بعد أسبوعين في فيلا دويدار. استيقظت شمس بنشاط وجدية. فهي تشعر بعد تلك المدة البسيطة التي قضتها برفقة صفاء أنها سيدة حنونة جداً ورقيقة، والأهم من ذلك أنها تعاملها كابنتها وليست كمرافقة. والأهم من ذلك، تقربها من جميع الخدم بالقصر، السيدة سلمى مدبرة المنزل وتلك الفتاة التي تدعي سارة. تشعر وكأن دعوات أمها استجابت حين رُزقت بتلك الوظيفة.
لكن ما تخاف منه هو خفقات قلبها حين تتابعها سواد عيناه القاتمة، وحين يصوب نظره الحاد عليها، تشعر حينها بارتجاف مخيف. هي ترهب التواجد معه في مكان وحدهما. تشعر أحياناً وكأنه يكرهها، لكن لا تعرف لماذا. نظراته قاسية وحادة نحوها. هي فقط خرجت من الحمام وهي تجفف شعرها في استعداد للنزول. أنهت ارتداء ثيابها وحجابها الأنيق، ثم خرجت من الغرفة. كانت تقف في المطبخ تقوم بتحضير طعام الإفطار للسيدة صفاء، ثم اتجهت نحو غرفتها لتساعدها.
أطرقت على الباب بخفة قائلة بود: "صباح الخير يا هانم." ابتسمت صفاء قائلة بحب: "صباح الورد يا شمس." ابتسمت شمس وهي تدلف للغرفة، ثم توجهت للشرفة تسحب الستائر ليتغلغل ضوء الشمس يداعب المكان بخفة. صفاء: "الجو النهارده جميل جداً." شمس بحماس: "فعلاً الجو رائع، تحبي حضرتك تفطري في الجنينة." ردت صفاء بابتسامة بسيطة: "تمام يا شمس، خلينا نفطر سوا برا. صحيح، والدتك أخبارها إيه؟ شمس: "بخير الحمد لله."
ساعدتها شمس في الجلوس على الكرسي المتحرك، ثم مغادرة الغرفة والخروج إلى الجنينة. كان يقف أمام المرآة يهندم حلته السوداء الأنيقة. أخذ ساعته الفخمة يرتديها في معصمه. خرج من الغرفة على أمل أن يراها. منذ اليوم الذي قابلها به وهو يشعر بالفوضى العارمة بداخل مشاعره. كلما يلتقيها وتننظر له بتلك العيون البنية المرتبكة والبريئة، تشتعل بداخله رغبة غريبة بالنظر إليها أكثر وتأملها أكثر وأكثر.
لكن في النهاية يعطيها نظرة أكثر قسوة وحدّة، وكأنه ينفر من النظر إليها وينفر من رغبته تلك. ينفر الشعور بأنه يريد شيئاً كهذا. في حين تشعر شمس بالخوف أكثر منه. ما كل هذا الهراء؟ لماذا يحاكيه قلبه بكل هذه التفاهات؟ لماذا يشعر بكل تلك الفوضى فقط بعد مرور أسبوع واحد من تواجدها معهم؟ وكأن تلك البهية بعثرت روحه التي لم تختبر أي نوع من المشاعر من قبل. ابتسم حمزة بود وهو يرى جدته تجلس في جنينة القصر بدون مرافقتها. ولكن أين هي؟
حاول الخروج من تشتيت أفكاره ليخرج نحوها قائلاً: "صباح الورد يا صافي." "صباح النور يا حبيبي." جلس جوارها وهو يقبل يديها برفق قائلاً: "فطرتي؟ "لا، لسه صاحية. شمس بتجهز الفطار، إيه رأيك نفطر سوا؟
كاد أن يرفض معلقاً برغبته في الذهاب إلى عمله مبكراً كعادته، إلا أنه صمت عندمدخلت شمس عليهما وألقت التحية بصوتها ذو البحة المميزة. تلاقت أعينهم، وجدته يتطلع لها بنظرة لأول مرة تراها بعينه، وكأنه استباح وحلل لنفسه الآن النظر إليها. أشاحت شمس بعينيها عنه وهي تنظر لصفاء، وشقت شفتيها ابتسامة حنونة قائلة: "الفطار يا هانم."
