاضبة:
- ده على أساس إني عيل وإنتي بتقوليلي أعمل إيه ومعملش إيه!
اندفعت حياة مصححة بيأس شديد:
- لا مش عيل طبعاً، بس أنا مش عايزك تسافر ومضايقة فعشان خاطري حقق رغبتي دي.
لانت ملامح فريد والتي كانت بدأت في الاحتقان من تعنتها الواضح. فتحرك نحوها جاذباً جسدها نحوه ومحكماً حصاره بذراعيه، وتلك المرة لم توقفه، فقد كانت تأمل بشدة أن يحقق لها رغبتها في عدم إكمال تلك السفرة. تحدث فريد بهدوء قائلاً بلين:
- حياة، مش هينفع السفرية دي مهمة وأنا لازم أطلعها.
ردت حياة على جملته بنزق وقد عاد التجهم لملامحها:
- خلاص سافر بس على الأقل خدني معاك.
أعاد فريد رأسه للخلف وزفر بقله حيلة من إصرارها الطفولي، ثم أجابها في محاولة أخيرة منه لمداعبتها:
- السفرية دي بالذات مش هينفع.
هتفت حياة بحدة معترضة:
- ممكن أعرف السبب؟
أجابها فريد بنفاذ صبر من تقلبات مزاجها العجيب:
- برضه من غير أسباب.
قاطعت جملته قائلة بغضب شديد:
- وأنا مش موافقة.
بدأ فريد حقاً يفقد القدرة على التحكم بأعصابه من جدالها المستمر، فهتف قائلاً بحسم:
- مش مهتم وهسافر.
نظرت حياة نحوه بإحباط ثم سألته بعدم تصديق:
- للدرجة دي السفرية دي مهمة بالنسبالك؟
كانت تأمل بأن يحتويها، يطمئنها، ينفي شكوكها التي تعصف بداخل عقلها وتدمي قلبها، ولكنه نظر نحوها بجمود دون تعقيب. هزت رأسها بحسرة وهي تجاهد لكبح لجام دموعها من الانفجار أمامه. هل تلك الحرباء أصبحت مهمة له كل هذا القدر؟ عضت على شفتيها في محاولة جادة لصرف دموعها، ثم تحركت من أمامه منسحبة من الغرفة بأكملها. لحق بها فريد بخطوات واسعة قبل خروجها من الغرفة ممسكاً ذراعها ومعيدها مرة أخرى إلى أحضانه. شاحت بوجهها بعيداً عنه عندما اقتربت أنفاسه من شفتيها وحاولت الإفلات منه. غمغم هو بصوت ناعم كالحرير ونبرة شبه متوسلة:
- حياة، هما يومين فلو سمحتي بلاش تعملي مشكلة.
كانت مشغولة بالسيطرة على دموعها التي لا تزال تهدد بالاعلان عن نفسها في لحظة، إلى جانب محاولتها في مقاومة رغبة قلبها في الارتماء داخل أحضانه. ظن فريد أنها سكنت بين يديه فأردف يقول هامساً بحب وهو يلامس بفمه شفتيها تمهيداً لتقبيلها:
- وحشتيني.
أغمضت عينيها بقوة بحثاً عن إرادتها المسلوبة للبعد عنه، وبمجرد إغلاقها جفونها ظهر أمام عينيها صورته الحميمية ولكن مع نجوى. بدأ فريد يقبلها بنهم، فهتفت بحدة وهي تدفعه بكل قوتها للابتعاد عنها:
- لا.
رفع فريد رأسه ينظر نحوها بعدم فهم وقد ضاقت المسافة ما بين حاجبيه من شدة عبوسه:
- لا إيه؟
أجابته بغضب شديد متأثرة بذلك المشهد الذي هيأه لها عقلها:
- لا مش عايزة، كفاية إني اتسرعت قبل كده.
احتقنت ملامح وجهه بشدة وبدأ الاحمرار يكسو وجهه من شدة الغضب وهو يعيد كلمتها ببطء شديد ضاغطاً على حروفها:
- اتسرعتي!
أجابته باندفاع وقد فشلت تماماً في السيطرة على لجام لسانها الثائر:
- أيوه اتسرعت ومش ناويه أعيد الغلطة دي تاني.
شهقت برعب وعضت لسانها بقوة، لا تكاد تصدق أنها نطقت بتلك الكلمات عالياً. يا لكِ من حمقاء غبية يا حياة! هتفت بداخلها تؤنب نفسها على تلك الغلطة الشنيعة التي صدرت من بين شفتيها منذ قليل. فتحت فمها لتصحيح ذلك الخطأ ثم أغلغته مرة أخرى وهي تتراجع للخلف برعب، خاصة وهي تراه يتقدم منها بخطوات بطيئة حذرة وذلك العرق بجانب صدغه على وشك الانفجار من شدة الضرب. توقف أمامها مباشرة قائلاً بنبرة أشبه بالفحيح بعدما أخفض رأسه قليلاً حتى أصبحت أنفاسه المتلاحقة تلفح وجهها وتزيد من بث الرعب بداخل صدرها:
- أنا فعلاً مش هقربلك لا دلوقتي ولا بعدين. بس مش عشان انتي عايزة كده، لا. عشان أنا خلاص مبقتش عايزك ولا مهتم حتى إني أقربلك. وعشان في حاجات أحلى كتير مستنياني أجربها.
أصدر حلقها شهقة أخرى ولكن تلك المرة من أثر الصدمة. أنهى فريد جملته وتحرك نحو الخارج بجسد متصلب للغاية ثم صفق الباب خلفه بقوة تاركاً إياها تشعر بأركان الغرفة تهتز من أثرها. تحركت هي حتى الفراش ثم ارتمت فوقه تاركة لدموعها العنان وهي تشهق بحسرة لا تكاد تصدق ما حدث بينهم منذ قليل.
ظلت حياة تنتحب بقوة حتى منتصف الليل وكلماته الأخيرة تدوي بداخل عقلها. لقد سئم منها! بل وأوضح ذلك علانية. أي شيء قد يطعن المرأة في أنوثتها أكثر من أن يسأم منها زوجها؟ أو في حالتها لتكن أكثر دقة لم ترضيه من الأساس، فلا يوجد سبب واحد على الأرض يجعل رجلاً ما ينفر من زوجته بعد ليلتهم الأولى سوى أنها لم ترضيه. وعليه بالطبع التجأ إلى أحضان أخرى. لقد أكد بجملته شكوكها التي تتآكلها منذ الصياح. عادت لتعلو شهقاتها من جديد ولا تدري ما الذي يحزنها أكثر؟ أهو عزوفه عنها كزوج بعد ما حدث بينهم؟ أم رغبتها الملحة في البحث عنه واسترضائه؟ فكرت بحزن: أهذا هو الحب؟ يجعل المرء يتنازل عن كرامته بكل هذه السهولة؟
فهناك صراع قائم يكاد يشطرها نصفين بين عقلها وقلبها. فكرامتها تغريها بقلب الدنيا رأساً على عقب والاختفاء من حياته، وقلبها يطلب منها الارتماء بين أحضانه ومحاولة استعطافه مرة أخرى. رفعت رأسها بكبرياء شديد وهي تمسح دموعها بكف يدها، مقررة الرضوخ لعقلها، فهي ستكون ملعونة إن حاولت استرضاء رجل يرفضها حتى لو كان قلبها بين يديه.
في غرفة مكتبه، ظل فريد يذرع الغرفة ذهاباً وإياباً وهو يكاد يجن من غضبه. كيف تجرؤ على وصف ما حدث بينهم بالغلطة؟ لقد طعنته في رجولته بقوة غير عابئة بمشاعره! وبالتالي، لم يجد أمامه سوى المحافظة على ما تبقى من كرامته وإخبارها بأنها لم تعد تؤثر به، والزم نفسه بالابتعاد عنها ربما للأبد. ما الذي حدث لها منذ الصباح؟ هذا ما فكر به بعمق وهو يجول داخل مكتبه، فهو ليس ساذجاً وليس أعمى أيضاً، فتلك المرأة التي كانت بين يديه في الصباح لا تستطيع إقناعه بأنها رافضة لما حدث بينهم، فقد كادت تذوب بين ذراعيه عشقاً وهياماً، وهي تنطق اسمه بلهفة شديدة. بالتأكيد هناك شيئاً ما حدث وهو السبب في ذلك التغيير، ولن يهدأ حتى يكتشفه. زفر بحيرة وهو يدس يده في جيوب بنطاله، هل حقاً يستشعر بحدوث شيء ما معها أم أن عقله يحاول إقناعه بذلك حتى لا يتقبل فكرة أنها رافضة له؟ هذا ما فكر به بإحباط وهو يراقب أمواج البحر الهائجة من نافذة غرفته. وحتى إن اكتشف الخطأ إن وجد، فهو لا يستطيع أبداً مسامحتها على تلك الجملة.
ظلت حياة قابعة فوق الفراش، ضامة ركبتيها إلى قفصها الصدري وتحيطهما بكلتا ذراعيها، مستندة بذقنها ووجهها الباكي فوقهما، وعيناها معلقة فوق الباب منتظرة عودته في أي لحظة.
وفي الصباح، فتحت عينيها بذعر وهي تتلفت حولها، محاولة تذكر متى غالبها النوم، فآخر ما تتذكره هو جلوسها في ذلك البرد الشديد منتظرة عودته لفراشه واندساسها داخل أحضانه. وقعت عينيها أول الأمر على المكان الذي كانت تقبع به حقيبته، فوجدته فارغاً. تحركت من فوق الفراش مسرعة نحو الأسفل، فعلى الأقل تريد رؤية وجهه قبل سفره، متناسية الواقع الأليم وهو ذهابه مع امرأة أخرى غيرها. أخبرتها عفاف أنه قد غادر بالفعل منذ ما يقارب الساعة. فتهدلت أكتافها وعادت إلى غرفتها، ترتمي فوق الفراش بأحباط غير قادرة على بدء يومها البارد دونه.
في ذلك الكافيه المنزوي عن أعين الناس، جلست جيهان مرة أخرى أمام منصور الجنيدي، هاتفه به بحنق شديد:
- يعني إيه يا منصور مخافش؟ أنا مش عارفة إنت جايب البرود ده كله منين؟ مادام فريد طلع منها زي القط من غير خربوش واحد حتى، يبقى مش هيسكت ده ابن جوزي وأنا أكتر واحدة عارفاه.
عاد منصور بجسده للخلف ليتكأ على ظهر مقعده وهو يجيبها بثقة شديدة أثارت حنقها أكثر:
- أنا مظبط الدنيا كويس، مش هيقدر يعمل حاجة. ده غير إن الولد اللي نفذ المهمة، أنا خلصت له أوراقه خروجه بره البلد مع مبلغ محترم، وزمانه طار من زمان.
صمتت جيهان، معطية لعقلها الوقت اللازم للتفكير جيداً في حديثه، ثم قالت بأرتياب:
- طب دي بالنسبة للي نفذ. انت فكرك بقى إن فريد مش عارف إنك اللي ورا الموضوع ده؟ إذا كان غريب نفسه عارف، وبصراحة أنا مستغربة لحد دلوقتي إزاي غريب وفريد سايبينك كده؟
ظهرت أسنان منصور من خلف شفتيه في ابتسامة سمجة قائلاً بتفاخر:
- مش هيلحقوا يعملوا حاجة.
زفرت جيهان بنفاذ صبر، ثم ردت قائلة بنزق:
- هموت وأعرف برودك ده من ساعة الحادثة جايبه منين.
ضيقت عينيها فوقه بشك، ثم سألته مستفسرة بتوجس:
- منصور! انت مخبي حاجة عليا؟ أسلوبك ده مش مريحني خالص.
ارتبكت ملامح منصور لثانية واحدة، ثم استقرت ملامحه مرة أخرى وهو يجيبها كاذباً بثبات شديد:
- لا هخبّي عليكِ إيه، أنا وإنتي في مركب واحد، حتى وإنتي عارفة كده كويس.
هزت جيهان رأسها موافقة رغم الشك الذي لا يزال يراودها تجاهه. أما عن منصور، فقد ابتسم بخبث بعد رؤية استسلامها، فهو أبداً لن يخبرها عن تلك الصفقة التي خاض بها، والتي إن تمت على خير ما يرام سيغادر البلاد بعد تأمين مستقبله بعدة مليارات خضراء.
كل ما في الأمر يومان. إذاً لماذا تشعر كما أنها تنتظر منذ قرن؟ هذا ما فكرت به حياة بحزن وهي جالسة خلال فترة راحتها أمام إيمان السكرتيرة، وعقلها لا يلتقط شيئاً مما تتفوه به صديقتها، والتي بالرغم من فارق السن بينهما والمده القصيرة التي عاشرتها بها، تشعر بجوارها بروح الصديق الحقيقي، وخصوصاً بعد اختفاء صديقتها مريم من حياتها دون إبداء أسباب، غير انشغالها بالعمل إلى جانب خطبتها. أعادها من شرودها صوت إيمان تسألها مستفسرة:
- حياة! أنا بكلمك.
حركت حياة رأسها باتجاه إيمان تسألها بشرود:
- ها.. قلتي حاجة؟
هزت إيمان رأسها مبتسمة وهي ترمقها بنظرة متفهمة:
- إنتي مش معايا خالص، بس عمتا أنا كنت بسألك فريد بيه راجع النهارده صح؟
ارتبكت ملامح حياة وأومأت برأسها إيماءة خفيفة للغاية، فهي لا تعلم بماذا تجيبها، فهو لم يتواصل معها منذ تلك الليلة ولم يحاول حتى الاطمئنان عليها، وليس لديها معلومة عنه زيادة عن موظفيه، وربما سكرتيرته تعرف تفاصيل عودته أكثر منها.
أثناء شردوها في تلك الأفكار المحزنة، التقطت أذنها شيئاً ما من حديث إيمان يتضمن نجوى وإيطاليا. انتبهت بكل حواسها وعادت تسأل إيمان مرة أخرى باستفسار:
- إنتي قلتي إيه؟
هتفت إيمان بنبرة ممازحة تجيبها قائلة:
- لاااا إنتي بجد مش هنا وحالتك بقت صعبة. أنا كنت بقولك وبرضه نجوى هانم هترجع النهارده مع سعيد بيه من إيطاليا.
انتفضت حياة تسألها بأمل:
- إيطاليا؟
أومأت إيمان رأسها لها موافقة، ثم أجابتها شارحة:
- آه كلمتني الصبح تبلغني إن سعيد بيه والدها راجع معاها النهارده.
بدأ وجه حياة يشرق بالسعادة وهي تعاود سؤال إيمان لمزيد من التوضيح:
- هي نجوى مش كانت مسافرة إنجلترا؟
حركت إيمان رأسها نافية بثقة، ثم أجابتها قائلة بنبرة قاطعة:
- لا فريد بيه هو اللي في لندن، بس نجوى هانم سافرت لباباها ومراته الإيطالية، هما معظم الوقت عايشين هناك. نجوى بس اللي عايشة هنا وبتزورهم من وقت للتاني. بس واضح إن فيه حاجة مهمة عشان كده سعيد بيه نازل معاها.
سألتها حياة بترقب كبير وقلبها يضرب سريعاً من شدة السعادة:
- إيمان.. إنتي متأكدة؟
أجابتها إيمان بثقة شديدة:
- أيوه.. أنا اللي حججت لها تذكرة الطيارة والفندق كمان، لأنها مش بتحب تنزل في بيت باباها.
لمعت عينا حياة وقد عاد الإشراق إليها مرة أخرى، ولكن سرعان ما عاد لإحباطها مرة أخرى، فربما قضت ليلة هنا وليلة هناك. ومضت بداخل عقلها فكرة ستجعلها تطرد الأفكار للأبد، فغمغمت قائلة بلهفة شديدة:
- إيمان.. ممكن أطلب منك طلب؟
أجابتها إيمان بود شديد:
- طبعاً أؤمريني.
ازدردت حياة لعابها بقوة، ثم قالت بهدوء:
- مش بتقولي إنك إنتي اللي حججتي لها الفندق؟ ممكن تكلميهم وتتأكدي إنها كانت موجودة إمبارح.
هزت إيمان رأسها موافقة دون استفسار، وشرعت في فعل ما طلبته زوجة مخدومها على الفور، وبعد دقائق عدة كانت حياة تتنفس الصعداء بعدما تأكدت من نزول نجوى في فندق بالعاصمة الإيطالية روما، والتي تبعد في أقل تقدير عن مكان تواجد زوجها آلاف الكيلومترات.
ظلت حياة تنتظر انتهاء ذلك النهار بفارغ الصبر حتى يتسنى لها رؤيته، فعلى حد علمها يجب أن يكون في المنزل على موعد العشاء، وبالطبع قد قررت مصارحته بسوء فهمها أو تلاعب نجوى بها لم تستطع الجزم حتى الآن، ولذلك ستخبره لأنها تثق في رأيه وتعلم جيداً حنكته في تصريف الأمور. وقبل ذلك بالطبع ستعتذر منه عن تلك الحماقات التي تفوهت بها تلك الليلة.
عادت إلى المنزل بعد السادسة بقليل، فقد كان لديها يوم عمل ممتلئ للغاية وتشعر وكأنها مسؤولة مسؤولية تامة في غيابه عن إبقاء الأمور في نصابها الصحيح. بدلت ملابسها وعادت للأسفل مرة أخرى، فهي تنوي تحضير الطعام الليلة بنفسها. وبالفعل، بعد مدة طويلة كانت قد انتهت من إعداد الأطباق المفضلة لديه، وصعدت للأعلى للاغتسال وتبديل ملابسها والاستعداد لاستقباله.
نظرت في المرآة للمرة الأخيرة للتأكد من مظهرها، وعيناها تلمع برضا، فقد قامت بتمشيط شعرها الناعم وتركه منسدلاً بحرية فوق كتفيها، كما ارتدت كنزة بلون الخردل بأكتاف منخفضة، كاشفة عن عنقها بأكمله وعظمتي كتفيها البارزتين، مما أعطاها منظراً أنثوياً رائعاً. ابتسمت بحنين وهي تتذكر يوم حفلة التجديد وهما في طريقهما لمنزل والده، عندما أعطاها أوامر بشكل قاطع وضيق شديد ألا ترتدي مثل تلك الملابس الكاشفة مرة أخرى خارج المنزل، رغم أنه هو من قام باختيار معظمهم على حد علمها. تنهدت باشتياق وهي تلقي نظرة أخيرة على وجهها قبل ركضها للأسفل عند سماعها لصوت محرك سيارة داخل حديقة المنزل. هبطت السلالم بعجالة حتى يتسنى لها استقباله، وبالفعل لم يخطئ حدسها، فقد كان هو القادم. ابتسمت له بلهفة واضحة بمجرد رؤيتها له يدلف من الباب الداخلي، فبادلها تلك الابتسامة بجمود تام، ثم أشاح بنظره عنها. اللعنة على كل ذلك! ألم يكفه شوقه لها خلال الأيام الماضية رغم رفضها الصريح له، لتقف أمامه الآن بهذا المظهر الفاتن وتتوقع منه ضبط أعصابه؟ هذا ما فكر به بحنق وهو يتجاوزها متسلقاً الدرج ومنه إلى غرفتهم. تحركت وراءه وتبعته حتى غرفتهم رغم تجاهله التام لها. التقط هو ملابسه بعصبية واضحة وهو لا يزال يشيح بوجهه عنها، ثم صفق باب الخزانة خلفه قبل أن يتجه إلى الحمام لأخذ دش بارد. زفر بضيق واضح مفكراً بحنق أن هذا آخر ما يطمح له، فبدلاً من التمتع بدفء جسدها، عليه الاغتسال بماء بارد في ذلك البرد حتى تهدأ أعصابه.
خرج بعد قليل فوجدها لا تزال واقفة تنتظره. تنحت حياة محاولة إيجاد صوتها وشجاعتها لمحادثته، فليس خفياً عليها تجاهله الصريح لها. سألته بنبرة مترددة ولكن ناعمة للغاية جعلته يسب داخلياً:
- محتاج مساعدة؟
رفع رأسه بحدة أكثر من اللازم لينظر نحوها، ثم أجابها بنبرة جافة وهو يقوم بارتداء ملابسه أمامها كأنه غير موجودة:
- لا.
عضت على شفتيها بحرج وأشاحت بنظرها بعيداً عنه، وقد بدأت وجنتيها تتلون، وهي تراه يقوم برمي المنشفة التي كانت تحيط بخصره فوق الفراش بلا مبالاة، ثم استجمعت جرأتها لتردف حديثها قائلة بخجل:
- طيب أنا خليت دادا عفاف تحضرلك العشا.
اكيد تعبان ومحتاج تاكل.
أجابها بنبرة خالية وهو يتحرك من حولها متجهاً نحو الخارج بعدما قام بارتداء ملابس رياضية مريحة ومشط شعره الرطب:
- أكلت في الطيارة.
زفرت بإحباط وهي تراه يتعامل معها بكل ذلك الجمود، فهي كانت تأمل في التحدث معه عما حدث والاعتذار منه، ولكنه لا ينظر حتى نحوها. توقف أمام الباب موجهاً حديثه إليها بنظرات جامدة:
- أنا نازل الجيم ومش عايز إزعاج من أي حد مهما كان السبب.
اندفعت خلفه هاتفة اسمه بلهفة لتوقفه عندما عاود السير مرة أخرى، فتوقف ببطء مستديراً إليها بضيق ثم نظر نحوها بنفاذ صبر ليحثها على التحدث بصمت. تهدلت أكتافها من نظرته الباردة نحوها، فيبدو أنه فعلاً مل منها أو الأدق أنها لم ترضيه من البداية. غمغمت بصوت مختنق كاذبة:
- خلاص مفيش حاجة.
هز كتفيه بلامبالاة قبل استئناف سيره نحو الدرج ومنه إلى الأسفل. عادت حياة لغرفتهم وجلست فوق حافة الفراش تبكي بصمت، فيبدو أنه بوجود نجوى أو في عدم وجودها هي لم ترضيه كامرأة.
تحركت تبدل ملابسها بعدما أعطت لعفاف أمراً من خلف الباب المغلق بعدم رغبتها في تناول الطعام، ثم ارتمت فوق الفراش بحزن شديد مستمرة في نحيبها. ولم تدرِ كم مر من الوقت وهي على تلك الحالة حتى شعرت بحركة ما أمام باب غرفتهم. مسحت دموعها بسرعة شديدة ثم أغمضت عينيها متظاهرة بالنوم. دلف فريد للداخل بهدوء شديد وقام بالاغتسال مرة أخرى، فقد كان يتصبب عرقاً من فرط ممارسته للرياضة. بدل ملابسه على ضوء مصباح الطاولة الخافت، ورغم علمه التام باستيقاظها إلا أنها أثرت التعامل كما لو أنه صدق ادعاءها الساذج للنوم. تمدد بظهره على الفراش بجوارها وهو يشعر بالإرهاق في كل خلية من خلايا جسده، آملاً أن يزوره النوم سريعاً بعد كل ذلك المجهود البدني والعضلي الذي قام به. ألقى نظرة متفحصة فوق ظهرها الذي كان قبالته، ورغم عدم رؤيته لملامح وجهها إلا أنه أحس بتشنج ملامحها وجسدها. حبست حياة أنفاسها وهي تدعو الله في صمت أن يمد ذراعه ويأخذها بين أحضانه، ولكن طال انتظارها حتى سقطت في نوم حقيقي دون تحقيق أمنيتها.
في الصباح استيقظت حياة وهي تشعر بدفء ما بجوارها، كانت افتقدته بشدة في اليومين الماضيين. فتحت عينيها تستكشف موقعها، فإذا بها داخل أحضانه مجدداً، ولكن تلك المرة هي من تلف ذراعها حول خصره وتقترب منه وليس هو كالعادة. شعرت بالإحباط يتملك منها مرة أخرى، فحتى احتضانه لها أثناء النوم لم يعد يريده، ويبدو أنها هي من تسللت أثناء نومها إلى داخل أحضانه. شعرت بالدموع تملأ جفنيها، فانسحبت من جواره ببطء متجهة نحو الحمام حتى لا تفضحها دموعها في أي لحظة ويستيقظ هو على صوت نحيبها وينكشف أمرها كله. انتظر فريد سماع صوت إغلاق باب الحمام خلفها ثم فتح عينيه مطلقاً تنهيدة حارة تعبر عما يعتمر داخل صدره من مشاعر متناقضة.
في مقر الشركة سار فريد جنباً إلى جنب بجوارها، وللمرة الأولى لم يكلف نفسه عناء إمساك يدها. زفرت حياة بضيق، وخاصة وهي ترى تلك الحرباء تتقدم نحوها وتتفرس ملامحهم بتركيز شديد. التوت فم نجوى بابتسامة رضا وهي ترى تلك الحالة الجامدة التي يسيران بها على عكس العادة، وهي تفكر بانتصار. يبدو أن مخططها قد نجح وبقوة، وحان الآن وقت الانتقال للخطوة التالية، فالضرب على الحديد وهو ساخن يعطي أفضل النتائج. حييتهم بابتسامة واسعة دون التوقف، مستأنفة سيرها نحو مكتبها.
في منتصف اليوم قررت حياة التحدث إليه، وعليه تحركت نحو غرفته طالبة من إيمان أخذ الإذن منه للدخول. دلفت داخل المكتب آملة أن يكون مزاجه قد تحسن قليلاً عن البارحة والصباح. أغمضت عينيها مستجمعة شجاعتها وهي تقف أمامه وتراه خافضاً رأسه نحو الملفات ولم يكلف نفسه عناء النظر نحوها. هل سيظل يتجاهلها للأبد؟ هذا ما فكرت به بحزن وهي تفتح فمها لجذب انتباهه:
- فريد.. لو سمحت عايزة أتكلم معاك في حاجة.
رفع رأسه ببطء شديد ثم رمقها بنظرة جامدة وهو يسألها مستفسراً بنبرته العملية:
- الحاجة دي بخصوص الشغل؟
هزت رأسها نافية دون حديث. أردفت يقول لها باقتضاب شديد:
- مادام مش بخصوص الشغل يبقى متعطليش وقتي ووقتك.. وأي حاجة تانية تقدري تقوليها في البيت.
صمت قليلاً يتأمل أهدابها التي انسدلت فوق عيونها محاولة إخفاء الدموع المترقرة بداخلها، ثم أضاف بنبرة خالية:
- دلوقتي تقدري تتفضلي على مكتبك لأنك كده معطلاني.
انسحبت من أمامه على الفور بخطوات واسعة تخشى الانفجار في البكاء أمامه، فهي لم تعد تحتمل ذلك الجفاء وخاصة منه هو.
دخل غريب رسلان غرفة ابنه كالعادة دون استئذان. التوت شفتي فريد بضيق ولم يعقب، فلم يكن في مزاج يسمح له بالتعقيب على أي شيء. تحدث غريب على الفور قائلاً بود واضح:
- حمد الله على السلامة.
رد فريد على تحيته قائلاً بنزق:
- حمد الله ع السلامة دي وراها حاجة ولا لله والوطن؟
زفر غريب بحنق شديد وأغمض عينيه للحظة محاولاً الاحتفاظ بتعليقه اللاذع بداخل عقله قبل إجابة وريثه الوحيد قائلاً بنفاذ صبر:
- مادام انت عارف إن وراها حاجة يبقى قولي باختصار.. سافرت ليه؟
نظر فريد نحوه مطولاً حتى شعر غريب أنه لن يحصل على إجابة لسؤاله، ثم أجاب ببرود وهو يتحرك من مقعده:
- انت عارف إني مش مجبر أجاوبك.
هز غريب رأسه على مضض موافقاً وهو يبتسم بفخر لم يدرِ فريد سببه، ثم بدأ يقول بهدوء:
- متقولش.. بس انت عارف إني هدور لحد ما أعرف.. أصل اللي بيجري في دمك ودماغك ده مش من بره.
زفر فريد وهو يحرك مقلتيه في كل اتجاه من أثر الملل، فأردف غريب قائلاً بجدية:
- بما إن السفرية دي ملهاش علاقة بشغلنا.. أقدر أقول إن ليها علاقة مثلاً بمنصور؟
اتسعت ابتسامة فريد بتهكم ثم أجابه بتحدي:
- بقولك إيه.. ما تخلي جاسوسك يقولك ويريحك عشان أنا معنديش النية.
تبدلت ملامح غريب للجدية قبل أن يجيب فريد بحزم:
- شيل منصور من دماغك وسبني أنا أعاقبه بطريقتي.
حرك فريد رأسه رافضاً بحسم شديد ثم أجابه بابتسامة شرسة قائلاً بغموض:
- ومين قال إني هاجي جنبه.. منصور لف حبل المشنقة حوالين رقبته.. أنا بس هزق الكرسي اللي تحت رجله.
في المساء ظلت حياة تذرع غرفة نومهم ذهاباً وإياباً بعصبية، فهي لا تستطيع الجلوس لأكثر من ذلك وتكتم كل ذلك بداخلها، لذلك تحركت مسرعة نحو الأسفل ومنه إلى غرفة الرياضة حيث تعلم جيداً أنها بداخلها. اندفعت تقتحم الغرفة دون استئذان لتجده يلكم كيس الرمل المعلق أمامه بقوة كبيرة عارياً الصدر. هرولت تقف أمامه متحاشية كيس الرمل الذي أوشك على صدمها متسائلة بحدة شديدة:
- أنت بتعمل إيه بالظبط؟
كان بالفعل قد توقف عن اللكم بمجرد اقتحامها الغرفة. انحنى بجزعه للأمام كي يلتقط أنفاسه ثم سألها بحنق وهو يعاود الاستقامة في وقفته:
- أنتِ بتعملي إيه هنا؟
أجابته مؤنبة بعدما قامت بوضع يدها فوق خصرها بتأهب:
- أنت اللي بتعمل إيه! وإزاي تقلّع هدومك كده.. أنت مش حاسس بالبرد؟.. أو الأهم إنك مينفعش تلعب حاجة بالقوة دي وأنت من أسبوعين كنت مصاب!!!
رمقها بنظرات غير مبالية وهو يتحرك نحو أحد الأركان ليلتقط منشفة صغيرة يجفف بها عرقه. سارت حياة وراءه بغضب شديد وهي تعاود الحديث بعصبية قائلة:
- أنا بكلمك على فكرة!
نظر لها من فوق كتفه ببرود شديد ثم أجابها باستفزاز قائلاً:
- وأنتِ بقى الوصية عليا! أولاً أنا قلت مش عايز حد يزعجني يعني كلام يتفهم ويتنفذ. ثانياً كلامك مش مقبول حاجة منه. ثالثاً أنا حر. رابعاً اطلعي عشان أكمل.
عقدت كلتا ذراعيها أمام قفصها الصدري وهي ترمقه بنظرات غاضبة دون الرد على حديثه. تجاهل هو وجودها وتحرك يلتقط أحد الأوزان بين كفيه ثم تحرك بها حيث المقعد وبدأ في التمرين من جديد. هتفت به حياة قائلة بحنق شديد:
- فريد! أنا بكلمك على فكرة.. على الأقل احترمني واسمع عايزة أقول إيه بما إن حضرتك الصبح بتبقى رجل الأعمال اللي مش فاضي.
رفع رأسه للأعلى ليرمقها بنظرة محذرة ثم عاد وأخفض رأسه مسلطاً نظراته فوق يده قائلاً بعدم اهتمام:
- عايزة تقولي إيه.. سامعك.
هتفت باسمه من جديد ولكن هذه المرة بنبرة يائسة. زفر هو باستسلام وأغمض عينيه محاولاً التوصل إلى سلامه الداخلي ثم تحرك ليقف أمامها قائلاً بنبرة أقل حدة:
- قولي وأنا سامعك.
زفرت مطولاً محاولة استعادة هدوئها ثم قالت مباشرة وبدون مقدمات:
- أنا سمعت نجوى بتتكلم في الفون مع حد وبتقوله إنها مسافرة معاك ومش عشان الشغل عشان تتبسطوا سوا بعد ما اتفقت معاك على كده.. عشان أكون صادقة هي مقالتش كده بالظبط بس كلامها كان إيحاء على كده.. وبعدها سمعتكم وأنتم بتتكلموا قدام مكتبي وبتقولك إنها حجزت التذكرة زي ما اتفقتوا وإنها مستنية تكون رحلة سعيدة وتبسطوا بيها.
تجمدت ملامح فريد لثوانٍ معدودة ولكنه سرعان ما استعاد طبيعته الباردة وقال يحثها على الاستمرار:
- وبعدين؟
أجابته حياة بترقب:
- مفيش بعدين.. أنا افتكرت إنك مسافر معاها فعلاً وخصوصاً إني طلبت منك تخليني أسافر معاك وأنت رفضت.. وعشان كده كل الكلام البايخ ده ليلتها طلع مني.
مط فريد شفتيه للأمام مكرراً كلمتها وهو يرفع حاجبيه معاً:
- بايخ!! أنتِ شايفاه بس بايخ!! لا تماااام.. بس معرفتيش يعني إيه اللي غير فكرتك العظيمة دي.
اخفضت حياة عينيها بخجل ثم أجابته بخفوت شديد:
- عرفت إنها كانت في إيطاليا مش معاك.
تحدث فريد معلقاً على إجابتها قائلاً باستفزاز شديد:
- طب وإيه عرفك إني مروحتلهاش؟
شهقت حياة بصدمة ورفعت رأسها بحدة ناظرة نحوه بعدم تصديق. ابتسم هو بشراسة قائلاً بقسوة شديدة:
- شفتي الموضوع سهل إزاي!! كلها 3 ساعات بالطيارة.. ولو هي مكنتش معايا أنا كنت معاها صح؟
أجابته بنبرة متذبذبة:
- أنت مش هتعمل كده.
قاطعها بحدة:
- والسبب؟
أجابته بصوت متهدج:
- من غير سبب.
أجابها بجمود:
- غلط.. إجابتك غلط.. ولحد ما تعرفي الصح أنا كنت مع نجوى.
ودلوقتي اطلعي متعطلنيش أكتر من كده.
تلك المرة لم تستطع الهروب من أمامه قبل رؤيته دموعها. ما تفوه به كان كثيرًا جدًا على أن تتحمله، لذلك اندفعت نحو الخارج راكضة وهي تشهق بقوة. أغمض هو عينيه مكورًا يده وضغطًا بشدة عليها حتى ابيضت مفاصله. لقد قسى عليها كثيرًا، ولكن على صغيرته أن تتعلم درسها.
رواية متى تخضعين لقلبي الفصل الرابع والعشرون 24 - بقلم شيماء يوسف
انقضى أسبوع تام منذ حديثهم الأخير. شعرت حياة خلاله كما لو أنها تسير فوق الجمر حافية القدمين.
من جهة العمل، كان فريد يتعامل معها بالقسوة التي أشفقت دوماً على موظفيه منها، ويبدو أن الأوان قد حان لتتذوق هي منها أيضاً. حتى أنها في معظم الأوقات كانت تبكي داخل حمام العمل بعد تظاهرها بالقوة أمامه. وكم فكرت خلال ذلك الأسبوع المنصرم بتقديم استقالتها، فهي لا تقوى على تحمل ذلك الأسلوب المتسلط منه أو من غيره، ولكنها كانت تتراجع في اللحظة الأخيرة، فهي في الأخير ليست ضعيفة لتهرب من مخاوفها.
أما في المنزل، فكان العكس تماماً. التجاهل لازال سيد الموقف من جهته، ومن اللحظة التي يأخذها من مكتبها، تصبح غير مرئية أمامه. حمداً لله أنه لازال محافظاً على اصطحابها من مكتبها. هذا ما كانت تفكر به بسخرية يومياً وهو يسألها بجمود تام إذا كانت مستعدة للرحيل.
أما الليل، فكان تحت شعار "لِيبقى الحال على ما هو عليه". لم يقترب منها بأي شكل من الأشكال، فكانت تقضيه وهي تنتحب بصمت، وفي الصباح تجد نفسها مستيقظة بين ذراعيه بنفس الطريقة. فيبدو أن جسدها اللعين لم يستوعب بعد أنه رافضها، حتى يتسلل كل ليلة ودون وعي منها ويلتصق به.
وأخيراً، عطلة نهاية الأسبوع اختفى خلالها من أول النهار حتى آخره، حتى أنها سقطت غافية ودموعها تغطي وجنتيها وهي تنتظر عودته.
بأختصار شديد، كان أسبوعاً كالجحيم بالنسبة لها، حتى أنها بدأت تفقد الوزن بشكل ملحوظ بسبب قلة شهيتها، وانتفخت عيناها بسبب بكائها المستمر في العمل والمنزل.
***
في مقر الشركة، صارت نجوى جنباً إلى جنب بجانب ابن عمها، وهو شاب في مطلع العشرينات بملامح أجنبية خالصة من حيث بياض البشرة وزرقة العينين وجسده الرياضي فارع الطول. فكان يجذب انتباه الجميع أينما حل بسبب وسامته الفائقة، والتي لم تشفع لمن يعرفه جيداً عن سوء أخلاقه، والتي لم تكن تختلف كثيراً عن ابنة عمه.
لكزته نجوى بضيق لتجذب انتباهه، قائلة بنبرة خفيضة حانقة وهي تراه يغازل بعينه موظفة الاستقبال:
"سفيان!!!! أنا مش جايباك هنا عشان تشقط وتحلو، فاهمني!!! ركز في اللي اتفقنا عليه."
أجابها بثقة وهو يبتسم بسذاجة شديدة:
"متخافيش، هحطها في جيبي الصغير. بس قولي يارب تطلع حلوة عشان الواحد يشتغل بنفس."
غمغمت نجوى بحقد شديد مجيبة على حديثه:
"لا، اطمن من جهة حلوة هي حلوة، بس يارب تقدر عليها، أو على الأقل خليه يشوفها معاك وخلاص. المهم تخلصني، فاهم!!!"
هتف سفيان بحماس شديد ونبرة عابثة:
"أيوه بقى يا نوجه، هو ده الكلام. مادام حلوة، سبيني وأنا هتصرف."
زفرت نجوى بضيق وهي ترمقه بنظرات غير واثقة، ثم قالت بنزق:
"لما نشووووف شطارتك. المهم دلوقتي تعالي ندخل المكتب لحد ما أقنع فريد يدربك عشان تفضل قريب منها، ويارب يوافق."
***
بعد قليل، دلفت نجوى إلى داخل غرفة فريد بعد سماعها الإذن منه. نظر نحوها شرزاً وهو يراها تتقدم نحوه، محاولاً قدر الإمكان ضبط أعصابه. فهو يريد لو يطبق على عنقها من شدة غيظه، أو على أقل تقدير، طردها خارج المؤسسة بأكملها وليحدث ما يحدث مع شريك والدها، خاصة بعد سمها داخل عقل زوجته الساذجة. ولكن صبراً، فنجوى على وشك كتب نهايتها بنفسها، خصوصاً وأن خيوط تتبعه لتلك المدعوة سيرين بدأت تتجمع عند قدم نجوى. وقد أقسم بكل ما يملك إذا اتضح تورطها في حادثة التسمم، سيجعلها تعاني مما عانت منه حياة. وحتى ذلك الوقت، سيتظاهر بعدم معرفته لأي شيء مما يحدث، لتعليم حبيبته كيف تثق به من جهة، ويترك المساحة كاملة لنجوى للوقوع في الخطأ من جهة أخرى.
لذلك سألها بنبرة عدائية مستفسراً:
"قولي اللي عندك بسرعة عشان مش فاضيلك."
تظاهرت نجوى بالحزن وردت على جملته بدلال شديد:
"ليه كده يا بيبى بس."
هتف فريد بها بقوة جعلتها تتراجع للخلف خوفاً:
"نجوووووى!!! مش فايقلك على فكرة."
اندفعت تجيبه بلهفة واضحة:
"خلاص خلاص، مش قصدي. أنا بس كنت عايزة أطلب منك حاجة."
زفر فريد بنفاد صبر دون تعليق، فأردفت نجوى قائلة بترقب شديد:
"سفيان ابن عمي. عقله رجعله وقرر إنه يشتغل ويبدأ حياته وطلب مني إنه يدرب في الشركة هنا."
هتف فريد باحتقار وقد تجعدت ملامحه اشمئزازاً قائلاً:
"سيفان!! العيل اللي بيريل على كل حاجة مربوطة!! عايز يدرب هنا؟!"
أجابته نجوى متوسلة ومتصنعة البراءة:
"آه والله، ده عقل خالص وعايز يبقى راجل، ومحدش يقدر يخليه كده غيرك. ده هو بنفسه طلب يدرب تحت إيديك عشان تتأكد إنه اتغير. فبلييييز يا فريد وافق، وأنا هضمنه."
نظر فريد نحوها مطولاً دون إجابة، فأردفت نجوى قائلة بتوسل:
"طب حتى جربه كام يوم بس."
لوى فريد فمه متشككاً، ثم قال بنبرته الجامدة:
"خليه يجي، وهيكون تحت مراقبتي. بس ورحمة أمي يا نجوى، لو بص لموظفة مش هرحمه، وأنتي معاه. فاهمة؟"
أجابته نجوى بسعادة واضحة:
"حاضر حاضر. هو قاعد في مكتبي مستني موافقتك، هروح أبلغه."
في تلك اللحظة، دلفت حياة حاملة بيدها ذلك الملف والذي طلب فريد إحضاره بنفسها. خطت للداخل بتوتر ونظرها مثبت على الأرضية الخشبية، تتجنب النظر نحوه وهي تدعو الله ألا يتعنت معها كما كان يفعل في الأيام السابقة. ولم تكن تدري تلك الحمقاء أنه كان يشتاق إليها، وكانت الوسيلة الوحيدة التي أمامه هو استدعائها يومياً، والتمتع بها أمام ناظريه بحجة أنه يريد مراجعة الملفات وهي جالسة أمامه.
التوى فم نجوى بابتسامة ماكرة، وقد قررت تنفيذ ما جال بخاطرها، سواء خاب أو صاب سعيها، فلن يضر مخططها في شيء. انتبهت حياة، والتي لم ترفع نظرها عن الأرضية الخشبية، بكل حواسها عند سماعها صوت نجوى يقول بدلال شديد:
"إيه رأيك يا فريد نخلي حياة تدربه؟ المعروف أنه حياة شاطرة أوي في الحسابات وهتعرف تعلمه كويس."
نظرت حياة نحوها شرزاً، وقد بدأ الغضب يتملك منها بسبب نبرتها المدللة والتي تحدثه بها، ثم أيضاً ما سبب وجودها هنا من الأساس! فتحت فمها على اتساعه لتجيبها بتعليق لاذع قبل اندفاعها خارج الغرفة، ولكن جعلها تتراجع رد فعل فريد، الذي اندفع من مقعده قائلاً بحدة رداً على سؤال نجوى:
"ملكيش فيه، واحمدي ربنا أني هخلي حد يدربه أصلاً. مراتي خط أحمر، فاهمة؟!"
