الفصل 5 | من 9 فصل

رواية نصف عذراء الفصل الخامس 5 - بقلم خديجة السيد

المشاهدات
23
كلمة
10,511
وقت القراءة
53 د
التقدم في الرواية 56%
حجم الخط: 18

فتحت زينة باب منزلها، سارت هي أولاً ثم لحق بها طارق، وأوصدت باب المنزل بعد أن دلفوا بالداخل. أطرقت رأسها في خجل وسعادة، ولم تستطع السيطرة عليها، بينما الآخر كان شارد الذهن، غير مصدق تسرعه هكذا. وكلما حاول التفكير في حنين، شعر بتأنيب الضمير، ليتذكر على الفور كل حديثها وكيف طعنته وجرحته، ليعود من جديد يفكر بالانتقام منها هكذا.

اقتربت زينة منه وارتبكت حينما وجدته مازال واقفاً بجوار الباب، لا تعرف ماذا ينتظر، أو ربما متردد. حاولت ألا تنظر إليه، ونظرت أسفل قدميها، ثم تحركت إلى الداخل، ولكنها تعثرت في خطوتها وكادت أن تسقط، ولكن كانت ذراع طارق الأسرع إليها، فأمسكها من خصرها وأسندها ناحيته. فمالت هي بجسدها عليه، واستندت هي بساعديها على صدره.

نظر طارق إلى عينيها مباشرة بنظرات تحمل توتراً وتردداً، بادلته هي تلك النظرات أيضاً، ولكن امتزجت معه مشاعر الشغف والإعجاب، لذلك بادرت هي بالاقتراب أولاً. شعر الآخر بتوتر وأنـفاسه المضطربة، لكن مع ذلك لم يمنعها، فأحاطها بذراعه الآخر وضـمها أكثر إليه، ثم انحنى برأسه عليها واقترب من شفتيها ببطء، وهي بادلته على الفور بلهفة شديدة. *** جذبت زينة الفراش أعلى جسدها بعد أن ابتعد عنها طارق.

أطرقت رأسها في خجل وحمرة الخجل تعلو وجنتيها، لا تصدق بأنها أخيراً عاشت تلك المشاعر مع شخص، حتى إذا كان لا يحبها، فيكفي أن يكون زوجها، وهي معجبة به. ومن يعلم ماذا سيحدث بالمستقبل. صحيح أن ذلك الشخص نفسه متزوج أيضاً من أعز أصدقائها، لكن حاولت ألا تفكر في ذلك، وتعيش تلك اللحظة التي انتظرتها منذ فترة طويلة، أن تشعر بالحنان والدفء من أحد، فلم تشعر ذلك الشعور بحياتها مع أسرتها أو زوجها السابق.

وحتى تريح ضميرها، فكرت بأن حنين لم تحب طارق من الأساس، ومع الوقت ربما أن تتركه لها وحدها. نظرت إليه مبتسمة باتساع، ثم حاولت زينة أن تحضنه، لكنها تفاجأت به يبتعد عنها ويتحرر منها. فشعرت هي به، فتوقفت عما تفعله، ونظرت إليه بتعجب. بادلها النظرة بندم واضح، وهو يقول باختناق: = مش شايفة إننا اتسرعنا في جوازنا أو في اللي حصل بينا من شوية؟ آآ أنا كنت فاكر بالطريقة دي هرد كرامتي وهكون مبسوط، لكن بصراحة….

شعرت زينة بالصدمة والإهانة، وكل أحلامها طارت، وهي تسأله ببطء ثقيل: = بصراحة إيه؟ هو انت مالك مش ده اللي كنت عاوزه واللي طلبته مني.. ابتلع ريقه بصعوبة وأجاب بصوت نادم: = عارف كل ده! وللأسف لسه فاكر كلامها كله، إن أهلها ضغطوا عليها، وهي ما كانتش بتحبني، وكانت بتمنع نفسها عني عشان قرفانة مني، واتهمتني إني راجل مش كامل في نظرها، والعيب مني..

إحساس وحش أوي إنك تكون بتحب حد ومستعدة تعملي المستحيل عشانه، وفي الآخر يكون هو شايفك بالطريقة دي، ويتهمك كمان الاتهام القاسي ده.. شعرت بألم حاد يعتصرها، فكانت معتقدة طلبه للزواج منها كان طلباً جاداً، وليس لحظة تسرع نشأت عليها أحلامها الوهمية! وأنه سيعاملها مثل ما كان يعامل حنين بالضبط، لكن كان الفرق واضح، هو كان يعامل زوجته هكذا لأنه أحبها بصدق، أنما هي لم يحبها. فحتى عندما كان معها للتو، كان كل تفكيره بها.

لترد بصوت أشبه للبكاء: = هو انت ممكن توضح كلامك، لما انت مخنوق منها أوي كده ومش طايقها؟ ليه من شوية وضحتلي إنك مش مبسوط معايا، واحنا لسه ما فاتش على جوازنا حتى يوم واحد. هز رأسه بيأس وهو يقول بصوت متحسر: = عشان مهما عملت هفضل أحبها! ومهما تعمل برضه هحس إني جرحتها باللي أنا عملته من شوية ده، حتى لو جرحتني…

أنا آسف يا زينة على كلامي، لكن مش قادر أخبي بصراحة، يا ريتك وقفتيني، أو كان حد منا عاقل على الخطوة دي وحذر التاني. وضعت زينة كف يدها على يديه وهي تنظر إليه برجاء، فنظر هو إليها بقله حيلة، فتراجع للخلف بعيداً عنها، ليتابع بنبرة حزينة: = حتى كمان كنت فاكر لما أقرب من غيرها هتغنيني عن تقصيرها في كل حاجة في حياتي، لكن لقيت نفسي حتى في النقطة دي ما لقيتش ليها بديل! والشعور اللي بحسه كل مرة بقرب منها مش حاسه معاكي خالص…

الظاهر إن حنين دي بالنسبة لي زي المرض اللي مش عارف أتعالج منه، أنا مش عارف مالي، حتى وهي جرحاني شايلة همها لما تعرف المصيبة دي، كأنها بتحبني أوي وقلبها عليا. وقبل أن يتحدث أحد منهم مجدداً، تعالى فجأة صوت حنين بالخارج، تطرق الباب وهي تهتف بصوت مرتفع قليلاً: = زينة… زينة من فضلك افتحي، عايزة أتكلم معاكي، أنا عارفة إنك جوه، من الجيران. نظرت إليه بسرعة برعب، ولكنها استجمعت رباطة جأشها، وقالت بصدمة: = دي حنين!

هنعمل إيه دلوقتي؟ *** فتحت زينة الباب أخيراً لحنين بعد وقت طويل، قبل أن تسرف في وضع مساحيق التجميل على وجهها لتخفي بكائها وحزنها الشديد، وحاولت أن تبدو طبيعية على قدر الإمكان مع مقابلتها مع صديقتها الوحيدة، حتى لا تكشفها. ولكن كانت حنين تنظر لها بتعجب من هيئتها الجديدة، فهي معتادة عليها لا تضع الكم الهائل هذا من المكياج، بالأخص بأن الوقت متأخر، وبالتأكيد لم تخرج، فإذن هل تضع هذا لأجل جلوسها في المنزل فقط.

لم تعبأ زينة بنظراتها، فقد كان ما تخشاه أخطر بكثير من مجرد نظرات وزيادة كمية مساحيق التجميل. جلست أمامها مسرعة، ثم تحدثت بقلق: = خير يا حبيبتي، مش عوايدك تعدي عليا في وقت متأخر زي كده، في حاجة حصلت. لاحظت حنين أن زينة على غير عادتها، لكنها لم تعطي الأمر أهمية كبيرة الآن، فهي جاءت إلى هنا حتى تتحدث معها، لعلها تساعدها في أمرها مع زوجها. بدأت تتحدث بصوت حزين، بينما كان في الخلف يقف طارق مختبئ ويتابع الأمر بتوتر مبالغ:

= أنا في مشكلة كبيرة يا زينة، مش لاقية غيرك هيساعدني، عايزة أتكلم مع حد يكون قريب مني وبيحبني، عشان يدلني على الصح ويقولي أنا غلط في إيه. أنا معترفة إني غلطت في طارق جوزي كتير أوي، بس والله كان غصب عني! أنا تعبت بجد، عشان كده انفجرت فيه، وما عرفتش أنا بقول إيه. سردت حنين لصديقتها زينة ما حدث معها وعلاقتها الفاترة مع طارق زوجها.