وضعته أمامهما على مضض وهي ترغب في الفرار الآن من ضراوة نظراته تلك والتي باتت تشعرها بالاستياء من نفسها. صفاء: "طب يالا، اقعدي افطري معانا." ردت شمس بامتعاض قائلة: "أنا فطرت من بدري، بعد إذن حضرتك." انسحبت سريعاً قبل أن ترفض صفاء. فرت وهي تحمد الله أنها ابتعدت عن مرآي عينيه. صفاء: "صحيح يا حمزة، بكرة الخطوبة وخالص كل حاجة جاهزة يعني متشلش هم." رد عليها على مضض وهو يشعر بالاختناق قائلاً بحدة غريبة لاحظتها صفاء:
"تمام، أنا لازم أمشي دلوقتي لأن عندي اجتماع. معلش خلينا ناجل الفطار سوا النهارده. خلي بالك على نفسك." ردت صفاء بارتياب قائلة بشك: "ماشي يا حبيبي، ربنا يحميك." خرج من الفيلا متجهلاً النظر نحوها مرة أخرى، متجهاً نحو شركته.
جلست شمس في غرفتها وهي تضم ساقيها إلى جسدها وتستند على ركبتيها. أطلقت تنهيدة حارة وهي تفكر بجدية وعقلها يدور به العديد من الأسئلة. هل ارتبكت أي خطأ ليعاملها بتلك الطريقة على مضض واستياء حاد وكأنها عدوته؟ شمس بضيق: "إيه الغُلب ده يارب، هو أنا ناقصة مشاكل؟ استر يارب، أنت عالم بيا." في شركة دويدار.
وصل حمزة وترجل من سيارته بشموخ وثقة، لكن اليوم على عكس أي يوم آخر يبدو في غاية الحدة والخشونة مع أي شخص يتحدث إليه، وكأنه يفرغ بهم طاقة الغضب غير المبررة بداخله. على عكس ما هو متوقع أن يكون سعيد، فالغد هو موعد خطبته بهند الحسيني، تلك الفتاة باهرة الجمال.
دلف إلى مكتب رئيس مجلس الإدارة، اتجه نحو مكتبه وجلس خلفه. فك رابطة العنق وهو يشعر بالاختناق يزداد عليه، وكأن الهواء ينخفض من حوله هو فقط. حاول التركيز في عمله، إلا أن صوت الطرقات على الباب جعلته يرفع رأسه. ينظر للطارق فلم يكن إلا يونس ابن عمته. دلف يونس إلى المكتب وهو يبتسم بود قائلاً بنبرة مزاح: "مالك يا عريس؟ الموظفين كلهم خايفين منك، عامل مشاكل ليه يا حموزة؟ ينظر حمزة نحوه باشمئزاز قائلاً بضيق:
"أنجز يا يونس، عايز إيه وبطل غتاته." "إيه يا جدع؟ اللي يشوفك يقول إنك مش طايق نفسك، إيه كدا على الصبح؟ ولا تكونش البنت إياها عملت مشاكل؟ اسمها إيه؟ شمس؟! نهض حمزة بسرعة أفزعت يونس قائلاً بنبرة حادة مخيفة: "اطلع برا يا يونس، قوم من قدامي بدل ما أربيك وما أعبد هتزعل." "لا لا، ده الموضوع كدا شكله كبير. إيه يا حمزة؟ زفر بضيق قائلاً وهو يجلس مرة أخرى:
"مفيش يا يونس، بس شوية ضغط زيادة. سيبني دلوقتي وابعتلي فنجان قهوة سادة." يونس بجدية: "تمام يا حمزة، بس حاول تهدأ كدا علشان تعرف تركز في الشغل." لم يعقب يونس و بداخله رغبة قوية في رؤيتها الآن وتفريغ كل هذا الغضب بها. وما ذنبها هي؟ تلك الفاتنة الجميلة تبدو كاللعنة أصابته. الشعور الأسوأ أنه لن يعترف بتلك العاصفة الهوجاء التي سببتها. فقط ينظر لها بتلك الطريقة التي تجعلها تتمنى بعدها الفرار من أي مكان يجمعهما.