تباينت مشاعر حياة ما بين السعادة من طريقته الحادة في التعامل معها وسماع كلمة "مراتى" من فمه، وما بين فضولها لمعرفة أصل الموضوع ومن ذلك المجهول الذي يثير حنقه حتى في غيابه! بالطبع انتصر فضولها أخيراً، مع فكرة ما نبضت بداخل عقلها، ربما تثير رضاها في آخر الطريق. فلذلك ورغماً عنها، أجبرت نفسها على توجيه سؤالها لنجوى، مستفسرة ومتجاهلة نظرة فريد المحذرة نحوها:
"مين ده اللي عايزاني أدربه؟!"
اتظاهرت نجوى بالحزن وهي تجيب حياة متصنعة المسكنة:
"ده ابن عمي يا حياة. عايز يدرب هنا عشان الشهادة تساعده في الشغل، بس فريد مش راضي إنك تدربيه، مع أنه كله لله."
هدر فريد بنجوى محذراً للمرة الأخيرة:
"نجووووى!!! قلتلك حياة لا، أحسنلك."
اندفعت حياة تقاطعه وقد قررت إثارة حنقه كما يفعل معها في الأيام الماضية:
"أنا معنديش مشكلة أساعده مادام هو عايز يتعلم. يسألني في أي حاجة وأنا إن شاء الله هكون معاه."
تحرك فريد من خلف مكتبه حتى وقف أمامها ينظر نحوها بغضب شديد لم يخفَ عن نجوى ولا عنها، والذي جعلها تتراجع للخلف خطوتين. تحدث موجهاً حديثه لنجوى وهو لازال ينظر نحو حياة من علياءه:
"نجوى، اطلعى بره."
فتحت نجوى فمها للاعتراض، ولكن فريد لم يمهلها وقتاً للاعتراض، فقد عاد جملته بلهجة أقوى:
"قلت اطلعى بره."
هزت نجوى رأسها موافقة قبل تحركها نحو الخارج مسرعة، وبمجرد إغلاقها لباب مكتبه خلفها، أردف هو يقول بنبرة عصبية:
"هو اللي أنا بقوله مبيتسمعش ليه!!! أنا مش قلت انتي لا؟!"
سألته بنبرة باردة لم يتوقع صدورها منها في ذلك الوقت تحديداً، ولم يعلم أنها كانت تفعل ذلك فقط لاستفزازه:
"مانا مش فاهمة السبب عشان أوافق على كلامك!!"
هدر بها بعصبية شديدة جعلتها ترتجف داخلياً رغم ثباتها الهش قائلاً بحزم:
"من غير أسباب ومن غير شرح، واللي قلته هيتنفذ بالحرف الواحد."
رفعت حياة رأسها بتحدٍ وهي تعقد ذراعيها أمام قفصها الصدري كعادتها، والتي يحفظها عن ظهر قلب، لتقول بإصرار غريب لا يتناسب من صغر حجمها:
"طب تمام، ومادام من غير أسباب، أنا هساعده لحد ما تقرر إنّي إنسانة المفروض تتناقش معاها، وإنّ من حقها تعرف أسبابك."
***
في ذلك الوقت، ركضت نجوى في اتجاه غرفتها تبحث بعينيها عن ابن عمها. اندفعت في اتجاه تسحبه من فوق ذلك المقعد الوثير والذي كان يجلس بأريحية شديدة، قائلة من بين أنفاسها اللاهثة:
"قوم تعالي معايا بسرعة."
سألها سفيان ببرود شديد وهي تسحبه خلفها في اتجاه غرفة فريد مرة أخرى:
"إيه، في إيه مالك؟!"
أجابته نجوى بنزق شديد:
"تعالى، متضيعش وقت. هي دلوقتي في أوضته، أحسن حاجة إنك تقابلها أول مرة قدامه."
تأفف سفيان بملل شديد، وقد بدأ يضيق ذرعاً من تحكمات ابنة عمه الغريبة، خاصة وهي تجره خلفها مثل الذبيحة، غير عابئة بمظهره أمام موظفي الشركة، وخاصة الإناث منهم.
***
هتف فريد بها محذراً وهو يضغط فوق أسنانه بقوة حتى بدأ عرقه في الظهور:
"حيااااااااة.."
اندفعت حياة تقاطعه متسائلة بغضب شديد وقد فقدت السيطرة على لجام لسانها:
"إيه حياة!! فهمني كده بالظبط المفروض حياة تعمل إيه!!! حضرتك بقالك ١٠ أيام متجاهلني تماماً كأني فراغ قدامك. ودلوقتي لما حصلت حاجة مش على هواك افتكرت تتعطف عليا وتوجهلي كلام!! وياريته كلام ده أمر!! وقصاد مين!!! تقدر تقوللي كان رد فعلك إيه على الكلام اللي قلتهولك!! أقولك أنا، رد فعلك الوحيد إنك مش هاين عليك حتى توجهلي كلام في الوقت اللي الست هانم بتاعتك قاعدة في مكتبك عادي جداً!!"
متقولش حياة بقى، لأن حياة مش هتعمل غير اللي هي عايزاه، مادام أنت تخليت عني وزهقت مني.
انهت حديثها وصدرها يعلو ويهبط من أثر الانفعال، وبدأت عيونها تلمع بالدموع. أما عنه، فقد صُدم من رد فعلها، وظل ينظر نحوها دون تعقيب. تلك الحمقاء التي يريد ضمها بين ذراعيه وإخفائها داخل ضلوعه، لا تعلم أنه يتعذب أكثر منها. لا تعلم أنه يظل مستيقظًا كل ليلة حتى يتأكد من ذهابها في النوم، ثم يأخذها بين ذراعيه حتى لا ينكث بوعده معها، ألا تنام يومًا بعيدة عن أحضانه. أو بالأصدق، أنه لم يعد يتخيل ليلة واحدة يقضيها دون الاطمئنان وهي بجوار قلبه. وأنه فقط يمنعها من ذلك الفاسق لأنه يغار عليها حد الجنون.
فتح فريد فمه ليجيبها في نفس اللحظة التي سمع فيها عدة طرقات فوق باب مكتبه، يليها دخول نجوى مرة أخرى، ولكن تلك المرة ليست بمفردها، فخلفها يدلف ذلك الكائن السمج الملقب بسفيان. جز فريد فوق أسنانه وهو يطلق سبابًا خارجيًا، جعل حياة، رغم تحفزها الشديد، تبتسم رغماً عنها لمجرد معرفتها أن تلك السبة تخص نجوى. لاحظ هو تلك الابتسامة، فأخفض رأسه يهمس داخل أذنيها وهو يجرها لتقف خلفه:
- متضحكيش والواد الملزق ده هنا.
ابتسم برضا بعد إنهاء أمره، خاصة وهو يراها تهز رأسها له موافقة بخضوع تام. إنها حمقاء، من المؤكد أنها حمقاء، فبمجرد شعورها بأنفاسه الحارة تلفح وجهها، تلاشى كل غضبها منه. هذا ما فكرت به، مؤنبة نفسها على استسلامها التام له، وهو يحرك كفه ليتلمس كفها ويحتضنه في تملك. شعور غريب بالدفء تملك منها بمجرد تشابك أصابعها مع أصابعه، كأن كل إصبع قد اشتاق لصاحبه، لذلك وجدت نفسها دون وعي منها تميل برأسها لتستند على كتفه بهدوء تام، غير عابئة بوجود أحد غيره بالغرفة، حتى أن حديثهم الدائر بينهم لم يلتقط عقلها منه شيئًا. قاوم فريد إغراءً شديدًا بطرد هذان المتطفلان من أمامه وجذب كامل جسدها داخل أحضانه، وليس فقط كفها ورأسها، ولكنه عاد لتعقله، فهو يعلم جيدًا أن في اللحظة التي ستخرج نجوى من تلك الغرفة سيضطر للابتعاد عنها. لذلك حاول قدر الإمكان إطالة ذلك الحديث الملل، موجهًا حديثه لنجوى ومتسائلاً بجمود:
- أنا مش قلتلك من كام دقيقة اطلعى بره؟
ابتلعت نجوى تلك الإهانة القوية منه كأنها لم تسمعها، وأردفت تقول مفسرة:
- أصل سفيان كان هنا وطلب مني يشكرك بنفسه على قبولك تدريبه معانا، فقلت أنتهز الفرصة ويشكرك دلوقتي وأنت موجود عشان تتأكد من التزامه.
صدقًا وحقًا، أن إسناد رأسها فوق كتفه والدفء الذي يتسلل له من خلال كفها المتشبث به بقوة دون وعي منها، هو الشيء الوحيد الذي يمنعه من الاندفاع ولكم ذلك الكائن اللزج فوق فمه لمحو تلك الابتسامة التي يوجهها لحياته. زفر فريد بنفاذ صبر عند سماعه صوته المزعج، موجهًا حديثه له بعدما قامت نجوى بلكمه في مرفقه لتحثه على الحديث:
- آه طبعًا شكراً يا فريد على الفرصة دي. وكمان عايز أشكر مدام حياة، نجوى قالت لي إنها وافقت تدربني.
قاطع فريد حديثه قائلاً بنبرة قاطعة:
- طول ما أنت هنا اسمي فريد بيه. أما كلام نجوى ده، تبله وتشرب مايته، مراتى مبتدربش حد وخصوصًا أنت. ودلوقتي تقدر تروح تسأل على أستاذ داوود موظف في الحسابات، وهو هيقولك تعمل إيه. آخر حاجة بقى، أقسم بالله لو شفتك بتدلع ولا بتستهبل مع حد هنا ولا هنا، وأنت فاهم قصدي، لهتشوف حاجة مش هتعجبك، لا أنت ولا هي. ودلوقتي هاويني عشان عندي شغل.
نظر سفيان نحوه شزرًا دون القدرة على الاعتراض، أما نجوى فقد ضربت الأرض بقدميها غيظًا وهي تتحرك نحو الخارج، فتلك هي المرة الثانية التي يطردها فيها في أقل من ساعة.
في الخارج، هتف سفيان بحنق واضح قائلاً بصوت خفيض حتى لا يصل إلى مسامع أحد:
- بني آدم مغرور ولا يطاق. أنا مش عارف عاجبك فيه إيه ده؟
قاطعته نجوى مسرعة وهي تتلفت حولها للتأكد من عدم استماع أحد لجملته:
- ششش، إيه، وطّي صوتك هتفضحنا. وبعدين بدل ما أنت مركز معاه، ركز مع بت الشغالة دي، ده المهم عندي.
حك سفيان فروة رأسه بكف يده ناظرًا إلى الفراغ ببلاهة، ثم استطرد يقول مفكرًا:
- لا بس البت تستاهل، إيه يا نوجه. حتة ماكينة ولا عليها جوز عيون، ليه حق يرميكي عشانها.
صرخت نجوى به بغيظ وهي تلكمه بقوة فوق ذراعه وساقه، مغمغمة بحنق:
- أنا غلطانة، أنت اللي جبت واحد حقير زيك يساعدني. أنت عارف لو معرفتش أعمل اللي أنا عايزاه، والله لأخد حقي منك قبل فريد.
هتف سفيان بنزق منهيًا تهديدها:
- خلااااص، هشتغل أهو، بس مش عشان شوية الملاليم اللي عطتهوملي دول، لا. عشان أحرق قلب البيه بتاعك، بس قولي يا رب، هي تلين معايا.
**********
إلى متى سيستمر ذلك الجحيم؟ هذا ما تساءلت به حياة وهي تعود لتجلس على مقعد مكتبها بعدما عادت من غرفة مكتبه لإيصال أحد الملفات، كعادتها في الأسبوعين المنصرمين. لقد ظنت بعد انتهاء مقابلته مع ذلك المدعو سفيان، ابن عم الحرباء، وانفجارها قبله، أن تجاهله لها سينتهي، ولكن خاب ظنها. لقد عاد لقوقعته من جديد. زفرت بقله حيلة وهي تعود وترتمي بجسدها فوق ظهر مقعدها بإحباط. حسنًا، لقد أخطأت كثيرًا عندما وصفت ما حدث بينهم بالخطأ، وقد اعترفت بذلك بالفعل وأرادت الاعتذار منه، ولم يعطها حتى الفرصة لذلك. هل يعلم ذلك العنيد إلى أي درجة اشتاقت إليه؟ اشتاقت إلى صوته ونظرته ولمسته، حتى غضبه قد اشتاقت إليه. اشتاقت إليه لدرجة جعلتها تغفل عن اعترافه بوجوده مع امرأة أخرى. أن تتناسى أنه قال بكل صراحة أنها لم تعد تعنيه كأنثى. هل من المعقول أن يظل الحال بينهم هكذا للأبد؟ هل تأخرت في اكتشاف حبه بداخلها؟ تنهدت بحزن وهي تستند بمرفقها فوق سطح المكتب. لقد انتظرها مطولاً، وعندما أرادت هي الأخرى قربه، كان قد سأم منها. أيوجد أشقى منها حظًا؟ كما أن تصرفات ذلك المدعو سفيان بدأت تقلقها. ففي اليومين السابقين، كان ينتهز كل فرصة تقابله للحديث معها والاقتراب منها بطريقة غير مريحة على الإطلاق. حتى أنها فكرت في إخبار فريد، فقد بدأ الأمر يزعجها كثيرًا، ويبدو أنه كان محقًا في إبعادها عنه. لو أنه فقط يتحدث إليها، لكانت باحت له بما يقلقها.
**********
في اليوم التالي، وأثناء سير حياة في الممر المؤدي لمكتب إيمان، والتي باتت تقضي استراحتها معها يوميًا، وخاصة أن مكتب فريد أصبح محظورًا عليها إلا إذا أرسل في طلبها هو، فوجئت بذلك المدعو سفيان يخرج أمامها من العدم. شهقت حياة بفزع وارتدت للوراء عدة خطوات لترك مسافة مناسبة بينهم، إلا أنه اختصرها في خطوتين وعاد يلتصق بها مرة أخرى. زفرت بضيق شديد وهي تحاول دفعه بيدها، قائلة من بين أسنانها:
- على فكرة ده رابع تحذير ليك في يومين. لو متحترمش المسافة اللي بيني وبينك بعد كده مش هيحصل كويس، ماشي؟
قهقه سفيان باستهزاء استفزها، ثم رد على حديثها بنبرة لا مبالية قائلاً وهو يحني رأسه في اتجاهها:
- ما تسيبك من الجو ده بقى، قديم أوي وتفكيها شوية، وكده كده مفيش حد شايفنا.
أردف يقول بتلميح ماجن وهو يحاول إلصاق جسده بجسدها:
- ثم إني أحب أوي أعرف الجميل ده ممكن يعمل معايا إيه.
دفعته حياة بكل ما أوتيت من قوة وهي ترمقه بنظرات احتقار جلية، ثم ركضت في اتجاه غرفة فريد، وقد عزمت النية على إخباره بمضايقات ذلك الفاسق، وليحدث ما يحدث له. وصلت إلى باب غرفته وهي لازالت ترتجف، ولحسن حظها لم تجد إيمان خلف مقعدها، فتحركت تجلس على أحد المقاعد الوثيرة الموضوعة كاستقبال لضيوف فريد، تلتقط أنفاسها وتهدئ من روعها قبل الدخول إليه. وفعلاً، بعد عدة دقائق كانت استعادت هدوءها وتوقف ارتجاف جسدها، فتحركت تطرق باب غرفته منتظرة سماع إذنه بالدخول.
دلفت بتردد شديد، لا تعلم رد فعله، ولكن ما هي واثقة منه أن فريدها سيحميها مهما كلفه الأمر. أما هو، فكان يدفن رأسه بين كوم من الملفات الموضوعة أمامه. سألها بتركيز شديد بعدما رفع رأسه ينظر من القادم، وقد لاحظ قلق نظراتها:
- حياة؟ في حاجة؟
فركت كفيها معًا بتوتر، ثم تحدثت بنبرة مترددة:
- شكلك مشغول.
سألها بعدم تركيز وهو يرفع هاتفه الذي صدع رنينه داخل أركان الغرفة، رافضًا المكالمة:
- في حاجة؟
هزت رأسها موافقة، ثم أجابته بهدوء شديد لم تدرِ من أين جاءها:
- آه، كنت عايزة أتكلم معاك في حاجة.
عاد رنين هاتفه يملأ الغرفة مرة أخرى، لذلك أردفت تقول بإحباط:
- شكلك مشغول. خلاص خلينا نتكلم وقت تاني.
ظل ينظر نحوها محاولاً التوصل لقرار، خاصة وهو يرى عبوس وجهها وذلك الضيق الشديد الذي يكسو ملامحها. هل ستتحدث معه في موضوع نجوى وسفره مرة ثانية؟ قطع أفكاره صوت نغمة هاتفه للمرة الثالثة، فزفر بضيق وقد توصل لقراره، ثم أجابها معتذرًا:
- حياة معلش. لو ينفع نستنى لحد بليل، وعد هسمعك.
حركت رأسها موافقة بجمود ومحاولة إخفاء حزنها، قبل تحركها للخارج وعودتها إلى غرفتها.
في شاشة مراقبته، ظل هو يتأملها كعادته في الأيام السابقة، فهي تظنه لم يعد يراها، ولا تعلم أن منذ شجارهم، وقد طلب من مسئول الصيانة بتشغيل كاميرا غرفتها على الشاشة التي بغرفته حتى يتسنى له رؤيتها أطول وقت ممكن. لماذا يشعر بالقلق يتأكله منذ حديثها معه، وأيضًا منذ عودتها لغرفتها وهي تجلس جامدة هكذا دون حراك؟ تململ في مقعده وقد اتخذ قراره، سيذهب إليها وليذهب كبرياؤه للجحيم.
على باب غرفته، أوقفنه إيمان بكم جديد من الملفات بين يديها، مغمغمة بجدية:
- فريد بيه. غريب بيه بعت لحضرتك الملفات دي وبيبلغك إنها لازم تتراجع حالا عشان تروح للبنك.
هز فريد رأسه موافقًا بلامبالاة، وهو يعاود التحرك نحو الخارج، فأردفت إيمان تقول بتوسل شديد:
- فريد بيه لو سمحت...
المندوب مستني تحت عشان نلحق النهارده.
لعن فريد بخفوت وهو يعاود الدخول لمكتبه، ملتقطًا الملفات من بين يديها بحنق شديد. ثم عاد ليجلس خلف مقعده، غارقًا في عمله الذي لا ينتهي، بعدما ألقى نظرة أخيرة مشتاقة يطمئن عليها من خلال شاشته.
***
في المساء، تنهدت حياة بحزن شديد، شاعرة بذلك الإحباط يتملك منها مرة أخرى. فها هي تنتظر منذ الصباح أن يعاود سؤالها عن ذلك الموضوع الهام الذي أرادت إبلاغه به، والذي وعدها أن يتحدثا به في المساء. وها هي الساعة قد تجاوزت العاشرة مساءً ولم يظهر، ولم يبعث في طلبها حتى.
زفرت مرة أخرى بحيرة، وهي تتساءل داخليًا: هل عليها إبلاغه بتجاوزات ذلك المدعو سفيان، والتي زادت عن حد احتمالها خلال اليوم المنصرم، أم تتعامل معه بمفردها؟ لوت فمها بتهكم مرير، وهي تفكر بأسى: لماذا ترهق ذهنها بتفكير قد علمت إجابته مسبقًا؟ فلو كان فريد يهتم بها ولو قليلًا، لعاد ليستبين منها.
ترقرت الدموع داخل عينيها، فرغم كل شيء حدث بينهما، لم تكن تتوقع في أسوأ خيالاتها أن يتركها وحيدة هكذا بدونه. مسحت دمعة واحدة سقطت عنوة من جفنها، ثم تحركت نحو خزانة ملابسها، وقد قررت استغلال فرصة انشغاله بالعمل واستخدام غرفة الرياضة، عل وعسى تفرغ بها شحنتها السلبية.
***
أما عن فريد، فقد فرك عينيه بإرهاق شديد وهو يتمطى داخل مقعد مكتبه الوثير، بعدما انتهى من كافة الترتيبات اللازمة لذلك الموعد الهام بعد الغد. تنهد بارتياح: أخيرًا سينتهي من ذلك الحمل الذي أتعب كاهله لسنوات، وبعدها فليتفرغ لتلك المدعوة نجوى وينتهي منها هي الأخرى للأبد، ليهنأ بعدها بحياته. آه من حياته تلك الحمقاء العنيدة، والتي تأبى أن تسعده بسماع كلمة "الثقة" من بين شفتيها. لقد أوشك على الاستسلام أمامها، وهي لازالت ترفض حتى الاعتذار.
اتسعت مقلتيه على آخرهما وهو يتذكر وعده لها. اللعنة عليه وعلى عمله! انتفض من مجلسه مهرولًا نحو الخارج، متذكرًا وعده لها بمناقشة ذلك الأمر الهام الذي جاءت في طلبه في الصباح، والذي نسيه تمامًا في خضم أعماله التي لا تنتهي. توجهه مباشرة نحو غرفته يبحث بعينه عنها، ولم يجدها. عاد للأسفل مرة أخرى، متجهًا نحو المطبخ، عل وعسى يجدها تتناول عشائها، والذي رفضت مشاركته به منذ عدة ساعات.
زفر بضيق بعدما جال بعينيه داخل المطبخ الفارغ، مستفسرًا من السيدة عفاف:
- عفاف.. حياة فين؟
أجابته عفاف بقلق:
- هي مش في أوضتها؟
ضغط على شفتيه بضيق، ثم سألها باقتضاب مرة أخرى:
- يعني منزلتش تاكل؟
أجابته عفاف وهي تحرك رأسها نافية:
- لا خالص، حتى طلعت بنفسي أسألها لو محتاجة حاجة ومردتش خالص.
حرك رأسه متفهمًا بنفاذ صبر، ثم خرج من المطبخ سريعًا. وأثناء تحركه في اتجاه الحديقة، لمح ضوءًا خافتًا يتسرب من عقب باب صالته الرياضية. هرول بلهفة نحوها، متمنيًا ألا يصدق حدسه في تهورها. دفع باب الغرفة، متجولًا بنظره داخلها، ليلمحها تتمرن على آلة الجري.
زفر بضيق وهو يركض نحوها، متسائلًا بقلق وهو يقف قبالتها:
- انتي أكلتي حاجة قبل ما تشغلي الزفت ده؟
لم تجبه، ولم تنظر نحوه من الأساس. كل ما فعلته أنها زادت من سرعة الآلة التي أمامها، رغم شعورها المتزايد بالإرهاق. لم يكن بحاجة لسماع ردها، فأجابه سؤاله تبدو واضحة من ملامح وجهها وشفاها الشاحبة. لعن بضيق وهو يغمغم أمرًا بجدية شديدة:
- حياة، طفي الجهاز وانزلي.
حركت رأسها تنظر نحوه ببطء شديد، ثم عادت برأسها تنظر أمامها مرة أخرى، وأصابعها تزيد من سرعة الآلة لتستفزه. هدر بها مرة أخرى بعصبية شديدة:
- حيااااااااة، طفي الزفت ده وانزلي.
ضغطت على زر السرعة عدة مرات متتالية، وهي تصرخ به وقد فاض الكيل بها:
- ملكش دعوووووه، ومش هطفى الجهاز، ومتدخلش في أي حاجة بعملها.
مرر كفيه فوق وجهه بتصلب شديد، وقد بدأ الاحمرار يكسو وجهه من شدة الغضب. فتلك الحمقاء لم تتناول شيئًا منذ الصباح، وتلك الآلة تصل سرعتها لحوالي عشرين كيلو مترًا في الساعة، وجسدها أبدًا لن يتحمل ذلك المجهود دون طعام، وخاصة أنها لم تتعامل مع تلك السرعة من قبل، والتي أصبحت تزيدها بشكل جنوني نكاية به. هتف بها للمرة الأخيرة مهددًا، وهو يركل الآلة بعنف شديد:
- طفيها وانزلي، بدل ما أطفيها أنا ومش ههتم إنك ممكن تقعي من عليها.
نظرت إليه من بين دموعها التي بدأت تتجمع وتشوش الرؤية حولها، غير عابئة بذلك الدوار الذي بدأ يجتاحها من شدة الركض. ضيق عينيه حولها، وقد بدأ يلاحظ ترنح جسدها أمامه. انحنى بترقب يلتقط سترتها والتي ألقت بها على الأرضية، وعينيه لازالت تتابعها باهتمام، فهو متأكد من سقوطها لا محالة. اعتدل بجذعه سريعًا، وفي اللحظة التالية كان يقف خلفها يلتقط جسدها بين ذراعيه، ويحول بينها وبين السقوط من فوق الآلة.
أغمضت عينيها قليلًا، محاولة استعادة قوتها ومحاربة ذلك الشعور القوي بالإعياء. أداره هو في اتجاهه، وأسند رأسها فوق صدره، داعمًا جسدها بيد واحدة، أما الأخرى فكان يحاول إلباسها تلك السترة الرياضية ذات الأكمام لسببين مترابطين: الأول حتى لا تصاب بالبرد، والثاني لإخفاء جسدها عن نظره حتى لا يتهور، خاصة وهي شبه فاقدة للوعي، فيكفيه ذلك البنطال الذي ترتديه والذي يكشف مفاتن جسدها كاملة. إنه حقًا لا يعلم أين يذهب كل ذلك الطعام الذي تلتهمه، فلو لم يكن جسدها متناسقًا لتلك الحد، لكانت مقاومته أكثر قوة.
رفعها بين ذراعيه بسهولة شديدة، متوجهًا بها نحو المقعد المنخفض والموضوع بداخل الغرفة، بعدما التقط عدة قطع من أصابع الطاقة المغلفة من فوق أحد الرفوف، والتي يستخدمها قبل بدء تمريناته. ثم جلس بها، وهي داخل أحضانه بإستكانة شديدة. سألها بصوته الأجش بنبرة حانية خفيضة:
- حياة، تقدري ترفعي رأسك؟
هزت رأسها موافقة بوهن شديد، وقد بدأت تستعيد الرؤية الواضحة مرة أخرى. تنهد بارتياح، ثم أردف يقول بنفس نبرته الحانية:
- طيب، ممكن ترفعي رأسك على كتفي عشان تعرفي تأكلي البتاع ده.
أطاعته على الفور، وحركت رأسها بآلية شديدة، ترتاح برأسها فوق كتفه، وتتلمس منه القوة. أخرج إحدى بارات الطاقة من مغلفه، وبدأ يطعمها إياه واحدًا تلو الآخر ببطء شديد، مغمغمًا بنبرة ناعمة للغاية:
- انتي عارفة إنك مجنونة وقربتي تجنيني معاكي.. نفسي تبطلي عندّك ده.
لم تعلم إن كان حديثه حبًا أم عتابًا، فهي لم تعد واثقة من أي شيء الآن، إلا أنها تحبه حد الجنون، ورغم إحباطها وحزنها منه، تريد المكوث هنا بداخل أحضانه ما تبقى من عمرها، بصرف النظر عما كان أو سيكون. ولكنها أيضًا لا تريد شفقته، هي فقط تريد حبه، ليس إلا. لا تريد اهتمامه المدفوع بالشعور بالذنب، لذلك، وبمجرد شعورها ببعض القوة، دفعت يده من حول خصرها، وتحركت بخطوات متمهلة إلى حيث غرفتها، لتستلقي فوق فراشها، تاركة لدموعها العنان.
تبعها فريد داخل الغرفة، فوجدها متكورة فوق الفراش وهي تبكي بصمت. لعن نفسه داخليًا، فهو المتسبب الوحيد بحزنها. تحرك داخل الغرفة بهدوء شديد، وقام بتبديل ملابسه، ثم استلقى بجوارها داخل الفراش، ومد يده يجذبها نحوه حتى تلتصق به. رفعت هي كلتا كفيها تفك حصار ذراعيه من فوق خصرها بغية الابتعاد عنه. فشَدَّد هو من لف ذراعيه حول خصرها، جاذبًا إياها أكثر ليلتصق ظهرها بجسده، ثم بدأ في تقبيل عنقها من نهاية شعرها حتى وصل لبداية كتفها.
ارتجف جسدها بارتعاشة خفيفة من أثر قبلاته الناعمة، ووجدت جسدها لا إراديًا يتحرك أكثر ليلتحم بجسده. امتدت قبلاته حتى وصل إلى شحمة أذنها، قام بقضمها بخفة، ثم هتف داخل أذنها قائلًا بنبرة هامسة للغاية:
- أنا تعبان وعايز أنام، ومش هقدر أستنى لحد ما تنامي زي كل يوم عشان آخدك في حضني.. ممكن تيجي من دلوقتي؟
شهقت بصدمة، والتفت تنظر نحوه من فوق كتفها بذهول. هز هو رأسه ببطء شديد مؤكدًا حديثه، ثم همس ثانية وهو يطبع قبلتين على طرف فمها:
- هو أنا مش واعدك قبل كده مش هتنامي غير في حضني؟ ولا انتي مش بتثقي في كلامي كمان؟
أخفضت جفنيها بخجل من تلميحه، وهي تعض فوق شفتيها تحاول إيجاد صوتها لتجيبه. فأردف هو يقول بنبرة مرحة:
- لا، قرري.. يا إما هتيجي دلوقتي، يا إما هستناكي تنامي وهسحبك جواه برضه، خصوصًا وإن نومك تقيل كده ومش بتحسي بحاجة، يعني هاخد راحتي معاكي على الآخر.
أنهى جملته وهو يغمز لها، مما جعل الدماء تندفع لوجنتيها، خاصة ويده تعبث بجسدها بحرية. عبس فريد قائلًا بنبرة ماكرة:
- حياة!!! انتي بقالك ساعة مش بتنطقي، وريني أتأكد كده إن لسانك لسه موجود!
بدأت ابتسامتها تتسع تلقائيًا، وهمت بفتح فمها فعليًا، ولكنها أدركت ما يرمي إليه في اللحظة الأخيرة، فأطبقت شفتيها بقوة وهي تنظر نحوه بحنق. قهقه هو على سذاجتها، وسحبها بين أحضانه قائلًا بهيام شديد:
- عادي، هعرف آخد حقي بطريقتي وعلى مهلي كمان.. بس دلوقتي أنا مقتول نوم، وانتي في حضني كده.
تحركت هي الأخرى تتنهد براحة، وهي تدفن رأسها داخل تجويف عنقه، حيث مكانها المفضل والذي اشتاقته كثيرًا في الأيام الماضية، غير عابئة بصوت كرامتها والذي يضرب داخل عقلها بقوة آمرها بالابتعاد عنه.
رواية متى تخضعين لقلبي الفصل الخامس والعشرون 25 - بقلم شيماء يوسف
فتحت حياة عينيها في الصباح وهي تبتسم ببلاهة مستمتعة بذلك الدفء العجيب المتسلل لجسدها والذي افتقدته بشدة خلال الأيام السابقة. هو محق وهي حمقاء، فلو كانت هي من تندس بداخل أحضانه كل ليلة لكانت اختفت في ثنايا عنقه كما تحب وتفعل عادة، ولكنه هو من يحب توسدها لصدره وإسناد رأسه فوق شعرها. تنهدت بوله شديد منتشية بذلك الاعتراف الليلي وحفاظه على وعده حتى في خصامهم. قاومت إغراءً شديدًا في التهور وتقبيل حنجرته التي أمام فمها الآن، فرغم كل شيء هناك جزء صغير منها لا يزال يئن بسبب كرامته ويتذكر بوضوح كلماته الجارحة لأنوثتها، لذلك انسحبت من بين ذراعيه بهدوء شديد متجهة إلى الحمام لتبدأ يومًا جديدًا تتمنى أن يكون مختلفًا عن سابقه من حيث تعامل فريد ووقاحة سفيان.
وبعد فترة لا بأس بها، وقفت حياة أمام خزانة ملابسها الضخمة تحاول انتقاء شيء ما لارتدائه. وأثناء ذلك، شعرت بخطواته الواثقة تتحرك خلفها. كتمت أنفاسها بترقب داعية الله بلهفة شديدة ألا يعود لجفائه السابق معها. وبالفعل لم يخيب رجائها وشعرت به في اللحظة التالية يحتضنها من الخلف. أطلقت العنان لأنفاسها بمجرد اقترابه منها واحتضانه جسدها الذي اشتاقه كثيرًا. أسند فريد ذقنه فوق كتفها بكسل ثم غمغم بجوار أذنها قائلاً باهتمام:
-البسي حاجة تقيلة عشان الجو برد بره.
حركت رأسها جانبًا حتى يتسنى لها رؤيته، ثم حركتها بخضوع تام موافقة وهي تنظر داخل عينيه بهيام شديد قبل هبوط نظرتها المشتاقة حيث شفتيه. تنهد هو بحرارة ثم حرك رأسه داخل شعرها مستنشقًا رائحته المنعشة وهو يهتف اسمها بوله شديد جعل ارتجافة بسيطة تسري بداخل جسدها. أغمضت عينيها وهي تتنهد بارتياح مستمتعة بذلك الشعور الجميل الناتج عن التصاقه بها، حتى أنها تمنت لو يتوقف الزمن عند تلك اللحظة ليظلا هكذا ما تبقى من عمرها.
بدأ فريد بنثر قبلات متفرقة على طول شعرها مغمضًا عينيه هو الآخر ومستقبلاً برضا شديد استجابة جسدها للمساته. قطع قبلاته عدة طرقات خفيفة فوق باب غرفتهم جعلته يبتعد عنها قليلاً ليتساءل من بين أسنانه بضيق:
-مين؟
جاءهم من خلف الباب المغلق صوت أنثى مرتعش، والتي لم تكن سوى سارة ابنة أخت السيدة عفاف، والتي أرسلت في طلبها منذ عدة أيام لمساعدتها في شئون المنزل المتراكمة، بالطبع بعد أخذ موافقة فريد عليها.
-فريد بيه.. الأستاذ مؤمن مستني حضرتك تحت وطلب مني أبلغ حضرتك بوصوله.
عقد فريد حاجبيه معًا بعبوس متذكرًا ميعاد مساعده والذي أغفل عنه بالفعل. أخذ نفسًا عميقًا يستعيد به اتزانه ثم وجه حديثه لحياة قائلاً بصوته الأجش:
-كملي لبسك وانزلي افطري.. وهاجي أتأكد بنفسي إنك فطرتي.. ماشي؟
سألته بلهفة واضحة وهي تحتضن كفه لتمنعه من التحرك:
-طب وانت؟
حك ذقنه بيده الخالية ثم أجابها بتفكير:
-مش عارف هخلص معاه امتى عشان منتأخرش، بس انتي لازم تأكلي.. انتي مأكلتيش من امبارح.
مطت شفتيها للأمام ثم قالت بنبرة رقيقة للغاية:
-هستناك.
قلص المسافة التي ابتعدها مرة أخرى وعاد ليلتصق بها مرة أخرى قائلاً بحب شديد:
-لا ملكيش دعوة بيا.. أهم حاجة تاكلي انتي.
وقفت على أصابع قدميها حتى يتسنى لها الوصول إليه ثم همست أمام شفتيه بإغراء شديد:
-فرييييييييييد.
أجابها باشتياق بعدما أخفض رأسه قليلاً ليحك شفتيه بذقنها:
-عيون فريد.
أجابته بنفس الهمس برقة بالغة:
-مش هاكل من غيرك.
تنهد باستسلام وقام بطبع قبلة مطولة فوق جبهتها قائلاً باستسلام:
-طيب.. استنيني تحت بعد ما تخلصي لبس مش هتأخر عليكي.
حركت رأسها موافقة بسعادة وهي تعطيه ابتسامة حالمة جعلته يتوقف عن السير قليلاً يحاول التوصل لهدوئه قبل الهبوط للأسفل.
***
في مقر الشركة، تحركت نجوى تغلق باب غرفتها جيدًا حتى تتأكد من الأمان وعدم استماع أحد لهم، ثم سألت سفيان باستنكار ونبرتها منخفضة للغاية:
-يعني إيه يا سفيااان!! بقالك كام يوم مفيش أي حاجة خالص!!
هتف سفيان بحنق شديد قائلاً من بين شفتيه:
-طب وأنا هعملك إيه دي مش معبراني خالص وبتتنفض لما تشوفني كأنها شافت عفريت.
زفرت نجوى بإحباط قائلة بعبوس:
-بقولك إيه الحوار ده شكله هيطول وشكلها بت الليذنة بتحبه بجد ومش هتميل معاك. وبعدين أخاف تروح تقوله ونتفضح ويقلب عليك من قبل ما تعمل حاجة.
سألها سفيان بترقب شديد:
-طب والحل إيه؟
أجابته نجوى وهي تتحرك داخل غرفتها ذهابًا وإيابًا محاولة التوصل لحل لتلك المعضلة هاتفة بارتياح:
-بس لقيتها.. انت النهارده تروح مكتبها وقت استراحة الغدا عشان لو صرخت أو حاجة محدش يسمعها وتحاول تقرب منها بأي شكل وتصورها بالفون وانت مقرب منها كأنك يعني بتبوسها زي ما عملت قبل كده مع البت دي اللي كنت متراهن عليها مع صحابك.. وأنا هوري الصور دي لفريد وهو يتعامل بقى.. أنا عارفاه دمه حامي ومش هيتحمل. بس أهم حاجة يا بطل تبان طبيعية ومش مهم وشها كله يكون باين فاهمني؟
أجابها سفيان بابتسامة واسعة وعيونه تلمع بحماس:
-بسسس كده.. دي أسهل حاجة سيبى الموضوع ده عليا وهخلصهولك.
ربتت نجوى على كتفه مشجعة وهي تغمغم بثقة:
-عارفة إنك قدها وهتعملها.
***
في منتصف اليوم وتحديدًا عند استراحة الغذاء، أغلقت حياة حاسبها المحمول وهمت بالتحرك من خلف مكتبها عندما فاجأها ذلك الكائن المتطفل بدخول غرفتها عنوة ودون استئذان. هتفت به بضيق شديد وقد بدأ الغضب يتصاعد بداخلها من وقاحته المستمرة معها:
-إيه ده أنت حيوان!! ثم انت إزاي تدخل مكتبي كده من غير استئذان!!
لم يعيرها سفيان أي اهتمام بل بدأ يتقدم منها ببطء قاطعًا المسافة بينهم وغالقًا عليها المجال للحركة فأصبحت محاصرة بين جسده وبين طرف المكتب المغلق من الجهة الأخرى. بدأ الذعر يدب داخل أوصالها وهي ترى عينيه تجول فوق جسدها بوقاحة شديدة ثم قال بنبرة لا مبالية:
-بقولك إيه ما تخليكي حلوة معايا كده ومن غير وجع دماغ!! أصلك بصراحة حلوة أوي وحرام فريد يتهنى بكل ده لوحده.
شهقت حياة بفزع وهي ترتد للخلف متجنبة اقترابه منها وقد بدأت تشعر بالخطر وخاصة من نظرات عينيه الخبيثة. حاولت قدر الإمكان الحفاظ على ثبات صوتها وهي تعقب على جرأته في الحديث:
-انت بجد فاكر نفسك تقدر تعمل حاجة!! روح شوف نفسك في المرايا الأول.. وبعدين صدقني فريد مش هيسمحلك.
دوت ضحكة سفيان عاليًا ثم قال باستهزاء شديد وهو ينظر حولهم:
-فريد.. فريد.. جربي كده يمكن يكون حظك حلو ويسمعك هو أو أي حد بره.
ازدردت لعابها برعب، فهي تعلم جيدًا أنه موعد استراحة الغذاء والشركة بأكملها تكون بالخارج أو الطابق الأرضي. أغمضت عينيها تتلمس الشجاعة التي بداخلها ثم فتحتها مرة أخرى وجالت بعينها بحثًا عن أي شيء تدافع به عن نفسها، فهي أبدًا لن تسمح بتكرار الماضي أو السماح لرجل بلمسها أو الاقتراب منها رغماً عنها. لم تجد أمامها سوى تلك الآلة الحادة والخاصة بفتح المظروفات، لذلك مالت بجذعها تلتقطها بيد مرتجفة وتوجهها نحو وجهه قائلة بقوة شديدة رغم يدها التي ترتجف ذعرًا:
-لو انت راجل قرب.
رغم قوتها الظاهرة إلا أن جسدها بأكمله وليس يدها فقط كان يرتجف كورقة خريف وعقلها يعيد إليها تلك اللمسات المقززة والتي كانت دائمًا تكرهها. بدأت الدموع تتساقط بغزارة من داخل مقلتيها وداخلها يتمنى لو تحدث معجزة ما وتجد فريد أمامها ينقذها.
في تلك الأثناء، وضع فريد كفه فوق عنقه ليمسدها قليلاً ورفع كفه الآخر ينظر لساعته. لقد حان موعد استراحة الغداء. تحرك من مقعده وهو يبتسم بحماس. سيذهب إلى حياة ويطلب منها تناول غذائهم سويًا بعيدًا عن الأعين، فقد اشتاق حديثها وصحبتها كثيرًا. لذلك التقط هاتفه ووضعه داخل سترته ثم ألقى نظرة أخيرة على شاشته ليتأكد من وجودها في مكتبها قبل الذهاب إليها. للوهلة الأولى، تجمدت نظرته وشعر بانقباضة قوية داخل صدره وهو يرى ذلك المدعو سفيان يحتجزها بجسده ويحاول الاقتراب منها وهي تقوم بدفعه بعيدًا عنها. ركض نحو مكتبها كالمجنون وفي أقل من دقيقة كان يدفع الباب بكل ما أوتي من قوة. التفت سفيان بحدة على صوت ارتطام الباب ورفعت حياة رأسها عند سماعها صوت فريد الغاضب يصرخ بقوة قائلاً:
-ابعد عن مراتى يا******.
أطاعه سفيان على الفور كأنه منوم مغناطيسيًا وابتعد عنها مفسحًا لها المجال للحركة. اندفعت حياة نحوه وهي تهتف اسمه بلهفة واضحة من بين شهقاتها ويدها لا تزال ممسكة بالمدية:
-فريد.. فريد.. كنت بدعي ربنا تيجي.
استقبلها بين ذراعيه وهي ترتجف كورقة في مهب الريح، حتى هو كان يرتجف ولكن ليس ذعرًا، بل غضبًا على ما كان ينتوي ذلك السافل فعله معها. سألها من بين أسنانه محاولًا إخفاض نبرته قدر الإمكان حتى لا يثير ذعرها أكثر:
-لمسك؟
حركت رأسها نافية بخوف شديد ويدها تشدد من تشبثها بقميصه. تحدث سفيان متشدقًا بجملته في نزق شديد ومحاولًا الدفاع عن نفسه:
-أنا مجتش جنبها هي اللي كان...
هدر به فريد بقوة جعلته يصمت على الفور ويرتد للخلف خطوة بعدما تقدم في اتجاههم:
-اخررررررس يابن ال******.. وانت فاكر لو كنت قربتلها كنت هتفضل عايش لدلوقتي!!
أخرج هاتفه بعد انتهاء جملته بيده الخالية ثم قام بمهاتفة قائد حراسته قائلاً بغضب شديد:
-هات اللي معاك وتعالى على أوضة حياة هانم حالا.. وخليكم قدام الباب لحد ما أندهلكم.
