كادت شمس أن تغادر غرفة المكتب سريعا، إلا أنها اصطدمت بصدر عريض. رفعت عينيها بسرعة لتنظر لعينين عميقتين سوداوين، ولم تستطع أن تنزل عينيها بل ظلت تحدق في ذلك الشاب الضخم الذي يقف أمامها، وعيناه التي سببت خوفا لا تعرف سببه. عاد حمزة خطوة للوراء وما زال يضع يديه في جيب بنطاله الأسود، متحدثا بجدية: = أنتي مين؟ وإيه اللي دخلك هنا؟ ردت شمس بنبرة خافتة:
= أنا المرافقة الجديدة لصفاء هانم. أنا.. أنا كنت بدور على مدام سلمي لأنها قالت إن لازم أنزل الساعة أربعة أتعرف على شغلي. نظر لها نظرة شاملة وقد تملكه شعور بالاستغراب من موافقة جدته عليها بهذه السرعة، حتى دون أن تجري معها حديث ومناقشات طويلة كعادتها مع كل فتاة تتقدم للوظيفة. لكن المظهر الخارجي لشمس يعطيها طابعا هادئا وأنيقا. جلس أمامها خلف مكتبه على كرسيه الجلدي الوثير قائلا: = اسمك إيه؟ معاكي أي إثبات شخصية؟
حاولت شمس تجاهل النظر إليه وهي تتحدث بتوتر، في حين شعر حمزة بالتسلية وهو يتابع ارتباكها الخجول. = اسمي شمس بكرى، آه معايا البطاقة... ثواني. أخرجت البطاقة الشخصية ووضعتها أمامه ليأخذها وهو يدقق النظر لها قائلا بابتسامة:
= تمام يا آنسة شمس، أعرفك بنفسي أنا حمزة دويدار وصفاء هانم تبقى جدتي. شوفي أهم حاجة لازم تكوني عارفة مواعيد الدوا كويس ومواعيد الفطار. صافي بتحب الهدوء جدا والقراءة. أنا هديكي رقم الدكتور المتابع لحالتها ولازم تتواصلي معاه عشان تعرفي أكتر عنها. أومأت له شمس بالموافقة قائلة بهدوء: = تمام. نهض حمزة وعلى وجهه ابتسامة جذابة قائلا: = وبالنسبة لمدام سلمي هتلاقيها في الأنترية مع جدتي، الباب التاني على الشمال.
حاولت رسم ابتسامة لبقة على شفتيها إلا أنها فشلت من شدة توترها. فانطلقت مسرعة وهي تشعر بضربات قلبها تدق بعنف شديد. عندما وصلت إلى الباب، طرقته. وقفت أمامه للحظات وهي تضع يديها موضع قلبها تستمع لصوت خفقاتها العالية. أخذت نفسا عميقا وفتحته لتجد نفسها في غرفة جميلة بها العديد من الأرائك والكراسي، وهناك الكثير من الوسائد المطرزة بخيوط ملونة بألوان زاهية للغاية، ورأت السيدة سلمى تجلس وبجوارها صفاء.
قطع الصمت الذي عقب دخول شمس صوت السيدة سلمي. ما إن دلفت شمس إلى الصالون حتى ابتسمت صفاء ابتسامة حنونة رقيقة. صفاء بهدوء حانٍ: = تعالي يا شمس. جلست أمامها لتسألها صفاء بلباقة: = شوفي يا شمس، البيت هنا فيه مدام سلمي هي مديرة المنزل، وفيه بنت تانية سارة قابلتيها الصبح، والسفرجي وأنا وحمزة. أول حاجة مش عايزة اختلاط بينك وبين حمزة كتير لأنه مش بيحب التعامل مع أي بنت بتشتغل في الفيلا. انتي قابلتي حمزة؟ ردت شمس بجدية قائلة:
= أيوه يا هانم من دقيقة تقريبا. = كويس. هو انتي قولتيلي عندك كام سنة؟ شعرت شمس بالخوف من أن ترفض صفاء توظيفها لصغر سنها. = أنا قربت أكمل واحد وعشرين سنة يا فندم. صفاء وهي تبتسم وكأنها قد فهمت ما يدور في عقلها: = بسم الله ما شاء الله. بس باين عليكي إنك ذكية وهادية. شمس بابتسامة صغيرة: = يسعدني أكون مع حضرتك من النهارده. صفاء وهي تشعر بالحزن على نفسها: = بس يا ريت متزهقيش من القعدة مع ست كبيرة مشلولة. شمس بسرعة:
= لا ده أنا، والله، حبيت حضرتك من وقت. صفاء: = طيب يلا خلينا نخرج في الجنينة شوية. اقتربت شمس وهي تساعدها في تحريك كرسيها المتحرك، ثم خرجت من الصالون وبعدها خرجت الجنينة. تنفست شمس الصعداء قائلة بود: شمس: الجنينة بتاعت حضرتك جميلة جدا، أول ما دخلت شميت ريحة الياسمين. ابتسمت صفاء وهي تنظر للمكان حولها. = حمزة هو اللي كان بيراعي الجنينة دي دايما وخصوصا الياسمين لأنه بيحب ريحته جدا.