بعد مرور عدة ساعات، وصل حمزة إلى قصر دويدار واصطحب معه يونس للقصر حتى يقابل جدته. وفور أن عبرا البوابة ترجلا من السيارة حتى يسلم على صفاء في الحديقة. وأقترب منها فوجداها تجلس بجوار شمس. وما أن رآها محمد حتى قال لحمزة بإعجاب واضح في عيونه الزيتونية: يونس: "إيه القمر اللي قاعد جنب صافي ده؟ حمزة بضيق: "احترم نفسك، دي بنت بتقرأ لصافي وتقضي معاها اليوم."
ابتسم يونس باتساع وعيناه تتاكلها من شدة الإعجاب. ضغط حمزة على قبضة يده وهو يدلف معه إلى بهو القصر. "بس بجد، ده مش ممكن، ده ملكة جمال." حمزة بعنفوان غاضب: "امضي الورق وامشي على طول، أنت فاهم؟ يونس: "إنت مش كنت عازمني عالغدا ولا رجعت فكلامك؟ زفر حمزة بضيق قائلاً من بين أسنانه: "طيب تقعد بأدبك، أنت فاهم؟ البنت دي مش زي البنات الكسر اللي حضرتك بتصيع معاهم، أنت فاهم؟ ضحك يونس بخفة قائلاً: "حاضر، هحاول."
كانت شمس تجلس وسط أشجار الياسمين التي باتت تعشق عبيرها الرائع، وكانت تقرأ قصة برفقة السيدة صفاء التي جلست على كرسي مريح وساقاها ممددتان أمامها، وكأنها في عالم آخر مع صوت شمس العذب وجمال القصة ورومانسيتها والتي باتت تحب سماعها بصوت شمس الناعم.
ابتسم يونس وهو يقترب منهما ولم يستطع إخفاء بريق عيناه التي لمعت عندما أقترب منهما ورأى ملامحها عن قرب. لا، هي حقاً مميزة، وبالأخص تلك الابتسامة الرقيقة الناعمة. آآهات من تلك النظرة بداخلهما. يونس: "إزيك يا صافي؟ وحشتيني." غمغمت صفاء بفرح وسعادة: "يونس حبيبي، عامل إيه؟ رد محمد وهو يتابع شمس التي أخفضت رأسها بحرج، غافلة عن نظرات ذلك الذي يقف يشتعل من الداخل بمنتهى العنفوان: "تمام، تمام أوي." تمتم حمزة بنبرة حادة:
"أنا جيت مع يونس عشان نتغدى معاكي." يونس: "أيوه، وكمان عشان توقعي على شوية أوراق مهمة." صفاء: "شوفت شمس يا يونس؟ ابتسم يونس وهو ينظر نحوها قائلاً بنبرة خافتة مرحة: "شوفتها من أول ما نزلت من العربية. إزيك يا شمس؟ ابتسمت شمس بلطف قائلة بطيبة: "الحمد لله." يونس: "إنتي خريجة إيه بقا؟ شمس: "أنا لسه في الكلية، تالتة صيدلة." يونس بإعجاب: "ربنا يوفقك يارب." شمس: "شكراً."