وتحدثت عن أجزاء بسيطة من مشاعرها السلبية من تلك العلاقة، وكيف كانت تضغط على نفسها لأجله، ولم تعرف ماذا تقول عن شيء كذلك، وهي بالأساس لا تعرف لما تشعر هذا الشعور. لذلك، عندما ضغط هو عليها وواجهها بالحقيقة أو اتهمها بالبرود، لم تستطع تمالك نفسها، وقالت ذلك الحديث الذي ندمت عليه مؤخراً. شعرت حنين أنها أزاحت هماً يثقل صدرها حينما أفاضت بما تحمله بين طياتها إلى صديقتها الوحيدة. ورغم هذا، هي تريد حلاً لما هي فيه،

لتتابع بأعين باكية: = المشكلة بدل ما أحاول أصلح ولا أعترف بالحقيقة، نيلت الدنيا أكتر وخد عني فكرة غلط. أنا والله في مشاعر جوايا ناحيته، لما كان بيجي يزورنا زمان، كنت بفضل مستنياه وأبص عليه من بعيد وأنا مكسوفة، ولما بيغيب فترة بحس إنه واحشني… بس ما كنتش بقدر أقول كل ده، حتى يوم ما عرفت إنه اتقدملي، فرحت وزعلت في نفس الوقت! كانت الأخرى تسمعها بصدمة، فلم تتخيل أن تكون صديقتها تعاني من شيء كذلك.

بينما طارق لم يصدق بأنها اعترفت أنها تحمل مشاعر داخلها حقاً، مثل ما كان يظن ويتوقع، وليس كما أساء الظن بها قبل قليل بسبب تصرفاتها السيئة معه. ثم أضافت بصوت باكي: = لأن مشاعر النفور والكره من ناحية العلاقة دي كانت جوه، من قبل ما أتزوج ولا أحب. حاولت أدي لنفسي فرصة أقول جاهز، عشان بحبه ما أحسش كده والمشاعر دي كلها تتمحي، بس اتفاجئت اللي بيحصل العكس، وأنا كرهت أكتر الموضوع ده…

بس والله مش بكرهه، العيب مش فيه، فيا أنا، محدش عارف أنا بعاني قد إيه من الموضوع ده، من اللي بشوفه حواليا وأسمعه… وكل ما كنت بحاول أعترف بخاف من ردة الفعل، ما أنا مش عارفة ولا متخيلة هيكون معايا ولا ضدي. إنما بالداخل كان طارق يسمع صوت شهقات حنين، والتي أجهشت بالبكاء بطريقة مقلقة، مما جعله ينزعج أكثر من حالتها المنهارة وحديثها التي لم تصارحه به منذ البداية. حيث اعترت الدهشة جميع خلجات وجهه، وهو لا يصدق أذنيه حينما

سمع تلك العبارات لأول مرة: = أنا عارفة إني صلحت الغلط بغلط، لما مثلت عليه إني مبسوطة، بس والله ما كنت موافقة على كده. بس لما لقيته زعلان ومتضايق، وما كانش في حاجة بأيدي أعملها غير كده، بالذات قبلها اتنيلت حكيت لإيمان مرات أخويا، وهي اللي دلتني على الموضوع ده، وقالتلي ما كل الستات كده، انتِ فاكراهم مبسوطين أوي بالموضوع ده ولا حد بيهتم. دخلت في دماغي إن هي دي طبيعة العلاقة أصلاً.

اتسعت عينا طارق فور سماعه لعباراتها الأخيرة، وتدفقت آلاف من الأسئلة إلى عقله في تلك اللحظة. ما الذي تعنيه حنين بعبارتها؟ رغم الحديث كان غامض، لكنه يوحي إلى مأساة قد عاشتها، وهو لا يعرف عنها شيء. فأكثر ما صدمه هو وجهة نظرها نحو العلاقة الحميمية، والتي لم يكن يعرفها طول فترة زواجهم الخمس أشهر. لم تتحدث زينة، وإنما ظلت صامتة، استغربت الأخرى أكثر من صمتها، لذا أكملت بحرج شديد وبتأنيب ضمير:

= وأنها موجودة عشان تسعد الرجالة والستات، مش مهم… رغم إني اتضايقت وحسيت بالظلم أكتر، لكن قلت مش مهم طالما حاجة هتسعده، بس اديها جت فوق دماغي أكتر. قوليلي أعمل إيه عشان أصالحُه، أنا ما أعرفش هو راح فين، بس أكيد هيرجعلي زي كل مرة، مش كده؟ زينة، انتِ مش بتردي عليا ليه؟ عشان خاطري قوليلي أي حاجة. نظرت إليها بأعين مرتبكة ومتشتتة بحيرة، لتردف بقلق واضح:

= معلش يا حنين، أصل عندي شوية مشاكل كده في البيت هناك، مخلياني مش عارفة أركز. بس هخلص كل اللي ورايا وأفضالك، ونحل مشكلتك مع بعض إن شاء الله. تنهدت بزعل من نفسها، وهي توميء برأسها هاتفة بأسف: = آه تمام، أنا آسفة. انتِ واضح فعلاً إنك متضايقة من حاجة، بس أنا مشاكلي خلتني ما ركزتش ولا أسألك. على العموم براحتك، طالما عاوزة تقعدي لوحدك.

بس أنا في إيدي حاجة أساعدك لو عاوزة تحكيلي حاجة، اتفضلي، إحنا ما لناش غير بعض يا زينة، مش كده؟ قوليلي إيه اللي مضايقك، وأدينا بنفضفض لبعض. هزت رأسها باختصار، وهي تقول مدعية الألم: = لا، كفاية اللي انتِ فيه، مش وقته، هنتكلم إن شاء الله بعدين… أصل دماغي مصدعة أوي وعاوزة أنام. عقدت حاجبيها للأعلى قليلاً بانتباه، وهي تهتف بصوت عجيب: = طارق! نظرت زينة إليها بتوجس، وهي تسألها بعدم فهم: = هاه! مـ.. ماله طارق.

أشارت بيدها على شيء ما أمامها، وهي تتحدث بغرابة: = القميص ده شبه بتاعه! هو بيعمل إيه عندك.. مش ده قميص رجالي أصلاً. تذكرت على الفور بأنه تركه هنا، ولم تراه إلا الآن. حاولت رسم ابتسامة زائفة، وهي تقول بثبات: = لا يا حبيبتي، ده قميص أخويا. ما هو أنا نسيت أقول لك إننا اتصالحنا مع بعض، فهو نسيه هنا. قصدي يعني، كان جايب واحدة معاه غيره، عجبه، وقالي خلي القديم عندك، يبقى جيبهالي لما تعدي علينا.

وبعدين يعني يا حبيبتي، هي ما فيش غيره قميص زي أي قميص، وفي منه أشكال كتير أكيد… نظرت حنين إليها عدة ثوانٍ بعدم اقتناع وشك، فهي تعلم جيد الأمور بينها وبين أسرتها، وبالأخص شقيقها، العلاقة متوترة للغاية بسبب انفصالها عن طليقها، وكان الجميع ضد طلقها هذا، لذلك هي انفصلت عنهم في مكان آخر. فأخوها تبرأ منها حرفياً حسب حديثها عنه، فكيف بمده قصيرة هكذا يتصالحون بهذه السرعة، ودون مقدمات أو تخبرها بذلك مسبقاً. لكنها

مع كل ذلك هتفت بهدوء عجيب: = هاه، آه صح، ممكن… المهم إنكم اتصالحتم، أنا همشي بقى عن إذنك عشان اتأخرت كمان. نهضت لترحل بخطوات ثقيلة، وأول ما أغلقت زينة الباب خلفها، بسرعة التفتت حنين لتنظر إليها باستغراب شديد، ورغم عنها بدأت تفكر بأشياء سلبية لم يستطع عقلها استيعابها من الأساس. لتهمس محاولة أن تطمئن نفسها: = إيه اللي أنا بفكر فيه ده، مستحيل طبعاً، حتى لو كده أنا مش عاوزة أعرف..

زينة صديقتي الوحيدة، ومستحيل تخوني، ولا كمان طارق، هو بيحبني، والاثنين ما يقدروش يزعلوني. بينما في الداخل، لم ينطق طارق بحرف مع زينة، وحاول بسرعة إكمال ارتداء ملابسه ليسرع ويلحق حنين! فهذا كل ما خطر بباله بعد أن جاءت إلى هنا وسمع الحديث الدائر منها. وكانت زينة تراقبه بعين حزينة، ولم تستطع التحدث هي الأخرى! لكنها أكدت حديثه لنفسها عندما أخبرها بأنهم قد تسرعوا في هذا الزواج.