مشت شمس خلفها وهي صامتة لا تعلم ماذا ينبغي أن تقول. في حين كان حمزة يتابع شمس من النافذة ليطمئن على صفاء معها. ردد حمزة بداخله قائلا بارتياح: = يا رب تحبيها ومتطرديهاش زي اللي قبليها. *** أحست صفاء بالراحة مع شمس لأنهما لا تتكلمان كثيرا مثل من سبقوها. كان الجو هادئا جدا بينهما والحديث قليلا، إلا عندما سمعت كل منهما صوتا أنثويا مرتفعا يقول: = طنط، انتي لقيتي شغالة جديدة؟
أدارت شمس رأسها لتجد فتاة شابة جميلة. كانت تنظر إلى شمس باحتقار شديد، فخفضت شمس نظرها وصمتت، بينما أجابت صفاء بحدة: صفاء: إيه اللي بتقولي ده يا هند؟ إيه شغالة دي؟ هند بسخرية استطاعت إخفاءها بجدارة: = سوري يا طنط، مش قصدي. صفاء: = أعرفك بشمس المرافقة بتاعتي، وعلى فكرة ده في كلية صيدلة. نظرت هند لشمس بغيظ وغيره بعدما لاحظت اهتمام صفاء بها. = أهلا. شمس بصوت حزين: = أهلا بيكي. صفاء: = دي هند يا شمس، خطيبة حمزة.
نظرت شمس لهند بارتياب وهي تشعر بالنفور من الأمر، رغم أنها لا تعرفهما. لكن من حديثها معه شعرت بأنه شخص خلوق. أما بالنسبة لهند، فبمجرد النظر لها لمرة واحدة تعرف أنها مزيفة ومغرورة. إلا أنها لم تهتم بالأمر كثيرا، فما يشغل عقلها هو عملها ودراستها. خرج حمزة من الداخل مبتسما وهو يرى انسجام جدته مع شمس قائلا بارتياح: = ليا مكان معاكم ولا إيه يا صافي؟ ابتسمت صفاء بحب قائلة: = طبعًا يا حبيبي، تعالي.
نظرت هند نحوه بسعادة وهي تقترب منه بتغنج قائلة بطيبة زائفة: = كويس إنك هنا يا حمزة. صحيح، أنا اخترت فستان الخطوبة وماما صفاء كمان وافقت عليه جدا. صفاء بحب: = فعلا يا حمزة، الفستان جميل، ومتقلقش كل اللي أنت طلبته هنجزه. جلس جوارها وهو يتابع بعينيه السوداوين شمس التي تجلس جوار جدته ويبدو عليها الارتباك من وجودها، لأنها لم تعتد على تواجد شخص غريب عنها معها.
= طب كويس إنكم اخترتوه، وانتِ يا صافي أنا عايزك تكوني أجمل واحدة في الحفلة. = متقلقش يا حبيبي، كل حاجة هتكون مميزة. ألقى نظرة خاطفة على شمس دون أن تلاحظ بسبب انشغالها بالتفكير بوالدتها وأختها.
بعد مرور بعض الوقت في المساء، بعد أن ساعدت صافي في أخذ دوائها وظلت بجوارها إلى أن نامت في غرفتها. كادت أن تصعد إلى غرفتها إلا أنها مرت صدفة بجوار مكتب حمزة. كان باب الغرفة مفتوح نسبيا، فكان يجلس على كرسيه خلف المكتب، يعمل على جهازه الحاسوب.