زفر حمزة مقاطعاً عليهما ذلك الحوار المليء بالنظرات من ناحية يونس، أحرقته للحظات قائلاً من بين أسنانه: "مش هنتغدى بقى ولا إيه؟ صفاء: "دقايق والغدا يكون جاهز." دخل الجميع إلى القصر واستأذنت شمس في الصعود إلى غرفتها، لكن صفاء اعترضت: "لا يا شمس، إنتي هتتغدي معانا." شمس: "معلش عشان تبقوا براحتكم." صفاء: "إنتي عايزة تزعليني ولا إيه؟ شمس: "بس... أنا عندي... رد يونس مقاطعاً إياها: "عشان خاطري يا شمس."
باسل وهو على وشك الانفجار: "أنا طالع أغير هدومي." رد يونس ممازحاً: "أيوه، خد راحتك خااااالص." دخل حمزة إلى غرفته وهو غاضب دون أن يعرف سبباً لذلك، ولما شعر بالضيق من مغازلة يونس لشمس، والغضب الأكبر منها هي على تقبلها لطريقته وكيف لها أن تسمح له بالتحدث معها بتلك الطريقة. وأراد أن ينهرها لكنه تماسك. وقف حمزة تحت المياه الدافئة محاولاً التفكير بهدوء.
نزل حمزة بعد أن بدل ملابسه ليجد الجميع ينتظره على المائدة لتناول الغداء. ووجد يونس قد جلس بجوار شمس وهما يتبادلان الحديث، وكانت شمس تضحك حتى دمعت عيناها. جلس حمزة بجوار صفاء وهو يحاول كتم غيظه مما يحدث. لكن يونس استمر في إطلاق نكاته وصفاء وشمس تضحكان، بينما باسل لا يشاركهم الضحك.
بعد انتهاء الغداء، توجهوا إلى الصالون لتناول القهوة. واستمر يونس في الحديث الممتع، وكانت شمس مستمتعة بوقتها. فقد كانت هذه هي المرة الأولى في حياتها التي تضحك وتنسى مشاكلها العديدة. وكم أحست بالراحة في وجود يونس واهتمامه بها. لكنها لاحظت وجوم حمزة واستغراقه في التفكير وتساءلت، ترى ما الذي يشغله؟ وفجأة اقتحمت هند المكان وقد جاءت لزيارة السيدة صفاء. وفور أن رأتها هند حتى قالت: هند بذهول وتعالي: "إيه ده؟
حضرتك بتعاملي اللي بيشتغلوا عندك بعطف زيادة عن اللزوم يا طنط؟ صفاء: "إيه يا هند؟ هند بحدة: "هو إحنا المفروض نشرب القهوة مع الخدامين بتوعنا!!!!! وبعدين أنا عايزة أعرف الفلاحة دي بتعمل إيه هنا، مش أظن كفاية عليها كدا أوي."
أحست شمس بالإهانة الشديدة ولم تشعر بنفسها إلا وهي تركض متوجهة إلى غرفتها وأغلقت الباب. شعرت بالضعف والذل وهي تجلس مكانها خلف الباب. ضمت جسدها بضعف ودموعها تنساب بحزن وقهر رغماً عنها. بالطبع، هي مجرد مرافقة... أو خادمة كما تراها هند... ليس لها الحق بالضحك أو الاستمتاع بوقتها. احتدت نظرات حمزة وانتفض من مكانه بقوة وهو يطرق بيده على الطاولة وهو يشتعل من شدة الغضب بعدما رآها تغادر: "هند! ..... حصليني على المكتب."
نهض يونس محاولاً تلطيف الجو بينهما، لكن صمت عندما رمقه حمزة بنظرة محذرة، متجهاً نحو المكتب بهيبة تليق به جداً. ارتجف جسد هند من شدة الخوف من مواجهته. فهي تعلم أنها تهورت في الحديث معها دون إدراك وجوده. ولكن من أول لقاء لها بشمس، وهي تشعر بالغيرة منها والغضب كلما نظرت نحوه ووجدته ينظر لها بعمق يفتك بكل ذراته وتملك واضح وغريزي.
