تحميل رواية «متى تخضعين لقلبي» PDF
بقلم شيماء يوسف
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
اليوم هو يوم عطلتها. استيقظت من أحلامها كعادة كل عطلة على صوت صياح آتٍ من خارج غرفتها. تنهدت بألم وهي تضغط على عينيها بقوة رافضة تقبل أمر استيقاظها أو التحرك من فراشها إلا بعد خروجه، ولكنها تعلم جيدًا أن أمنيتها تلك دون جدوى، فهو مقيم في المنزل ما يقارب ال 24 ساعة. بالرغم من انتظارها كل عطلة أسبوع بفارغ الصبر حتى يستطيع جسدها الارتياح قليلًا، إلا أنها تكرهها بسببه. شعور غريب ينتابها وهي تستمع إلى كل ذلك الصياح والانتقاد والسخط الخارج من فمه عليهم جميعًا. كانت كل صرخة تخرج منه لتقتحم أذنها تشعر ب...
رواية متى تخضعين لقلبي الفصل الحادي والثلاثون 31 - بقلم شيماء يوسف
تمدد فريد بجسده جوارها فوق الفراش وقد بدأ إرهاق الأيام الماضية يتمكن منه. حانت منه التفاتة مشتاقة إليها متأملاً بعينيه ملامح وجهها الممتعضة حتى وهي نائمة، وكيفية تمسكها بساعده كأنها تخشى هروبه. زفر مستسلماً قبل تحركه بجسده ليلتصق بها ويحيطها بذراعه، ويمسح بيده الأخرى فوق شعرها حيث غفت بين أحضانه وهو لا يزال مبللاً. لماذا لا يستطيع التفكير بشكل سوي وطبيعي عندما يتعلق الأمر بها؟ إنه حتى لا يعلم ما هي الخطوة التالية التي ينوي اتخاذها معها. هذا ما فكر به بضيق وهو يدثرها بالغطاء جيداً حتى لا تصاب بالبرد.
لقد أصبح على حافة الهاوية من شدة حبه لها، ومع صدور أي فعل آخر من أفعالها غير المحسوبة يشعر أنه سيسقط وستسقط معه. نعم، سيسقطان سوياً، وما حدث اليوم أكبر دليل على ذلك. تذكر بندم ما فعله معها وأخذ يلعن نفسه بصمت. كيف سمح لغضبه بالسيطرة عليه هكذا؟! فدائماً ما كان يرى ما بينهما شيئاً مقدساً للغاية يبث لها من خلاله مدى حبه واشتياقه لها. كيف طوعت له نفسه باستخدامه كعقاب؟! أي عقاب هذا الذي يستخدمه ضدها وهو نفسه معاقب قبلها وعقاب مضاعف؟ مرة من تأنيب ضميره وشعوره بالخزي على عنفه معها، ومرة أخرى عندما فقد ما ظل يحلم به سنوات منها قبل أن يعلم حتى بوجوده. بالطبع سيتألم لألمها وسيعاقب لعقابها، فهما روح واحدة تعيش داخل جسدين.
تذكر بضيق ما سمعه من أحد رجاله عن ابن والده. في ظروف أخرى لم يكن الأمر ليعنيه، ولكن الآن لا يستطيع الوقوف صامتاً حتى لا تدخل تلك الساذجة في الأمر. بالطبع لن يسمح لها بذلك مهما كلفه الأمر، ولكن فقط من أجل الاحتياط عليه التحرك قبلها، فربما هذا هو سبب تمسك بها. أيعقل أن حياة على علم بما تمر به نيرمين؟ بدأت النوم يثقل جفنيه قبل استطراده في التفكير مدفوعاً بدفء جسدها والتصاقها به، لذلك أغمضهما بهدوء، سامحاً لذلك اليوم الحزين بالانتهاء، وغداً ينتظره يوم جديد حافل بالعمل وبالطبع مشاكله التي لا تنتهي.
في منتصف الليل شعر فريد بها تتململ بين يديه مع وصول همهمات خفيضة لأذنه. فتح عينيه بتمهل ليتفحصها قبل انتباهه بكافة حواسه لها وهي تحاول دفعه بكلتا يديه مغمغمة برعب:
- سيبني.. ده مش بتاعك.. فريد الحقها وخليها تسيبه ده ابني أنا..
تجعدت ملامح وجهه وشعر بتلك الغصة تعود إليها مرة أخرى، فيبدو جلياً من ملامح وجهها المتجهمة أنها تمر بكابوس عن ما حدث ليلة البارحة. هتف باسمها بصوته الناعس لإيقاظها، ولكن كالعادة لم تستيقظ من أولى محاولاته. بدأ جسدها يرتجف بين ذراعيه وهي تعاود لكمه ودفعه بعيداً عنها، وبدأت نبرتها في الارتفاع قائلة بصوت باكٍ:
- انت لسه عندك ابن.. ابنك انت موجود..
هتف فريد بها مرة أخرى وهو يهزها بقوة من مرفقيها ليوقظها، فقد بدأت ارتجافتها تزداد ويزداد معها نحيبها. شهقت حياة بفزع وهي تنتفض من نومتها وتتطلع حولها برعب. لقد زارتها نجوى في حلمها وحاولت أخذ طفلها منها ثانية. فركضت مستنجدة بفريد لحمايته، ثم أخبرته بأنه لديه طفل آخر منها هي. سألها فريد بحنان وهو يتفحص ملامح وجهها المذعورة:
- انتي كويسة؟
هزت رأسها له نافية بإيماءة شديدة، ثم بدأت تنتحب بصمت وهي تمتم بصوتها الباكي:
- انا خايفة.. انا بردانه وخايفة وعارفه انك بقيت بتكرهني..
يكرهها؟ هو؟ عن أي هراء تتحدث تلك الساذجة؟ يا ليت الأمر بيده ليحبها أو يكرهها. لو كان الأمر كذلك لانتهت معاناته منذ زمن بعيد. واضح أن كلماته الكاذبة الليلة الماضية ما زالت تتردد داخل عقلها. هذا ما فكر به وهو يتحرك ليحتضنها بهدوء دون تعقيب على حديثها. أخفت رأسها بعنقه وتعلقت به بكل قوتها وعاد انتظام أنفاسها سريعاً، يضرب عنقه. شدد من احتضانه هو الآخر لها وعاد ليستلقي بها فوق الفراش، وسؤال وحيد يشغله. من هي تلك المرأة التي كانت تستنجد به منها؟ أم أن تلك أضغاث أحلام من أثر مخدر البارحة وليس لها أساس من الصحة؟ هذا كل ما يريد معرفته ليطمئن قلبه.
في الصباح استيقظت حياة شاعرة ببرودة الفراش جوارها. فتحت عينيها ببطء والتفت تنظر حولها لتجد نفسها في غرفتها القديمة بمفردها. بالطبع لم يستطع المكوث معها. هذا ما فكرت به بحزن وهي تخرج من الفراش. لم تكن تشعر بألم جسدي خصوصاً مع المسكنات التي تناولتها في المساء، ولكن معنوياً. كل نفس تأخذه تشعر به يحرق جوفها ورئتيها، فما هو أسوأ من فقدانها لطفلها وحب زوجها في آن واحد. مسحت دموعها وتوجهت نحو الحمام تأخذ دشاً سريعاً تنعش به جسدها، وبعد قليل خرجت لتتفاجأ بعفاف أمامها تحتضنها وتسألها باهتمام عن حالتها الصحية وإذا كانت بحاجة للمساعدة، ثم أخبرتها بإمكانية عودتها لغرفتهم الرئيسية فقد قامت بتنظيفها. اندهشت حياة من جملتها وفتحت فمها بعدم تصديق تسألها للتأكد من فحوى جملتها، فقد ظنت أن فريد نقلها لتلك الغرفة لأنه لا يريدها داخل غرفتهم مرة أخرى:
- ارجع الأوضة؟
أجابتها عفاف مؤكدة:
- أيوه أوضتكم.. فريد بيه طلب الصبح قبل ما ينزل ينضفها وأبلغك بعدها..
إذاً، لقد فعل ذلك من أجل نفسيتها ليس إلا. بدأ شبح ابتسامة يزين شفتيها، لاحظته عفاف التي ابتسمت لها هي الأخرى مشجعة قبل قولها بهدوء:
- هتلاقي الفطار بتاعك محطوط على الطربيزة هناك.. كليه كله عشان الدوا بتاعك ولو احتجتي أي حاجة أنا موجودة تحت..
هزت حياة رأسها بتمهل موافقة قبل ملاحظتها عودة عفاف من الباب المشترك. قطبت جبينها بارتياب وتوجهت نحو الباب الرئيسي للغرفة تحاول فتحه، فوجدته مغلقاً من الخارج. انتبهت حواسها لسماع صوت باب غرفتهم يغلق هو الآخر بالمفتاح. هرولت مسرعة نحو الغرفة ومنه إلى الباب لتتفحصه. لقد أغلق عليها فعلاً، كما قال البارحة. هل حقاً يريد معاملتها كجارية؟ إذاً سيحصل على ما يريده، عل ذلك يطفئ غضبه. هذا ما قررته وهي تعود لتجلس فوق الفراش بهدوء منتظرة عودته حتى المساء.
في المخزن القديم وقف فريد أمام ذلك الشاب الأنيق ذو العضلات والملابس الباهظة والمسجى أرضاً بعدما انتفخت ملامحه من كثرة الضرب. انحنى بجزعه وجلس قبالته على ركبتيه حتى أصبح في نفس مستواه، ثم قام بالقبض على ذقنه بقوة قائلاً بنبرة شديدة الحزم:
- بص من غير كلام كتير عشان متعطلنيش.. هتحكيلي كده زي الشاطر كل حاجة من الأول وكل اللي تعرفه عن نيرمين ولا اختصر المسافة واخليك تتكلم بطريقتي!
رمقه الشاب نظرة حانقة قبل إجابته بإرهاق:
- اللي عندي قلته لدول..
أشار برأسه لرجل فريد الذي ألقى القبض عليه مع رجلين آخرين من رجاله. حرك فريد رأسه على مهل موافقاً قبل اعتداله في وقفته، ثم أشار بيده لأحد الحراس المرابطين خلفه، فأخرج أحد منهم سكيناً حاداً أعطاه لمخدومه بهدوء. استلمه فريد وقام بتحريكه بين يديه ببطء أمام ناظريه حتى يبث الرعب داخل صدره، ثم عاد وجلس قبالته بنفس طريقته السابقة وهو يقول بهدوء مهدداً:
- عندك حق.. انت قلت لدول.. وعشان كده مفيش داعي لفرصة ثانية ليك.. وأنا بقول برضه توفير لوقتي ووقتك اختار انت الإيد اللي عايزها تتقطع عشان تعرف تبيع بعد كده كويس..
صرخ الشاب بفزع وهو يرى فريد يقترب بالمدية من يده اليمنى ويبدأ في إحداث عدة جروح خفيفة فوقها:
- لا خللللاص.. هحكيلك كل حاجة بس بلاش إيدي..
ابتسم فريد بانتصار وربت فوق وجنته بالمدية باستحسان محدثاً جرحاً سطحياً فوق وجهه قائلاً بجمود:
- سامعك..
ابتلع الديلر لعابه بصعوبة ثم بدأ يقول متعلثماً بخوف:
- أنا مليش دعوة بأي حاجة من دي.. نجوى هانم هي اللي كانت بتتعامل معايا كل فترة بحاجة خفيفة وكانت بتستلمها مني في النايت كلوب اللي في *****.. وبعد فترة طلب مني حاجة يكون مفعولها قوي تسبب إدمان في أقصر فترة ممكنة وطعمها ميبانش لو حطيتها لحد في مشروبه وفعلاً جبتلها المطلوب واستلمته مني في نفس المكان وحطيته في المشروب وسابتني ومشيت. وكانت بتطلب كل يوم نفس الطلب.. وبعد أكتر من أسبوع طلبت مني بودرة وفعلاً جبتلها ومن بعدها نيرمين هانم بقت تتعامل معايا..
أردف الشاب كاذباً، فهو ليس أحمق ليخبره باتفاقه مع نجوى للاستفادة من صديقتها الثرية:
- أنا كنت بوصل وبجيب طلباتهم بس مش أكتر.. وأنا قلت لك كل اللي أعرفه..
هتف فريد بشراسة وهو يعتدل في وقفته:
- نجوى.. يابت ال**** أخيراً وقعتي تحت رجلي..
تحرك بعدها على الفور للخارج وبجواره رجله الغامض يسأله بترقب:
- ها عملت إيه في تسجيل المكالمات؟
طأطأ الرجل رأسه للأسفل وأجابه بخفوت قائلاً:
- يا باشا الموضوع ده طلع مش سهل.. كله خايف على شغله لو اتمسك.. دي فيها فصل وسجن..
صاح به فريد بحدة قائلاً بحنق:
- يعني إيه!!!.. لو مش قدها قول لي وأنا أتصرف!..
قاطعه الرجل قائلاً بلهفة شديدة:
- لا يا باشا.. قدها طبعاً.. قدها.. بس اللي هينفذ محتاج شوية وقت عشان يعرف يجيب كل التسجيلات وياخد منه نسخها..
زفر فريد بنفاذ صبر ثم أجابه وهو يتحرك نحو السيارة ليستقلها:
- ماشي بس قوله ميتأخرش حتى لو عايز فلوس زيادة خلصني.. وبالنسبة للكلب اللي جوه ده في حد كمان شوية من البوليس هييجي يستلمه.. اطلع انت من الليلة دي وركز في موضوع سيرين..
أجابه الرجل بتفاخر:
- خلاص يا باشا هانت.. الرجالة عرفوا مكان اللي ساعدها.. يتأكدوا بس قبل ما يمسكوه ويعترف عليها وبعد كده كله هيبقى تمام زي ما حضرتك عايز وزيادة..
اومأ له فريد رأسه بجمود ثم استقل سيارته طالباً من سائقه التوجهه إلى فيلا رسلان الاب .
***********
فى حديقه منزله ظل غريب رسلان يقطع الممر ذهاباً واياباً بقلق بالغ منتظراً وصول ولى عهده بعدما تلقى منه اتصالاً هاتفياً يأمره فيه بنبرته القاطعه انتظاره والحرص على تواجد نيرمين معه ، فكر غريب بأستنكار ايعقل ان تكون زياره فريد لها علاقه بأختفاء زوجته ؟!، بالطبع هو يعلم بما حدث منذ اول يوم ويعلم ايضاً بما حدث البارحه ولكنه لا يجرؤ حتى على سؤال ابنه او التحدث معه بهذا الشأن ، قطع تفكيره هذا بوق سيارة يليها فتح البوابه الرئيسيه ودخول سياره فريد منها ، انتظر غريب بتوجس خروج ولده من السياره ثم تحرك نحوه يسأله بلهفه :
-خير ؟!.. ايه اللى حصل يخليك تكلمنى من صباحيه ربنا كده !! وايه علاقه نيرمين بده !!..
رمقه فريد بنبره خاليه لا توحى بأى مما يدور داخل افكاره ثم اجابه بأقتضاب وهو يتحرك خلال الباب الداخلى للمنزل ليدلفه :
-دلوقتى تعرف .. بس قبلها هاتلى بنتك هنا ..
فى ذلك الوقت ظهرت جيهان مقاطعه لحديثه ومصححه جملته بتكبرها المعتاد :
-ايه هاتلى بنتك هنا دى !! ليها اسم على فكره واسم كبير كمان .. ده غير ان بنتى مش خدامه عندك عشان تنزلك ..
ضغطت على حروف كلمه "خادمه "بنبره ذات مغزى التقطها فريد بسهوله ولكنه اثر تجاهلها فقط اكتفى بأبتسامه مستهزءه قبل اعاده طلبه لوالده قائلاً بنفاذ صبر :
-انا عندى شغل كتير ومش هقضى اليوم كله هنا عشان خاطرك وخاطر بنتك .. جيبهالى من غير كلام كتير ..
هنا ظهرت نيرمين التى كانت تستمع لحديثه برعب شديد ظناً منها ان حياة قد كشفت له عن مخططها الكاذب من نجوى ، اذا هذه ستكون نهايتها ، ستكذبها بالطبع وتنفى كل ما سيتفوه به ، نعم ستفعل ، هذا ما فكرت بذعر وهى تهبط الدرج بترو شديد تحاول قدر المستطاع تأجيل تلك المواجهه ، هتف فريد بمجرد رؤيته لها قادمه من الاعلى متسائلاً بأشمئزاز :
-مش محتاج خلاص .. الهانم شرفت اهى من غير ما حد يتعب نفسه .. ها يا بنت جيهان هانم السكرى صاحبه الصون والعفاف .. اصطبحتى النهارده ولا لسه ضرب امبارح عامل معاكى مفعول ؟!..
فتحت نيرمين فمها بذهول وقاطعته جيهان قائله بنزق واستحقار :
-ايه الالفاظ السوقيه اللى بتتكلم بيها مع البنت دى !! اصطباحه ايه وضرب ايه !!!.. انت بجد اسلو...
صاح بها فريد بحده مقاطعاً وهو يرمقها بنظرات ناريه اخرستها :
-محدش طلب منك تتكلمى ولا تتدخلى وقبل ما تتكلمى على اسلوبى روحى شوفى بنتك بتعمل ايه من وراكى .. بدل ما وقتك كله ضايع على التخطيط وازاى تخلصى منى ..
هنا تدخل والده ليسأله بأستغراب مستفسراً :
-فى ايه يا فريد .. انا مش فاهم حاجه ؟!..
اجابه فريد بحده :
-فى انت بنتك مدمنه .. الهانم بقالها اكتر من شهر بتضرب هيروين .. وقبلها ********.. وطبعاً محدش فيكم حاسس بحاجه .. مع ان لو حد ركز معاها وبص فى وشها بس كانت هيفهم من غير ما حد يقوله ..
صرخت جيهان معترضه بعدم تصديق :
-كدب .. انت كداب .. بنتى استحاله تعمل كده .. تلاقيك بتتمنى بس ده فى خيالك .. بنتى احسن منك ومن اى حد ..
لوى فريد فمه بنصف ابتسامه تهكم ثم توجهه نحو نيرمين التى كانت تتراجع عنه للخلف متقهقرة كلما تقدم منها ثم اقبض على ذقنها بقوه وهو يدير رأسها فى اتجاه والدتها قائلاً بشراسه :
-كدب .. اللى تحت عينيها ده كدب !!! نظرتها دى كدب !! حركه رجليها دى كدب !! للدرجه دى عاميه عشان تبقى بنتك قدامك وانتى مش حاسه بيها !!..
صرخت نيرمين بهيستريا وهى تدفعه بعيداً عنها بكف مرتعش :
-ايوه انت كداب .. عايز تبوظ سمعتى وخلاص .. ابعد عنى وملكش دعوه بيا .. انا بكرهك فاهم ..
ابتعد عنها فريد بأشمئزاز قائلاً لوالده الذى كان يراقب كل ما يحدث بترو :
-بتك عندك .. عايز تعالجها انت حر .. عايز تصدقها وتسيبها لحد ما القرف ده يقضى عليها برضه انت حر .. فى كل الاحوال ميهمنيش ..
نطق بجملته تلك وهو يتحرك نحو باب المنزل استعداداً للخروج ، أوقفه غريب بصوته متسائلاً :
-عرفت منين ؟!..
اجابته فريد بسخريه :
-اسأل الجاسوس بتاعك .. تلاقيه واقف دلوقتى مع البوليس وهما بيقبضوا على الكلب اللى كانت بتتعامل معاه ..
انهى فريد جملته وتحرك للخارج مستقلاً سيارته تاركاً التصرف لغريب الذى بمجرد خروج فريد انقض على ابنته يسحبها من فروه رأسها قائلاً بغضب :
-ورايا على الدكتور .. وساعتها هنعرف مين فيكم الكداب ..
صاحب به جيهان مستنكره ومدافعه عن ابنتها :
-غريب !!! انت اتجننت !! هتصدق اى كلام يتقال على بنتك من اى حد !!!..
صرخ بها غريب محذراً وهو يتجهه نحو الحديقه ومنها للخارج :
-مش اى حد .. ده ابنى فاهمه !! وابنى مبيكدبش !!.. وبعدين عنده حق .. انتى بس اللى مش عايزه تشوفى اللى واضح قدامك من كتر كرهك ليه !!.. وبعدين مضايقه ليه انى هوريها لدكتور يثبتنلنا صدق كلامها وافتراه هو عليها ؟!..
ابتعلت جيهان لعابها بصعوبه فجزء كبير منها يعلم منطقيه حديثه ولكنها لا تجرؤ حتى على تصديقه لذلك ركضت خلفه تستقل السياره قبل زوجها وهى تقول بحزم :
-مش هسيبك مع بنتى لوحدك رجلى على رجلك ..
فى غرفه الفحص فى عياده احدى أصدقائه المقربين والملحق بها معمل تحاليل خاص وبعد اتصال غريب برجله والتأكد من حديث فريد انتظر خروج نتيجه تحليل المخدر والذى تم فى سريه تامه وسرعه ايضاً من اجل إنقاذ الوضع استدعاه صديقه هو وجيهان لغرفه خاصه قائلاً بحزن شديد:
-للاسف يا غريب النتيجه طلعت ايجابيه ومش كده وبس .. دمها فى كميه كبيره من المخدر .. يعنى مبدئياً كده كانت بتتعاطى حوالى ٢جم فى اليوم ويمكن اكتر .. لازم تتصرف بسرعه قبل ما تخسرها ..
صرخت جيهان بقوه وهى ترتمى على اقرب مقعد قائله بحسره :
-بنتى لا .. اعمل اى حاجه وأنقذها .. ابوس ايديك بنتى لا .. مش هسمحلها تروح منى بعد كل اللى بعمله عشانها ..
تجاهل غريب حديثها وعاد يسأل الطبيب مستفسراً برباطه جأش قويه :
-انت شايف ايه يا معتز ؟!..
اجابه صديقه بعمليه شديده :
-انا شايف انها لازم تدخل مصحه وفوراً عشان تبدء علاج من النهارده .. انا اعرف هنا مصحه ممتازه لو موافقين هكلمهم يحجزولها مكان لحد ما توصلوا ..
هتفت جيهان بلهفه متوسله :
-ايوه طبعاً موافقين .. كلمهم حالاً واعمل كل اللى تقدر عليه واى حاجه يطلبوها هتتنفذ بس المهم بنتى ترجع طبيعيه ..
اومأ لها الطبيب برأسه موافقاً ثم رفع سماعه هاتفه يضرب رقم المشفى استعدادا لنقل ابنه صديقه إليها .
*********
فى المساء وبعد يوم عمل شاق تجاوز الخمسه عشر ساعه انتهى فريد خلاله من معظم الملفات المؤجلة بسبب سفره وانشغاله بالبحث عن حياة عاد للمنزل مرهقاً بشده ومستعداً لنوبه اخرى من جنون زوجته ، عرج فى طريقه على مدبره منزله يسألها مستفسراً عن احوالها اولاً متوقعاً سماع ما لايسره ولكنه تفاجئى بعفاف تخبره بهدوء :
-حياة هانم فضلت فى اوضتها زى ما حضرتك طلبت محاولتش حتى تخرج منها .. وبالنسبه للمواعيد الدوا والاكل اطمن حضرتك اخدتهم فى ميعادها برضه وهتلاقيها فى اوضتكم مستنيه حضرتك ..
اومأ فريد براسه موافقاً رغم استغرابه الشديد وعدم تصديقه لما تفوهت به عفاف ، فهو لا يكون فريد وهى لا تكن حياة اذا تقبلت ما قام به دون تمرد لذلك طلب من عفاف بنبره مرهقه :
-تمام .. تقدرى تحضرى العشا لحد ما اخد دش وننزل .
تمتت عفاف له موافقه بخضوع ثم بدء تتحرك لتنفيذ طلب رئيسها .
دلف فريد للغرفه بتأهب فوجدها قابعه فوق الفراش بهدوء تطالع احد الروايات التى يضمها فى مجموعته وبمجرد رؤيتها له اغلقت الكتاب مسرعه ثم تحركت من فوق الفراش وانتفضت واقفه تنتظر تعليماته ، نظر نحوها بأستنكار شديد ثم واصل طريقه نحو خزانه ملابسه يسحب منها ملابس مريحه للمنزل ثم توجهه على الفور إلى الحمام لأخذ دشاً دافئاً يزيل به ارهاق اليوم
وبعد قليل انتهى فريد من حمامه وبمجرد رؤيتها له مرة اخرى انتصبت واقفه كالسابق ، رغم ما تقوم به الا انه رأى ذلك الوميض يلمع داخل عينيها ولكنه قرر تجاهله فمزاجه لا يسمح له بأى شكل من الاشكال بمجادلتها او التحدث معها حتى لا ينتهى الحال بهم إلى كارثه اخرى لذلك تحدث بنبره جامده للغايه :
-العشا جاهز تحت .. لو لسه تعبانه ممكن عفاف تطلعهولك هنا ..
اخفضت رأسها للأسفل بخضوع ثم اجابته بنبره خفيضه قائله :
-اللى حضرتك عايزه ..
تشدق فريد قائلاً وهو ينظر نحوها بأستنكار :
-حضرتك !!!..
اجابته بنبرتها الرقيقه وهى لازالت تنظر للأسفل :
-ايوه حضرتك ..
كان يعلم انها لن تمر ما حدث دون رد فعل وها قد انتهى اندهاشه من استسلامها باكراً ، لوى فمه بضيق ثم قال بنفاذ صبر وهو يتحرك نحو باب الخروج :
-انا شايفك كويسه وتقدرى تنزلى معايا تحت ..
هزت رأسها له موافقه دون تعقيب ثم تبعته بخنوع ورأسها لا يزال مطئطئاً للأسفل ، وفى الاسفل سحب لها فريد مقعدها كالعاده فجلست فوقه بصمت دون النظر إليه او لمس طعامها بل انتظرت حتى بدء هو فى تناول طعامه وبدءت فى تناوله بعده وبمجرد انتهائه تركت ملعقتها هى الاخرى وانتفضت من مجلسها تستقيم فى وقفتها بعد وقوفه ، نظر نحوها بغضب ثم قرر تجاهل ما تقوم به واختفى داخل غرفه مكتبه
وفى الليل بعد انتهاءه من عمله لم يجد طاقه لممارسه اى من تمارينه الرياضيه لذلك توجهه نحو غرفته مباشرةً للنوم وبمجرد دخوله غرفتهم قامت بنفس فعلتها عند دخوله الغرفه المره السابقه ، "ابقى هادئاً فريد .. فقط ابقى هادئاً " هذا ما هتف به داخلياً محاوله السيطره على اعصابه مذكراً نفسه بألمها وانه لم يمض على خروجها من المشفى سوى اربع وعشرون ساعه ، توجهه مباشرةً نحو الفراش يستلقى فوقه استعداداً للنوم ، سيتجاهلها حسناً ولكن ايضاً لن يتركها واقفه هكذا طول الليل هذا ما فكر به بعدما اغمض عينيه ثم قام بفتح احداهما ثانيةً ينظر إليها بعين واحده وهو يقول بجمود :
-انتى هتفضلى واقفه عندك كده كتير ؟!..
اجابته بنعومه وهى مازالت مطأطه الرأس :
-اللى حضرتك تشوفه ..
هتف بحنق وهو يستدير برأسه ليواجهها :
-حياة !!!!!! أجابته بخنوع تام:
- أفندم حضرتك؟
مرر كفيه فوق وجهه محاولاً السيطرة على أعصابه ثم قال بضيق وهو يضغط على أسنانه:
- طب اتفضلي نامي.
أجابته وهى لازالت على وضعها ونبرتها:
- اللي حضرتك تؤمر بيه.. بس تحب أنام هنا ولا في أوضة تانية؟
قطب جبينه مستنكراً، فاستطردت تقول شارحة:
- أصل أنا مش عارفة أنام فين.. بس اللي عرفاه إن الجواري مش بيناموا مع أسيادهم في سرير واحد إلا لهدف معين.. وبما إن حالتي الفترة دي مش هتخليني أفيدك في حاجة.. فقلت أسأل حضرتك الأول.. حضرتك تحب أنام فين؟
صرخ فريد بها بقوة وهو يتحرك بجسده في اتجاهها.. مما جعلها تصرخ بذعر راكضة من أمامه. أمسك بها بسهولة وحملها بيسر.. ثم قام بوضعها فوق الفراش وهو يقبض على ذراعيها بقوة، متمتماً بنبرة خفيضة ولكن حازمة:
- نامي ومش عايز ولا كلمة ولا نفس.