حاول سفيان الحفاظ على ثباته رغم رعبه الداخلي وخاصة بعد استماعه لمكالمة فريد وبدأ يتقدم نحو باب غرفة المكتب للهروب، ولكن فريد سبقه بتفكيره وتحرك بجسده يقف أمام الباب وهو لا يزال يحتضن حياة المتشبثة به كطفل صغير. بدأ جسد سفيان في الانكماش والتراجع وهو يرى نظرات فريد المحتقنة والموجهة نحوه. اندفع باب الغرفة مرة أخرى ولكن تلك المرة لم يكن الزائر سوى غريب والذي كان يمر باتجاه غرفة فريد ولفت أنظاره وقوف حرسه أمام غرفة زوجته. سأل غريب بقلق وعينيه تجوب داخل المكان وتتفحص وجه فريد الغاضب وجسد حياة المنكمش:
-فريد!!! حصل إيه؟ مالها حياة؟
أجابه فريد من بين أسنانه بغضب شديد:
- ال***** ده حاول يمد إيده على مراتي.
اندفع غريب بمجرد سماعه جملة فريد في اتجاه سفيان المنزوي بأحد أركان الغرفة، يجذبه من تلابيبه وقد هم بصفعه. هدر فريد بوالده مسرعًا ليوقفه عما انتوى فعله:
- بابا! محدش هياخد حق مراتي غيري.
ابتعد غريب عنه على الفور واخفض كفه والدهشة تملأ ملامحه. في الحقيقة، لم يكن هو الشخص الوحيد المندهش بداخل الغرفة، فحتى حياة المرتجفة رفعت رأسها ناقلة نظرها بين فريد ووالده، لا تكاد تصدق ما يحدث أمامها. غريب يهتم بها من أجل ابنه وثار لكرامته. وفريد، ولاول مرة، ينطق كلمة "بابا" من شفتيه. تململ فريد بين يديها، ويبدو أنها قد تداركت خطأها، لذلك أردف يقول بضيق واضح وهو يرخي قبضته من فوق جسدها:
- خد حياة بس وصلها لأوضتي وأنا هتصرف.
انتقضت حياة وتشبثت بياقته أكثر وهي تغمغم بتوسل شديد:
- لا... لا... انت بس.
زفر باستسلام، فهو الوحيد في تلك الغرفة الذي يعلم سبب رعبها. مسح فوق شعرها مطمئنًا، رغم غليانه الداخلي، ثم قال بهدوء وهو يتحرك بها للخارج:
- طيب تعالي.
أطاعته وتحركت معه كالإنسان الآلي للخارج. وجه فريد حديثه لقائد حراسه في الخارج قائلاً بحزم شديد:
- مش عايزاه يتحرك من جوه الأوضة ويفضل سليم لحد ما أرجعله. فاهمين!!! مش عايز فيه خدش واحد.
أومأ له قائد الحرس بخنوع قبل تحرك فريد من أمامه متوجهًا نحو غرفته.
دلف فريد لغرفة مكتبه وحياة لازالت داخل أحضانه، وأغلق الباب خلفه جيدًا. ثم تحرك بها للأريكة ليجلسها فوقها ويجلس هو فوق المنضدة المقابلة لها. احتضن كفيها بكلتا يديه ثم سألها بحنان محاولًا بث الطمأنينة داخل قلبها وإيقاف ارتجافها:
- حياة... انتي فين دلوقتي؟
أجابته وهي تمسح دموعها بظهر كفها:
- معاك.
تنهد مرة أخرى يحاول تهدئة نفسه قبل تهدئتها، ثم عاد ليسألها من جديد بحنو بالغ:
- طب مادام انتي معايا خايفة ليه؟
اندفعت تقول بتبرير وقد بدأت تعود لوعيها تدريجيًا:
- مش خايفة عشان انت جيت. أنا بس افتكرت زمان. بس أنا مكنتش هسمحله... مش هسمح لحد يقربلي غيرك.
ابتسم لها وعيونه تلمع بفخر، خاصة وهو ينظر إلى كفها والذي مازال محتفظًا بالمدية بين أصابعه. ثم سحبها من بين أصابعها بلطف وجذبها داخل أحضانه قائلًا بصوت مختنق من شدة مشاعره المختلطة:
- عارف إنك مش هتسمحي لحد يقربلك غيري.
بعد فترة قليلة من الصمت، استطرد حديثه قائلًا بهدوء:
- دلوقتي هخلي السواق يوصلك البيت لحد ما أخلص وأرجعلك.
ابتعدت بجسدها عنه ثم رفعت رأسها تنظر نحوه بقلق، فأردف يقول مطمئنًا:
- متخافيش... مش هتأخر. حاجة صغيرة هعملها وعقبال ما تروحي هتلاقيني وراكي.
أطاعته في صمت وهزت رأسها موافقة قبل تحركها معه نحو الخارج مرة أخرى. أعطى فريد أمره لأحد الحراس باصطحاب حياة للمنزل بسيارته هو والتأكد من سلامتها وهي بداخل المنزل والعودة إليه في أسرع وقت. ثم عاد لغرفتها مرة أخرى.
دلف لغرفة مكتبه ببطء شديد رغم ملامحه المشدودة وعضلات جسده المتشنجة. ثم وجه حديثه لمن بداخلها، ومن ضمنهم والده، قائلًا بجمود:
- بره ومحدش يتدخل.
أطاعه الحرس فورًا دون اعتراض وظل والده بالداخل. رفع فريد حاجبه ينظر نحو والده باستنكار ثم سأله بنفاذ صبر:
- مسمعتنيش؟
فتح غريب فمه للتعقيب ولكن أوقفه صوت فريد مردفًا حديثه بحزم:
- قتلك محدش هياخد حق مراتي غيري، فريح نفسك وشوف وراك إيه.
حرك غريب رأسه باستسلام ثم توجه نحو الخارج دون تعقيب. خلع فريد سترته وحل ربطة عنقه ووضعهما فوق أحد المقاعد بهدوء. ثم قام بطي أكمام قميصه وشمر عن ساعديه القويين وهو يقول ضاغطًا على حروف كلماته:
- قتلي بقى معملتش حاجة وهي اللي قربت منك.
هز سفيان رأسه موافقًا بلهفة شديدة، فتلك هي فرصته الأخيرة في النجاة بحياته. ثم قال برعب شديد:
- أنا مليش دعوة بحاجة ومكنتش هقربلها. نجوى هي اللي قالتلي تصورها بس وأنا كنت هنفذ.
هز فريد رأسه موافقًا وقد بدأت الدماء تغلي بداخل عروقه لمجرد سماع اسم نجوى. ثم قال بتوعد وهو يقترب منه:
- وماله ميضرش... اهو أتدرب عليك لحد ما تاخد هي كمان اللي في النصيب.
أنهى حديثه ثم قام بجذبه من ياقته قبل انقضاضه عليه، يلكمه بكل ما أوتي من قوة دون رأفة حتى تكوم سفيان فوق الأرضية وهو يئن بقوة بسبب الكسور التي ملأت جسده ووجهه المضرج بالدماء. قام فريد من فوقه ونفض يده باشمئزاز شديد، ثم التقط هاتفه طالبًا من إيمان استدعاء نجوى لغرفة حياة.
أما عن نجوى، فقد ظلت تذرع غرفتها قلقًا من تأخر سفيان غير المبرر. فمهمته لا تتطلب كل ذلك الوقت حتى تكتمل. وأثناء تفكيرها في ذلك، جاءها اتصال هاتفي من سكرتيرة فريد الشخصية تطلب وجودها داخل غرفة حياة في الحال. ركضت مسرعة والقلق يتزايد بداخلها خوفًا مما هو آت. وبمجرد وصولها، لعنت بحنق لرؤيتها هذا الكم من الحراس يطوقون الممر بمدخل الغرفة. تحركت ببطء شديد تحاول التفكير في حل سريع للخروج من تلك المعضلة إذا تم كشف ذلك الأحمق. دلفت الغرفة بتوجس بعدما فتح لها الباب قائد الحرس ودفعها للتقدم بعدما رأى ترددها بادياً على وجهها. هتف فريد بغضب شديد وهو يراها تقف أمامه ناقلة نظرها بينه وبين ابن عمها المكوم فوق الأرضية وغارقًا في دمائه:
- أهلاً بال******.
ابتعلت نجوى لعابها بتوتر ثم اندفعت تواجهه بحدة قائلة:
- انت بتقول إيه؟ أنا مسمحلكش.
هدر فريد بها قائلًا بعصبية وهو يتوجه نحوها ويجذبها من فروة رأسها:
- وحياة أمك!!! عارفة أنا بتمنى قد إيه دلوقتي تكوني راجل عشان أعرف أمد إيدي عليكي وأضربك.
أنهى جملته وبدأ يجرها خلفه من خصلات شعرها حتى وصل بها لخارج الشركة، غير عابئ بصراخها المستمر ولا بنظرات الموظفين المذهولة من حوله بسبب مظهرها المشعث وقميصه الملطخ ببعض الدماء. دفعها بداخل سيارته التي كانت تنتظره أمام مدخل الشركة وانزلق بجوارها آمرًا سائقه الخاص بالتحرك في اتجاه منزل والدها. وبعد نصف ساعة من الصمت التام من جهة نجوى والحنق من قبل فريد، توقفت السيارة أمام منزل السيد سعيد. ترجل فريد من داخل السيارة وقام بجرها من خصلاتها مرة أخرى حتى دلف للداخل. هتف بقوة معلنًا عن وجوده بصوت هز أركان المنزل:
- سعيد بيه!!! تعالى استلم بتك.
خرج السيد سعيد من غرفة مكتبه مهرولًا في اتجاه المدخل بمجرد استماعه لصوت فريد الهادر حتى توقف أمامه بصدمة من مظهر ابنته غير الآدمي. دفعها فريد في اتجاه والدها وهو يقول بعصبية وصوت جهوري أفزع كلاً من نجوى ووالدها:
- بتك ال***** دي خلت الكلب اللي اسمه سفيان يتعرض لمراتي. وقبل كده راحت عملت عليها تمثيلية عشان توهمها إني مقضيها معاها. وقبلها بقى لعبت في ملفها عشان تبوظ الشغل بتاعها. وأنا صبرت عليها كتير، بس من دلوقتي بحذرك. بتك بقت من أعدائي، يعني أحسنلها وأحسنلك تخافوا مني. وبالنسبة لشراكتنا، بح. انساها.
أنهى جملته وحدقها بنظرة اشمئزاز ثم قام بالبصق على وجهها قبل الانصراف للخارج. هتف سعيد بعصبية شديدة في وجه ابنته الصامتة:
- انتي عملتي إيه تاني؟ انتي إنسانة مريضة!!! لا بجد مريضة!!!
صمت قليلاً وقام بمسح وجهه بكفه باحباط شديد ثم أردف يقول بحنق:
- عارفة انتي لازم تتعالجي!! لازم تعرضي على دكتور نفساني، مش هينفع تتسابي كده.
صرخت به نجوى بعصبية قائلة باهتياج:
- بابا!!!
هتف سعيد قائلاً بنبرة محتده:
- بابا إيه وزفت إيه!!! ده لغى الشراكة وأعلن صراحة إنك عدوته! فاهمة يعني إيه؟ يعني فريد هيفرمك تحت رجله وأنا معاكي. كل ده وهو ميعرفش إنك حاولت تسممي مراته!! تخيلي بقى لو الراجل الندل اللي ساعدك راح يقوله زي ما جه بلغني فريد هيعمل فيكي إيه؟
صرخت نجوى بهياج شديد وهي تقوم بتكسير كل ما يقع تحت يدها:
- مش هيعرف ومحدش هيقوله. فريد بتاعي لوحدي، فاهم؟ بتاعي ومش هسكت غير لما أرجعه ليا مهما كان التمن.
حرك سعيد رأسه بحزن شديد على ابنته الوحيدة وما وصلت إليه ثم غمغم بعدم اهتمام وهو يعود لمكتبه تاركها تخرج طاقتها بتحطيم المنزل:
- لما الحق أكلم غريب وأشوف هخليه يقنع فريد إزاي يرجع عن قراره ده، ويارب يوافق.
***
ظلت حياة جالسة فوق فراشها تقضم أظافرها وهي تفكر بقلق شديد. لقد مرت أكثر من ساعة ونصف منذ وصولها ولم يعد حتى الآن. ترى هل حدث شيء ما خارج عن السيطرة؟ فهي تعرفه جيدًا وتعرف ما الذي رأته بداخل عينيه وهو ينظر لذلك الوغد. تنهدت بحيلة وهي تعلم أنها لا تستطيع التدخل في ذلك الأمر خصوصًا. لذلك كل ما تستطيع فعله هو الجلوس هنا والتمنى ألا يكون تمادى كثيرًا في غضبه.
بعد عدة دقائق وأثناء انغماسها بأفكارها تلك، فتح باب الغرفة وعبر هو من خلاله ثم أغلقه خلفه جيدًا. انزلقت حياة من فوق الفراش مندفعة في اتجاهه حتى اصطدم جسدها بصدره. تلقاها فريد بين ذراعيه بعدما ألقى سترته التي كان يحملها فوق ذراعه وبدأ في تقبيلها بنهم شديد. بادلته قبلته باشتياق حتى انقطعت أنفاسهم وابتعد عنها تاركًا لها المجال للتنفس بحرية وهو يسألها من بين أنفاسه اللاهثة:
- متأكدة إنه ملمسكيش؟
رفعت كلتا كفيها لتحاوط وجهه ثم هزت رأسها نافية بحزم وهي تنظر داخل عينيه العسليتين المشتعلتين. همس هو يقول بضيق:
- أقسم بالله لو كان لمسك لكنت قطعتله إيده.
كان فضولها يتأكلها لتسأله عما فعله به، خاصة وقد لمحت بعض الدماء متناثرة فوق قميصه الأبيض. ولكن جزء ما بداخلها هي الأخرى كان يريد معاقبة ذلك المتحرش أشد العقاب. لذلك حركت كتفيها بعدم اهتمام ثم اقتربت منه وبدأت في تقبيله مجددًا. استجاب لها على الفور وبدأت يده تجول فوق جسدها كأنه يؤكد على ملكيته له. دفعها في اتجاه الفراش وتمدد فوقها وهو لازال يقبلها بشغف. بالرغم من اشتياقها الشديد له، كان هناك جزء من كرامتها لازال يئن وينتظر أن تثور من أجله. ولكن هيهات، كل ما استطاعت فعله هو معاتبته بنبرة خفيضة للغاية قائلة من بين قبلاتهما المتبادلة:
- انتي عذبتني أوي.
عقب على جملتها قائلاً بصوت أجش وهو يقوم بتقبيل عنقها:
- آسف.
اردفت حياة تضيف وهى تبادله قبلته بأخرى ناعمة:
- وخلتني أحس إني لوحدي.
غمغم يقول هامساً وهو يوزع قبلاته فوق وجنتها وأنفها:
- مش هتحصل تاني.
أضافت برقة وهى تخفي كفها بداخل خصلات شعره وتدفعه للاقتراب منها أكثر:
- أنا حاولت أقولك إني مش مرتحاله بس أنت قلتلي مشغول ونسيتني.
تنهد بحزن ثم رد على جملتها بندم حقيقي وهو يدفن رأسه بمنحنيات عنقها:
- عشان أنا غبي وحمار ومش بفهم. وعمري ما هكررها تاني.
اندفعت تقاطعه باعتراض:
- لا متقولش كده. وكمان أنا آسفة.
رفع رأسه ينظر نحوها بتفاجئ فأردفت تقول مفسرة:
- أها آسفة. آسفة عشان قلت كلام غبي ليلتها مكنتش أقصد منه حاجة وكمان عشان أنا عمري ما شفت اللي بينا غلطة.
ظهرت ابتسامته واضحة داخل عينيه قبل فمه وهو يتنهد بحرارة قائلاً بهمس مثير ويقترب منها أكثر:
- وحشتيني.
ابتسمت هي الأخرى بسعادة ثم أجابته بخجل شديد ويدها تمتد لحل أزرار قميصه:
- وأنت كمان وحشتني قوي.
كانت تلك آخر ما تفوهت به شفتيها والذي التهمها هو بنهم شديد ليثبت لها بالفعل كم اشتاق إليها متناسياً وعده بعدم الاقتراب منها ثانية، فأسبوعان من العذاب المتواصل تكفيه ويزيد وقد حان الآن الوقت للتعويض لا للحديث.
***
في المساء جلست نجوى بداخل منزل غريب رسلان أمام جيهان ونيرمين وهي تهز قدمها بعصبية شديدة.
أردفت جيهان تقول بنبرة خفيضة محاولة السيطرة على عاصفة نجوى:
- متخافيش يا نوجا. كل حاجة هتتصلح. إحنا كده كده اتأخرنا قوي على شغلنا ولازم نبدأ.
هتفت نجوى قائلة بعصبية:
- ونبدأ إزاي بعد ما جرني من شعري وطردني قدام الموظفين كلهم؟ أنا كده خسرت ومش هعرف أكسبه ولا أقرب منه تاني.
أجابتها جيهان بمكر شديد:
- ولا خسرتي ولا حاجة. إذا كان هو مش هيسمحلك تقربي منه يبقى نخليها هي تبعد عنه عشان ميلقيش قدامه غيرك يترمى في حضنه وساعتها أنتِ وشطارتك بقى.
التفتت نجوى بكليتها تنظر نحو جيهان بتركيز شديد وهي تسألها بترقب وأمل:
- قصدك إيه؟
أجابتها جيهان مستطردة:
- قصدي إننا هنلعب إزاي نبعدها عنه وتخليها هي تسيبه مش العكس. فهمتي؟
سألتها نجوى مستفسرة:
- طب وهنعمل كده إزاي وهو أكيد هيحذرها مني يعني كده كل كروتي اتحرقت قدامها ومهما أعمل مش هتصدق تاني؟
في تلك اللحظة تدخلت نيرمين المتابعة لحديثهم بتركيز شديد قائلة بتخطيط:
- دي بقى سبيها عليا.
التفت كلاً من جيهان ونجوى نحو نيرمين يسألاها معاً بعدم فهم:
- قصدك إيه يا نيرو؟
أجابتهم نيرمين بخبث شديد:
- قصدي إني هكون همزة الوصل بينكم. يعني هوصلها بكل حب وخوف عليها اللي عايزين نوصله وبس.
اللمعت عينا جيهان بفخر أما عن نجوى فزفرت بضيق وهي تسألها مرة أخرى مستفهمة:
- إزاي بقى وهي مش طايقاك يا فالحة؟
تحدثت جيهان تجيب بدلاً عن ابنتها قائلة بمكر:
- بسيطة قوي. نيرو خلاص ندمت وقررت إنها تصلح علاقتها بأخوها حبيبها. وطبعاً محدش هيقدر يساعدها في ده غير مرات أخوها الطيبة. وبعد ما تدخلي بيتهم وتأمن لها نيرمين تفهمها قد إيه هي بتكرهك وخايفة عليها منك. والباقي بقى سيبه لوقتها.
اندفعت نجوى تقول بحماسة وعيونها تلمع بخبث:
- لا الباقي بقى أنا عارفاه كويس. سيبوه عليا. بس لازم نبدأ في الخطة دي وفي أسرع وقت كمان.
رواية متى تخضعين لقلبي الفصل السادس والعشرون 26 - بقلم شيماء يوسف
تنهدت حياة بوله وهى تتطلع لملامحه المسترخيه وهو يتمدد جوارها بهدوء، حكت انفها بذراعه ثم أخفت وجهها به، ذلك العضد الذى تسند رأسها دائما عليه لتستمد منه القوة والأمان، أما أصابعها فقد تسللت ببطء شديد تتلمس ذقنه المشذبة بعناية وهى تهتف اسمه بدلال شديد جعلته يلتفت بكليته لها جاذباً جسدها اكثر نحوه ومحاصراً خصرها بذراعه:
- فريد ..
أجابها وهو يتنهد بحرارة ويمسح بأصبعه فوق جبهتها بعشق:
- حياة روحه ..
انتشت روحها بمجرد سماع ذلك التدليل منه والتمعت عيونها بحب وهى تجيبه من بين ابتسامتها الخجلة:
- فاكر واحنا صغيرين لما صممت اطلع الشجرة لوحدى وانت مكنتش موافق ..
أجابها وقد بدأت الابتسامة تغزو محياه للذكرى المرحة:
- اها ..
أردفت تقول مبتسمة هي الأخرى بحنين:
- ساعتها انت قولتلي هتقعي وأنا مسمعتش كلامك وطلعت وبعدها وقعت فعلاً، وأنت لحقتني وإيدك اتجزعت ..
عبس وجهه وضاقت المسافة ما بين حاجبيه قائلاً بتذمر:
- وأنتي من امتى بتسمعي كلامي!!! أنا عارفك مش هترتاحي غير لما تكسري رقبتي ..
دوت ضحكة حياة عالياً، وهى ترى ملامح وجهه المتجهمة ثم مررت إصبعها بين حاجبيه محاولة بسط ذلك التجهم ثم أردفت تقول بمرح:
- نفس رد الفعل مبيتغيرش!! فاكر برضه ساعتها قعدت قدام مش عايز تكلمني.. وماما كمان عاقبتني بسبب اللي حصلك ورفضت تكلمني يومين.. كنت بجيلك كل يوم الأوضة عشان اشتكيلك بس أنت كمان مكنتش بترضى تكلمني أو تسمعني.. حسيت إني لوحدي وفضلت حاسة بكده حتى بعد ما ماما صالحيتني.. في الآخر جيت قلتلي هسامحك بس بعد كده تسمعي كلامي ..
انفرجت أساريره واتسعت ابتسامته من مغزى ذكراها ثم أجابها بمشاعر مختنقة من ذكريات طفولتهم البريئة:
- أنا نفذت اتفاقي وسامحتك بس أنتِ لحد دلوقتي مش عارفة تسمعي الكلام ..
جعدت أنفها ونظرت نحوه بنصف عين ثم قالت بنبرة طفولية خالصة:
- آخر مرة وبعد كده هسمعه وهتشوف ..
احتضن كفها وجهه ومسحت بأصبعها وجنته وهى تحملق داخل عسليتيه بهيام ثم قالت بهمس متوسلة:
- قولي إنك مش هيجي يوم وتزهق من عنادي ده وتكرهني وتسبني لوحدي وتمشي ..
أدار رأسه قليلاً حتى يتسنى له تقبيل باطن كفها الذي يحاوط وجهه ثم أجابها بقلب عاشق:
- عمري.. عارفة أنا مش بعرف أزعل منك.. آه بقسى عليكي لما بتغلطي بس مش بضايق منك.. زي الأب بالضبط بيعاقب أولاده عشان يعرفوا الغلط بس عمره ما بيكرههم ..
توقفت يدها عن لمس وجنته وأسدلت عينيها للأسفل بحزن ثم قالت بصوت مختنق من أثر الدموع:
- معرفش.. أنا عمري ما عرفت إحساس حنان الأب ده ..
احتقنت ملامحه وشعر بالألم يعتصر قلبه من صوتها الحزين فهو يعلم جيداً رغم إخفائها للأمر أن جفاء والدها يؤلمها ويؤثر في نفسيتها كثيراً، لذلك زفر بأشفاق وحرك ذراعه ليجذبها نحوه أكثر وأردف يقول بحنو بالغ محاولاً التخفيف عنها:
- يعني مش كفاية إنك تكوني بنتي أنا ..
رفعت رأسها تنظر نحوه وقد بدأت ابتسامتها في الظهور مرة أخرى وقامت بطبع قبلة رقيقة فوق وجنته ثم عادت لتتندثر داخل أحضانه وأخفت وجهها بثنايا عنقه وهي تغمغم بحب:
- كفاية عليا وزيادة ربنا يخليك ليا ..
صمتت قليلاً، مستمتعة بذلك السكون الذي شملها وهي داخل أحضانه وإحدى يديه تعبث بخصلات شعرها وتهدهدها ثم أردفت قائلة بحب:
- أنت عارف إنك متغيرتش.. يعني اللي يشوفك من بعيد يقول واحد تاني بس مهما تحاول تداري لسه جواك فريد بتاع زمان.. اللي جواه نار وبراه تلج ..
تنهدت بعشق ثم حركت يدها لتضعها حيث موضع قلبه واستطردت قائلة بهيام:
- بس اللي يعرفك زي حياة عارف إن تحت كل ده مدفون حنان الدنيا كله ..
توقفت يده عن الحركة وتنحنح محاولاً إيجاد ثباته ثم بدأ ينسحب أسفل جسدها، رفعت رأسها تنظر إليه قائلة باستنكار:
- رايح فين!..
أجابها بنبرة وملامح خالية:
- ولا حاجة هروح آخد دش وأنزل ألعب بوكس شوية ..
كانت تعلم جيداً أنها يهرب منها ويريد الانفراد بنفسه لذلك اندفعت تسأله بترقب:
- ممكن آجي معاك؟..
نظر نحوها ولم يعقب على طلبها لذلك أردفت تقول بتوسل شديد:
- بليز مش هضايقك والله وبعدين أنا نفسي أتعلمها عشان أعرف أدافع عن نفسي ..
تنهد باستسلام وجذب رأسها ليطبع قبلة مطولة فوق جبهتها ثم قال بصوته العميق:
- طب البسي لحد ما آخد دش وأحصلك ..
صفقت بيدها وقفزت فوق الفراش بسعادة كالأطفال ثم ارتمت فوقه تعانقه بمحبة وتطبع عدة قبلات فوق وجهه تعبيراً عن فرحتها جعلته يبتسم هو الآخر بعمق قبل انسحابه من بين ذراعيها في اتجاه الحمام.
دلف فريد لغرفة الرياضة فوجدها بالفعل سبقته للأسفل وتنتظره بداخلها، مرر نظره فوق جسدها ثم سألها باستنكار بعدما أغلق الباب خلفه آلياً:
- هو ده اللبس!!!..
نظرت إلى ملابسها أولاً ثم نحوه وهي تسأله بعدم فهم:
- اها.. هو أنا لبست غلط ولا إيه؟..
لوى فمه بعدم ارتياح فقد كانت ترتدي ذلك البنطال الملاصق لجسدها والذي يثير أعصابه بشكل كبير وفوقه تيشرت ذو حمالات عريضة بفتحة عنق مثلثة يكشف عن عنقها ومقدمة صدرها بشكل كبير وينتهي عند بداية معدتها، تنحنح محاولاً إخراج نبرته طبيعية ثم أجابها بنبرة جادة:
- لا مفيش بس اللبس ده ميتلبسش قدام حد اتفقنا؟..
أجابته مبررة وهي تقترب منه:
- بس إحنا في البيت ومفيش حد غير دادا عفاف وسارة حتى الحراس مش بيدخلوا غير لما أنت تأذن لهم ..
هز رأسه بجمود موافقاً وهو يتحرك من أمامها ليلتقط القفازات الموضوعة فوق الرف وهو يفكر بعدم تصديق هل يعقل أنه يغار من عاملات المنزل فهي على حق بنسبة كبيرة وهو لا يسمح للرجال بدخول المنزل إلا بإذنه إذا لماذا انزعج من لباسها ثم إنه هو من قام باختياره لها من الأساس، هتفت اسمه بترقب وقد بدأت تشعر بحدوث خطب ما:
- فريد!!!..
رفع رأسه نحوها وهو يهمهم بعدم تركيز، سألته بخفوت وهي تتفحص ملامح وجهه الجامدة:
- أنت مضايق عشان اللبس؟.. على فكرة أنا كنت نازلة بالجاكيت بتاعه بس قلعته لما نزلت هنا ..
حسناً، إنه يعترف بفقدان عقله فلا يوجد مبرر يجعله يتسرخى لمعرفته أن لا أحد يراها هكذا غيره سوى أنه فقد عقله ولكن ماذا يفعل فتلك المخلوقة التي لا تتجاوز نصف طوله تكاد تذهب بتعقله، انفرجت أساريره وبدأ الابتسامة تظهر فوق شفتيه وهو يدنو منها ويحاصر جسدها بذراعيه قائلاً باستسلام:
- خلاص بعترف إني غرت ..
دوت ضحكتها عالياً، فعاد يقول مزمجراً:
- شكلك مبسوط!!!..
رفعت ذراعها لتحاوط عنقه بتملك وهي تجيبه بنبرة دلال هامسة محاولة امتصاص غضبه:
- أصل شكلك حلو وأنت مكشر وعامل ٨٨ كده ..
سألها مستفسراً بنبرته العابثة وهو يقترب بشفتيه من شفتيها:
- والله!!..
مطت شفتيها للأمام ثم أجابته وهي تحاول جاهدة كبت ابتسامتها:
- بصراحة.. أنا لازم أهاودك دلوقتي عشان هنلعب سوا وأخاف تتهور عليا وأنا مش قدك ..
طبع قبلة خاطفة فوق شفتيها ثم قال بهدوء وهو يرفع القفازات أمام وجهها:
- طب متشتتيش تركيزي وخذي البسيهم ..
حركت كتفيها رافضة ثم قالت بدلال فطري وهي ترفع كفيها هي الأخرى أمام وجهه:
- البسهملي أنت ..
أمسك بإحدى كفيها وقام بطبع قبلة ناعمة داخلها ثم قام بإلباسها أحد القفازين وأحكم غلقه جيداً، ثم عاد نفس الفعل مع الكف الأخرى، ظلت حياة تراقب ما يقوم به بوله شديد، لو أنه رفع رأسه إليها الآن لرأى عينيها تلمع بالدموع من شدة عشقها له وتأثرها بما يقوم به، إنه حقاً دنياها بأكملها وكل ما تحتاجه من هذا العالم الكبير، أنهى مهمته وارتدى هو الآخر قفازاته ثم تحدث بصوته العميق يطمئنها:
- متخافيش مش هاذيكى ..
ظلت تنظر إليه بوله ثم قالت بصوت متحشرج بعدما تنحت عدة مرات:
- محدش بيخاف من أمانه ..
لم يستطع فريد إبعاد عينيه عنها وكأن هناك قوة مغناطيسية تجذبه للغرق بداخل ذلك الليل بنجومه المتلألئة لذلك وجد نفسه تلقائياً يخفض رأسه نحوها ويقوم بتقبيل جفنيها واحد يلو الآخر بحذر شديد ثم غمغم يقول بنبرة خفيضة لم تصل إليها:
- أنا كنت عارف إني لا هلعب ولا هتنيل النهاردة ..
سألته حياة مستفسرة:
- بتقول حاجة؟..
هز رأسه نافياً ثم أجابها مصححاً:
- بقول يلا نبدأ ..
حركت رأسها هي الأخرى موافقة وبدأت تستمع لتعليماته بتركيز شديد وبعد حوالي ربع ساعة هتفت حياة بتذمر من بين أنفاسها اللاهثة:
- حرام عليك أنا تعبت.. مليش دعوة مش عايزة أكمل ..
سألها فريد بحنق شديد:
- حياة أنتِ بتتدلعي إحنا مكملناش ربع ساعة وأصلاً سايبك تضربي فيا من الصبح زي المراهقين ..
أجابته بصوت باكٍ كالأطفال وهي تمد ذراعيها لتتعلق بعنقه ويحمل ثقل جسدها عنها:
- مليش دعوة مراهقين مراهقين اللعبة دي هتقطع نفسي أنا عايزة حاجة سهلة ..
زفر باستسلام وهو يضع ذراعه أسفل خصرها ليرفعها من فوق الأرضية ويسير بها نحو الرف الجلدي المنخفض ليجلسها فوقه:
- تعالي أمرى إلى الله.. وبعدين عشان أتعلم موافقكيش على حاجة تاني ..
انحنى بجذعه وهو يحملها حتى يضعها فوق المقعد ولكنها شدت من أحكام ذراعيها الملتفة حول عنقه رافضة تركه أو السماح له بالابتعاد عنها، تنهد مطولاً وهو يغمغم بعدة كلمات غير مفهومة قبل جلوسه بها فوق المقعد الجلدي، التوى فمها بنصف ابتسامة انتصار حاولت إخفاءها عنه عندما رضخ أخيراً لرغبتها وأجلسها داخل أحضانه، زفر قائلاً بامتعاض ونبرة قاطعة:
- مفيش بقى أدرب معاك تاني.. اتفقنا؟..
كانت تحاول جاهدة كبت ابتسامتها العابثة وهي ترى علامات الضيق تغزو ملامحه، هل ظن أنه يستطيع الهرب منها حسناً فليتحمل نتيجة هروبه، هذا ما فكرت به بخبث وهي تمط شفتيها للأمام متصنعة الحزن ثم سألته وأصابعها تمتد إلى عنقه وتتلمس تفاحة آدم خاصته:
- طب أعمل إيه حاولت أشاركك حاجة بتحبها بس معرفتش ..
المفروض تكون مبسوط إني عايزة أكون معاك.
نظر نحوها، في البداية بتشكك، ثم لانت ملامح وجهه وهو يسألها بنبرة متحشرجة بسبب أناملها التي تداعب عنقه:
- يعني إنتِ عملتي كل ده عشان تشاركيني؟
هزت رأسها ببطء شديد موافقة. أردف يسألها باستغراب:
- إنتِ مجنونة! يعني مينفعش تقوليلي خليك معايا؟
أجابته بنبرتها الرقيقة والتي كانت تتميز بها دائمًا:
- مكنتش عايزة أخنقك.. وبعدين المفروض تعرف لوحدك.
حرك رأسه مبتسمًا بعدم تصديق، ثم تنهد بحرارة وهو يتأمل وجهها الذي يعشق ملامحه، قائلاً بهمس:
- أعمل فيكِ إيه؟
ابتسمت بخجل وأخفت وجهها داخل عظمة ترقوته، قائلة بمرح:
- ممكن تقوللي شكرًا.. إنتِ زوجة عظيمة، أنا مبسوط إن مراتي عايزة تعمل حاجة بحبها، أي حاجة من الحاجات الحلوة دي يعني.
أجابها بابتسامته العابثة وهو يغمز لها بإحدى عينيه:
- أنا عندي اللي أحلى من الكلام.
ابتعدت بجسدها عنه بقدر ما سمحت لها ذراعه المحاصرة خصرها، وهي تقول بتحذير خجول:
- فرييييييييد!
ضغط بكفه فوق ظهرها ليعيد التصاقها به مرة أخرى، قائلاً بشغف:
- لا صدقيني فريد بالطريقة دي مش هتفيدك خااالص.
رفعت ذراعها اليمنى تحاوط بها عنقه، وتركت أناملها تعبث بمؤخرة عنقه، قائلة بنبرة ناعمة:
- إحنا تحت على فكرة.
أجابها وشفتاه تتلمس وجنتها ببطء شديد جعل نبضات قلبها تتسارع:
- بيتي وأنا حر فيه.
أجابته بنبرة أكثر نعومة، وقد بدأ عقلها يتشوش بسبب قبلاته الناعمة التي يطبعها فوق عنقها وكتفها:
- فريد ممكن حد يشوفنا.
رفع رأسه إليها ليتأملها بعيون داكنة من شدة مشاعره، ثم هتف داخل أذنها بهمس مغرٍ جعل قشعريرة لذيذة تسري بداخل جسدها:
- الباب مقفول بالمفتاح.
تنهدت بحرارة، وقد بدأت مقاومتها تختفي شيئًا فشيئًا بمجرد التقاطه شفتيها بين شفتيه، وظلت تبادله قبلاته الناعمة بأخرى أكثر نعومة وتطلبًا، رغم عقلها الذي كان يطالبها ببعض التعقل. دفعته بكفها المرتعش ليبتعد عنها قليلاً حتى يتسنى لها التنفس براحة. نظر فريد نحوها بعدم فهم، وأصابعها تمتد إلى أطراف تيشرته الرياضي، قبضت بأصابعها على أطراف ردائه ثم قامت بسحبه لأعلى حتى وصلت لرأسه. رفع كلتا يديه بآلية شديدة حتى يسمح لها بخلعه. قامت بإخراجه من رأسه وألقت به فوق الأرضية بلامبالاة شديدة، قائلة بتفسير وهي تعود للاقتراب منه:
- كان مضايقني.
ظل ينظر نحو الأرضية حيث موضع قميصه بذهول عدة ثوانٍ، ثم عاد بنظره نحوها قائلاً بنبرة شديدة التركيز:
- استحملي بقى.
ابتلع داخل فمه شهقتها التالية والتي صدرت منها تعقيبًا على ما قام به تاليًا.
***
في الصباح، فتحت حياة عينيها وهي تبتسم بخجل من ذكرى البارحة، فهي لم تكن تتخيل أن يأتي يوم وتتودد لأحد ما مثلما فعلت معه البارحة. فتح فريد عينيه بكسل شديد عندما تململت بين ذراعيه، وابتسم لها بحنان، ثم سألها ممازحًا بصوت متحشرج من أثر النعاس بعدما طبع قبلة خاطفة فوق أرنبة أنفها:
- حياة إنتِ لسه وشك أحمر من بليل!
عضت على شفتيها بخجل وقامت بلكمه بكفها المتكوّر بنعومة فوق كتفه، مغمغمة بنبرة خافتة بالكاد وصلت لمسامعه:
- فريد بطل.
دوت ضحكته عالياً، وعاد برأسه للخلف حتى يتسنى لها رؤية وجهها كاملاً، ثم عاد يسألها بنبرة ذات مغزى:
- طب بقولك إيه.. ما تيجي ننزل الجيم تاني عشان بصراحة الموضوع عجبني.
شهقت بخجل وأخفت وجهها الذي ازداد احمراراً بصدره، مغمغمة بإحراج:
- فرييييييييد!
تنهد بسعادة، ثم أجابها بهيام:
- عيون فريد وقلب فريد وحياة فريد كلها.
رفعت رأسها ببطء لتنظر داخل عينيه بعشق لم تكن تحتاج للإفصاح عنه، ولم يكن هو بحاجة لسماعه. ظلت تحدق داخل عسليته الصافيتين بوله شديد، رافضة تحريك جفنيها أو رموشها حتى لا يغيب عن نظرها للحظة واحدة. قطع هو الصمت قائلاً بعشق واضح:
- صباح الحياة.
أجابته بصوت مختنق من شدة مشاعرها التي تحبسها بداخل قلبها:
- يدوم صباحك ليا وجنبي.
تنهد بحرارة، ثم أخفى رأسه بداخل عنقها قائلاً بصوت مكتوم:
- بحبك يا حياة الروح.
رفعت كلتا ذراعيها تحاوط بقوة جسده الملقى فوقها، كأنها تريد إخفاءه داخل قلبها. بدأ فريد بتقبيل عنقها بنعومة، فاستقبلت قبلاته بترحاب شديد. كان الوقت بالفعل قد تجاوز موعد نزولهم اليومي للإفطار، ولكن من يهتم، فهو حبيبها وزوجها، ويبدو أنها هي الأخرى لم تشبع من قربه، لذلك عندما رفع رأسه ليلتهم شفتيها، تجاوبت معه على الفور، تاركة له المجال لسحبها داخل دوامة مشاعرهم المتأججة.
***
على مائدة الإفطار، ظل فريد يحدق بها بنظرات ذات مغزى أربكتها. أخفضت رأسها لأسفل ورفعت كفها لتعيد إحدى خصلات شعرها للخلف، محاولة إخفاء خجلها الذي يزداد من قوة نظراته. هتفت به معترضة بعد خروج سارة من الغرفة لإحضار ما تبقى من الطعام:
- بطل بقى.
سألها مدعيًا عدم الفهم وهو لازال يحدق بوجهها ومقدمة عنقها الذي حاولت جاهدة إخفاء ما به عن الجميع:
- ما عملتش حاجة.
أنهى جملته، ومد يده من أسفل الطاولة يتلمس بأصابعه ساقها حتى وصل إلى ذراعها الموضوعة فوقها، والتقط كفها وبدأ يمسد داخله ببطء شديد أثار أعصابها. هتفت به مرة أخرى متوسلة وقد بدأ احمرار وجنتيها في الازدياد:
- فريبيييييد.
مال بجذعه نحوها وأسند مرفقه الخالي فوق الطاولة، قائلاً بنبرة خفيضة ناعمة:
- طب بطلي تقولي فريد.
ضغطت على شفتيها في إشارة منها للموافقة وعدم الكلام.
أضاف وهو يزيد من نعومة لمساته داخل باطن كفها:
- وبطلي تدوسي على شفايفك.
أفلتت شفتيها على الفور، ونظرت نحوه بتوسل شديد. كتم ابتسامته واستطرد يقول بنبرة مرحة عابثة:
- ومتبصليش كده.
زفرت بقله حيلة وهي تعود لترتمي بجسدها فوق المقعد، قائلة بضعف:
- إنت مبسوط بكده صح!
أجابها هامساً وهو يميل بجذعه أكثر نحوها وعيناه مسلطتان فوق شفتيها:
- جداً.
سحب يدها من داخل يده بحدة وتنحنحت عدة مرات محاولة السيطرة على حرارة جسدها المرتفعة والتي بدأت تظهر جلياً فوق ملامحها بمجرد سماعها لوقع خطوات سارة عائدة مرة أخرى بمشروب القهوة خاصتها. وضعته أمامها بحرفية ثم توجهت بنظرها لفريد الذي كان يجلس فوق المقعد باسترخاء شديد، لتسأله باحترام:
- فريد بيه تحب أحضر لحضرتك القهوة دلوقتي؟
عاد بنظره إلى حياة قائلاً بنبرة خالية ونظراته لازالت مسلطة عليها بعدما قام باحتضان كفها مرة أخرى:
- لا هشرب النسكافيه من حياة.
شهقت حياة بخجل وسرعان ما تحولت شهقتها لسعال متختنق، فأردف فريد يقول مصححًا وعيناه تلمع ببريق تسلية وهو يرى خجلها وارتباكها واضحاً أمامه:
- قصدى هشرب النسكافيه بتاع حياة.
أومأت سارة برأسها لها موافقة، ثم وجهت حديثها لحياة التي لازالت تسعل بصوت مكتوم:
- حياة هانم تحبي أعملك بداله؟
حركت حياة رأسها بسرعة شديدة نافية دون حديث، فانسحبت سارة من الغرفة تاركة لهم المجال لتناول فطورهم بحرية كعادتها منذ قدومها للمنزل.
رفعت حياة رأسها نحوه بحدة متسائلة بامتعاض:
- عجبك كده!
سألها فريد بابتسامة مستفزة ونبرة باردة:
- حبيبي أي حاجة منك تعجبني، بس حددي أكتر.
لانت ملامحها واتسعت ابتسامتها رغماً عنها بعد سماعها تدليله لها، ثم قالت بنبرة ناعمة معاتبة:
- طب افرض سارة أخدت بالها بقى دلوقتي هتقول إيه؟
أجابها وهو يجذبها من يدها نحوه، ثم قام بإجلوسها فوق ركبتيه قائلاً وهو يحاوط خصرها بذراعه ويشدد من احتضانه لها:
- هتقول حاجات كتير، ميهمنيش منهم ولا حاجة طول ما إنتي في حضني كده.
اتسعت ابتسامتها وهي تتطلع نحوه بحنان، ثم قامت بارتشاف رشفة صغيرة من مشروبها سريع التحضير، فطبع رغوته فوق فمها وشفتيها. تساءل فريد بهدوء وهو يتطلع إليها بشغف:
- إنتِ طمعتي في النسكافيه بتاعي ولا إيه؟
هزت رأسها نافيه، ثم غمغمت بأسف وهي تقرب الفنجان من شفتيه:
- أنا آسفة والله، بحسبك بتهزر. خد اشربه كله بالهنا والشفا.