وأول ما فتح باب المنزل ليرحل باستعجال، تسمر طارق في مكانه فور رأى حنين تقف أمامه! شهقت زينة بصدمة كبيرة، وهي تردد بصوت مرتجف: = آآآآ… حـ.. حنين. كانت حنين مصدومة مما تراه، فلم تتخيل أن يكون الشخص الذي بدأ يحرك مشاعرها أصبح مع صديقتها. لذلك، لم يكن لديها ما تقوله، وأثرت الصمت. فقد كانت المفاجأة أكبر من قدرتها على الكلام، وتحركت بمنتهى الهدوء لترحل.

أفاق طارق من صدمته هذه، وأسرع في خطاه ليلحق بحنين، ثم أمسكها من ساعدها وأوقفها عنوة، لتفهم الأمر وما يدور بينهما بدل من أن تسيء الظن نحوهما أكثر. نظر إليها بخوف وقلق، وهو يخشى من ردة فعلها، لأنه فاجأها بأمر كهذا، ليردف قائلاً بحذر: = حنين.. حنين استني، اسمعيني بس، انتِ فاهمة غلط، وافهمي مني الوضع. بينما لم تستطع زينة أن تخفي الحقيقة على صديقتها أكثر من ذلك، ففي النهاية هذا يكن زوجها مثلها. وقالت بتردد:

= حنين، ما تفهميش غلط، فعلاً إحنا متجوزين. نزلت عبارة زينة الأخيرة كدلو ماء بارد على رأس حنين، فجعلتها تصدم أكثر، وهي تطلع إليهم بنظرات مصدومة. بينما التفت طارق إلى زينة بحدة وضيق من تسرعها للأمر دون مقدمات، لتخفض الأخرى عينيها بقله حيلة. بدأت حنين تتنفس بصعوبة، هي تشعر بأن الدوار والغثيان يسيطران عليها الآن. لا تعرف هل من الصدمة أو شيئاً آخر.

.لكنها شعرت فجأة بأن هناك خطبٌ ما بها، هي ليست على ما يرام، حيث بدأت تشعر بأن هناك دواراً ما يسيطر على رأسها. لم تعد الرؤية واضحة بالنسبة لها، فصورة طارق وزينة تهتز أمام عينيها. كانت تريد الحديث والرد، ولكنها لم تقدر. وضعت يدها على جبينها محاولة أن تمنع ذلك الدوار من الاستمرار، ولكنه يزيد بصورة تدريجية.

لاحظ طارق ترنح زوجته أمامه وشحوب لون وجهها المفاجيء، فارتعد من هيئتها بخضة، وقبل أن يستفسر عن شيء، لم تقو قدم حنين على حملها أكثر من هذا، حيث ارتخى جسدها فجأة على وشك السقوط، بينما أسرع طارق بالإمساك بها. لكنه لم يلحقها، وقد سقطت على أدراج السلالم أمامهما. وقفوا الإثنين، طارق وزينة، مصدومين مشدوهين، لم يتحرك أحدهم، فقط يراقب الجميع المشهد بأعين مذعورة.

اكتسى وجه طارق بملامح الرعب والخوف الشديد، فركض كالمذعور حينما رأى ذلك المشهد، وقد أدرك أن حياة حنين في خطر، ولا وقت للمعتبة واللوم، عليه أن ينقذها أولاً، ليصيح بصريخ: = حــنـيـن. ركض ناحيتها وجثى على ركبتيه، وأمسك بكف يدها، يصرخ في وجهها، ولكن كانت الأعين مغلقة. نظر في رعب لها، وحاول إسنادها وهو يهتف باسمها لكي تسمعه وتستجيب له، ولكنها كانت فاقدة للوعي، وما صدمه برعب أكثر بأنها بدأت تنزف الدماء بكثرة.

بسرعة حملها، وكان ينظر إليها بخوف ممزوج بحب، يخشى أن يصيبها مكروه بسببه، فلم يسامح نفسه إذا حدث لها شيء سيء، ولكن ما يهم الآن هو سلامتها. بينما في الخلف، كانت زينة تراقب كل ما يحدث بذهول، وهي تشعر بالذنب، لأنها لم تستطع أن تدرك مبكراً ذلك الحب الموجود بين طارق وحنين، وأنها أعطت لنفسها الفرصة أن تعجب به وتعلق نفسها بالأوهام. لكنها عقدت حاجبيها بشرود، وهي تنظر إلى الدماء بشك وحزن أكبر، بأنها من الممكن تكون حامل.

وأجهضت. لا تعلم، لكن في الحالتين متأكدة بأنها خسرت صديقتها الوحيدة. *** في المستشفى، ظل طارق ينظر عبر زجاج الباب في توجس وترقب، ثم جلس على المقعد، وأخذ يفرك في كفي يده بتوتر وحزن، وهو يشعر بإحساس الذنب يقتله. فلو كان لم يتزوج من البداية، فلم كانت تراه بذلك الوضع، ولا حدث ذلك من البداية. لكن ما يقتله أكثر الأسرار التي عرفها عنها اليوم، ولم تخبره إياها، ومع الأسف علم بها بوقت متأخر للغاية.

كان يخشى أن يكون مكروهاً ما قد أصابها، فلم يفهم أو يستوعب النزيف المفاجئ ذلك. طال الوقت بالداخل، فنهض من مكانه وظل يتحرك في توتر وقلق ذهاباً وإياباً. كانت الدقائق تمر عليه كالسنوات، وظل يدعو الله في نفسه أن يحفظ زوجته. بعد فترة، خرج الطبيب من الداخل، فتوجه طارق إليه يسأله بلهفة: = طمني عليها يا دكتور.. مراتي أخبارها إيه، وإيه سبب النزيف ده؟ أجاب الطبيب وهو يشير بيده موضحاً:

= ما تقلقش، الحمد لله، وقفنا النزيف، بس لازم تفضل هنا تحت الرعاية، كمان الوقعة ما كانتش سهلة، خصوصاً إنها في بداية حملها! اكتسى وجهه بملامح الصدمة، وهو يردف بصوت ثقيل: = نعم! حنين حامل!؟ وقف طارق مشدوهاً، فاغراً شفتيه، لا يعرف بماذا يجيب، لقد تجمدت الكلمات في حلقه، ووقف يسرح فيما دار بينه وبين حنين طول تلك الشهور. ومشاحناتهم المستمرة، إلى أمر زواجه المفاجئ! حتى يرد كرامته؟

وانتهى الأمر به إلى هنا، فماذا سيفعل الآن، والأمور تضيق حوله أكثر فأكثر. فلين كان يعلم ما كانت تخفيه وحملها من البداية، لكانت تغيرت أمور كثيرة في علاقتهم. ….. لذلك، لا يعرف هل يفرح بذلك الحمل أم يحزن؟ *** أما عن زينة، فقد باتت شكوكها الآن صحيحة، هي حامل. صديقتها حامل من زوجها، هي الأخرى، ولم تكن تعلم بهذا! وحتى بعد معرفتها، فماذا سيكون وضعها الآن في تلك العلاقة!

وماذا عن طارق، الذي لم يراها ولم يسأل عنها خلال تلك الفترة أبداً. وخلال ساعات، كان انتشرت الأخبار في منزل أسرة حنين. أسرعت عبير ناحية حماتها وإيمان، وهي تردد بحزن شديد: = عرفتوا اللي حصل؟ حنين كلمتني من شوية، وقالت لي إنها في المستشفى، كانت هتسقط، واكتشفت إن جوزها اتجوز عليها صاحبتها زينة. شهقت الأم بصدمة كبيرة، ونهضت بقلق تتحدث بصوت متقطع، تحاول استيعاب الأمر: = بنتي يا نهار أبيض..