أجابته بنبرة رقيقة ناعمة للغاية:
- اللي حضرتك تؤم...
صاح فريد بها مهدداً وهو ينظر نحوها شزراً، فابتلعت ما تبقى من جملتها بداخلها وأغمضت عينيها على الفور ضاغطة فوقهما بقوة. ظل فريد يتأمل ملامح وجهها المذعورة وهو يحاول كتم ابتسامته، ثم استلقى بجوارها بهدوء. لم يعطيها ظهره، ولكن أيضاً لم يجذبها داخل أحضانه، فقط اكتفى باحتضان يدها متحججاً بعدم ثقته بها، كأنها تستطيع التحرك من جواره دون الشعور بها.
بعد مرور يومان، جلس فريد في غرفة مكتبه داخل المنزل والتي كانت عازلة للصوت مع كلاً من رئيس حراسه ورجله الذي يستأجره من أجل الأعمال الخاصة والصعبة والذي كان يدعى سمير. هتف فريد بتفكير لرجاله وهو يجلس خلف مكتبه:
- أنا كده اتأكدت إن نجوى هي سيرين.. بعد ما الكلب اللي مسكناه اعترف عليها. كده هنتحرك في كذا اتجاه.. أولهم إن قضية التسمم هتتفتح من أول وجديد بعد ما بقى معانا تسجيل رسمي بيعترف فيه إن سيرين هي نجوى. بس ده شروع في قتل يعني كام سنة وتطلع.. وده مينفعنيش.
هنا تدخل سمير ليسأله بترقب:
- قصد إيه يا باشا؟
أجابه فريد بغموضه المعتاد:
- هي اللي سممت مراتي ودخلت أختي في سكة المخدرات.. يعني هتدفع تمن الاتنين بنفس أعمالها.
هتف رئيس حراسته تلك المرة مستفسراً:
- قصد حضرتك إننا نخلي الديلر اللي سلمناه يعترف عليها؟
أجابه فريد رافضاً، ثم بدأ في شرح خطته:
- لا ده مش هيفيدني.. أنا عايزها تتمسك في اتجار.. وبعد ما ده يحصل.. عايزك تحضر لي حد من جوة السجن يعمل فيها اللي عملته في مراتى بالظبط وتبان على إنها تسمم طبيعي.. وأنا هظبط لك الموضوع إنه يتقفل على كده.
وجه جملته الأخيرة لسمير الذي أجابه موافقاً بحماسه. أما عن رئيس حراسته فعاد يسأله من جديد:
- ده بالنسبة لحادثة التسمم.. طب بالنسبة للاتجار؟
هز فريد رأسه بحماس وهو يبتسم بتوعد، فإذا نفذت خطته بدقة سيتخلص منها للأبد. ثم قال بهدوء:
- أول حاجة سمير هيحضر لي شنطة هيروين محترمة عشان تكون اتجار مش مجرد تعاطي.
قاطعه سمير هاتفاً بحماسه:
- اعتبره جهز يا باشا.
ابتسم له فريد بسماجة ثم قال ببروده المعتاد ودون مقدمات:
- تمام كده يا سمير.. حضر لي اللي طلبته وأنا هبلغك بالباقي في ميعاده.. دلوقتي تقدر تمشي أنت.
اتسعت عيني سمير بصدمة ثم قطب جبينه بعدم فهم، فعاد فريد جملته قائلاً بهدوء:
- لما أحتاجك يا سمير هكلمك ومتنساش الطلب التاني اللي مستنيه.
حك سمير فروة رأسه بيده محرجا، ثم تحرك نحو الخارج بعدما ألقى تحية الوداع عليهما. التفت فريد بعدما تأكد من خروجه مستطرداً خطته لرئيس حراسته:
- دلوقتي.. أنا عايز نجوى تتمسك بالشنطة دي في المطار.. أو بالأدق عايزهم يكونوا في شنطتها الأساسية. وده يخلينا نرجع للنقطة الأهم إن نجوى تسافر. هتسافر إزاي؟ أنا دي مهمتي أنا. وبعدها بقى مهمتك كلها.. هتدخل مع مساعدين طبعاً البيت عندها على آخر وقت وتحط المخدرات في شنطة هدومها وتخفيهم كويس وتتأكد إنها طلعت بيها على المطار.. والباقي سيبه على الراجل بتاعنا في الداخلية.. رغم إننا مش هنحتاجه غير عشان خطة التسمم. كده واضح؟
أومأ رئيس حراسته رأسه موافقاً بإعجاب ثم تحدث يسأله مستفهماً:
- تمام وسهل.. بس سؤال أخير.. حضرتك واثق في سمير ده؟
أجابه فريد بغموض:
- زي ما واثق فيك.. بس بحب كل واحد يعرف تفاصيل مهمته لا أكتر ولا أقل.
أردف فريد بعد جملته تلك قائلاً بجدية:
- بالنسبة لدخول البيت عندها.. عندها شغالة واحدة بتمشي آخر اليوم.. بس في كاميرات مراقبة برضه.. يعني أنت عارف كويس هتعمل إيه؟
أجابه الرئيس بثقة شديدة وهو يبتسم بتفاخر:
- نقطع النور.
أومأ فريد رأسه باستحسان وهو يغمغم لنفسه داخلياً:
- بالظبط.. زي ما عملت مع حياة في الملف اللي بوظته.
بدأ فريد في تنفيذ خطته بترو.. فالجزء الأكبر يقع عليه في دفعها للسفر.. فعليه أن يكون شديد الإقناع والحنكة حتى تشعر بصدق تهديده لها والفرار من أمامه دون الكشف عن أوراقه كاملة. أما ما تبقى فهو يثق في قدرة رجاله على فعله.
لذلك أخذ نفساً عميقاً وهو يقف أمام باب منزلها منتظراً ظهورها من خلفه. استقبلته نجوى بابتسامة مشرقة وهي تمتم بدلال:
- بيبي.. أنت هنا.. أنا مصدقتش نفسي لما كلمتني وقالتلي إنك عايزني.
رمقها فريد بنظرة استحقار جليه وهو يتحرك للداخل ثم أغلق الباب خلفه قائلاً بجمود:
- أنا مش جاي أحب فيكي ولا وحشتني طلتك اللي بكرهها.. أنا جاي بس أبلغك بحاجة لطيفة أوي لو عرفتيها هتبسطك.
سألته نجوى بحماسه وقد قررت غض النظر عن تعليقه اللاذع في أول حديثه:
- إيه هي يا بيبي أنا سامعاك.
أصدر فريد من حنجرته صوت يدل على الضجر ثم قال بنبرة ذات مغزى:
- آآه.. عايزك تسمعي كويس.. عشان لو انتي مش ناويه تسمعي.. ممكن أوفر كلامي وأسمعه لجيهان مثلاً.
تحولت ملامح نجوى للتركيز وهي تسأله بترو:
- قصدك إيه؟
أجابها فريد بشماته:
- قصدي إن الكلب بتاعك اللي وزتيه على نيرمين اعترف إنك السبب في إدمانها.
لم تصدر نجوى أي رد فعل.. فقد اكتفت بالتحديق به حتى أردف فريد يقول بسخرية:
- لا يا نوجة.. عايزك تركزى كده.. عشان مش هو ده رد الفعل اللي أنا مستنيه منك.
ضيقت نجوى عينيها فوقه ثم سألته بتمهل وعلى مضض:
- إيه اللي يثبت لي إنك صح.. وبعدين أنا مالي.. واحدة وأدمنت.. دخلي بيها إيه؟
هز رأسه موافقاً على حديثها ثم قال بثقة شديدة:
- عندك حق.. ملكيش دخل بيها.. بس هيكون ليكي دخل لما التسجيل اللي فيه اعترف الكلب بتاعك يوصل لجيهان وتتأكد إن اللي حصل لبنتها ده إنتى السبب فيه.
بدأت ملامح نجوى تتجعد.. فعلم فريد أنه يسير على الطريق الصحيح.. لذلك أردف قائلاً بتهكم:
- لا متخافيش كده واجمدي ومش عايز لون وشك يتخطف أكتر ماهو مخطوف.. نتفق.. تبقى في أمان.
كانت نجوى تعلم جيداً أن الكذب معه لن يؤتي بثماره.. لذلك آثرت كشف أوراقها أمامه واللعب وفق أصوله للخروج بأقل خسائر.. على أمل باستمتاع قلبه يوماً من الأيام. ثم إنها لم يخف عليها تهديده في بداية الكلام بمعرفة جيهان بالأمر كله.. وهي أبداً لا تريد خسارة جيهان في الوقت الحالي حتى تتخلص من حياة.. فيبدو أن مخططها مع نيرمين باء بالفشل ولا يزال زواجهم قائم.. لذلك تحركت حتى أقرب مقعد تجلس فوقه باسترخاء.. ثم قالت بهدوء:
- أنت عارف طول عمري بيعجبني ذكائك.. وعارف إنك الوحيد اللي مقدرش ألعب عليه.. صدقني أنا وانت كوبل واو.. لو اتحدنا محدش هيقدر علينا.
حدقها فريد بعدة نظرات حانقة قبل تعقيبه على حديثها قائلاً بنبرة عدائية واضحة:
- أنا ذكائك مكفيني وزيادة.. بس عمتاً خلينا نتكلم في المفيد.. انتي خليتي نيرمين مدمنة.. مش مهم بالنسبالي.. بس بالنسبة لجيهان مهم.. ولو عرفت.. انتي باي باي.. وانتي عارفة ده كويس.. بس من حسن حظك إن محدش يعرف ده غيري.. وفي المقابل انتي عاملة مشاكل حواليا وأنا ورايا شغل ومش فاضي أصلح اللي بتعمليه ده.. يبقى نتفق اتفاق.. سكوتي مقابل إنك تحلي عني لحد ما أخلص مشاكل شغلي.. اتفقنا؟ وطبعاً انتي فاهمة قصدي إيه.
تأملته نجوى مطولاً ثم سألته بتفكير:
- إيه ضمانتي.. ومعاها لو وافقت.. مطلوب مني إيه؟
لمعت عيني فريد برضا.. فخطته تسير بشكل صحيح للغاية. تحرك بجسده عدة خطوات داخل غرفة معيشتها ثم قال بترو شديد ونبرة واثقة:
- ضمانك كلمتي.. فريد مبيخلفش وعده ولا كلمته.. والمطلوب بسيط.. تسافري لحد ما أخلص مشاكلي.. وبالمرة هعيد تفكيري في إني أرجع الشراكة مع سعيد تاني.. وساعتها هنسى كل اللي سمعته وهمسح التسجيل ولا كأنه موجود.
شعرت نجوى ببريق أمل يعود إليها من طريقة معاملته معها.. فإذا ستطاوعه فيما يريده مؤقتاً.. وفي نفس الوقت تستغل ذلك الاتفاق لمصلحتها في الوقت المناسب. ثم إن فكرة اختفائها الآن مثالية لسببين: أولهما خداعه بموافقتها والترتيب لخطوتها التالية من بعيد. والثانية ألا تضطر لزيارة نيرمين أو التعامل معها بأي شكل من الأشكال بحالتها تلك حتى ترتب كيف تتخلص منها نهائياً وهي داخل مصحتها. لقد اتخذت قرارها إذاً.. فهي المستفيدة من ذلك كله. لذلك هتفت بموافقتها وهي تتحرك وتقف قبالة فريد وتمد كفها لها مصافحة وهي تمتم بحزم:
- متفقين.. هحجز وأبلغك بميعاد سفري.
أومأ فريد رأسه موافقاً برضا وهو يمد كفه ليصافحها قائلاً بتشجيع:
- هستنى تليفونك.
بعد مرور أسبوعان، جاء اليوم الموعود. لقد سارت خطته كما أراد بنجاح حتى الآن وحان وقت اللحظة الحاسمة.. وها هو يجلس داخل غرفة مكتبه ينتظر بترقب شديد خبر القبض عليها. رفع ذراعه ينظر بتأفف إلى ساعة يده. لقد تجاوزت الساعة الثالثة عصراً.. والطائرة ستقلع في السادسة. إذاً ساعة أخرى وتكون داخل المطار وتبدأ رحلتها نحو ما تستحق. قاطع تفكيره رنين هاتفه برقم حارسه. أجاب على الفور بترقب متسائلاً:
- إيه الجديد؟
أجابه حارسه مطمئناً:
- كله تمام يا فندم.. اتحركت دلوقتي بعد ما حطت الشنطة في عربية مستأجرة واتحركت واحنا وراها من بعيد.. لما توصل هبلغ حضرتك تاني.
بلغه فريد بانتظاره، ثم أغلق معه الهاتف وهو يعد الدقائق لسماع الخبر المنتظر.
بعد حوالي الساعتين، أضاءت شاشة فريد، ولكن هذه المرة برقم رجله الذي يعمل في الداخلية، والذي كان ينتظر داخل المطار في ذلك الوقت مع أصدقائه، بعدما نبهه فريد عن محتويات حقيبة سفر نجوى.
أجاب فريد بلهفة، حابسًا أنفاسه ومستمعًا لنبرة الرجل السعيدة:
- فريد بيه.. عايز البشارة.. الهانم اتقبض عليها ودلوقتي محجوزة من أمن المطار عشان تترحل على أقرب قسم ومنه للنيابة.
تنفس فريد الصعداء براحة، ثم سأله بترقب:
- أنت متأكد إنها كده متلبسة؟
أجابه الرجل مؤكدًا:
- يا فندم دي الشنطة طلع فيها حوالي كيلو هيروين.. يعني القضية لبساها لبساها.. طبعًا هي منهارة وبتأكد إنها متعرفش حاجة.. بس الشنطة بتاعتها باعترافها.
اتسعت ابتسامة فريد بسعادة وهو يستمع للتفاصيل. أخيرًا استطاع التخلص من نجوى وأخذت ما تستحقه. الآن يستطيع الاسترخاء والانتباه لمشاكله مع حياة.
أغلق الهاتف، ثم أجرى اتصالًا مع حرسه يخبره بالاستمرار في مراقبتها حتى النيابة، ويطلب منه إطلاعه على المستجدات أولًا بأول.
بعد قليل، دوى رنين هاتفه مرة أخرى، وهذه المرة برقم وائل الجنيدي.
لقد مضى على حادثة هروبها ما يقارب من الثلاث أسابيع، وهو حتى الآن يتجنب التعامل معه أو الاحتكاك به. فمجرد التفكير به يجعل الدماء تغلي داخل عروقه، ولا يستطيع ضمان رد فعله أمامه، لذا الحل الأمثل هو تجنبه.
أما عن أمور العمل، فقد تركها لمساعده لينهاها معه، متحججًا بكثرة انشغالاته، وعليه كلف مساعده بالتعامل معه.
لماذا لم يطلب سجل تسجيلات حياة مثلما فعل مع نيرمين؟ لم يجد إجابة لهذا السؤال. في الحقيقة، لديه إجابة، وإجابة مقنعة للغاية، ولكنه يخشى الاعتراف بها. يخشى الاعتراف بخوفه إذا ما تأكدت الشكوك التي تتأكله بصمت. لحظتها، لن تسمح له رجولته بالاحتفاظ بها وهي تريد غيره، ولن يستطيع تركها أيضًا لغيره. لذلك، الهروب هو أسلم حل.
لوى فمه بتهكم مرير: فريد رسلان يخشى اكتشاف حب زوجته لغيره. ما هذا الجحيم الذي يعيشه؟
قاطع أفكاره تلك، طرق خفيف فوق باب غرفته، يليها دخول سكرتيرته إيمان تقول بخفوت وتردد:
- فريد بيه.. أنا عارفة إن حضرتك طلبت محدش يزعجك، بس فيه واحد اسمه سمير بره بيقول إنه معاه اللي حضرتك طلبته منه.
انتفض فريد من مقعده بمجرد سماعه تلك الجملة، ثم قال بلهفة:
- دخّليه على طول.
تحركت إيمان بعدما أومأت له برأسها موافقة، تاركة المجال لسمير بالدخول.
تحدث سمير بزهو وهو يخرج من جيب ردائه أسطوانة مدمجة، ويضعها أمام فريد وفوق سطح مكتبه:
- فريد باشا.. التسجيلات وصلت.. كلها موجودة في السي دي ده، ومعاه ميموري كارد عشان لو حبيت تسمعها على التليفون.. كده أنا مهمتي الأولى والتانية انتهوا.
ابتسم فريد بسعادة للمرة الثانية، فيبدو أن اليوم هو يوم حظه.
تحرك من مقعده، وربت على كتف سمير باستحسان، ثم قال بنبرة سعيدة:
- تمام يا سمير.. استعد بقى عشان تنفذ آخر حاجة.. متنساش مش عايز أي غلط.
أجابه سمير بثقة مدفوعة بنجاحاته السابقة:
- رقبتي يا باشا.. حضرتك تؤمر واحنا ننفذ.
ودعه فريد باستعجال، بعدما طلب من إيمان إيصاله للخارج وعدم إزعاجه لأي سبب كان.
ثم وضع الذاكرة الخارجية داخل هاتفه، وبدأ يستمع إلى مكالمات أخته مع صديقتها المقربة نيرمين. نعم، هذا ما يبحث عنه.
بعد عدة اتصالات، بدأت عيناه تتسع بشدة وهو يستمع إلى اتفاق نجوى المبهم مع أخته، والذي لم يلتقط منه الكثير. ورغم ذلك، استطاع ربطه بما فعلته حياة.
عاد للاستماع مرة ثانية وثالثة، علّ عقله يستوعب شيئًا مما يقال، ولكن دون جدوى.
ظل مغلقًا على نفسه حتى المساء، يحاول التوصل لحل لتلك المعضلة.
وبعد العاشرة بقليل، قرر العودة إلى منزله وقد اتخذ قراره. نعم، هذا هو القرار المناسب لكليهما. فنجوى ستذهب للسجن أعوامًا كثيرة، وجيهان مشغولة مع ابنتها، إذا حياة أصبحت في أمان.
عاد إلى منزله بملامح جامدة، وطلب من عفاف الذهاب اليوم باكرًا.
ثم صعد إلى غرفته مباشرة، يبحث عنها بعينه، فوجدها جالسة فوق أحد مقاعد غرفتهم بحالة الخضوع التي تتمسك بها منذ تلك الحادثة.
بمجرد رؤيتها له، انتفضت واقفة تنتظر حديثه.
وبالفعل، تحدث هو هذه المرة على الفور، قائلًا دون مقدمات بنبرة جامدة للغاية:
- حياة.. أنا قررت إننا ننفصل.. ومن دلوقتي أنتِ بقيتي حرة.
رواية متى تخضعين لقلبي الفصل الثاني والثلاثون 32 - بقلم شيماء يوسف
انهى فريد جملته المفاجئه تلك ثم اختفى خلف باب الحمام تاركها تشعر بالصدمه والذهول بسبب ما تفوه به. حركت رأسها يمينا ويسارا تنظر حولها جيدا لتتأكد من مكان وجودها. انها ليست نائمه ولا تحلم أليس كذلك! لا ليس كابوس فهي تجلس فى غرفتهم منذ الصباح تنتظر عودته كعاده كل يوم منذ تلك الحادثه. ت ترى هل اختلط لديها الواقع بالخيال وخرج منهم اسوء ما كانت تتخيله ام انها فقدت عقلها بسبب جلوسها هنا يوميا لمده ثلاث اسابيع دون اى عمل يذكر. لا هى متأكده انها لا تحلم ولم تفقد عقلها حتى الان والامر ابسط من ذلك بكثير. كل ما فى الامر نجوى. نعم هى تلك الحرباء المتلونة يبدو انها أخبرته بحقيقه حملها وبالطبع اصبحت هى ام طفله وعليه أصبحت هى الزوجه المنبوذة. الم يخبرها بكل صراحه انه اصبح يكرهها! وبالطبع كما اجبرها على الزواج منه سيجبرها الان على الانفصال عنه. يبدو ان لعبه الجاريه تلك أعجبته وقد حان الوقت لتظهر له حياة الحقيقه اذا لم يكن يعرفها. فالآن ليس وقت الاستسلام له او الانكسار. هذا ما فكرت به بعصبيه وهى تركض نحو باب الحمام تطرقه بكلتا يديها وهى تهتف اسمه بشبه صراخ:
-فريد .. اطلع هنا وكلمنى ..
لم تأتيها اى اجابه منه لذلك عاودت الهتاف بأسمه بنبره شبهه هيستيريه وكفها لازال يطرق فوق الباب دون انقطاع:
-فرييييييييد .. اطلع وعيد طلبك وانت قدامى .. فريييييييد ..
للمره الثانيه لم تأتيها منه اى اجابه فقط صوت انسياب المياه هو كل ما يصلها كأنها تتحدث إلى الباب وليس إليه مما جعلها تفقد اعصابها اكثر فعادت تصرخ بعصبيه شديده شعرت خلالها بأحبالها الصوتيه على وشك الانقطاع. وهى تضع كفها فوق المقبض قائله بتحذير:
-فريد لو مطلعتش دلوقتى هدخل ومش هيهمنى انت بتعمل ايه ..
انتظرت ثوان معدوده لعلها تصل إلى ما تريد. هل ظنها لن تنفذ تهديدها! حسنا فهى لن تتراجع حتى تتحدث معه وجها لوجهه والان وليس بعد دقيقه وليس بعد انتهاء اغتساله وليس فى الوقت الذى يريده هو. اذا كان يتذمر دائما من عنادها فهو لم يرى مداه حتى الان. بعد نصف دقيقه من الانتظار فتحت باب الحمام واندفعت بحده حتى وصلت إلى كابينه الاستحمام والتى كان يقف بداخلها وقامت بسحب بابها الزجاجى بكل قوتها متجاهله رذاذ الماء الذى خرج بالكامل من حدودها ثم صرخت به قائله:
-انا بكلمك متتجاهلنيش ..
لقد اصيبت بالجنون حقا! هذا ما فكر به وهو يهتف اسمها بحنق محاولا إزاله بقايا الشامبو عن شعره ووجهه:
-حياة !! انتى اتجننتى !!..
تجاهلت تعليقه وعادت تهتف به بشراسه وصدرها يعلو ويهبط من فرط الانفعال:
-اتفضل اطلع دلوقتى حالا وكلمنى ..
واصل هو غسل وجهه دون أدنى اهتمام بطلبها فتحركت تدفعه جانبا حتى كاد جسده ينزلق لولا تمسكه بأطراف الكابينه ثم انحنت بجزعها نحو صنبور المياه تغلقه غير عابئه بكميه الماء التى سقطت فوقها والتى بللت الجزء العلوى من ملابسها بالكامل. اعتدلت فى وقفتها بعدما اغلقت المياه ثم استطردت تقول بنبره آمره قويه وقد تحولت ملامح وجهها للقرمزيه من شده الغصب وفرط الانفعال:
-اتفضل البس وحصلنى ..
كانت حياة فى حاله هيستريا شديده منعته من الاستمرار فى تجاهلها لذلك تحرك خلفها بعدما وضع منشفه فوق خصره رغم بقايا سائل الاستحمام التى لم تسمح لها بأزالتها ثم توجهه نحو خزانه ملابسه والتقط منها بنطال رياضى مع تيشرت من نفس النوع وقام بأرتدائهما سريعا قبل تحركه إليها حيث كانت تقف امام نافذه الشرفه تنتظره. تحدث قائلا بهدوء:
-اتفضلى .. عايزه تتكلمى فى ايه ؟.
التفت بجسدها بحده موجهه إليه بعينيها شرارت متطايرة وهى عاقده ذراعيها امام قفصها الصدرى ومتخذه وضع الاستعداد. استفزها هدوء ملامحه لذلك صاحت به قائله:
-اتفضل قول الكلام اللى قلته من شوبه قبل ما تختفى جوه ده ..
اخذ نفسا عميقا ببطء شديد زاد من حنقها ثم قال بنبره خفيضه جامده:
-قلت ننفصل ..
صرخت بقوه متسائله بمجرد انتهاء جملته قائله بعصبيه:
-يعنى ايييه ؟!!.
اجابها فريد بنبره بارده مستفزه زادت من حنقها وعصبيتها:
-ننفصل يعنى نطلق .. مش هو ده طلبك من ٣ اسابيع !!!..
-طلبى !!!
هذا ما صاحت به مستنكره وهى تدفعه بقوه جعلت جسده يترنح قليلا بسبب عدم مقاومته لها. هتف هو بها بضيق مستنكرا فعلتها:
-حيااااة !!!
لقد بدءت تفقد القدره على اعصابها وصوتها وجسدها كله بسبب غضبها فهى لا تصدق إعادته لطلبه مره اخرى بكل تلك الاريحية كأنه سعيد للتخلص منها! صرخت به بقوه وهى تعاود لكمه فى صدره:
-حياة ايه !! مفيش حياة !! سامع مفيش حياة !! خليك شجاع وقولى السبب الحقيقى ..
هتف أسمها مره اخرى بسخط محذرا وهو يقبض على معصميها بكلتا ذراعيه لمنعها من الاستمرار فى لكمه:
-حياااة ..
تململت فى وقفتها وحاولت الافلات من قبضته وهى تقول بشراسه:
-انا عارفه انت بتعمل كل ده ليه .. عشانها صح ؟! .. كل ده عشانها !!.. اكيد قالتلك انها حامل ..
كرر فريد جملتها مستنكرا بعدم فهم:
-حامل ؟!..
صرخت حياة وهى تبتعد عنه بعدما ارخى قبضته من فوق يدها وقد اصبح كل حديثها الان عباره عن صراخ:
-ايوه حامل .. انا عارفه كل حاجه .. انطق وصارحنى بالحقيقه ..
تسائل فريد وهو مقطبا جبينه عدم فهم:
-حامل مين ؟؟ انتى بتقولى ايه !!..
صرخت به وهى تعود عده خطوات للخلف مبتعده عنه:
-نجوى !! .. مش الهانم مراتك برضه ؟!..
صدمت ملامحه اولا ولكنها سرعان ما عادت لجمودها قبل ان يسألها بهدوء شديد:
-انتى قصدك ايه بالظبط ؟!..
اجابته وهى تتحرك بعصبيه داخل الغرفه وتفتش داخل إدارجها قائله بأصرار:
-هتعرف دلوقتى انا قصدى ايه ..
فتحت عده ادراج بعصبيه شديده ثم تسائلت بحنق:
-راح فين !! تليفونى اللى سبته هنا راح فين !!..
عقد فريد حاجبيه معا بترقب ثم تحرك يخرجه لها من احد الأدراج فمنذ حادثه هروبها وضعه هو فى ذلك المكان ولم تهتم هى بالبحث عنه. حاولت فتحه بأصابع مرتجفه قبل إدراكها لنفاذ بطاريته لذلك بحثت عن شاحنه ووضعته به وجلست جواره تحرك ساقها بعصبيه شديده منتظره اعاده تشغيله وبعد عده دقائق فتحت رسائلها المرسله ثم تحركت به ووضعته امام وجهه وهى تقول بحده:
-اتفضل شوف .. الهانم بعتتلى كل حاجه لما كنت مسافر ..
التقط فريد الهاتف منها بأليه شديده ثم امعن النظر فى صوره العاريه او بالأدق صور الشخص العارى مركبه فوقها بأحترافيه شديده رأسه. نقل بصره بين الهاتف وبين حياة عده مرات قبل مد يدها وسحبها للهاتف من داخل كفه قائله بغضب:
-متقلقش لسه فى الاحلى ..