بادلها ابتسامتها بأخرى ماكرة، ثم أجابها وهو يسحب الفنجان من بين يديها ويعيده فوق الطاولة:
- هشربه بس أدوق اللي هنا الأول.
قطبت جبينها بعدم فهم، فعاد يقترب منها قائلاً باستمتاع وهو يقوم بتحسس فوق شفتيها بلسانه:
- مش عارف، بس بيتهيألي هنا أحلى.
هتفت به معترضة:
- فريد حد يشوفنا.
أجابها بانشغال وهو يعاود علق شفتيها بلسانه:
- لو حد شافنا هقوله بشرب النسكافيه عشان أركز في الشغل باقي اليوم.
دوت ضحكتها عالياً، ثم بدأت تبادله قبلاته على الفور. قطع اتصالهما هاتفها والذي صدع رنينه واهتزازه فوق طاولة الطعام. ابتعدت عنه حياة على مضض، ثم قامت بالتقاط هاتفها تنظر به أولاً، ثم قالت باستغراب:
- ده رقم بابا.
قطب فريد جبينه هو الآخر، ثم سألها باستنكار:
- بيكلمك إنتِ ليه؟ مع إن تليفوني معايا!
أجابته وهي تحرك كتفيها:
- مش عارفة، هرد وأعرف.
أنهت جملتها وقامت باستقبال المكالمة على الفور. عقدت ما بين حاجبيها أولاً، ثم عادت بنظرها لفريد الذي كان ينظر هو الآخر إليها بترقب، مرددة بتعجب وهي تزم شفتيها نحوه:
- نرمين! أها الحمد لله.
قالت نرمين على الفور مبررة:
- أنا آسفة إني بكلمك من تليفون بابا، بس مش معايا رقمك وخفت مترديش على أرقام غريبة.
أجابتها حياة بجفاء وهي لازالت تنظر إلى فريد:
- لا عادي، مفيش مشكلة.
أردفت نرمين تسألها على الفور:
- مش عايزة أعطلك، بس لو مش هتضايقي، ممكن نتقابل؟
تعلقت أنظار حياة بفريد الذي كان يستمع إلى حوارها بتركيز تام، وقد فاجأها طلب أخته واتصالها، فعادت تردد طلبها على مسامعه باستغراب:
- تقابليني!!!
هز فريد رأسه رافضًا بحزم، ففأمت حياة برأسها له موافقة، ثم أجابتها باقتضاب شديد:
- بصراحة معتقدش إن في حاجة بيني وبينك ممكن تخلي بينا كلام أو مقابلة.
اندفعت نيرمين تقاطعها بلهفة:
- لا طبعًا في بينا أهم حاجة وهي فريد.
استرعت نيرمين انتباه حياة بالكامل بمجرد لفظها اسم فريد، فأردفت نيرمين تقول بتوسل:
- حياة لو سمحتي متتسرعيش. صدقيني أنا عايزاكي في حاجة مهمة، وعشان تطمني أنا هاجي الشركة مع بابا، وأنا عارفة إنك بتشتغلي معاهم. اسمعيني الأول ولو معجبكيش كلامي كأنك مشفتنيش.
لوت حياة شفتيها بحيرة، ثم أجابتها على مضض قائلة بتوجس:
- تمام. مفيش مشكلة.
أنهت المكالمة وعادت تضع هاتفها فوق الطاولة بشرود. سألها فريد بترقب شديد مستفسرًا بضيق:
- كانت عايزة إيه؟
أجابته حياة بنعومة وهي ترفع كفيها وتحتضن وجهه بحب بعدما لاحظت تبدل مزاجه:
- ولا حاجة زي ما سمعت. طالبة تقابلني، ولما رفضت قالت إنها هتيجي الشركة النهاردة مع باباك، ولو سمحتلها هتقابلني.
قال فريد بنبرته القاطعة:
- حياة مفيش مقابلة ومفيش تعامل معاها. فاهمة؟
زفرت بحيرة، فقد أخفت عليه أنه محور الزيارة، وإذا كان هو محورها ستقابلها ولو كان الثمن حياتها. لذلك سألته بنعومة وهي تتلمس بأصابعها وجنته:
- ممكن تفهمني أنت قلقان كده ليه؟ دي جاية شركتكم وهتكون مع باباك. ولو عايز قابلها أنت.
أجابها فريد بضيق محذرًا:
- عشان لا نيرمين ولا جيهان حد ممكن يتسمعلهم أو تتعاملي معاهم. وأظن مش محتاج أحذرك منهم.
أحنت رأسها فوقه وطبعت قبلة مطولة فوق جبهته، ثم أردفت تقول بحنان:
- عدوك عدوي من غير ما تفكر. وأوعى في يوم تفكر غير كده. بس وحياة أغلى حاجة عندك. ورحمة ماما رحاب ممكن تسمحيلي أتكلم معاها؟ حتى لو قدامك.
نظر نحوها مطولًا، ثم هم بالحديث، فأردفت تقول بلهفة متوسلة:
- عشان خاطري مكالمتها قلقتني. متسبنيش بفضولي. ووعد هاخد بالي. ولو قالت أي حاجة تضايقني هطردها. ولو عايز تخلي حراس قدام الباب اعملها. ولو عايز تحضر بنفسك احضر. ولو عايزني أسجلك كمان وهقولك كل حاجة قالتها بالحرف. بس بليز متقولش لأ.
زفر بقله حيلة، ثم أجابها على مضض بجمود شديد للغاية:
- في مكتبك.
عادت جملته من وراءه موافقة بسعادة:
- في مكتبي طبعًا.
أردف يقول بتحذير:
- وهكون شايفك في الكاميرا. وهتقوليلى كل حاجة قالتها بالحرف الواحد.
أجابته بابتسامة وهي تطبع قبلة خاطفة فوق وجنته:
- هحكيلك حرف حرف. بس وهاكل ودانك بس يكون عندك وقت.
رمقها بنظرة تحذير، ثم أردف يقول بنبرته القاطعة:
- وهسيب حارس قدام الباب.
أجابته وهي تقلد نبرته وملامحه المتجهمة:
- وهيكون في حارس قدام الباب.
هتف بها محذرًا بصوته العميق:
- حيااااااه.
أجابته بدلال وابتسامة واسعة وهي تستند برأسها فوق كتفه:
- فريدى.
تنهد باستسلام، ثم قام بطبع قبلة مطولة ومتقطعة فوق شفتيها. بادلته إياها على الفور، ثم قال بصوته الأجش:
- أنا بقول نقوم أحسن لأنني اتأخرت النهارده بما فيه الكفاية. ولو فضلت كده مفيش شغل النهارده.
حركت رأسها التي لا تزال مستندة فوق كتفه ببطء موافقة على طلبه، ثم خرجت من داخل أحضانه على مضض قبل تحركهما معًا للخارج جنبًا إلى جنب.
***
في منتصف اليوم، طرق باب غرفة حياة المغلق، ولم تكن تحتاج لكثير من الذكاء لمعرفة الطارق. فهي كانت تنتظر قدومها منذ زمن، وخصوصًا عندما رأتها تدلف الشركة بجوار والدها السيد غريب. دلفت نيرمين بتعجرفها المعهود بعدما سمعت إذن حياة، ووقفت تتأمل الغرفة بتمعن شديد قبل جلوسها قبالة حياة في أحد المقاعد الوثيرة، قائلة بدون مقدمات وبنبرة جدية ذكرت حياة بفريد خاصة، وهي تمتلك نفس لون عينيه:
- أنا عارفة إن العلاقة بينا أنا وإنتي، حتى أنا وفريد مش كويسة. وده اللي خلاني أجي النهارده بعد ما اتكلمت مع بابي واستأذنته.
ضيقت حياة عينيها فوقها تتفحص ملامحها بترقب. فرغم ثباتها وقوتها، هناك شيء غريب بها شعرت به حياة ولم تعرف سببه.
أردفت نيرمين تقول باسترسال:
- أنتِ عارفة إن أنا مليش أخوات. قصدي غير فريد طبعًا. ومعرفش لو فريد صدف وقال لك، بس أنا كنت متجوزة قبل كده من زمان وانفصلنا بسبب الأولاد لأنني مبخلفش.
صمتت قليلاً لتبتلع غصة أصابت قلبها جعلت حياة تشعر بالشفقة نحوها. استطردت نيرمين حديثها وقد بدأ صوتها يختنق قليلاً:
- يعني باختصار كده أنا مليش حد بعد مامى وبابى. عشان كده ومتستغربيش من اللي هقوله. أنا مش عايزة علاقتي مع فريد تفضل وحشة. نفسي نتصالح ونتعامل زي أي أخ وأخت بيحبوا بعض. أنا عارفة إن مامى وأنا كمان ضايقناه كتير، بس صدقيني أنا ندمت على كل ده ونفسي أصلح علاقتي بيه ونبدأ صفحة جديدة.
سألتها حياة بتوجس مستفسرة:
- طيب أنتِ بتقولِ لي أنا الكلام ده ليه؟ عندك فريد "أخوكي" هو أولى بالكلام ده.
أجابتها نيرمين محاولة استمالة حياة لصالحها:
- فريد شايل مني أنا ومامي كتير، وعارفة إنه استحالة يقبل يشوفني أو يسمعني. وأنتِ شفتي بنفسك عاملني إزاي لما زرتكم في البيت.
عضت نيرمين فوق شفتيها ولعنت غباءها بصمت، وقد أدركت خطأها، فأسرعت تقول مصححة:
- أنا كمان بتأسفلك على الكلام اللي قلته اليوم ده، وبتمنى تسامحيني وتتوسطيلي عند فريد على الأقل يسمعني ويديني فرصة. وعشان تكوني مطمنة مش أنتِ بس اللي هتحاولي معاه، ده بابي كمان هيحاول. بس أنا عارفة إنه بيحبك وهيسمعلك، فبليز متحرمنيش من إن يكون عندي أخ وسند ليا أقدر أعتمد عليه وألجأ له.
تنهدت حياة مطولاً، ثم أجابتها على مضض قائلة بحيرة:
- مقدرش أوعدك بحاجة لأنني مش ضامنة رد فعل فريد. بس على الأقل هحاول معاه.
ابتسمت نيرمين بانتصار واندفعت تحتضن حياة قائلة بامتنان:
- وأنا مش محتاجة منك أكتر من المحاولة، وإنك تسمحيلي أطمن عليه من خلالك لحد ما يقبل يتعامل معايا.
حركت حياة رأسها موافقة بتفكير، فداخلها يتمنى رغم كل شيء إصلاح علاقة فريد بوالده وأخته، حتى يرتاح قلبه ويهنأ.
ودعتها نيرمين وركضت نحو الخارج وهي تبتسم بخبث، ثم هاتفت نجوى قائلة بانتصار:
- أيوه يا بيبى. كله تمام وشكلها الغبية دي شربتها وكله هيبقى تمام. متقلقيش.
***
بالطبع كان فريد يراقب لقائهم منذ بدايته بترقب شديد، مستعدًا للهجوم في أي لحظة. وقد تفاجأ كثيرًا عندما انتهى لقائهم بذلك العناق الودي. استدعى حياة على الفور بعد انتهاء زيارة أخته ليسألها مستفسرًا بفضول:
- كانت عايزة إيه؟
أجابته حياة وهي تتجه نحوه وتحتضن جسده بذراعيها:
- حاجة ملهاش علاقة بالشغل. ممكن نتكلم في بيتنا؟
رفعت رأسها تنظر إليه لتتبين رد فعله، فهي تعلم أن تلك المواجهة أبدًا لن تكون سهلة، ولكن من أجل سعادته وراحته ستتحمل كل الصعاب. احتنقت ملامحه وهو يسألها بضيق:
- حيااااة!! أنتِ وعدتيني!! كل حرف!
أجابته وهي تمسح بأصبعها فوق جبينه بحنان:
- والله كل حرف. بس عايزة أتكلم معاك وأنا في حضنك. ممكن متحرمنيش من ده؟
زفر باستسلام، ثم أجابها بنبرة خالية:
- طيب تمام. اعملي حسابك هنروح بدري النهارده عشان عندي شغل بليل.
سألته بقلق وهي تنظر نحوه بارتياب:
- شغل إيه ده؟
أجابها بجمود:
- شغل يا حياة. شغل. أكيد مش هبررلك كل حاجة.
أطرقت برأسها للأسفل وهي تجيبه بخفوت:
- مش قصدي. أنا بس كنت عايزة أطمن.
زفر مطولاً، ثم قام بجذبها لاحتضانه مرة أخرى بحنان وهو يقول مدافعًا عن نفسه:
- مش قصدي. أنا بس عندي ضغط شغل كتير، ولما شفتها اتضايقت أكتر.
أغمضت حياة جفنيها بألم، فهي تعلم جيدًا رغم إخفائه أن أسفل حنقه ذلك هناك حزن شديد، يمكن بداخله حزنًا على علاقته السيئة بأخته غير الشقيقة.
***
في المساء، وبعد انتهاء وجبة العشاء التي قدمت باكرًا بسبب عمل فريد المتأخر، عادت حياة إلى غرفتهم وظلت تجوبها بقلق.
دلف فريد خلفها، ثم بدأ في تبديل ملابسه على الفور.
سألته حياة مستنكرة:
- أنت نازل دلوقتي؟
نظر في ساعة يده أولاً، ثم أجابها بعبوس:
- أها يادوب الحق.
زفرت بقله حيلة، فهي تشعر بالقلق ولا تدري السبب، هي فقط تشعر به بداخلها.
سألته بإحباط:
- طيب. برضه مش عايز تقول لي شغل إيه ده؟
رمقها بنظرة خالية ولم يعقب.
لوت فمها بضيق، وقد علمت أنها لن تحصل على أي إجابة، خاصة وهو ينتظر إجابة أسئلته. لذلك ازدرت لعابها بتوتر، ثم تنحنحت بقوة محاولة تقية حلقها، ثم قالت بهدوء شديد:
- طب هتتأخر؟
لم يعقب أيضًا، لذلك أردفت تقول مفسرة:
- عشان نتكلم سوا عن النهارده.
بدأت ترى بعض الانبساط لملامحه المتجهمة بعدما استمع إلى ما يريده، فابتسمت بخفوت عندما اقترب منها وجذبها بين ذراعيه قائلاً بنبرة حنونة مطمئنة:
- مش عارف. بس أتمنى متأخرش. ادعي لي بس.
عبس وجهها وتأهبت ملامحها، وقد أصابتها الريبة والشك، لذلك هتفت متسائلة بقلق متزايد:
- يعني إيه؟ فريد أنت رايح فين؟
فك حصار ذراعيها المحاوط جسده وابتعد عنها ليكمل ارتداء ملابسه وهو يقول بنبرة هادئة:
- ولا حاجة يا حياة. متقلقيش.
تبعته حتى خزانة ملابسه والتفت بجسدها حتى تصبح في مقابلته، وتعلقت عيناها بعينه ناظرة نحوه بحنان كبير يشوبه بعض القلق والحزن.
مد يده يحتضن كفها وبدأ يداعبها بلمسات رقيقة مطمئنًا لها بحب:
- مش هتأخر بس خليني أنزل دلوقتي عشان مستعجل، ولما أرجع هحكيلك كل حاجة.
أومأت له برأسها موافقة على حديثه دون تعقيب خلاف نظرتها الحزينة. أردف يقول وهو يلصقها بصدره القوي:
- حياة. أنا محتاج أتحرك دلوقتي، فلو سمحتي اضحكي.
زفرت بحيرة وتمتمت وهي تخفي وجهها بصدره:
- طب أنا ليه قلقانة؟
أجابها بمرح وهو يرفع رأسها إليه ليتأمل سواد عينيها اللامعة:
- عشان شكلك اتعودتي إني أفضل جنبك وأنا لازم أشوف حل للدلع ده.
قطبت جبينها وسألته باعتراض:
- والله!!!
أجابها مبتسماً وهو يطبع قبلة فوق وجنتها:
- اهاا.. ارجع بس وأشوف حل طويل للموضوع ده، أهم حاجة متناميش.
غمز لها بمكر، فردت وهي تبتسم بخجل وتطبع هي الأخرى قبلة مودعة فوق وجنته مغمغمة برقة:
- هستناك.
بادلها ابتسامتها بأخرى عاشقة وهو يتحرك نحو الخارج بخطوات واسعة. هتفت حياة باسمه تستوقفه، فألتفت نحوها على الفور بعدما توقفت خطواته، ينظر إليها باستفسار. أردفت حياة تقول بنعومة وخجل:
- لا إله إلا الله.
فتح فمه لوهلة مندهشاً من جملتها، ثم أجابها بانبهار:
- محمد رسول الله.
ظلت حياة تتجول داخل المنزل بقلق وهي تنظر في ساعة يدها كل عشرة دقائق تقريباً. زفرت بضيق وهي تجوب غرفتها. لقد مر أكثر من ثلاث ساعات منذ خروجه وحتى الآن لم يعد. نهرت نفسها على سذاجة تفكيرها. بالطبع أعماله تتطلب أكثر من هذا الوقت بكثير، وربما لديه واحد من تلك الاجتماعات التي تدوم بالساعات. إذاً لماذا لم تخبره بتفاصيله؟ ولماذا انقبض صدرها بمجرد سماعها عنه؟ هذا ما فكرت بقلق، وقد عاد إليها توترها مرة أخرى.
وبعد ساعة أخرى من القلق المتواصل وتعلق نظراتها بحديقة المنزل منتظرة عودته، لمحت ضوء سيارته يأتي من بعيد. تنفست الصعداء ورتبت من مظهرها قليلاً، ثم ركضت نحو الأسفل تستقبله. دلف فريد المنزل وهو يبتسم بانتصار من أجل نجاح خطته. تفاجأ وهو يتسلق الدرج بحياة تقفز بقوة داخل أحضانه، مما جعله يترنح قليلاً. مد يده ليتمسك بدرابزين الدرج ليحافظ على ثباته. أخفت حياة رأسها في طيات عنقه قائلة بصوت مكتوم:
- أنت اتأخرت أوي.
اتسعت ابتسامته وتحركت يده ترفع قدمها من فوق الدرج ليحملها بخفة ويتوجه بها نحو غرفتهم قائلاً بمرح:
- أنا لو أعرف إن كل مرة هتتأخر هتستقبليني كده، كنت اتأخرت من زمان.
انزلقت بجسدها من بين قبضته وعادت قدمها تستند على الأرضية بمجرد وصوله غرفتهم قائلاً باعتراض:
- والله! لا حضرتك ده النهاردة بس عشان كنت قلقانة مش أكتر.
مال بجذعه نحوها وطبع قبلة خاطفة فوق وجنتها، ثم توجه مباشرة نحو خزانة ملابسه ليستبدل ثيابه قائلاً بثقة:
- كام مرة قلتلك وأنا معاكي متخافيش. وبعدين متفتكريش هتعرفي تهربي مني. احكيلي كانت عايزة إيه النهاردة.
تنفست حياة مطولاً، سامحة لأكبر قدر من الهواء بالوصول لرئتيها، ثم قالت مباشرة ودون مقدمات بنبرة متوجسة:
- نيرمين عايزة تصالحك، أو بالمعنى الأصح عايزة تتعامل كأنكم أخوات وطلبت مني أتوسط عشان تعرف تقابلك.
توقفت يده عن العمل للحظات وتجمدت ملامحه، ثم استدار ليواجهها بكليته قائلاً بملامح محتقنة:
- بنت جيهان!!! وأنا؟
أردفت حياة تقول باسترسال رغم رؤيتها جموده:
- ليه لأ!!! اكتشفت إنها محتاجاك ومش عايزة العلاقة تفضل بينكم كده، خصوصاً إنك أخوها الوحيد.
أكمل فريد ارتداء ملابسه بآلية شديدة غير مبالٍ بحياة التي كانت تقف أمامه مترقبة إجابته. رفع رأسه بعد انتهائه من ارتداء التيشيرت، ثم أجابها بنبرة قاطعة:
- لأ.
اندفعت حياة تسأله مستفسرة:
- ليه لأ؟
رمقها بعدة نظرات حانقة، ثم أجابها بنبرة باردة مقتضبة:
- من غير ليه.
هتفت حياة تسأله باعتراض:
- يعني إيه من غير ليه. فريد أنت مش شايف إن من حقي تشاركني قراراتك، خصوصاً لو أنا طرف فيها.
رفع إحدى حاجبيه مستنكراً، ثم هتف مستفسراً بتهكم مستفز:
- أشاركك؟ طرف إزاي مفهمتش.
استفزها تهكمه، فأردفت تجيبه بنبرة شبه محتده:
- طرف لإني مراتك ودي أختك، يعني يهمني إن أولادي في المستقبل تكون عندهم عيلة كاملة وقبل كده عمة بيحبوها.
برغم سعادته من سماعها تنطق بتلك الفكرة التي داعبت قلبه، إلا أنه أجابها بغلظة لم تعهدها منه:
- لما يبقى عندك ولاد ويشتكوا نبقى نتكلم.
هتفت حياة اسمه بعدم تصديق:
- فريد!!!
أجابها من بين أسنانه بنبرة قاطعة وهو يتحرك نحو الفراش ليتمدد فوقه:
- حياة أنا حذرتك من الأول ورفضت تقابليها وأنتي صممتي. إنها شافتِك عبيطة بقى وضحكت عليكي بكلمتين هبل دي مشكلتك مش مشكلتي ومش عايز كلام تاني في شئ ميخصكيش.
نكست رأسها للأسفل واختنق صوتها نسيباً، وهي تجيبه بخفوت:
- شكراً على إني عبيطة.
أنهت جملتها وتحركت تجلس على الطرف الآخر من الفراش متجنبة النظر نحوه. زفر فريد بضيق وأردف يسألها بنبرة مازالت محتده:
- أنتي عايزة تتخانقي يعني؟
التفت برأسها تنظر نحوه بحدة وهي تجيبه بنزق:
- أنا مش عايزة أتخانق طبعاً، أنت اللي اتعصبت عليا.
ارتخت ملامحه قليلاً، ثم قال متشدقاً بجملته:
- كويس عشان نيرمين متستاهلش إننا نتخانق عشانها.
برغم غضبها منه، إلا أنها ضغطت فوق شفتيها تحاول كبت ابتسامة هددت بالظهور فوق شفتيها، وتعمدت عدم النظر إليه أو الرد عليه برغم تحديقه المستمر لها. اقترب هو منها متودداً، وقائلاً بنعومة:
- طب بصيلي.
أجابته بخفوت ورقة دون النظر نحوه:
- نعم!
فرك ذقنه عدة مرات بقوة، ثم أردف يقول وهو يزيد من اقترابه منها:
- مش هقول غير لما تبصيلي.
رفعت رأسها نحوه ليرى عينيها تلمع ببعض الدموع، فاستأنف حديثه الهادئ وهو يرمقها بنظرات حنونة:
- مش أنا حذرتك من نيرمين! مش عايزها تأثر عليكي. أنا أكتر واحد عارفهم هي وجيهان وعارف ممكن يعملوا إيه عشان مصلحتهم، اسأليني أنا.
مدت أناملها لتداعب مقدمة عنقه وهي تتسائل بخفوت:
- طب ممكن تحكيلي؟
تصلبت ملامحه وأظلمت نظراته وهو يجيبها بضيق:
- مش عايز افتكر.
توسلته باستعطاف رقيق وهي تحاوط وجهه بكفيها:
- طب عشان خاطري اديها فرصة واسمعها، يمكن فعلاً تكون اتغيرت. دي قالتلي إنها انفصلت عشان مش بتجيب أولاد، يعني أكيد محتاجاك ولولادنا في المستقبل في حياتها.
زفر فريد بنفاذ صبر وأغمض عينيه لوهلة، فقد أرهقه هذا الجدال السخيف:
- حياة كلامي نهائي، لأ.
علمت أنها لن تستطيع حسم ذاك النقاش الليلة، لذلك لوت فمها باستسلام وقد قررت تأجيله لوقت آخر. عادت تسأله برقة مستفسرة:
- طب ممكن أعرف كنت فين؟
مد يده ليحتضن كفها وبدأ يداعبه بنعومة قائلاً بصوته الأجش:
- مش عايز أتكلم دلوقتي.
تعمقت نظرتها بعينيه العاشقتين وقد بدأت ترتجف من لمسته الحانية فوق بشرتها وشعرت بكل غضبها منه يتلاشى، ولكنها تمالكت نفسها حتى لا تستسلم له من أول جولة قائلة بعتاب:
- أنت مش بتفهمني أي حاجة ودايماً سايبني قلقانة.
أجابها متجاهلاً عتابها وهو يخفض رأسه نحوها ويقوم بتوزيع قبلاته فوق وجهها:
- وحشتني.
تنهدت قائلة باعتراض ضعيف:
- فريد!
أجابها بابتسامة عابثة:
- أنتي قولتي كام فريد النهاردة؟
أجابته بسذاجتها المعهودة:
- كتير.
أردف يقول بجدية تتناقض مع موضعهم وأنفاسه التي تلفح بشرتها الساخنة:
- يبقى سيبيني قبل ما يتكوموا عليا.
رمشت بعينيها عدة مرات ثم سألته بخبث وهي تقترب أكثر من شفتيه:
- هما إيه دول؟
أجابها قبل التهامه شفتيها بتملك:
- هعرفك.
اختفت مقاومتها وغضبها وأرادت أن تخطف معه من الزمن لحظات خاصة بهم لم يتمناها إلا معها.
رواية متى تخضعين لقلبي الفصل السابع والعشرون 27 - بقلم شيماء يوسف
أخذت حياة نفسًا عميقًا تستجمع به إرادتها، وقد قررت التحدث معه مرة أخرى، لعل مساعيها هذه المرة تتكلل بالنجاح. ضغطت فوق شفتيها وأغمضت عينيها لوهلة تتضرع إلى الله في صمت أن يتجاوب معها ولا يصدها كعادته. فتحت عينيها بأمل وهتفت اسمه وهي داخل أحضانه بدلال يشوبه الكثير من التوتر الخفي لجذب انتباهه:
"فريدي.. ممكن أطلب منك حاجة؟ وعشان خاطري متتعصبش."
لوى فريد فمه بنصف ابتسامة جانبية من سذاجتها المعهودة، ثم أجابها بخفة مازحًا وهو يربت فوق شعرها:
"فريدك عارف كويس إنتِ عايزة تطلبي إيه، وبرضه لسه إجابتي لأ."
رفعت جسدها واستندت على مرفقها حتى يتسنى لها رؤيته بوضوح، ثم سألته بإحباط ووجهها قبالته:
"طيب على الأقل فهمني. ماشي تمام، أنا عارفة إنك مضايق منها وعارفة كمان إنك من زمان مش بتحب تحكي حاجة لحد."
صمت قليلاً لتستبين رد فعله وتنظر داخل عينيه، ثم أردفت بنبرة خفيضة وهي تحتضن كفه بتوسل:
"بس لو محكتليش أنا هحكي لمين؟!"
لمعت عيناها برجاء وهي تحدق داخل عسليتيه منتظرة جوابه. طال أسر عينيها لعينيه بصمت مترقب شعرت خلاله أن أملها يتضاءل شيئًا فشيئًا. حسنًا، إن كان يظن أنها ستستسلم فهو لم يختبر قوة عنادها حتى الآن. هذا ما فكرت بإصرار منتظرة صدور أي رد فعل منه. زفر بعد لحظات باستسلام قائلاً بنبرة ثقيلة مختنقة وعيناه تتنظر للفراغ:
"ماما مماتتش بسبب سكتة قلبية.. أو يعني ماتت بيها، بس بابا كان السبب هو اللي قتلها."
ارتمت حياة بجسدها فوق الفراش بجواره تستند بظهرها فوق الوسادة وهي تتنفس الصعداء. أخيرًا!!
بدون مقدمات استدار بجسده نحوها وقام بسحبها من خصرها للأسفل حتى تتمدد فوق الفراش، ثم أسند رأسه فوق كتفها خافيًا وجهه عنها، ثم أردف يقول بنبرة جامدة وجسد متصلب للغاية:
"جيهان هي السبب.. هي ومنصور. أنا كل اللي كنت أعرفه إنه كان شاكك إنها على علاقة بواحد قريبها، وعشان كده ضربها زي المجنون ومنع عنها الدوا لحد ما جاتلها أزمة قلبية. قلبها مستحملش ومقدرتش تكمل. بس بعدين لما رجعت، منصور جه حكالي وطلب مني أسامحه. حكالي إنه وقع ضحية للعبة جيهان ومنصور. جيهان تتخلص منها ومني، ومنصور يتجوزها بعد ما هو يطلقها لأنه كان بيحبها!!"
ارتجف جسده من الذكرى وأفزعت هي معه. رغم علمها المسبق بالخطوط العريضة لتلك القصة، إلا أن سماعها من فمه بذلك الألم الواضح في نبرته جعل بدنها يرتجف لا إراديًا. كانت كلماته متقطعة ثقيلة وغير مكتملة، ولكنها علمت أن ذلك كل ما ستحصل عليه الآن، لذلك استمعت له بكل حواسها دون مقاطعة، يكفيها أنه أخيرًا قرر التحدث وأخبارها.
أردف فريد حديثه محاولاً إخراج نبرته ثابتة قدر الإمكان:
"بعد ما ماما ماتت، كان لازم أروح أعيش معاه ومع جيهان، رغم إني كنت عارف إنها مش بتحبني، بس مكنش قدامي اختيار."
صمت قليلاً ليضيف بتهكم مرير:
"تخيلي جبروت بابا قصاد تيتا سعاد.. طبعًا النتيجة محسومة."
تنهد بوجع ثم أردف يقول:
"بس مكنتش متوقع إنها تعمل كل ده. مكنتش بتقبل تخليني آكل معاهم إلا في وجوده عشان أنا ابن الخدامة. كانت بترميلي الأكل في أوضتي لوحدي. طبعًا بعدين عرفت إن فيه سبب تاني. حتى نيرمين مكنتش بتندهلي غير كده. كانت بتتعمد تستفزني وتضربني، ولما كنت بدافع عن نفسي كانت جيهان بتيجي تجرني وترميني في أوضة المخزن، أوضة ضلمة مفيهاش نور ولا أي حاجة أقعد عليها، مع كلام من نوعية إني جيت غلط وإني لازم ألحقها وأموت زيها، وإنها مش هتسمح لي آخد كل حاجة وأسيب لبنتها الملاليم. كنت بفضل قاعد على الأرض لحد ما تقرر تفرج عني، وده طبعًا كان قبل ميعاد رجوعه عشان ما ياخدش باله من حاجة. في الأول كنت بخاف من الضلمة لوحدي، بس بعد كده حبيتها، لأن الحبس كان أرحم كتير من إني أقعد معاهم. بس وبعدها قررت إني مش هسمح لنيرمين تأذيني أو تضربني تاني وإني لازم أدافع عن نفسي، وطلبت إني أتعلم كل أنواع الرياضة، وفعلاً وافق على طول. طبعًا أنا ولي العهد."
لاحظت حياة خلال حديثه أنه يتحدث عن والده بصيغة الغائب. بالطبع تعذره، لقد تخلى والده عنه وعن حمايته في أسوأ أيامه ولم يهتم بطفله الوحيد ولا بواجباته كأي أب!! تنهدت بحزن ودموعها تنهمر فوق وجنتيها بصمت. عادت تستمع بحواسها إلى كلماته التي تدمي قلبها دون تعقيب:
"وفي يوم مدرب المصارعة طلب مني تحاليل كإجراء روتيني عشان التغذية لأن حجمي كان صغير وجسمي ضعيف، وبعدها اكتشفوا إن فيه مادة في دمي بتسبب ضمور في عضلة القلب على المدى البعيد، بس لحسن حظي إنهم اكتشفوها بدري. طبعًا غريب بيه مستحملش يشوف استثماره اللي استناه سنين بيتأذى، وفضل يدور لحد ما اكتشف إن مراته المصونة هي اللي عملت كده. ولما واجهها، انهارت فيه واعترفت قدامه إنها بتكرهني وأكتر حاجة بتتمناها إني ألحق "الخدامة" عشان تبقى صلحت الغلط اللي سمحت بيه من الأول. متستغربيش من غريب بيه، رغم قوته وهيلمانه ده، إلا إن نقطة ضعفه هي جيهان. عشان كده شاف إن أحسن قرار يرميني بره في مدرسة داخلية أرجعله بعدها رجل أعمال أشيل مسؤولياتي زي ما كان طول عمره بيتمنى. بس جيهان معملتش حسابها إني هرجع كده وإني هقدر أحمي نفسي من شرها هي وبنتها. وعارف إنهم لحد دلوقتي لسه بيحاولوا يأذوني وهيأذوكي، بس فريد بتاع زمان راح وراح معاه ضعفه، وعمري ما هسمح لحد يقرب مني أو من عيلتي أو أي حاجة تخصني."
اهتز جسدها أسفله وبدأت شهقاتها تعلو رغم محاولتها المستميتة لكبتها، ولكن أنى لها ذلك وهي تستمع لمعاناته؟ حتى لو أخفت دموعها، كيف تخفي عنه ارتجاف ذلك القلب الذي يئن من أجل صاحبه؟ رفع فريد رأسه لينظر نحوها فوجد الدموع تملأ الوسادة أسفلها. ورغم رؤيتها المشوشة استطاعت رؤية احمرار عينيه وتلك الدمعة الوحيدة التي فرت هاربة منه. رفعت إصبعها لتمسحها بحنان. رفع هو كفه يمسد وجنتها وشعرها. من الذي يواسي الآخر لم تدرِ. كل ما تعرفه جيدًا أنهما كيان واحد حتى لو اختلفت الأسماء والأجساد. ما يؤلمه يؤلمها وما يسعده يسعدها. فتحت ذراعيها على مصراعيها تدعوه إليها، فاستجاب لها على الفور وارتمى داخل أحضانها ودفن رأسه داخل عنقها، وبدأت تشعر بدموعه الساخنة تنساب فوق عنقها وكتفها. وللمرة الثانية امتزجت دموعهما معًا، حتى استكان جسده وروحه بين ذراعيها التي شددت من احتضانه كأنها تريد إخفاءه بداخلها وحمايته من أي أذى أصابه أو قد يصيبه.
بعد فترة قليلة شعرت بانتظام أنفاسه الواقعه عليها، لذلك سمحت لنفسها هي الأخرى بإغماض عينيها وإنهاء تلك الليلة الحزينة.
في الصباح استيقظت حياة بجسد متخشّب من ثقل جسده الملقى عليها. حركت إحدى ذراعيها ببطء شديد عدة مرات لفك تيبسه، ثم بدأت تداعب به خصلات شعره بحنان. تململ فريد في نومته وحرك رأسه للأعلى قليلاً علامة على بدء استيقاظه. ابتسمت حياة بحب من مظهره العفوي، فهي تعشق مظهره عند الاستيقاظ وخصوصًا بعبوس وجنتيه التي سرعان ما تتحول لابتسامة كسولة بمجرد رؤيتها. أحنت رأسها قليلاً حتى تصل إليه، ثم بدأت تطبع عدة قبلات رقيقة فوق جبهته. حك أنفه داخل عنقها وقد بدأت ابتسامته في الظهور، ثم غمغم وهو لا يزال مغمض العينين بصوته الناعس الذي خرج مكتومًا بسبب فمه الملتصق بعنقها:
"خلي بالك هتعود أصحى كده كل يوم."
اتسعت ابتسامتها وأجابت بدلال وهي تعبث بمنابت شعره:
"اتعود.. وأنا هضطر أتعامل."
فتح عينيه ورفع جسده لينظر نحوها، ثم أردف يقول بمرح ينافي ما مرا به ليلة البارحة:
"اممممم.. قولتيلي مضطرة."
أنهى جملته وبدأ يحرك ذراعيه أسفل خصرها ليجذبها نحوه. هتفت حياة باسمه بنبرة عالية معترضة وهي تحاول كبت ضحكتها:
"لا فريد.. هتتأخر. والله الموظفين هيقولوا أنا السبب."
توقف عن جذبها وعبس جبينه متصنعًا الجدية، ثم سألها بتركيز مستفسرًا:
"على أساس مش إنتي اللي بتأخريني؟!"
جعدت أنفها ولكمته بحدة في كتفه قائلة بحنق وهي تحاول الابتعاد عنه:
"والله!!! طب أوعى بقى يا أستاذ فريد عشان متتأخرش."
ضغطت على حروف كلمتها الأخيرة بتهكم غاضب جعل ضحكته تدوي عاليًا من تقلب مزاجها الناري. جذبها نحوه أكثر مضيقًا المسافة بينهم، ثم قال بابتسامته العابثة:
"الموظفين ومدير الموظفين ومدير مدير الموظفين تحت أمر حياتي."
تبدل مزاجها في الحال وعادت ابتسامتها الخجلة في الظهور من تودده المحبب لها. ثم انتهزت الفرصة لتسأله وهو يقترب من فمه لشفتيها:
"طب مش هتقولي كنت فين بالليل؟ إنت قلتلي هحكيلك وأنا مستنية."
ابتعد عنها قليلاً وأغمض إحدى عينيه قائلاً بحاجب مرفوع:
"مش وقته خالص على فكرة."
عاد ليقترب منها، فأسرت تقول مقاطعة له بنبرة حادة نوعًا ما:
"لا وقته. فريد بجد أنت وعدتني هتحكيلي!!"
زفر مطولاً ثم أجابها وهو يطبع قبلة خفيفة جانب فمها:
"هحكيلك بليل."
دفعته برقة حتى يبتعد عنها قليلاً، ثم نظرت نحوه مرددة باستنكار:
"لسه هستنى لبليل؟!"
أجابها بغموض:
"آها.. دلوقتي مش فاضي."
أجابته باختصار وقد أغضبها تسويفه:
"امممم عندك حق.. إحنا دلوقتي مش فاضيين."
حركت جسدها مبتعدة عنه استعدادًا للخروج من الفراش، فأردف يقول وهو يوقف تحركها:
"طب مفيش صباح الخير الأول؟!"
رمقته بعدة نظرات محتدة، ثم أجابه باقتضاب من جانب فمها:
"صباح الخير."
هتف معترضًا بضيق:
"لا مش هي دي صباح الخير بتاعتي اللي أنا عايزها."
أجابته ببرود وهي تبتسم له بسماجة:
"هي دي صباح الخير اللي عندي لحد بليل."
هتف بضيق عندما نجحت في التسلل من بين يديه خارج الفراش قائلاً باعتراض طفولي:
"حيااااة.."
لم تعره أي انتباه بل واصلت سيرها نحو الحمام وهي تبتسم بخبث. لحق بها وهو يعاود سؤالها بضيق شديد:
"إنتي بتهزري صح؟!"
التفت تنظر نحوه ببراءة شديدة، ثم سألته بنبرة باردة مدعية عدم الفهم:
"بهزر ليه؟!"
هتف مرة أخرى زافرًا بقوة وهو يحك مؤخرة رأسه بيده متسائلاً باعتراض:
"إنتي عارفة ليه."
أجابته بخفوت وهي تعاود الاقتراب منه بشكل حميمي:
"لا مش عارفة فهمني."
قبض على خصرها بذراعيه والصق جسدها بصدره القوى قائلاً من بين شفتيه وهو يخفض رأسه نحوها:
- انتِ بتعاقبيني يعني؟
سألته هامسة وقد أصبحت شفتيه الآن أمام فمها بعدما أخفض رأسه نحوها:
- وانت بتعاقبني؟
هز رأسه نافيًا ببطء ثم أجابها بصوته الأجش وهو يتلمس بشفتيه شفتيها استعدادًا لتقبيلها:
- أبدًا.. بس عندي حاجات أهم دلوقتي.
ضيقت عينيها فوقه ثم بدأت تحرك كفيها بنعومة شديدة فوق ذراعيه العارضين حتى ارتخت قبضته فوقها ثم قامت بالانفلات منه قائلة من بين أسنانها باستفزاز:
- وأنا كمان عندي حاجات أهم دلوقتي.
أنهت جملتها وركضت إلى الحمام، غالقة الباب خلفها جيدًا، تاركة فريد خلفها يهتف اسمها بحنق شديد عدة مرات، متوعدًا لها عما فعلته به.
***
في فيلا غريب رسلان وتحديدًا داخل غرفة طعامه، ارتفع رنين هاتفه الموضوع أمامه فوق مائدة الإفطار. أخذه غريب باهتمام شديد خصوصًا بعد رؤية هوية المتصل، ثم سأل الطرف الآخر بترقب:
- ها.. أكيد عندك حاجة جديدة؟
استمع لجاسوسه المجهول باهتمام شديد وبدأ بؤبؤ عينيه يتسع بتركيز شيئًا فشئ، سأله غريب مستفسرًا باندهاش:
- بليل؟ وأتحرك لوحده؟
استمع إلى إجابة الطرف الآخر ثم ردف يقول باعتراض:
- حتى لو معاكم الأمن! إزاي يتحرك خطوة زي دي من غير ما تبلغني؟
استمع إلى تبرير الرجل الآخر يليه عدة جمل مطولة، ثم بدأت ملامح وجهه في الابتسام بسعادة، مستفسرًا بعدم تصديق:
- يعني نجح! اتقبض عليه فعلًا؟
استمع إلى إجابة سؤاله ثم أغلق الهاتف، وضحكته تدوي بانتصار عجيب. انتبهت جيهان الجالسة بجواره بجميع حواسها إلى مزاج زوجها الذي تبدل في لحظة، لتسأله باستفسار:
- مالك يا غريب؟ إيه المكالمة اللي بسطتك أوي كده ومين ده اللي اتقبض عليه؟
أجابها غريب بشماتة وأسنانه تبرز من خلف ابتسامته:
- منصور اتقبض عليه بليل بتهمة تهريب أسلحة ومعاها الشروع في قتل فريد، بعد ما اعترف عليه القاتل اللي كان مأجره.
ارتجفت يد جيهان وارتجف معها فنجان القهوة الذي كانت تحمله، وتمتمت تسأله بخفوت شديد ونبرة مهتزة:
- انت متأكد من كلامك ده؟
أجابها غريب بفخر وثقة وقد انتفخت أوداجه غرورًا:
- متأكد.. فريد بنفسه هو اللي كان هناك بعد ما اتفق مع البوليس وقبضوا عليه متلبس بالأسلحة.. ابني الأسد.. راجل بصحيح.
ابتعلت جيهان ريقها بصعوبة بالغة، وقد حاولت رسم ابتسامة باهتة وهي تقول من بين أسنانها بشرود:
- مبروك.
أجابها غريب بسعادة حقيقية وهو يتحرك من مقعده استعدادًا للخروج:
- الله يبارك فيكي.. لازم أتحرك دلوقتي وأشوف هنعمل إيه.