مستشفى إيه، قوليلنا بسرعة، حد يدور لنا على توصيل، اتصلي بمحمود بسرعة يا إيمان. نظرت إيمان إليهما بعدم تصديق، وهي تهتف بتلقائية: = يا خبر أبيض! كل ده حصل امتى؟ لحق اتجوز عليها امتى دي، ما هي من كام يوم كانت بتقولي إنه بيحبها وصابر على اللي هي فيه. وآخر مكالمة قالت لي إنها بتفكر تعمل نصيحتي، يبقي جابت نتيجة عكسية إزاي. عقدت عبير حاجبيها بدهشة، وقالت بحدة: = انتِ بتقولي إيه؟

هو انتِ يا إيمان، كنتِ فاهمة وعارفة تغيير أحوالها وساكتة؟ ونصحتها كمان. انتبهت إيمان على نظرات الاثنين إليها بدهشة وضيق، لتشعر بالتوتر وأنها فضحت نفسها، لتقول بنبرة قلقة: = هاه! لا، أنا قصدي على حاجة تانية، انتوا فهمتوا إيه.. أنا هروح أتصل بمحمود بسرعة عقبال ما تلبسوا. آآ. أوقفت عبير أمامها، تمنعها من الرحيل، وهي تتحدث بصرامة شديدة: = استني عندك، مش هتتحركي خطوة واحدة، غير لما تقوليلنا حنين كانت فيها إيه؟

وإيه هي مشكلتها اللي اشتكتلك عنها؟ وانتِ نصحتيها بإيه؟ خلصي بسرعة وقوليلنا. *** كانت حنين تتململ في الفراش، فبدأت تستعيد وعيها تدريجياً، لتتذكر ما حدث معها في الليلة السابقة. فتحت عينيها لتجد طارق جالس أمامها فوق ذلك المقعد بانتظارها. تطلعت نحوه مطولاً بتعبيرات غير مقروءة. بينما هو اعتدل في جلسته على المقعد، ولم يفتح فمه بكلمة واحدة، فقط يريد أن يعرف ردة فعلها.

نظرت هي حولها وتأملت الغرفة، وتذكرت قبل أن تحقنها الممرضة، أخبرتها بحملها، وبعدها طلبت منها هاتفها حتى تتصل على أسرتها لتأتي. أمعن النظر إليها، وحينما وجدها صامتة، هتف متردداً: = حـ.. حنين، ممكن نتكلم مع بعض وتسمعيني. أنا عارف إن أنا غلطت، بس انتِ برضه كان لازم تفهميني حاجات كتير، غير كلامك الصعب اللي ما كانش يقدر يستحمله أي راجل ويعديه عادي.

وبعدك طول الوقت عني، خلّى كل ده حسسني من حقي فعلاً أعمل الخطوة دي، بالذات بعد ما وصلتيلي إنك اتجوزتيني غصب عنك، و آآ إنك مش بتحبيني. تصنعت الابتسام وهي تجيب بنبرة وهن تقهر: = ومين قال إن مش من حقك؟ بالعكس، حقك أوي كمان، انت فعلاً استحملت واحدة زيي معقدة، وانت حتى مش عارف هي بتعمل كده ليه؟ عشان كده من حقك فعلاً تدور على واحدة تحسسك إنها عاوزاك وبتحبك، مش باردة وجماد زيي. رفع حاجبه للأعلى، متعجباً من ردة فعلها الغريبة،

لكنه حاول التحدث بارتباك: = يا حنين، أنا…. قاطعته وهي تذرف أنهاراً من الدموع، لترد بقسوة لم يعهدها منها: = لكن اللي مش من حقك إنك تسيب كل ستات العالم وتتجوز أقرب صديقة ليا! ده اللي مش من حقك فعلاً كده، ما تبقاش مجرد واحدة عاوز تتجوزها عشان تلبي احتياجاتك اللي حرمالك منها مراتك الأولى. كده انت بتدور صح إزاي تطعني وتوجعني…

بس برافو عليك، وعليها هي كمان، لعبتها عليا صح، ده أنا حتى لما شفت الدليل قصاد عيني كذبت روحي وقلت لا، حتى لو ده حقيقي، مش عاوز أعرف. انفرجت شفتاها مصدومة من أعمالهم المريبة معها، فسألته بتوجس: = أصل إزاي؟ جوزي مع صاحبة عمري، واللي ما ليش غيرها.. اللي من كتر حبي فيها، جبتها تسكن قريب مني عشان تكون تحت حمايتنا.. وعشان لما أتوجع أجري عليها أشتكي وهي تسمعني وتقولي حلول. مش بقول لك عرفت تلعبها صح!

حتى صاحبة عمري، خليتني أخسرها، أهو أنا النهارده خسرت خسارتين.. انت وهي!! أقترب منها وحاول يمسكها من ساعدها لكي يساندها، وهو يتحدث باعتذار: = آآآ.. حنين، أنا آسف و… نفضت يده عنها بكل حدة، ثم نظرت إليه بنظرات مميتة قاسية لا روح فيها، وقالت بصوت ميت: = ابعد عني، أنا مش طايقاك. مش عاوز أسمع حسك انت.. انت صوتك حتى بقى بيخنقني. لك على بعضك بقيت بقرف واشمئز، لما أشوفك، مش لما تقرب مني بس.

كانت حنين تشعر أنها ظلمت بحق من الاثنين، حتى لو أخطأت، لا تستحق منهم ذلك؟ هل ما فعلته كان كبير لهذه الدرجة حتى يجرحوها وتشعر بالغدر هكذا. لم يدري أن كل أحلامها صارت رماداً في لحظة، وأن من أشعل النيران فيها هو من عشقت روحه قبل قلبه. ثم تابعت حديثها بجدية، وقد قست تعبيراتها: = بس قولي صحيح، عرفت تسعدك وتعملك اللي ما كنتش قادرة أعمله؟

لما لمستها حسيت طبعاً إنك أسعد واحد في الدنيا، وإن مراتك كانت كئيبة وحرمالك من حاجات كتير، لدرجة عمرك ما هتنسى الليلة دي في حياتك. عكس مراتك الوحشة الثانية، اللي كانت بتمنعك من حقوقك، ويوم ما تديهالك كانها بتعطف عليك وبالعافية. ما أصلها معقدة، أنما زينة. شحب وجه طارق حينما تذكر كيف كان معها قبل قليل، ولم يكن سعيد كما تصور. ظل ينظر إليها يتألم روحه وقلبه، فلقد ظلمها ظلماً بيّناً، بالأخص وهي تضيف بتهكم مرير:

= أنا عارفاها كويس، ما هي صاحبتي، كان نفسها فعلاً تلاقي حد يحبها ويهتم بيها. فانت لو اديتها الحب والاهتمام ده، هتعمل لك أي حاجة في الدنيا. مبروك عليك، جايز فعلاً تستحقوا بعض، مش عشان حاجة وحشة، لا، عشان أنا اللي طلعت وحشة في الآخر، واستاهل كل ده. وانت طلعت زيك زي أي راجل، حتى زي أبويا اللي راح اتجوز ورمينا عشان احتياجاته دي، بس على الأقل أبويا استنى فترة طويلة على أمي. لكن انت ما استنيتش حتى سنة…

هو أنا كنت وحشة أوي كده. نظرت له بأعين تمقتها، تكرهها، تتمنى أن تمسك برقبته وتخـ.ـنقه ولا تتركه إلا جثة هامدة. فـنيران الغدر والغيرة تحرقها حرق. مسحت دموعها بعنف، وهي تردد بجمود: = بس تعرف، في فرق برضه في علاقتنا وبين علاقة أبويا وأمي. مش المدة اللي أبويا صبرها عليها، لا، ما هو في النهاية اسمه غدر! ما أمي كانت ست ضعيفة، واستحملت عشاننا، أو عشان ما كانش عندها حل تاني.

رغم إنه كان ما بيقدمش أي حاجة زيادة في حياتنا، حتى الفلوس كان بيمنعها كتير أوي، ويوم ما يدينا، يدينا ملايم، وهي اللي اشتغلت وأخواتي عشان يصرفوا. حتى كنت بسأل نفسي كتير أوي، لما هو ما لوش أي فايدة في حياتنا كده، اسمه راجل ليه؟ وأمي لسه على ذمته ليه؟ بس تقريباً كده كانت بتمشي بمقولة: أحسن ما يكون اسمي مطلقة، والناس تنهش فيا. بس أنا مش أمي يا طارق.

جاءت إليها قوة من حيث لا تدري، فالـمظلوم تأتيه الشجاعة لكي يدافع عن نفسه مهما كلفه الأمر. وهي تقول بحدة: = فلو عقلك مصورلك إن هعمل زيها، وهرضى بالأمر الواقع والزبالة اللي انتِ اتجوزتها دي على ذمتك وأنا كمان، وتوفق بين الصحاب مع بعض، تبقى بتحلم، عشان أنا مش هستنى على ذمتك دقيقة واحدة، وهتطلقني. حتى لو ليك مبررات والحق إنك تتجوز برضه، مش هفضل على ذمة واحد غدار زيك وما عندوش إحساس. صدم طارق من عبارة حنين الأخيرة.