عبثت بهاتفها ثانيه ثم إعادته ليده ليقرء صوره مرسله بعقد زواج عرفى بأسمه واسم نجوى العمرى. تجهمت ملامحه بشده وضاقت المسافه بين حاجبيه وهو يعيد قراءه الورقه المرسله مرة اخرى. قاطع قرائته صوتها يسأله بتهكم:
-وصلت لصوره تحليل الحمل ولا مفيش داع مانت اكيد عرفت ؟!..
فتح فريد الرساله الاخرى ليجد صوره تحليل من احد المعامل الشهيره بأسم نجوى العمرى تؤكد حملها. ضغط فوق اسنانه بقوه وبدء ذلك العرق بجانب صدغه فى الانتفاض ثم رفع رأسه وسألها بهدوء رغم غضبه واحتقان ملامحه:
-وانتى صدقتى ؟!..
لم تعقب على حديثه بل أشاحت بوجهها بعيدا عنه لا تريد حتى النظر إليه. القى الهاتف من يده ثم عاد يسألها بنبره قويه أجبرتها على النظر إليه وإجابته:
-انطقى انا بكلمك !! انتى صدقتى الكلام ده ؟!!!.
اجابته بحده وهى ترمقه بنظرات متحديه:
-مصدقتش لحد ما اختك جت واكدتلى الكلام ده وانك اتجوزتها قبل منى بسبب غلطه ..
حرك رأسه بشراسه ثم صرخ بها بقوه جعلتها تنتفض ذعرا:
-اختى !!! صدقتى اختى !!! اللى حذرتك ومنعتك منها ٥٠٠ الف مره !!! صدقتى شويه صور على تليفون من غير ما ترجعيلى او تسألينى !! لا وترجعيلى ليه !!! ..
انهى جملته وانحنى بجزعه يلتقط هاتفها من فوق الارضيه ثم طلب منها اعاده فتحه ثم سحبه من بين يديها بقوه وفتح احدى الصور المخله ووضعها امام عينيها بعدما جذبها من مرفقها بحده لتقف جواره قائلا بعصبيه:
-بصى يا حياة هانم !! يا مراتى يا اكتر واحده عرفانى !!! هى دى ملامحى لما بكون معاكى !!! هو ده بيكون شكلى !!! بتكون ملامحى طبيعيه كده زى الصوره دى !!! .. ده رد فعل واحد بالوضع ده !!! يا هانم دى صوره واحد قاعد بياكل مش بيعمل حاجه تانى ..
دفعها فوق الفراش ثم تحرك مبتعدا عنها ليتلقط هاتفه من داخل سترته. راقبت حياة حركته بأرتياب وقد فهمت ما شرحه لها بوضوح. جذب هو هاتفه بشراسه وقام بالعبث به ثم قام بتشغيل الصوت ورماه إليه بعصبيه قائلا بجمود:
-اسمعى يا هانم واعرفى صوت مين ده ..
أستمعت حياة بتركيز شديد لصوت امرأه غير مألوف لديها تقول برضا:
"-ايوه بقى يا نيرو .. كده مفاضلش غير انك تنقليلها شويه اخبار عنى واخر حاجه بقى تجبيلى توقيع فريد بصوره واضحه عشان الراجل يشوف شغله .."
كتمت حياة انفاسها بترقب منتظره سماع الطرف الاخر والتى فى تلك الحاله اخت زوجها تقول بثقه:
" -بس كده .. توقيع فريد بسيطه هلاقيه فى اوراق بابى .. اما عن اخبارك فأنا فعلا قلتلها ان حادثه الملف بتاعها الاول كانت بمساعده مدير الحسابات برضه واتصدمت اوى .."
شهقت حياة بذهول وألقت الهاتف من بين يديها كأن حيه لدغتها ثم وضعت كفيها فوق فمها بذعر. ابتسم فريد بشراسه وهو ينحنى لالتقاط هاتفه متمتما وهو يضغط على حروف كلماته:
-لا استنى .. زى مانتى قلتى من شويه .. لسه فيه الاحلى ..
اعاد تشغيل التسجيل الصوتى ليصدع صوت نيرمين هاتفه بسعاده:
"-ايوه يا نوجااا .. انا لسه خارجه من عندها وكل حاجه مشيت زى ما اتفقنا بالظبط .. صدقت وسبتها دلوقتى منهاره .. الباقى بقى عليها ..
صرخت حياة وهي تتحرك بجسدها مبتعدة عن الهاتف كأنها تخشى رؤيتهم بداخله، ثم بدأت الدموع تنساب من فوق مقلتيها بغزارة وهي تنظر إليه بضعف.
هز فريد رأسه بأسف ثم قال بنبرة خالية كإقرار أكثر من سؤال:
- طبعًا. مش محتاج أسألك الكلام ده كان امتى ولا إيه اللي حصل بعده.
أجابته بنبرة خفيضة للغاية بالكاد وصلت لمسامعه:
- ليلة ما سبت البيت.
ردد فريد جملتها خلفها بنبرة هادئة:
- ليلة ما سبتي البيت وهربتي بابننا. عشان أسهلك تصدقيهم. أو نقول بصراحة عشان إنتي كنتي عايزة تصدقيهم. فما صدقتي تهدّي كل حاجة بينا بكلمة وتهربي.
أخذ نفسًا عميقًا يملأ به صدره ويخفي نبرة الحزن من صوته ثم قال بنبرة خالية:
- أنا لسه عند طلبي. حياة أنا عايز ننفصل.
حركت رأسها بفزع رافضة ودموعها تملأ وجهها. هز رأسه مؤكدًا ثم عاد يقول بنفس نبرته:
- مش هينفع نكمل من غير ثقة. من بكرة هنمشي في إجراءات الطلاق.
صرخت حياة بذعر وهي تركض نحوه وتتمسك به قائلة بتوسل من بين شهقاتها المتلاحقة:
- لااااا. انفصال لاااا. أنا غبية. أيوه أنا غبية. بص عاقبني بأي حاجة في الدنيا. قول إنك بتكرهني زي ما قلت لي قبل كده. وابعد عني زي ما إنت بعيد عني دلوقتي. متخلينيش أخرج زي ما أنا محبوسة هنا. اعمل أي حاجة بس أكون جنبك. أنا غلطانة وعارفة إني غلطت غلط كبير بس آخر مرة. والله آخر مرة. أنا خفت. عملت كده عشان خفت. خفت إن اللي حصل معاك زمان يحصل مع ابننا. خفت نجوى تقدر تغيرك وتظلم ابننا زي ما حصل معاك. هو ده اللي خلاني أمشي. خوفى على ابني. بدليل أنا قاعدة أهو وقابلة.
صمتت لوهلة تلتقط فيها أنفاسها وتبتلع لعابها ثم استطردت تقول بصوتها الباكي:
- أنا مش بدافع عن نفسي. أنا عارفة إني غلطانة في تفكيري واتعاقبت. اتعاقبت لما بعدت عنك وحسيت في الكام يوم دول بالخوف من غيرك. واتعاقبت لما شفتك بتبص لي وأنت قرفان مني. واتعاقبت لما اتحرمت إني أشوف فرحتك لما تعرف إني حامل منك. واتعاقبت لما ابننا راح مني. وأسوأ عقاب فيهم لما سمعت كلمة بكرهك منك.
أشاح فريد بنظره بعيدًا عنها متجنبًا النظر داخل عينيها حتى لا يثنيه عن قراره. انتظرت حياة صدور أي رد فعل منه يطمئنها وعندما صمت، أردفت تقول بلهفة:
- فريد. أنا غلطانة بس بوعدك عمري ما هكررها تاني. أنا غلطت لما صدقتها وموثقتش في حبك وغلطت لما رفضت أسمع كلامك وصدقت إن نيرمين ممكن تكون اتغيرت. بس وعد والله ما هكررها تاني. هسمع كلامك في كل اللي تقوله عشان أنا اكتشفت إني مبعرفش أحكم على الناس ولا هثق تاني في حد غيرك. هنبدأ صفحة جديدة من النهارده. من دلوقتي هنتشارك كل حاجة ومش هخبّي عليك حرف واحد مهما حصل. أنا عارفة إني غلطت واعترفت بده بس إنت أحسن مني صح؟ أنا عارفة إنك أحسن مني وهتديني فرصة. اعتبرها آخر فرصة ليا. إنت طول عمرك بتسامحني وبتساندني متبخلش عليا المرة دي. بص جربني أسبوع. لا شهر ولو حصل أي حاجة تاني يبقى إنت عندك حق تسيبني. بس أنا خلاص اتعلمت درسي بخسارة ابني وخسارتك. وحياة أغلى حاجة عندي وعندك أنا بثق فيك وكل ده حصل من غيرتي عليك.
رغم رؤيتها للين ملامحه قليلاً، إلا أنه لم ينظر إليها حتى الآن لذلك أردفت تقول بيأس وهي تضع أصابعها تحت ذقنه وتحرك رأسه في اتجاهها:
- فريد بص لي عشان خاطري. قولي. هتقدر تعيش من غير حياة؟ لو إنت تقدر تعيش من غير حياة فحياة مش هتقدر تعيش من غيرك. متبقاش حياة من الأساس. فريد أنا بحبك. لا أنا مش بحبك أنا فتحت عينيا على حبك وعشت وكبرت في ضل حبك. بتنفس حبك. أهون عليك أعيش من غير نفسي. من غير حياتي!
لانت ملامحه وظل يتأمل بتأثر وجهها ونظرة عينيها التي تبوح بما لا تستطيع صياغته بالكلمات، ثم سألها بنبرة خافتة كأنه طفل يتلمس من والدته الأمان:
- يعني إنتي مش بتحبي وائل؟
هتفت بعدم تصديق وهي تبتعد عنه خطوة واحدة:
- وائل! وائل مين؟
أجابها فريد بجمود وقد عاد ملامحه للتجهم:
- وائل الجنيدي. رقمه كان على تليفونك لما هربتي. ودايمًا كان بيسأل عنك.
شهقت حياة بندم وقد تذكرت حديثه عن نيرمين وإعطائها رقم هاتفها له. ربما كان يعلم بمخططها وأراد تحذيرها. تجعدت ملامحها وهتفت مستنكرة تفكيره:
- وائل! هو وائل اللي اختار لي اسمي؟ وائل اللي كان رفيق طفولته؟ وائل اللي كان بيدافع عني لو أي حد قرب لي؟ وائل اللي لما كنت بحتاج لحد أشتكي له كنت بلجأ له هو؟ وائل اللي كنت بتحامى فيه ومنه من الدنيا؟ وائل اللي لما بابا باعني كنت بصرخ بأسمه عشان يلحقني؟ وائل اللي كنت بنطق اسمه أكتر من اسمي؟ وائل الوحيد اللي سمحت له وحبيت لمسته ونبرته ونظرته؟ وائل اللي بيفهمني من غير كلام؟ ولا وائل هو اللي قال لي إن عندي ١١ نظرة له لوحده؟ رد عليا يا فريد! وائل هو اللي بحب أقول اسمه كل شوية عشان لما بنطقه بحس بالأمان! ساكت ليه رد عليا وجاوبني؟ عشان أحب وائل لازم تحصل حاجة واحدة. إنه يكون فريد. وأنا معنديش غير فريد واحد. فريد بتاعي أنا. اللي عشت كل ده معاه هو واللي بحبه من غير كل ده. بحبه عشان هو فريد حياة. اللي بحبه ومش عايزة من الدنيا غير حبه. لا حبيت قبله ولا عايزة أحب بعده.
لانت ملامحه وانفرجت أساريره وارتخت عضلات جسده تحت لمستها وبدأت عيناه تومض بتلك النظرة العاشقة لها. تنهدت بارتياح هي الأخرى بعد رؤيتها لتبدل ملامحه ثم رفعت ذراعيها تحتضن بكفيها وجهه وهي تغمغم بنعومة لتستجديه بعدما قامت بطبع قبلة رقيقة فوق شفتيه:
- فريد. حبيبي.
انهارت آخر حصون مقاومته لها وهو يسمع تلك الجملة التي ظل أيام وليال يحلم بها وهي تنطقها من بين شفتيها الناعمتين. خفضت حياة ذراعها حتى وصلت إلى كفه ثم احتضنته بحب وسارت به حتى المقعد المنخفض والموضوع أمام الفراش وجلست فوقه ثم جذبته برقة لتحثه على الجلوس بجوارها. أطاعها في صمت وجلس بجوارها تاركًا بعض المسافة بينهم. ابتسمت حياة له بإشراق لتطمئنه ثم أنهت المسافة بينهم والتصقت بجسده بعدما وضعت ذراعها فوق خصره لتحتضنه. اقترب بوجهه منها مستنشقًا رحيق شعرها الذي اشتاقه كثيرًا ثم تحدث بصوت أجش يقول:
- إنتي صدقتي إني ممكن أسيبك بجد؟
قطبت جبينها بعدم فهم وتوقفت أصابعها عن العبث بمؤخرة عنقه ثم سألته بتعجب:
- قصدك إيه؟
أجابها بابتسامة خجلة خفيفة:
- أنا سمعت التسجيلات قبلك وتأكدت إنهم عملوا عليكِ لعبة بس مكنتش عارف تفاصيلها غير لما حكتيلي. ومكنش قدامي غير كده. يا تدافعي عن حياتنا. يا أسيبك تروحي للي بتحبيه. عمري ما كنت هعمل زي بابا وأذيكِ يا حياة.
شهقت حياة بتسلية ثم سألته بمرح:
- يعني إنت ضحكت عليا عشان أحكي لك؟ وأصلًا أنا اخترت اللي بحبه فعلًا. وبعدين إنت عمرك ما هتكون زيه. وكلامك دلوقتي أكبر دليل إنك مش زيه.
تفوهت بجملتها وحكت أنفها بأنفه وهي تقول بنعومة:
- بحبك. يا أغلى حاجة في حياتي.
اتسعت ابتسامته بسعادة حقيقة ورضا ثم بدأ في لثم شفتيها على الفور. تجاوبت معه في اللحظة التي لمس بها شفتيها وبادلته قبلته باشتياق وشغف كبير. ابتعد عنها على مضض وعيناه تنظر إليها بضياع. تفهمت هي نظرته تلك فأومأت له برأسها متفهمة ثم قالت بهدوء لتطمئنه:
- حبيبي. أنا بقيت كويسة دلوقتي متخافش. وبعدين إنت مش ذنبك. أنا اللي خبيت عليك وبعدين أنا كنت تعبانة من قبلها. يعني اللي حصل بينا ملهوش علاقة بنزول البيبي. أنا آسفة على اللي حصل بسبب غبائي. وأسفة على الموقف اللي حطيتك فيه.
نظر إليها بولع شديد ثم رفع كفها وقام بتقبيل باطن كفها بشغف ثم قال بحب:
- وأنا آسف إني اتعاملت كده. بحبك يا حياتي.
قالت وهي تبتسم له:
- وأنا بموت فيك يا روح قلب وعقل حياتك.
طبع قبلة خفيفة فوق شفتيها ثم عاد يقول بخفوت:
- حياة. نجوى اتقب...
وضعت حياة إصبعها فوق شفتيه لتمنعه من الاستطراد ثم قالت بهمس ناعم:
- هشششش. مش عايزة أسمع أي حاجة عنهم. مش عايزة أسمع حاجة عند حد غيرنا.
لمعت عيناه بشغف ورغبة وهو يعاود الاقتراب منها. ابتعدت هي عنه قليلاً ثم قالت بخجل:
- حبيبي. ممكن أطلب منك طلب؟
أجابها فريد قائلاً بهمس:
- اطلبي يا عيوني.
ابتسمت له بحب ثم قالت بنعومة:
- ممكن نبدأ مع بعض من جديد. عايزك تصلي بيا الأول. إحنا أول مرة معرفناش نعمل كده بس أنا عايزة أعتبر النهاردة بداية لحياتنا سوا ونفسي نبدأها برضا ربنا.
أجابها فريد معترضًا بحرج:
- بس أنا معرفش أصلي إزاي.
ابتسمت له مشجعة ثم قالت بهدوء لتطمئنه:
- أنا عارفة وهقولك. بس أول حاجة تتوضأ سوا. إيه رأيك؟
أومأ لها برأسه موافقًا ثم تحركا سويًا نحو الحمام لبدء وضوئهم. خرجت حياة بعدما تأكدت دون إظهار له من صحة وضوئه ثم خرجت ترتدي لباس صلاتها وتقف خلفه بعدما شرحت له ما يجب عليه القيام به. شرع فريد في إقامة الصلاة ثم بدأ يتلو فاتحة الكتاب بصوت مرتجف وهيبة يتمنى ألا يخطأ في تلاوتها. اجتاحت حياة حالة من الفرحة والانتشاء والسعادة مع رجفة صغيرة وقد تحقق حلمها أخيرًا.
انتهى فريد من صلاتهم ثم التفت خلفه يجذبها لتجلس داخل أحضانه ثم قال بحب وهو يتأمل وجهها بهيام:
- إنتي عارفة إنك حلوة أوي. والطرحة لايقة عليكي.
سألته حياة بمرح وهي تداعب بأصبعها عنقه:
- امممم. يعني أفضل لابساها على طول؟
أومأ برأسه موافقًا وهو يعاود تأمل ملامح وجهها ثم قال رافضًا بامتعاض:
- لا بس الطرحة مخلياكي أحلى وبعدين هتخلي الناس تركز في عيونك. شوفي حل.
أجابته حياة بمرح وهي تمسح فوق شعره بحنان:
- والله! طب أعمل إيه يعني؟ أفضل محبوسة هنا على طول؟
حرر فريد خصلات شعرها من تحت حجابها بعدما أزاحه من فوق رأسها ثم أجابها بهيام قائلاً:
- يا ريت. لو عليا عايز أخبيكي ومحدش يشوفك غيري.
احتضنته بحب وأسندت رأسها فوق كتفه مغمغمة بطاعة:
- وأنا مش عايزة حد يشوفني غيرك.
شدد فريد من لف ذراعيه حولها ثم قال بعد فترة من الصمت ممازحًا:
- حياة.
هتوحشيني أوي يا حياة، وأنتِ كمان.
رفعت رأسها تنظر نحوه بغضب، مجعدة أنفها ثم سألته متصنعة العصبية:
- يا سلام والله! عجبك الدور أوي؟ وأنا كل يوم أقول دلوقتي يحن، دلوقتي يزهق، أو حتى يتعصب، بس أقول إيه، بحب تلاجة!
ضحك عالياً من تشبيهها ثم قال بهمس وهو يقترب منها ويتلمس شفتيه وجنتيها:
- طب مفيش واحدة أخيرة؟ بصراحة كانت بتطلع من لسانك حلوة أوي.
ضغطت فوق شفتيها وابتسمت بخجل ثم أسدلت عينيها وهي تنظر داخل عسليته قائلة بإغراء شديد:
- اللي حضرتك تأمر بيه.
تنهد بحرارة ثم قال هامساً وهو يرفعها بين ذراعيه ويتحرك بها نحو الفراش:
- حضرتك تأمر إنك تفضلي جوه حضني يا سلطانة قلبي وروحي.
اتسعت ابتسامتها وقد علمت أن جملته الأخيرة تلك هي طريقته الخاصة في الاعتذار منها عما تفوه به سابقاً، والذي لم تعد تذكره من الأساس. وكيف تفعل وهو بدأ يبث لها بكل نعومة وحنان أشواقه وحبه ليمحو أي ذكرى سيئة قد نالت من مشاعرهم المقدسة.
بعد فترة، وضعت حياة رأسها فوق صدره ثم هتفت بدلال وأصابعها تتحرك فوق صدره العاري:
- فريدي.
طبع قبلة فوق شعرها ثم أجابها بحب:
- عيون فريدك!
رفعت رأسها تنظر إليه ثم قالت بتذمر طفولي:
- فريد، أنا جعانة.
رفع إحدى حاجبيه باستنكار ثم سألها بعدم فهم:
- طب أعمل إيه؟
نظرت نحوه بغضب متصنعة الضيق ثم أجابته باعتراض مازح:
- معرفش المفروض تتصرف. يكون فيه أي إحساس يعني، أقولك جعانة تقولي حاضر يا حبيبتي ثواني والأكل يكون عندك هنا. فريد خليك رومانسي.
امتعضت ملامحه وتمتم بحنق غير مستسيغ جملتها:
- أنتي بالنسبالك الرومانسية في إن الأكل يجيلك هنا؟ يعني هي دي طموحك؟
هزت رأسها موافقة ثم قالت بدلال فطري مدعية الحزن:
- آها رومانسية. مش كفاية إني مأكلتش من الصبح مستنياك. وبعدين ما أنت عارف لما بتزعل مني مش بعرف آكل. سيبني بقى أعوض.
كانت محقة فيما تفوهت به، فقد لاحظ شحوب وجهها الشديد وفقدانها للوزن منذ الحادثة الأخيرة، وحتى عندما كانت تشاركه وجباته كانت تتظاهر بتناول الطعام دون تناول شيء حقيقي. لذلك زفر باستسلام ثم سألها مدللاً:
- ماشي يا ست حياة، تحبي أجيبلك حاجة معينة؟
صفقت يديها بسعادة من مجاراته لها ثم قالت بحماس:
- أي حاجة منك حلوة. بس بسرعة.
نطقت جملتها تلك وهي تدفعه من فوق الفراش لتحثه على التحرك. ارتدى بنطاله مسرعاً ثم توجه إلى الأسفل وهو يحرك رأسه بعدم تصديق لمطاوعته لها.
في الأسفل، وقف في منتصف المطبخ واضعاً كفه فوق خصره ويده الأخرى تحك فروة رأسه ببلاهة. ماذا يصنع لها؟ فأخر علاقته بالمطبخ هو إحضار الماء من داخل الثلاجة. الثلاجة، نعم! هذا ما هتف به داخلياً وهو يتحرك نحوها، فربما يجد ما يسد جوعها بداخلها. بالتأكيد سيفعل، هذا ما فكر به بانتصار وهو ينحني بجسده لينظر بداخلها.
تحركت حياة خلفه مرتدية قميصه البيتي ثم وقفت تراقبه وهو غارق بنصفه العلوي داخل الثلاجة. حاولت كتم ضحكتها قدر المستطاع حتى خرج من داخلها ويده تحمل علبة ما. تسمرت نظرته فوقها بمجرد رؤيته لها وهي ترتدي قميصه الذي كان يرتديه منذ قليل، وبالكاد يغطي خصرها، وتنظر نحوه بتسلية. ابتلع لعابه بصعوبة وهو يضع ما في يده فوق الرخامة بآلية شديدة، ثم تحرك نحوها يرفعها من فوق خصرها ويضعها فوق الطاولة الخشبية. جلست حياة فوقها وقامت بسحب علبة المعجنات ووضعتها فوق ساقيها، والتي كانت تصنعها عفاف يومياً لها وتضعها فوق الطاولة لتحثها على تناول الطعام. وضع فريد كلتا كفيه فوق الطاولة وعلى جانبيها ليحاصر جسدها بين ذراعيه، ثم انحنى بجسده نحوها قليلاً وهو يسألها بصوته الأجش:
- التيشيرت ده بتاع مين؟
أجابته حياة بوميض تسلية واضح في عينيها وهي تتناول إحدى معجناتها اليومية المفضلة "كرواسون":
- امممم، بتاعك.
عاد فريد ليسألها هامساً بعدما استمع لجوابها:
- ولما هو بتاعي بتلبسيه ليه؟ وبعدين في ركن في الدريسنج فوق متلمسش. حنّي عليا والبسي حاجة منه.
اخفضت حياة رأسها بخجل، فهو يتحدث عن القمصان التي اختارها لها ولم ترتدِ واحداً إلى الآن، ثم قالت باحمرار:
- حاضر.
نظر فريد إليها مطولاً، وإلى عنقها وبداية كتفها الظاهر من ياقة قميصه الواسعة، ثم قال بتفكير وهو يقترب بشفتيه منها:
- بس عارفة، التيشيرت أحلى. غيرت رأيي، خليكي لابساه.
ابتسمت بسعادة ثم رفعت يدها نحو فمه لتحثه على تناول المعجنات معها. أبعد فمه متفاجئاً بتقطيبه ثم قال بغيره:
- حياة، أنا خايف تكوني بتحبي الكرواسون أكتر مني؟
قطبت جبينها مدعية التفكير ثم أجابته مازحة:
- لا يا حبيبي، أنت الأول وبعد كده هو. وبعدين ده مش كرواسون، ده ميني كرواسون.
ابتسم لها ببرود ثم قال بملامح متضايقة:
- أنا آسف يا ميني كرواسون إني معرفتكش.
قاطعته حياة قائلة بخفة:
- لا آسفك مرفوض. بص، هو قالي مش هيقبل اعتذارك غير لما تاكل منه معايا.
حرك رأسه رافضاً بشدة ثم قال بنبرة عابثة وهو يقترب بشفتيه من شفتيها:
- ما تسيبك من البتاع ده وركزي معايا.
ابتعدت حياة عنه مسرعة ثم قامت بوضع إحدى المعجنات بين شفتيها لتصنع حاجزاً بينهما، ثم غمزت له بإحدى عينيها باستفزاز. ضيق فريد عينيه نحوها ثم رفع إحدى حاجبيه بتحدٍ صامت. هل تجبره على أكلها؟ إذاً فلتتحمل نتيجة لعبها معه. هذا ما فكر به وهو ينحني برأسه ببطء شديد، ثم بدأ يقطم قطعة المعجنات المحتجزة بين أسنانها قطمات صغيرة للغاية بتلذذ وتروٍ شديد وهو ينظر داخل عينيها. تابعت حياة ما يقوم به بشغف كبير وهي تفكر بندم، ليتها لم تتحدّاه، فهي لن تستطيع الصمود حتى ينتهي مما يفعله، كأنه يلتهم شفتيها هي وليس قطعة المعجنات. بدأت أسنانها ترتخي فوقها منتظرة وصوله إليها، خصوصاً وأن إحدى يديه قد تحركت وبدأت تتجول فوق ظهرها بحرية. أسقطت حياة المعجنة من بين أسنانها ثم هتفت باستسلام:
- خلاص خلاص، أنت كسبت. مش عايزّاك تأكلها خلاص.
ابتسم فريد بانتصار ثم التهم شفتيها على الفور. بادلته حياة قبلته بشغف وجنون حتى انقطعت أنفاسها. ابتعدت عنه بعد قليل وهي تلهث، ثم أخذت نفساً عميقاً لتسمح لرئتيها ببعض الهواء النقي. بدأ فريد يوزع قبلاته فوق وجهها وعنقها بنعومة شديدة. غمغمت حياة باعتراض خافت وهي مغمضة العينين محاولة الابتعاد عنه:
- فريد، إحنا تحت.
طبع عدة قبلات متفرقة على طرف فمها ثم سألها هامساً بنبرة مغرية:
- عايزة تطلعي؟
فتحت عينيها على توقف قبلاته تنظر داخل عسليته، والتي استحالت للون الداكن من شدة مشاعره، فرأت وميض الرغبة بهما. حاولت إيجاد إرادتها للاعتراض، وقبل فتح فمها للموافقة، سبقتها رأسها تتحرك رافضة دون وعي منها. كان ينتظر هو إجابتها تلك ليبدأ بمشاعره تسطير عشق من نوع آخر، عشق خاص بهم لم تعلمه إلا يده ولم تحبه سوى منه.
في الصباح، استيقظ كل من فريد وحياة على رنين هاتفه الذي دوى داخل الغرفة معلناً عن ورود اتصال جديد إليه. مد فريد ذراعه ليسحبه من فوق الكومودينو ثم أجاب بصوته الناعس بعدما علم هوية المتصل:
- إيه الجديد؟
أجابه سمير قائلاً بحماس:
- خدت أول 4 أيام يا باشا، وغالباً هيتجدد لها تاني بعدهم.
هنا اعتدل فريد من نومته ثم قال بشراسة آمراً، وقد استعاد كامل وعيه بعد سماع ما أرضاه:
- نفذ اللي اتفقنا عليه والنهارده. وارجع بلغني.