عند مدخل المنزل، أوقفه صوت نيرمين التي ركضت خلفه تستوقفه، بعدما رمقت والدتها بنظرة ذات مغزى، قائلة باستفسار:
- بابي عملت إيه في اللي اتكلمنا فيه؟
ربت غريب فوق كتفها مطمئنًا وهو يقول بثقة:
- متقلقيش يا حبيبتي، النهارده هحاول أتكلم مع حياة وأنا واثق من تأثيرها عليه.. بيني وبينك أنا كنت معترض عليها في الأول، بس بعد ما شفت السعادة في عيونه اتأكدت إنه بيحبها جدًا، ولو في حد هيقدر يأثر عليه هتكون هي.
ابتسمت له ابنته باقتضاب تعقيبًا على حديثه، ثم أردفت تقول متصنعة اللهفة:
- آه يا بابي بليز، أنا عايزك تخلص الموضوع ده في أسرع وقت.
أومأ له والدها برأسه موافقًا، ثم قال بتصميم:
- متقلقيش، كل حاجة هتتحل مادام عندك النية.. مش متخيلة أنا مبسوط قد إيه بقرارك ده يا نيرو.
حركت رأسها هي الأخرى موافقة على حديثه ولم تعقب. نظر غريب إلى وجهها متفحصًا، ثم سألها بقلق:
- نيرو! انتِ كويسة؟ شكلك مش طبيعي!
سألته نيرمين بتوتر ملحوظ:
- قصدك إيه يا بابي؟
أجابها غريب بحيرة وهو يعاود تأملها:
- مش عارف، بس عينيكي مرهقة أوي وشك كله مش مظبوط.. حتى مامتك بتشتكي إنك بقيتي بتقضي طول اليوم في أوضتك وبالليل للخروج ومش بتقعدي معاها زي الأول.. مالك يا حبيبة بابي؟
تنحنحت نيرمين بارتباك ثم أجابته كاذبة:
- ولا حاجة يا بابي، أنا بس زهقانة عشان مفيش حاجة في حياتي جديدة.. انت بس نفذ اللي طلبته منك وأنا هرجع مبسوطة تاني.. صدقني.
ابتسم غريب باستحسان وهو يرى جدية ابنته في إصلاح الأحوال بينها وبين ابنه الوحيد، ذلك الشيء الذي طالما سعى إليه وتمناه منذ صغرهم، وحالت بينه وبين حدوثه جيهان.. هذا من وجهة نظره بالطبع.
***
راقبت حياة خلال الفطور وما تلاه من روتينهم اليومي رد فعل فريد ووجهه المتجهم بسبب صدها له وابتعادها عنه. لم تكن هي الأخرى سعيدة أو فخورة كثيرًا بما فعلته، ولكنه لم يترك لها وسيلة أخرى حتى يتحدث معها ويشاركها تفاصيل يومه. كانت علاقتهما رائعة فيما عدا ذلك، سواء في المنزل أو العمل، أما علاقتهما الخاصة فكانت سحرًا من نوع آخر لم ولن تختبره إلا معه. ولكن رغم ذلك، كان يؤلمها كثيرًا إغلاقه على نفسه. حسنًا، هي تعلم طبعه منذ الصغر وتعلم أنه لم يكن كثير الحديث أو البوح بما يدور بداخله، ولكن هذا يضره ولا ينفعه. لقد كان وحيدًا بما يكفي ولن تسمح له بالانغلاق على نفسه أكثر من ذلك. هي زوجته وقبلها حبيبته، ومن واجبها مشاركته همومه ومشاكله حتى إن اضطرت إلى استخدام كل الطرق غير المحببة له ولها.
***
أما عنه، فقد جلس خلف مكتبه بعد وصوله لمقر شركته يتصفح الجرائد اليومية وعينيه تلمع برضا بعد حرصه الشديد على تصدر ذلك الخبر العاجل لكل الإعلام المصري، سواء المكتوب أو الإلكتروني. عاد بجسده للوراء مستندًا على ظهر مقعده، واضعًا ساقه فوق الأخرى بفخر وعينيه تشع ببريق الانتصار. لقد انتظر سنوات وسنوات لرؤية انكساره أمامه، وها هو الآن يجلس فوق مقعده بعدما حقق مراده ورأى منصور يسير مكبلًا بقيود الخزي والخيبة، مع الصدمة تكسو ملامحه وتغلف خطواته.
لقد كلفه ذلك الكثير من الجهد والمال، ولكن يهون.. كل ذلك يهون من أجل التخلص منه والانتقام لذكرى والدته. فقط تبقى حساب شريكته جيهان. قاطع تفكيره رنين هاتف مكتبه الداخلي، تبلغه سكرتيرته من خلاله بوصول ضيفه المرتقب. طلب منها فريد إدخاله على الفور، ثم اعتدل في جلسته استعدادًا لاستقباله. دلف وائل الجنيدي لداخل الغرفة بسعادة هو الآخر. تحرك فريد يستقبله باهتمام رغم الحذر، والذي لا يزال بادياً في جميع تصرفاته معه. صافح كفه باستحسان عندما هنأه وائل قائلاً بارتياح:
- مبروك.
أجابه فريد باقتضاب وهو يشير له باتجاه أحد المقاعد للجلوس:
- مبروك علينا.
قال وائل بثقة:
- ما كانش عندي شك للحظة واحدة إنك ممكن تفشل أو عمي يعرف ينجح في تهريب الصفقة دي.. واسمح لي أقولك إني معجب بذكائك وقبله تصميمك.
أومأ فريد له رأسه بهدوء ثم أجابه بغموضه المعتاد:
- وأنا معجب بحسن تصريفك للأمور.. وقبلها اختيارك الصح.
ابتسم وائل من مغزى جملة فريد الذي وصله بوضوح، ثم أردف يقول بنبرة ذات مغزى:
- الحياة ساعات كتير بتحطنا قدام اختيارات وبتجبرنا نتعامل بأساليب ما كناش نتوقع نستخدمها في يوم.. عمتا خلينا في المهم.. اللي كنا عايزينه حصل ودلوقتي مستني اللحظة الأهم.
أجابه فريد بغرور:
- وفريد رسلان عمره ما يخلف وعده.. الشراكة مع الألمان من النهارده بينا إحنا الـ 3.
ظهرت ابتسامة وائل الودودة والتي كان يتسم بها دائمًا، عكس فريد دائم التجهم.
في الخارج، لمح السيد غريب خيال حياة عائدة من الممر إلى غرفتها. انتهز الفرصة وتحرك خلفها هاتفا باسمها ليستوقفها. التفت حياة بكليتها تنظر نحوه بفضول. فرغم كل شيء، لم تكن العلاقة بينهم ودية ولن تكون. حتى رؤيتها له الآن أثارت حنقها، فبعد حديث البارحة مع فريد، عاد غضبها الدائم منه ليطفو إلى السطح من جديد، لذلك تحدثت إليه بجمود متسائلة:
- في حاجة؟
أجابها غريب بوداعة لم تعهدها منه:
- مبروك.
قطبت حياة جبينها بعدم فهم ثم سألته مستفسرة:
- مبروك على إيه مش فاهمة؟
سألها غريب باستنكار:
- لا متقوليش إنك مش عارفة، والأهم متقوليش إن فريد مبلغكيش بحاجة؟
سألته حياة بترقب والفضول يزداد بداخلها:
- لا، حضرتك عارف فريد مش بيتكلم كتير.
هز غريب رأسه موافقًا على حديثها، ثم بدأ يسرد لها تفاصيل ليلة البارحة وما علمه من جاسوسه الخاص من مشاركة فريد في القبض على منصور. فتحت حياة فمها باندهاش واتسعت عينيها بذهول وهي تستمع إلى التفاصيل القليلة التي بحوزة غريب، والتي تكفيها لتشعر بالسعادة تغمرها. هل فريد فعل ذلك حقًا؟ لم ينتقم منه شخصيًا، وبدلًا عن ذلك سلمه للأمن. تحتاج الآن لمن يصفعها على وجهها للتأكد من عدم هذيانها. بدأت ساقيها تتحرك تلقائيًا في اتجاه غرفته للتأكد من صحة تلك المعلومات، ولكن صوت غريب أوقفها مرة أخرى ليسألها على استحياء قائلاً:
- حياة.. نيرمين كلمتك صح؟
بمجرد سماعها لذلك الاسم، تلاشت سعادتها وعاد الغضب يكسو ملامحها. تلك الأفعى الصغرى ووالدتها. ماذا تريد منه الآن بعد ما فعلته به وهو طفل لم يتجاوز الثانية عشر؟ لذلك اندفعت تجيبه بنبرة عدائية:
- غريب بيه، لو سمحت أنا بره الموضوع ده.. نيرمين لو نيتها صادقة تفضل تحاول مع فريد لحد ما يسامحها.. غير كده أنا مش هقدر أساعدها.
سارع غريب يقاطعها برجاء:
- حياة لو سمحتي.. صدقيني نيرمين صادقة في كل كلمة قالتها، وصدقيني أكتر أنا بتمنى فريد يسامحنا كلنا ونبقى عيلة كاملة من غير مشاكل ولا أحقاد.. من فضلك ساعدينا في ده.
لانت قسمات وجهها قليلاً، وكيف لا وقد عزف على وترها الحساس وهو العائلة. لذلك هزت رأسها بجمود، ثم تركته وانصرفت متجهة نحو غرفة زوجها، وعيونها تلمع بالحب لمجرد التفكير به.
***
اندفعت حياة داخل غرفة مكتبه دون استئذان وهي تهتف اسمه بسعادة:
- فريددي!
توقفت عن الحركة واحمرت وجنتاها حرجًا عندما رأته يجلس مع شخص ما بالغرفة، لذلك هتفت مسرعة بخجل:
- أنا آسفة.. آسفة جدًا والله..
بحسبك لوحدك وايمان مكنتش بره
اسألها .. انا اسفه وكملوا اجتماعكم ..
انهت جملتها وبدأت تنسحب بجسدها للخلف استعداداً للخروج.
تحرك فريد في اتجاهها، وعلى عكس عادته لم يكن منزعجاً من دخولها العاصف، خاصة وهي تنطق اسمه بذلك الحب.
أما من تحرك قبله يسبقه كالمسحور، فهو وائل الجنيدي الذي هتف بعدم تصديق:
- انتي!..
تراجعت حياة خطوة للخلف ونظرت نحو فريد بعدم فهم وترقب.
ثم عادت بنظرها لذلك الرجل المجهول أمامها تسأله بتوجس:
- مش فاهمه!..
تقدم وائل نحوها حتى توقف أمامها.
ثم عاد يقول بأندهاش:
- ايوه فعلاً ده انتي..
لم تكن تنظر إليه، بل كانت نظراتها معلقة بوجه آخر كانت تعرفه جيداً وتعرف تلك النظرة بالتحديد.
هزت رأسها لفريد الذي قطع المسافة بينهم في ثلاث خطوات.
ثم قبض على كفها بقسوة جاذباً جسدها نحوه حتى التصقت به.
أردف وائل يقول شارحاً:
- انتي مش فكراني صح!!.. انا قابلتك في المستشفى..
حركت حياة رأسها نافية بآلية شديدة.
ثم رفعت رأسها نحو فريد ترمقه بنظرات متوسلة.
والذي بدأت عروقه في النفور من شدة الضغط فوق أسنانه.
تنحنت حياة قائلة بخفوت، محاولة إنهاء ذلك الموقف:
- انا اسفه بس انا مش فاكرة بصراحة..
فتح وائل فمه ليجيبها.
وعند تلك اللحظة تدخل فريد مقاطعاً إياه بنبرة جامدة:
- وائل بيه.. اقدملك حياة هانم.. مراتي..
ضغط فريد على كلمته الأخيرة مؤكداً على ملكيته لها.
فاستطرد وائل يقول بخيبة أمل واضحة:
- احم.. اه اسف.. اهلاً وسهلاً.. انا بس صادفت الهانم يوم ما كنت بزورك في المستشفى بس يمكن هي مش فكراني..
في الحقيقة كان محقاً في ظنه، وحياة لم تتذكر لقائهم ذلك أبداً.
وبدا ذلك واضحاً على ملامح وجهها التي كانت قلقة أكثر من رد فعل فريد على جملته.
أما عن وائل، فقد تراجع بإحباط واضح بعدما تأكد أن ذلك الغزال الشارد الذي شغل تفكيره لأيام وأيام لم يكن شارداً، بل هو ملك لشريكه.
هتفت حياة لفريد بنبرة خفيضة بعدما تراجع ضيفه تاركاً لهم المجال لبعض الخصوصية:
- فريد انا اسفه انا كنت بحسبك لوحدك..
سألها بغضب لم يخفَ عليها:
- في حاجة؟..
حركت رأسها نافية ثم أجابته بإحباط:
- لا ابداً.. كنت هقولك حاجة بس مش مهم لما نروح البيت..
أنهت جملتها ورمقته بابتسامة مسرعة وعينيها تلمع بعشق عندما تذكرت ما قام به مرة أخرى.
ثم هرولت للخارج، فهي لن تجازف بمكوثها جواره أكثر من ذلك، خصوصاً والغضب لا يزال يكسو ملامحه.
داخل غرفتها اندفع فريد يقتحمها دون استئذان.
والغضب يتأكله من غيرته المنطقية بعدما لاحظ طريقة تعامل ذلك المدعو وائل معها ونظراته لها.
اندفعت حياة بمجرد رؤيتها له تقفز فوقه وتعانقه بحب وهي تغمغم بجوار أذنه بإعجاب:
- انت احلى فريد في الدنيا كلها..
حسناً، لقد تلاشى الآن جزء من غضبه.
أنهت هي جملتها وبدأت تطبع عدة قبلات خاطفة فوق وجنته.
ليكن صادقاً، لقد تلاشى جميع غضبه وليس جزءاً منه.
هذا ما فكر به بسذاجة وهو يشدد من احتضان ذراعيه لها.
ثم سألها بإستفهام وجسدها ينزلق من بين يديه ليلامس الأرضية مرة أخرى:
- ممكن اعرف الدلع ده كله ليه..
أجابته هامسة بخجل وأصابعها تعبث بمقدمة ذقنه:
- انت عارف..
سألها مستفسراً بعدم فهم ونبرة ناعمة:
- لا مش عارف..
رفعت جسدها ووقفت على أطراف أصابعها حتى تصل إليه.
ثم أجابته هامسة بوله:
- بابا قال لي انت عملت ايه امبارح..
قطب جبينه بمرح ثم سألها بصراحة وهو يقبل أصابعها التي تداعب وجهه:
- يعني كل الرضا ده عشان منصور اتقبض عليه..
أجابته بحب وهي تحدق داخل عينيه بعيونها اللامعة بفخر:
- عشان حاجات كتير أولها اني فخورة بيك.. وعشان انت اجمل حاجة في الدنيا دي..
تسائل بتأنيب أمام شفتيها هامساً بحرارة:
- طب المفروض اعمل ايه انا دلوقتي بعد اللي عملتيه الصبح..
أجابته هامسة وهي تطبع قبلة فوق ذقنه:
- اسفه..
طبعت قبلة أخرى بجانب شفتيه.
ثم أردفت تعيدها ثانية:
- اسفه..
طبعت أخرى ثالثة مطولة فوق شفتيه بعدما أعادتها للمرة الثالثة.
تنهد هو باستسلام وقد بدأت قبلاتها تأتي بثمارها.
ثم انحنى نحوها يقبلها بجنون تعويضاً عما فاته في الصباح.
ابتعد عنها بعد قليل وهو يلهث قائلاً بنبرة أصبحت تحفظها جيداً:
- مش هينفع هنا.. انا لازم أمشي قبل ما اتهور في مكتبك..
ابتعد عنها خطوتين للخلف ثم غمغم بتحذير:
- و خليكي بعيدة عني لاخر اليوم عشان اركز في شغلي.. ماشي..
دوت ضحكتها عالياً من مظهره الحانق.
فأردف يقول بغيظ:
- ومتضحكيش!!..
أخفت فمها بكفها وهي تحرك رأسها موافقة بمرح.
أما عن عينيها، فكانت تلمع بعبث ورغبة.
حرك هو رأسه قائلاً بقلة حيلة:
- المشكلة كلها هنا اصلا.. متبصليش بقى لاخر اليوم ولحد ما اخلص عشاء الزفت اللي عندي بليل..
اتسعت ابتسامتها العاشقة له ثم أرسلت له قبلة في الهواء.
استقبلها بسعادة قبل خروجه من الغرفة.
في المساء عاد فريد للمنزل بعد انتهاء عشاء العمل الذي اضطر لحضوره.
وهو يتنهد بإرهاق، فأخيراً انتهى ذلك اليوم المشحون، والآن يستطيع الانفراد بزوجته.
بحث عنها بعينيه قبل رؤيته لشعاع الضوء المتسلل من غرفة المعيشة.
توجهه إليها على الفور فوجدها غافية فوق الأريكة الوثيرة، ملتفة بذلك الوشاح الصوفي الناعم ومحتضنة أحد الكتب الروائية بين ذراعيها بنعومة.
علت الابتسامة وجهه وهو يجلس أمامها فوق الطاولة الخشبية المقابلة للأريكة متأملاً بعشق ملامح وجهها المسترخي بارتياح.
تأمل بحب أهدابها الطويلة.
تلك الرموش التي تحتضن داخلها ليلة خاصة بنجومه التي لا تضوي إلا من أجله.
سحره الفاتن الذي وقع في أسره منذ أول تحديقة بريئة به.
مرآته التي يرى بها "نفسه" كما هو دون إضافات.
لم يكن يوماً يسعى إلى كسبها.
وقع نظره فوق ذلك الكتاب الذي تحتضنه كعادتها.
مد يده بحذر يسحبه من داخل ملكيته الخاصة.
نعم، لقد أصبح ذلك الحضن ملكيته وملاذه، موقع رأسه وراحته.
وهو فقط من يحق له استخدامه دون غيره، حتى لو كان غيره ذلك مجرد جماد.
تسللت يده إلى الأسفل يتلمس برفق شديد بطنها.
وهو يتذكر بسعادة جملتها عن أطفالهم، أن ما يعيشه معها الآن أجمل حتى من كل الأحلام.
تنهد بارتياح وهو يرفع رأسه للأعلى بامتنان.
"رحيم" هذا ما رَدده قلبه بصمت.
لقد مَنَّ عليه كما تمنى وأكثر.
وها هو يحاول بكل طاقته حفظ عهده معه.
فمنذ ليلة مرضها عندما وقف يشاهد ذهابها من بين يديه دون حيلة، وبعدما فعل المستحيل لتصبح له، عاهد الله أن أكرمه بشفائها ليبتعد عن تلك المعاصي التي أهلكت قلبه.
وها هو حتى الآن لم ينقض ذلك الوعد إلا عندما سولت له نفسه بالانتقام.
وهَمَّ بقتل نفس، كانت هي من تقف أمامه لتمنعه.
وكأن الله قد بعثها هي خصيصاً ليذكره بذلك العهد الذي قطعه لها ومن أجلها.
هذا هو سره الصغير الذي أخفاه عن الجميع والذي سيبقى دائماً سر بينه وبين خالقه الرحيم.
هتف اسمها بحنان وهو يعيد بأنامله خصلات شعرها الشاردة خلف أذنها ليوقظها.
فتحت حياة عينيها ببطء ورأسها لا تزال مستندة فوق ذراع الأريكة.
ثم ابتسمت له بإشراق قائلة بنبرة ناعسة:
- حمدلله على السلامة..
بادلها ابتسامتها بأخرى شغوفة وأصابعه لا تزال تتلمس وجنتها بحنان.
فأردفت تقول وكفها يتحرك نحو يده التي تعبث بخصلاتها لتحتضنها:
- وحشتني..
تنهد بحرارة وهو يقترب بجسده منها قائلاً ببوله:
- انتي اللي وحشتيني..
سألته باهتمام وهي تشبك كفها بكفه:
- الاجتماع كان حلو؟..
أجابها وهو يطبع قبلة فوق جبهتها:
- اكيد مش أحلى منك بس اطمني مضيت العقد زي ما كنت عايز..
اتسعت ابتسامتها ولمعت عيونها بفرحة وهي تمد ذراعها نحوه لينضم لها.
احتضن هو ذراعها وتحرك يتمدد جوارها ويلتصق جسدها بها.
وهو يسألها بهدوء:
- انتي نايمة هنا ليه؟..
حركت كتفيها بعدم معرفة وأسندت رأسها فوق صدره تتوسده.
ثم أجابته برقة:
- محبتش أطلع الأوضة من غيرك.. وبصراحة خفت أنام قبل ما ترجع وأنا هموت وأعرف انت عملت كل ده امتى وازاي..
أجابها بنبرة مرحة وأصابعه تتحرك فوق ذراعها ذهاباً وإياباً:
- اممممم.. يعني مفيش فرصة أفلت من التحقيق ده..
حركت رأسها فوق صدره دون رفعها وأصدرت صوت من حنجرتها يدل على الرفض قبل قولها باعتراض:
- لا انسى لازم أعرف وبالتفصيل الممل كمان..
ابتسم من إصرارها الطفولي وأردف قائلاً باستسلام مرح:
- امري إلى الله.. بصي يا ستي.. طبعاً حضرتك عارفه ان وائل الجنيدي زارني في المستشفى..
تجاهلت حياة نبرة التأنيب الواضحة في صوته ولم تعقب.
فأردف هو يقول مسترسلاً:
- باختصار.. هو بلغني انه رافض سياسة عمه ومش موافق على أي حاجة من اللي بيعملها وطريقته في الإدارة سواء مع منافسيه أو جوه شركته وانه عايز يخلص من تحكماته دي لسببين.. اولهم انه اكتشف ان ليه يد في موت والده ومقالش تفاصيل وأنا مهتمتش أسأله.. والسبب التاني انه خايف على مستقبل الشركة وعايز يحافظ على اسمها اللي جده وأبوه تعبوا فيه خصوصاً بعد ما عرف ان منصور بيدخل أعمال مشبوهة في الشركة ولما واجهته بده مأنكرش بالعكس ده صمم على موقفه وده خوف وائل أكتر.. المهم.. وضح لي وجهة نظره وانه محتاج مساعدتي ونحط إيدينا سوا عشان نخلص منه في مقابل واحد اني أنقذ الشركة من الإفلاس والتوكيل اللي سحبته منهم يرجع لشركتهم تاني أو على الأقل أنا محتكرش السوق وأقبل أورده له.. طبعاً في الأول شكيت في كلامه بس هو أثبت لي حسن نيته بحاجتين.. الأولى انه بلغني بسفر الكلب اللي ضرب عليا النار وفعلاً عرفت ألحقه قبل ما يسافر وانتِ عارفة باقي الحكاية دي.. بس اللي انتي متعرفيهوش ان بعد ما انتي اتدخلتي اتفقت مع القاتل يعترف على منصور مقابل حياته وحياة عيلته فوافق..
سألته حياة مقاطعة بحماس:
- طب والتاني؟..
أجابها فريد مستطرداً حكايته:
- والتاني يا ستي انه بلغني ان منصور داخل في صفقة أسلحة تقيلة مع حد من المافيا في ايطاليا والوسيط بينهم راجل عايش في انجلترا..
أنا انتهزت الفرصة وسافرت بسرعة، وأقنعت الوسيط يبلغني بميعاد التسليم مقابل إنه ياخد نص العمولة مع باقي دفعات الأسلحة اللي منصور دفعها كلها من جيبه قبل الاستلام. طبعًا كانت صفقة مغرية، فمقدرش يرفضها لأن منصور كان غشيم في الاتفاق ووافق إن التسليم يكون على دفعات بعد ما دفع كل الفلوس، فكده هياخد العمولة والأسلحة. والباقي بقى مش محتاج أشرحله. الوسيط بلغني بميعاد التسليم ومكانه، وعليه بلغت البوليس ورحنا سوا. اتقبض على منصور متلبس بتهمة الأسلحة الأولى وبتهمة الشروع في قتلي التانية.
رفعت حياة رأسها تنظر نحوه بذهول وفم مفتوح بمجرد سماعها كلمة إنجلترا. إذا لقد اضطر للسفر من أجل ذلك. كان فريد يعلم جيدًا ما يجول بخاطرها، فأبتسم لها مؤكدًا فكرتها دون تعقيب عليها، ثم أردف يقول بتشفٍ وسعادة متجاهلاً دخولها منه:
- يعني مؤبد يوم ما المحكمة تترأف بيه.
تحولت نظرة حياة نحوه للضيق، ثم سألته معترضة بقلق وقد انتبهت لباقي حديثه:
- فريد، إنت إزاي تروح معاهم كده؟ افرض كانوا مسلحين أو حصلك أي حاجة، وانت عارف إنه بيكرهك.
أجابها فريد بعدم اهتمام وهو يبتسم من خوفها عليه:
- افرض! ماهما فعلًا كانوا مسلحين.
شهقت حياة بفزع وبدأت عيونها تلمع بالدموع في لحظة. فأردف فريد يقول مطمئنًا لها بخفة:
- يا روح قلبي، مانا قدامك أهو. إنتِ خايفة من حاجة عدت وخلصت.
أجابته حياة باعتراض:
- آه هي عدت وخلصت، بس ده مش معناه إنك تكون مهمل في حياتك كده. وبعدين أنا مضمنش ممكن يعمل إيه بعد كده يعرضك للخطر.
اتسعت ابتسامة فريد وهو يرى كل هذا القلق منها عليه، لذلك أردف يقول بحنو مراعيًا لقلقها:
- متخافيش. أنا كنت مرتب مع الأمن ولبسوني واقي للرصاص خصوصًا، وهما عارفين إن منصور كان السبب في إصابتي الأولى.
تنهدت حياة بارتياح ولانت قسمات وجهها، ثم عادت تستلقي برأسها فوق صدره. تحدث فريد متسائلًا بامتعاض وهو ينظر حوله:
- هو احنا هنقضي الليلة النهارده على الكنبة دي؟
أجابته حياة معتذرة:
- لا طبعًا. أنا غبية، أكيد إنت تعبان وعايز ترتاح.
أنهت جملتها وهي تعتدل في جلستها استعدادًا للنزول من فوقه. أمسك فريد بذراعها يمنعها من الابتعاد عنه وهو يقول باعتراض:
- لا يا شيخة! يعني أنا خلصت العشا بسرعة وجيت جري عشان تقوليلي تعبان وعايز ترتاح! وبعدين أنا لسه يومي مخلصش عشان أرتاح.
سألته حياة باستنكار:
- مخلصش! إنت لسه عندك شغل تاني؟
أجابها من بين قُبلاته والتي بدأ ينثرها فوق وجهها وعنقها:
- آه، لسه عندي صباح الخير بتاعة الصبح اللي ضحكتي عليا فيها، وبعدها عندنا تمرين البوكس اللي إنتي ورطتي نفسك فيه، وبعدها مكافأتي على النهاردة، بس دي ممكن أعملك فيها استثناء.
شهقت حياة بفزع وهي تقول باعتراض:
- فريد، إنت بتهزر صح؟
هز رأسه نافيًا دون حديث، ثم أردف يقول بجدية شديدة وهو يقترب من شفتيها:
- في حاجة قبلهم الأول.
سألته حياة بارتياب وهي تضيق عينيها فوقه:
- قصدك إيه؟
أجابها بمكر وهو يضع ذراعه أسفل خصرها استعدادًا لحملها:
- في ضريبة كلمة "فريد" اللي بتطلع منك كل شوية دي.
فتحت فمها للاعتراض الذي لم يكتمل بسبب التهامه لشفتيها وهو يتحرك بها نحو غرفتهم تطبيقًا لخطته.
رواية متى تخضعين لقلبي الفصل الثامن والعشرون 28 - بقلم شيماء يوسف
-يعني إيه!!! مش هنعرف نوصل معاها لحاجة؟ انتي بقالك أكتر من أسبوع يا نيرمين بتحاولي معاها كل يوم ومفيش فايدة!
هذا ما هتفت به نجوى بعصبيتها التي أصبحت معتادة في الآونة الأخيرة وهي تجلس في ذلك النادي الرياضي المشهور أمام كل من نيرمين وجيهان. زفرت نيرمين مطولًا وقد أصبح التوتر هو سمتها الدائمة هي أيضًا، مبررة لصديقتها المقربة:
-طب خلاص أعمل إيه يا نجوى! ما كل خطوة بعملها على إيديك.. بس هي رافضة تتعامل معايا بأي شكل خصوصًا وهي عارفة إنك صاحبتي الوحيدة تقريبًا.
تنفخت نجوى بغضب شديد وهي تعود وترتمي بجسدها فوق المقعد الخشبي متسائلة بإحباط:
-يعني إيه خلاص كده! خطتنا كلها فشلت؟
صمتت لوهلة وسلطت نظرتها فوق جيهان التي كانت في وادٍ آخر بسبب ذلك الطلب المفاجئ والذي تلقته البارحة من محامي منصور يطلب فيه رؤيتها بأسرع وقت. هتفت نجوى بسخط موجهة حديثها لها:
-ما تقولي حاجة يا طنطتي مش معقولة سكاتك ده!
أكدت نيرمين طلب صديقتها المقربة قائلة باستغراب:
-آه يا مامتي صحيح.. من ساعة ما قعدنا وإنتي ساكتة خالص ومش بتشتركينا.. قولي لنا حل مع بنت الخدامة دي.
هنا انتبهت جيهان بحواسها لحديث ابنتها وشريكتها قائلة بتفكير:
-اللي إنتوا فيه ده ملوش غير حل واحد.
اتسعت حدقتا نجوى ونيرمين بانتباه شديد لها ثم هتفت نجوى بلهفة متسائلة:
-إيه هو؟
أجابتها جيهان بخبث:
-مفيش غير إننا نعمل عليها لعبة عشان تثق في نيرو.
هنا سألت نيرمين بعدم فهم:
-قصدك إيه يا مامتي؟
استطردت جيهان جملتها مفسرة:
-يعني نخطط حاجة سوا على أساس إنها خطة من نجوى عشان تأذيها.. وقبلها نيرو تحذرها بالخطة دي ولما تحصل بعدها أكيد هتثق في نيرمين وتتأكد إنها اتغيرت وساعتها بقى نوصل اللي إحنا عايزينه نوصله من خلال نيرو.. فهمتوا؟
لمعت عين نجوى برضا بعدما استمعت لذلك الاقتراح الشيطاني متمتمة بإعجاب:
-بس.. حلو أوي كده.. اديني يومين بالظبط أرتب حاجة جت في دماغي كده وأبلغك بيها.
هزت نيرمين رأسها موافقة باستحسان ثم قالت بتوترها الملحوظ:
-تمام.. وأنا خلال اليومين دول هفضل أحاول معاها كأن مفيش حاجة اتغيرت.
***********
في المساء نظرت حياة بداخل هاتفها الذي ظل يدوي دون توقف حتى اضطرت لإغلاقه. ما الذي يجب عليها فعله في تلك الظروف؟ هذا ما فكرت به بحيرة وهي تبدل ملابسها قبل تناول وجبة العشاء. لقد مضى ما يقارب العشرة أيام منذ لقائهم الأخير ولا تنفك نرمين الاتصال بها يوميًا والاطمئنان عن أحوالها وأحوال أخيها دون كلل أو ملل. طبعًا ذلك إلى جانب توسط والد فريد هو الآخر. هل يعقل أن يجيد الإنسان التمثيل لتلك الدرجة؟ وماذا إذا كان شعورها حقيقي؟ هل تتخلى عن المحاولة وحرمان فريد من الشعور بوجود أخ بجواره بعد كل تلك السنوات من الوحدة؟ كما أن كلماتها عن استحالة وجود أطفال في حياتها لازال يدوي بداخل عقلها. ولكن من جهة أخرى هي صديقة نجوى، تلك الأفعى التي تكرهها أكثر من أي مخلوق آخر. إنها حقًا لا تعلم ما الذي يجب عليها فعله، خاصة وأن فريد لا يترك لها المجال لمناقشة ذلك الأمر معه. زفرت بقله حيلة وهي تتحرك إلى الأسفل للانضمام لفريد الذي كان يجري عدة مكالمات هامة للعمل قبل العشاء.
ضرب جرس المنزل الداخلي واستقبلت الخادمة السيد غريب في زيارة مفاجئة والتي استنكرتها حياة كثيرًا. فمنذ قدومها لذلك المنزل لم يأتِ السيد غريب لزيارتهم ولو لمرة واحدة، كما أن العلاقة بينه وبين فريد لم تكن بذلك التقارب الأسري. أخذت نفسًا عميقًا ثم توجهت نحوه تستقبله بود يشوبه الكثير من التحفظ وهي تتمنى داخلها ألا تكون شكوكها عن تلك الزيارة صحيحة. انضم فريد لهم عند مدخل الاستقبال بمجرد سماعه صوت والده في الخارج، وعلى عكس حياة كانت ملامحه مسترخية تمامًا رغم جمود استقباله المعتاد. تحدث السيد غريب بسعادة لم تعهدها منه موجهاً حديثه لفريد:
-المحامي لسه مكلمني.. منصور اتجددله ٤ أيام تاني.. وطبعًا رفضوا الإفراج عنه بكفالة.. القضية لبساه لبساه.
ربت فوق ساعد ابنه باستحسان ثم أردف بفخر:
-بصراحة عرفت تلعبها عليه صح.. أنا لحد دلوقتي مش مصدق إنك عملت كده من غير ما تورط نفسك.
عقب فريد على جملته ببروده المعتاد:
-أنا معملتش كده عشانك.. إنت عارف كويس أنا عملت كده عشان مين.
تشدق بالجزء الأخير من جملته وعيناه مسلطة فوق حياة الواقفة بجانبه والتي تنحنت محاولة تلطيف التوتر الملازم لمقابلاتهم قائلة بلطافة:
-العشا جاهز.. اتفضل حضرتك اتعشى معانا.
تلفظت بجملتها وهي تشير له بيدها ليتقدمهم نحو غرفة الطعام. هز غريب رأسه موافقًا ثم سألها ممازحًا:
-بس أوعى تقولي لي إن العشا هو الأكل بتاع فريد اللي ملوش طعم ده؟
غلبتها طبيعتها المرحة والتي كانت تمتاز بها دائمًا لذلك أجابته ممازحة هي الأخرى وقد تناست غضبها المعهود منه:
-أوامر صاحب البيت بقى كله بالإجبار.
حدقها فريد بنظرة غاضبة وقد أثار غيرته حديثها المرح مع والده فأردفت تقول مصححة على الفور وهي تمد كفها لتحضن كفه وتضغط فوقه مطمئنة:
-بس بصراحة.. أنا كمان اتعودت عليه وبقيت بحب أشارك فريد فيه.
اللمعت عيناها بحب وهي ترفع رأسها لتنظر نحوه وابتسامتها الهادئة تملأ وجهها فبادلها ابتسامتها بأخرى راضية وهو يشبك أصابعه بداخل أصابع كفها. ظلا يحدقان ببعضهما البعض بهيام متناسية وقوف والده بجوارهما حتى قطع غريب تأملات أحدهما بالآخر قائلاً بصوته الهادئ:
-الأكل هيبرد.
كانت حياة هي أول من سحب نظراتها من أمامه واخفضت عينيها بخجل. أما فريد فقد أخذ وقته كاملاً في التحديق بها حتى بعد انقطاع نظراتهم مستمتعًا بذلك الاحمرار الذي غزا وجنتيها. ثم انتظر حتى سبقه والده بعدة خطوات وقام بجذب ذراعها وطبع قبلة خاطفة فوق وجنتها جعلتها تشهق بخفوت إحراجًا من فعلته.
جلسا ثلاثتهم حول المائدة لتناول الطعام بصمت. جلست حياة في مكانها المعتاد بجوار فريد وفي مقابله والده تتأملهم بتمعن. إنهما فعلاً يبدوان كأب وابنه. أي شخص غريب سيرى ذلك التشابه الكبير بينهم، ففريد ورث من والده هيبته وقوة حضوره وصرامته إلى جانب لون عينيه وملامح وجهه كاملة، ولم يرث من والدته سوى لون شعرها وطبيعتها الهادئة. أما عن صفاته الحسنة فهو بعيد كل البعد عنه. لقد أخبرها تلك الليلة أن والده طلب منه السماح ولكن هل سامحه فعلاً؟ لم تكن بحاجة لسؤاله فالإجابة واضحة كوضوح الشمس بالنسبة لها. ولكنها بالطبع تعذره، فمأساة فريد الأولى والأخيرة وكل ما أصبح عليه من صفات سيئة كانت بفعل والده. حسنًا، لتكن صادقة مع نفسها هي لن تجرؤ على إخبار فريد بذلك ولكنها على الأقل تستطيع مصارحة نفسها. فلولا إرسال غريب فريد للخارج وإبعاده عن تلك المدعوة جيهان لكان فريد الآن شخصًا أسوأ بكثير. فطفل في سنه وبما مر به لم يكن لينجو إذا ترعرع تحت قبضة شخص كجيهان، ولم تكن لتملك الآن أي فرصة أو أمل في تغييره. ولم يكن فريد ليحظى بفرصة التعليم تلك التي جعلته رجل أعمال محنك استطاع السيطرة على سوق الأعمال بذكاء شديد طالما أعجبت به. بالطبع هي لا تبحث عن تبريرات لمسامحة غريب ولكنها على الأقل تحاول النظر إلى النصف الممتلئ من الكوب حتى تستطيع مع فريد تخطي ذلك الماضي بكل تفاصيله وأحداثه. قطع تفكيرها صوت غريب يقول بتلك النبرة الآمرة التي تذكرها بشخص ما:
-فريد عايز أتكلم معاك في موضوع.
أجابه فريد بنبرة باردة مستفزة اعتادت عليها أيضًا:
-في الطبيعي كنت هقولك نتكلم بعد العشا في أوضة المكتب بس عشان أنا عارف إنت عايز إيه فجوابي هو.. لأ مش فاضي.
صاح به غريب بنبرة محتده حانقة:
-يعني إيه مش فاضي! وبعدين لما أطلب نتكلم تحترمني وتسمعني للآخر.
ألقى فريد المنديل فوق الطاولة بعدما قام بمسح فمه بهدوء ثم قال بنبرة شبه محتده ولكن خفيضة:
-مش محتاج أسمعك ولا أضيع وقتي في حاجة ملهاش لازمة.. أنا قلت الشراكة انتهت يعني انتهت.. وهو وبنته مالهمش مكان في شغلي.. وأحسنه يروح يربيها بدل ما يضيع وقته في المحايلة عليك.
كانت حياة تراقب الحوار بتوجس رغم عدم فهمها لما يدور حولها أو من محور الحديث. انتفض غريب من مقعده واقفًا ثم أردف يقول بعصبية وتحذير:
-فريد متنساش نفسك.. الفلوس دي كلها فلوسي والشركات بتاعتي.. أنا لسه مموتش عشان تتحكم!
تحرك فريد هو الآخر من مقعده ووقف قبالته ثم قال بتحدي وهو يضع كلتا يديه بداخل جيوب بنطاله القماشي:
-عايز ترجع الشراكة مع سعيد يبقى ارجع أمسك شركاتك وفلوسك تاني.. قدامك القرار واختار وعلى الأقل تريح دماغي وإيدي من أمضة كل شهر اللي بحول ليها أرباحكم وإنتوا زي البشوات.
كان الجو مشحونًا بينهم لأقصى درجة. ظلا كلاهما يحدق في الآخر بتحدي حتى تساءلت حياة بقلق متى ستنتهي حرب النظرات تلك رغم نتيجتها المحسومة. وبالفعل كان غريب هو أول من سحب نظراته من أمام ابنه واخفض رأسه للأسفل بإذعان رغم احتقان ملامحه. من يصدق أن غريب رسلان الذي كان يخشاه الجميع ينحني اليوم أمام طفله الذي كان يرتجف خوفًا من سماع صوته. هذا ما فكرت حياة بتعجب وهي تتحرك من مقعدها هي الأخرى وتقف متأهبة استعدادًا للتدخل في أي لحظة. زفر غريب بحنق ثم قال بنفاذ صبر:
-في موضوع تاني عايز أكلمك فيه.
بس حياة تكون معانا.
عضت حياة على شفتيها بخوف وحبست أنفاسها بترقب، فهي أصبحت متأكدة من شكوكها وتعلم فحوى ذلك الموضوع. انتصب جسد فريد مرة أخرى بتأهب، وضاقت المسافة بين عينيه استعدادًا لجولة أخرى من الجدال، فلم يحتاج للتفكير لمعرفة عن أي موضوع يريد والده محادثته. وزعت حياة نظراتها بينهم ثم حركت رأسها رافضة بتوسل لغريب الذي كان ينظر نحوها الآن. فتدخل والده يعني القضاء على أي أمل في الاستماع لها لاحقًا. التقط غريب رجائها وحرك رأسه موافقًا عدة مرات ثم أردف وهو يلتقط هاتفه من فوق الطاولة:
- بس واضح إن مش وقته النهارده، نبقى نتكلم فيه وقت تاني.
أنهى جملته وألقى تحية الوداع باقتضاب، ثم تحرك بخطواته نحو الخارج. تنفست حياة الصعداء بعد خروجه وعادت تمرر نظرها فوق فريد الذي انسحب هو الآخر نحو غرفة مكتبه دون حديث.
ظلت حياة طوال الساعة المنصرمة تجلس في غرفة المعيشة في الطابق الأرضي منتظرة خروجه، إلا أن يأست وعلمت أنه لن يخرج إلا بعد مرور الساعتين لممارسة تمارين الرياضية، وهذا يعني شيئًا واحدًا، وهو أنه غاضب. وبالفعل بعد مرور الساعتين خرج من غرفة مكتبه متوجهًا نحو غرفة نومهم لتبديل ثيابه والنزول مرة أخرى لغرفة الرياضة. زفرت حياة بضيق وإحباط، تتمنى انتهاء ذلك التوتر المستمر والذي ينتهي في كل مواجهة بينهم بغضب فريد وإغلاقه على نفسه. فكرت في اقتحام تمريناته والتحدث معه، ولكن جزء كبير بداخلها كان متأكدًا من عدم صواب فكرتها، لذلك تخلت عنها وعادت للجلوس مرة أخرى وإعطائه مساحته الشخصية، منتظرة التنفيس عن غضبه أولًا.
***
استلقت حياة فوق الفراش متكورة على نفسها ومنتظرة إنهاء اغتساله وخروجه من الحمام، وبعد عدة دقائق كان يستلقي جوارها متوجهًا بكليته لها بعدما قام بارتداء ملابس النوم. رفعت حياة كفها الأيمن تحاوط شطر وجهه الأيسر وتتلمس بحنان وجنته وهي تتأمله بعشق شديد. إنها حقًا تعشقه وتعشق كل تفصيلة صغيرة خاصة به، سواء في ملامحه أو حركاته، من أول تقطيبه جبينه تلك التي لا تنفرج إلا معها، إلى نغزته الوحيدة والتي لا تظهر إلا لها. مرورًا بغضبه وعنفوانه وإصراره وحدته وعناده وغموضه وقسوته، إلى حنانه وتفهمه واحتوائه وحمايته لها. تنهدت بحرارة وهي تتابع ملامحه التي بدأت في الاسترخاء بفعل لمستها. تحولت نظرتها للحيرة مرة أخرى، فهي حقًا تائهة ولا تدري ما الذي يجب عليها فعله، خصوصًا وأن الشخص الوحيد الذي يمكن أن تلجأ إليه لمساعدتها هو نفسه صاحب المشكلة. سألها فريد بهدوء وانامله تعبث بخصلات شعرها:
- عايزة تقولي إيه؟
اقتربت منه حتى التصقت به وتوسدت رأسها صدره مستمدة منه الأمان والشجاعة، ثم أجابته بهدوء شديد:
- مش عايزة حاجة غير إنك ما تتعصبش.