دخلت إلى المكتب بارتباك فوجدته يقف أمام الشرفة معطياً لها ظهره، واضعاً يده خلف ظهره. خرج صوتها أخيراً بعد أن حاولت جاهدة في الحديث إليه. اقتربت منه بتغنج لتقف خلفه واضعة يدها على كتفه، لعلها تثير مشاعره نحوها ولو قليلاً. "أيوه يا حبيبي." أغمض عينيه وسبها بشدة قبل أن يستدير لها بوجه صخري حاد، مزمجراً من بين أسنانه بشدة وهو يجذبها من ذراعها بعنف هامساً في أذنها بفحيح:
"بمنتهى الهدوء دلوقتي حالاً هتطلع تعتذري لها، إنتي فاهمة." كادت أن تعترض، لكنه ضغط على يدها بعنف قائلاً بقسوة لتئن بوجع مصدرة بعض الهمهمات:
"ولو فكرتي تعترضي، افتكري أسهم شركة أبوكي اللي بكرة الصبح، ومعها هيعلن إفلاسه. و متنسيش نفسك بعد كدا، لأني لما بفوت وأعدي مواقف ببقى مديكي فرصة تفهمي وتعتذري من نفسك، لكن أنتي مبتحسيش. دلوقتي حالا يا تبتسمي وتطلعي معايا تعتذري لها، يا تمشي من هنا، وساعتها أنا مش آسف على هعمله، وساعتها فعلاً هتتمني لو رجع بيكي الزمن واعتذرتي." ابتعد عنها بمنتهى اللباقة وهو يحاصرها بين عينيه الخالية من أي ذرة مشاعر.
تأكدت هند من شكوكها التي باتت مؤخراً تحوم بعقلها. وهو الآن أثبت لها بمنتهى الهدوء أنه وقع في فخ تلك الفتاة. لكن لن تسمح بذلك، كبرياؤها يمنعها. هو من حقها هي فقط، حمزة سالم دويدار، حقها هي وحدها. ستعتبر ما يحدث الآن نزوة عابرة في حياته، لأنها لن تسمح بخسارتها. كيف لها أن تترك رجل يتمتع بكل هذه الهيبة، الهيمنة والسلطة. لكن لن تترك شمس تتلاعب به أكثر من ذلك. كفى إلى هذا الحد. لكن عليها أن تكتسبه إلى صفها أولاً، ثم تعليمها درساً قاسياً.
"وأنا موافقة يا حمزة بيه، هعتذر لها بس دا لأني بحبك ومش عايزة أخسرك، مش عايزة أبداً يا حمزة." نظر لها بسخرية جالية في سوادوات عينيه، لكن لم يتحدث بكلمة أخرى وهو يغادر المكتب وهي خلفه راضخة لأوامره. نظر يونس لصفاء وهما يتابعان صعود حمزة وهند الدرج، لتقول صفاء بتوتر: "تفتكر هيحصل إيه؟ أنا أول مرة أشوف حمزة بالحالة دي يا يونس." صمت يونس ثم أضاف قائلاً بهمس لا يكاد يصل لمسامعها:
"فعلاً يا صافي، حمزة متغير جداً من وقت ما شمس جت القصر. بس عنده حق، دي صاروخ." صافي بضيق: "بتقول إيه يا ولد؟ ما تعلى صوتك." ضحك يونس قائلاً بمزاح: "لا أنا بقولك سيبك منهم وتعالى بقا ندور على عروسة ليا، ولا أنا هفضل قاعد جنبكم زي برطمان المخلل كدا." ضحكت صفاء بيأس وهي تنظر للأعلى بارتياب.