فلم يخطر بباله أن تطلب مثل ذلك الطلب وسط تلك المشاحنات الحادة والعنيفة بينهما. لكن أقل شيء تفعله لرد اعتبارها منهما، ورغم ذلك، لم يكن أمامه حل آخر سوى موافقتها. إلا أن رفض وتحدث قائلاً، متعمد تذكيرها لعلها تتنازل عن تلك الفكرة: = طب ممكن بالراحة، عشان العصبية دي غلط عليكي، وانتِ تعبتي أوي ونزفتي كتير. هو انتِ عرفتي إنك حامل؟ كانت في تلك اللحظة تشعر بالاشمئزاز منه شخصياً، وليس من العلاقة هذه المرة فقط.

هو ذلك الخائن الذي سلب روحها وقتلها، بل رحمة، بينما هي معذبته التي تفننت في اقتلاع قلبه بلا رحمة أيضاً. كم تكره ذلك الشعور الذي جعلها تعاني منه إلى الأبد، فلقد صار طارق هو لعنتها الأبدية التي لن تشفى منها مهما حدث. أصرت قائلة بلهجة صارمة: = آه عرفت، وده مش هيغير حاجة. وبعدين ما تعملش نفسك يهمك أوي مصلحتي وحياتي، انت أقذر واحدة عرفته في حياتي.

أنا ندمانة إني عرفت بني آدم زيك وزي الزبالة الثانية، يا ريتك ما ظهرت في حياتي ولا حبيتك ولا اتعلقت بيك. ولا وثقت في واحدة زيها، وفكرتها صاحبة ليا. لا وأنا من خيبتي راحة كمان أشتكي لها منك، وانت جوه عندها بتقضوا أجمل أوقات حياتكم، وأنا الهبلة اللي مختومة على قفاها ولا دريانة. هو الكلام ده من امتى. كان طارق يشعر بالأسى عليها، فهو السبب الرئيسي فيما تعانيه. حتى لو كانت هي من بدأت، فأصبح متأكد بأن هناك جزء مخفي!

بالإضافة إلى كل ذلك، قد ندم قبل معرفته على كل ذلك وعلى زواجه من صديقتها زينة، الذي جعله يشعر بالذنب أكثر ويضيق من نفسه. لكن هو صار متأكد بأنها تخفي الكثير من الأسرار والمبررات التي جعلتها تتعامل معه هكذا؟ وبالخصوص حول العلاقة الحميمية، هناك من العقد الكثير داخلها أدت إلى تلك النتيجة. وليتها كانت صريحة معه من البداية في تلك النقطة. قبل أن يضع نفسه في مأزق لا يعلم كيف الهروب منه أيضاً بزواجه من زينة.

حاول تهدئة حنين، ولكنها كانت على وشك الانهيار أمامه، ومع ذلك تحدث بصراحة: = حنين، ممكن تهدي، أنا اتجوزتها امبارح، يعني بقيلنا يوم واحد بس، مش زي ما انتِ فاكرة. بعد ما اتخانقنا، قابلتها، أنا ما أعرفش طلعتلي منين وجت ورايا، وفضلنا نتكلم، وأنا كنت على آخري منك، ما كنتش عارف أنا بقول إيه، وطلبتها للجواز. و آآ هي كمان فضلت تشتكي من أهلها، وإنها كان نفسها تلاقي حد زيي يهتم بيها، وإنك مش عارفة قيمتي كويس.

نزلت عبارات طارق على مسامع حنين كالسكين الحاد، الذي يزيد من عمق جراح قلبها. وضعت كلتا يديها على أذنيها لكي لا تسمع منه المزيد، فلم تفهم هل كانت صديقتها بحق، أم كانت تنتظر أي لحظة لتستغلها حتى تغدر بها. وهو! أليس من المفترض بأنه يحبها؟ فلما الاثنين استغلوا أقرب فرصة إليهم ليجعلوها تشعر بذلك الإحساس الفظيع.

كانت شبه منهارة مما حدث، حاولت قدر المستطاع أن تتماسك، أن تتحامل على نفسها، فبزواج ذلك عاد كل التجارب القاسية التي عاشتها مع والدتها ووالدها بالماضي. لذلك خارت قواها وفقدت السيطرة على حالها، فلم تعد تتحمل المزيد، كل شيء قد انهار أمامها وخسرت الكثير. صرخت ببكاء مرير: = هو ليه؟؟ هااااا ليــــه ما تبصليش كده، انطق وردي عليا؟ أنا بكرهك.. بكرهــــــك. انت دمرتني، انت هديت كل حاجة حلوة في حياتي، انت دبحتني باللي عملته.

بكرهــــــك. عجز عن تهدئتها، وقد شعر بالذنب والحزن أكثر بسبب حالتها التي وصلت إليها بسببه. وفي تلك اللحظة، قد وصلت أسرتها على صوتها هي والممرضات لتهدئتها. *** مرت عدة أيام في المستشفى، وكانت حنين كالجثة التي لا روح فيها، توجه بصرها لسقف الغرفة بأعين فقدت بريقها اللامع. تحاول قدر استطاعتها أن تبكي في صمت. بكائها هذا ليس كأي بكاء، إنه بكاء كـ.ـماء النيران، يكوي القلوب قبل الوجوه.

لا تدري ما الذنب الذي ارتكبته لكي يفعل بها طارق هذا. فهي بالأساس ضغطت على نفسها وفعلت أشياء ضد إرادتها لأجله، فيكون ذلك جزاءها! تعلم بالنهاية أنها أخطأت، لكن لا تصل به إلا يفعل ذلك. يتزوج عليها ومن صديقتها الوحيدة. حقاً، علم جيد كيف يعاقبها ويجعلها تعاني من خسارتين، خسارته هو وخسارة صديقتها. فلم تكن تعلم بأنها تحبه هكذا. أو أنه سيجرحها بتلك الطريقة، أو صديقتها ستكون بذلك الخسة.

فما وجع ذلك الآلام كله، فلا تعرف على أي تحزن أو تبكي بالضبط. والمصائب تسقط فوق رأسها واحدة تلو الأخرى دون رحمة. فكلما أغمضت عينيها وحاولت أن تمحو من ذاكرتها ما حدث لها، ولكن كلما حاولت أن تنسى، تذكرت أكثر. *** بعد مرور أسبوعين، خرجت حنين من المشفى، وقد أوصى الطبيب أن ترتاح جيداً وتظل الشهور الأولى ملازمة الفراش لأجل صحتها وصحة طفلها. ورفضت رؤية طارق خلال تلك الفترة، لكنه لم ييأس!

وعلى الجانب الآخر، بدأ الجميع يضغط على حنين ليعرف السبب الرئيسي لجعل طارق يعاملها هكذا ويتزوج بغيرها، قبل أن تفوت سنة واحدة على زواجهم. حتى اضطرت أن تقص إليهم باختصار شديد حالتها الصعبة. ومنهم من تقبل الأمر، ومنهم من اعتقد أنها تدلل! وقد استغربوا وعاتبوها أيضاً، لأنها كانت تمنع نفسها في بعض الأحيان عن زوجها. لذلك، من منهم رأى بأنه محق في زواجه بغيرها. لكن حنين لم تهتم بكل ذلك، وأصرت على الطلاق.

بينما كانت عبير والعائلة مستشاطين من الغضب من تلك الفتاة التي تدعي زينة، فكيف تكون صديقتها المقربة وتفعل ذلك بها. فالجميع يعرف كيف كانت تحبها حنين، وساعدتها في البحث عن سكن بجانبها. ويكون هذا جزاءها في المقابل. جلست حنين بجوار النافذة، كانت تبكي على حالها كعادتها، وروحها الجريحة.

فهي لم تطيق الجلوس مع أسرتها حتى بسبب حديثهم وضغوطاتهم، فكانت محقة، إيمان لم يفهم أحد ما تعاني منه، لكن أسلم شيء لها الآن هو الابتعاد عن كل شيء بالوقت الحالي. وبهذه الفترة بالأخص، حتى تستعيد وعيها وثقتها بنفسها من جديد. حتى لأجل طفلها القادم، الذي كانت متفاجئة به بذلك الوقت بالتحديد. لكن لا أحد يعلم مصيره في هذا العالم إلا ربه، وهو المدبر لشؤوننا دائماً.

يالها من حياة قاسية مع حبيب كانت تؤمن به، قدم لها السعادة في لحظة، ثم أذاقها طعم الذل والمرار في لحظة أخرى. فأكثر ما يؤلمها حبها له الذي كان منذ البداية وتخفيه، وصديقتها التي غدرت بها دون أن تمهلها الفرصة حتى تحذر أولاً. فسـ.ـقـ.ـتـ.ـها بالاثنين كانت تتخطى الكثير، وهي الآن تدفع ثمنها.