طبع قبلة مطمئنة فوق شعرها ولف ذراعيه حول خصرها بتملكه المعتاد، ثم أجابها بحنان:
- حتى لو اتعصبت.. انتي عارفة وجودك معايا بيهديني.
رفعت رأسها قليلًا حتى يتسنى لها الاقتراب منه وقامت بطبع قبلة ناعمة فوق حنجرته، ثم عادت لموضع رأسها القديم ثانية. تحدثت بدون مقدمات بنبرة رقيقة منخفضة:
- انت عارف نجلاء أختي.. هي ما كانتش عايشة معانا هنا لأن بابا كان رافض تفضل في القصر وسابها تعيش مع عمامي في البلد، فكنت بشوفها في الإجازات بس، ومحمد أخويا اتولد بعدي بكام سنة. يعني فعليًا ما كانش ليا إخوات غيرك.
قاطعها فريد معترضًا على جملتها الأخيرة قائلًا بحنق:
- نعم! إخوات غيري إزاي يعني؟
رفعت جسدها تنظر إليه فوجدت الامتعاض يكسو ملامحه. ابتسمت من طفوليته وتحدثت شارحة ومتلمسة رضاه:
- الأخ يعني السند.. وأنا وقتها كنت شايفاك كده.. وعايزة أفضل شايفاك كده.
ظهر الارتباك وعدم التقبل على ملامحه، فأقتربت منه تقبله بنعومة فوق شفتيه حتى تتجاوب معها. أعطت قبلتهم وقتها الكامل وسمحت له بالتعمق فيها كيفما شاء، وبادلته إياها بشغف لتؤكد له بالفعل أنه زوجها وحبيبها ومالك قلبها، وأن ذلك لا يتعارض مع رؤيتها له كأخ ووالد وصديق أيضًا. ألا يعلم ذلك الأحمق أنها تراه ومنذ الصغر عالمها بأكمله؟ لقد اختصرت فيه كل أنواع الرجال واكتفت به، حتى لو استغرقت وقتًا طويلًا لفهم ذلك والاعتراف به. انتظرت حتى ابتعد هو عنها أولًا ورأت ذلك الوميض عاد ليلمع داخل عينيه، ثم استلقت فوق صدره كسيرتها الأولى وأردفت مستأنفة حديثها:
- أنا ونجلاء فضلنا زي الأغراب لأن مفيش حاجة تجمعنا سوا. رغم إن فرق السن بينا قد الفرق بيني وبينك. وبعدها اتجوزت وعاشت مع جوزها وبرضه مش بتتقابل غير كل سنة مرة ومفيش بينا أي اتصال غير لو احتاجت حاجة مني. عارف انت لما كنت معايا كنت كافيني. وبعدها محمد أخويا بقى قريب مني. بس لسه في جزء ولو صغير جوايا بيحن ويتمنى قربها مهما تعدي السنين. عارف ليه؟ عشان هي أختي غصب عني حتى لو مفيش أي حاجة تجمعنا سوا. وحتى لو بنتقابل كل سنة مرة، كفاية إني لما أحتاجها ألاقيها.
سألها فريد مستفسرًا وقد فهم جيدًا مغزى حديثها:
- طب انتي عايزة إيه دلوقتي؟
ابتعدت عنه وجلست قبالته واقتربت منه حتى أصبح وجهها ملاصقًا لوجهه، ثم أجابته بصدق شديد وهي تسبح بداخل بحور عسليتيه:
- عايزك مبسوط.. وعايزة الجزء الصغير اللي جوه هنا يرتاح.
لفظت جملتها الأخيرة وهي تربت بكفها بحنان فوق موضع قلبه. تنهد بوله ثم أحاط وجهها بكفيه مجيبًا بحب شديد:
- أنا مبسوط طول ما انتي جنبي.
حرك ذراعه ليمسك بكفها ثم تحرك به نحو قلبه وقام بفرد أصابعها فوقه ببطء، ثم أردف يقول وهو لا يزال يحتجز كفها تحت كفه:
- وده مرتاح طول ما انتي قريبة منه كده.
أضاف جملته الأخيرة وهو يطبع قبلة بباطن كفها:
- أنا مكتفي بيكي عن الدنيا كلها.
زفرت باستسلام ثم ألقت بجسدها فوقه تعانقه بقوة غير راغبة في الانفصال عنه، فكل ذلك التفكير أرهقها وكل ما تريده هو الاختفاء بداخله والاحتماء به كعادتها عند القلق. أخذ يمسح بحنان فوق شعرها مطمئنًا، ثم بدأت يده في التجول بحرية فوق جسدها الملقى فوقه والملتصق به. شعرت حياة بذلك الإحساس بحرارة جسدها يزداد بفعل لمساته وقبلاته التي بدأ ينثرها هي الأخرى فوق شعرها وخلف أذنها نزولًا لمقدمة عنقها. رفعت رأسها تنظر إليه بوميض لم يختلف عن ذلك الذي يلمع داخل عينيه. ثم حركت كفها ووضعته خلف رأسه وقامت بالضغط عليه بخفة لتدنيه أكثر نحوها حتى اختلطت أنفاسهما معًا. بادلته قبلته المتقطعة والبطيئة التي كان يطبعها فوق شفتيها برغبة شديدة وأصابعه الطويلة تتحرك طولًا وعرضًا فوق ظهرها بلمسات خبيرة ناعمة. ترك فريد شفتيها وابتعد عنها مسافة شبه معدومة، ثم قال هامسًا بنبرة مثيرة:
- أخوكي؟
أجابته حياة بهمس وهي تتلمس شفتيه بشفتيها:
- دنيتي.
ابتسم برضا وسعادة وعاد بعدها لالتقاط شفتيها بنعومة مستمتعًا بذلك الشعور الذي حرم نفسه منه كثيرًا حتى ترضى عنه حياته.
***
في صباح اليوم التالي وتحديدًا بداخل مقر شركات آل رسلان. زفر وائل الجنيدي بضيق على تحكمات شريكه الغير مفهومة، فقد اقترب موعد توقيع عقد الشراكة بينهم، وفي كل مرة يلزمه فريد بالحضور لمكتبه لمناقشة كافة التفاصيل كأنه يتباهى بملكيته. تحرك بعدم تركيز كعادته في اتجاه المصعد في نفس الوقت الذي تحركت به نيرمين لاستدعائه والصعود للأعلى حيث مهمتها المعقدة مع زوجة أخيها. أخفضت رأسها تنظر بداخل حقيبة يدها لتطمئن على تلك الجرعة والتي استلمتها منذ قليل من أحد الموزعين "الديلر" في منطقة مجاورة. عاد وائل للخلف عدة خطوات وشعر بجسده الطويل يصطدم بشيء ما. التفت على الفور بعجالة ليرى امرأة بشعر بني ناعم تترنح خلفه قبل سقوطها. أسرع يضع ذراعه خلف ظهرها ليدعمها ويمنع سقوطها المحتم. اعتدلت نيرمين في وقفتها بعدما حال وائل بينها وبين سقوطها، أما عن حقيبة يدها المفتوحة فلم تكن محظوظة كفاية كصاحبتها، فقد سقطت وخرجت جميع محتوياتها فوق الأرضية بما في ذلك الإبرة الطبية والجرعة التي تناثر أغلبها فوق رخام الاستقبال. زفرت نيرمين بضيق شديد وهي تجلس على ركبتها تلملم محتويات حقيبتها حزنًا على جرعتها الغالية. انحنى وائل هو الآخر بجذعه ليساعدها وهو يتمتم بندم شديد:
- أنا آسف جدًا.. أنا بعتذرلك أنا الغلطان.. صدقيني هعوضك عن أي ضرر حصل.
رفعت نيرمين رأسها تنظر نحوه بحنق شديد ثم أجابته باقتضاب وتوتر أصبح يلازمها بشكل دائم:
- ولا حاجة لو سمحت اتفضل بس وسيبني لوحدي.
كان الشبه بينها وبين فريد كبيرًا لدرجة ألا يلاحظ وائل التقارب بينهم. فتح فمه ليجيبها معتذرًا مرة أخرى عندما لفت نظره تلك البودرة البيضاء المنثورة فوق الأرض والتي تحاول تلك المرأة جمعها بتلهف شديد. مد أصابعه يتلمسها وهو يغمغم بصدق:
- صدقيني مش هينفع، قوليلي بس اسم الدوا وأنا هجيبه لحضرتك.
دفعت نيرمين يده من فوقها وهي تجيبه بحدة غير مفهومة:
- أنا هتصرف، لو سمحت ابعد بقى.
كان توترها كبيرًا على أن يتغاضى عنه وائل. أنهت نيرمين وضع حاجياتها داخل حقيبتها مرة أخرى ثم اعتدلت في وقفتها وركضت نحو الأعلى دون استخدام المصعد. استقام وائل بجذعه هو الآخر متتبعًا بنظره حركتها باستغراب شديد. على كلا، هي لا تعنيه في شيء، هذا ما قرره وهو يحرك كتفيه بعدم اهتمام ويستدعي المصعد مرة أخرى. لفت نظره وهو يلتفت بجسده منتظرًا وصول مصعده تلك الإبرة الطبية الواقعه فوق الأرضية بجوار الحادثة. أحنى جسده يلتقطها بتوجس شديد وقام بتقليبها بين أصابعه عدة مرات بحيرة. أصابه الشك خاصة مع ارتباكها الغير مبرر، فأنحنى بجسده مرة أخرى يتلمس بأصابعه بقايا البودرة المنتشرة أرضًا، ثم قام بتذوقها بشفتيه. اتسعت حدقتاه بصدمة من مذاقها الغريب وقد أصبحت لديه فكرة واضحة عن ماهيتها.
***
أجابت نيرمين على الاتصال القادم من صديقتها المقربة متسائلة بنفاذ صبر:
- في إيه يا نجوى عايزة إيه؟
أجابتها نجوى باستنكار متسائلة:
- مالك يا نيرو؟ أنا بطمن عملتي إيه؟
زفرت نيرمين بتوتر ثم أجابتها بضيق:
- ولا حاجة لسه مدخلتش أهو.. وكمان في واحد غبي خبطني ووقع شنطتي والضرب بتاع النهارده راح مني.
ردت نجوى مطمئنة ومهاودة لصديقتها:
- ولا يهمك.. انتي بس ركزي في اللي بتعمليه ولما تخلصي هتلاقي واحدة غيرها مستنياكي.. بس أهم حاجة تظبطي معاها الأمور.. عارفة هتقولي إيه؟
تهللت أسارير نرمين وأجابتها بحماس:
- متخافيش أنا حفظت اللي قولتي صم. هخلص معاها وأكلمك. بس أهم حاجة انتي متأكدة من المحاسب الزفت ده ولا كلامنا هيكون على الفاضي؟
أجابتها نجوى بثقة شديدة:
- يابنتي بقولك ساعديني، أول مرة آخد كمية فلوس تخليه كلب تحت رجلينا.
ردت نيرمين باعتراض مفكرة:
- بس المرة دي هيتطرد فيها. تفتكري مش هيبلغ فريد؟ وكمان لو متكلمش الشركة هتخسر كتير. أنتي متأكدة من خطتك دي؟
زفرت نجوى بضيق من قلق صديقتها غير المبرر ثم أجابتها للمرة الأخيرة باقتضاب:
- ياستي أنا متأكدة مش هيبلغه. وبعدين يطرد ولا يولع، مانا كده كده اتكشفت وفريد عرف إني ورا اللعب في ملف البرنسيس بتاعته، يعني مش فارق معايا حاجة ولا حد. ولو على الخسارة آه هنخسر شوية، بس المهم إن بعدها هنرتاح من الخادمة دي وكل حاجة هتبقى ليكم تاني. وفريد هيقدر يعوض، متقلقيش من النقطة دي. المهم انتي بس تمثلي عليها صح عشان تصدق.
وافقتها نيرمين بعد اقتناع وانهت المكالمة وأغلقت هاتفها وطرقت باب غرفة حياة. ودلفت الغرفة بعدما سمعت الإذن بالدخول. ضغطت حياة فوق شفتيها بضيق بمجرد رؤيتها لنيرمين واستقبلتها داخل مكتبها بفتور شديد لم يخف عن نيرمين التي كانت تحدقها بنظرات عدائية للغاية. رغم ذلك، دعتها حياة للجلوس بأدب.
فابتسمت نيرمين لها باقتضاب وهي تجلس قبالتها فوق أحد مقاعد الغرفة قائلة بنبرة مهتزة:
- طبعًا أنا آسفة إني جيت من غير ميعاد، بس في حاجة مهمة أوي هي اللي خلتني أجيلك النهاردة.
سألتها حياة باهتمام وقد أثارت فضولها بجملتها الأخيرة:
- خير يا نيرمين؟
أجابتها نيرمين وعيناها تتحرك في كل اتجاه:
- مش خير. نجوى.
اتقبض صدر حياة بمجرد سماعها لاسم تبغضه وأصبحت تخشاه كثيراً. فأردفت نيرمين تقول بحنكة:
- نيرمين حاطة فريد في دماغها جداً ومصممة تأذيه. وأنا بصراحة مقدرتش أسمع اللي هي قالتهولي ده ومابلغكيش بيه.
استمعت حياة لحديثها ثم سألتها بتوجس:
- مش فاهمة.
هزت نيرمين رأسها موافقة ثم قالت بهدوء شارحة:
- نجوى من زمان حاطة عينيها على فريد وعايزة فلوسه وقوة منصبه. ومش قادرة تتقبل إنه اتجوز حد غيرها أو إن في واحدة تانية ممكن تبقى مراته وتشاركه في رئاسة مجلس الإدارة. ودلوقتي قررت تنتقم منه بأنها تحاول تفلس الشركة بأي شكل. وخصوصاً لما فريد طردها من الشركة.
فاتفاق مع مدير حسابات الشركة يسلمها ملف المناقصة الجديدة واللي هتتقدم كمان كام يوم، بعد ما عرفت تفاصيلها من أونكل سعيد لأنه كان السبب في معرفة الشركة بيها وكمان عارف كل حاجة عنها وتقدمها لشركة منافسة. والمناقصة دي لو اتسحبت من الشركة هتخسر كتير.
طال صمت حياة وهي تتفحص ارتباكها الظاهر. ورغم علمها التام بالمناقصة، إلا أنها سألتها بارتياب مستفسرة:
- إيه اللي يخليني أصدق كلامك وأنتي صاحبة نجوى ومبتحبيش فريد؟
أجابها نيرمين بيأس:
- أنتي ليه مش عايزة تصدقي إني اتغيرت وعايزة فعلاً أفتح صفحة جديدة مع أخويا؟
لوت حياة فمها بحيرة ولم تجد ما تجيبها به. ثم اردفت تسألها مرة أخرى بتشكك:
- طب ليه بتبلغيني أنا؟ ليه مقلتيش لفريد أو حتى غريب بيه؟
أسرعت نيرمين تجيبها مفسرة:
- فريد استحالة يسمعني، وأنتي همزة الوصل الوحيدة بينا. أما عن بابا، فأنا حذرته وقالي إن سعيد صاحب عمره واستحالة يطلع أسرار شغلنا بره حتى لو لبنته.
ظلت حياة تنظر نحوها بتوجس وارتياب، خصوصاً وهي تتحدث بكل هذا التوتر. ثم قالت بهدوء وعملية حاسمة:
- ما دام غريب بيه مصدقكيش، مفيش قدامي أي حاجة أعملها.
تهدلت أكتاف نيرمين بإحباط ثم تحركت من مقعدها للخارج مستئذنة في الخروج. تحركت حياة خلفها بجسد متصلب وذهن شارد، محاولة التوصل لقرار فيما يخص ما سمعته منها للتو.
***
أنهى وائل ترتيباته مع فريد وتوجهه هو الآخر نحو الخارج. صادف للمرة الثانية تلك المرأة والتي شغلت أفكاره بمحتوى حقيبتها منذ وصوله لمكتب فريد، حتى إنه فكر عدة مرات في سؤال شريكه عنها ولكنه تراجع في اللحظة الأخيرة. اختفت داخل الممر المؤدي إلى المصعد وظهرت خلفها حياة. ابتسم للمصادفة وتحرك في اتجاهها يلقي التحية.
ابتسمت له حياة بود شديد بمجرد رؤيته، فهي ممتنة له كثيراً بسبب ما فعله مع فريد ومساعدته على التخلص من عدوه والخطر الذي كان يحاوطه. كما أن قلبها يحدثها باحتمالية نشوب صداقة قوية في المستقبل بينه وبين زوجها. فقد أجبرتها ظروف العمل على التعامل معه مرتين خلال الأسبوع المنصرم وأعجبت كثيراً بتهذيبه وتعقله إلى جانب ذكائه ووسامته.
انتهز وائل الفرصة ليسألها بعدما ألقى عليها التحية بتهذيب:
- مدام حياة، كان في واحدة خارجة قبلك دلوقتي لابسة بلوفر زيتي وبنطلون جينز وشعرها بني طويل. تعرفيها؟
قطبت حياة جبينها باستغراب ثم أجابتها بترقب متسائلة:
- آه. دي نيرمين أخت فريد وبنت غريب بيه. في حاجة؟
اتسعت حدقتا وائل بدهشة. وحدق إلى الفراغ بشرود دون إجابة. عادت حياة لتسأله مجدداً بقلق:
- باشمهندس وائل؟ بتسأل في حاجة؟
لن يستطيع التحدث بأي شيء دون التأكد منه، لذلك أجابها وائل بعدم تركيز:
- ها. لا مفيش حاجة. عن إذنك أنا لازم أستأذن.
مطت حياة شفتيها باستغراب ثم استأنفت طريقها في اتجاه غرفة فريد، لعلها تتلمس منه العون.
***
طرقت باب مكتبه ثم دلفت للداخل بعد سماع صوته الذي تعشقه. كانت تلك استراحة الغذاء، لذلك وجدته يستند بجسده الطويل على حافة مكتبه ويتابع بهدوء أمواج البحر الهائجة أمامه.
وقفت هي حيث أمام مدخل الغرفة تتأمله من الخلف بطوله وهيبته. حتى إن لم تره، وجودها في محيطه يكفيها لتشعر بالطمأنينة والاستقرار. لذا ستشاركه شكوكها وخطتها حتى وإن كانت خاطئة، فقط من أجل الأمان.
التفت هو برأسه ينظر إليها من فوق كتفه ليتفقدها ثم مد لها ذراعه لتتقدم إليه مشجعاً. سارت نحوه بابتسامة خافتة حتى وقفت جواره، ثم وضعت كلتا ذراعيها خلف خصره لتعانقه وتستند برأسها فوق صدره العريض. احتضنها هو الآخر وشدد من التفاف ذراعيه حولها ثم سألها بهدوء بعد فترة من الصمت:
- مالك؟
أغمضت عينيها لوهلة وأخذت نفساً عميقاً ثم أجابته برقة وتوجس:
- عايزة أقولك حاجة بس ممكن تسمعني للآخر وعشان خاطري تتناقش معايا.
شعرت عضلات جسده تتصلب تحت جسدها، لذلك رفعت رأسها تنظر إلى ملامحه، فكانت هي الأخرى في حالة تأهب واضحة. رمقته بنظرة رجاء ثم اردفت بنبرة شبه متوسلة:
- طيب أنا دلوقتي قلقانة ومش عايزة أشارك حد غيرك قلقي ده، ممكن تسمعني للآخر وتعرف هقول إيه؟
لانت ملامح وجهه قليلاً، فعلمت باستعداده لسماعها، خصوصاً عندما طبع قبلة مطمئنة فوق شعرها. عادت لتستند برأسها فوق صدره مرة أخرى ثم قالت بحذر شديد:
- نيرمين كانت هنا وزاراتني في مكتبي.
أجابها بنبرة جامدة مقتضبة:
- عارف.
سألته باندهاش:
- عرفت منين؟
أجابها بنبرة باردة لا تتناسب مع حرارة جسده التي تتسلل إليها ولا ذراعيه التي تشملها بحمايته:
- مش لازم أكون معاكي عشان أعرف مين زارك.
لم تكن تريد التطرق لمواضيع جانبية، لذلك اردفت تقول بترقب شديد:
- طيب هي قالتلي حاجة. أنا مش عارفة هي صح ولا غلط بس هقولهالك عشان أرتاح.
لم يعقب على حديثها، لذلك اردفت تقول على مضض:
- نيرمين بلغتني إن نجوى اتفقت مع مدير الحسابات يديها نسخة من المناقصة الجديدة بتاعتنا عشان تسلمها للشركة اللي بتنافسنا عليها. عشان تنتقم منك طبعاً وتضربنا في السوق.
حبست أنفاسها منتظرة تعقيبه. وعندما تأخر، ابتعدت عنه قليلاً حتى يتسنى لها رؤيته بوضوح وتستنبط أي شيء من ملامح وجهه. ورغم جمود نظراته، علمت أنه يفكر ملياً في حديثها. لذلك اردفت تضيف لإقناعه:
- تمام. أنا متأكدة إنك مش بتثق في نيرمين، ومفيش أي سبب يخليك تثق فيها. وأنا كمان مش واثقة في أي كلام قالته، عشان كده جيت بلغتگه بيه. بس بصرف النظر كلامها صح ولا غلط، إحنا لازم ناخد احتياطنا.
كانت كمن يتحدث إلى جدار صلب. لذلك أخذت نفساً عميقاً آخر ثم استطردت تقول:
- فريد، الله يخليك بلاش عناد في الشغل. أنا هنا مش بكلمك في أي حاجة خاصة ولا عايزك تتعامل معاها. بس ناخد احتياطنا.
تحدث بعد فترة بكلمتين مقتضبتين:
- أنا هتصرف.
هتفت به معارضة ومصححة:
- لا، أنت مش هتتصرف. إحنا هنتصرف سوا.
رمقها بنظرة محذرة وهو يهم في التحرك من أمامها. فأسرعت تقول وهي تحاول إيقافه من ذراعيه:
- أنا عندي حل. إلا لو مش بتثق فيا.
حدقها بنظرة معاتبة وهو يعود ليستقيم في وقفته. فأردفت حياة تقول مازحة لحثه على التحدث:
- تمام. عارفة إنك مش بتحب تتكلم كتير، بس ده ميمنعش إني بحب أسمع صوتك.
لمعت عيناه ببريق التسلية ثم قال بتهكم:
- مانتي بتتكلمي عننا إحنا الاتنين.
شهقت حياة متصنعة الضيق وردت عليه بمرح:
- أنا مش هرد عشان أنا فاهمة بتعمل إيه ومش هتعرف تشتت تفكيري. وعلى فكرة بقى، انت الوحيد اللي هتساعدني إني أعمل عرض أسعار جديد، عشان نلحق نقدمه.
سألها مستفسراً بتقطيب تركيز:
- هو ده الحل بتاعك؟
سألته بقله ثقة:
- إيه، مش عاجبك؟
عاد ليحتضنها ويضمها إليه قائلاً بفخر واهتمام:
- مش عاجبني إزاي وأنا كنت هعمل كده؟ بس ده هيكون ضغط عليكي.
حاوطت وجهه بكفيها قائلة بحماس:
- مش هثق في حد يعملك كده غيري. وبعدين طول ما أنت معايا وبتساعدني مش هحس بتعب.
عانقها بحب وطبع قبلة مطولة فوق جبهتها ثم قال بهدوء:
- طب استعدي عشان نروح، مش هينفع نشتغل في الشركة هنا.
هزت له رأسها موافقة، وقفزت بحماس تطبع قبلة فوق إحدى وجنتيه قبل خروجها ركضًا من المكتب.
مر اليومان التاليان على حياة وفريد كالجنون، فقد واصلا الليل والنهار من أجل العمل على إنجاز عرض الأسعار الجديد ومقارنته بما في حوزه مدير حساباته، للتأكد من تقديم عرض أسعار منخفض والفوز بتلك المناقصة الهامة. تمطت حياة بإرهاق شديد وفخر أيضًا بعدما قامت بمراجعة عرض أسعارها للمرة الأخيرة، واطلعت فريد عليه لأخذ موافقته كعادتها، ثم قامت بأخذ نسخة احتياطية على ذاكرتها المتحركة "فلاشة"، وقامت بطبعه ورقياً، استعداداً لتسليمه غداً.
سألها فريد باهتمام وهو يقترب منها بعدما نظر في ساعة يده:
- حبيبتي خلصتي؟ الوقت اتأخر، لازم ترتاحي شوية.
أجابته وهى تتحرك من مقعدها لتقف قبالته:
- ما انت كمان سهران معايا ومش بتلحق ترتاح، بس عمتاً أنا خلصت خلاص.
شعرت بالدوار يجتاحها من حركتها المفاجئة، فترنحت للخلف قليلاً وهي تمد يدها في اتجاهه لتستند عليه. تمسك بها فريد بقوة وهو يسألها بلهفة:
- حياة مالك، انتي كويسة؟
حركت رأسها بإيماءة خفيفة للغاية ثم أجابته بنبرة هادئة رقيقة:
- متخافيش، تلاقيني بس عشان قاعدة من بدري واتحركت فجأة.
زفر بضيق وهو يضغط فوق شفتيه قائلاً بحنق:
- أنا مش عارف ليه بسمع كلامك، طبيعي تتتعبي وانتي يومين مش بتنامي كويس ومش بتاكلي كمان كويس.
ابتسمت بسعادة من قلقه عليها رغم تأنيبه لها واحتقان ملامحه، فتحركت تحتضنه بحب وهي تغمغم بإرهاق:
- خلاص والله خلصت، ممكن بقى نطلع عشان عايزة أنام.
أنهت جملتها وشبكت ذراعيها فوق عنقه تتمسك به بدلال في إشارة منها ليحملها. ابتسم هو الآخر من فعلتها ووضع كفيه فوق خصرها ليرفع قدميها من فوق الأرضية قائلاً بمرح وهو يسير بها نحو الدرج:
- أنا هعمل التمارين دي كل يوم ولا إيه.
أجابته ممازحة وهو تريح رأسها فوق كتفه فلازالت تشعر بذلك الدوار يجتاحها:
- بعوضك عن تمارينك الأساسية اليومين دول.
أجابها بنبرته العابثة وهو يقرب رأسها منها:
- بس أنا البوكس وحشني قوي.
هتفت به محذرة بدلال:
- فرررريد، أنا تعبانة وعايزة أنام.
أجابها بحنق شديد وهو يدفع باب غرفتهم بقدمه:
- عارف، ما المناقصة الزفت دي جت على دماغي.
دوت ضحكتها عالياً من تذمره الطفولي والذي كانت تعشقه خصوصاً بتقطيبه جبينه تلك والتي تصيبها بالجنون.
في الصباح استيقظ فريد على صوت اهتزاز هاتفه الموضوع فوق الكومود بجواره. ابتعد عنها قليلاً ورفع ذراعه من فوقها ليلتقط به هاتفه ويجيب مساعده. سأله فريد بصوته الناعس:
- إيه الجديد؟
أجابه مؤمن بتفاخر:
- زي ما حضرتك توقعت، قدموا عرض أسعارنا القديم اللي إحنا مقدمينوش. بس طبعاً المناقصة رست علينا بالعرض الجديد.
أغلق فريد هاتفه وهو يبتسم بانتصار ويعود لاحتضانها مرة أخرى. سألته حياة التي استيقظت قلقة بمجرد سماع صوته:
- فريد طمني؟
أجابها بارتياح وهو يطبع قبلة فوق وجنتها:
- المناقصة رست علينا.
ابتسمت حياة بسعادة ولمعت عينيها بفرح وهي تغمغم له بصوتها الناعس:
- مبروك.
سألها فريد بابتسامة عابثة:
- مبروك كده حاف؟
سألته بدلال وهي تحرك أصابعها فوق عنقه:
- أمال انت عايزها بإيه؟
أجابها بخبث وهو يقترب منها مقبلاً:
- هوريكي دلوقتي أنا عاوزها بإيه.
شعرت بذلك الدوار السخيف يعود إليها مرة أخرى وهمت بإبعاده عنها ولكن مع اقترابه منها بذلك الشكل لم تجد حتى صوتها لتعترض.
رواية متى تخضعين لقلبي الفصل التاسع والعشرون 29 - بقلم شيماء يوسف
جلست حياة فوق الفراش مستندة بقدميها على الأرضية الخشبية للغرفة ومتمددة بنصفها العلوي فوقه مغمضة العينين تحاول التغلب على ذلك الشعور المستمر بالغثيان الذي يراودها منذ الصباح.
زفرت بضيق ووضعت كفها فوق معدتها لتدفئتها، فالطالما كانت معدتها حساسة من البرد ويبدو أنها أهملت ملابسها في الأيام الماضية. هذا ما فكرت به مبررة وهنها المفاجئ.
انتهى فريد من اغتساله وخرج إلى الغرفة فوجدها ممددة بذلك الشكل العجيب مغمضة العينين.
اقترب منها بهدوء واتكأ بجذعه فوق الفراش مستنداً على مرفقه الأيمن يتفحصها ثم هتف اسمها بقلق:
- حياة..
فتحت عينيها تنظر بداخل عسليته القريبتين منها وهي تبتسم له ابتسامة ضعيفة فأردف يسألها مستفسراً:
- في حاجة؟
هزت رأسها له نافية وابتسامتها تزداد اتساعاً لطمأنته، فليس هناك داعٍ لإخباره، فدائماً ما كانت تعاني وخصوصاً في فصل الشتاء من آلام معدتها بسبب إهمالها المعتاد.
رفعت كفها تتمسك بكفه ثم عادت ووضعتها فوق معدتها بهدوء تتلمس منه الدفء.
بدأت أصابعه تمسد معدتها ومقدمة بطنها برفق ظناً منه أنه بداية آلامها المعتادة ثم قال بهدوء ولهجة حاسمة رغم دفئها:
- حياة خليكي النهاردة بلاش تنزلي معايا..
سألته باستنكار يحمل في طياته بوادر الاعتراض:
- ليه في حاجة حصلت؟
أجابها بتمهل نافياً:
- لا مفيش حاجة.. بس انتي شكلك مرهق من اليومين اللي فاتوا.. فخدي النهاردة إجازة.
أجابته معترضة بنبرة رقيقة:
- طب مانت كمان كنت تعبان معايا اليومين اللي فاتوا.. هنزل معاك أو نقعد سوا.
أجابها وهو يقترب منها:
- خليكي وأنا مش هتأخر لازم أروح الشركة أخلص حاجة وهرجع على طول.
كانت تعلم جيداً لماذا يصر على ذهابه، لذلك هتفت اسمه بتأهب ولكنه خرج بنبرة مغرية هامسة بسبب أصابعه التي تداعب معدتها:
- فريد..
توقفت يده عن الحركة وتجمدت نظرته فوق شفتيها ثم أمرها بنبرة هامسة وهو يحرك جسده ليقترب بوجهه منها:
- قولي تاني..
سألته بعدم فهم وهي ترى عينيه تتحول للون الداكن من أثر مشاعره:
- أقول إيه؟
أجابها هامساً وشفتيه تتلمس صدغها برقة:
- اسمي..
هتفت اسمه مرة أخرى بصوت ناعم بسبب أنفاسه الحارة التي تلفح وجهها وأصابعه التي عادت تداعب بشرتها:
- فريد..
لثم شفتيها مطولاً بنعومة ثم حررها ببطء قائلاً بصوته الأجش:
- تاني..
عضت فوق شفتيها بخجل قبل امتثالها لطلبه للمرة الثانية هاتفه بنبرة أكثر همساً:
- فريييد..
تنهد بحرارة ثم عاد لتقبيل شفتيها بنفس الطريقة قائلاً بعدها بوله:
- سمعيهولي تاني..
تغلغلت أصابعها بداخل خصلات شعره الرطب ثم قالت بهيام شديد ونبرة ناعمة كالحرير:
- فريد حياة..
أخفى وجهه في ثنايا عنقها وأخذ نفساً عميقاً ثم زفره ببطء شديد قائلاً بصوت مكتوم عاشق:
- حياة فريد..
بعد فترة من التصاقه بها سألته حياة قاطعة الصمت بينهم:
- فريد انت هتعمل إيه مع مدير الحسابات؟
ابتعد عنها ورفع رأسه ينظر إليها قائلاً بجدية بالغة:
- هعمل اللي المفروض يتعمل..
هزت رأسه له موافقة ثم أردفت مستأنفة استفسارها:
- طب ونجوى؟
إن كان على ما يريده حقاً فهو تقطيع أعضائها جزء جزء وإلقائها للكلاب المتوحشة أو ربطها بحجر ثقيل وإلقائها من فوق السد العالي لئلا يكون لديها فرصة للنجاة.
زفر بحيرة ثم أجابها بغموضه المعتاد:
- مش عارف.. لسه مقررتش..
ابتعدت عنه قليلاً وهي ترمقه بنظرات محتدة ثم سألته بضيق:
- طب وبالنسبة لنيرمين؟
سألها ببروده المستفز:
- مالها؟
مطت شفتيه باستياء. هل يمزح معها؟ لم يقرر بعد ما سيفعله مع نجوى لكنه أصدر حكماً نهائياً على أخته الوحيدة رغم مساعدتها له!
أجابته بحدة مدفوعة بغيرتها الخفية:
- إيه اللي مالها! متقوليش إن بعد اللي حصل لسه مش عايز تديها فرصة!
ضيق عينيه فوقها مستنكراً رد فعلها العدائي ثم سألها مستهزئاً:
- هو انتي شايفاني ساذج عشان أصدق التمثيلية الهبلة دي؟ جيهان وبنتها عبيد فلوس مهما كان معاهم.. ولو هي حذرتك فده بس عشان الفلوس اللي بتدخلهم كل شهر متنقصش..
ضغطت حياة فوق أسنانها بغيظ وهي تردد خلفه بنبرة محتدة:
- ساذج! هي دي نظرتك عني؟ وبعدين أنا مش مصدقة قسوتك دي عليها! في الوقت اللي انت مش عارف هتعمل إيه مع ست نجوى هانم!
زفر فريد بملل ثم قال بنفاذ صبر:
- حياة متخلطيش الأمور ببعض! وبعدين أنا مش غبي عشان جيهان ونيرمين يلعبوا بيا.. واستحالة أصدق اللي هي بتقولهولك مهما حصل..
انتفضت حياة من جلستها ووقفت أمامه تهتف بسخط:
- أنا بقيت غبية كمان! كل ده عشان عايزة أديها فرصة خصوصاً بعد ما أثبتت حسن نيتها!
مرر فريد كفيه فوق وجهه بضيق ثم وقف قبالتها يقول آمراً بتحذير:
- متحرفيش كلامي.. لو عايز أقول حاجة مش هخاف منك وبالنسبة لنيرمين متستاهلش فرصة تانية.
صاحت به مستنكرة بنبرة عدائية شديدة:
- أنا مش مصدقة أنانيتك دي! وبعدين أي حد في الدنيا دي يستحق فرصة تانية.. زيك بالظبط..
هدر بها فريد محذراً بصوته العميق:
- حيااااة.. ده آخر كلام في الموضوع ده.. ومن دلوقتي مفيش كلام أو مقابلات معاها مهما كان السبب.. فاهمة!
لماذا وصل النقاش بينهم لتلك النقطة لم تعلم! كل ما تعلمه أنها غارت من نجوى وأرادت منه إرضائها وليس إلا، ومع مرور الحديث بينهم ازداد غضبها ولم تعد تستطيع التحكم به لذلك هتفت معترضة بعناد:
- وأنا مش جارية عشان تقول لي أعمل إيه ومعملش إيه! ومش هقفل الموضوع طول ما أنا شايفه نجوى عمالة تخرب حوالينا وانت سايبها تعمل اللي هي عايزاه!
صاح فريد آمراً بغضب شديد من تمسكها العقيم بوجهة نظرها الخاطئة ورؤيتها الضيقة للأمور:
- انتي مراتي واللي هقوله يتسمع وبعد كده مفيش كلام مع حد أصلاً إلا بإذني وتحت عيني ولو الكلام زاد مش هيبقى في خروج من البيت أساساً..
هتفت حياة به بعدم تصديق:
- فريد!!!!!!!!
رمقها بنظرة غاضبة جعلتها تتراجع عدة خطوات للخلف ذعراً ثم قال بحزم وهو يتحرك لارتداء ملابسه:
- انتهى..
ارتمت حياة فوق الفراش مرة أخرى وبدأت تبكي في صمت. لماذا يخيب ظنها في كل مرة يتعلق الأمر بتلك المدعوة نجوى! لماذا لا يناقشها بدل من غضبه الدائم وغموضه الذي يثير أعصابها! توقعت عودته لها بعد ارتداء ملابسه ولكنها تفاجأت به يخرج من الغرفة مباشرة دون حتى النظر إليها. ازداد جنونها من تجاهله لها فأمسكت هاتفها المحمول تخرج رقم أخته غير الشقيقة وانتظرت إجابتها ثم قالت بدون أي مقدمات:
- أنا موافقة أساعدك.. فريد دلوقتي مش في البيت لو حابة تقابليني..
استمعت إلى موافقة نيرمين الحماسية ثم أغلقت هاتفها وألقت به بإهمال فوق الفراش مع عودة ذلك الغثيان المقيت يتملك منها مرة أخرى. هذا ما كان ينقصها الآن!
اقتحم فريد باب غرفة مدير حساباته بملامح وجهه مكفهره الأمر الذي أفزعه كثيراً وجعله يبتلع لعابه بصعوبة.
وقف فريد قبالته ثم جذبه من ياقة قميصه قائلاً بنبرة لا تعرف المزاح:
- بره..
تساءل الرجل بهلع مردداً كلمة مخدومة:
- بره! حصل إيه يا فندم؟
دفعه فريد نحو الخارج قائلاً بتهديد:
- هي ضحكت عليك وفهمتك إنك لو اتكشفت هتعرف تعوضك صح؟ وانت غبي وصدقتها وفاكر إن لو فريد رسلان طردك ممكن شركة بعده تشغلك؟
فتح المدير فمه ليجيبه فأوقفه فريد بنظرة محذرة رافعاً أصبعه في وجهه:
- الشيك اللي انت ماضي عليه زمانه اتقدم للنيابة.. يا تدفع لي نص مليون تعويض يا الحبس..
في تلك اللحظة دلف رجال حراسة فريد الذي استدعاهم قبل دخوله ليجذبوا الرجل المذعور وإلقائه خارجاً.
ألقى فريد جملته الأخيرة على مسامع الرجل قائلاً بشماتة:
- وأنا بقول لحد ما النيابة تستدعيك بلاش تروح بيتك.. عشان علاقاتك وصورك القذرة كلها الفترة اللي فاتت هتلاقيها وصلت قبلك للمدام..
أنهى جملته وراقب برضا رجاله وهم يجرون ذلك الخائن إلى خارج جدران الشركة وهو يصيح متوسلاً من أجل مسامحة فريد له.
عاد بعدها لمكتبه وألقى بجسده فوق المقعد بقوة. اللعنة على ذلك الأمر! إنه لازال غاضباً وبشدة بسبب ما حدث بينهم في الصباح. هل هو غبي لتنطوي عليه مسرحية نرمين وجيهان الهزلية؟ وإذا كان الأمر مقتصراً على نيرمين لالتمس رضاها قبل ذهابه ولكن ما يغضبه حقاً هو مسألة الثقة. لماذا لا تثق في نظرته وحكمه للأمور؟ لماذا لا تضع ثقتها به كأي زوجة طبيعية؟
زفر بحنق فهو لا يعلم كيف يرضيها! حسناً، هو يعلم أن أمر نجوى تلك استغرق منه وقت أطول من اللازم ولكنه يريد التريث والتخلص منها للأبد بدلاً من التسرع ومعالجة الأمر بسطحية تؤدي إلى كوارث مستقبلية. ثم إنه يفعل ذلك من أجلها، أليست هي من تطلب منه دائماً إعطاء القانون فرصته؟ إذاً ستنتظر معه حتى يجد الفرصة المناسبة للخلاص منها.
التقط هاتفه بعصبية مهاتفا أحد رجاله وقائلاً باستياء:
- كل ده مش عارف توصلني لحاجة تخلصني بيها! أنا مش فاهم امال انت بتراقبها ليه!
ارتبكت نبرة الرجل من غضب مديره ثم أجابه مبرراً:
- يا باشا.. أنا مراقبها زي ضلها.. من ساعة ما حضرتك قلت لي.. مش بتعمل أي حاجة.. بس بتروح النادي الصبح وبليل بتقابل نيرمين هانم اخت حضرتك.. غير كده مبتتحركش..
لم يقتنع فريد بحديثه فأردف يقول محذراً:
- ورحمة أمي لو طلعت بتستغفلك وعملت حاجة من وراك وأذت مراتي تاني لهتكون حياتك التمن.. وقدامك أسبوعين تخلص موضوع سيرين الزفت دي.. وعايزك تبدأ من دلوقتي تحط حد يراقب نيرمين هي كمان.. سامع؟
تمتم الرجل موافقا بخنوع تام قبل إغلاق فريد الهاتف في وجهه والبدء في مراجعة ملفاته المتراكمة.
بعد فترة ليست بطويلة، صدع رنين هاتفه برقم حراسه المنزل. أجاب فريد على الفور بقلق واضح في نبرته:
- سامعك!
أجاب الطرف الآخر باحترام:
- فريد بيه، نيرمين هانم جت من شوية، واتعاملنا زي ما حضرتك أمرت، بس حياة هانم صممت إنها تدخلها. محبتش أعمل أي حاجة غير لما أرجع لحضرتك.
استمع فريد لحديث حرسه وبدأت الدماء تغلي في عروقه من جديد. لقد طفح به الكيل من عنادها المستمر. ضغط على أسنانه بشراسة ثم قال بحروف مقتضبة:
- سيبها.
ألقى الهاتف فوق المكتب بحدة وهو يتوعد لها. هل ظنته غير جاد في تهديده لها؟ لقد أشعلت فتيل غضبه والآن عليها تحمله. هذا ما فكر به بتوعد لحياة، ولكن أولاً ينتهي من أعماله المتراكمة.
***
في المنزل، ودعت حياة نيرمين بود شديد بعدما أعطتها وعدها الكامل بمساعدتها في لم شملها مع فريد، مما جعل الأخيرة تبتسم بانتصار من نجاح خطتها. سألتها نيرمين بحماس مستأذنة:
- أنا عايزة أتكلم معاكي كل يوم، عايزة أعرف كل حاجة عن فريد وإيه بيحبه وإيه بيكرهه عشان أعرف أتعامل معاه. ونفسي تقبليني كأخت ليكي، انتي عارفة إني لوحدي على طول.
ابتسمت لها حياة موافقة ثم أجابتها مشجعة:
- آه طبعاً، زي ما تحبي. أنا أهم حاجة عندي إنك وفريد تكونوا سند لبعض.