استمع إلى موافقة رجله الأمين ثم أغلق الهاتف ووضعه مكانه، ثم عاد ليستلقي فوق الفراش مرة أخرى. سألته حياة بصوتها المتحشرج بسبب النعاس مستنكرة:
- فريد! أنت مش هتروح الشغل؟
أصدر صوتاً من حنجرته يدل على النفي ثم قال وهو يقترب منها بنبرة طفولية تائهة:
- عايز أنام في حضنك شوية، ينفع؟
فتحت ذراعيها وهي تبتسم وتحرك رأسها له موافقة وعيناها تلمعان بحب. أخفى رأسه في المسافة الواقعة بين كتفها وعنقها مغمضاً عينيه ومستمتعاً بالهدوء الداخلي الذي يجتاحه منذ البارحة من بعد سماعه اعترافها بحبه. ياله من حلم بعيد ظل أياماً وأياماً يركض إليه ويسعى إلى تحقيقه حتى أصبح اليوم حقيقة ملموسة بين يديه. المرأة الوحيدة التي أحبها في حياته والتي وقع في غرامها منذ اللحظة الأولى التي رآها فيها، أصبحت الآن ملكه بقلبها وعقلها وجسدها. تنهد بارتياح شديد ثم سألها بصوت مكتوم:
- حياة، أنا مش بحلم صح؟ يعني كل اللي حصل بينا من امبارح ده حقيقة؟
حركت ذراعيها تحاوطه وتشدد من احتضانها له لتطمئنه، ثم قامت بطبع قبلة ناعمة فوق مقدمة شعره قبل أن تستند بذقنها فوق رأسه متمتمة بحب:
- لا يا حبيبي، مش بتحلم. أنت هنا دلوقتي ونايم جوه حضني بعد 4 أسابيع اتحرمت فيهم منك.
لاحت ابتسامة سعادة فوق شفتيه ثم سألها مازحاً:
- أنتي عداهم؟
أجابته بجدية شديدة:
- باليوم. لا بالساعة كمان. صدقني لو قلتلك معرفش عدوا عليا إزاي. بس كنت بصحى كل يوم على أمل إن النهارده تحصل معجزة ترجعنا لبعض زي الأول.
طبع قبلة فوق عنقها ثم غمغم قائلاً بضيق:
- كله بسببهم.
صمت لوهلة ثم أردف يقول بهدوء:
- حياة، عايز أقولك على شوية حاجات حصلت.
قالت وهي تمسح فوق شعره بحنان:
- قول يا قلب حياة.
أخذ نفساً عميقاً ثم قال بهدوء:
- أنا عارف إني اتأخرت في الخطوة دي، وعارف إن تأخيري ده كان السبب في خسارة حاجة مهمة أوي لينا احنا الاتنين. بس مكنش ينفع أتحرك وأوقف نجوى عند حدها وأنا مش ماسك حاجة في إيدي أو أوعدك بحاجة مش متأكد منها. عشان كده كل مرة كنتي بتسأليني هعمل إيه معاها مكنتش بلاقي رد. وعشان كده برضه كنت سايبها تغلط كمان عشان أخلص منها بشكل نهائي. بس دلوقتي أقدر أقولك إن نجوى اتقبض عليها.
وانها مش هتقدر تتدخل فى حياتنا تانى ولا هتعمل مشاكل.
شعر بجسدها يتصلب تحت ذراعه بمجرد ذكره لاسمها، فأردف يقول بنبرة متفهمة:
- أنا عارف إنك بتضايقي من سماع أي حاجة عنها.. بس أنا عايز أحكيلك على كل اللي حصل.
رغم انقباضة صدرها التي شعرت بها بمجرد سماعها لاسمه، إلا أن سعادتها لطلبه مشاركتها طغت على ضيقها منها، لذلك تحدثت تقول بنبرة مختنقة من السعادة:
- طول ما أنت معايا مفيش حاجة ممكن تضايقني.
ابتسم بانتشاء لشعورها ذلك، فأردف يقول بهدوء:
- هي حصلت حاجات كتير مش عارف أرتبها، هحكيها لك زي ما هي. أولها.. إن نجوى كانت السبب في حادثة التسمم بتاعتك. في الأول أنا شكيت في جيهان، بس بعدها الراجل اللي اعترف على عزة كلامه وداني في سكة تانية. في الأول كان صعب أعرف هي مين، بس بعد كده بدأت خطواتنا كلها تروح في اتجاه نجوى، رغم إنه عطاني اسم مستعار. وطبعًا شكي زاد لما لعبت في ملفك. وبعدها اتأكدت، بس مكنتش عارف أوصل لدليل لأنها كانت مأمنة نفسها كويس. بس في الأخير عرفنا نوصلها. حياة نجوى عملت حاجات كتير وحشة أوي، وآخرها إن نجوى خلت نيرمين مدمنة عن قصد.
شهقت حياة بصدمة ثم سألته بعدم تصديق:
- تسممي أنا!!! وبعدين نجوى ونيرمين!!! بعد اللي عملوه فينا سوا!!! مش معقول!!!
حرك رأسه داخل تجويف عنقها مؤكداً، ثم اردف يقول بنبرة متصلبة:
- تخيلي.. لولا إن الولد اللي اتفقت معاه عليها اعترف ليا، يمكن كنت استغربت زيك. بس أقولك بصراحة.. هي دي نجوى. طول عمرها بتعمل كل حاجة لمصلحتها وبس. عمرها ما حبت ولا هتحب حد غير نفسها. عرفتي بقى أنا ليه بكرهها!
أجابته بخجل لا تصدق ظنونها بهم سوياً في يوم من الأيام:
- عرفت.. طب ونيرمين حصل فيها إيه؟
أعاد رأسه للخلف حتى يتسنى له رؤية خجلها الذي ظهر واضحاً في نبرتها، ثم قام بطبع قبلة متفهمة فوق ذقنها وعاد ليخفي رأسه داخل عنقها مرة أخرى مستطرداً حديثه:
- نيرمين بقالها حوالي أسبوعين في مصحة. أكيد جيهان مش هتسيب بنتها تضيع منها. ونجوى اتحبست ٤ أيام على ذمة التحقيق بعد ما اللي اجرته عشان يسممك اعترف عليها، وبعد ما اتمسكت في المطار بمخدرات. بس وحياتك عندي لهدفعها تمن اللي عملته فيكي، واللي عملته في ابني اللي ملحقتش أفرح بيه بسببها هي ونيرمين.
أجفلت حياة وتوقفت يدها عن تمسيد شعره، ثم قالت بتوسل:
- فريد.. عشان خاطري انساها بقى. بص مادام أنت معايا أنا مسامحة الدنيا كلها. كفاية أنت عليا وكفاية إننا نعيش سوا مبسوطين.
لم يقتنع بحديثها بالطبع، فأردف يقاطعها معترضاً:
- لو انتي مسامحة أنا مش مسامح في فرحتي اللي ضيعوها مني قبل ما أعرفها.
أبعدت جسدها عنه قليلاً حتى تستطيع رؤيته، ثم قالت بنبرة شبه متوسلة:
- عشان خاطري انساهم. لو بتحبني بجد انساهم. أنا عايزة أبدأ صفحة جديدة من غيرهم. من غير خططهم ولا غلهم ولا إني حتى أسمع اسمهم بينا. فريد طول ما أنت بتفكر فيهم هما هيفضلوا بينا، ولو فضلوا بينا مش هنعرف نرتاح ولا نعيش حياتنا طبيعية. عشان خاطري وحياة أغلى حاجة عندك انساها عشان ربنا يكرمنا من جديد ونقدر نفرح.
لم يعقب على حديثها، ولكنها رأت لمحة من اللين في نظراته، فاستطردت تضيف وهي تعود لتحتضنه بحب وتقبل رأسه:
- وحياة أولادنا اللي إن شاء الله ربنا هيفرحك ويعوضك بيهم. أوعدني على الأقل متعملش حاجة من غير ما تقولي في الموضوع ده بالذات. لأنه يخصني زي ما يخصك.
تنهد فريد مستسلماً، ثم قال على مضض بعدم اقتناع:
- أوك.. عشان خاطرك هأجل الموضوع ده شوية.
كانت تعلم أن جملته تلك هي أقصى ما ستصل إليه اليوم، لذلك تقبلته برضا، ثم غمغمت بعشق:
- يسلم خاطرك.. ربنا ميحرمنيش منك أبداً.
أجابها فريد بحب:
- ولا منك يا حياة قلبي.
بعد عدة دقائق من الصمت، استوعبت حياة كل ما تفوه به فريد، هتفت اسمه بتفكير:
- فريد!!!.. عايزة أقولك حاجة. أنت فاكر بليل لما قلتلك وائل كان عايز يقولك حاجة بخصوص نيرمين وأنا وقفته. تفتكر عرف عنها حاجة وكان عايز يبلغك؟!!! أكيد ده السبب اللي خلاه يكلمني.
أخذ فريد يفكر بتمعن في حديثها، ثم قال بهدوء:
- ممكن.. خصوصاً إن حاول بعدها كذا مرة يكلمني. عمتا هبقى أفضى في يوم وأكلمه أشوف عايز إيه. بس خليكي انتي بعيدة عنه وعن الموضوع ده، فهماني!!!
ابتسمت حياة لغيرته الخفية، ثم قالت موافقة، ففي كل الأحوال لم ترد أحزانه من أجل لا شيء:
- حاضر والله مش هدخل في حاجة تاني. أنا وعدتك وبعدين أنا اتعلمت درسي خلاص.
اعتلت ثغر فريد ابتسامة رضا بعدما استشعر صدق حديثها ونبرتها، ثم اردف يقول بنبرة خجلة:
- حياة.. عايز أعترفلك بحاجة كمان.
اعتراف آخر منه!!! إنه حقاً يوم سعدها. بالطبع تريد الاستماع إلى كل اعترافاته وكل مكنونات صدره بلا توقف، لذلك قالت مندفعة بحماس:
- أنا سامعاك بقلبي وروحي، ولو عليا مش عايزاك تبطل كلام.
شدد من احتضانه لها، ثم قال دفعة واحدة:
- دادا آمنة هي اللي ساعدتني أوصلك. وكل الكلام اللي حصل بينك وبينها كان باتفاق بينا. بصراحة لما شافتني هتجنن عليكي كده ومش عارف أوصل لمكانك، هي قالتلي إن ليكي زميلة في مدينة تانية ساعات كانت بتقعد عندكم أيام الدراسة وممكن انتي تلجأيلها بما إنها مش من هنا. وفعلاً بعتت حد يتأكد من كلامها، ولما بلغني إنك عندها جتلك على طول. بس قبلها مامتك قالتلي أعمل عليكي التمثيلية دي عشان دي الحاجة اللي كانت هترجعك معايا.
شهقت حياة بذهول، ثم قال بعدم تصديق:
- ماما!!! وأنت!!! بجد!!! يعني أنت مهددتهاش!!! ولا كان في حد عايز يطلعها من البيت؟!!!
أصدر صوتاً من حنجرته يدل على النفي، فأردفت حياة تقول بتأكيد:
- آه طبعاً وأنا مستغربة ليه. أصلاً ماما طول عمرها في صفك وكان لازم تساعدك.
صمتت قليلاً، ثم استطردت قائلة بعدما تغيرت نبرتها للخجل هي الأخرى:
- فريد عارف.. بصراحة أنت مكنتش محتاج تقولي أي حاجة. أنا من أول لحظة شفتك فيها قدامي هناك كنت عارفة إني هرجع معاك من غير ما تطلب. لأن كان فيه جزء جوايا بيتمنى كده، والحمد لله إنه اتحقق حتى لو كان التمن صعب علينا. كفاية إني معاك دلوقتي.
تنهد فريد بحرارة وابتعد عنها قليلاً، رافعاً رأسه في اتجاهها، ثم بدأ يقبلها بحنان. بادلته حياة قبلته بعشق ورغبة، حتى ابتعد عنها، ثم قال بعيون داكنة:
- في حاجة أخيرة لازم تعرفيها.
لم تجد صوتها لتجيبه، فقط أومأت برأسها مستمعة، فتنحنح هو قائلاً بجدية شديدة:
- حياة.. أنا عايزك تعرفي كويس وتتأكدي إني عمري ما لمست واحدة قبلك. لا بإرادتي ولا غصب عني. لا وأنا واعي ولا غلطة. فاهماني. وبعدين حياة العك دي كلها أنا سبتها من ساعة ما تعبتي.
أومأت له رأسها موافقة بخجل، ثم تمتمت بإحراج قائلة:
- بس أنت عمرك ما قلتلي ده.
أجابها مبتسماً وهو يتأمل احمرار وجنتيها:
- واديني بقولك أهو. أنا من زمان وعدتك إني عمري ما هتجوز واحدة غيرك. وأنا عند وعدي لآخر يوم في عمري.
عانقته حياة بحب وأخفت وجهها في كتفه وهي تغمغم بصوت مختنق من السعادة متأثرة بحديثه:
- أنت عارف.. أنا كل يوم بتأكد إن قراراتك هي اللي صح. وأولهم إنك صممت نتجوز حتى لو غصب عني. عشان وقتها أنا كنت غبية وبعاند نفسي قبل ما بعاندك. فريد أنا بحبك بجد.
شدد هو من لف ذراعيه حولها، ثم أجابها بهيام:
- وأنا بحبك أكتر يا قلب وروح وعقل فريد.
طبعت قبلة فوق وجنته، ثم تمتمت بدلال:
- ربنا يخليك ليا.
*************
في المصحة، خرجت جيهان من غرفة الطبيب المعالج لابنتها وهي تجر أذيال الخيبة وراءها. فبعد مرور ما يتعدى الأسبوعان لا يوجد أي تحسن ولو طفيف في حالتها، وها هو الطبيب يخبرها الآن بعدم استجابتها للعلاج، أو بالأدق عدم رغبتها في تقبل العلاج أو استعدادها للشفاء من هذا الإدمان. لماذا حدث ذلك لابنتها، بينما ابن غريمتها على قيد الحياة يتمتع بكل تلك السلطة والنفوذ والصحة؟!! هذا ما فكرت به بحقد وهي تتذكر زيارتها لمنصور الجنيدي منذ عدة أيام، وكيف أقنعته حتى يعطيها مهلة إضافية من أجل خطة تهريبه، بعدما شرحت له نيتها في قتل فريد. وبالطبع وافقها بحماسه، فهو من زج به داخل الحبس من الأساس، وفي النهاية هو أيضاً يريد الانتقام. هزت رأسها بحسم: نعم لن تتوانى عن الخلاص منه. ستنهي حياته ثم حياة غريب بعدها، وتأخذ إرثها وابنتها وتترك البلد بأكملها. ولكن أولاً، وقبل كل شيء، عليها التخطيط جيداً حتى تكلل خطتها بالنجاح دون أي أخطاء.
*************
في الصباح التالي، وبالتحديد في مشفى السجن العام، خطى فريد داخل إحدى العنابر المحجوزة بها نجوى بخطوات ثابتة. دلف الغرفة وتوقف أمامها يتأملها وهي غافية بضعف فوق أحد الأفرشة القذرة في غرفة تملؤها رائحة الرطوبة والعفن، ويتشاركها معها عدد من المرضى الآخرين. انحنى بجزعه فوقها، ثم همس اسمها بنبرة خفيضة لإيقاظها، فالتفت برأسها تنظر نحوه في الحال. فيبدو أنها لم تكن غافية من الأساس، أو ربما هذا ما خُيّل إليه. حدقها بعده نظرات محتقرة يتأمل كل ما وصلت إليه، خاصة وهي تهتف اسمه بعدم تصديق كأنه طوق نجاتها:
- فريد!!!
هز فريد رأسه موافقاً، ثم قال بشماتة:
- أيوه فريد اللي اتبليتي عليه وزورتي صورة وامضته عشان تخربي بيته. إيه رأيك وانتي مرمية كده وسط الزبالة من غير حد يسأل عليكي؟ جربتي إحساس حياة اللي كنتي عايزة تسمميها وتخلصي منها؟
جحظت عيني نجوى للخارج، ثم هتفت بعدم تصديق:
- أنت!!!
هز فريد رأسه بشراسة وهو يرمقها بنظرات كارهة قائلاً بنبرة عدائية شديدة:
- عارفة أنا جيتلك ليه مع إني مش طايق أشوف وشك؟ عشان فريد لما بيعمل حاجة مبيستخباش زي الفار. بيواجهه.
انحنى برأسه أكثر حتى وصل إلى أذنها، ثم اردف يقول هامساً بداخلها:
- كده حق حياة ونيرمين، رغم إن حق نرمين ميهمنيش. فاضل حق ابني اللي راح بسبب خطتك القذرة. وصدقيني لولا وعد قطعته لحد مهم عندي، كان زمانك بتدفعي تمنه دلوقتي كمان.
أنهى جملته تلك واعتدل في وقفته، ثم رمقها بعدة نظرات مشمئزة قبل مغادرته ذلك المكان بأكمله.
رواية متى تخضعين لقلبي الفصل الثالث والثلاثون 33 - بقلم شيماء يوسف
بعد مرور شهر جلست جيهان السكري بتأفف أمام نجوى في موعد الزيارة الرسمية والمحددة من قبل قطاع السجون، تسألها بنفاذ صبر:
- خير يا نجوى؟ سعيد قال لي إنك طالبة تشوفيني ضروري؟
حركت نجوى رأسها يمينًا ويسارًا باضطراب واضح، ثم أجابتها وهي تقضم أظافرها بتوتر:
- آه يا طنطتي، أنا طلبت من بابي يكلمك في الزيارة اللي فاتت لما لقيتك مش بتسألي عليا ولا فكراني.
قالت جيهان مبررة وهي تشعر بالاشمئزاز من ذلك المكان، والذي اضطرت للمجيء إليه بعد توسلات سعيد لها:
- ما أنتي عارفة يا نجوى الظروف اللي أنا بمر بيها مع نيرمين، أكيد يعني عندك خبر نيرو حصل فيها إيه؟
حركت نجوى رأسها بتوتر عدة مرات يمينًا ويسارًا في حركة أصبحت ملازمة لها في الآونة الأخيرة، ثم هتفت متسائلة بتوجس:
- هي عاملة إيه دلوقتي؟ هتخف ولا لأ؟ قصدي يعني العلاج جاب نتيجة؟
استرعى انتباه جيهان حالة الاضطراب التي تتحدث بها نجوى طوال الوقت، ترى هل تتعاطى هي الأخرى شيئًا ما؟ حتى وإن فعلت هي لا تهتم قيد أنملة، يكفيها التفكير والاهتمام بابنتها والتي على وشك خسارتها، تنحنحت قائلة باقتضاب:
- كويسة، بس يا ريت تقولي لي إيه الحاجة اللي عاوزاني فيها عشان ألحق أمشي.
التفتت نجوى حولها للمرة الأخيرة مما جعل جيهان تتوجس منها، ثم أشارت لها بيدها للاقتراب منها وانتظرت حتى فعلت جيهان، ثم قالت هامسة أمام وجهها بابتسامة شديدة الاضطراب:
- بابي هيهربني، كمان يومين بالظبط هيخرجني من هنا بـ فكرة التسمم اللي حصلت لي المرة اللي فاتت، وبعدها هروح معاه إيطاليا ومش هرجع مصر تاني.
عقدت جيهان حاجبيها معًا باستنكار، هل تلك فعلًا نجوى التي تتحدث إليها؟ كيف أصبحت بلا حذر هكذا؟ هذا ما فكرت به وهي تنظر نحوها بتوجس حتى تتأكد من عدم استماع أحد لهم، ثم قالت بعدم اهتمام:
- طب وأنا مالي؟
صاحت بها نجوى بحدة جعلت بعض المسجونات يلتفتون إليهم:
- يعني إيه مالك؟ إحنا مش بينا اتفاق؟
همست جيهان بنبرة خفيضة:
- ششششش، وطّي صوتك، هتفضحينا، وبعدين اتفاق إيه ده؟
عادت نجوى لتقضم أظافرها بتوتر، ثم قالت بنبرة خفيضة:
- إننا نخلص من حياة الزفت دي وأتجوز فريد!
أجابتها جيهان معترضة:
- فريد إزاي وإنتي بتقولي هتهربي بره البلد؟
أجابتها نجوى بحدة:
- مش شغلك، إحنا بينا اتفاق ولازم يتنفذ.
عادت لتقترب بوجهها من جيهان، ثم قالت هامسة:
- فريد هو اللي رماني هنا، وهو اللي عمل كده، ده بينتقم مني عشان أنا اللي سممت حبيبته.
جحظت عينا جيهان للخارج، ثم همست مستنكرة:
- مش معقول! إنتي يا نجوى؟
حركت نجوى رأسها مؤكدة وهي تبتسم بانتصار، ثم أردفت وهي تعود لوضع أظافرها تحت أسنانها:
- عشان كده أنا لازم أنتقم منه، لازم أموتها وأحرق قلبه عليها وبعد كده أسافر وأخده معايا، وإنتي هتساعديني.
- أساعدك! نجوى إنتي بتقولي إيه؟ يسافر معاكي إزاي وإنتي بتقولي أنتقم منك عشانها؟
هذا ما تساءلت به جيهان بتعجب وهي ترمق نجوى بنظرات متوجسة.
صاحت نجوى بها مرة أخرى معنفة:
- أيوه هيسافر معايا، هو بيحبني أنا بس مش عارف، ولما هي تموت هيفهم ده.
عادت جيهان بجسدها للوراء قليلًا، تتأمل نجوى وطريقتها غير المتزنة، ربما يمكنها الاستفادة منها وهي في تلك الحالة، نعم هذا ما ستفعله، فحركات جسد نجوى بأكملها مريبة، ستستخدمها في القتل بدل تلويث يدها بنفسها.
- ماشي، موافقة بس بشرط، مليش دعوة بخروجك من هنا.
كانت هذه الجملة هي ما تفوهت به جيهان بمكر وقد عقدت النية على تنفيذ خطتها في أسرع وقت، أجابتها نجوى بحماس:
- لا هروبي بابي مرتبه، فاضل إنتي بس تنفذي اللي هنتفق عليه بس في خلال 3 أيام من دلوقتي وبعدها معاد طيارتي أنا وفريد.
غضت جيهان الطرف عن جملتها الأخيرة، ثم قالت هامسة:
- اتفقنا، أنا كده كده كنت مرتبة حاجة في دماغي، دلوقتي بس محتاجة أسرعها شوية.
تحركت نجوى واقفة، ثم قالت بتوتر:
- يومين بالظبط وهتلاقيني قدامك نرتب هنخلص منها إزاي.
وافقتها جيهان، ثم سحبت حقيبة يدها مستعدة للخروج ورأسها يعج بألف فكرة وفكرة، يبدو أن القدر يسير معها، فها هو منصور قد أعطاها عنوان مخزن الشركة القديم ووضعه تحت تصرفها مع عدد من رجاله، والآن نجوى على استعداد لقتل حياة، ويمكنها بحيلة بسيطة جعل رصاصة أخرى طائشة تخرج من يدها بالخطأ لقلب فريد.
***
في المساء وبعد تناول وجبة العشاء جلس كلا من فريد داخل غرفة المعيشة، وجلست حياة بجواره تستند برأسها على كتفه وتحتضن يدها كفه وهي تشاهد بشغف أحد أفلامها العربية المفضلة، تململ فريد في جلسته جوارها، ثم هتف اسمها بضجر:
- حياة حبيبتي، إنتي أول مرة تشوفى الفيلم ده؟
أخرجت صوتًا من حنجرتها يدل على النفي، وهي لا تزال تتابع بتركيز واندماج شديد، في تلك الأثناء دلفت عفاف تحمل بكلتا يديها صينية القهوة، ثم قدمتها إلى فريد مستفسرة وهي تنحني بجذعها لتضعها فوق الطاولة الموضوعة أمام الأريكة الوثيرة:
- فريد بيه، تؤمر بحاجة تاني؟
أجابها فريد بنفاذ صبر:
- لا يا دادا.
رفعت عفاف رأسها تنظر نحوه بسعادة، أعوام منذ قرر الانفصال عن والده والعيش بمفرده وهي تعمل في خدمته وعلى راحته، وتلك هي مرتها الأولى التي تسمعه يطلق عليها لقب مثلما تفعل زوجته، آه من زوجته تلك التي جعلت البسمة لا تفارق وجهه منذ عدة أسابيع، تنهدت عفاف بارتياح وهي تعتدل في وقفتها، ثم وجهت حديثها هذه المرة لحياة تسألها هي الأخرى:
- حياة يا بنتي، تحبي أعملك حاجة إنتي كمان؟
أجابتها حياة بودها المعتاد وهي ترفع رأسها من فوق ساعد فريد:
- لا يا دادا تسلمي، لو مش وراكي حاجة تعالي اتفرجي على الفيلم معانا.
اتسعت ابتسامة عفاف من مجاملة مخدومتها الرقيقة والمراعيه، فالطالما كانت تتميز بالأدب والتواضع، ثم قالت بامتنان شديد:
- يسلم خاطرك يا بنتي، بس لو مش محتاجين حاجة تاني اسمحي لي أروح بدري أرتاح.
في الواقع لم تكن عفاف متعبة أو شيء من هذا القبيل، ولكنها في الفترة الأخيرة كانت تتعمد كلما سنحت لها الفرصة بإعطائهم المساحة الخاصة بهم، خصوصًا بعد عودة فريد من عمله بعد صلاح الأحوال بينهم في الفترة الأخيرة، أجابتها بابتسامة متفهمة:
- لا يا دادا اتفضلي، وخلي سارة كمان تروح، لو احتاجنا أي حاجة أنا موجودة.
أومأت لها عفاف موافقة، ثم تحركت للخارج مختفية عن الأنظار، انتظر فريد حتى خرجت عفاف من الغرفة، ثم جذبها من خصرها لتجلس داخل أحضانه، ثم تحدث متذمرًا بملامح وجهه ممتعضة:
- يا سلام! هو أنا عارف آخد راحتي مع الفيلم اللي مصممة تتفرجي عليه ده عشان تخلي عفاف تقعد معانا كمان؟
ابتسمت حياة من تذمره الطفولي، ثم رفعت كفها تتلمس بأناملها ذقنه، ثم قالت بنعومة لتراضيه:
- يا حبيبي هي عمرها ما هتقعد معانا، إنت أكتر واحد عارف إنها بتتحرج، أنا بس بحاول أحسسها إنها منا مش غريبة، كفاية عليا إنها من ساعة ما رجعت وهي جنبك وعمرها ما باعتك رغم الظروف في الوقت اللي كله ممكن يعمل أي حاجة عشان الفلوس.
تهدج صوتها حزنًا في جملتها الأخيرة، فعلم فريد ما ترمي إليه، بالطبع ما زالت حزينة مما فعلته بها تلك المدعوة نيرمين، فرغم كل شيء هو يعلم أن نية زوجته كانت الخير والذي قابلته أخته بالشر والمكيدة، رغم اعتراضه لذلك، تحدث مسرعًا ومحاولًا تغيير مجرى الحوار:
- إنتي واخده بالك إن البيت فضي علينا ولا إيه؟
قال جملته تلك بنبرة عابثة جعلت الاحمرار يغزو وجنتها، ثم تحدثت بخجل:
- فريد لو سمحت خليني أركز في الفيلم، وبعدين كنت عايزة أكلمك في حاجة كده.
سألها وهو يبتسم من خجلها والذي لا يزال يلازمها حتى الآن:
- قولي أي حاجة بدل الملل اللي أنا فيه وإنتي حبساني جنبك كده.
تحولت ملامحها ولكمته فوق كتفه برقة قائلة بمشاكسة:
- متقولش على فيلمي اللي بحبه ملل، وبعدين إنت مش ناوي تحن عليا وترجعني الشغل معاك تاني؟ فريد أنا بجد زهقانة أوي.
أجابها معترضًا باسترسال:
- إيه لازمة الشركة وإنتي كده كده بتعملي اللي بحتاجه من البيت، وكمان إنتي عارفة سبب طلبي نزولك في الأول، بس دلوقتي خلاص، بقيت أقدر أسيبك هنا وأنا مطمن.