صعدت شمس إلى غرفتها واتجهت نحو حقيبتها مخرجة منها بعض الكتب لتجلس على المكتب الموجود في إحدى الزوايا لتبدأ في مذاكرة محاضرتها. مرت أكثر من ثلاث ساعات وهي تذاكر حتى أنها لم تنتبه لتأخر الوقت. أغلقت الكتاب ووضعته جانبا، ثم دخلت إلى فراشها الوثير وشعرت أنها لم تشعر بمثل هذه الراحة من قبل، فسريرها في بيت الطالبات كان قديما ويصدر أصواتا عالية كلما تحركت. ابتسمت شمس وسرعان ما استسلمت للنوم.
استيقظت شمس في السابعة صباحا وارتدت ملابسها ونزلت إلى القاعة حتى تذهب إلى كليتها، فأستوقفها صوت يقول: = صباح الخير. نظرت شمس وهي مفزوعة لتجد حمزة متجها نحو الباب. = صباح الخير. حمزة: = على فين كده الصبح بدري؟ شمس وهي تنظر للأرض: = عندي محاضرة الساعة 9. حمزة: = بس كده بدري قوي. = أصلي بحب أوصل بدري. حمزة: = طيب اتفضلي أوصلك. شمس: = لا متشكرة، مفيش داعي تعطل حضرتك. حمزة بلهجة آمرة: = يلا يا شمس، انتي أصلا في طريقي.
شمس وهي لا تريد إحراج نفسها بالركوب معه: = بجد مش عايزة أتعبك. حمزة: = يلا بقى كده هنتأخر. تبعته شمس وهي تشعر بالخجل الشديد، فهي لم تركب سيارة برفقة أي شخص من قبل، فكيف ستكون برفقة شخص لا تعرفه وحدهما. ركبت وأحست بجسدها يغوص في مقعد السيارة الوثير، فقررت الاستمتاع بتلك السيارة وتخيلت نفسها تمتلك مثلها في يوم من الأيام. بعد مرور وقت. أخرجها صوت حمزة من أحلامها قائلا: = هتخلصي الساعة كام يا شمس؟ شمس: = الساعة 4. حمزة:
= خلاص هبعتلك السواق يستناكي. شمس: = مفيش داعي، أنا هعرف أرجع لوحدي. حمزة: = بصي، عشان مش بحب الكلام الكتير، انتي دلوقتي بتشتغلي عندي، يعني لازم أطمن إنك ترجعي في مواعيدك مضبوطة وميبقاش عندك مبررات للتأخير، فالسواق هيرجعك كل يوم. نظرت شمس بضيق نحوه وهي تشعر بأنه يعاملها كأنها خادمة لديه، فجابته بنبرة حادة ممزوجة بكبرياء يشبه كبرياء والدتها:
= أستاذ حمزة، لو سمحت تتكلم معايا بأسلوب أفضل من كدا. أولا أنا مش خدامة عند حضرتك عشان تكلميني بالأسلوب ده، ثانيا أنا مش محتاجة لمساعدة حضرتك، وفي وقت شغلي هكون موجودة. لأن أنا لما قررت أشتغل مرافقة لمدام صفاء كنت فاهمة إن دي مسئولية وأنا بحترم مسئولياتي جدا. وعلى العموم متشكرة جدا التوصيلة دي، وفي معاد شغلي هكون موجودة.
نظر لها حمزة بابتسامة من ناحية واحدة وإعجابه بكبريائها رغم بساطة حالها الذي جعلها تلجأ للعمل وهي تدرس. نظرت شمس لزجاج السيارة وهي تلاحظ نظرات البعض عليها. توقفت السيارة أمام الباب الرئيسي. توترت شمس قليلا وهي تخرج من سيارته، وقد رآها بعض زملائها وهي تخرج من السيارة. دخلت إلى الحرم الجامعي فاستقبلها بعضهم ساخرين: = إيه العربيات الجامدة ده يا شموس، بس مين المز ده؟ = بس عاملة فيها دحيحة، صاحبك ده يا شمس ما تعرفيني عليه؟
نظرت إليهم شمس بكبرياء واتجهت إلى المبنى الذي به محاضرتها الأولى، لكنها شعرت بدموع ساخنة تحرق وجنتيها الرقيقتين، لكنها أخذت نفس عميق وهي تفكر بعملية. الدموع والحزن ما هو إلا عائق يضعه الإنسان أمام نفسه حين يشعر بالضعف، لكن الأفضل في رحلة الحياة مسحت تلك العبرات الرقيقة والاستمرار بكل جهده نحو هدفه.
