نهيت الهاتف جانبًا وأنا أطلق ابتسامة. رسالة أنثوية. أكاد أشم عطر ليبر إنتنس. مهما حاولت المرأة أن تكون شريرة، لا يمكنها أن تتخلى عن أناقتها. أشعلت لفافة تبغ، كتبت: مرحبًا. يمكنني أن أقول إنني مستعد أخيرًا لمقابلة الشابة الجميلة. وضغطت إرسال. وكأن وجهها يطل من شاشة الهاتف. رأيت عينيها الخضر تحدقان بالكلمات وابتسامة تتولد على شفتيها. أناملها تداعب لوحة المفاتيح. "إذا لم تلزم حدك، سوف أقتلك." كتبت وهي تمسد شعرها بيدها.
"أنت لست امرأة. كيف يمكنك قتل شخص ميت بالفعل؟ أنا روح هائمة. مجرد محاولة قتلي تصيبني بالضحك." "لماذا تقحم نفسك في إشكاليات؟ انتبه لأكل عيشك، ابحث عن عمل وتوقف عن أخذ الإعانات من الجيران والعائلة." "اسمعي، محاولة استفزازي ستفشل ولن تزيدني إلا إصرارًا على وضعك داخل زنزانة متعفنة حتى يتساقط شعرك الجميل." "اذهبي لشرفة غرفتك، ستحظين بنظرة من وجهي الجميل."
تركت الهاتف. كان عليّ أن آخذ حمامًا دافئًا طويلًا. المياه كانت مقطوعة. طرقت باب شقة أم محمود وطلبت مياه. منحتني المرأة قنينة ماء كبيرة بوجه ممتعض. وضعت حلة مياه كبيرة على السخان وأنا أتناول بقايا ساندويتش جبن. لا أعلم إلى متى من الممكن أن تتحلمني تلك المرأة. ارتديت ملابسي وشربت كوب شاي وأنا أراقب هاتفي الذي يهتز من الرسائل الواردة. كانت هناك أكثر من رسالة قادمة من سارة. قرأتها بلا اهتمام.
"إنت عرفت إزاي إني هقابل نيرة؟ "إنت مش بترد ليه؟ "إنت قافل تليفونك ليه؟ "أرجوك أنا آسفة رد عليا؟ ثم الرسالة التي كنت أنتظرها. "إنت فاكر الموضوع هزار؟ "حذرتك وقابلت كل ذلك باستخفاف؟ كتبت بسرعة: "أتمنى أن لا يكون الهواء البارد قد أفسد بشرتك." "بلا لف ولا دوران، حددي موعد المقابلة يا نيرة؟
"مواجهة وجهًا لوجه كفيلة بإنهاء الموضوع. لست مهتمًا بقدر كافٍ لمعاقبتك، لكن احذري أي محاولة للكذب ستجعلني أفتح ملف القضية مرة أخرى. أكيد انتي عارفة أنا أقصد إيه؟ "سأجعلها سهلة علينا أن نجد طريقة تريح قلب سارة ولا توقعك في المشاكل. لو كنت شايفه إن كلامي مش مهم، متكتبيش ولا حرف." "هقابلك... تنهدت. لما كان عليها أن تثير حنقي؟ "متى كتبت؟ "في أي وقت تحبي... "مش عايز أخوكي فارس يعرف إني هقابلك."
"لازم تاخدي بالك إن فارس بيراقبك." "متقلقيش، محدش هيعرف حاجة." كنت متأكدًا أن نيرة تمتلك الحيلة لمقابلتي دون أن يلاحظها أي شخص، لكن كان عليّ أن أتأكد. "إيه رأيك نتقابل الليلة؟ "الساعة سبعة في المنتزه." بصيت لساعتي. كانت قريبة من الخامسة، مما يعني أن عليّ التحرك فورًا. وصلت العنوان وتسكعت في الحديقة مثل كلب متشرد أكثر من نصف ساعة.
لا أعرف كيف لا يحترم إنسان موعد أبرمه بكامل قواه العقلية. في العادة لا أمنح ذلك الوغد الذي يستهين برؤية سحنتي فرصة أخرى. وصلتني مهاتفة من نيرة. كانت المرة الأولى التي أسمع فيها صوتها. قلت: ستعتذر. لكن نيرة تحدثت بصوت خافت. قالت إنها اضطرت لتغيير مكان لقائنا، وأن عليّ أن أسير خمسمائة متر، وأنني سأجدها واقفة أمام عمارة. تحركت من مكاني وأنا أشعر بالخطر. تجوالي في مكان لا أعرفه يصيبني بالقشعريرة.
كأن كاميرا التقطت عيني بعض صور للشارع والدكاكين. قبل نهاية شارع هادئ لمحتها تقف أمام باب عمارة. لم أحتج وقتًا طويلًا للتعرف عليها. كانت الساعة تعدت الثامنة مساءً. الظلام ألقى ردائه على الأرض. أطلقت ابتسامة رعناء ويدي تقبل يدها الناعمة. "واضح إننا مش هنعرف نتكلم هنا. المكان مكشوف؟ "عارفة، تعالي ورايا." ثبت في مكاني. "أمشي وراكي فين؟ "فيه شقة فاضية فوق أو هنقف على السلم." "آسف، لا أدخل شقق مع فتيات."
أطلقت نيرة ابتسامة ساخرة. "خايف مني؟ "لا، لكن سمعتك ستكون على المحك." "ملكش دعوة بسمعتي اللي إنت بتحاول توسخها أصلًا، متعملش نفسك فيها إنسان شريف." كانت إهانة لا يمكن عبورها. "قلتلك مش هطلع فوق." "طيب طالما خايف اطلع معايا كام سلمة عشان محدش يشوفنا." كان مدخل العمارة مظلمًا يوحي بالخطر. تكاد تشعر أنها مهجورة. وبعد خطوتين شعرت بخطر أكبر. الظلام كان يحيط بي. توقفت والتفت. "آسف، سأرحل."
تلقيت ضربة قوية على مؤخرة رأسي أخلت توازني. وتحاشيت الضربة الثانية بيدي قبل أن ألقي بجسدي في الطريق. تدحرجت على الأرض. كنت أعلم أن وصولي للطريق فرصتي الوحيدة. زأرت سيارة كادت تدهسني. اعتذرت للسائق وأنا أمسح مدخل العمارة التي لم يظهر بها أحد. أنهضت جسدي وأنا أكاد لا أرى الطريق. رأسي تنزف دمًا وقواي تدهورت. تحاملت على نفسي. كان لابد أن أبتعد عن المكان. سرت وأنا أترنح مسافة طويلة قبل أن أفقد القدرة على الحركة والرؤية.
وقفت دقيقة ألهث. استجمعت أفكاري واستندت على الجدار. ثم بحركة مجنونة تسلقت درج سلم وسقط جسدي على الأرض. بعد ساعات، فتحت عيني. كنت داخل شقة رائعة الديكور والأثاث، راقد على سرير كبير. رأسي مربوطة بشاش أبيض. عاينت جسدي كان سليمًا. لست مقيدًا مما يعني أنني لست في خطر. حاولت النهوض وجلست على طرف السرير. "أخيرًا استعدت وعيك؟ " قالت سارة وهي تمر من باب الغرفة.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!