جعدت أنفها، ثم قالت بإحباط:
- تمام، أنا عارفة إني بعمل اللي تحتاجه هنا وبساعدك بليل، بس برضه طول اليوم حاسة بملل خصوصًا إني مش بخرج تقريبًا وإنت مش بترجع غير بليل، وأنا اتعودت إني أكون معاك على طول، حتى لو مش شايفاك، إحساس إني معاك في مكان واحد وبتنفس الهوا اللي إنت بتتنفسه بيطمني، وبعدين أعمل إيه بقى؟ إنت بتوحشني والكام ساعة اللي بشوفك فيهم مش بيكفوا ولا بحس إني أشبع منك.
تنهد باستسلام وهو ينظر داخل عينيها بهيام قائلاً بلين شديد:
- والله أنا ما عارف أثبت على موقف معاكي، كل ما أقول على حاجة برجع فيها ومش بنفذها بسبب كلامك ده.
اتسعت ابتسامتها، وأخفت رأسها داخل عنقه وهي تغمغم بسعادة وحب:
- إنت أحلى فريد في الدنيا، ربنا يخليك ليا وميحرمنيش من نفسك اللي مخلي لحياتي معنى.
طبع قبلة فوق شعرها رداً على حديثها، ثم عاد ليقول بهدوء:
- طب خليني أقوم ألعب شوية لحد ما تخلصي الدراما اللي مصممة تشوفيها دي وأرجعلك.
شدت من لَف ذراعها حول عنقه وتشبثت به كطفل صغير وهي تهتف معترضة بلهفة:
- لا، عشان خاطري خليك معايا، مش عايزة أبعد عنك، وبعدين حد مبيحبش فيلم دعاء الكروان وقصة حب آمنة والباشمهندس اللي اتحولت من كره لحب وهو اتغير بسبب حبها؟
سألها فريد مشاكساً:
- وإنتي بقى بتحبي الفيلم عشان كنتي بتكرهي الباشمهندس زي آمنة؟
رفعت رأسها واقتربت منه، ثم أحاطت وجهه بكفيها قائلة بعشق وهي تحدق داخل عسليتيه:
- لا، أنا الباشمهندس بتاعي بحري واللي في الفيلم كان ذراعي ده أولًا، يعني، وبعدين أنا بحب الباشمهندس بتاعي من أول ما عينيّ وقعت عليه، عمري ما كرهته.
اه كنت زعلانه منه او بالأدق من نفسي لكن اكرهه ازاي وهو نفسي اللي بتنفسه!
ومضت عينيه بسعادة وهو يستمع إلى حديثها المحب والذي باتت تغدقه به يوميًا حتى أصبح كالادمان بالنسبة إليه. تنهد بحرارة وهو ينظر إلى عينيها التي تضوي ببريق خاص لا يلمع إلا له، ثم غمغم قائلاً بصوته الأجش:
- أنا بقول خليني أقوم أحسن.
امتعضت ملامحها ثم قالت متصنعة الضيق:
- والله! على فكرة أنت بتهرب عشان تروح تلعب، أنا عارفة. وحشتك الأوضة بتاعتك اللي مش بتخلي حد يدخلها دي.
رفع فريد إحدى حاجبيه مستنكراً وهو ينظر إليها باندهاش، ثم هتف بعدم تصديق:
- الأوضة بتاعتي ومش بخلي حد يدخلها! طب إيه رأيك هقفل ورايا فعلاً عشان يبقى بجد محدش يعرف يدخلها.
هتفت حياة مسرعة لتثنيه عن قراره:
- لا خلاص بهزر.
صمتت لوهلة لتفكر بخبث، ثم قالت بدلال متصنع:
- خلاص مش هحرمك. مادام أنت مش عاجبك الفيلم روح.
قطب حاجبيه معاً بارتياب وهو يسألها بتشكك:
- حياة.. انتي متأكدة؟
أجابته بعدما طبعت قبلة رقيقة فوق وجنته:
- آه متأكدة. أنا عارفة قد إيه أنت بتحب الرياضة، وأكيد هبقى عايزة أك تعمل اللي أنت بتحبه.
رمقها بنظرة تشكك أخيرة، فأردفت تقول بمكر:
- أنت مش عارف إن أهم حاجة عندي تكون مبسوط ولا إيه. بس بشرط.. لما الفيلم يخلص هتلاقيني قدامك.
طبع قبلة فوق رأسها وهو يبتعد عنها استعداداً لتركها، قائلاً بحماس:
- الفيلم ده طويل ولسه بدري.
ابتسمت له بتصنع وهي تومئ له برأسها موافقة وتلوح له بيدها مودعة حتى اختفى من أمامها. انتظرت حتى قام بتبديل ملابسه ودلف غرفته المفضلة، ثم تحركت من مقعدها وداخلها يتوعد له.
بعد أقل من نصف ساعة على اختفائه بداخلها، وقفت حياة أمام باب غرفته الرياضية تأخذ نفساً عميقاً بعدما تأكدت من مظهرها للمرة الأخيرة في مرآة الاستقبال، ثم فتحت باب الغرفة ودلفت بهدوء حافية القدمين. تسمرت نظرات فريد فوقها وتوقفت ذراعه التي كانت تحمل أحد الأوزان عن الحركة انبهاراً بما يراه أمامه. شعر بأنفاسه تتسارع وحرارة جسده ترتفع تدريجياً وهو يتأمل مفاتنها البارزة بوضوح. مرر عينيه ببطء شديد يتفحص رداء النوم الأسود الذي تقف به أمامه، والذي يتناسب تماماً مع بشرتها الحنطية الناعمة، ويكاد يغطي خصرها ببضعة إنشات قليلة ويكشف عن ظهرها بأكمله مع فتحة عنق منخفضة. أما عن شعرها، فقد رفعته للأعلى ثم تركته ينسدل حتى مقدمة ظهرها بحرية ونعومة. ابتسمت حياة بانتصار وهي تتقدم منه بهدوء شديد، فنظرة عينيه الداكنتين تفصح عما يدور بداخله بوضوح. توجهت نحوه بابتسامة مشرقة حتى توقفت أمامه، ثم قالت بتمثيل:
- حبيبي.. أنا عارفة إن لسه قدامك وقت، بس أنا عايزة أنام فجيت أقولك تصبح على خير.
أنهت حديثها بالوقوف على أطراف أصابعها العارية وطبعت قبلة ناعمة للغاية فوق وجنته جعلت رائحة عطرها تتسلل إلى أنفه وتزيد من اضطراب أنفاسه. ابتعدت عنه حياة ببطء قائلة بنعومة:
- محتاج مني حاجة قبل ما أنام؟
لم يجيبها فريد، بل انحنى بجذعه يضع أحد الأوزان التي كان يحملها فوق الأرضية، ثم عاد واعتدل في وقفته قبل أن يسألها مستفسراً بصوته الأجش مأخوذاً بفتنتها:
- هتنامي دلوقتي؟ ده الساعة يا دوب ١٠!
تثائبت حياة أمامه بتمثيل وهي تضع كفها فوق فمها لإخفائه، ثم أجابته برقة مفسرة:
- مش عارفة بس زهقت من القعدة لوحدي والفيلم شكله نيمّني ولقيت نفسي بنام وأنا قاعدة، فقلت أطمّن عليك محتاج حاجة الأول ولا لأ.
تنام!! هكذا!! لقد انتظر أياماً حتى يراها ترتدي تلك الأشياء التي اختارها كلها بعناية من أجلها، والآن تخبره برغبتها في النوم!! بعدما أثارت أعصابه!! وهي بذلك الشكل المدمر!! لماذا لم ترتدي تلك المنامات الطفولية الغريبة كعادتها بدلاً من ذلك الرداء الذي يجعلها كآلة فتنة؟ على ذكر الرداء، هتف فريد بها بضيق متسائلاً:
- حاااياة!!! انتي إزاي تنزلي من الأوضة كده؟ إحنا مش اتكلمنا قبل كده في اللبس بره الأوضة!
نظرت حولها ببلاهة ثم أجابته مبررة:
- حبيبي مفيش حد في البيت غيري أنا وأنت.. وأنا كنت بجربه في الأوضة وكنت هنام على طول، بس مهنش عليا أنام من غير ما أقولك تصبح على خير.. وبعدين خلاص أنا طالعة أهو.
قالت كلمتها الأخيرة وهي تتلمس بكفها عضلات ذراعه العارية برقة شديدة، ثم أبعدت يدها عنه على الفور. لانّت ملامح وجهه، ثم تحدث بنبرة عابثة وهو يمد ذراعه ليلصقها بصدره ويمنعها من الابتعاد:
- لا تنامي إيه بس.. تعالي عايزك في موضوع مهم.
سألته حياة بهيام وهي تنظر بداخل بندقيته وتمرر كلتا كفيها بنعومة فوق ذراعيه:
- معلش ممكن نأجل الموضوع لبكرة.. يلا عشان مش عايزة أعطلك.
خطوة واحدة هي المسافة التي ابتعدتها عنه، والتي سمحت بها قبضته التي عادت لتشدد من احتضانها لها حتى التصقت تماماً به، ثم قال وهو يخفض رأسه في اتجاهها حتى شعرت بأنفاسه الحارة تلحفها:
- طب مش هتسمعينى حاجة الأول؟
سألته حياة بحب ورقة:
- إيه هي؟
أجابها وهو يتلمس بشفتيه وجنتيها:
- الكلمة اللي بقيت بستنى يومي الجديد عشان أسمعها.
سألته حياة بعشق وهي ترفع رأسها إليه فتلامست شفتيهما معاً:
- أنت مزهقتش منها؟
أجابها مستنكراً وهو يلثم بنعومة شفتها السفلى:
- أزهق منها إزاي وأنا عشت سنين أحلم بشفايفك بتنطقها؟ ده أنا بستنى طول اليوم لحد ما أسمعها.. حد يزهق من الكلمة التي تروي عطش روحه؟
أغمضت حياة عينيها وهي تتنهد بوله، ثم فتحتهما مرة أخرى قائلة بولع وهي تحاوط جانب وجهه الأيمن بكفها وتطبع قبلة عاشقة فوق شطره الأيسر:
- بحبك يا فريد.
ردد فريد من خلفها وهو يضع كفه في منتصف ظهرها العاري:
- وأنا بحبك يا حياة فريد.
تنحنحت حياة متذكرة خطتها قبل إزاحتها لكفه من فوق ظهرها قائلة بخبث وهي تهم للتحرك:
- احم.. تصبح على خير.. وارجع لتمارينك بقى.
أوقفها فريد بلهفة قائلاً بحسم:
- لا أنا خلاص خلصت.
قطبت حياة حاجبيها معاً وهي تسأله محاولة قدر الإمكان كبت ابتسامتها المنتصرة:
- خلصت! متأكد! أنت مكملتش نص ساعة حتى؟
أجابها وقد قطع المسافة بينهم وبدأ يطبع قبلات متقطعة فوق شفتيها:
- تولع التمارين مش وقتها دلوقتي.. هطلع معاكي.
صرخت حياة بانتصار وعيناها تلمع بسعادة:
- هيييه.. كنت عار...
شهقت بندم وهي تعض فوق لسانها من اندفاعه الذي دائماً يوقعها في شر أعمالها. ضيق فريد عينيه فوقها بارتياب للحظات، ثم عض فوق شفته السفلى بتوعد وهو يتقدم منها. ابتلعت حياة لعابها بصعوبة وهي تتراجع للخلف تلقائياً كلما رأته يتقدم منها، ثم قالت بفزع رافعة كفها أمامها بتوسل:
- بص.. نتفاهم.
سألها فريد وهو لازال يتقدم نحوها وتتراجع هي حتى ارتطم جسدها بالحائط:
- نتفاهم على إيه!!! بتلعبى عليا يا حياة!
أنهى جملته تلك وهو يستند بكلتا ذراعيه على الحائط ليحاصرها ويمنع جسدها من الهروب. نظرت حياة إليه بتوجس، ثم انزلقت بجسدها للأسفل محاولة الفرار من أسفل ذراعه. التقط فريد حركتها واخفض جسده هو الآخر معها ليمنعها من الحركة. عادت حياة لتستقيم في وقفتها مرة أخرى، ثم هتفت بتوسل واناملها تتحرك فوق صدره العاري بحرية:
- فريد.. حبيبي.. طيب أعمل إيه! ما أنا بحس إنك بتحب الأوضة دي أكتر مني.. ده جزائي عشان بغير.
سألها فريد بنبرة ناعمة كالحرير وهو يقترب منها ويضغط بجسده فوق جسدها المنتفض:
- بتغيري! من الأجهزة والأوضة!!! وأنا يا روح فريد ميهونش عليا غيرتك.. عشان كده هخليكي تقضي الليلة كلها هنا معايا.
اتسعت حدقتا حياة بذعر، ثم رددت جملته مستنكرة وهي تزدرد لعابها بقلق:
- الليلة كلها!!! هنا!! بس الأوضة مفيهاش تكييف سخن وأنت شايف أنا لابسة إيه!! حبيبي أنت مدرك صح؟
حرك رأسه الملاصق لها مؤكداً على مهل، فأحتكت أنفه بأنفها، ثم قال مؤكداً بنبرة مثيرة:
- متخافيش أنا هدفيّكِ.
فتحت فمها لتجيبه معترضة، فألتهم شفتيها على الفور مبتلعاً أي حديث قد يخرج منه، فالآن ليس وقت الكلام. خفتت مقاومتها شيئاً فشئ حتى تلاشت نهائياً، تاركة له المجال ليفعل بها ما يريد.
بعد فترة جلست حياة معه فوق الأرضية مستندة برأسها فوق صدره وذراعها يحيط خصره. أما هو فقد أحاطها بكلتا ذراعيه يضمها بقوة ويستند بذقنه فوق رأسها. هتفت حياة اسمه بخفوت بعد فترة من الصمت قائلة بنبرة شبه متوسلة:
- فريد.. حبيبي.. ممكن نطلع بقى أوضتنا.
همهم نافياً، ثم أجابها بمكر:
- لا الأوضة هنا عجبتني مفيش غير أنا وأنت.. وأنتي عارفة أنا قد إيه بحبها ومش بخلي حد يدخلها.. يعني خلاص بقت المكان بتاعي أنا وأنت وبس.
لوت حياة فمها بضيق وقد ابتلعت اعتراضها بداخلها، وبعد فترة من الصمت عادت لتقول برقة:
- فريد أنا بردانه.
مد ذراعه يجذب سترته الرياضية والتي وضعها بجوارهم تحسباً، ثم عاد ليحتضنها بعدما ألبسها إياه باهتمام. أما عن كفه فقد بدأت تفرك ساقها صعوداً وهبوطاً لنشر الدفء بهما. أغمضت حياة عينيها وهي تتنهد براحة مستمتعة بذلك الدفء اللذيذ والذي بدأ ينتشر على طول جسدها بفعل لمساته وكنزته الثقيلة التي تحمل رائحته بداخلها. سألها فريد باهتمام مستفسراً:
- لسه بردانه؟
رفعت رأسها تنظر إليه، ثم قربت أنفها من أنفه وأخذت نفساً عميقاً قائلة بحب بعدما حركت رأسها نافية:
- مش هبرد في مكان أنت فيه.
توقفت يده عن العمل للحظة مشدوهاً بجملته، ثم عاد ليحرك كفه فوق ساقها وعيونه تومض بسعادة. هتفت حياة اسمه قائلة بدلال:
- فريد.. فاكر لما قلت لي عندك ١١ نظرة ليا.. أنت قلت لي عشرة بس.
أصدر صوتاً من حنجرته موافقاً، فأردفت تقول بترقب:
- طب مش ناوي تقولي على الأخيرة بقى.
تنحنح محاولاً تنقية حلقه، ثم قال بترو:
- بصيلي كويس ومترديش على اللي هقولهولك دلوقتي.
حركت رأسها موافقة بحماس شديد، في انتظار جملته. أخذ نفساً عميقاً ثم قال وهو يحدق داخل حدقتيها المتلألئتين:
"حياة.. أنا بحبك."
ضوت عيناها بلمعة أشبه بالفضة وهي تنظر إليه بهيام.
تنهد هو بإعجاب، ثم قال بصوته الأجش وهو يتأمل عيونها بانبهار:
"النظرة الأخيرة.. نظرة الحب اللي كل مرة بتبصيلي بيها بحس إن الحياة ليها معنى."
ارتسمت ابتسامة واسعة فوق شفتيها، ثم قالت بهيام وهي تضم وجهه بكفيها:
"بحبك وهفضل أحبك لآخر العمر.. مهما حد حاول يبعدنا. أنا وانت نفس في رئتين.. روح وتوأمها.. قلب واحد وجوه صدرين.. ضلعك اللي مش بيرتاح غير لما يرجع لك.. حياة فريد."
قاطعها هو يقول بعشق:
"وفريد حياة."
طبعت قبلة ناعمة فوق شفتيه بمجرد نطقه لتلك الجملة، ثم عادت لتقول ببوله:
"بحبك يا فريدي."
تنهد فريد بحرارة، ثم قال وهو يغمزلها بعينيه:
"طب مش هنقوم بقى؟"
سألته بدلال:
"هنروح فين؟"
أجابها بنبرته العميقة الهادئة:
"أوضتنا."
عضت فوق شفتها السفلية بإغراء وهي تحرك رأسها رافضة. رفع فريد حاجبه مستنكراً وهو يحرك رأسه بعدم تصديق. جعدت حياة أنفها بمرح، ثم عادت لتحرك رأسها بإيجاب وهي تقترب بشفتيها منه. فتح فريد فمه للحديث، فقاطعته تقول بهم:
"شششش.. أنت بتتكلم كتير أوي على فكرة."
أنهت جملتها وبدأت تتمسك بزمام الأمور، حتى تدخل هو مستلمًا منها دفة مشاعرهم، والتي يديرها بمهارة عاشق انتظر طويلاً لتحقيق غايته.
في اليوم التالي، جلست جيهان في ذلك المقهى المنزوي عن أعين المارة، والتي اعتادت مقابلة منصور به، تحاول ترتيب كلماتها حتى تصل لغرضها وتنهي ذلك اللقاء كما تريد. هتفت بنبرة قوية واثقة:
"أستاذ عبد السلام.. أنا طلبت أقابلك النهارده عشان أبلغك إن اللي اتفقنا عليه هيتقدم.. هننفذ بعد بكرة على طول.. تمام؟"
سألها والد حياة مستفسراً بنظراته التي كانت دائماً ما تتسم بعدم الذكاء:
"اشمعنى يعني؟ ما احنا كنا مرتبين كل حاجة."
أجابته جيهان بضيق:
"كنا متفقين بس حصل تغيير ولازم يتنفذ بعد بكرة.. في اعتراض؟"
قاطعها عبد السلام قائلاً بلهفة:
"لأ مفيش.. أنا دخلي إيه؟ مادام هقبض خلاص. بس زي ما اتفقنا ملكيش دعوة بالبت."
تململت جيهان باشمئزاز من أسلوبه وطريقته، ثم قالت بهدوء للخلاص من تلك المقابلة:
"زي ما قلت لك.. أنا معنديش مشكلة مع بنتك.. كل اللي يهمني هو ابن جوزي وبس. بس هو حريص أوي ومفيش حاجة هتجيبه تحت رجلي غير بنتك لأنه بيحبها.. ينزل تحت رجلي وخد بنتك معاك."
وافق عبد السلام على حديثها، ثم سأل بلهفة:
"طب وفلوسي؟"
عبثت جيهان بحقيبة يدها قليلاً، ثم أخرجت منها مبلغاً كبيراً من المال ووضعته أمامه فوق الطاولة، ثم قالت بحزم:
"نص المبلغ أهو.. وهتاخد قده لما تجيبهالي."
احتضن عبد السلام الأموال بكلتا يديه، ثم أجابها بوميض إصرار:
"بعد بكرة هتكون عندك."
في مساء اليوم التالي، راقبت حياة بحب شديد زوجها وهو يتحرك داخل غرفتهم بقوته المعتادة. تنهدت بإعجاب وعينيها متعلقة بخطواته الواثقة استعداداً لعشاء عمله المقرر اليوم. التقط فريد نظراتها تلك، فعاد يجلس جوارها فوق الفراش وينحني بجذعه فوقها قائلاً بمرح وهو يدفن رأسه داخل عنقها:
"ما تجيبي بوسة بسرعة قبل ما ألبس."
ضحكت بسعادة وهي تستقبل قبلاته التي بدأ ينثرها فوق عنقها، وهي تغمغم بدلال:
"أنا معنديش أي مانع.. بس كده أنت اللي هتتأخر على معادك."
رفع رأسه حتى أصبح في مستواها، ثم قال بخبث وهو يعود للاقتراب منها:
"مش مهم الميعاد.. خليهم يستنوا."
اتسعت ابتسامة حياة بسعادة وهي تراه يتلمس قربها حتى في خضم أعماله اللامتناهية. قطع تقاربهم رنين هاتف فريد الذي ارتفع مصدراً اهتزازه قوياً على الطاولة الموضوع فوقها. ابتعدت عنه حياة قائلة بهمس:
"حبيبي تليفونك."
زفر فريد بضيق وهو يتحرك لالتقاطه، ثم أجاب باستعجال:
"خير؟"
أجابه الطرف الآخر على مضض:
"فريد بيه.. عندي خبر مش كويس لازم حضرتك تعرفه."
تأهبت ملامح فريد على الفور، وأجابه مقطباً الجبين:
"قول سامعك."
قال الرجل بترقب:
"نجوى.. هربت النهارده من السجن."
انتفض فريد من جلسته وهب واقفاً وهو يهتف بقوة:
"نهار أبوك أسود!! الكلام ده حصل إمتى؟"
أجابه الرجل بتعلثم:
"النهاردة الصبح بعد حادثة تسمم اتنقلت بيها على المستشفى، وبعدها بساعتين اختفت."
هتفت فريد بحدة مستنكراً:
"كمان من الصبح!! ولسه فاكر تبلغني يا غبي!!.. اقفل.. اقفل لما أشوف حل في المصيبة دي."
لم ينتظر إجابة رجله، بل أغلق الهاتف في وجهه وهو يتحرك داخل الغرفة بعصبية. وقفت حياة هي الأخرى تسأله بقلق:
"فريد.. في إيه قلقتني؟"
نظر نحوها بتوتر، ثم أجابها بضيق:
"مش خير يا حياة.. نجوى هربت."
شهقت حياة برعب ووضعت يدها فوق فمها، ثم سألته بنبرة متوجسة:
"يعني إيه؟"
لاحظ فريد ذعرها، فأخذ نفساً عميقاً يحافظ به على ثباته أمامها، ثم أجابها بهدوء وهو يتقرب منها ويحتضنها:
"متخافيش مفيش حاجة.. دلوقتي الشرطة هتقبض عليها تاني.. وأنا من ناحيتي هدور عليها مش هكست."
قاطعته حياة معترضة وهي تلتصق به أكثر:
"لأ مخافش إزاي.. طبعاً لازم أخاف وعليك قبل أي حاجة."
أجابها فريد قائلاً بترو ليطمئنها:
"أنتي عارفة إنها استحالة تعملي حاجة.. أنتي اللي مهم تاخدي بالك. حياة مش عايزك تتحركي من هنا لحد ما أرجع لك.. وخذي بالك من نفسك.. أنا هروح بسرعة ومش هتأخر وهكلم شركة الحراسة تبعت لي ناس زيادة لحد ما يتقبض عليها."
تعلقت حياة به أكثر قائلة باعتراض:
"لأ عشان خاطري.. خليك هنا مش لازم تروح."
زفر فريد مطولاً محاولاً السيطرة على توتره هو الآخر وإقناعها:
"حياة.. أنا مش قايلك قبل كده طول ما أنا معاكي متخافيش؟"
أجابته حياة مستسلمة:
"بخاف عليك غصب عني.. وبعدين مش عايزة أسيبك.. مضمنش ممكن تعمل إيه.. الله يخليك بلاش تروح."
قبل وجنتها بحنان، ثم قال بهدوء:
"مينفعش.. أنتي عارفة أنا محدد الميعاد ده من يومين ومش مهتم إني ألغيه في آخر لحظة.. يرضيكي أطلع قدام الناس مش مسئول."
مطت شفتيها معاً بتفكير لوهلة، وبدأ يظهر على ملامحها، ثم قالت بتأهب:
"أوك بس بشرط.. تكلمني كل ساعة."
استمع إلى جملتها ولم يعقب، فأردفت حياة تقول بنبرة حاسمة:
"فريد بجد لو مكلمتنيش كل ساعة تطمني عليك هتلاقيني عندك.. دي واحدة حاولت تسممني قبل كده يعني مضمنش من غيظها ممكن تعمل إيه تاني."
تنهد فريد باستسلام، ثم قال موافقاً على مضض:
"أوك.. بس في المقابل مش عايزك تتحركي من هنا ولا حتى تنزلي تحت.. تقفلي الأوضة كويس ومتقربيش من البلكونة لحد ما أرجع فاهمة.. وزي ما قلت لك ساعة بالكتير وهتلاقي حراسة زيادة موجودة."
في الحقيقة كان يحاول طمأنة نفسه بما يقول، وليست طمأنتها هي، فهو يخشى عليها كثيراً من غل نجوى وما تستطيع فعله بها. أومأت حياة برأسها موافقة بهدوء، ثم عادت تراقبه وهو يقوم بارتداء ملابسه مرة أخرى بشغف.
تحركت حياة تقف قبالته عندما بدأ في ارتداء ربطة عنقه، ثم قالت بحب وهي ترفع مد ذراعها لإمساكها:
"خليك.. أنا هربطهالك."
اخفض فريد ذراعيه جانباً، تاركاً لها المجال لفعل ما تشاء به. قررت حياة إعادة المحاولة للمرة الأخيرة، ربما يثنيه ذلك عن قراره، لذلك اقتربت برأسها منه وهي تقف على أطراف أصابعها حتى تلمست شفتيه بشفتيها، ثم قالت بنعومة:
"وحشتني على فكرة."
لمعت عينا فريد على الفور استجابة لها، ثم قال بصوته الأجش:
"وإنتي أكتر.. بس مش هينفع دلوقتي."
تبدلت ملامح حياة على الفور وامتعض وجهها، ثم قالت بحدة وهي تبتعد عنه:
"والله!! مش من شوية كان الميعاد مش مهم.. ماشي يا فريد بيه."
ابتسم فريد من تذمرها الطفولي، ثم قال بنبرة ضاحكة وهو يمد يده ليوقفها عن الابتعاد أكثر:
"استنى بس متجريش.. يعني لو قعدت هتعمليلي كل اللي أنا عايزه؟"
أجابته باندفاعها المعتاد:
"آه أي حاجة بس تقعد ومتنزلش."
اتسعت ابتسامته وهو يحرك رأسه يميناً ويساراً بيأس قائلاً بنبرة جدية:
"لو كنتي بتعملي كده عشان عايزني بجد كنت قلت يولع الشغل."
رفع كفه أمام وجهها، ثم استطرد يقول بثقة:
"بس أنا يا حياتي عارفك أكتر من دي وعارف إنك بتعملي كل ده عشان منزلش خوف."
صمت قليلاً ليقطع المسافة بينهم، ثم اردف يقول وهو يقبل طرف فمها:
"بس عشان تعرفي إن أنا مش عايز أبعد عنك.. دي تصبيرة لحد ما أرجع.. ووعد مش هتأخر."
أنهى جملته والتهم شفتيها بين شفتيه بشغف وتملك. بادلته حياة قبلته، حتى ابتعد عنها هو أولاً متمتمًا بنبرة خفيضة:
"أوعي تنامي.. فاهمة.. ساعتين وأرجع لك."
حركت حياة رأسها موافقة ببطء، غير قادرة على إيجاد صوت لمعارضته أو إثارة حنقه كعادتها.
عدّل فريد من وضع ملابسه والتقط هاتفه ومفاتيحه، ثم طبع قبلة مودعة فوق شعرها ووجنتها قبل هبوطه للأسفل استعدادًا للخروج.
بعد حوالي ثلاث ساعات من الانتظار، تحدثت معه خلالها أكثر من ثلاث مرات كما وعدها. سمعت هدير محرك سيارته في الحديقة. ركضت نحو المرآة تتفحص مظهرها للمرة الأخيرة، ثم ابتسمت برضا وقفت بترقب داخل الغرفة منتظرة قدومه.