ودعتها نيرمين بابتسامة مجاملة لم تصل لعيونها وهي تتحرك في اتجاه سيارتها لتستقلها. هاتفت نجوى على الفور تبشرها سعيدة بآخر التطورات:
- نوجه، عشان تعرفي إن عندك أحلى صاحبة في الدنيا دي كلها.
سألتها نجوى بلهفة مستفسرة:
- حصل إيه بسرعة احكيلي.
أجابها نيرمين بثقة:
- حصل زي ما كنا عايزين بالظبط، صدقت اللي حصل وقالت هتساعدني. وأنا لسه خارجة منها بعد ما اتكلمنا في حاجات كتير. والأهم إنها اتغيرت في معاملتها معايا، ده طبعاً بعد ما فهمتها أنا قد إيه مضايقة من أسلوب حياتي ومنك.
هتفت نجوى برضا:
- أيوه بقى يا نيرو، كده مفاضلش غير إنك تنقلي لها شوية أخبار عني وآخر حاجة بقى تجيبي لي توقيع فريد بصورة واضحة عشان الراجل يشوف شغله.
أومأت نيرمين برأسها موافقة ثم أجابتها بثقة:
- بس كده، توقيع فريد بسيطة هلاقيه في أوراق بابي. أما عن أخبارك فأنا فعلاً قلت لها إن حادثة الملف بتاعها الأول كانت بمساعدة مدير الحسابات برضه واتصدمت أوي.
ردت نجوى قائلة بخبث:
- هقولك على حاجة تبلغيها بيها ودي هتبقى الأخيرة، عشان لما تقولي على اللي اتفقنا عليه تصدقك بعد ما تشوفي العقد والصور.
وافقها نيرمين للمرة الثانية، فدائماً ما كانت تابعة لنجوى وتنفذ فقط ما تمليه عليها دون الإحساس بالذنب أو تأنيب الضمير.
***
في المساء، عاد فريد للمنزل وغضبه ما زال يلاحقه. دلف غرفتهم يبحث عنها بعينه فوجدها جالسة فوق أحد المقاعد بملامح وجهه متجهمة. توجه بجسده نحوها وجذبها من مرفقها بحدة ثم سألها بعصبية شديدة:
- أنا مش قلت مفيش كلام معاها! إنتي بتتحديني ولا صبري عليكي خلى كلامي ملهوش أهمية عندك؟
لم تكن في مزاج يسمح لها بمجادلته، فذلك الغثيان ما ينفك يختفي حتى يعود إليها مرة أخرى دون سبب واضح لذلك. استمعت إلى حديثه العصبي بجمود شديد. أغضبه أكثر صمتها وفسره عدم اهتمام منها له، لذلك أردف يقول هادراً بها بنبرة عالية ويده تهزها من مرفقها:
- من النهاردة ومن دلوقتي، مفيش خروج من البيت ولا حتى للجنينة. ولو سمعت يا حياة إنك كسرتي كلامي تاني قدام الحرس أو أي حد في البيت هتشوفي منه وش مشفتيهوش قبل كده. فاهمة؟
لقد ازداد إعياؤها بشكل مبالغ فيه بسبب يده التي تهز جسدها بأكمله. ضغطت على شفتيها متحاملة وقد أغضبها تهديده وتحكمه بها. وفتحت فمها لتعترض وهي تدفعه عنها بعيداً وتهدر هي الأخرى به بعصبية:
- فريييي..
انتابها شعور قوي بالغثيان فركضت نحو المرحاض غالقة الباب خلفها برفق وبدأت تتقيأ كل ما بداخل معدتها حتى هدأت نوبة غثيانها. ركض هو خلفها باستغراب وحاول فتح الباب خلفها ولكنها أغلقته بإحكام. هتف اسمها بقلق وهو يطرق بيده فوق الباب ويطلب منها فتحه. خرجت تواجهه بعدما غسلت فمها ووجهها جيداً بالماء والشك يزداد بداخلها. رفعت رأسها تنظر نحوه بوهن فأسرع هو في التقاط كفها يسألها بلهفة:
- حصل إيه؟
أجابته كاذبة وهي تتحرك نحو الفراش وتستلقي عليه:
- ولا حاجة، معدتي أخدت برد.
ظل يتأملها بنظرات حائرة ثم أخفض رأسه وخرج من الغرفة بأكملها. فملامح وجهها الشاحبة ونظرتها المنهكة جعلت غضبه يخمد.
قضى فريد ما تبقى من يومه داخل الغرفة الرياضية يفرغ كل ما به من غضب بداخلها. خرج بعدها منهك الجسد فتوجه مباشرة نحو غرفته للاستحمام وتبديل ملابسه ليجدها لازالت مستلقية فوق الفراش منذ تركها. اغتسل سريعاً وارتدى ملابس نومه وهو يحاول التوصل لقرار. حسناً، هو لا يزال غاضباً منها ومن تصرفاتها المتهورة بعض الشيء ولكن رؤيتها ساكنة هكذا تؤلمه. زفر بضيق وهو يندس جوارها في الفراش ثم سألها باهتمام:
- تحبي أنده لك عفاف؟
حركت رأسها ببطء نافية وانتظرت حتى استقر جسده فوق الفراش ثم تسللت تستند برأسها فوق صدره. حاوط خصرها بذراعه كعادته وأغمض عينيه محاولاً النوم بعد ذلك اليوم المجهد ذهنياً وعضلياً له. تنهدت حياة بحيرة. هل ما تفكر به صحيح؟ بالطبع داخلها يتمنى أن يكون صحيحاً. لا، لن تتحمس، ربما ما يحدث لها هو إرهاق وليس إلا. قطبت جبينها بتفكير حتى أن أيامها الخاصة لم تبدأ بعد رغم حلول موعدها. هل هي حقاً حامل رغم أن زواجهم الفعلي لم يمر عليه سوى شهر واحد؟ حسناً، هو فقط شهر ولكنهما كانا سوياً عدد من المرات يكفي لدزينة أطفال. هذا ما فكرت به بسخرية وهي ترفع كفها وتتلمس برفق بطنها. يا الله، إن مجرد التفكير يجعل قلبها يقفز فرحاً، فكيف إذا صدق حدسها؟ وماذا ستكون ردة فعل فريد إذا كان حقيقياً؟ طفل منه ينمو داخل أحشائها. طفل صغير بمرحلة جديدة في حياتها وحياته يتحولان معها من شخصين عاشقين إلى أبوين ناضجين. ليس لديها شك بأن حنان فريد سيغدق طفلها القادم أو ربما طفلتهم. حسناً، حسناً، يكفيها تخيلات. ستنتظر يومين آخرين ثم تذهب إلى الطبيبة لإجراء الفحص. هذا ما قررته وهي تغمض عينيها بسعادة وقد تلاشى كل غضبها منذ الصباح.
***
رغم ترقبها الشديد خلال اليومين التاليين إلا أنها آثرت إخفاء تعبها المتزايد عنه حتى تتأكد وتخبره. أما عن علاقتهم سوياً، فلم يحدث تغيير عن تلك الليلة ولم يتحدثا عنها ثانية. فقط يسألها باهتمام عن حالها ثم يسحبها داخل أحضانه أثناء الليل. أما عن العمل، فلم يسمح لها بالخروج من باب الفيلا الداخلية كما أخبرها ولم تجادله مما أثار استنكاره واستنكارها هي شخصياً. وبالنسبة لعلاقتها بنيرمين، فاقتصرت على المكالمات الهاتفية وتلك الأخبار الخاصة بنجوى والتي تغدقها بها نيرمين لكسب ثقتها بشتى الطرق. حتى أنها أخبرتها عن مدبرة منزلهم القديمة "عزة" وكيف كانت تنقل جميع أخبارهم وتفاصيل حياتهم اليومية لنجوى. مع بعض الجمل عن حماسها المتزايد لمصالحة فريد وبعض مقتطفات من ماضيها والذي كان أغلبه صحيحاً. الأمر الذي جعل حياة تتعاطف معها بالكامل بل وتبدلت نظرتها عنها وتمنت لو تحدث معجزة ما تتبدل بها حياة أخت زوجها والتي أصبحت في نظرها ضحية كفريد.
وفي مكتبه، جلس فريد في مقابلة وائل الجنيدي بعد مراجعة كافة التفاصيل الخاصة لشراكتهم الجديدة. ثم وضع فريد توقيعه عليها بعدما مررها لوائل كي يوقعها أولاً. صافحه وائل ليهنئه بسعادة قابلها فريد بجمود معتاد وهو يومئ له برأسه باقتضاب. سأله وائل بعدها مستفسراً منه:
- بالنسبة لعقود هناك هنعمل فيها إيه؟
أجابه فريد بغموض:
- متشغلش بالك بيها، أنا هتصرف.
لم يكن وائل لترضيه تلك الجملة لذلك أردف يقول متسائلاً:
- هتتصرف إزاي؟ إحنا علينا دفعات متأخرة للموردين هنا ولازم نسلم لهم أي حاجة وإلا فلوسهم ترجع. وانت عارف إن ده دلوقتي معناه إفلاس الشركة.
لوى فريد فمه بضيق فهو يعلم جيداً صدق حديثه. كما أنه التزم بكلمة ولن يستطيع الإخلال بها لذلك هتف مطمئناً لشريكه:
- متقلقش، هسافر بنفسي أخلص هناك وأتأكد إن البضاعة اتشحنت وهرجع.
استرخت ملامح وائل وقد طمأنه حديث فريد. فرغم كل ما يقال عن قسوة فريد، إلا أنه يستطيع الثقة بكلمته. عاد وائل يسأله للمرة الأخيرة وهو يستعد للرحيل:
- هي مدام حياة مش موجودة؟
انتفض فريد من مقعده كأسد يستعد للانقضاض على فريسته في أي لحظة وهو يسأله بحدة:
- إنت عايز إيه من حياة؟
ارتبك وائل وشعر بالإحراج من اندفاعه الغير محسوب وأجابه مبرراً:
- لا أبداً، أنا بس استغربت إنها محضرتش معانا اجتماعات امبارح والنهاردة فكنت بطمن عليها.
حدقه فريد بنظرة محذرة وهو يقول بضيق:
- شيء ميخصكش.
علم وائل بتجاوزه لحدوده من نظرات فريد التي تنطلق كالسهام في اتجاهه لذلك أثر الانسحاب واستأذن سريعاً في الرحيل.
***
عاد وائل إلى مقر شركته وجلس خلف مكتب رئاسة الإدارة وهو يلعن تهوره بصمت. ما هي نوع الحماقة التي دفعته لسؤال زوجها عنها؟ ألم يستوعب قلبه بعد أنها ملك لغيره؟ وغيره هذا ليس غريباً على الإطلاق بل هو شريكه. تململ داخل مقعده بعدم راحة وهو يتذكر لقائهم الأخير ونظرتها وابتسامتها المرحة. إن إعجابه بها يزيد يوماً عن يوم رغم وميض الحب الذي يلمع داخل عينيها بمجرد رؤية زوجها. متزوجة! ظل عقله يردد تلك الكلمة عل قلبه يستوعبها. لوى فمه بتهكم وهو يفكر بقله حيلة فمنذ متى يتدخل العقل في عمل القلب؟ على سبيل العقل، تذكر تلك المدعوة نيرمين أخت فريد والتي أثارت فضوله بما فعلته وعليه التقط هاتفه وطلب حضور مساعده ثم أمره بجدية بعدما أعطاه اسمها تأكيد شكوكه نحوها ومعاودة إخباره في أسرع وقت ممكن. أطاعه المساعد بخضوع ثم انصرف تاركاً المجال لرئيسه لمتابعة عمله.
بعد انتهاء وجبة العشاء، والتي سادها الصمت من جهة فريد وفقدان الشهية من قبل حياة، صعد فريد إلى غرفة نومهم، وتبعته حياة. تحدث إليها باختصار بعد تناول قهوته:
- اطلبي من عفاف تحضر لي شنطة هدومي عشان مسافر بكرة الصبح.
أصاب حياة الإحباط بمجرد سماعها تلك المعلومة، وفتحت فمها لتسأله بخفوت:
- هتغيب؟ عشان أعرف محتاج قد إيه يعني.
أجابها باقتضاب وهو يراقب تعابير وجهها:
- حوالي 5 أيام.
خمسة أيام! بدونه! وهي من كانت تأمل بإجراء ذلك التحليل غدًا، وإخباره بنتيجته رغم شبه تيقنها من النتيجة. ثم أيجب عليهما في كل مرة الرحيل وهما على خصام؟ زفرت بإحباط ثم قالت بنبرة خفيضة حزينة:
- ما في داع لعفاف، هحضرهالك أنا.
قال معترضًا وهو يجلس فوق الفراش قبالتها:
- لا، ما تتعبيش نفسك. اطلبي من عفاف وهي عارفة هتعمل إيه.
لوت فمها وهي تهز رأسها بضيق، ثم سألته بصوت متحشرج من أثر دموع الإحباط:
- أنت شايف إنك هتتعبني؟
رفعت رأسها في انتظار إجابته، فرأت تلك الدموع المتلألئة تلمع داخل مقلتيها. لم يجيبها، لذلك تحركت بخطوات مثقلة نحو خزانة ملابسه لتبدأ في تحضير حقيبته. تبعها بخطواته ووقف بجسده خلفها، ثم مد ذراعيه يحتضنها من الخلف وأسند ذقنه فوق كتفها بصمت. رفعت ذراعيها هي الأخرى، تضعها فوق يده المحتضنة خصرها بتملك، وهي تفكر بسذاجة: هل يشعر بها وبما تحمله داخل أحشائها؟ قاطع تفكيرها سؤاله لها بصوته العميق:
- تحبي تيجي معايا؟
قاومت رغبة جامحة في الاندفاع والموافقة، ولكنها تذكرت ما يحدث لها في الصباح وموعدها غدًا، إلى جانب قلقها من الطيران والمجهود الزائد، لذلك أجابته على مضض رافضة:
- لا، شوف أنت شغلك وأنا هستناك لحد ما ترجع.
شدد من احتضان ذراعيه لها، فأردفت تطلب منه بتوسل:
- فريد.. ممكن أرجع الشغل تاني.
امتنع عن الرد، لذلك حركت رأسها تنظر إلى جانب وجهه تستبين رد فعله. لم تجد ما يشجعها من ملامحه، فأردفت تضيف:
- الشغل بس ومش هروح أي مكان من غير ما تعرف.
زفر مطولًا، ثم قال بهدوء وعلى مهل:
- ما تمشيش من غير حراسة. وقبل ما تتحركي لأي مكان تبلغيني. ومتقابليش حد غير بإذني. أنتِ فهماني طبعًا؟ حياة، صدقيني لو اللي حصل ده اتكرر تاني مش هضمن رد فعلي.
هزت رأسها موافقة، فتلك الليلة بالذات لا تسعى لإغضابه. حرك رأسه موافقًا بإستحسان هو الآخر، وقد قرر كلاهما تجاوز ما حدث بينهما منذ يومين.
بعد مرور يومين، وفي غرفة مكتبها، جلست حياة تبتسم ببلاهة وهي تضع يدها فوق بطنها كعادتها منذ تأكيد الطبيبة لها خبر حملها. يا الله، إنها الآن حامل في شهرها الأول! كم تنتظر بفارغ الصبر عودة فريد وإخباره، فهي تجاهد في كل مكالمة هاتفية بينهم ألا ينفلت لسانها وتخبره بتلك المناسبة السارة، فبعد كل شيء تريد رؤية تعابير وجهه ورد فعله عند سماعه خبر حملها. فقط عليها الانتظار ثلاثة أيام أخرى. بالطبع، مدة طويلة للغاية بالنسبة لها. أعادها من شرودها طرق خفيف فوق باب غرفتها. اعتدلت في جلستها وعدلت من وضعها، ثم أذنت للطارق في الدخول. تفاجأت بوائل الجنيدي يقف أمامها بابتسامة عريضة تملأ ثغره. هتفت حياة باستنكار:
- باشمهندس وائل! خير؟
تنحنح وائل محرجًا، ثم أجابها مفسرًا قدومه وهو يتقدم منها لإلقاء التحية عليها:
- خير. كان عندي استفسار بسيط كده مع المحامي ولقيت نفسي بعدي من تحت الشركة، فقلت أطلع أسأله بنفسي وبالمرة أسأل على فريد. ولما خلصت حبيت أسلم على حضرتك.
كاذب، هذا ما هتف به داخليًا. لم يكن بحاجة للمجيء شخصيًا، هو فقط قادته ساقه إلى هنا من أجل رؤيتها. ابتسمت حياة له بود ثم قالت ببساطة:
- لا حضرتك إيه بقى، ده حتى أنا أصغر منك. مفيش داعي للرسميات دي بينا. خليها حياة بس.
بادلها وائل ابتسامتها بأخرى واسعة وهو يتمتم بحماس:
- موافق، بس بشرط. بلاش كمان باشمهندس، دي خليها وائل.
همت حياة بالاعتراض، ولكن أوقفها رنين هاتفها الخلوي. فالتقطته مسرعة بعدما اعتذرت منه ظنًا أنه فريد. أصيبت بالإحباط عند رؤيتها هوية المتصل، ولكنها أجابت على كل حال:
- كله تمام يا نيرمين، الحمد لله.
استمعت لسؤالها ثم أردفت تقول بإحراج:
- حبيبتي معلش معايا ناس. شوية وهكلمك تاني.
بالطبع، التقط وائل الاسم من شفتيها، فعاد يسألها بعد إنهاء مكالمتها:
- هي الأستاذة نيرمين قريبة منك؟
قطبت حياة حاجبيها وهي تسأله بقلق:
- أها.. يعني.. ليه؟ في حاجة؟
نظر وائل نحوها بتردد، فأردفت تحثه على الحديث وقد أثار سؤاله فضولها:
- أنا أقرب لنيرمين من فريد، فتقدر تقول آه.
ضغط فوق شفتيه ثم قال على استحياء:
- بصراحة، في حاجة كنت عايز ألفت نظر فريد ليها، بس مش وقته. يرجع بس الأول.
لقد أثارت جملته قلقها حقًا، لذلك اندفعت تسأله بتوسل:
- لا، من فضلك. لو حاجة تخص نيرمين، من فضلك بلغني بيها الأول ومن غير ما تسألني ليه، بس ده الأصح.
أنهت جملتها وانحنت تلتقط قطعة ورقية صغيرة وقامت بتدوين رقمها فوقها، ثم أعطته له مستطردة برجاء:
- ده رقمي. لو سمحت أي حاجة تحصل بلغني فورًا.
أومأ لها وائل رأسه موافقًا بتردد، فهو لا يعلم إذا كان صائبًا في إخبارها هي بدلًا من فريد أم لا. على كلا، سيفكر مليًا ثم يقرر من سيخبره أولًا. هذا ما قرره وهو يحييها مودعًا قبل انسحابه للخارج، تاركًا إياها تشعر بالقلق والذعر من القادم.
هتفت نيرمين متسائلة بارتياب وهي تجلس أمام صديقتها وشريكتها في التخطيط:
- نجوى، أنتِ متأكدة إننا هننجح وهتصدقيني؟ المرة دي هتبقى تقيلة أوي ولو راحت أو بلغت فريد هنروح في داهية؟
أجابتها نجوى بنبرة عدائية واضحة بعدما زفرت بتأفف:
- يوووه يا نيرمين، مش معقول كده. كل ما أقولك حاجة تسمعيني نفس الأسطوانة! أنا بجد زهقت.
انكمشت نيرمين داخل مقعدها من عداء صديقتها غير المبرر، ثم سألتها باستهجان:
- في إيه يا نجوى! مالك بتتعاملي معايا كده ليه؟ أنا بس بفكر معاكي بصوت عالي.
صاحت نجوى بعصبية مدافعة عن نفسها وفكرتها:
- عشان أنتِ وترتيني، وكل شوية تطلعي بحجة عشان متنفذيش، مع إن أفضل وقت نتحرك فيه وفريد مسافر.
حاولت نيرمين استرضائها فقالت مبررة:
- أنا مش بطلع بحجج، بس المرة دي فيها تزوير وفريد مش سهل. لو عرف هتكون نهايتي ونهايتك.
أجابتها نجوى وهي ترمقها بنظرات حادة:
- لو مش عايزة، كنتي قلتي من الأول وكنت ظبطها مع حد تاني. بس متجيش دلوقتي بعد ما اعتمدت عليكي وهي وثقت فيكي تخافي. أنا شفت غيرتها قبل كده وعارفة إنها مش هتتحمل. وبعدين لو حصل وفريد عرف، ابقى قولي أنا ضحكت عليكي زيها. خلاص؟ ولا في حجج تاني؟
حركت نيرمين رأسها على مضض موافقة وأجابتها رغم ترددها الملحوظ:
- خلاص خلاص. حضري الصور والأوراق وبكرة هننفذ.
اندفعت نجوى تقول بسخط:
- الأوراق والصور جاهزة من يومين. وأنا هبعتلها بس حضرتك تكوني جاهزة، عشان الأساس كله عليكي.
قالت نيرمين بفتور وهي تفكر بجدية في صواب ما يفعلاه:
- ماشي، نفذي بكرة وهتلاقيني معاكي.
في مساء اليوم التالي، وبعد عودة حياة من الشركة، أضاء شاشة هاتفها معلنًا عن وصول عدة رسائل نصية متتابعة. التقطتها حياة بلهفة، فربما فريد قرر إرسال رسالة لها. لقد اشتاقته حد الجنون، رغم حديثه معها عدة مرات خلال اليوم، ولكن كيف لقلب عاشق مثلها أن يكتفي بمكالمة أو اثنتين؟ فتحت هاتفها ونظرت في فحوى الرسائل المرسلة من رقم مجهول. ثم جحظت عينا حياة للخارج وازدادت حدة تنفسها. إنه زوجها! نعم، هو فريد! بمواضع حميمية! مع من؟ نجوى! لن تصدق! لن تصدق! تلك الصور مركبة! هذا ما ظلت تهتف به إلى أن جأتها رسالة مصورة أخرى. عقد زواج عرفي. قرأته بأنفاس مقطوعة ودقات قلب متسارعة. عقد زواج فريد ونجوى!
بحثت عينيها بلهفة عن توقيعه للتأكد. بدأت الدموع تترقرق داخل مقلتيها، فهي تعرف توقيعه جيداً وتعاملت معه آلاف المرات. وهو نفس ذات التوقيع الواقع هنا في ذلك العقد.
قرأته مرة ثانية وثالثة ورابعة، ربما هناك خطأ ما. لا، ليس هناك أي أخطاء. العقد بتاريخ قديم، قبل حتى عقد زواجهم بشهر. أي أنهم معاً منذ ٤ أشهر. لا، فريد لا يفعل بها ذلك. هذا ما فكرت به ودموعها تنساب فوق وجنتيها بقوة.
رسالة مصورة أخيرة من ذلك الرقم المجهول من أحد المعامل المشهورة. تحليل حمل باسم نجوى سعيد العمري. النتيجة إيجابية.
صرخت حياة وهي تلقي الهاتف من بين يديها. ما هذا الكابوس الذي سقطت به؟ لا يعقل. فمنذ زواجهم وهو يبيت كل ليلة داخل منزله، حتى في بداية زواجهم عندما كانت غرفهم منفصلة كان يبيت كل لياليه في غرفته. وأيضاً، منذ ما يقارب الشهرين وهي معه في العمل وفي الليل تنام داخل أحضانه. ولكن أيضاً، تاريخ العقد قبل زواجهم.
شهقت بفزع. هل يعقل أن حديثه تلك الليلة على أن سفريته قضاها معها صحيح؟ وهي من ظنته قال لها ذلك من أجل أحزانها. لا، فريد لا يفعل ذلك.
بدأت الرؤية لديها تتشوش من كثرة الدموع المنهمرة من مقلتيها. ستواجهه الآن. ستهاتفه وتستعلم منه عن كل ذلك الهراء الذي وصل إليها. تحركت لتمسك هاتفها وتخرج رقمه.
وفي تلك اللحظة، صدع رنينه معلناً عن ورود اتصال جديد لها من نيرمين. لم تكن حياة في حالة تسمح لها بالإجابة على أي اتصالات، لذلك رفضت الاتصال.
عاودت نيرمين اتصالها عدة مرات متتالية دون انقطاع، يليها رسالة نصية مختصرة مفادها أنها بالخارج، تريد التحدث إليها بأمر عاجل لا يحمل التأخير، والحرس يمنعها من الدخول.
ترى هل ستخبرها بشيء ما يخص تلك الصور والعقد؟ اندفعت تستقبلها بأمل، فربما تخبرها بكذب تلك الصور وذلك العقد والتحليل. أعطت حياة أوامرها للحارس بأفساح المجال لنيرمين والسماح لها بالدخول.
همّ الحارس بالرفض، ولكن قاطعه صراخ حياة به بشراسة وهي تدفعه بقوة ليسمح لنيرمين بالقدوم، فهي في حاجة ماسة لسماع ما يريح قلبها. انصاع الحارس في الأخير لأوامرها، خصوصاً وهو يرى الحالة العصبية التي تمر بها. سمح لنيرمين بالدخول، ثم أخرج هاتفه ليخبر سيده بما حدث.
***
أما عن نيرمين، فقد هرولت تلحق بحياة التي سبقتها للداخل، وهي على يقين أن مخططها مع نجوى قد أصاب هدفه. فحياة على وشك السقوط مغشياً عليها من شدة الإعياء وشحوب الوجه.
أخذت نفساً عميقاً متصنعة الهلع، ثم هتفت بلهفة انطلت جيداً على حياة التي لم تكن ترى الأمور بشكل سليم:
- حياة، هاتِ تليفونك لو سمحتي..
سألتها حياة بحدة وهي تبتعد عنها عدة خطوات:
- ليه!!! عشان مش أشوف اللي هيتبعتلي!! اتأخرتي يا نيرمين..
شعرت نيرمين بالانتصار من تصديق حياة لتمثيلها، فأردفت تسألها متصنعة القلق:
- قصدك إيه!! أوعي تقوليلي إن نجوى بعتتلك حاجة!..
صرخت حياة تجيبها:
- هي بعتتلي حاجة واحدة بس!! دي بعتتلي كل حاجة..
تحركت نحو نيرمين مرة أخرى، ثم رفعت ذراعها تهزها بعنف وهي تهتف بتوسل:
- انتي كنتي صاحبتها.. قولي إن ده مش حقيقي.. قولي فريد ما يعملش كده فيا..
أخفضت نيرمين رأسها لتهرب من النظر في عينيها، ثم أجابتها بخفوت:
- أنا كان نفسي ألحقها قبل ما تبعتلك بس ملحقتش للأسف..
مسحت حياة دموعها المنهمرة بظهر كفيها، ثم سألتها بهدوء نسبي وترقب:
- قصدك إيه؟..
ابتعلت نيرمين لعابها بتأثر مدروس، ثم قالت بخفوت:
- نجوى كلمتني وهي في حالة هيستريا وهددتني لو فريد مكلمهاش النهارده هتبعتلك وهتقولك كل حاجة.. وأنا حاولت أكسب وقت لحد ما أوصل لفريد وأحذره، بس طبعاً انتي عارفة هو قد إيه بيكرهني.. فملقتش حل قدامي غير إني أجي هنا وأحاول أخبي الرسايل دي عنك..
ضيقت حياة عينيها فوق نيرمين تسألها باستنكار:
- يعني انتي كنتي عارفة!! عارفة إن فريد متجوزها!!
هتفت نيرمين مدافعة عن نفسها بمهارة:
- حياة لو سمحتي اهدى.. دي كانت حاجة قديمة قبل ما فريد حتى يتجوزك.. وأنا متأكدة إنه من بعد جوازكم مبقاش له أي علاقة بيها..
صرخت حياة بهيستيريا لتقاطعها:
- قديم!!! وحملها ده كمان قديم.. أنا لازم أعرف التفاصيل..
أجابتها نيرمين وعيونها تلمع بانتصار، فزوجة أخيها تصدقها بالكامل:
- بصراحة هو جواز فريد من نجوى كان غلطة يعني.. كل الحكاية إنهم في يوم كانوا بيشربوا مع بعض واتقلوا شوية في الشرب وتاني يوم فاقوا لقوا نفسهم سوا.. طبعاً ده اللي نجوى حكتهولي.. وبعدها جه موضوع جوازكم وكل ما فريد كان بيحاول يطلقها كانت بتهدده إنها هتبلغك.. وصدقيني هو عشان بيحبك كان خايف يخسرك..
ارتمت حياة على أقرب مقعد لها، فقداها لم تعد قادرة على حملها بعد كل ما سمعته. ظلت تشهق وتنتحب بقهر حتى نفذت دموعها وشعرت بكل قواها تختفي.
رفعت كفها تتلمس بطنها بحسرة، ثم سألت نيرمين بخفوت وهدوء عجيب:
- وحملها؟..
أجابتها نيرمين بإقناع:
- أنا بلغتك إن فريد من ساعة ما اتجوزك مبقاش له أي علاقة بيها.. والحمل حصل يومها..
قاطعتها حياة متسائلة باعتراض:
- بس تاريخ التحليل من شهرين بس..
أجابتها نيرمين مفسرة بمهارة:
- أنا كمان أخدت بالي من كده وهى لما بلغتني مصدقتش برضه.. لحد ما في يوم روحت معاها الدكتورة وشفت بنفسي..
بحديثها هذا قضت نيرمين على آخر أمل يراود حياة، لذلك أخذت نفساً عميقاً، ثم قالت بانكسار:
- يعني انتي كنتي عارفة إن أخوكي هيبقى عنده طفل وساكتة..
أجابتها نيرمين مدعية البراءة:
- بصراحة في الأول مكنتش مهتمة ويمكن أكون مبسوطة عشان نجوى.. بس بعد ما شفت وشها المنافق واتعرفت عليكي كويس خفت تعرفي وحياتكم تدمر..
هزت حياة رأسها بضعف وهي تلتقط هاتفها وتتحرك نحو الدرج. ركضت خلفها نيرمين تستوقفها وهي تسألها بقلق:
- انتي رايحة فين؟..
أجابتها حياة بنبرة خفيضة منكسرة:
- ولا حاجة.. هطلع أنام.. لو سمحتي سبيني لوحدي دلوقتي..
لم تجادلها نيرمين، فمهمتها نفذت على أكمل وجه، وما تبقى في يد حياة. لذلك أومأت برأسها لها موافقة، ثم انصرفت نحو الخارج.
***
صعدت حياة إلى غرفتها وهي تجر أذيال الخيبة خلفها. فعقلها لا يستوعب بعد كل ما تعلمه حتى الآن. وهي من كانت تنظر عودته على أحر من الجمر لتخبره ببشرى أبوته، وهو في الأساس أب.
لوت فمها بتهكم مرير وهي تجلس فوق الفراش بجمود وتفكر بقهر. هذا يفسر كل شيء. فالطالما كانت تتساءل عن سر تهاونه مع نجوى، والآن أضحت الإجابة واضحة أمام عينيها. ببساطة لأنها زوجته، حتى لو كان بعقد عرفي هي تسمى زوجته.
عادت الدموع لتملأ عينيها مرة أخرى. يبدو أن السعادة تأبى أن تكتمل معها.
صدع رنين هاتفها، وتلك المرة المتصل هو فريد نفسه. بالطبع أخبره حارسه بزيارة نيرمين، لذلك يهاتفها رغم فارق التوقيت بينهم.
أجابته بنبرة خافتة حاولت قدر الإمكان إخراجها طبيعية. أما هو، فهتف بها بحدة متسائلاً على الفور:
- حياة.. نيرمين كانت هنا بتعمل إيه!! أنا مش نبهت عليكي قبل كده!!!..
بمجرد سماعها صوته، بدأت تشهق في البكاء دون مقدمات. استمع إلى بكائها بقلب قلق، ظناً منه أن بكائها بسبب حدته معها. لقد اتخذ قراره. عندما يعود سينهي مع والده موضوع نيرمين إلى الأبد.
هتف اسمها بنعومة بعد فترة من استماعه لشهقاتها المتلاحقة محاولاً تهدئتها، فأجابته بنبرة ضعيفة متحشرجة:
- فريد.. ممكن نتكلم بعدين.. عشان خاطري بلاش النهارده..
زفر بضيق، ثم قال بحزم قبل إنهاء المكالمة:
- طيب تمام.. أنا هحاول أخلص الشغل هنا وأركب طيارة بكرة وبليل هكون عندك..
أنهت معه المكالمة بوداع مقتضب، واستلقت فوق الفراش تحاول الوصول لقرار ما. لن تفرط في طفلها مهما حدث. هذا أول قرار اتخذته. ولكنها أيضاً لا تستطيع العيش مع فكرة وجود طفل آخر لديه ومن تلك الحرباء نجوى. لا، لن تسمح لمأساته أن تتكرر مع طفلها.
ومع وجود عقد زواج بينهم، تخشى تكرار ماضي والده ووالدته معها. إذاً، ما الحل؟ هل تجبره على التخلص من ذلك الطفل؟ لا، ضميرها لا يسمح لها. وحتى إذا سمح لها، أين تذهب من عقاب الله لها؟
لا يوجد سوى الحل الذي كانت تخطط له من البداية. ستفر هاربة بروحها وطفلها. نعم، على الأقل مؤقتاً، هي ستحمي نفسها وطفلها، وليحدث ما يحدث بعدها. هذا ما قررته بإصرار وهي تغمض عينيها محاولة السيطرة على شعور الغثيان الذي اجتاحها.
***
في الصباح، انتظرت حياة شروق الشمس، ثم بدأت تتحرك لتنفيذ خطتها. هذا آخر قرار اتخذته. لن تجلس في منزله دقيقة واحدة وهي على علم بزواجه من أخرى. وحتى لا تثير الشك، ستتحرك كالمعتاد، فقط بحقيبة يدها.
تناولت حبوب الغثيان التي نصحتها الطبيبة بتناولها في الصباح لتقليل شعورها به، واغتسلت جيداً، ثم ارتدت ملابس عملية مريحة عبارة عن بنطال من الجينز وحذاء رياضي أبيض مع جاكيت رياضي وحقيبة ظهر صغيرة.
حانت منها التفاتة أخيرة لتلك القماشة المطوية بين ملابسها والتي أعطاها لها فريد يوم زفافهم. رفعتها إلى فمها لتقبلها، ثم وضعتها داخل حقيبتها، وتركت هاتفها فوق المنضدة، فبعد كل شيء، هي لا تريده أن يتتبعها من خلاله.
هبطت للأسفل متوجهة نحو الحديقة، وطلبت من الحارس الذهاب إلى مول تجاري لشراء بعض الأشياء الخاصة. تردد الحارس في موافقته، ثم تحرك مبتعداً عنها. كانت تعلم أنه يأخذ الإذن من رئيسه أولاً، ولكنها لم تهتم. يكفيها الخروج من ذلك المنزل ونجاح خطتها.
***
هتف وائل في مساعده بتأثر وهو يضع سماعة هاتفه فوق أذنه:
- انت متأكد من الخبر صح؟..
أكد له مساعده الشخصي بثقة:
- أيوه يا فندم.. أنا فضلت وراها بنفسي وشوفتها وهي بتتعامل مع ديلر في منطقة **** وبعدها عرفت بطريقتي إن الولد ده تخصص نوادي ليلية وولاد الناس اللي زي حالتها..
وعرفت إنها بتتعامل معاه بقالها شهر أو أكتر.
أغلق وائل معه الهاتف بإحباط، فرغم كل شيء هي فتاة جميلة للغاية. سلك ذلك الطريق المحتوم نهايته. أمسك هاتفه وظل ينظر إليه فترة محاولًا اتخاذ قراره. هل يخبرها أم لا؟ انتظر عدة دقائق أخرى ثم أخرج قصاصة الورقة من جيب ردائه الداخلي ليهاتفها. ظل يستمع إلى جرس الهاتف منتظرًا إجابتها. انتهى الجرس دون رد. عاود المحاولة عدة مرات أخرى دون جدوى. أنهى اتصاله وقد قرر معاودة الاتصال بها في وقت لاحق، فهذا أمر لا يقبل التأخير.
بعد حوالي ساعة كانت حياة تقف أمام المول التجاري الذي وقع اختيارها عليه بسبب قربه من خطوط السكك الحديدية. تحركت وتحرك خلفها حراستها. وعند وصولها إلى محل المستلزمات الإسلامية طلبت منهم انتظارها في الخارج لشراء هدية لأحد زميلاتها. بعد قليل خرجت وهي تحمل في يدها حقيبة المتجر والتي تحتوي على زي شرعي "نقاب" لإخفاء وجهها.
بعد زيارتها عدة محال تجارية أخرى حتى لا تثير الشك، طلبت منهم الذهاب إلى المرحاض ثم قامت بتبديل ثيابها وارتداء لباسها الجديد. ثم نظرت في المرآة لتتأكد من إخفائه لهويتها. هزت رأسها برضا، فذلك الرداء الأسود أخفى ملامحها وجسدها بالكامل.
أخذت نفسًا عميقًا ثم تحركت للخارج بحذر شديد. وكما توقعت، لم يهتم الحراس بالنظر إليها، فنظرتهم جميعًا كانت مسلطة على الباب في انتظار خروجها بهيئتها الطبيعية. تحركت بتأني حتى وصلت إلى باب الخروج ثم ركضت إلى الخارج تستقل أول سيارة أجرة صادفتها متجهة نحو محطة القطار لتستقل أول واحد يقابلها.
تحرك رئيس الحراس في مكانه بملل وهو يرفع ساعده لينظر في ساعة يده. لقد مر حوالي نصف ساعة وسيدته لم تخرج حتى الآن. هل ما تفعله يستغرق كل ذلك الوقت؟ لقد بدأ الشك يراوده. لذلك، وعند خروج إحدى السيدات من المرحاض، أوقفها ليسألها بأدب إذا كانت توجد سيدة بمواصفات حياة في الداخل ليطمئن عليها. أجابته السيدة بأنها كانت في الداخل بمفردها. وعليه، تحرك إلى رئيس أمن المول يشرح له الأمر ويطلب منه الدخول للبحث عنها. بعد التأكد من خلو منطقة الحمام، اندفع رئيس الحراسة مع ما تبقى من حرسه للبحث عنها ولم يجد لها أثر. ركض وحراسه داخل المول بأكمله وخارجه بحثًا عنها دون جدوى. رفع هاتفه بعد يأسه في إيجادها بهلع ليخبر فريد الذي كان في وسط اجتماع هام مع شركائه الألمان. التقط فريد الهاتف مسرعًا ليستمع إلى صوت رئيس حراسه يخبره بصوت مذعور:
- فريد بيه.. حياة هانم اختفت..
رواية متى تخضعين لقلبي الفصل الثلاثون 30 - بقلم شيماء يوسف
في غرفه وكيل النيابه جلست جيهان تنتظر بتوتر دخول منصور في اي لحظه. ترى ما سبب تلك الرغبه الملحه في رؤيتها؟ لا يهم، هي فقط تتمنى ان تمضي تلك الزياره على خير والا يورطها معه في شئ جديد. هذا ما فكرت جيهان بحنق وهي في انتظاره.
دلف منصور الغرفه بثقه ثم سحب المقعد المقابل لها وجلس فوقه بتفاخر كعادته. قطبت جيهان جبينها تنظر إليه باستنكار، فهيئته وملابسه لا توحي ابدا بمعاملته كمتورط في قضيه قتل. ابتسم منصور لها بسماجه وهو يسألها بسخريه محاولا اللعب باعصابها:
- ايه يا جيجي هانم .. لازم ابعتلك عشان اشوف وشك الجميل ده! .. معقول هان عليك منصور شريكك ..
ضغط على حروف كلمته الاخيره بنبره ذات مغزى جعلت جيهان تزدرد لعابها بصعوبه وهي تجيبه بنبره متوتره:
- عايز ايه يا منصور! انت عارف ان وضعي حساس ومكنش ينفع ازورك ابدا عشان الشكوك ..
اجابها منصور بكلمه واحده وهو يبتسم لها بشراسه:
- حريتي ..
سألته جيهان باستنكار:
- حريتك؟!!!
اومأ رأسه لها موافقا ببرود ثم قال مؤكدا باقتضاب:
- بالظبط ..
عادت جيهان تسأله باستهجان:
- وانا هعمل ايه في حريتك يا منصور ؟!!!!
مط منصور شفتيه كعلامه على استيائه ثم اجابها بنبره خفيضه موتره:
- ما بلاش لف ودوران يا جيجي هانم .. ولا انت فاكره اني دخلت السجن وانتي هتفلت بعملك؟ مظنش انك شايفاني غبي كده ..
سألته جيهان مستفسره وقد بدء الرعب يتملك منها:
- قصدك ايه .. وبعدين انت متقدرش تثبت حاجه عليا .. حتى لو اتكلمت مفيش حاجه تثبت كلامك ده ..
اتكأ منصور بجسده فوق مقعده ثم سألها بشك:
- متأكده؟
اجابته جيهان بثقه وهي تحرك كتفيها بعدم اهتمام:
- اها .. اتفقنا كان كلام وبس .. لا في بينا ورق ولا انا ساعدتك في حاجه تاني ..
ابتسم منصور باستهزاء ثم اجابها بنبره خفيضه مستمتعا بقلقها:
- عندك حق .. مكنش في بينا ورق ..
صمت قليلا ليضيف بعض الإثارة لحديثه ثم اردف يقول بخبث:
- بس في تسجيل بصوتك الحلو ده واحنا بنتفق هنخلص من فريد ومراته ازاي ..
شهقت جيهان بصدمه ثم قالت بعدم تصديق:
- كدب ..
اومأ منصور رأسه لها موافقا بخضوع ثم قال بعدم اهتمام:
- عايزه تصدقي انه كدب صدقي .. قدامك بالظبط اسبوعين تكوني رتبتي طريقه هروبي من هنا .. بعد الاسبوعين بيوم هعترف انك شريكتي في كل حاجه وهقدم التسجيل ..
هتفت جيهان به بحنق مستفسره:
- وانا ههربك ازاي انت بتهزر .. كده غريب وفريد هيشكوا فيا !!!
هز منصور كتفيه بعدم اهتمام ثم اجابها وهو يعتدل في وقفته:
- مش مشكلتي انتي خططك كتير ومعارفك اكتر ومش هتغلبي .. اسبوعين بالظبط والاقيكي قدامي بتقوليلى ان كل حاجه جهزت ..
انهى جملته وتحرك بجسده للخارج طالبا من فرد الامن اعادته للزنزانه تاركا جيهان ترتجف رعبا من فكره كشف امرها.