في تلك اللحظة، تقدمت عبير وإيمان منها، لتحاول منع دموعها من الانهمار أكثر، ومسحت بأطراف أصابعها تلك العبرات الساقطة، وأسندت يدها الأخرى بجوارها. احتوت عبير قهرها وحزنها بحنانها الكبير قائلة: = ما هو العياط مش هيرجع حاجة، خلاص يا حنين، اللي حصل حصل، وأنا عارفة دلوقتي إنك موجوعة على الاثنين، إذا كان على جوزك ولا على اللي ما عندهاش دم دي، وكنتي فاكراها صاحبتك وغدرت بيكي. أضافت إيمان أيضاً باستنكار ساخط، وهي تشير بيدها:

= أنا مستغربة البنت دي أوي أكتر من جوزك بصراحة، لأنها اتحطت في نفس الموقف وجوزها اتجوز عليها. فتردها لك أنتِ ليه، أو لغيرك بعد ما جربت وجع القلب وعارفاه. لا، وبالذات بعد ما وقفتي جنبها في كذا موقف، يكون ده رد الجميل. ابتسمت لها عبير ببسمة باهتة، قائلة باقتضاب: = في ناس كده للأسف، تنجرح وتتوجع وما تعملش حاجة للناس اللي آذوها، لكن تأذي غيرها عادي بنفس الطريقة. في اعتقادها يعني كده استنصحت، بدل ما تقع بنفس الموقف تاني.

وبعدين برضه، حنين غلطانة، ما كانش ينفع تحط النار جنب البنزين! وانتِ بتغضبي كتير هنا في البيت وبتمنعي جوزك عندك، وفي نفس الوقت سايبة واحدة بابها موارب. رددت حنين بصوتها المنتحب وعيناها تفيضان من الدمع المقهور: = أنا ما كنتش أعرف نيتها ولا نيته، وحتى لو كده! اديكي لسه قايلة بلسانك ما شفتش حاجة مني وحشة، فالمفروض لما

كان يطلبها كانت تقف تقوله: لا، دي صاحبة عمري وليها أفضال عليا كتير، ومستحيل أوجعها، مش تنتهز الفرصة من أول مرة، وعلى طول، كأنها لما صدقت تجرحني. كفكفت دموعها قبل أن تنهمر أكثر، وأضافت بنبرة متخاذلة: = أنا على فكرة كمان، أكتر حاجة مصدومة فيها هي، أكتر من جوزي ونفسي، بجد أعرف هي ليه عملت معايا كده، وأنا عمري ما أذيتها، بالعكس، كنت دايماً معاها وبفضفض وأطبطب عليها، وكنت مستعدة أعمل أكتر من كمان.

على الأقل هو راح ولا جه، راجل وليه مبرراته، لكن هي إيه مبررها. التفتت عبير نحوها وأجابت باهتمام: = ما هي هنا كانت المشكلة يا حنين، من كتر ما أنتِ بتديها وتساعديها من غير مقابل، في ناس بتعتقد إن ده بقى حق مكتسب خلاص! واستكترت عليكي جوزك، وحست إن ده من ضمن العطف اللي بتعطفي عليها بيه وتديهولها. وأراهنك إنها دلوقتي ولا ندمانة ولا شايفة إنها غلطت في حاجة. بهتت ملامح إيمان وهي ترد بغيظ قليل:

= على رأيك والله يا أبلة عبير، في ناس كده، تديهم يطمعوا أكتر. وبعدين، هو حد دلوقتي يأمن لصاحب، يا هبلة، في الزمن ده! عارفة أنتِ لو كنتي حكيتيلي من الأول، كنت فهمتك وفطمتك، واديتك خبرتي و.. احتـ.ـدت نظرات عبير، وقست إلى حد ما، وهي تعلق بصوتها المتشنج: = ما كفاية يا إيمان، نصايح بقى، ما هي اللي خربت عليها هي كمان.

مش فاهمة أنتِ يا حنين، سبتي كل اللي في البيت، وما لقيتيش غير اللي عقلها طاير منها دي، وتسمعي منها نصيحة، وكمان تنفذيها. كزت على أسنانها بضيق، ثم تحدثت بغرور قليل: = وأنا عملت إيه إن شاء الله؟ الحق عليا، كنت عاوزة أوعيها. وبعدين، اديكوا عرفتوا، حد منكم كان شافلها حل!

ولعلمك، نصيحتي جابت نتيجة، بس لولا أنا اتسحبت من لساني واستعجلت واتصلت عليها، كان زمانه دلوقتي ولا دريان بحاجة، وهي قالتلك بلسانها، آخر مرة كان سعيد وفرحان لما حس إنها مبسوطة. رمقتها عبير بنظراتٍ احتقارية، وهي تردد بعدم رضا: = نصيحة إيه يا عبيط، اللي جابت نتيجة، وهي فين النصيحة دي أصلاً؟ ده اسمه غش وهروب من المواجهة!

كان عندها أكتر من حل، على الأقل تواجه وتقوله الحقيقة، كان لازم يعرف حاجة زي كده ويحل معاها غصب عنه، ده أمر مفروض بين الاثنين، ولازم يحصل بالتراضي، والاثنين يحسوا بكده. وهي ما كانتش هتعمل حاجة عيب ولا غلط لو كانت واجهته، وشافوا حل. عشان ما فيش حاجة اسمها العلاقة دي معموله عشان الراجل يستمتع، وهي لا، للاثنين، لا بلاش! ردت إيمان باقتضاب، وهي تلوي شفتها بسخرية: = يا سلام، وإيه الحل بقى يا فلحوسة؟؟

انتِ هتعملنا فيها مدرسة بقى في البيت هنا كمان؟ يا حبيبتي، انتِ هنا مش في مدرسة بتدرسي للتلاميذ بتوعك، أنتِ هنا في واقع. ولو عندك حل، قولي إيه اللي كان هيخليها سعيدة وحابة العلاقة ومش كارهها زي دلوقتي. أجابت بوجه ممتقع، وبجدية مبطنة بالعتاب: = أنا مش دكتورة يا إيمان، بس الأمور دي تروح لأصحاب الشأن، واللي فاهمين فيها، بدل ما نفتي بنصايح تجيب ورا. لكن أنا آسفة يا حنين، وما تزعليش مني، أنتِ غلطتي برضه.

ولو ما كانش فعلاً طارق عرف إن أنتِ غشيتيه، كنتِ هتفضلي في الوضع ده قد إيه؟ يوم، اثنين، طول حياتك كده؟ طب وهي دي حياة؟ وانتِ سعادتك فين ولا راحتك؟ وليه أصلاً أمثل وأكذب في حاجة أنا ما ليش ذنب فيها؟ أنتِ عيانة ولازم تعترفي بكده، والمريض بيروح لدكتور معروف. انفرجت شفتا حنين مصدومة من إجابتها المريبة عليها، ورغم أنها متأخرة، لكنها بدأت تفكر في كل ذلك، وأنها مريضة بالفعل. فهمست بتوجس: = د.. دكتور! ***

بينما على الجانب الآخر، أغرقت عينا زينب بالعبرات، وهي تقول بشرود حزين: = كأن الزمن بيعيد نفسه. نفس اللي حصل معايا حصل مع بنتي. وبرضه جوزي راح شاف غيري لنفس السبب؟ رغم إن كان مرضي مش بإرادتي، لكن حطيت جزمة في بقي وسكت. يا ريت في الآخر طمر وصرف على العيال. يا ترى يا طارق، عملت كده عشان ملناش ضهر، وقلت أبوها ذات نفسه ما عملهاش، ومتجوز اثنين، جت على بنته.

صمتت لبرهة، مفكرة لعدم استطاعته عن البوح ما يكنه داخله، فكان بحاجة لجمع شتات نفسه واستعادة جأشه ليستمر في معركته المصيرية. ابتلع ريقه بصعوبة، وأجاب بصوت مرتعش: = يا خالتي، والله أنا صبرت عليها كتير، وهي ما كانتش صريحة معايا من البداية. جايز لو كانت قالتلي وفهمتني اللي فيها، وقد إيه هي تعبانة من الموضوع ده؟ كنت والله هقف جنبها، زي ما صبرت عليها من البداية. ردت بغلظة، وهي ترمقه بنظرات منذرة بغضب شديد:

= أنا مش بغلط بنتي، لكن الغريبة إنك ما لقيتش فعلاً غير صاحبتها. مش حاسس إن دي حركة واطية منك، أصل يعني مش من قلة البنات. يا سيدي، طالما الغلط جاي من عند بنتي، وما كانتش بتديك كل اللي عاوزة ومحتاجة، ومقصرة معاك فعلاً. أسرع طارق يتحدث مبرراً بتوضيح جاد: = عشان أنا ما كانش في نيتي أصلاً أتزوج تاني، ولا أدور على غيرها، وهي اللي كانت قدامي وقتها!