خرج فريد من السيارة وهو يتأفف بضيق:
- يالها من امرأة وقحة!
ألقى نظرة أخيرة في كاميرا هاتفه على ياقة قميصه قبل أن يزفر مرة أخرى بحنق.
- من المستحيل ألا ترى حياة تلك البقعة الحمراء!
هذا ما فكر بيأس وهو يتذكر تلك المرأة الطاعنة في السن والتي باغتته بقبلة خاطفة فوق عنقه فطبعت نصفها على الفور فوق ياقته البيضاء.
- هل تظن تلك الألمانية الوقحة أنها تستطيع التأثير عليّ بتلك الطريقة المبتذلة؟ يا لها من شمطاء غبية!
حسنًا، سيتصرف بلامبالاة كأنه لا يعلم بوجودها، عسى ألا تلاحظها زوجته هي الأخرى.
دلف فريد الغرفة بترقب، وبمجرد رؤية حياة له، قفزت فوقه تعانقه بقوة وهي تمتم برقة بالغة:
- وحشتني أوي.. حمدلله على السلامة.
ارتخت ملامحه وتناسى كل قلقه بمجرد ضمها داخل أحضانه وبين يديه. فشدد من احتضانه لها والتصاقه بها، ثم بدأ مباشرة بطبع قبلات متفرقة فوق وجهها قائلاً بعشق:
- وانتي كمان وحشتيني.
ابتعدت حياة عنه قليلًا، ثم قالت بنعومة وهي تحل ربطة عنقه وتخلع جاكيت بدلته:
- عملت إيه في اجتماعك؟ خلصت الشغل؟
أجابها بثقة وهو يحل أزرار أكمامه:
- آه طبعًا.. دي محتاجة سؤال.
ابتسمت بسعادة ثم قالت برقة:
- مبروك.. ربنا يوفقك دايما. تحب أعملك حاجة من المطبخ؟
حرّك رأسه نافيًا، ثم أجابها ويده تحس ذلك المئزر الأحمر الحريري الذي ترتديه باحثًا عن رباطه:
- لا أنا عايزة تفضلي في حضني عشان أنسى كل وجع الدماغ النهاردة.
ضغطت فوق شفتيها بخجل ثم تمتمت هامسة:
- اللي أنت عايزه.
ابتسم لرقتها وخجلها، ثم انحنى برأسه ليقترب منها. رفعت حياة رأسها هي الأخرى لتنظر إليه، ثم شهقت بصدمة وهي تبتعد عنه. تبدلت ملامحها في لحظة، ثم سألته بتأهب:
- فريد.. إيه ده؟
أجابها فريد مدعيًا عدم الفهم:
- إيه ده؟
أجابته حياة بحدة وهي تشير برأسها نحو عنقه:
- فريد متستعبطش.. إيه اللي في ياقة قميصك ده؟
نظر فريد بطرف عينيه إلى ياقة قميصه بعدما حل الزر الأول منه، ثم قال كاذبًا:
- مش عارف.
اقتربت حياة منه وجذبته من ياقته، ثم قامت باستنشاقه قائلة بغضب:
- فريد متستعبطش.. ده روج.. ممكن أعرف جه منين؟
أجابها فريد ببلاهة:
- منك.. مش أنتي كنتي بتحضنيني من شوية؟
رفعت حياة كلتا حاجبيها مستنكرة، ثم قالت بنبرة حانقة:
- والله! طب أولًا يا أستاذ أنا كنت حاضناكَ من الناحية الشمال والبقعة في اليمين. وبعدين اتفضل بص كده.. هو ده اللون اللي أنا حاطاه؟
نظر فريد نحوها بقله حيلة، ثم هتف قائلاً باستسلام:
- طب بصي هحكيلك بس بلاش الجنان بتاعك يطلع عليا، ماشى؟
رفعت كلتا حاجبيها بغضب ووضعت يدها فوق خصرها بتأهب ولم تعقب. تنحنح فريد استعدادًا للحديث، ثم قال بتوجس شديد:
- وأنا بسلم على الوفد الألماني، كانت معاهم واحدة ست كبيرة مديرة العلاقات هناك. حاولت تبوسني وأنا بعدت عنها، بس كانت حاطة لون غامق طبع على طول. واحدة ست غبية فكرت إنها لما تعمل كده هتخليني أمضي بشروطها.
تحولت ملامح وجه حياة للضيق، فأردف يقول بيأس:
- بس وحياتك عندي أنا، وقفتها عند حدها. ممكن متزعليش؟ أنتي عارفة عمري ما هسمح لواحدة غيرك تقربلي.
ضغطت حياة فوق شفتيها، وابتلعت لعابها بقوة، ثم قالت بنبرة مختنقة وهي تطبع قبلة جافة فوق وجنته:
- خلاص.. محصلش حاجة.. أنا مصدقاك.
سألها فريد بذهول:
- مصدقاني؟ ثواني كده.. يعني انتي مش زعلانة من اللي حصل ومش هتتعصبي وتقلبِ الليالي خناق؟
ابتسمت باقتضاب، ثم أجابته بعدما أخذت نفسًا عميقًا تحاول السيطرة على دموعها التي بدأت تتجمع بداخل مقلتيها:
- لا يا حبيبي.. أنا واثقة فيك. وبعدين أنا وعدتك خلاص.. أنا بحبك وعارفة إن عمرك ما هتعمل حاجة تضايقني.
تنفس فريد براحة من رد فعلها غير المتوقع، ثم قال بهمس وهو يقترب منها:
- طب ما تسيبك من كل اللي حصل ده وتعالى عشان نتكلم شوية كلام مهم.
ابتسمت حياة بجفاء، ثم قالت بخفوت:
- فريد معلش الوقت اتأخر وأنا عايزة أنام.. ممكن تخليها وقت تاني؟
لم تنتظر إجابته، بل تحركت على الفور تقوم بخلع مئزرها ليكشف عما تحته، وهو عبارة عن قميص من نفس اللون والنوعية يكشف عن ساقها كاملة ونصف ظهرها مع حمالات عريضة من الأمام وفتحة عنق منخفضة للغاية. زفر فريد بإحباط، ثم توجه نحو خزانة ملابسه يلتقط منها ملابس للنوم، ثم تسلل بعدها للفراش ليستلقي بجوارها. نظر لظهرها مطولًا، ثم مد ذراعه ليجذبها نحوه حتى التصق بها قائلاً بنعومة وهو يخفي وجهه بظهرها العاري:
- حياة.. أنا عارف إنك اتضايقتي ومش محتاجة تكتمي جواكي عشان متضايقنيش.. قولِ لي اللي في قلبك مش هزعل.
انتفضت بجسدها بعد سماع جملته، تستلقي في مقابلته، ثم صاحت بحدة وهي تلطمه فوق صدره بقوة جعلته يجفل:
- ومادام أنت عارف إني هضايق ودمي هيتحرق، بتخليها تقرب منك ليه؟ بتسلم عليها ليه من الأساس؟ والله بعد كده هروح معاك الاجتماعات الزفت دي ووريني بقى الست الألمانية دي هتقربلك إزاي!
اتسعت حدقتا فريد بدهشة. إنها فعلًا مجنونة، ولكن هذا هو رد الفعل الذي ينتظره، وليس خطبة الثقة تلك.
آفاق من شروده على دموعها التي بدأت تنساب منها قائلة بضيق:
- أنا واثقة فيك بس مبحبش حد يقرب منك.. الفكرة لوحدها بتخليني أتخنق وقلبي بيوجعني.. دي حاجة غصب عني.
تنهد فريد بحزن ولعن نفسه بصمت، ثم قال بحنو وهو يحتويها بين ذراعيه:
- خلاص.. عندك حق.. أنا آسف.. حقك عليا يا ستي.. وعد مش هتحصل تاني حتى لو غصب عني.. خلاص بقى.
طبع قبلة حانية فوق جبهتها وأنفه وجفونها، ثم بدأت أنامله تمسح آثار دموعها قائلًا بنبرة عابثة:
- بس إيه الحلاوة دي.. يعني بذمتك لابسة لي أحمر وجاية تقولِ لي عايزة أنام؟
ابتسمت حياة بخفوت، ثم قالت بدلال:
- أنا لسه متنرفزة منك على فكرة.
أجابها بهمس وهو يحرك جسده حتى تصبح رأسها قبالة رأسها:
- وأنا عندي استعداد أصالحتك للصبح.
ابتسمت بخجل، ثم تمتمت بعشق:
- طيب.. بحبك.
تنهد فريد بحرارة، ثم قال بامتعاض ممازحًا قبل التهامه لشفتيها:
- الله يخربيت هرموناتك اللي بتيجي على دماغي دي.
هرمونات! هل قال للتو هرمونات؟ نعم، نعم، فهو يحفظ مواعيدها أكثر منها. ما هو تاريخ اليوم؟ اتسعت حدقتا حياة بارتياب، لقد تخطى أكثر من أسبوع كامل! أيعقل؟ لقد ذكرها هو!
شهقت حياة بقلق وهي تدفعه بعيدًا عنها هاتفة بترقب:
- فريد.. أنا متأخرة.
نظر فريد إليها باستنكار من تحولها المفاجئ، ثم سألها بعدم فهم:
- متأخرة على إيه؟
أجابته بحدة:
- افهم يا فريد.. هرموناتي.. أنا.. متأخرة.. أسبوع كامل.
جحظت عينا فريد للخارج هو الآخر، ثم سألها بترقب وعيناه تضيق فوقها:
- قصدك إيه؟
أجابته حياة وقد بدأ شبح ابتسامة يظهر فوق فمها:
- مش عارفة.. أنا مش حاسة بحاجة زي المرة اللي فاتت.. بس تفتكر؟
سألها فريد بارتباك وهو يحاول السيطرة على حماسه من مجرد الفكرة:
- هو ينفع؟ يعني بما إنك لسه معترضة لإجهاض من شهرين.
نظرت حياة نحوه بتفكير، ثم أجابته كاذبة رغم علمها بإمكانية حدوثه بنسبة كبيرة بناءً على شرح الطبيبة لها، ففي الأخير تريد التأكد قبل زرع الأمل بداخله:
- مش عارفة.. إيه رأيك بكرة أروح للدكتورة أسألها ونتأكد؟
حرك رأسه موافقًا بحماس وابتسامته هو الآخر تتسع أمامها. عادت حياة للاقتراب منه، فأبعد عنها قائلاً بتصميم:
- حياة.. خليكي بعيد أحسن.
سألته حياة مستنكرة وهي تعاود الاقتراب منه:
- ليه؟
أجابها بضيق ارتسم فوق ملامحه وظهر في نبرته:
- أنتي عارفة ليه.
ابتسمت تطمئنه، ثم قالت بهدوء:
- حبيبي ده شك بس.. وبعدين عايزك تنسى اللي حصل عشان خاطري.
أجابها بإصرار وهي تحتضن جسدها وتعود ليستلقي بها فوق الفراش:
- عارف إنه شك بس.. بس بجد لو عايزاني أنسى اللي حصل، خليني على راحتي.
ضغطت حياة فوق شفتيها، حسنًا، لن تضغط عليه الآن. ثم قامت بطبع قبلة رقيقة فوق وجنته قائلة بحب وهي تخفي وجهها بثنايا عنقه:
- تصبح على خير.
***
في الصباح، أيقظها فريد مبكرًا قائلاً بحماس:
- حياة.. يلا هتتأخري.
غمغمت حياة مغمضة العينين باعتراض:
- فريد.. لسه بدري.. الساعة لسه ٧.
أجابها فريد وهو يجذب جسدها من فوق الفراش:
- لا مش بدري.. متبقيش كسـلـانـة.. قومي يلا عشان ننزل سوا.
فتحت حياة عينيها على الفور، ثم سألته بعدم تصديق:
- بجد؟ هتيجي معايا؟
أجابها وهو يقبل فمها ببطء:
- مش عايزاني ولا إيه؟
قفزت فوقه تحتضنه بحب قائلة بحماس:
- لا طبعًا.. عايزاك معايا على طول.. لو عليا عايزة متتحركش من جنبي.
ابتسم فريد بسعادة، ثم قال وهو يحملها برفق:
- طب يلا عشان ناخد دش الأول ونفطر وبعدين نتحرك.
ابتسمت حياة بخجل، ثم قامت بطبع قبلة فوق وجنته موافقة وهو يتحرك بها في اتجاه الحمام.
في الحديقة، تحرك فريد وهو يحتضن يدها بتملكه المعتاد. أوقف خطواته رنين هاتفه معلنًا عن ورود اتصال جديد له من وائل الجنيدي. قطب فريد جبينه وهو يزفر بضيق. سألته حياة مستفسرة:
- فريد.. في حاجة؟
اجابها بضيق:
- أنا نسيت خالص.. كان عندي ميعاد مع وائل الساعة ٩ ونسيته.. شكله بيتصل يفكّرني.
أجابته حياة بتفهم:
- خلاص إيه المشكلة.. روح ميعادك وأنا هروح وأبلغك على طول.
نظر فريد نحوها بعدم تقبل، فأردفت حياة تقول بهدوء:
- يا حبيبي ده شغلك وأنا عارفة إنك مش هتنفع تأجله. انتوا بينكم شغل مفتوح لازم يخلص.. روح خلص شغلك وأنا هروح وأجيلك على الشركة، إيه رأيك!
قال فريد على مضض وهو ينظر حوله:
- طب هتبلغيني بالنتيجة على طول.
أجابته حياة مرددة خلفه بخفة:
- على طول.
اردف فريد يقول بجدية:
- وتخلي بالك ومتتحركيش من غير الحراسة حواليكي.. وتسمعي كلامهم، متنسيش إن نجوى لسه متقبضش عليها!
قالت حياة بطاعة لتطمئنه:
- مش هتحرك وهسمع كلامهم وهبلغك بكل تحركاتنا.. مبسوط كده!
أجابها فريد بعدم ارتياح:
- طب تمام.. خلي بالك من نفسك.
طبعت حياة قبلة مودعة فوق وجنته وهي تغمغم بحب:
- حاضر يا حبيبي.. وأنت كمان خلي بالك.
انتظر فريد تحرك سيارتها بسائقها أولاً، ثم أعطى تعليماته لسيارة الحراسة خلفها بالانتباه، ثم تحرك هو الآخر على مقر عمله.
***
تحركت نجوى في طرقات المصحة بترقب وخطى محسوبة. بالطبع لن يتعرف عليها أحد بعدما ارتدت شعرًا مستعارًا وأخفت نصفه بحجاب رأس، وأخفت عينيها بنظارة شمسية كبيرة تخفي نصف ملامح وجهها، كما أنها ارتدت ملابس فضفاضة طويلة مغايرة لطبيعتها. نظرت حولها بتوتر منتظرة خروج الممرض في أي لحظة، وبالفعل بعد دقيقة واحدة تفاجأت به يخرج لها من العدم قائلاً بنبرة خفيضة للغاية:
- سيرين هانم.. أنا بدور عليكي من بدري.
أجابته نجوى بعصبية شديدة:
- أنا واقفة بدور عليك أهو.. ها خلصني.. الحاجة معاك!
ابتسم الممرض بثقة، ثم التفت حوله يمينًا ويسارًا يتأكد من خلو الممر، ثم أخرج من جيب ردائه لفافة بلاستيكية صغيرة وإبرة طبية مغلفة، أعطاها لها مسرعًا، ثم قال محذرًا:
- لو حاجة حصلت أنتي لا شفتيني ولا أنا شفتك.. متنسيش اتفاقنا.. أنتي دخلتيلها لوحدك.
حركت نجوى رأسها بحدة موافقة وهي تدفعه ليتنحى عن طريقها قبل دخولها لغرفة نيرمين رسلان.
هتفت نيرمين بتوتر مستنكرة وهي ترى صديقتها أمامها:
- نيرمين!! أنتي جيتي هنا إزاي!
أجابتها نيرمين باضطراب:
- دخلت من غير ما حد يحس.. أنتي عارفة إني هربت وهسافر النهارده بليل، بس مقدرتش أمشي من غير ما أسلم عليكي.. طمنيني أنتي كويسة!
بدأت نيرمين تشهق بصوت مرتفع وهي تفرك جسدها بيدها:
- أنا تعبانة أوي يا نجووووي.. عايزة أخرج من هنا مش قااددددرة.
أخرجت نجوى اللفافة والإبرة من جيب ردائها، ثم دستها في يد نيرمين قائلة بعجالة:
- خدي دي.. آخر حاجة معايا شوفي نفسك بيها.. بس خدي بالك دي جرعة كبيرة.
أنهت جملتها وانتفضت من جلستها قبالة نيرمين قائلة بعصبية:
- أنا أنا لازم أمشي دلوقتي قبل ما حد يشوفني.. سلام يا نيرمين.
لم تنتظر حتى سماع وداعها، بل خرجت من الغرفة مسرعة وهي تضحك بهيستيريا قائلة بغل:
- وادي نيرمين هخلص منها.. فاضل أنتي حياة الكلب.. لازم تحصليها النهارده عشان أقدر آخد فريد وأسافر.
***
خرجت حياة من مشفى فريد الخاص والابتسامة تكاد تصل إلى أذنيها. رفعت رأسها تنظر إلى السماء بامتنان. يالله، أيعقل! لقد رزقها الله للمرة الثانية في وقت قياسي. نعم، هذا ما أخبرتها به الطبيبة منذ قليل، تشرح لها أن أفضل وقت لحمل مستقر مرة أخرى هي تلك الفترة التي تمر بها الآن. ستخبر فريد. نعم، ستذهب إليه وتخبره على الفور، لن تنتظر حتى المساء ولن تخبره في الهاتف. فبعد كل ما مرا به، تريد رؤية رد فعله وجهًا لوجه. هذا ما قررته وهي تصعد السيارة وتطلب من سائقها التوجهه إلى مقر الشركة على الفور. أضاءت شاشة هاتفها باتصاله. ازداد وهج عينيها وهي ترى اسمه يزين هاتفها. حبيبها وزوجها ووالد طفلها الذي ستحميه بروحها تلك المرة. أجابته بحب:
- حبيبي.
سألها فريد بنبرة خفيضة مترقبة:
- حياة عملتي إيه!
أجابته كاذبة:
- ولا حاجة.. الدكتورة اعتذرت النهارده.
صمتت قليلاً، ثم قالت بدلال:
- فريد.. ممكن أجيلك الشركة دلوقتي.. عايزة أقولك حاجة مهمة.
سألها فريد بقلق:
- في حاجة حصلت! أنا مع وائل ساعة بالكتير وأخلص.
أجابته مطمئنة:
- لا مفيش أي حاجة.. بس أنت وحشتني.. عقبال ما تخلص ميعادك هكون وصلت، اتفقنا!
أجابها فريد بصوته العميق الحاني:
- اتفقنا هستناكي.
أغلقت حياة معه الهاتف بسعادة، وقبل وضعه داخل حقيبتها، صدع رنينه مرة ثانية، وتلك المرة برقم والدها. قطبت حياة جبينها بقلق. إنه حقًا رقم والدها! تترى هل حدث شيء ما؟ فمنذ زواجها لم يهاتفها ولو لمرة واحدة. أجابه حياة بتوجس:
- الو.
هتف والدها متصنعًا اللهفة:
- حياة.. أنتي فين يا بنتي!
سألته حياة بقلق:
- خير يا بابا في حاجة!
أجابها والدها بتوتر:
- أمك تعبت بليل ووديتها مستوصف كده على قد حالنا، مانتي عارفة البير وغطاه.. هي قالتلي بلاش أقلقك، بس أنا قلت لازم أعرفك.
هتفت حياة بذعر:
- اديني العنوان بسرعة وأنا هكون عندك في لحظتها.
أجابها والدها معترضًا بتمثيل:
- لا يا بنتي ده في حتة غريبة مش هتعرفي توصليله.. قابليني ونروح سوا.
أجابته حياة بلهفة موافقة:
- طب يا بابا أنا كده كده في الطريق ومعايا العربية.. قولي أقرب مكان أستناك فيه وأمر عليك ونكمل سوا.
أجابها والدها موافقًا بحماسة وأعطاها موقعه، ثم أغلق معها الهاتف وأرسل رسالة نصية لجيهان التي كانت تنتظره في مخزن منصور القديم بجوارها نجوى، يخبِرها فيها باقتراب وصولهم والاستعداد جيدًا.
هاتفت حياة فريد مرة ثانية تخبره بقلق:
- فريد.. ماما تعبت وبابا نقلها مستوصف.. أنا هروحلها دلوقتي.
سألها فريد باهتمام:
- تحبي أجيلك!
أجابته حياة معترضة:
- لا كمل أنت شغلك وأنا هروحلها.. لو احتجت حاجة هكلمك على طول.
أجابها فريد بعدم ارتياح:
- حياة.. خلي بالك ومتتحركيش لوحدك.. ولو احتاجت حاجة انقليها على المستشفى عندي وأنا هتصرف في الباقي.
أغلقت حياة معه الهاتف بعدما شكرته على اهتمامه بوالدتها ووعدته بالتواصل معه في كل جديد.
بعد حوالي ربع ساعة توقفت سيارتها أمام المكان الذي وصفه له والدها وصعد في السيارة، ثم سألها بقلق بعد تحركهم بفترة:
- حياة!! إيه العربية اللي ماشية ورانا من ساعة ما اتحركنا دي!
أجابته حياة بسذاجتها المعهودة:
- دي عربية الحراسة يا بابا.. فريد مخليها ورانا عشان موضوع كبير كده.
هز عبد السلام رأسه متفهمًا، ثم قام بإرسال نصية أخرى لجيهان يخبِرها بها عن تلك السيارة وبما تحتويه.
وفي الطريق ظل والدها يوجهه السائق لطريق شبه زراعي بعيد عن المدينة لا يوجد به أحد ولا حتى عابر سبيل! سألته حياة مستنكرة:
- بابا مستوصف إيه ده اللي بعيد كده! ده مكان مقطوع!!!
أجابها والدها بعدما أمر السائق بالتوقف:
- مش عارف يا حياة!! شكلي كده جيت غلطت.. أصل التاكسي هو اللي ودانا بليل والطريق كان ضلمة.
أنهى جملته تلك، وبعدها رأت حياة حوالي خمسة عشر شخصًا من الملثمين ذوي الأجسام الرياضية يركضون نحوها. انتفض جسدها وبدأت في الصراخ عندما سمعت دوى إطلاق نار حولها من سيارة الحراسة التي تتبعها. خرج سائقها من السيارة هو الآخر للاشتباك مع هؤلاء الملثمين، تاركًا إياها بمفردها داخل السيارة مع والدها الذي انتهز الفرصة وأخرج من جيب ردائه قطعة قماش مخدرة، وضعها بسرعة فوق فمها وأنفها لتغيب بعدها عن الوعي والعالم.
***
أخرجت نيرمين تلك البودرة التي ينتفض جسدها بأكمله طلبًا لها، والتي أعطتها نجوى لها عند زيارتها، وقامت بتحضيرها ووضعها داخل الإبرة الطبية "السرنجة"، وحاولت حقنها لنفسها بكف مرتعش. لم تسعفها أوردة ذراعيها بأي شكل كان، لذلك قررت حقن نفسها في إحدى ساقيها. سحبت مكبس الإبرة بترقب بعدما استعدت جيدًا، ثم حقنتها بإحدى أوردة ساقيها قبل صراخها بهيستيريا وسقوطها غائبة عن الوعي.
***
في غرفة مكتبه وبعد انتهاء عملهم المقرر، وقف فريد مودعًا وائل بجموده المعتاد، فباله وتركيزه مشغول مع زوجته. قاطع تفكيره صوت وائل يسأله بحرج:
- فريد.. بعد إذنك.. كنت عايز أستأذن منك أروح أزور نيرمين.
سأله فريد بتأهب:
- والسبب!
تنحنح وائل شارحًا:
- يعني.. كنت عندي واحد صاحبي مر بنفس حالتها.. عشان أنا كده أنا اهتميت بالحالة من الأول.. وبيتهيألي أقدر أساعدها.
هز فريد رأسه متفهمًا، ثم أجابه بنبرة خالية:
- الموضوع ده بعيد عني.. بس لو أنت حابب تقدر تستأذن من غريب بيه.
حرك وائل رأسه موافقًا بحماس، ثم فتح فمه ليجيبه. في ذلك الوقت، صدع رنين هاتف كلا من وائل وفريد سويًا. تحرك فريد عائدًا إلى طاولة مكتبه يلتقط منها هاتفه، وأخرجه وائل من جيب ردائه. أجاب وائل أولاً بهدوء مستمعًا لفرد الأمن:
- وائل بيه.. الحق يا بيه.. أنا رحت الصبح لقيت ناس فاتحة المخزن ومحاوطينه، شكلهم زي البودي جاردات.. ولما سألتهم إنتوا مين طردوني وهددوني لو ممشيتش هيقطعوا نفسي من الدنيا. أنا عملت نفسي اتحركت بس وقفت أراقب من بعيد، ومن شوية ناس جديدة جت وهما بيجروا واحدة ست كأنها مغمي عليها وزي ما تكون مخطوفة.. أنا قلت أبلغك يا باشا اضمن قبل ما أبلغ البوليس.
في ذلك الوقت، أجاب فريد على هاتفه هو الآخر ليستمع إلى جيهان تقول بغل:
- فريد بيه.. مراتك عندنا.. لو حابب ترجعلك سليمة، تجيلي دلوقتي حالا، لوحدك.
رواية متى تخضعين لقلبي الفصل الرابع والثلاثون 34 - بقلم شيماء يوسف
شحب وجهه وبهتت ملامحه وشعر بقبضة قوية تعتصر قلبه بمجرد سماعه لتلك الجملة التي تفوهت بها زوجة والده، ولم يدرِ كيف استطاع نطق جملته التالية بذلك الثبات:
- إيه اللي يثبت لي؟
دوت ضحكة جيهان بثقة جعلت قلبه ينقبض أكثر فأكثر، قبل سماعه لصرخة زوجته التي اقتحمت أذنه بوضوح بسبب لطمة نجوى لها. أغمض عينيه للحظة قبل صراخه قائلاً:
- أقسم بالله لو لمستي منها شعرة مش هتكفيني. عيلتك نفر نفر وقبلها بنتك، فهماني!!! هولع فيكم كلكم صاحيين.
أجابته جيهان بعجرفتها المعتادة آمرة:
- تجيلي لوحدك مع أوراق تنازل على كل اللي تملكه، فاهمني؟
أجابها فريد بصراخ وهو يركض نحو مكتب والده:
- هعمل لك اللي انتي عايزاه بس سيبها.
قالت جيهان بجدية:
- ربع ساعة تكون حضرت أوراقك. أكلمك أقولك تقابلني فين.
أنهت جملتها وأغلقت الهاتف في وجهه مباشرة. اقتحم فريد غرفة والده قائلاً باهتياج:
- مراتك خطفت حياة و بتهددني بيها.
انتفض غريب هو الآخر من مقعده ليسأله بتعلثم:
- بتقول إيه؟
أجابه فريد وهو يتحرك داخل الغرفة كالمجنون، يحاول الاتصال بسائقها وطقم الحراسة الذي كان يرافقها دون رد. صرخ فريد بقوة في قائد حراسته وهو يعود لمكتبه:
- اجمع لي كل الرجالة عندك واتصل بكل شركات إسكندرية. عايزهم كلهم مسلحين، فاااااهم. في أسرع وقت تحصلني.
كان غريب يركض خلفه هو الآخر وهو يعطي أوامره لرجاله للاستعداد. عاد فريد لمكتبه ومن خلفه غريب الذي سأله بقلق عندما رآه يسحب سلاحه من درج مكتبه ويستعد للخروج:
- إنت هتعمل إيه؟
أجابه فريد وهو يركض للخارج:
- مراتي عندها. هستنى. مش هسمح لها تأذيها.
هنا تدخل وائل الذي كان يجرى عدة اتصالات هاتفية للتأكد من شكوكه:
- فريد.. بيتهيأ لي أنا عندي فكرة حياة فين.
توقف فريد ليستمع إليه كأنه طوق النجاة بالنسبة إليه. أردف وائل يقول بثقة:
- لو شكي صح.. حياة في مخزن الشركة القديم عندنا.