وضعت حقيبتها على الفراش ووجهها أحمر من شدة البكاء وشعورها بالإهانة التي لن تتقبله طوال عمرها. جمعت أغراضها ومتعلقاتها البسيطة. كادت أن تبدل ثيابها لتغادر القصر، إلا أنها توقفت عندما استمعت لصوت طرقات قوية وحادة على الباب. وضعت حجابها بإحكام على شعرها قبل أن تفتح الباب، لكنها تفاجأت بوجوده أمام غرفتها بهيئته الضخمة تلك ويده تحاوط خصر هند بطريقة مصطنعة، لكن كيف لها أن تفهم ذلك. تحدث حمزة بنبرة جادة قائلاً:
"هند جاية تعتذر لك يا شمس." أخفضت بصرها تنظر نحو هند التي اشتعل وجهها بحمرة الشر والغضب، وكأنها ستنفجر بوجهها قائلة بخبث ودلال: "أنا آسفة يا شمس، بس إنتي عارفة أنا بجهز لخطوبتي أنا وحبيبي فكنت مضغوطة جداً. وبعدين أنا متوقعتش إنك تزعلي، حقك عليا." غمغم الآخر بقوة قائلاً: "ها يا شمس، قابلة اعتذارها؟
نظرت له بعمق يفتك بكل ذراته، عمق نابع عن فطرة وبراءة لم يراهم طوال حياته، ولكن الآن أتت لتهشم كل ذلك الجمود دون أن تدرك. ذلك الرجل صاحب الثلاثين عاماً ينهار جليد مشاعره أمام أنثى لا تفقه شيء. ردت شمس بهدوء بعد أن أسلب جفنيه عنه بحرج من قوة نظراته معلقة: "أنا محتاجة أفضل لوحدي لو سمحت." ردت هند بخبث قائلة ببراءة زائفة:
"خالص يا حمزة يا حبيبي، واضح إن شمس زعلانة مني أوي، وأنا ما يرضينيش زعلها. ممكن أنت تنزل وأنا هصالحها بطريقتي." شعر بشيء غير مريح، مغمغماً بحدة: "هستناكي تحت، متتأخريش." أومأت له بابتسامة باهرة الجمال، فألقى نظرة أخيرة على شمس قبل أن ينسحب من بينهما. انتظرت هند حتى تأكدت من مغادرته فقالت بهدوء: "إيه يا شمس، إنتي لسه زعلانة يا حبيبتي؟ خالص بقا، بلاش تكبري الموضوع." ثم اقتربت منها هامسة بخبث:
"شوفي يا بت إنتي واسمعي الكلام دا كويس، بلاش أحلام اليقظة تأخذك لمكان أعلى من سقف الواقع. وبلاش يا حبيبتي شغل السهوكة والنظرات دي، حمزة دا بتاعي أنا، فاهمة يعني إيه بتاعي؟ يعني خط أحمر. وأوعي تفكري إن أمور السهوكة اللي بتعمليها دي هتخلي عليا، فوقي، دا أنا هند الحسيني." ضيقت شمس ما بين حاجبيها بعدم فهم وهي تستمع لحديث هند التي أضافت بمكر:
"صحيح، بكرة لازم تحضري الخطوبة، بس يا ترى عندك حاجة مناسبة تحضري بيها، ولا هتكوني موجودة بعباية فلاحي." أنهت جملتها وهي تنظر لها باشمئزاز وتقزز، حتى كادت شمس أن تنقض عليها من شدة الغضب. رأت هند ذلك الشرار المتطاير بعينيها لتبدو وكأنها فتاة أخرى شرسة. غادرت سريعاً قبل أن تهجم عليها.