في إحدى القرى البعيده والتابعة لمحافظه دمياط جلست حياة تنظر بشرود من خلف النافذه الحديديه في إحدى غرف منزل صديقتها منذ الدراسه ريهام. ان ريهام هي الاختيار الأمثل بالنسبه لحياة في الوقت الحالي وذلك بسبب تواجدها في مدينه اخرى مما يصعب على فريد عمليه البحث عنها. فريد.. مجرد التفكير به جعل قلبها يعتصر ألما من شده الشوق إليه. فقد مضى اسبوع على رؤيتها له وحوالي ٤ ايام منذ سماعها صوته. تشتاقه؟ لقد تعدى شوقها له حدود العقل والقلب. بدأ الدموع تعود لتبلل وجنتيها كعادتها منذ تركته. احتضنت تلك القماشه الغاليه على قلبها والتي تتمسك بها ككنزها الثمين منذ هروبها تنظر بداخلها. تنهدت بشوق وهي تتذكر يوم زفافهم يوم سلمها إياها وكيف وقعت في حبها على الفور. مثلها مثل صاحبها. "قلبي يحدثني بأنك متلفي". ابتسمت بحنين واناملها تتلمس تلك الحروف المنقوشه ببراعه مذهله. هو من أتلف قلبها. هذا ما فكرت به بحزن وهي تطبع قبله عاشقه فوقها. مسحت بأصابع مرتجفه بعض العبرات الساقطه فوق وجنتها ثم انزلق كفها لتمسد بحنان بطنها وتهدهد تلك القطعه الصغيره منه والتي تنمو بداخلها. لقد فعلت كل ذلك من اجله. لو كان الأمر مقتصرا عليها لحاربت حتى اخر رمق بها من اجل زواجها. لكانت ركضت عائده إلى احضانه تتلمس بداخله الراحه والامان. ولكن اكثر ما تخشى عليه هو طفلها الذي لم يولد بعد. تخشى ان يلاقي مصير والده على يد طفل غريمتها والتي تمقتها حد الموت. تنهدت بحزن وهي تستند برأسها فوق الأسياخ الحديديه للنافذه الصغيره. هل مازال يفكر بها؟ وما هي رد فعله عن هروبها؟ هتفت بقهر متضرعه "يارب". فكل ما تتمناه تلك الايام ان يربط الله على قلبها حتى تستطيع تخطي ذلك الألم الغير محتمل الذي يعتصر قلبها ويزهق روحها حزنا على فراقه. اغمضت عينيها بوهن وقد عاد ذلك الألم الجسدي ليضربها من جديد. زفرت عده مرات في محاوله منها لتخفيفه وهي تدلك بطنها برفق حتى بدأ يخفت ويتلاشى كعادته منذ يومان.
ظلت ريهام تراقب حال صديقتها والتي منذ وصولها بهيئتها الشاحبه وطلبها الغريب في المكوث معها عده ايام تشعر بوجود خطب ما بها. والأسوأ انها تمتنع عن الطعام والشراب وتظل هكذا تنظر إلى الفراغ اليوم بأكمله. هتفت ريهام باسمها عده مرات حتى انتبهت لها حياة والتفت تنظر إليها ببطء. سألتها ريهام وهي تقترب منها وتربت فوق كتفها مشجعه:
- وبعدين بقى يا حياة .. انتي لسه برضه مش عايزه تاكلي؟
هزت حياة رأسها على مضض نافيه فأردفت ريهام تقول بنبره عطوفه:
- يا بنتي انتي بقالك ٤ ايام اهو لا بتاكلي ولا بتشربي .. شويه وهتموتي من قله الاكل!! .. ومش عايزه تقولي فيكي ايه .. مش معقول اللي بتعمليه في نفسك ده مهما كانت المشكله ليها حل..
ضغطت حياة فوق شفتيها تحاول السيطره على سيل الدموع المهدد بالانفجار في اي لحظه. استطردت ريهام تسألها بتوسل مستفسره:
- طب قوليلى بس وريحيني .. والدك زعلك زي ما كان بيعمل ايام الكليه؟
هزت رأسها مره اخرى نافيه دون تعقيب. زفرت ريهام باستسلام ثم قالت وهي تهم في الوقوف:
- طيب انا مش هضغط عليكي لما تحبي تتكلمي انا موجود وهسمعك .. بس دلوقتي عشان خاطري كلي اي حاجه لحد ما انزل اشتري شويه طلبات وارجع .. ماشى؟
هزت حياة رأسها موافقه بصمت وهي تبتسم لها بخفوت. بادلتها ريهام ابتسامتها باخرى مشجعه وهي تلوح لها بيدها قبل اختفائها خلف باب المنزل الذي أغلقته خلفها بإحكام.
بعد ما يقارب نصف ساعه سمعت حياة عده طرقات فوق باب المنزل الخشبي الشبه متهالك. قطبت جبينها وهي تفكر باستنكار. ترى هل نست ريهام مفتاح المنزل؟ فتلك مرتها الأولى التي تقرع بها الباب. ربما تحمل الكثير من الأشياء والتي تمنعها من استخدامه. هذا ما فكرت به حياة مبررة وهي تتحرك ببطء نحو الباب لتفتحه.
شهقت بصدمه وهي تتحرك عده خطوات للخلف مذعوره ونظرها مسلط عليه بهيئته المشعثه ونظراته الغاضبه المسلطه فوقها. هل هو امامها حقا ام ان عقلها يخيل لها ذلك من كثره شوقها؟ رفرفت برموشها عده مرات لتتأكد مما تراه امام عينيها الان. همست اسمه بعدم تصديق بعدما تأكدت من وقوفه امامها حقا:
- فريد ..
هز رأسه مؤكدا بشراسه وهو يتحرك في خطوات ثابته نحوها حتى دلف داخل المنزل واعطى امرأ لحراسه قائلا بجمود شديد:
- خليكم هنا ..
انهى جملته واغلق الباب خلفه بحدة قائلا بنبره ناعمه كالحرير وهو يرفع حاجبيه معا:
- فريييد .. جوزك ..
قبض على ذراعها بقوه وغرز اظافره داخل مرفقها مما جعلها تتأوه بخفوت ثم اضاف بشراسه وهو يضغط على حروف كلماته:
- اللي فكرتي نفسك ذكيه بزياده عشان تهربي منه ..
همست اسمه بتوسل ليتركها فهتف بحدة يقاطعها باشمئزاز:
- اياكي .. إياك تنطقي اسمي ده على لسانك تاني فاهمه !!!
رفعت رأسها بتوجس تنظر لملامح وجهه لعلها تستنبط شئ منها. كان وجهه لا يفسر من شده الغضب مع نظرات الاشمئزاز التي يرمقها بها للمره الأولى في حياتها. تسمرت نظراته فوقها وهو يرى بكائها بصمت ثم دفعها بحدة فوق الأريكة البسيطة الموضوعه بمدخل الغرفة قبل سحبه لأحد المقاعد الخشبية والجلوس قبالتها بطريقة عكسية. ابتلعت حياة لعابها بصعوبه محاوله استجماع جزء بسيط من شجاعتها او ثباتها امامه فلو كانت النظرات تقتل لسقطت صريعه أمام حده نظراته. تحدث فريد بنبره عدائيه للغايه ربما سمعته يحدث بها اعدائه ولكن هي!! يبدو ان ذلك اليوم سيحدث به الكثير من الأشياء للمره الأولى. هذا ما فكرت به حياة بذعر وهي تستمع إليه يقول:
- قولي ان اللي عملتيه ده ليه علاقه بزيارة نرمين ليكي عشان صدقيني دي فرصتك الوحيده اللي ممكن اديهالك ..
لا لقد قطعت شوطا كبيرا فيما قررت فعله ومن نظراته لها علمت انها خسرت رفقه معها وربما حبه ولم يتبقى لها سوى طفلها لحمايته لذلك اخذت نفسا عميقا ثم اجابته بشجاعه هشه:
- محدش ليه علاقه باللي عملته .. انا اللي مش عايزه اكمل .. ولو سمحت خلينا ننفصل بهدوء ..
بمجرد سماعه جملتها انتفض من جلسته ودفع المقعد بقدمه ثم جذبها من مرفقها مره اخرى حتى تقف قبالته ثم قال باحتقار وقوه:
- مش فريد اللي مراته تهرب منه .. وبرضه مش فريد اللي واحده تقوله انها عايزه تسيبه حتى لو كان روحه فيها .. يوم ما زهقت منك انا اللي هرميكي .. زي بالظبط ما كان جوازنا مش بمزاجك انفصالنا برضه مش بمزاجك ..
كان صدره يعلو ويهبط من شده الانفعال رغم انخفاض نبرته اما عن وجهه فقد تحول إلى قطعه قرمزية من شده الغضب والضغط فوق فكه. كانت تعلم انها تجاوزت معه الحدود التي من الممكن ان يقبل بها وانها كانت تتمسك بسراب ولكن طفلها يستحق تلك المحاوله لذلك سألته بتوجس:
- قصدك ايه؟
اقترب منها حتى شعر بأنفاسه الساخنة السريعة تلفح وجهها، ثم أجابها بنبرة شرسة ولكن خفيضة تشبه الفحيح:
- يعني في مليون طريقة أرجعك بيها تحت رجلي تاني، أولهم الطاعة.
شهقت حياة بفزع من قسوته، وبدأ جسدها يرتجف تحت لمسته، ناهيك عن رجفتها الداخلية التي أصابتها منذ رأته أمامها، فذلك الجانب منه يخيفها حتى الموت.
أردف فريد حديثه بنبرة واثقة:
- بس أنا مش عاجز عشان أرجع مراتي بالمحاكم.
سألته حياة بنبرة مرتجفة للغاية:
- قص.. قصدك إيه؟
ابتسم بشراسة وهو يخرج هاتفه من جيب سترته، ثم ضغط على عدة أرقام وقام بتفعيل مكبر الصوت، منتظرًا إجابة الطرف الآخر.
استمعت حياة إجابة الطرف الآخر، ثم هتفت بصوت باكٍ:
- ماما.
أجابتها آمنة بنبرة قلقة متسائلة:
- حياة.. بنتي.. انتي بتكلميني من تليفون فريد ليه؟ ومال صوتك؟ ومين الناس اللي واقفين حوالينا دول يا بنتي؟ بيت إيه ده اللي هيمشونا منه أنا وأبوكي؟ أنا مش فاهمة حاجة، ومحدش عايز يطمني، عايزين يرمونا في الشارع على آخر الزمن يا حياة.
رفعت حياة رأسها تنظر بقهر لفريد الذي كان يقف أمامها بتفاخر، وعلى ما يبدو بدأ هدوئه بتلك المكالمة يعود إليه. بالطبع لم لا يعود إليه وقد التقطت تهديده لها بوضوح.
أخذت نفسًا عميقًا لتهدئة خفقات قلبها، ومسحت بأناملها دموعها المنهمرة، ثم أجابت والدتها بنبرة حاولت قدر الإمكان مطمئنة:
- متخافيش يا ماما، مفيش حاجة، ده أكيد سوء تفاهم مش أكتر. محدش هيتحرك من بيته ولا حد هيقدر يطلعك منه.
نطقت جملتها تلك وهي تنظر داخل عينيه بنظرة ذات مغزى جعلته يلوّي فمه بابتسامة رضا. فرغم كل شيء، هو يعلم جيدًا نقطة ضعفها ويعلم أنه إذا ضغط عليها بالأسلوب المناسب ستنصاع لكافة أوامره.
أنهت مكالمتها مع والدتها، ثم قالت بخضوع تام دون النظر إليه:
- هدخل أغير هدومي وأجيب شنطتي.
لم يعقب على جملتها، فقط اتبعها نحو الداخل، فهو لا يضمن تفكيرها.
بدلت ثيابها، حيث أنها كانت ترتدي إحدى منامات زميلتها البيتية، وارتدت الثياب التي كانت وضعتها داخل حقيبة يدها عند الهروب تحت نظراته الجامدة، ثم التقطت حقيبة يدها وتحركت مرة أخرى نحو الخارج.
في تلك الأثناء، عادت صديقتها للمنزل محملة بعدد من الحقائب البلاستيكية والتي تحوي عدة مستلزمات للمنزل. تفاجئت بمجرد وصولها لباب منزلها بعدد من الأجسام الرياضية العريضة التي تقف أمامه وتغلق مدخل المنزل كأنهم حرس الرئاسة.
حاولت المرور من بينهم، فقام كبير حراسه بمنعها. دفعته ريهام بقوة وعنف غير عابئة بالفارق الجسدي بينهم، وهي تصرخ بقوة:
- أوعى، ده بيتي، انت مين عشان تمنعني؟ أنا هدخل يعني هدخل.
التفت كلا من حياة وفريد على أصوات الصراخ بالخارج، وكان هو أول من تحرك نحو الباب يستكشف الأمر. فتح باب الباب بهدوء، فتفاجئ بريهام تدفعه هو الآخر، بعدما أومأ لحارسه بتركها والركض نحو حياة تسألها بلهفة:
- فيه إيه؟ مين دول؟ وأهم حاجة انتي كويسة؟ حد عملك حاجة؟
جاءتها الإجابة من خلفها بصوت فريد يقول بنبرة متهكمة:
- متخافيش عليها من جوزها.
التفت ريهام تنظر نحوه بحدة عدة لحظات متفاجئة، ثم عادت برأسها تنظر نحو حياة وهي تسألها باستنكار:
- اللي بيقوله الأستاذ ده حقيقي؟
أومأت حياة رأسها موافقة بخفوت، وقد عادت الدموع تنهمر من عيونها مرة أخرى.
سيكون ملعونًا إن تساهل معها. هذا ما فكر به فريد وهو يضغط فوق كفه بقوة مقاومًا رغبة ملحة في التقدم منها ومسح عبراتها المنسكبة.
عادت ريهام لتسألها بنبرة أقل تحفزًا، مستفسرة بعدما لاحظت استعداد حياة للرحيل:
- على فكرة أنا ممكن أطلب البوليس دلوقتي وأعمله قضية تهجم لو كان بيجبرك على حاجة.
أجابتها حياة بلهفة نافية:
- لا.. لا.. معملش حاجة.. أنا هروح مع فريد.
سألتها ريهام بتشكك وعينيها تنتقل بينهم:
- انتي متأكدة؟
هزت حياة رأسها للمرة الثالثة موافقة بصمت، ثم احتضنت صديقتها بحب وهي تشكرها على كل ما فعلته معها منذ قدومها، قبل تحركها معه نحو الخارج.
قادها فريد للأسفل وهو ممسكًا بذراعها، ووضعها داخل السيارة، ثم أغلق الباب خلفها جيدًا، قبل أن يتحرك نحو الباب الآخر ليجلس جوارها طالبًا من سائقه التحرك على الفور.
تحركت سيارته أولًا على طول الطريق الضيق غير الممهد، وتحركت خلفه سيارة حراسته.
جلست حياة جواره بصمت مثقل، فحتى ذرات الهواء بينهم محملة بالكثير من التوتر. أسندت رأسها فوق مقعد السيارة، وقد شعرت بذلك الألم يضرب أسفل بطنها ومؤخرة ظهرها مرة أخرى. أغمضت عينيها بإرهاق محاولة سحب نفسها من ذلك الجو المشحون بينهم، علّ وعسى تسترخي عضلاتها ويسترخي معه طفلها.
بعد فترة من الصمت، كان فريد يراقب خلالها الطريق الزراعي، شعر برأسها تستند فوق كتفه. التفت بحدة ينظر إليها، فوجدها غارقة في ثبات عميق.
أغمض عينيه بقوة هو الآخر، يقاوم رغبته في احتضانها وسحقها بين ذراعيه. زفر عدة مرات محاولًا إيجاد إرادته والسيطرة على انحراف مشاعره الذي انتابه منذ وضعت رأسها فوق كتفه.
حركت هي كفها تتمسك بساعده بقوة، كأنها تستمد منه العون أثناء نومها.
أي جحيم هذا الذي أوقعه في طريقها؟ ولماذا هي دون كل النساء مفاتيحه بيدها؟ هذا ما فكر به بسخط وهو يتأمل تشبثها به كطفل صغير كأنها دميته الكبيرة.
لوى فمه بسخرية. لقد أصبح فعلًا دميته. تحركه بنظرة واحدة من عينيها وتطفئ غضبه بلمسة حانية من يدها. لقد أصبحت كالإدمان بالنسبة له. تتحرك بين عروقه كيفما شاءت وأينما شاءت. داؤه ودواؤه، ناره وجنته، ضعفه وقوته.
هل تعلم ما مر به منذ سماعه خبر اختفائها؟ كيف استقبل خبر اختفائها وظنه أنها خطفت؟ كيف ترك كل ما حوله واستقل طائرته الخاصة من أجل العودة والبحث عنها؟ هل تعلم أنه لم يغمض له جفن منذ أربع ليالٍ؟ وأنه استأجر معظم شركات الحراسة المغمورة قبل المعروفة للبحث عنها في كل المناطق والمدن الممكنة الذهاب إليها؟ هل تعلم أنه ولأول مرة في تاريخه سمح لشخص ما رؤية ضعفه؟ ولولا مساعدة والدتها له لما تمكن من إيجادها بتلك السرعة، ولا تمكن أيضًا من إعادتها معه.
أجل، لقد شاركته والدتها وصديقة والدته ذلك المخطط حتى يجبرها على العودة معه بعدما أخبرته عن شكوكها بشأن صديقتها ريهام القادمة بمحافظة أخرى.
لا، ويدرك جيدًا استحالة علمها في يوم حبه غير المتبادل. كان يظن ولكن خاب ظنه. لقد أخطأ، لاول مرة في حياته، في تقدير أمر ما.
بالطبع سيخطئ. كيف يستطيع تقدير الأمور بشكل صحيح وعقله أمامها ينقلب رأسًا على عقب، وليس فقط قلبه؟ لقد وسوست له أفكاره أن تلك النظرات التي ترمقه بها هي حب، ولكن هيهات! فمن يحب حقًا لا يؤلم، لا يترك، ولا يهرب.
تململت هي في نومها وأصدرت تأوهًا خفيفًا من صعوبة الطريق غير الممهد، فوجد نفسه دون مقدمات يهتف في سائقه بحدة ويأمره بالتمهل في القيادة.
رفع إصبعه يتلمس ذلك الانتفاخ أسفل عينيها من كثرة البكاء.
لا، هذا ما هتف به داخليًا وهو يعيد كفه لجواره. فكلما غمد غضبه منها يتذكر لحظة إمساكه هاتفها ورؤيته لرقم شريكه يزين شاشته.
بالطبع كان هاتفها بنظام بصمة الإصبع، فلم يستطع الولوج بداخله والبحث به براحة حتى يتأكد من شكه الذي يساوره.
ولكن صبرًا، فلكل مقام مقال. هذا ما وعد به نفسه ليهدأ من ثورة غضبه. لقد أتم هدفه الأول وهو إعادتها لجواره، وبعدها ليعلم وعلى مهل سبب هروبها منه من الأساس.
استيقظت حياة قبل وصولهم إلى المنزل بمدة ليست طويلة، لتجد نفسها تستند برأسها على كتفه ويدها تحاوط عضده. اعتدلت في جلستها وابتعدت عنه في صمت، متحاشية النظر لوجهه.
وبعد عدة دقائق، لم تقاوم إغراء النظر إلى جانب وجهه الذي افتقدته بشدة. ظلت تتأمله بهدوء بهيئته المشعثة وذقنه التي أصبحت غير مشذبة مع وجوم ملامحه. إن ملامح الإرهاق تبدو جلية على وجهه، وهناك بعض الخطوط التي تحاوط فمه وذقنه من شدة الضغط على أسنانه. حتى بتلك الحالة يبدو بالنسبة لها أوسم الرجال.
يالله، هل كانت تتخيل أن تحيا ما تبقى من عمرها دونه؟ سبعة أيام كانت تكفي وتزيد لتشعر بروحها تخرج من جوفها اشتياقًا له وقلقًا عليه. نعم، تشتاقه حتى إذا كانت تشاركها إياه امرأة أخرى وطفل آخر.
لم يكن يحتاج إلى تهديدها لتعود معه، فمنذ رؤيته أمامها شعرت بمقاومتها تتلاشى وبتلك الرغبة العارمة في العودة إلى دفء أحضانه. حتى دون رؤيته، هذا كل ما تمنته خلال الأيام المنصرمة منذ تركها للمنزل.
أعادها من شرود أفكارها تلك توقف العربة أمام المنزل.
تحرك هو أولًا، كالسابق، وجذبها من مرفقها هذه المرة أيضًا، حتى توجه بها إلى غرفتهم. كان المساء قد حل وأسدل الظلام ستائره على المنزل بأكمله.
صادف في طريقه نحو الدرج عفاف التي ركضت مهرولة بقدر ما سمح لها سنها ووزنها لاستقبال سيدة المنزل المحبوبة، فقاطعها فريد بحدة قائلًا بنبرته الصارمة:
- مش عايز أي إزعاج من أي نوع، مفهوم؟
أومأت عفاف برأسها موافقة عدة مرات قبل انسحابها للداخل، فملامح وجهه لا تبشر بالخير.
دلفا إلى غرفتهم، ثم قام بدفعها بقوة قائلًا بحدة وهو يغلق الباب خلفه بالمفتاح:
- من هنا ورايح.. لا يبقى ليكي صوت ولا نفس.. تعيشي زيك زي الجماد، تاكلي بأذني وتشربي بأذني وتتحركي برضه بأذني، فاهمة؟
هتف كلمته الأخيرة بصوت جهوري جعلها تنتفض ذعرًا، ثم استطرد حديثه قائلًا بشراسة وهو يقترب منها ليقبض على ذراعها مرة أخرى:
- انتي ملكي أنا، ولحد ما أنا أقرر إمتى هرميكي، هتعيشي هنا زي الجارية لمزاجي وبس.
ختم حديثه وترك ذراعها، ثم بدأ في خلع ملابسه وإلقائها فوق الأرضية بعشوائية مع نظرة أرعبتها.
هتفت هي اسمه بعدم تصديق قائلة:
- فريد!
صرخ بها بقوة رجت أركان الغرفة وجعلتها تتراجع للخلف:
- قلتلك متنطقيش اسمي على لسانك ولا تتكلمي غير بأذني.
هزت رأسها بذعر موافقة، فأفضل حل لاحتواء غضبه الآن هو الصمت.
دفعها فوق الفراش بعدم اهتمام، ثم استلقى فوقها دون مقدمات، مدفوعًا بكل ما مر به من مشاعر منذ لحظة سماعه عن اختفائها.
أغمضت حياة عينيها محاولة تجاوز ذلك الألم الذي يزداد مع كل حركة عنيفة منه معها.
بدأت دموعها تهبط في صمت، فهي تعلم أنه لا سبيل معه الليلة مهما تحدثت وتوسلت.
لذلك، تركته ينفس عن غضبه بالطريقة التي اختارها.
فقط ظلت تدعو الله بصمت أن يحفظ لها طفلها، فهذا الألم المتواصل منذ عدة ساعات، والذي أصبح الآن لا يحتمل بسبب قوة فريد معها، جعل القلق يدب داخل أوصالها.
بعد فترة، انتهى هو مما يقوم به، ثم استلقى جوارها على الفراش معطيًا لها ظهره بعدم اكتراث.
تنفست حياة الصعداء وأغمضت عينيها بوهن شديد وهي تفكر بيأس: هل تخبره بما تشعر به أم تظل صامتة حتى يختفي الألم من تلقاء نفسه؟
أثناء تفكيرها بذلك، ومن شدة إرهاقها، ذهبت في غفوة قصيرة تخللها الألم.
بعد فترة قصيرة، أصبح الألم لا يحتمل وشعرت ببعض البلل أسفلها.
تحركت بألم شديد ترفع الغطاء من فوقها، فتفاجأت ببقعة كبيرة من الدماء تغطي الفراش أسفلها.
صرخت اسمه بذعر شديد مستنجدة به بصوت باكي وكفها يهزه من مرفقه:
"فريد الحقني."
انتفض فريد بمجرد سماعه صراخها، ينظر نحوها برعب، ثم اتجهت أنظاره نحو موقع تركيزها.
إنها جالسة في بركة دماء!
هذا ما فكر به بهلع وهو يلتقط من الأرضية ملابسه ويتمتم بلهفة مطمئنًا لها:
"متخافيش، متخافيش."
انتهى من ارتداء ملابسه في أقل من دقيقة، وركض نحو خزانة ملابسها يلتقط منها أي شيء ذي نفع لارتدائه.
وبعد أقل من ثلاث دقائق، كان يحملها بدمائها ويركض بها نحو سيارته، وهو يصرخ في أحد رجال حراسته بفتح باب السيارة له.
صعد بها بذعر شديد وهي تنتفض بين ذراعيه وتتمتم بتوسل:
"فريد الحقني، وقفه بأي طريقة، اعمل أي حاجة ووقفه."
لم يكن عقله يستوعب حرفًا مما تنطق به، فكل ما يشغل باله هو مشهد الدماء الذي كانت تحاوطها.
"اللعنة عليه، ماذا فعل بها!"
غمغم برعب هو الآخر، مهدئًا:
"متخافيش، مش هخلي حاجة تحصلك."
هزت رأسها بثقة، ثم بدأت الرؤية تتشوش لديها قبل ذهابها في ظلام سحيق.
بعد قليل، وبمجرد وصوله لمشفاه الخاص، سلمها لطبيب الاستقبال وداخله يرتجف هلعًا عليها.
وضع كلتا كفيه فوق رأسه وظل يتحرك برعب شديد ذهابًا وإيابًا أمام الغرفة.
وفي ذلك الوقت، خرج كبير الأطباء، والذي هرول هو الآخر نحو الغرفة بمجرد سماعه عن وصول أكبر مساهمي المشفى إليها، قائلاً بنبرة عملية قبل اختفائه خلف أبواب الفحص:
"متخافش يا فندم، هدخل أشوف إيه الوضع وأطمنك."
وبالفعل، بعد عدة دقائق، عاد رئيس الأطباء بملامح جامدة للغاية.
سأله فريد بلهفة واضحة:
"ها، حياة مالها؟"
هز الطبيب رأسه أسفًا، ثم أجابه بنبرة مترقبة:
"للأسف يا فريد بيه، ملحقناش الجنين."
هتفت فريد خلفه متسائلًا بعدم تصديق:
"جنين؟!"
تنحنح الطبيب قائلًا بحرج:
"واضح إن حضراتكم مكنش عندكم خلفية، بس للأسف المدام كانت حامل في الشهر الأول، وبسبب المجهود الشديد مع علاقة خشنة شوية، الجنين نزل. يمكن لو حضرتك جيت بيها بدري شوية كنا قدرنا نعمل حاجة. بس بالنسبة لحياة هانم، هي كويسة، الدكتورة معاها جوه، هي محتاجة عملية تنضيف مش أكتر، ربع ساعة بالكتير وحضرتك تقدر تشوفها."
حرك فريد رأسه بجمود يحاول استيعاب حديثه.
حامل! حياة! إجهاض بسببه!
نعم، هو السبب. هو من سمح لغضبه بالسيطرة عليه وأذاها.
أذاها هي وطفله الذي ذهب قبل حتى اكتشافهم أمره.
لقد نقض عهده مع والدته وسمح لجينات والده في السيطرة عليه.
اللعنة عليه وعلى ما فعله.
لقد تم عقابه بأسوأ طريقة ممكنة.
حرمانه من الطفل الذي طالما تمناه منها هي، وهي فقط.
ظل ينظر بشرود في اتجاه الغرفة التي تحويها حتى خرجت بعد قليل مدفوعة بالسرير المدولب.
سار خلفها كالمغيب حتى وصلا إلى غرفة عادية.
حملها المساعدون بحذر شديد لنقلها إلى فراش الغرفة، ثم قامت الطبيبة بغرز تلك الإبرة الطبية التي تكرهها بداخل يدها لإيصال المحلول الطبي لها، وهي تتمتم لفريد شارحة حالتها:
"الحالة كويسة جدًا، ووضع الرحم ممتاز، مفيش أي مشاكل إن شاء الله، حضرتك اطمن. هي بس ضعيفة شوية ومحتاجة تغذية، فحطتلها محلول ومعاه المضاد الحيوي. بعد شوية هتبدأ تفوق وتقدر حضرتك تخرج بيها بعد المحلول، مفيش أي مشكلة تمنعنا."
تحركت الطبيبة نحو الخارج عدة خطوات، ثم استدارت تردف على مضض:
"أحب أفكر حضرتك إنها محتاجة تكون بعيدة عن أي مجهود يؤذي الرحم لمدة أسبوعين أو تلاتة. حضرتك فاهمني طبعًا. غير كده مفيش أي موانع من أي نوع. والعامل النفسي مهم طبعًا في حالتها."
هز فريد رأسه موافقًا، وانتظر خروج الطبية من الغرفة، ثم تحرك نحوها.
تمسكت كفه بيدها المغروز بها تلك الإبرة الطبية، والتي يعلم جيدًا أنها تتألم بسببها.
جلس فوق الأرضية بجوار فراشها، وبدأ يبكي بحرقة.
تمتم بصوته الباكي قائلًا لتلك الغائبة عن الوعي بندم:
"أنا آسف.. أنا السبب.. أنا اللي قتلت ابننا.. أنا مكنتش أعرف.. أنا اتمنيته أكتر حاجة في الدنيا.. أنا مش هجبرك على حاجة تاني.. لو مش عايزاني مش هجبرك.. أنا مش عايز أذيكِ زي ماما.. حتى لو عايزة غيري أنا مش هأذيكِ."
بدأت حياة تستعيد وعيها شيئًا فشيئًا على صوت همهماته الضعيفة.
تململت في نومتها بوهن شديد وقطبت جبينها من ذلك الألم القادم من كفها.
تحرك هو من جلسته بمجرد إحساسه بها تتحرك، بعدما قام بمسح وجهه وتنقية حلقه، ثم انحنى بجذعه نحوها يسألها بهدوء:
"إنتي كويسة؟"
حركت رأسها إيجابيًا بصمت.
انتظر هو شكواها كالمعتاد، ولكنها فاجأته بأن حركت رأسها في اتجاه كفها الأيسر، ثم رفعته للأعلى قليلًا، تنظر إليه، ثم أعادت وضعه فوق الفراش بهدوء دون تعقيب أو صوت يُذكر.
حاول هو طمأنتها فتحدث قائلًا من أجل التخفيف عنها:
"متقلقيش، المحلول قرب يخلص، وأول ما يخلص هتتشال من إيدك على طول."
"دائمًا ما كان يفهمها دون حديث."
هذا ما فكرت به حياة بحب وهي تستمع لحديثه، رغم جمود ملامحها ورغم عدم تعقيبها على جملته، فقط اكتفت بتحريك رأسها للمرة الثانية.
لقد علمت بفقدان طفلها، نعم.
فقبل بدء مرحلة تخديرها، استعادت وعيها أولًا، وأخبرتها الطبيبة بما حدث، وبما كانت تتوقعه من الأساس نظرًا لكمية الدماء التي رأتها فوق الفراش.
تنهدت بحزن وأغمضت عينيها محاولة إخفاء الدموع التي لمعت بداخلها.
فمن فعلت كل هذا من أجله ذهب من غير رجعة، ولم يتبق لها سوى غضب فريد مع امرأة أخرى تشاركه به وتحاول بشتى الطرق تدمير زواجها.
هل هي غاضبة منه أم من نفسها؟
تردد ذلك السؤال داخل عقلها بقوة.
ربما منهما سويًا بنفس المقدار، ولكن بالنسبة للوم، فهي لا تلومه.
هي فقط تلوم نفسها من أجل صمتها وعدم تحذيره بحملها لطفلهما.
على كل حال، لقد ما حدث ما حدث، وقدر الله وما شاء فعل.
هذا ما فكرت به بشيء من الرضا ليساعدها على تخطي محنتها.
بعد فترة من الصمت، وانتهاء المحلول الطبي، وفحص الطبيبة لها للمرة الأخيرة، سألها فريد باهتمام:
"تحبي تفضلي هنا ولا نرجع البيت؟"
أجابته بخفوت شديد متحاشية النظر إليه:
"مش عايزة أقعد هنا."
أومأ لها برأسه إيجابيًا، ثم بدأ يساعدها في خلع رداء المشفى وارتداء ملابسها الأخرى استعدادًا للعودة للمنزل.
كانت تتعامل معه بحذر شديد لم يخفَ عليه، والذي فسره بشكل خاطئ.
أما عنها هي، فإلى الآن لم تعلم رد فعله عن مسألة إجهاضها، والأهم رد فعله عن إخفائها أمر حملها عنه.
حملها فريد للخارج رغم رفضها الشديد وتمسكها بالسير بمفردها.
وبعد رحلة طويلة من الترقب والإرهاق بالنسبة لها، والجمود بالنسبة إليه، وصلا إلى المنزل بهدوء.
أصرت حياة هذه المرة على الخروج من السيارة بمفردها والسير حتى غرفتهم دون تدخل منه أو مساعدة.
ورغم عدم اقتناعه بما تطلبه، تنحى جانبًا، تاركًا لها المجال لتنفيذ رغبتها، حتى وصلت إلى الدرج.
ومع صعود أول درجة، شعرت بالألم يضربها من جديد، لذلك ضغطت فوق شفتيها بقوة وتنحت جانبًا، تتخذ من درابزين الدرج دعمًا لها.
وبرغم من وقوفه خلفها، إلا أنه لم يكن في حال تسمح له بجدالها أو تحمل عنادها، لذلك تركها تعاود المحاولة مرة أخرى.
وتلك المرة تأوهت بصمت مكتوم، لذلك انحنى بجذعه بنفاذ صبر، يضع يده أسفل ركبتها ويده الأخرى في منتصف ظهرها، قبل حملها وتحركه بها للأعلى دون تعقيب أو اعتراض منها.
تفاجأت حياة بفريد يدلف بها إلى الغرفة المجاورة لغرفتهم، والتي كانت تستخدمها قبل مشاركتها غرفته، وقام بوضعها فوق الفراش بحذر.
جلس هو قبالتها بعدما تأكد من راحتها، ثم حاول إيجاد كلمات مناسبة لبدء الحديث معها.
أخذ نفسًا مطولًا، ثم قال بهدوء ظنًا منه عدم علمها بخبر حملها:
"حياة.. إنتي كنتي حامل في الشهر الأول."
أخذ نفسًا آخر يحاول السيطرة به على حشرجة صوته، ثم أردف يقول بندم:
"أنا آسف.. أنا مكنتش أعرف.. أنا لو كنت عارف إني ممكن أأذيكي أو أأذي ابننا، أنا عمري ما كنت هقرب منك.. أنا معرفش عملت كده إزاي.. أنا عارف إن إنتي كمان مكنتيش تعرفي.. وعارف إنك موجوعة أكتر مني بكتير.. بس أتمنى تنسي اللي حصل."
أشاحت حياة بوجهها بعيدًا عنه، ففي تلك اللحظة هي لا تقوى على مواجهته أو النظر داخل عينيه.
هتف هو اسمها بتوسل حقيقي وهو يضع إصبعه تحت ذقنها ويدير رأسها في اتجاهه:
"حياة.. من فضلك ردي."
أخفضت رأسها مرة أخرى تتهرب من عينيه.
لذلك ضيق فريد عينيه فوقها، ثم سألها بذهول وهو يتحرك مبتعدًا عنها:
"إنتي عارفه!!! إنتي كنتي عارفه؟! لا استحالة.. إنتي لما هربتي كنتي عارفه؟!"
أشاحت بوجهها بعيدًا عنه مرة أخرى، وقد بدأت شفتها السفلية في الاهتزاز.
صاح بها بحدة وهو يعود ليجلس قبالتها ويهزها بقوة من ذراعيها:
"انطقققققي!!! لما هربتي كنتي عارفه بإنك حامل!! إنتي هربتي بأبني من غير ما تقوليلي!! إنتي إيه!!! مش إنسانة صح!!! عشان كده كنتي بتعيطي قبلها لما كلمتك!! مكنتيش عايزاه!! وعشان كده مش زعلانه!! انطقققققي وفهميني.. هربتي بأبني عشان تنزليه مش كده!!! وأنا اللي فكرت إن نيرمين السبب.. طلعتي متقصرتيش عنهم!! عملتي كده ليه وعشان مييين قوولى.. هو اللي ساعدك صح؟!"
نظر نحوها بشراسة وقال باشمئزاز ونبرة عدائية واضحة:
"أنا بكرهك، عارفة يعني إيه بكرهك، ومش عايز حتى أشوف وشك قدامي."
عن مين بيتكلم! لم تجد الشجاعة أو القوة لتسأله، فقد بدأت تشعر بالإعياء من شدة دفعه وتحريكه لها مع ذعرها منه والشرر الواضح من عينيه. ولم تستطع الاحتمال أكثر. تركها وابتعد عنها، وقررت هي الأخرى، رغم الضعف الشديد الذي تشعر به، الاختباء داخل الحمام والاغتسال، لعل ذلك يزيل الشعور بالألم والندم الذي ينهش قلبها من حديثه ورؤية الكره داخل عينيه.
وقفت أسفل رذاذ الماء الساخن، تاركة الماء المنهمر يختلط مع دموعها الساخنة، حتى ازداد شعورها بالإعياء وأصبحت الرؤية لديها ضبابية. تحركت بوهن شديد خارج حوض الاستحمام، وحاولت رفع رأسها والتقاط مئزر الحمام المعلق أمامها، قبل شعورها بعدم قدرتها على التنفس واسوداد الصورة أمامها، ثم سقوطها مغشياً عليها على أرضية الحمام.
سمع فريد، الذي لا يزال جالساً فوق الفراش، بصدمة صوت ارتطام قوي قادماً من الحمام. ركض على الفور نحوها، ثم هتف باسمها مستفسراً عدة مرات قبل اقتحامه الحمام. شعر بالفزع من رؤيتها ممددة فوق الأرضية الرخامية وغائبة عن الوعي. التقط المئزر بيده وألبسها إياه بعدما رفعها وضمها لجسده، وهو لا يزال يهتف اسمها بذعر محاولاً إفاقتها دون جدوى. عاد بها لغرفتها ووضعها فوق الفراش، ثم ركض نحو أقرب زجاجة عطرها، يلتقطها ويقربها من أنفها حتى تستعيد وعيها.
بعد عدة ثوانٍ أخرى من محاولته، وربت فوق وجنتها، بدأت تستعيد وعيها ببطء. وعليه، تحرك هو من جوارها وتوجه نحو الحمام يأخذ منشفة صغيرة، ثم عاد إليها ووضعها فوق شعرها وبدأ يجففه بآلية شديدة، متجنباً النظر إليها.
ظلت حياة تراقب ما يقوم، والأفكار تعصف داخل عقلها. هل حقاً تستطيع التخلي عنه من أجل أخرى؟ هل ستسمح له بالاهتمام بغريمتها مثلما يهتم بها؟ بعد ما خسرته، هل ستترك لها الساحة للفوز بحنانه؟ أن تتاح لها الفرصة لاحتضانها واحتوائها مثلما يفعل معها؟ أن يتلمس بطنها بشغف للاطمئنان على طفلهما مثلما كانت تتمنى أن يفعل معها؟
رفعت كفها ببطء حتى أمسكت كفه، ثم وضعته أسفل بطنها حيث كان يمكث طفلهما في أمان. بدأت تغمغم بخفوت لتذكير نفسها بما فقدته:
"مفيش حاجة هنا.. مكانه فاضي."
نظر فريد إليها بقلق وهو يراها تستخدم يده للكم بطنها بقوة، وقد بدأت نبرتها تزداد علواً وهي تخبره بقهر:
"خلاص مفيش حاجة ممكن تحصل.. هو مش موجود.. مفيش حاجة ممكن تأذيه دلوقتي.. مكانه بقى فاضي.. مش هشوفه بيكبر ولا هتقدر تلمسه.. دوس عشان تتأكد إنه مش موجود.. إن مكانه فاضي."
هتف بها فريد وهو يسحب كفه من يدها لحثها على التوقف:
"حياة اهدى."
صرخت به بقوة وهي تعاود لكم أسفل بطنها بكلتا يديها:
"هو بس اللي راح.. ابني أنا اللي راح.. انت مش فاهم حاجة.. معرفتش أحميه ولا أحافظ عليه."
أمسك كلتا كفيها محاولاً إيقافها عن لكم نفسها بشتى الطرق، فبدأت تدفعه وتلكمه وهي تصرخ ببكاء هيستيري:
"سيبني.. اوعى.. ده ابني أنا.. ابني اللي كنت مستنياه.. اللي كنت عايز أحميه ومعرفتش."
ضمها فريد لصدره بكل ما أوتي من قوة، واعتصرها بين ذراعيه حتى تتوقف عن الصراخ وتتوقف عن ضرب نفسها، ويحتوي نوبتها العصبية. أخفت رأسها في صدره وظلت تشهق بقوة وهي تعانقه حتى بدأت شهقاتها تهدأ شيئاً فشئياً وتحولت لنحيب صامت. لم يفلتها هو، بل ظل محتضنها وهو يفكر بندم حقيقي وحزن أنها لم تكن مبالية ولا غير راغبة بطفلهما كما يظن، فيبدو أنها تتألم أضعاف ألمه داخلياً، وربما ظلمها أيضاً، ولم يكن لديها علم بحملها إلا من وقت قصير. تنهد بحيرة، فعقله غير قادر على التفكير بشكل سليم. مما تريد حمايته؟ لقد عاد الشك يضرب عقله وبقوة، وعليه التحرك لإثبات شكوكه أو نفيها.
شعر بأنفاسها تنتظم فوق صدره، فعلم بذهابها في النوم. حاول التحرك بها ووضعها فوق الفراش وإفلاتها من بين يديه، ولكن يدها تشبثت بقميصه أكثر، ترفض تركه. تنهد مرة أخرى باستسلام، وقام بضمها إليه ثانية، بعدما قام بمسح دموعها من فوق وجنتها.
أثناء فعله ذلك، صدع رنين هاتفه من داخل جيبه، فالتقطه على الفور مجيباً، حتى لا يزعجها. تحدث الطرف الآخر بمجرد استقبال فريد المكالمة، قائلاً بتبرير:
"فريد باشا.. أنا أسف إني بكلم حضرتك في الوقت ده، بس في حاجة عرفتها وبصراحة مقدرتش أستنى للصبح."
أجابه فريد بفضول قائلاً بترقب:
"سامعك."
قال الطرف الآخر دون مقدمات:
"نيرمين هانم.. بعد ما راقبتها اكتشفت إنها بتتعاطى مخدر من نوع قوي."
سأله فريد مستنكراً:
"مخدر!!!"
أكد الرجل حديثه قائلاً باقتضاب:
"مش أي مخدر يا باشا.. ده هيروين."
ردد فريد بعدم تصديق:
"هيروين!!! متأكد؟"
أجابه الرجل مسترسلاً بثقة:
"متأكد يا باشا.. أنا بنفسي شفتها وهي بتتعامل مع عيل سيس في ****، وبعد ما مشت روحت دردشت معاه وبكام قرش، قالي كل اللي عنده."
هز فريد رأسه موافقاً، ثم قال بهدوء:
"اسمعني.. ارميلي الولد اللي بتتعامل معاه ده في المخزن لحد ما أفوق وأجيله.. وشوفلي حد يجبلي تسجيلات مكالمتها الفترة الأخيرة كلها."
أنهى بعد أمره ذلك، واستماعه لموافقة رجله، المكالمة وهو يفرك عينيه بقوة، فما سمعه منذ قليل لم يكن بالشيء الهين عليه. وقبل كل شيء، عليه التريث والتأكد قبل اتخاذ أي خطوة.