انتِ ما تعرفيش في آخر خناقة بنتك قالتلي إيه بالظبط، كلام صعب استحمله، وأنا ما كنتش فاهم مبرراتها، وهي ما فهمتنيش حاجات كتير، ولا كانت واضحة ولا صريحة. أنا والله ندمت لما عرفت إن عندها عقد من الموضوع ده. حركت رأسها باستنكار جلي، واستشاط وجهها بالدماء الغاضبة: = وندمك ده هيفيد بإيه في الآخر؟ ما خلاص عملت اللي انت عاوزه، واتجوزت عليها صاحبتها، وقهرت البنت. لا والمصيبة الأكبر في نفس التوقيت تطلع حامل!

وهي مصرة على الطلاق، وأنا صدقني لو ما كانتش حامل فعلاً، كنت زماني دلوقتي جايبة المأذون أنا بنفسي، وبقول لك خلص البنت من على ذمتك، عشان مش هخليها تعيش نفس اللي أنا عشته. لكن العيل اللي جاي ده، هو اللي مانعني، ومش عارفة برضه أتصرف ولا أعمل إيه. الله يسامحك، حطيتنا في موقف ولا عارفين نحل ولا نبعد، وفي عيل جاي ملوش ذنب. تسمر طارق في مكانه، عاجزاً للحظات عن الرد عليها.

وبالفعل، شرد في مصيره ومصير طفله القادم، إنه وقع حقاً في مأزق، مجبر على حله بأسرع وقت. بسرعة هتف بلهفة باقتراح: = لا صدقيني، في حل. مش كل مشكلتكم إن إني اتجوزت خلاص. بصي، أنا ما كنتش أعرف اللي فيها، لكن دلوقتي أكيد بعد ما عرفت، هعرف أتعامل معاها إزاي وأكون حذر.

وإذا كانت على زينة، قصدي يعني اللي اتجوزتها، فـ أنا مستعد أطلقها، وأعتقد هي كمان هتوافق على الطلب ده، إحنا من أول يوم أصلاً بالمشاكل كلها اللي حصلت دي، بقينا متأكدين إننا ما ينفعش لبعض، وأخذنا قرار متسرع. بس عشان خاطري، خليها تتراجع عن حكاية الطلاق دي، قوليلها حتى عشان خاطر ابننا اللي جاي، وجايز تكون هي دي الفرصة اللي ربنا أداها لنا عشان لسه في أمل في علاقتنا تتصلح.

صمتت بتفكير طويلاً، ثم نظرت إليه بجمود مصطنع، قائلة بثقةٍ مهلكة: = تعرف، أنا تمنيت إن جوزي يجي يقولي الكلام ده، ورغم كل اللي عمله، كنت هسامح! يمكن ربنا رحيم بيا شوية، ومش عاوز قلبي يتقطع عليها لما تطلق جنبي لنفس السبب! ماشي يا طارق، لو فعلاً طلقت البنت دي وبعدت عنها، وعملت بنتي بما يرضي الله، وندمت فعلاً، أوعدك إني هقف في صفك، ومش هوافق على الطلاق. بس شوف الأول هتخلص منها إزاي!! ***

بقيت زينة، عينيها الجامدة، بوميضها الغامض، مسلطة على طارق، الذي جاء الآن، وتذكر أنه له زوجة أخرى يسأل عنها. لم تكترث بملامح وجهه المـ.ـرهـ.ـقة، فغيرتها وغضبها لم تستطع السيطرة عليهم، فنفخت قائلة بضيق: = أخيراً افتكرت تسأل عني، وإنك سايبني لوحدي هنا، والمفروض إني مسؤولة منك. رد الآخر موضحاً بزفير مسموع مرهق للغاية: = طب ما انتِ اتصلتي بيا يوم ما وديت حنين المستشفى، وعرفتك اللي فيها، وإنها حامل.

وعرفتك إن حالتها صعبة أوي، حتى من ساعة ما فاقت لحد دلوقتي، أصلاً بسبب إنها نزفت كتير، الوقعة ما كانتش سهلة عليها. انزوى ما بين حاجبيها، ولن تستطيع اخفاء حقدها وغيرتها من زوجته الأولى، والتي تكون صديقتها بنفس الوقت. ثم ردت عليه بعبوس: = ربنا يشفيها يا سيدي، ما قلناش حاجة، ووالله زعلت عليها. بس على الأقل هي حواليها ناس كتير من أهلها، لكن أنا هنا لوحدي، مش هيجرى حاجة يعني لو رفعت حتى التليفون وسألت عني.

لكن تنساني كده خالص من حياتك، ولا كأنك اتجوزتني، وأنا مراتك زيها وليا حق عليك. تقوس فمه بابتسامة باهتة، وهو يرد بجفاء: = أهدي يا زينة، الفترة اللي فاتت ما كانش سهلة عليا، وكنت مشغول في كذا حاجة. وبعدين حنين من ساعة ما فاقت، وهي حالتها النفسية وحشة أوي، برضه اللي حصل صعب عليها وصدمة كبيرة إنها تتصدم في جوزها وصاحبتها. عشان كده، حتى لو هي اللي قالت لي بنفسها أمشي ومش طايقاني، ما كانش لازم أسيبها في وقت زي ده.

توترت زينة قليلاً من ذلك الشعور بالذنب المفاجئ، فبالأخير كانت صديقتها من قبل. لترد بصوت متوجس: = أنا ما قلتش حاجة، وبدعيلها، ونفسي كمان أروح أشوفها، بس عارفة إنها أكيد مش هتستقبلني كويس، ولا حتى أهلها. لكن هشوف أقرب فرصة، وأحاول أفهمها مبرراتي وظروفي اللي خلتني أعمل فيها كده. لوى شفته بسخرية مريرة، وهو يقول بنبرة نادمة: = تفتكري فيه مبررات للي إحنا عملناه فيها؟

تفتكري حتى ممكن تسامحني عادي، عشان انتِ مثلاً صاحبتها الوحيدة، وأنا جوزها، فـ هتقولنا عادي، ولا يهمكم. بلاش نضحك على نفسنا يا زينة، إحنا عملنا حاجة صعبة فيها، وهي مش هتسامحنا، ونستاهل، إحنا اتسرعنا أوي. يا ريت صارحتني إن عندها عقد من أمور الجواز والعلاقة، وإنها بتحبني، وقالت كده من ورا قلبها، لما اتهمتها إنها باردة ومش بتحسن. نظرت له نظرة حادة، وهي تسأله بضيق: = طارق، ما تشيلناش الذنب كله.

وبعدين يمكن قالت كده، بس عشان منظرك قدامي، لكن هي مش بتحبك بجد، وانت بنفسك قلت ما عملتش أي حاجة تدل على كده. يعني مش هتصدقها بمجرد كلمة اتقالت كده على طول. وبعدين، كان هيفرق يعني معاك الكلام ده في إيه. أرجع طارق ظهره للخلف، قائلاً بضيق محبط: = أكيد لو كانت قالتلي كل ده، كنت هعرف إن فيه سبب، وهقف جنبها ونشوف حل، بدل المشاكل اللي كنا فيها طول الوقت، وكل واحد بيتخيل حاجات مش صح عن التاني، ومش لاقي مبررات.

صحيح، أنا لحد دلوقتي مش عارف برضه إيه أسبابها كلها، لكن فيه حاجات كتير وضحت من كلامها معاكي قبل ما يحصل اللي حصل. عشان كده، يا ريتني كنت أعرف حاجات كتير، قبل ما أعمل الغلطة دي! قطبت جبينها بغصة مؤلمة، متسائلة باستغراب، بينما تجمدت عينيها عليه بلا تصديق: = الغلطة دي؟؟ اللي هي إنك اتجوزتني، مش كده؟ هو انت مالك، من ساعة ما جيت، عمال ترمي كلام صعب،

وأكبر دماغي وأقول: معلش، أكيد خد له كلمتين من أهلها، لكن من ساعة ما قعدت، كأنك عمال ترمي إن جوازنا وقربك مني كان أكبر غلطة عملتها في حياتك. أخرج زفيراً محبطاً من صدره، مردداً باستسلام بائس: = زينة، أنا مش عمال أرمي كلام مقصودوش، أنا فعلاً أقصد كده. وأنا آسف إني صريح معاكي بالطريقة الصعبة دي، بس خليني أفكر بواقعية شوية، أو حطي نفسك مكانها! هي قالتلي كلمة واقعية أوي، وخلتنا أفوق.