استمع فريد لحديث وائل والذي سرد عليه مكالمة حارسه بالتفصيل ثم قال بلهفة:
- أنا لازم ألحقها.
نطق بجملته تلك وهو يعاود الركض للخارج، وركض خلفه كلا من غريب ووائل. وفي الخارج أعطاه وائل عنوان المخزن ثم قال بتخطيط:
- اتحرك أنت وهتلاقي رجالي كلهم سابقينك على هناك. هما عارفين مداخل ومخارج المخزن كويس وعارفين هيعملوا إيه. وأنا هبلغ البوليس وأحصلك.
أومأ فريد برأسه له موافقاً. أما عن غريب فقد أصر الذهاب خلف ابنه الوحيد. صعد فريد سيارته بمفرده بعدما صرخ في سائقه لتركها له، وبعدما أعطى فكرة مبدئية لوالده عما يجب فعله، ثم بدأ يقود سيارته نحو العنوان الذي أعطاه له وائل بجنون. دوى رنين هاتفه وعادت جيهان للاتصال به مرة ثانية. أجابها فريد بلهفة بمجرد سماعه صوتها:
- أنا مش هتحرك من مكاني غير لما تسمعيني صوتها. وأتأكد إنها كويسة.
أجابته جيهان بنفاذ صبر:
- طيب طيب.. دقيقة واحدة.
فتحت جيهان مكبر الصوت لتستمع إلى حديثه ثم طلبت من حياة التحدث. هتفت حياة اسمه بصوت باكي:
- فريد؟
ارتجف جسده بأكمله بمجرد سماعه صوتها ثم عاد يقول بقوة:
- حياة يا عمري متخافيش. مش هسمح لحاجة تأذيكي.
أجابته حياة بثقة:
- أنا مش خايفة وعارفة إن عمرك ما هتسبيني. بس كنت عايزة أقولك أنا آسفة. أنا كدبت عليك الصبح. أنا رحت المشوار اللي اتفقنا عليه وكنت مستنية أشوفك عشان أقولك الحقيقة.
قاطعت جيهان حديثها قائلة بتأفف:
- اخلصي مش هتحكيله قصة حياتك.
هتفت حياة بتوسل قائلة:
- الله يخليكي أقوله حاجة أخيرة بس وبعدها اعملي اللي انتي عايزاه. فريد لو أنت سامعني عايزة أقولك إني واثقة فيك. بس لو ملحقتنيش عايزك تعرف إن إني مش لوحدي. اللي شكينا فيه امبارح حصل.
توقفت قدم فريد عن الضغط على فرامل سيارته ثم سألها بصدمة وعدم تصديق:
- حياة!! إنتِ!!..
هتفت حياة بقوة مقاطعة لتمنعه من الاسترسال:
- أنا مستنياك.
سحبت جيهان الهاتف من أمامها ثم عادت تقول لفريد بتهديد بعدما ابتعدت عنها:
- تجيلي لوحدك وإلا متحلمش تشوفها تاني.
هتف فريد بتوسل مقاطعاً:
- لا.. هعمل لك اللي انتي عايزاه بس سيبها.
أجابته جيهان آمرة وبقوة:
- حضّر اللي طلبته وتيجي لوحدك على العنوان اللي هبعتهولك.
أنهت جملتها وأغلقت الهاتف في وجهه ثم تحركت تهتف باسم أحد الرجال من الخارج تستدعيه.
التفت حياة تنظر حولها بذعر بعدما رأت جيهان تقوم بتحضير مسدسها وإعطاء الأوامر لأحد الرجال الذين ساعدوا في خطفها للحذر والاستعداد جيداً لاستقبال فريد. صرخت حياة لوالدها الذي يقف جوارها قائلة بيأس:
- إنت هتفضل واقف كده؟ اعمل حاجة.. إنت ليه بتعمل معايا كده.. حرام عليك.. هو أنا مش بنتك؟.. إزاي تعمل كده.. عملتلك إيه لكل ده.. قول لي حاجة واحدة عملتها ضايقتك فيها.. ده أنا كنت بمشي جنب الحيط عشانك.. بعمل كل حاجة عشان أرضيك.. عشان تفرح بيا.. عشان ترضى عني.. اديني سبب واحد يخليك تكرهني!!! طول عمري بحاول معاك.. بديلك مبررات.. بقول يمكن لو اتعلمت كويس يحبني... لو لبست كويس ممكن يحبني... لو اشتغلت كويس يحبني ويبقى فخور بيا. وحتى لما بعدت عنك واستقريت في حياتي مش عايزني أرتاح.. لييييه!!!.. إنتِ إزاي أب كده!!.. إزاي جاحد كده!!.. ليه يتمتني وأنا عايشة!! ولما لقيت اللي يعوضني عايز تحرمني منه وتحرمه مني لييه.. قول لي سبب عشان أعذرك لأن أعذارك جوايا خلصت.. اديني مبرر عشان لو كان في عمري باق افتكرك بموقف حلو.. اترحم عليك بدعوة حلوة يا بابا.. أزعل عليك زي كل الناس.
استمع عبد السلام إلى عتابها وقد مزق حديثها قلبه. هو واجهه بما ظل دائما يفكر به ويخشى منه. هو يعلم أنه ظلمها وأنها تكرهه ولا يوجد شيء قد يغير تلك الحقيقة، ولكن الآن لماذا؟ لماذا واجهه في تلك اللحظة وذلك الموقف تحديداً؟ لماذا لم تبتلع فعلته داخلها وتصمت مثلما تفعل في كل مرة يؤذيها؟ لماذا هبت تواجهه وتعاتبه؟ هذا ما فكر به عبد السلام وهو ينزوي بنفسه إلى أحد الأركان القريبة منها ينتظر القادم.
بعد أقل من ساعة كان فريد يركض في اتجاه المخزن بعدما بعث برسالة نصية لوالده يخبره فيها عن عدد الرجال الملثمين وأماكن تواجدهم، ثم ركض بأقصى سرعة إلى الداخل مقتحماً المخزن بعدما قام أحد رجال جيهان بتفتيشه وسحب سلاحه منه. لا يهم. كل ما كان يشغله في ذلك الوقت هو رؤيتها سليمة هي وطفلهم ربما. هذا ما فكر برجاء وهو يبحث بعينيه عنها ويتأكد من سلامتها من خلال نظرته المبدئية له. أومأت حياة برأسها لتطمئنه، فبخلاف تلك الصفعة التي وجهتها لها نجوى والتي أحدثت جرحاً صغيراً بجانب شفتيها والدموع المنهمرة فوق وجنتيها، لم يصيبها أي أذى أو مكروه حتى الآن. هتف فريد في جيهان وهو يتحرك في اتجاه حياة:
- جيهان.. حياة ملهاش دعوة بمشاكلنا. سيبها وحسابك معايا.
رفعت جيهان السلاح في وجهه ثم وجهت فوهته نحو صدره وهي تسأله بنبرة عدائية:
- جبت اللي طلبته منك؟
تحرك فريد بحذر وهو يوزع نظراته بين جيهان ومسدسها وبين حياة. فعادت جيهان تهتف بعصبية:
- اقف مكانك ومتتحركش وإلا المسدس كله هيتفرغ فيك.
توقف فريد عن السير ورفع كفه في اتجاه جيهان متمتماً بنبرة ثابتة رغم توترها:
- هعمل لك كل اللي انتي عايزاه بس سيب حياة تطلع الأول.
صرخت حياة بها بقوة تعارضه:
- لا مش هطلع. أنا معاك للآخر، فاهم. استحالة أسيبك.
نظرت جيهان نحوهما شزراً ثم أجابته باستحقار قائلة بلامبالاة:
- أنا عن نفسي معنديش مشكلة معاها. نجوى هي اللي هتقرر.
هنا تدخلت نجوى صارخة بعصبية شديدة رافعة مسدسها هي الأخرى نحو حياة:
- مش ده اتفقنا يا جيهان. لازم تموت دلوقتي.. لازم..
صرخ فريد في وجه نجوى قائلاً بذعر:
- نجووووى.. مش هسمحلك تأذيها.
أجابته نجوى بصراخ وكفها يرتعش اضطراباً:
- وأنا مش هسيبها تتهنى بيك. إنت ليا لوحدي، فاهم. لوحدي. لازم هي تموت عشان تشوفني.
أنهت جملتها تلك وقامت بشد أجزاء سلاحها قبل ضغطها فوق الزناد بكف مرتعش. كان والد حياة يتابع ما يحدث بذعر شديد. هل ساق ابنته كالذبيحة من أجل الموت؟ أيعقل أن يعود من دونها وأن يواري جسدها التراب بسبب فعلته الهوجاء والغير محسوبة؟ فقط من أجل عدة قروش؟ لا.. لن يسمح بذلك. لقد ظلمها بما يكفي وإذا كان لا بد من موت أحد اليوم فليكن موته هو وليس ابنته التي في ريعان شبابها. هذا ما فكر به وهو يركض في اتجاه حياة صارخاً برعب:
- بنتي لا.. إلا بنتي.
أغمضت حياة بقوة وهي تمتم الشهادة داخلياً وركض فريد بكل ما أوتي من قوة نحوها، ولكن والدها كان هو الأقرب، فاستقبل الرصاصة بدلاً منها. صرخت حياة وهي مغمضة العينين بعد سماعها صوت إطلاق الرصاصة وفتحت عينيها بذعر تنظر نحو فريد تتفحصه أولاً قبل أن تقع عينيها على والدها الملقى أرضاً والرصاصة مستقرة داخل كتفه. صاح فريد وهو يقف أمام حياة يحميها بجسده:
- إنتِ غلطانة يا جيهان. اتفقتي مع الطرف الغلط. نجوى هي السبب في اللي حصل لبنتك.
صرخت حياة بمجرد رؤية جسد فريد يقف أمامها ويصنع ساتراً بينها وبين رصاصات نجوى وجيهان قائلة بتوسل:
- لا فريد لا.. ابعد من قدامي.. سيبني وامشي.. متقتلوهش أبوس إيدك أبوس رجلك فريد لا.. خدي كل اللي انتي عايزاه.. بصي أنا هقنعه.. والله العظيم هقنعه يتنازلك عن كل حاجة بس سيبهولي.. أنا مش عايزة غيره.. خدي كل حاجة بس سبيه.
ابتلعت حياة لعابها بهلع ثم عادت تصرخ بهيستيريا:
- فريد ابعد عنها وعني.. اقتليني أنا زي ما انتي عايزة بس فريد لاااا.. أنا هخليه يمضي لك على كل حاجة انتي عايزاه بس سبيه يعيش.
هتف فريد بها ليوقفها ثم وجه حديثه لثلاثتهم:
- حياة اسكتي. نجوى حياتي قبل حياة حياة، فاهماني؟ مش هسيبك تأذيها غير على جثتي. وإنتي يا جيهان فوقي. نجوى سلطت حد عشان نرمين تبقى مدمنة.
كفايه جشع وفوقي.
في تلك الأثناء، كان غريب ورجال فريد ووائل استطاعوا بحرفية شديدة، وبسبب كثرة عددهم، التخلص من جميع الرجال المحاوطين للمبنى، وبدأوا عملية اقتحام المكان بسلاسة.
كان غريب أول من ركض للداخل، يبحث بعينيه عن ابنه الوحيد، الذي تفاجأ به يقف أمام زوجته، وسلاح كل من جيهان ونجوى موجهان نحوه.
أخفضت نجوى سلاحها قليلاً بعد سماعها لحديث فريد، نافيةً بصراخ وموجهةً حديثها لجيهان:
- متصدقيهوش.. عايز يوقع بيني وبينك.. أنا معملتش حاجة لنجوى.
قاطعها فريد بحده:
- كدابة.. نجوى بتلعب بيكي يا جيهان عشان توصل للي هي عايزاه.. وأول ضحية للعبها ده هي نيرمين اللي استغلتها.. لو فكرتي بعقلك هتلاقي المستفاد الوحيد من اللي حصل هو نجوى.. لو قتلتيني قبل ما اتنازل هيتقبض عليكي وكده كده البوليس في الطريق.. يعني مش هتستفادي حاجة.
استمعت جيهان لحديثه، ثم قامت بوضع إصبعها فوق الزناد متمتمة بغل:
- انت لازم تموت عشان أرتاح من رحاب ومن روحها اللي محوطاني بسببك.. لازم غلط زمان يتصلح.
صرخت نجوى تستوقفها، وركض غريب هو الآخر بذعر يقف أمام ولده قائلاً بقوة وتصميم مدافعاً عنه:
- يا جيهان.. مش هسمحلك يا جيهان.. روحي قبل روح ابني.. مش هسمحلك تأذيه وأنا واقف أتفرج.. غريب زمان مات خلاص.
نظرت جيهان نحوه قائلة ببرود:
- وماله.. روحك تطلع الأول يا غريب.. ده حتى جيت في وقتك.
جحظت عينا غريب للخارج بعدم تصديق وهو يرى يد جيهان ترتفع بالمسدس في اتجاه قلبه. أما عن فريد، فقد عاود يقول في محاولة أخيرة منه:
- جيهان اسمعيني.. رجالتى كلهم بره ومش هتقدري عليهم مهما عملتي.. يعني كده كده مصيرك السجن.. لكن لو سبتينا نخرج دلوقتي أوعدك هعديكي منها.
نظرت جيهان حولها بضياع، خصوصاً وهي ترى رجال حراسة فريد وغريب يقتحمون المكان وبدأوا ينتشرون بداخله استعداداً للقبض عليها في أي وقت. أما عن هاتف غريب، فقد دوى رنينه في المكان بأكمله معلناً عن وصول اتصال جديد له.
صرخت جيهان بهيستريا قائلة وهي توجه سلاحها نحوه:
- طلع موبايلك ده وارميه قدامي دلوقتي.
أطاعها غريب على الفور، وقام بإخراجه من سترته، ونظر به أولاً ثم قال بقلق:
- ده رقم دكتور نيرمين.. ده عمره ما كلمني.
صاحت جيهان آمرة:
- رد على طول مستني إيه.
وضع غريب الهاتف فوق أذنه، واستمع إلى حديث الطبيب، ثم أسقط الهاتف من بين يديه، موزّعاً نظراته بين فريد وجيهان، ثم قال بانكسار:
- نيرمين يا جيهان!!.. نيرمين ماتت بجرعة زيادة حد عطالها من بره المستشفى.
صرخت جيهان وارتمت أرضاً وهي تنوح بعدم تصديق:
- بنتي.. بنتي لا.. أنا عملت كل ده عشانها.. بنتي لا يا غريب.. أنا كنت هسافر بيها وأمشي من هنا.. إزاي تموت.. مينفعش تموووت.. بنتي.
انتهز غريب انهيارها، وبدأ يتحرك ببطء شديد وخطوات حذرة في اتجاهها، ثم جلس بجوارها وسحب المسدس من يدها. أما عن فريد، فقد أشار لرجاله برأسه للتوجه نحو نجوى وسحب مسدسها هي الأخرى، والتي بدأت تضحك بهيستيريا وتتمتم بعدم اتزان:
- نيرمين ماتت.. هههههه نيرمين ماتت.. أنا نجحت.. فاضل حياة.. أيوه أنا نجحت.. هههههه.
رفعت جيهان رأسها تنظر في اتجاه نجوى التي تهذي بكلمات غير متزنة، ثم سألتها بترقب من بين دموعها المنهمرة:
- انتي بتقولي إيه.
أجابتها نجوى وهي تضحك بلا توقف وتتحدث باضطراب:
- فاضل حياة ويبقى فريد يبقى بتاعي.. وكل حاجة تبقى بتاعتي.
سألتها جيهان بذهول:
- يعني إيه.. انتي شماتة في موت بنتي!!..
ظلت نجوى تهذي بكلمات غير محسوبة:
- هههههه كله هيبقى بتاعي.. الغبية أخدت الجرعة كلها زي ما خططت.
وجهت نجوى حديثها لفريد مضيفة بثقة:
- وانت كمان.. هتعمل اللي أنا عايزاه.. هتجوزني.. هههههه.
استقامت جيهان في وقفتها، ثم صرخت بهيستريا:
- مش ممكن.. انتي السبب!! محدش فيكم هيعيش.. مادام بنتي ماتت لازم كلكم تحصلوها وأولهم انتي.
أنهت جملتها وقامت بسحب المسدس بقوة من يد غريب، وفي اللحظة التالية بدأت تطلق الرصاص على جسد نجوى وحولها حتى انتهى مخزون طلقاتها على جسدها.
صرخت حياة وهي ترى نجوى تسقط أمامها قتيلة في الحال. أما عن الرجال المحاوطين لها، فقد قاموا بتقييد جيهان وسحبها للخارج، وخرج خلفها غريب مطأطأ الرأس بعدما تأكد من موت نجوى.
بعد سقوط نجوى صريعة، ركض فريد في اتجاه حياة قاطعاً المسافة المتبقية بينهم، ثم انحنى بجزعه نحوها ليحل وثاق يدها من خلف المقعد، ثم جثا على ركبتيه يتفحصها بلهفة وهو يسألها بقلق:
- انتي كويسة؟
حركت رأسها عدة مرات بقوة موافقة من بين دموعها المنهمرة، ثم سألته بصوت مرتعش:
- انت اللي كويس؟
همهم بصوته موافقاً، وهو ينحني برأسه ليحل وثاق قدميها هي الأخرى، ثم عاد ينظر إليها وهو يسألها بشك مصحوباً بقلق مازال يراوده خوفاً عليها:
- حياة.. انتي فعلاً!!..
أجابته حياة باحتضان وجهه بين كفيها، ثم حركت رأسها مؤكدة ودموعها لازالت تنهمر فوق وجنتيها مع ابتسامة خافتة بدأت تظهر فوق شفتيها. نظر فريد نحوها لثوانٍ بذهول، ثم فجأة ودون سابق إنذار اعتصرها بين ذراعيه كأنه يريد إخفاءها خلف ضلوعه. دفن رأسه في تجويف عنقها، وبدأت حياة تشعر بدموعه الساخنة تجري فوق عنقها وتجويف كتفها. اتسعت ابتسامتها وازدادت دموعها هي الأخرى كرد فعل طبيعي من تصرفه. رفع فريد رأسه بعد دقيقة ينظر داخل عينيها وبدأ في مسح دموعها بأنامله. ورفعت حياة كفها هي الأخرى تتلمس بأصابعها وجنته وتمحو آثار فرحته التي لم تتخيلها حتى في أحلامها، ثم انزلقت كفها للأسفل حتى تمسكت بكفه واحتضنته، وقامت بفرد أصابعه فوق بطنها قائلة بصوت متحشرج من تداخل مشاعرها:
- ابننا هنا.. حتة منك بتكبر جوايا هنا.. حتة منك عارفة ومتأكدة إنك هتحميها مهما حصل.
تلمس فريد بطنها عدة مرات برهبة وإجلال، ثم طبع قبلة عاشقة فوق جبهتها قائلاً بإصرار:
- انتي وهو في عيني لحد آخر يوم في عمري.
عانقته حياة مرة أخرى بقوة، ثم همست متسائلة وهي تبتعد عنه عندما تذكرت والدها:
- فريد.. بابا..
التفت فريد برأسه هو الآخر ينظر لرجال الإسعاف وهم يقومون بعملهم، ثم أجابها مطمئناً:
- متخافيش هيعملوا معاه اللازم.
حركت رأسها موافقة وعينيها تتحرك في اتجاه نجوى الصريعة أرضاً والغارقة في دمائها، ثم أخفت حياة في كتفه قائلة بتوتر:
- أنا كدبت عليك.. أنا خايفة.. ممكن نمشي من هنا أنا خايفة.
عاد فريد لاحتضانها مرة أخرى بين ذراعيه، ثم استقام في وقفته وبدأ يتحرك بها وهي لازالت بين أحضانه. أخفت حياة رأسها في صدره وتشبثت كفها بستترته بقوة، خصوصاً عند اقتراب خطواتهم من جثة نجوى المسجاة أرضاً، ولم تتركه حتى عندما وصلا لخارج المخزن.
أما في الخارج، فتفاجأت حياة إلى جانب غريب الذي كان يقف بجوار والدها ويشرف على حمله مع المسعفين، ووائل الجنيدي يقف بجوار أحد الضباط ويتحدث معه بودية شديدة. وما أن لمحهم حتى بدأ التحرك في اتجاههم، ثم توقف أمامهم سائلاً فريد باهتمام كبير:
- انتوا كويسين صح؟ مفيش مشكلة حصلت جوه لحد تاني؟
أومأ فريد برأسه له إيجاباً، ثم تحدث بنبرة شبه متصلبة:
- تمام.. بس محتاج أودي حياة المستشفى يطمنوا عليها للاحتياط.
ربت وائل على كتف فريد كصديق حقيقي، ثم تحدث بمسئولية قائلاً:
- روح متشغلش بالك.. أنا كده كده هنا عشان انت عارف المخزن تبع الشركة وأنا اللي قدمت البلاغ فلازم أتابع معاهم.. ولو احتجت أي حاجة أنا موجود.
نظر فريد نحوه بامتنان حقيقي، ثم هتف وهو يتحرك بحياة نحو سيارته:
- وائل..
التفت وائل ينظر نحوه بتركيز، فأردف فريد يقول بنبرة جدية:
- شكراً.. وجودك معايا فرق كتير.
ابتسم وائل متفهماً. أما عن فريد، فلم تصل ابتسامته التي بادلها إياها إلى عينيه. سألته حياة بخفوت وهو يتحرك بها ببطء شديد:
- هو إيه اللي جاب وائل هنا؟
أجابها فريد بعدما طبع قبلة حانية فوق شعرها:
- حوار طويل هحكيلك بعدين.
في ذلك الوقت وأثناء مساعدة فريد حياة لركوب السيارة، أوقفه والده الذي تحرك نحوه يسأله باهتمام هو الآخر:
- انت رايح فين؟
أجابه فريد بجمود:
- طالع بحياة على المستشفى.
قاطعه غريب بحزم:
- أوك.. أنا جاي معاكم.
فتح فريد فمه للاعتراض، فاستطرد غريب قائلاً بحسم:
- أنا كده كده جاي عشان أطمن عليكم وأشوف الراجل اللي انضرب ده فريح نفسك.
ارتخت ملامح فريد وسقط اعتراضه وأغلق فمه على مضض، ثم صعد بسيارته ليجلس بجوار حياة دون تعقيب، ثم أمر سائقه الذي جاء خلفه مع بقية رجاله بالتحرك نحو المشفى الخاص.
في المشفى، وتحديداً داخل غرفة الكشف، تحدثت الطبيبة بنبرة عملية مطمئنة:
- متقلقيش يا حياة هانم كل حاجة تمام.. مفيش أي قلق ولا أي خطورة من أي نوع.. عايزاكي بس تبعدي عن أي توتر الفترة الجاية والمجهود يكون في حدود طبعاً.
التفتت برأسها تنظر لفريد الواقف جوارها بعضلات جسد متصلبة وملامح مترقبة، توجهت حديثها إليه:
- وطبعاً مفيش أي اتصال أو تقارب الشهور الأولى دي.. أنا نبهت على حياة هانم الصبح وبأكد دلوقتي تاني للأمان.
أومأ فريد لها برأسه متفهماً بعد سماعه تعليماته، ثم تحركت الطبيبة من مقعدها مضيفة جملة أخيرة:
- ودلوقتي ضغط المدام واطي شوية.. هنركبلها محلول فيه شوية فيتامينات وتغذية تكون ارتاحت وبعدها تقدر تتحرك في أي وقت.
بلعت حياة لعابها بذعر ورمقت فريد الذي تحرك ليقف قبالتها ويمسك يدها مطمئناً بنظرة مستنجدة. تحدث فريد إليها بنبرة حانية:
- متخافيش ومتتوتريش.. لو مش عايزة أكيد هنلاقي حل تاني.. صح يا دكتور؟
نطق جملته الأخيرة وهو يلتفت برأسه نحو الطبيبة مستفهماً. أجابته الطبيبة بنبرة خالية:
- أها طبعاً زي ما تحب بس يفضل..
أخذت حياة نفساً عميقاً وأغمضت عينيها لوهلة ثم فتحتهم قائلة بتصميم:
- لا هركبه.. أوك يا دكتورة ابدئي أنا جاهزة.
نظر فريد نحوها متفحصًا بتشكك، فأردفت حياة تقول له بإقناع:
- مادام ده الأحسن يبقى لازم أخده عشان خاطره.. وبعدين إنت معايا.
ابتسم لها مشجعًا، ثم قام بوضع كفه خلف عنقها ودفعها للأمام قليلًا، ثم قام بطبع قبلة حانية فوق جبهتها متمتعًا بعشق:
- أكيد معاكي.
ابتسمت الطبيبة التي كانت تراقبهم باهتمام لها مشجعة، ثم قالت بود:
- تمام.. هبعت حد من الممرضات ينقل حضرتك لأوضة عادية وتركب لك المحلول حالًا.
بادلتها حياة ابتسامتها المشجعة بأخرى ممتنة قبل اختفائها من الغرفة بأكملها.
بعد دقائق معدودة كانت حياة جالسة فوق فراش وثير ومغروز بكفها تلك الإبرة الطبية التي تمقتها أكثر من أي شيء آخر في الحياة. لاحظ فريد تألمها الصامت من خلال امتعاض ملامحها، فحاول قدر الإمكان تشتيت انتباهها، لذلك هتف متسائلًا باستفسار:
- حياة.. هو باباكي كان بيعمل إيه معاكي؟
أخذت حياة نفسًا، وقد بدأ الحزن يكسو ملامحها، ثم قالت بنبرة شبه متوسلة:
- ممكن نتكلم بعدين.. بجد مش عايزة أفتكر أي حاجة من اللي حصلت الكام ساعة اللي فاتوا دول.
لم يكن يريد هو الآخر التحدث في أي شيء قد يصيبها بالتوتر، لذلك أسرع يحدثها مطمئنًا بصوته العميق وهو يتحرك ليحتضنها بين ذراعيه:
- خلاص انسى.
اقتربت حياة منه حتى التصقت به وأراحت رأسها فوق كتفه، ثم أغمضت عينيها بارتياح بسبب السلام الداخلي الذي اجتاحها بمجرد اقترابه منها وعلمها أنها في حمايته وبين ذراعيه.
وبعد فترة من الصمت تحدثت تسأله مستفسرة باهتمام:
- إنت كويس صح؟
زفر فريد مطولًا بضيق، ثم أجابها بحيرة:
- صدقيني لو قلت لك مش عارف.
رفعت حياة رأسها تنظر إليه، ثم مدت أناملها تتلمس برفق ذقنه ووجنته قائلة بتوجس:
- إنت مش مبسوط؟
فهم فريد ما ترمي إليه، فأسـرع يقول باستنكار وهو ينظر داخل عينيها:
- محتاج أقول لك؟
هزت رأسها نافية ببطء وهي تحدق داخل عسليتيه، ثم أجابته هامسة:
- عينيك قالت.
أخذت حياة نفسًا عميقًا، ثم أردفت تقول بنعومة:
- إنت عارف إن ثقتي فيك أكبر من ثقتي في نفسي.. مجرد وجودك معايا بيديني الثقة والأمان.. حتى صوتك كفاية.
فتح فريد فمه ليجيبها، فسارعت حياة بوضع أصابعها فوق شفتيه قائلة برقة:
- ششش.. بحبك.
لانت ملامحه وانفرجت أساريره وتناسى للحظات ما مرا به، وتمتم يقول بذعر:
- كنت هعيش إزاي لو جرالك حاجة.
كانت حياة على علم بصراع مشاعره الداخلي، لذلك طبعت قبلة فوق شفتيه، ثم قالت هامسة لتطمئنه:
- مجراليش حاجة.. وأكبر دليل إنها قدامك سليمة إني مضطرة أستحمل البتاعة اللي بتوجع دي.