أغلقت شمس الباب خلفها ثم اتجهت تلك على الفراش. نظرت لحقيبتها بضيق، لكنها في النهاية قررت البقاء، والاتصال بشقيقتها ووالدتها للاطمئنان عليهم. في اليوم التالي. استيقظت شمس على أصوات تصدر من الطابق السفلي، فاغتسلت ونزلت لتستطلع الأمر. لتجد السيدة سلمى مديرة المنزل تشرف على جميع الخادمات اللاتي يقمن بتجهيز القصر لحفل الخطوبة. فقالت شمس مستفسرة: شمس: "صباح الخير يا مدام سلمى." سلمى: "صباح الخير يا شمس." شمس:
"غريبة، هو كل التجهيزات دي للخطوبة؟ سلمى بجدية: "أيوه طبعاً، حمزة بيه عازم ناس مهمين جداً. وبعدين دا ابن سالم دويدار عضو في البرلمان، يبقى لازم تكون حفلة كبيرة أوي." شمس: "طيب تحبي أساعدك في حاجة؟ أنا ممكن ألغي الكلية النهاردة." سلمى: "ميرسي يا شمس، روحي كليتك إنتي وبعدين لازم تستعدي بقى عشان تحضري الحفلة بالليل." شمس بتفكير: "آه إن شاء الله. مدام صفاء صحيت؟ سلمى:
"لا، هي لسه نايمة. بس متقلقيش، أول ما تفطر أنا هحضر لها الفطار والدواء. حمزة بيه أكد علينا أن يوم الكلية بتاعك نهتم بصفاء هانم عشان دراستك." ابتسمت شمس بسخرية وللحظة شعرت وكأن أمرها يهمه، لكن نفضت ما بعقلها وهي تخرج من الفيلا متجهة نحو كليتها. في كلية الصيدلة. كانت شمس تجلس بجوار صافية وهي تتحدث معها عما يحدث معها في قصر دويدار. صافية: "غريبة، طب وهي ليه قالت لك كدا؟ شمس:
"والله يا بنتي ما عارفة. أنا أصلاً بفكر أدور على شغل تاني، بس أكمل حتى الشهر دا معاهم. بصراحة أنا مش فاهمة إيه؟ يعني أستاذ حمزة أول ما رحت كان بيتعامل معايا بلطف، لكن بعد كدا بقيت أحس إنه عايز يولع فيا لو شافني قدامه. وكملت باللي اسمها هند دي." صافية: "هي ممكن تكون غيرانة منك؟! نظرت شمس لها بسخرية قائلة: "ودا من إيه إن شاء الله؟ على العموم، فكك من الموضوع دا واحكيلي إنتي عاملة إيه، بقالنا كتير مش بنتكلم."
اقتربت صافية منها وهي تمسك يدها بقوة قائلة: "وإنتي كمان وحشاني أوي، بس الحمد لله أنا كويسة جداً. صحيح، إحنا كدا خلصنا محاضرات، إنتي مش هترجعي؟ صمتت شمس وعبس وجهها مردفة بخفوت: "بصراحة مش عايزة أرجع النهاردة، كلهم مشغولين في الخطوبة و... أنا مش عايزة أحضر الخطوبة و... يالا نمشي يا صافية، أنا أصلاً عارفة إن اليوم دا مش هيعدي على خير."
وصلت شمس إلى القصر في تمام الساعة الرابعة عصراً. لكنها وجدت الحديقة وقد تغيرت تماماً، فقد ملأت بالأضواء والزينة معلقة في كل مكان والطاولات مغطاة بمفارش لونها ذهبي.
صعدت شمس إلى غرفتها ودعت الله أن لا يتذكرها الجميع، وبالتحديد تلك الحية هند، فهي بالتأكيد سترغب في إذلالها أمام الجميع. فتحت باب الغرفة وزفرت بتعب، لكن ما إن دخلت عقدت ما بين حاجبيها بشك، وهي ترى صندوق أسود متوسط الحجم موضوع على الفراش مغلف بطريقة جميلة. اتجهت نحو الفراش، لكن تملكها شعور بالشك أكثر عندما وجدت اسمها على الصندوق.
وقف حمزة أمام المرآة يهندم حلته السوداء، ارتدى ساعة فخمة واضعاً عطره المميز. وتخيل للحظات كيف ستكون بذلك الثوب. بالطبع ستكون الأجمل والأرق، لكن هل سيتحمل نتيجة أفعاله.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!