إن حقك تتجوز عشان تقصيري معاك، لكن مش من حقك تسيب كل الناس وتختار صاحبتي بالذات، وانت عارف إن أنا ما ليش غيرها، وكأنك قاصد توجعني. عشان تخليني أخسر مرتين! في اللحظة دي حسيت فعلاً أنا عملت فيها إيه بالظبط، وفقت. لكن متأخر. تحرك مبتعداً، لكنها نهضت الأخرى، وقبضت على ذراعه، هاتفة بانفعال:

= بس أنا ما غصبتكش على حاجة، انت اللي عرضت عليا نتجوز أصلاً، وقلتلي تعالي نجرب، حتى لو مش بنحب بعض، بس أكيد فيه حاجات محتاجينها لقيناها في بعض. بهتت ملامحه بذنب أكبر تجاهها، وهو يرد بضيق قليل: = هو إحنا نعرف بعض قد إيه، عشان فجأة نقرر كده نتجوز، وإنه هنلاقي حاجات محتاجينها في بعض؟ عارفة، إحنا اتجوزنا واخترنا بعض ليه، ووافقنا بالسرعة دي، عشان فكرنا فعلاً إننا لما نعمل كده، هنكون سعداء، وكل واحد هيكمل التاني.

رغم إن فيه حاجات كتير أوي لسه ما نعرفهاش على بعض. أنا عارف إني أنا اللي عرضت عليكي الجواز، وانتِ ما غصبتنيش، زي ما أنا ما غصبتكيش برضه، وانتِ وافقتي بإرادتك! أصبح وجهه خالياً من التعبيرات، وهو يتابع بترقب وصراحة مؤلمة للاثنين: = كنت عاوز أرد كرامتي بأي شكل، وعلى حساب أي حد، وأنا بعترف إني ظلمتك برضه. لكن أصلاً من أول ما لمستك، وأنا حسيت وفكرت فيها أول حاجة، وده كان أكبر دليل، إن أنا ما انتقمتش إلا من نفسي.

أنا اللي خلاني مش عاوز أواجهك بالأول، لـ إني مش عارف أقول لك إيه؟ بس أنا حقيقي مش عاوز أظلمك أكتر من كده. عبست ملامحها بألم حاد، قائلة بجدية عجيبة: = والعمل دلوقتي؟ يا ترى إيه الحل اللي وصلت له، ومتردد تقوله، وعمال تقول كل المقدمات دي عشان تصارحني بيه. لم يستطع طارق إخفاء الندم والإحساس بالذنب الذي خرج من جوفه، وهو يرد بتلميح صريح: = زين، إحنا لازم نطلق. جوازنا كمان من البداية غلط، ولو كملنا، هظلمك أكتر، صدقيني.

انتِ اتجوزتيني عشان هدف واحد، إنك تلاقي الحب والاهتمام، وأنا مش هعرف أهتم بيكي، وأنا ظالم واحدة تانية، ولا أحبك وأنا في قلبي واحدة غيرك. فكري كده فيها مع نفسك، هتعرفي إن معايا حق! إحنا ما ينفعش نكمل مع بعض، لأننا ما كناش لبعض من البداية. وشوفي إيه اللي يرضيكي، وأنا مستعد أديكي كل حقوقك، ويا ريت تسامحيني، أنا آسف. أبعدت قبضتها مصدومة، وارتفع حاجباها للأعلى باستنكار جلي.

لقد تنازلت عن أشياء كثيرة لتستحوذ على اهتمامه وتكون ملكته. لكنه بكل بساطة يخبرها اليوم بأنه سينفصل عنها، وكأنها نكرة ولا شيء مهم في حياته، مجرد ليلة عابرة أثبتت له بأنه لا يستطيع البعد عن زوجته وسيظل يحبها مهما فعلت. انزعجت كثيراً من تصرفه الفظ، خاصة بعد أن علم بأمر حمل زوجته! لذلك سيتنازل عنها بمنتهى السهولة. اضطربت لتنظر له بنفور، مستنكرة إهانته معها. رمقته بنظراتٍ عدائية، وهي ترد منفعلة: = هو إيه اللي آسف؟

وشوفي انتِ عاوزة إيه، وأنا أديلك حقوقك؟ هو أنا وافقت أتجوزك سكتي، وجبرت نفسي أكون زوجة تانية عشان مستنية منك فلوس مثلاً؟ مش كفاية عاوز تطلقني، وأرجع لأهلي مطلقة لثاني مرة؟ عشان سيادتك طلعت عيل ومش قد كلمتك، وما عرفتش تحسبها صح !! تفاجأ بما قالته، فحاول منعها من الرفض والعناد، الذي لم يفيدها مطلقاً، فلقد أخذ القرار في ذلك الموضوع، بدلاً من أن يخسر أكثر، أو يظلمها معه. فهمس بقلق ظهر في نبرته:

= زينة، انتِ كنتِ راضية بكل ده وقت ما اتجوزنا، وأنا ما غصبتكيش على حاجة، وأكيد كنتِ عارفة ومـتأكدة إنك هتكوني زوجة تانية، وأنا مش هتـ.ـنـ.ـازل عن حنين مهما حصل. وإن ممكن يحصل ده في أي وقت، وإننا ننفصل. ركزت نظراتها عليه، وهي تسأله بجدية: = وهو دلوقتي المفروض الواحدة لما تيجي تتجوز، تفكر كمان في الانفصال؟ مين قال لك إن أنا حسبتها كده!

وبالنسبة إن أكون زوجة تانية، فحسب كلامك إنك ما كنتش طايقها، وباين أوي إنك مش هتخليها على ذمتك، بعد ما أهنتك على الآخر، وقالت لك في وشك إنها مش بتحبك، واتجوزتك غصب. فكان اللي متوقع رجولتك هتحن عليك وتطلقها. تفرس في تعبيرات وجهها بوجه المتصلب، ورد بتحذير صارم: = هو انتِ مالك بتتكلمي بالطريقة دي كده ليه؟ حسبي على كلامك، واحترمي نفسك. انتِ اللي خمنتي من دماغك إن أنا هطلقها، لكن أنا ما جبتش سيرة طلاق أصلاً.

تصنعت الجمود، وهي تعمد إلى إخفاء توترها، ثم كزت على أسنانها، وقد ارتجف صوتها بالحزن الشديد: = لكن من شوية جبت سيرة الطلاق عشاني. أنا ما لازم صحيح الكفة اللي تطب، اللي ملهاش قيمة عنك، اللي هي أنا. من وأنا عيلة صغيرة، ما فيش قرار بعرف أخده لوحدي، دايماً بيتفرض عليا، إلا انت وطلاقي!! أنا جوزي اتجوز عليا فجأة كده، بدون مقدمات، وبمنتهى الهدوء، انسحبت من حياته، وتنازلت عن كل حاجة في المقابل.

والكل قال عليا ضعيفة، عشان محربتش، وسبته ليها على الجاهز. لكن حلفت، إن أنا مش هعملها تاني، وأخلي حد يجي عليا عشان مصلحته. ومصلحتي هي لازم تكون أهم، حتى لو على حساب مين !! شعر ببرود عجيب، يحتاجه بتلك اللحظة، فكان متوقع رد فعل غير كذلك بالمرة، لأنها بالأخير صديقتها. لكن إذا كانت صديقتها بحق، فكيف تفعل شيء كذلك، وهي تعلم جيد بأنه سيؤلمها. وهو نفس الأمر أيضاً، أحبها بصدق، وتزوج عليها صديقتها. فغر شفتيه، مردداً باندهاش:

= يعني إيه؟ رسمت الجمود والقوة الوهمية عليها، ثم كتفت ساعديها، مرددة باعتراض واضح: = يعني سيادتك عمال تحسبها عشان تدور على مصلحتك، ومصلحة الـ.ـهـ.ـاـ.ـنـ.ـم إزاي ترجع لها بعد ما تطلقتني، عشان ترضى عنك، مش كده؟ و مش بعيد تكون هي كمان اللي قالت لك ده، شرطها عشان توافق ترجع لك. وأنا اللي أنداس في الرجلين؟ لكن أنا بقى مش عاوزة أطلق، ومش هتنازل عن حقي فيك، زيها وأكتر. ** ** **

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...