أنهت شمس محاضراتها وخرجت من الباب الرئيسي للجامعة لتجد السائق الخاص بحمزة منتظرا إياها. كادت أن تبتعد وتذهب وحدها، لكن سرعان ما خرج السائق من السيارة قائلا: = آنسة شمس، استني. انتي نسيتيني ولا إيه؟ أنا مصطفى، سواق حمزة بيه، هو بعتني ليكي وبعتلك الرسالة دي. عقدت شمس ما بين حاجبيها بارتياب وهي تأخذ الورقة منه وتفتحها. = أولا دا مش معناه إنك خدامة عندي، بس بلاش عند وبعدين نتناقش في الموضوع ده.
صعدت إلى السيارة وهي تشعر بالحزن الشديد، فقد ظن زملاؤها بها السوء، وكذلك لم تقابل صديقتها صافية. بعد مرور نصف ساعة، وصلت شمس إلى فيلا دويدار. ترجلت من السيارة ودلفت إلى داخل الفيلا. صعدت إلى غرفتها وقررت الاستحمام حتى تحاول تهدئة نفسها. وبعد أن انتهت نزلت لتجد السيدة صفاء في انتظارها. صفاء بابتسامة: = إزيك يا شمس؟ ها، عملتي إيه النهارده في الكلية؟ شمس بلباقة وود: = الحمد لله يا صفاء هانم. صفاء:
= حمزة قالي إن السواق هيوصلك بعد كده. شمس: = آه فعلا، بس أنا... صفاء: = صوتك ماله؟ نظرت شمس إليها وهي تشعر بالدموع تملأ عينيها: = لا أبدا مفيش حاجة، بس أنا مش عايزة ده يحصل تاني. أنا ممكن أروح. في نفس التوقيت، دلف حمزة إلى داخل الصالون بشموخه وثقته بعد أن سمع حديثها. جلس جوار صفاء وهو يقبل يدها بحب قائلا: = حبيبي عامل إيه دلوقتي؟ ابتسمت صفاء قائلة بحب: = بخير يا حبيبي طول ما أنت بخير.
ابتسم حمزة ثم دار بسوداويته اللامعتين نحو تلك الواقفة أمامهما ليتمتم بجدية مخيفة: = ها يا شمس، كملي، سامعك. ألقت ما بحلقها وهي تتمتم بقوة سريعا: = كنت بقول إن مش عايزة ده يحصل تاني ومش عايزة السواق يوصلني تاني. سألتها السيدة صفاء بود قائلة: = ليه يا شمس؟ هو مصطفى ضايقك في حاجة؟ = لا بس أنا... قاطعها فجأة وهو ينهض من مكانه جاذبا إياها من ذراعها خلفه قائلا: = معلش يا صافي، هعقلها وأرجعلك.
خرج من الصالون وهي خلفه بعيون متسعة من الصدمة وقبضته تجذبها خلفه مسلوبة الإرادة، إلا أنها صرخت به بتحذير قائلة: = حمزة بيه، مينفعش كدا، سيب إيدي لو سمحت. سيب إيدي. قالتها بانفعال وغضب وهي تحاول سحب يدها، إلا أنه دخل إلى مكتبه وهي خلفه. ترك يدها ثم أغلق الباب. انتفضت شمس بفزع وأفكارها تنحرف بعيدا لتصيح فجأة بحدة: = انت بتقفل الباب ليه؟
لم تكمل جملتها في حين جذبها نحوه ويداه تضغط على فمها والأخرى تمسك بذراعها بين يديه. زمجر حمزة بحدة من بين أسنانه قائلا: = بس بقا. انتي إيه مبتعرفيش تتكلمي إلا بصوت عالي. شعرت بالاضطراب من هذا القرب ومن عينيه الحادة تراقبها بقسوة مخيفة. تركها بعد أن أدرك فعلته، ابتعد خطوة للوراء ثم ترجل نحو مكتبه يجلس خلفه واضعا ساقه على الأخرى بكبرياء قائلا: = ها يا شمس، مش عايزة مصطفى يوصلك ليه؟ ضايقك في حاجة؟ أخذت نفسا
عميقا وردت بتهور قائلة: = لا مضايقنيش، بس حضرتك اللي بتضايقني، أنت... صمتت وهي لا تعرف ماذا تقول ليبتسم حمزة قائلا بمراوغة ذكورية وهو يضع عقد التوظيف على المكتب: = اتفضلي امضي هنا. دا عقد بأنك موظفة عندي فيه التفاصيل اللي اتكلمنا فيها قبل كدا والمرتب. ظلت تقف أمامه وهي تنظر له، لكنها فكرت بوالدتها وشقيقتها. اتجهت نحوه وهي تمسك القلم لتمضي عليها بتوقيعها بعد أن قرأت البنود الأساسية. أخذ حمزة الورقة
منها قائلا بنبرة آمرة: = دلوقتي اتفضلي يا شمس، معاد الغدا لصفاء هانم والدوا، وأظن دا شغلك مش لازم حد يفكرك بيه زي ما قلتي الصبح. احمر وجهها وهي تحاول كظم غيظها، إلا أنها قررت الخروج بصمت. ما إن خرجت من المكتب حتى ضحك حمزة بخفة وتسلي. في غرفة صفاء في الطابق الأول. كانت تجلس على الفراش وهي تشاهد صور ابنتها الراحلة، كم كانت جميلة!