لاحت شبح ابتسامة فوق شفتيه، ثم سألها باهتمام وهو يقرب رأسه منها ويستند بجبهته فوق جبهتها:
- بتوجعك أوي؟
أجابته ممازحة:
- الحاجة الوحيدة اللي مخلياني مستحملاها إنك جنبي.. وبعدين أنا أضحك عليا.. أنا مكنتش أعرف إن من أولها أبر كده.
اتسعت ابتسامته وهو يتأمل شفتها السفلية المجروحة من أثر لطمة نجوى، ثم رفع أنامله يتلمسها وهو يسألها باهتمام:
- بتوجعك؟
جعدت أنفها بمرح نافية، ثم اقتربت منه تتلمس شفتيه بشفتيها في دعوة منها، تقبلها هو على الفور، وبدأ في تقبيلها ببطء وترو، ثم ازداد في تعميقها شيئًا فشـيئًا. ابتعدت عنه حياة بعد فترة لتلتقط أنفاسها، ثم سألته مستفسرة بقلق بعد تذكرها:
- فريد.. بابا.
أجابها فريد بهدوء:
- ششش.. بابا معاه ولما يخرج هيطمنك.
عادت حياة لتستند برأسها فوق كتفه في انتظار انتهاء محـلولها الطبي، وبعد انتهاء جملته بعده دقائق، دلف والده للداخل متنحنحًا، مما جعل فريد ينتبه له بحواسه، ثم سأله بهدوء:
- إيه الجديد؟
أجابه والده بنبرة خالية:
- متقلقش الرصاصة طلعت سطحية.. طلعوها واتعاملوا مع الأمر.. يقدر يطلع بكرة عادي.. لو حياة تحب تطمن عليه هو اتنقل أوضة عادية.
رفعت حياة رأسها ببطء، ثم تمتمت له بخجل قائلة:
- شكـرًا.. وشكـرًا على كل اللي حضرتك عملته النهارده.
ابتسم لها غريب باقتضاب، ثم عادت ملامحه للجمود قبل أن يلتفت بجسده نحو الخارج استعدادًا للخروج. ضغطت حياة فوق كف فريد لتحثه على اللحاق به، وعندما لم يتحرك من جوارها هتفت اسم والده بخفوت تستوقفه:
- أونكل غريب.. ثواني فريد عايز يقولك حاجة.
توقف غريب على صوتها واستدار بجسده ناظرًا نحو فريد الذي رمقها بعدة نظرات متوعدة، ثم بدأ يتحرك من جوارها على مضض حتى توقف أمامه. أخذ نفسًا عميقًا، ثم قال باقتضاب وبملامح وجهه مرتبكة:
- البقاء لله.
ابتسم له غريب ابتسامة باهتة، ثم قال بهدوء مصححًا:
- نيرمين مماتتش.. أنا بس قلت كده قدام جيهان عشان أوقفها عن اللي بتعمله.. بس في الحقيقة رجليها حصلها مشكلة ومبتقدرش تحركها بمعنى أدق يعني "اتشلت عن الحركة".. وأنا دلوقتي رايح لها.
ضغط فريد فوق شفتيه بأسف، ثم عاود يقول بنبرته المتصلبة:
- لو احتاجت تتعالج بره بلغني وأنا هخلصلك كل المطلوب في أسرع وقت.
ربت غريب فوق ساعده باستحسان، ثم أجابه بامتنان وهو يتأمل ابنه بفخر:
- عارف إني دايمًا أقدر أعتمد عليك.
أومأ فريد له بعينيه مؤكدًا، ثم عاد يتحدث على مضض:
- أنا كنت عايز.. عايز أشكرك إنك وقفت تدافع عني وعن حياة.
نظر غريب من فوق كتف فريد محدقًا للفراغ، ثم قال بنبرة ذات مغزى بعدما أخذ نفسًا عميقًا:
- ده دين وكان لازم يحصل من بدري.. رغم إني أشك إن ممكن يجي يوم وأسدده وأرتاح منه.
فهم فريد ما يرمي إليه بجملته تلك، لذلك حاول تجاهلها وأردف يقول بنبرة شبه مترددة:
- غـ.. بابا.. حياة حامل.
ساد الصمت لبرهة نقل غريب خلالها نظراته المشدوهة عدة مرات بين فريد وحياة، ثم ابتسم هاتـفًا بعدم تصديق وبعده كلمات متفرقة:
- حامل!!! إنت!!! حفيد!!! أخيرًا.
ابتسمت حياة من ارتباكهم ومن ردود أفعالهم المتشابهة ولصراع المشاعر ذلك المتباين فوق وجوههم، والذي أنهاه غريب أولًا بأخذ فريد داخل أحضانه بحب، أما عن فريد فقد تعامل مع والده بجموده المعتاد رغم لمحة الدفء التي لاحظتها حياة داخل عينيه بعدما عاد يجلس جوارها في صمت.
بعد انتهاء المحلول الطبي أصرت حياة على الاطمئنان على والدها قبل ذهابها. دلفت إلى داخل غرفته بتوجس تحاول السيطرة على التوتر الذي انتابها بمجرد مطالعة محياه أمامها. هي لم تخبر فريد حتى الآن ولا تدري كيف تخبره، فداخلها لم يرد إخباره عما حدث رغم علمها التام بخطأ ما تفعله. ربما بسبب حرجها، وربما بسبب خوفها من رد فعله، أو ربما من أجل الاثنين معًا، وهذا هو الأقرب للصواب. فرغم كل شيء هو لا يزال والدها وبداخلها تتمنى بشدة أن يكون موقفه الأخير تجاهها وحمايته لها بداية جديدة لعصر جديد بمعاملة جديدة. اعتدل والدها من نومته بمجرد رؤيتها تدلف الغرفة، ويدلف فريد خلفها مستعدًا للقائهما. تنحنت حياة محاولة تنقية حلقها والسيطرة على ارتباكها، ثم سألته بنبرة خافتة وهي تخفض رأسها للأسفل متجنبة النظر نحوه:
- عامل إيه دلوقتي.
أجابها والدها بانكسار:
- الحمد لله.. أخدت عقابي.
رفعت حياة رأسها بترقب شديد، وضيق فريد عينيه فوقه، ثم سألته بارتياب:
- قصدك إيه؟
أجابه عبد السلام بخزي وهو مطأطأ الرأس:
- أنا عارف إن اللي هقوله ده هيضايقك ومش ضامن تأثيره عليك هيكون عامل إزاي، بس مهما كان رد فعلك أنا متقبله.. لأني كنت السبب في اللي حصل.. جيهان اتفقت معايا إن أجيب لها حياة لحد عندها وأخد فلوس مقابل إنها تجر رجليك وبعدها تسيب حياة، بس مصدقتش معايا.. أو هو ده اللي أنا كنت فاكر هيحصل ومحصلش.. بس وعهد الله ما كنت أعرف إن الموضوع فيه كده.. مفيش أب عايز يموت عياله.. أنا عارف إني ظلمت حياة كتير وضايقتها أكتر، بس عمري ما اتخيلت إني أكون السبب في موتها أو موتك.. أموتها إزاي ودي بنتي!!! دي مفيش حاجة توجع الأب أكتر من عياله.. عشان كده أنا ندمان وبتمنى من ربنا يسامحني على اللي عملته ده والفلوس اللي أخدتها منها أنا مش عايزها.. خدوها اتصرفوا فيها.. هو فيه إيه في الدنيا أهم من عيالي.
بدأت دموع حياة في الانهمار بسبب سماعها لحديث والدها. لم تسامحه نعم، جزء كبير بداخلها لم يستطع نسيان ما فعله بها على مدار سنوات، وجزء آخر يذكرها بالآية الكريمة "وبالوالدين إحسانًا". تنهدت بحزن، ثم قالت باقتضاب:
- متشغلش بالك يا بابا.. المهم إننا كلنا بخير دلوقتي.. وهبقى أطمن عليك تاني.
أنهت جملتها تلك ورفعت رأسها تنظر إلى فريد بملامحه الغاضبة، ثم طلبت منه بصوت متحشرج من أثر الدموع:
- ممكن نمشي دلوقتي.
لم يصدر من فريد أي رد فعل، بل اكتفى بتحريك كفه للأمام في إشارة منه لتتقدمه. تحركت حياة للخارج بخطوات مثقلة، وبمجرد خروجها من الغرفة ووصولها للممر اندفعت تعانقه بقوة وتخفي رأسها في كتفه، وبدأت تشهق بكل ما أوتيت من قوة وهي تغمغم بكلمات متفرقة:
- ممكن نمشي.. أنا عايزة أروح بيتنا مش عايزة أستنى هنا.
شدد فريد من احتضان ذراعيه لها، ثم أجابها بحزن لرؤية حالها هكذا:
- طب تمام تمام.. بطلي عياط واهدي وهنمشي دلوقتي حالا.. حياة إنتي لازم تهدّي وافتكري كلام الدكتورة.
ابتعدت عنه قليلًا، وقامت بمسح دموعها بظهر كفها، ثم سألته بنبرة طفولية:
- يعني إنت مش زعلان مني؟
قطب فريد جبينه بدهشة، ثم سألها مستنكرًا:
- إنتي بتعيطي عشان فكراني زعلان منك!!
تعلقت بستـرته بكلتا كفيها المتكورة، ثم حركت رأسها على مضض موافقة وهي تنظر داخل عينيه لتستبين رد فعله. رغم غضبه الواضح بسبب مواجهة والدها الأخيرة ومعرفته بما فعله، إلا أنه وجد نفسه يبتسم رغـمًا عنه، ثم قال بمزاح:
- وأنا اللي فاكرك متأثرة باللي حصل جوه.
لاحت شبه ابتسامة على شفتيها، ثم أجابته بخفوت:
- عشان الاتنين.. بس والله كنت هحكيلك.. ممكن متزعلش مكنش قصدي أخبي عليك.
يبدو أن ذلك المهدئ البسيط الذي وضعته الطبيبة داخل محلولها الطبي دون علمها قد بدأ يؤتي ثماره، لذلك تنهد فريد بارتياح، ثم أجابها وهو يحتضن يدها استعدادًا للخروج:
- طب خلينا نتكلم في البيت.
ضغطت فوق شفتيها بامتعاض ثم تحركت معه للخارج، محاولة تقبل ما حدث والتفكير بإيجابية حتى ينتهي هذا اليوم الصعب، فأهم شيء وأفضل شيء أن ابنها وزوجها معها ولم يصابا بأي سوء، وما دون ذلك شكليات تستطيع تخطيها معه وهي داخل أحضانه وتحت رعايته.
في المنزل وأثناء صعود حياة الدرج شعرت ببعض الدوار ينتابها، فتوقفت عن الصعود وأغمضت عينيها لبرهة محاولة السيطرة عليه. توقف فريد هو الآخر جوارها، ثم انحنى بجزعه نحوها يسألها بقلق:
- حصل حاجة؟
همهمت بصوتها نافية ثم أجابته مطمئنة:
- مفيش دوخة بس شوية.
انحنى فريد بجزعه ووضع ذراعه تحت ركبتها والأخرى في منتصف ظهرها، ثم حملها للأعلى مكملاً طريقه نحو غرفتهم وهي بين يديه. دلف بها إلى غرفتهم ووضعها فوق الفراش برفق، ثم عاد ليستقيم في وقفته. تمسكت حياة بذراعه بقوة وهي تسأله بذعر:
- انت رايح فين؟
جلس جوارها فوق الفراش ثم أجابها بنبرة مرهقة:
- مفيش هعمل شوية اتصالات أشوف وصلوا لفين وأرجعلك.
تشبثت بذراعه بقوة ثم هتفت متوسلة:
- لا عشان خاطري خليك جنبي النهاردة بس مش عايزك تبعد.
لم يكن يحتاج لتوضيح ليفهم ما تشعر به، فهو الآخر لا يستوعب إلى الآن ما مرا به ولا فكرة فقدان أحدهم للآخر، لذلك استلقى جوارها بهدوء ثم فتح ذراعه لها لتقترب منه. ابتسمت بسعادة ثم اندست مسرعة داخل أحضانه تستند برأسها على صدره القوي تتلمس منه الأمان والراحة. بعد فترة من الهدوء تحدثت حياة قاطعة بينهم الصمت وقائلة بضيق:
- كل ما أغْمِض عيني بتخيل منظرها وهي بتضرب بالرصاص وهي مرمية على الأرض ودمها حواليها. بجد نهاية وحشة أوي.
شدد فريد من احتضانه لها وهو يتنهد بقله حيلة ثم قال بحنان:
- أنا عارف إن اللي شفتيه مش سهل.
قاطعته حياة قائلة بسرعة، فقد كانت تنتظر وصولهم المنزل حتى تتحدث معه:
- ولا أنت.. أنا عارفة ومتأكدة إنك مضايق عشان حاسس إني اتعرضت للخطر بسببك، مع إن العكس هو اللي حصل. أنت كان ممكن يجرالك حاجة بسبب جشع بابا.
مسح فريد فوق شعرها بحنو ولم يعقب. فردفت حياة تقول بهدوء:
- فريد.. حبيبي.. قولي اللي في قلبك أنا هنا سامعاك.
لم يصدر منه رد فعل، فاستطردت حياة تقول بنبرة خفيضة:
- أنت عارف.. أنا مش عارفة المفروض أزعل ولا أفرح بسبب اللي حصل. يعني في الأول كنت مرعوبة وقلبي هيقف من خوفي عليك، بس دلوقتي.. دلوقتي مرتاحة باللي حصل. فعلاً في كل شر خير، وفي الآخر كل واحد أخد جزاءه ومرتاحة إننا خلصنا من شر جيهان ونجوى. يعني في النهاية الحمد لله أنت معايا وقدامي وابننا هنا في أمان.
أنهت جملتها تلك واعتدلت في نومتها لتجلس فوق الفراش، ثم رفعت كفه ووضعته فوق بطنها وهي ترمقه بنظرات مشجعة. لانت ملامح فريد على الفور بسبب فعلتها تلك وزفر بقوة مستسلماً ثم قال بضيق:
- كان ممكن تحصلكم حاجة بسببى. ساعتها عمري ما كنت هسامح نفسي لو جرالك حاجة. حياة أنا كنت أناني لما صممت أدخلك حياتي وكل الحقد ده حواليا.
قاطعته حياة بلهفة واضعة كفها فوق فمه تمنعه من الاسترسال قائلة بتوسل:
- لا عشان خاطري أوعى تقول كده.. أوعى تفكر كده.. دي حياتنا بخيرها وشرها.. بحلوها ومرها.. أنا وأنت مصيرنا واحد، ولولا مساعدة بابا ما كانش حصل كل ده. يعني زي ما قلتلك من شوية.. أنا السبب مش أنت. وبعدين فين كلامك إن طول ما أنا جنبك مينفعش أخاف؟! أنا كنت واثقة زي ما أنا بكلمك دلوقتي.. إنك قادر تحمينا وتلحقني. وأنت عملت كده ولقيتك قدامي من غير ما تفكر في نفسك لحظة واحدة. وبعدين ربنا سترها معانا. فريد أنا عمري ما كنت أحلم إن بابا ممكن يقف قدامي وياخد رصاصة بدالي من غير ما يفكر، ولا إن بابا يقف قصادنا إحنا الاتنين ويدافع عننا من غير ما يخاف على نفسه أو من جيهان. عشان كده بطلب منك تحاول تسامح.. عشان خاطري حاول.. ومتأذيش بابا. خلي فيه باب مفتوح يمكن دي البداية.
اعتدل فريد بجسده وجلس قبالتها يسألها مستفسراً بعدما رأى وهج الدموع يلمع داخل مقلتيها:
- حياة!!! أنت لسه مستنية منه حاجة؟
أجابته نافية:
- مش مستنية.. بس مش عايزة أعصي ربنا فيه. عشان كده بطلب منك لو بتحبني تودني فيه. مش بطلب منك توده ولا تسأل عنه، يكفيني إنك متخدش رد فعل ضده.
لوى فريد فمه بضيق ثم قال على مضض بنبرة جامدة:
- حاضر يا حياة.. بس هخليه تحت عيني لأني مش ضامنه.
ارتخت ملامحها وأجابته وهي تعانقه بحب:
- وأنا مش محتاجة أكتر من كده.. ربنا يخليك ليا ويجبر خاطرك زي ما أنت مفرحني وجابر بخاطري دايماً يا أحلى حاجة في دنيتي.
طبع فريد قبلة فوق شعرها وذراعه تحاوط خصرها وتحتضنها بتملك.
هتفت حياة بعد فترة اسمه بدلال وهي تطبع قبلة ناعمة فوق ذقنه:
- فريد.
أجابها بصوته الأجش:
- عيون فريد.
أجابته بخجل وهي تداعب عنقه بأناملها:
- أنا جعانة.
دوت ضحكته عالياً من تبدل مزاجها الفوري ثم سألها باستفسار:
- حاضر.. تحبي تأكلي إيه؟
أخفت رأسها في تجويف عنقه ثم أجابته بصوت مكتوم:
- أي حاجة.. وممكن تقول لدادا عفاف تعملي كرواسون.
اتسعت ابتسامته مرة أخرى وهو يحرك رأسه بعدم تصديق قائلاً بمزاح:
- أنتِ متأكدة إنك كنتي مخطوفة من شوية؟
امتعضت ملامحها ثم أجابته متصنعة الحنق:
- يا سلام!!! أعمل إيه يعني؟ وبعدين أنت لازم تراعي إن بقيت اتنين في واحد ومحتاجة أكل كويس.
سألها فريد بنبرة ممازحة:
- وهو الأكل الكويس ده بالكرواسون؟
رفعت رأسها تنظر إليه ثم حركت رأسها مؤكدة وهي تمط شفتيها للأمام. اقترب فريد منها ببطء ثم قال بنبرة عابثة:
- تصدقي أنا كمان وحشني الكرواسون.
هتفت حياة اسمه بدلال وهي تعض فوق شفتيها بخجل:
- فرييييد.
عبست ملامحه وضاق المسافة ما بين حاجبيه وهو يسألها بحنق:
- هي قالت الفترة الأولى صح؟
هزت حياة رأسها مرة أخرى مؤكدة بصمت وهي تبتسم له بشماتة. رفع إحدى حاجبيه مستنكراً ثم قال بهدوء متوعداً:
- يبقى متنديش عليا.. ومتبصليش كتير.. وبطلي تستفزيني عشان في الآخر الحساب هيجمع يا حياة.
رددت حياة من خلفه ممازحة لتثير حنقه:
- حاضر مش هقول فريد خالص.. ومش هبصلك حتى من بعيد لبعيد ومش هاجي وراك الجيم.. اتفقنا.
هتف فريد اسمها محذراً، فسارعت تقول مصححة بجدية:
- خلاص والله آسفة بس بشرط.. تفضل قدامي ليل ونهار عشان أتوحم عليك براحتي.. ولا عندك مانع؟
أجابها قبل التهامه لشفتيها بين شفتيه:
- أنا اللي عايز أفضل جنبك ليل ونهار وكفاية عليا أبصلك بس.
بعد مرور شهران وبعد وجبة العشاء تفاجئت حياة بزيارة السيد غريب لهم. بالطبع بعد تلك الحادثة تحسنت العلاقات بينهم بشكل طفيف وأصبح فريد أكثر ليناً في التعامل معه، ولكن ليس لدرجة الزيارات العائلية. تنحنح والده قاطعاً الصمت والتساؤلات وقائلاً مباشرة دون تجميل:
- فريد.. نيرمين طالبة إنها تشوفك أنت وحياة.
حركت حياة رأسها نحو فريد الذي كان يقف قبالتها بجمود تنتظر إجابته. عاد السيد غريب يقول موجهاً حديثه لحياة تلك المرة:
- حياة لو سمحتي.. نيرمين اتغيرت بجد وهي طالبة إنها تشوفك واترجتني كتير.. متخليش على واحدة في حالتها خسرت كل حاجة ومبقاش حد حواليها بالطلب ده.
تنهدت حياة بحيرة وظهر التأثر على ملامحها، ورغم ذلك قالت بحسم:
- أنا آسفة بس أنا وعدت فريد قبل كده إني عمري ما هدخل في اللي بينه وبينها.. بس كل اللي أقدر أقوله إن لو فريد وافق يقابلها هتلاقيني قبله.
نظر غريب نحو فريد بتوسل منتظراً إجابته، وعندما لم يجد سوى الصمت تحرك للخارج بإحباط وأكتاف متهدلة.
وفي صباح اليوم التالي وبعد استيقاظهم وتناول حياة للفطور تفاجئت بفريد يقول بجمود:
- حياة.. اجهزي عشان هنخرج.
سألته حياة باستنكار:
- هنروح فين؟
أجابها بغموض وهو يتحرك نحو مكتبه:
- اجهزي ولما نوصل هتعرفي.
بعد فترة ليست بقليلة توقفت سيارتهم أمام إحدى المصحات المرموقة. شهقت حياة بعدم تصديق وهي تنظر نحو فريد الذي ضغط فوق كفها مشجعاً دون حديث. تحركت معه للداخل بتوتر حتى وصلا إلى غرفة نيرمين. دلف فريد الغرفة بعدما استأذن من طبيبها المعالج لزيارتها، ودلفت خلفه حياة بتوجس. نظرت نيرمين إليهم بدهشة ثم هتفت بعدم تصديق:
- فريد!!
أومأ فريد رأسه لها بجمود دون حديث. تحولت ملامح نيرمين وأخذت نفساً عميقاً ثم قالت مباشرة بنبرة متهدجة:
- أنا طلبت من بابي يخليني أزوركم.. بس مكنتش عارفة إنكم هتيجوا بالسرعة دي خصوصاً بعد اللي عملته فيكم انتوا الاتنين. فريد.. أنا عارفة إني غلطت في حقك كتير.. وعارفة إن معندكش أي سبب أو دافع يخليك تصدقني ولا أنتِ يا حياة.. بس صدقوني بعد اللي حصلي وبعد اللي عرفته أنا مبقتش عايزة عايزة حاجة من الدنيا.. بس كل اللي محتاجاه أخ واخت يحبوني من غير مصلحة أو سبب. عشان كده بتمنى تسامحوني وخصوصاً فريد.. أو على الأقل تسألوا عليا بعد ما كل حاجة راحت.
استمعت حياة إلى حديثها وقد بدأت دموعها في الانهمار حزناً عليها وهي تراها تجلس فوق كرسي متحرك بعدما استشعرت الصدق في حديثها تلك المرة، لذلك قالت بصوت متحشرج:
- أنا مسامحاكي.. رغم إن اللي عملتيه فيا المرة اللي فاتت كلفني كتير.. بس ربنا عوضني.. وده كفاية عندي.
رفعت يدها تتلمس بطنها التي بدأت في الانتفاخ أمامها ثم أردفت تقول بصوت باكٍ:
- فصدقيني ده السبب اللي خلاني سامحتك. أما عن فريد فأنا وعدته مش هدخل بينكم تاني. كل اللي أقدر أقوله إني لو مكانك هعمل أي حاجة عشان يسامحني. كفاية سنينك اللي فاتت عدت وأنتِ محرومة من حنيته وطيبة قلبه ومساعدته ليكي. صدقيني لو كسبتي فريد فأنتِ كسبتي أب وأخ ودنيا كاملة.
صمتت قليلاً ورفعت كفها تمسح على عضده برفق ثم أردفت توجه حديثها له وعيونها تتأمله بإعجاب قائلة بعشق:
- وعشان أنا عارفة فريد أكتر من روحي.. عارفة إن حنانه هيغلب قسوته.
بس أنا عشان وعدتك هستنى بره وهسمع قرارك منك بعدين.
أنهت جملتها تلك ثم انسحبت للخارج تجلس على أقرب مقعد صادفته.
وبعد فترة ليست بكبيرة خرج خلفها فريد بملامح وجهه خالية.
انتفضت حياة من مقعدها وتحركت نحوه بلهفة ثم تمسكت بكفه في سؤال صامت.
نظر إليها فريد بجمود ثم قال بأندفاع ودون مقدمات:
- معرفتش أنسى.. مش عارف يا حياة.. مش عارف مهما حاولت.. بس وعدتها إني هاخد بالي منها ومش هسيبها لوحدها تاني..
وضعت حياة فمها فوق كفها تحاول كبت دموعها ثم قالت بنعومة لتطمئنه:
- كله في وقته يا حبيبي.. عارفة إن هييجي يوم وتسامح.. متحملش نفسك فوق طاقتها.. عارفة إن حمايتك جزء من حنانك هيكفيها ويزيد.. أما الباقي الوقت كفيل بيه.
بعد مرور تسعة أشهر.
وقفت حياة داخل غرفتهم تحتضن بحنان طفلتها بين يديها وتهدهدها بحب.
فتح فريد باب غرفتهم فسارعت حياة تهتف بسعادة بمجرد رؤيته أمامها:
- بابي جه.. يا لوكا يا كسلانة قومي قولي لبابي وحشتني وحمدلله ع السلامة يلا..
تحرك فريد نحوهم مباشرة وأحاطهم بذراعيه ثم قام بطبع قبلة ناعمة فوق جبهة كلا من زوجته وطفلته وهو يهتف بحب:
- مليكة قلبي.. وحشتي بابي.. حياة دي نامت!!..
قالت حياة معترضة بغيره:
- والله!!.. دلوقتي بقت مليكة قلبك وأنا ماليش!!.. حتى لما بتدخل على فكرة بتسأل عليها هي الأول وبتبوسها هي الأول.. خلاص يا فريد مبقاش ليا لازمة عندك..
سألها فريد بمرح وهو يحك أنفه بوجنتها:
- حياة روحي غيرانة ولا إيه؟..
أجابته حياة متصنعة الحزن:
- آه طبعاً غيرانة.. مانا شايفة الدلع كله لمليكة.. لو كنت أعرف كنت جبت ولد..
حمل فريد طفلتها من بين يديها برفق وقام بوضعها داخل مهدها بحذر ثم عاد ليقف أمام حياة قائلاً بمكر وهو يغمز لها بإحدى عينيه:
- طب ما تيجي نجرب تاني يمكن تجيبي ولد.. وبعدين مين اللي المفروض يغير.. ده من ساعة ما مليكة جت وإنتي مش معبراني خالص..
اقتربت حياة منه ثم قالت بدلال:
- طب وحشتني..
أوقف إجابته بضع طرقات خفيفة على باب الغرفة جعلته يهتف بحنق مستفسراً مما جعل طفلته تستفيق على صوته:
- مين!!..
أجابته سارة بنبرة متعثمة من خلف الباب المغلق:
- فريد بيه.. غريب بيه تحت ومستني حضرتك..
زفر فريد بحنق ثم غمغم بضيق وهو يتحرك نحو الباب:
- آهو هو ده اللي كان ناقصني.. مش عارف أنا خلفه إيه دي اللي جاية على دماغي..
دوت ضحكة حياة عالياً وهي تحمل طفلتها التي استفاقت بشكل كامل وعادت لوعيها استعداداً لاستقبال جدها ثم سألته باهتمام وهي تتحرك بجواره:
- حبيبي.. نرمين عاملة إيه بعد ما وصلها خبر إعدام جيهان؟..
أجابها فريد بعدما توقف عن السير:
- بصراحة اتفقنا محدش يقولها غير لما علاجها يخلص خالص.. إنتي عارفة كده كده هي مش بتتحرك ومحدش مسموح له يزورها غير أنا وبابا ووائل..
أومأت حياة برأسها متفهمة ثم قالت باستحسان:
- عين العقل يا قلبي.. ربنا ما يحرمنا من وجودك حوالينا..
طبع فريد قبلة خاطفة فوق شفتيها ثم عاد ليقول مادحاً:
- وائل كمان طول الفترة اللي فاتت مسبهاش لوحدها.. الدكتور قالي إن وجوده عليها عامل كبير..
ابتسمت حياة لحديثه بسعادة ثم عادت تقول بإعجاب:
- بصراحة يا فريد.. وائل ده طلع صاحب بجد ميتخيرش عنك.. كنت عارفة من الأول إنكم هتكونوا صحاب..
احتقنت ملامح فريد ورفع إحدى حاجبيه مستنكراً فسارعت حياة تقول مصححة لتراضيه:
- بس حبيبي مفيش زيه طبعاً.. فريد قلبي وروحي.. هو واحد بس..