أطرقت شمس على باب الغرفة ثم ولجت إلى الداخل بعد أن سمحت صفاء لها بالدخول وهي تمسح عبراتها. وضعت شمس صينية الطعام على الطاولة الصغيرة ثم حملتها نحو الفراش قائلة بابتسامة ساحرة: = الغداء يا هانم. اقتربت منها مساعدة إياها في تناول الطعام، لكنها لاحظت حزنها لتردف بقلق وخوف: = حضرتك كويسة يا هانم؟ صفاء: = بخير الحمد لله. ردت شمس بعدم اقتناع قائلة بحب:
= على فكرة أنا بشوف بقلبي، وقلبي بيقول إنك زعلانة. أنا آسفة لو بتدخل، بس أنا مبحبش أبدا إن حضرتك تكوني زعلانة. صفاء: = صدقيني مفيش، بس افتكرت مرام الله يرحمها. شمس بأسف: = الله يرحمها، أنا آسفة لو ضايقت حضرتك. صفاء: = متعتذريش يا شمس، يمكن مرام دلوقتي في مكان أحسن. عارفة كانت نفسها تعيش حياة طويلة عشان ابنها، لكن ربنا اختارلها الأحسن. شمس بفضول: = طب هو فين والده؟ يعني أنا من سمعت أي حاجة عنه. صفاء:
= سالم بعد وفاة مرام بسنتين اتجوز واحدة تانية وهو عايش معاها في بيته، لكن حمزة فضل معايا. شمس: = إن شاء الله خير. معاد الدوا. أومأت لها صفاء في حين أبعدت شمس الطاولة عن الفراش وأعطتها دوائها. شمس: = عرفت إن حضرتك بتحبي الروايات الإنجليزية، تحبي أقرأ لك رواية؟ ابتسمت صفاء قائلة بارتياح قائلة: = تمام يا شمس، هاتي رواية "مكبث" عشان بحبها أوي.
جلست شمس على الكرسي المقابل لها وبدأت تقرأ لها تلك القصة الرومانسية والحزينة في ذات الوقت. *** في مكان آخر في القاهرة، حيث قصر سالم دويدار (والد حمزة) . كانت عديلة هانم (زوجة سالم) تجلس على كرسيها في الجنينة وهي تنظر للصور أمامها وتدقق النظر لصورة شمس تلك المرافقة لصفاء النوري. في نفس التوقيت، خرجت لي لي ابنتها من داخل القصر قائلة بصراخ حاد: = ماما، بقى انتي هتسمحي المهزلة دي تحصل؟
انتي موافقة إن حمزة يتجوز هند الحسيني؟ دا مستحيل يحصل على جثتي أم حمزة يتجوز غيري. رفعت عديلة رأسها تنظر لابنتها الغاضبة قائلة ببرود: = لما تتكلمي، توطي صوتك، فاهمة؟ وبعدين مالك محموقة أوي كدا ليه؟ ما يتجوز اللي هو عايزها. انفجر بركان الغضب والغيرة بداخل لي لي قائلة بنفاذ صبر: = محموقة ليه؟ حضرتك بتسألني محموقة ليه؟ عشان عمي سالم وعدني إن أنا اللي هتجوز حمزة. ردت عديلة بسخرية قائلة:
= بلاش الأوهام دي يا ملك. انتي فعلا متخيلة إن سالم يقدر يأثر على حمزة ويخليه يتجوزك؟ حمزة من يوم ما والدته توفت وأبوه اتجوزني وسابه علشاني أنا وانتي وعشان يربيكي رغم إنك مش بنته. من اليوم دا وحمزة مبقاش يهتم بوجود سالم لأن صفاء هي اللي ربيته، إنما سالم سابه وتخلى عنه. ردت لي لي بانفعال قائلة: = يعني انتي موافقة على اللي بيحصل دا يا ماما وكنتي عارفة إن أونكل سالم بيقولي كدا والسلام؟ عديلة بخبث:
= اهدي يا حبيبتي عشان تعرفي تفكري. شوفي يا ملك، زمان سالم بعد وفاة مرام، أنا قدرت أخليه يحبني والدليل على كدا إنه ساب حمزة عند صفاء واتجوزني رغم إني كنت متجوزة قبله وكمان معايا بنت. لكن المهم دلوقتي إنك انتي تكوني ذكية وتقدري تخلي حمزة يقع في حبك، لأن لو حصل أي حاجة لسالم وقتها أنا وانتي هنطلع من المولد بلا حمص، وخصوصا إن حمزة هو الوريث الوحيد لسالم. لي لي: = طب المفروض أعمل إيه يا ماما؟
صمتت عديلة للحظات ثم تابعت بخبث وهي تنظر لصورة شمس قائلة: = هقولك يا حبيبتي. ======== كانت صفاء تجلس ممدة الساقين فوق فراشها وكأنها في عالم آخر مع صوت شمس العذب وجمال القصة ورومانسيتها. أنهت شمس القصة وعندما نظرت للسيدة صفاء وجدت الدموع تملأ عينيها الجميلتين. شمس: = حضرتك بتعيطي؟ صفاء: = أصل القصة دي بتأثر فيا أوي. شمس: = حضرتك رومانسية أوي. صفاء وهي تبتسم من بين دموعها: = وهو فيه ست مش رومانسية؟ شمس:
= أصلي بصراحة مش بآمن بالحب. ضحكت صفاء قائلة: = عشان لسه محبتيش. شمس: = أنا أهم حاجة عندي دراستي وإني أتعين معيدة إن شاء الله وبعدها يبقى عندي شقة كبيرة ليا أنا وأختي وأمي بعيد عن البحيرة. صفاء: = انتي لسه صغيرة، بكرة تقابلي حب عمرك. شمس: = أنا؟ مظنش. صفاء: = افتكري كلامي ده. الإنسان بيقابل الحب الحقيقي مرة واحدة في حياته ليتمسك به، ليروح منه للأبد. شمس: = برضه مش بآمن بالحب.
ابتسمت صفاء ولم تجب عليها، فقد كانت صفاء نفسها لا تؤمن بالحب حتى قابلت حبيبها وزوجها الراحل، وقد جذبها إليه منذ النظرة الأولى ووقعت في غرامه وعاشا معا خمس وعشرون عاما كأنهما دقائق معدودة. وتذكرت صفاء كيف كان زوجها يجلس أمامها بالساعات يتحدث إليها ويرسمها في لوحات مختلفة. فقد رسمها يوم زفافهما وقام برسمها وبطنها منتفخ من الحمل ورسمها وهي تحتضن مرام بين ذراعيها. واستمر يرسمها حتى داهمه المرض وتوقفت ريشته عن رسمها بوفاته. نزلت دمعة حزينة من عينها على حبيبها الراحل فقد بكته كثيرا.
*** في البحيرة، في منزل ضخم مكون من ثلاث أدوار واسع جدا. جلس الحج عيسى بشموخ وثقة وهو يرتدي جلباب أسود يستند على عصايته الخشبية وهو يتحدث مع المحامي الخاص به قائلا: = يعني إيه يا أستاذ جاد؟ إزاي نورث الحريم واحنا من امتى بنورث الحريم في العيلة؟ انت عايز الناس ياكلوا وشي؟ يبقى أنا على آخر الزمن أسلم أرضي لحرمة؟ لا وكمان حتة عيلة. المحامي بجدية: = حضرتك بتقول إيه يا حج؟
دا ورثها من أبوها وشرع ربنا إنها تاخده، وبعدين هتاكل عليها حقها. الحج سليمان الكبير الله يرحمه حرم الأستاذ بكرى الله يرحمه من ورثه زمان عشان راح اتجوز ست مريم وخلف منها شمس وهدى، ودا ورثهم من أبوهم. عيسى بحدة: = مش هيحصل يا فندي، وأنا مش هفرط في قيراط واحد من أرضي لحرمة زي دي، انت فاهم؟ واتفضل بقا من هنا دلوقتي، داهية لما تاخد انت وأخبار الزفت.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!