الفصل 4 | من 9 فصل

رواية نصف عذراء الفصل الرابع 4 - بقلم خديجة السيد

المشاهدات
27
كلمة
6,506
وقت القراءة
33 د
التقدم في الرواية 44%
حجم الخط: 18

ابتسامتها الرائعة التي تتغلغل إلى قلبه من أول يوم رآها جعلته يهيم بها أكثر. ودون تفكير، جعلته يركض إلى أحضانها ليجعلها تعود، حتى وإن كانت هي المخطئة. وعتابها له على تركها بمنتهى اللطف. وأول ما عادت إلى المنزل، كلماته أخذت ترن في أذنيها: = نورت بيتك. حنين، ممكن عشان خاطري نزعل ونتخانق ونغضب هنا؟ أنا ما بحبش حد يعرف عني حاجة ولا عنك، حتى لو الموضوع يستاهل الزعل، خلينا نحل مشاكلنا مع نفسنا، ممكن! هزت رأسها بالإيجاب

بتفهم وأجابت بصوت جاد: = على فكرة، أنا قلت لهم إني جايه زيارة، ما جبتلهمش سيرة خالص إننا اتخانقنا ولا أي حاجة عننا، رغم إنهم بيضغطوا عليا كتير. بس أنا كمان زيك، مش عايزة حد يعرف عننا حاجة. ابتسم طارق ابتسامة ارتياح وهو يرد بحذر:

= طب حلو، أخيراً اتفقنا على حاجة. وأنا ما جبتش سيرة والله لماما خالص، ولا تعرف أصلاً إنكِ كنتي غضبانه كل ده. وهي كده كده سافرت البلد هناك قبل يومين وما حسيتش بعدم وجودك. وأتمنى بقى تكون آخر مرة تغضبي فيها على أتفه الأسباب. تفت حنين وهي تنظر إليه نظرات حانقة: = إنت قلت في الطريق مش عايزين نفتح الموضوع عشان ما فيش أصلاً سبب للخلاف اللي حصل ما بينا، مش كده؟ يبقى ليه دلوقتي بتقول عليا تافهة؟

إيه، لما صدقت وبتلكك أنا ولا مجنونة وبعمل كده من نفسي؟ أخذ نفساً عميقاً وحاول ألا يتجادل معها مجدداً حتى لا يتفاقم الوضع، محاولاً التحكم في أعصابه ليرد باقتضاب: = خلاص، إنتِ لما صدقتي تتفتحي وتتخانقي تاني. مش قصدي خلاص، بس بجد ضايقتيني وعصبتيني أوي بسبب إنك سبتي البيت. خلاص، حقك عليا، إنتِ صح. لو رجعنا تاني للخلافات، كل واحد هيمسك في وجهة نظره ومش هنخلص.

تقدم نحوها ليجذبها من مرفقها قبل أن تهرب كعادتها، واحتوى وجهها بين كفيه متسائلاً بابتسامة متسعة: = وبعدين، هو البيت ما وحشكيش ولا صاحب البيت؟ فيه حاجات أهم المفروض نركز فيها، مش كده؟ مش كل شوية بقى خناق ونكد. أنا أسمع طول عمري المشاكل بتبدأ بعد سنة، إحنا بنبدأ ده من بدري ليه؟ وناسيين حاجات أهم وحلوة في الجواز.. ولا إيه؟ أومات برأسها ثم تنهدت حنين بحرارة وعضت على شفتيها قائلة بنبرة حزينة:

= آه، مظبوط.. فيه حاجات تانية كويسة في الجواز تبسطنا. انحنى طارق برأسه على حنين ليقبلها قبلة حارة على شفتيها بث فيها أشواقه وتلهفه على رؤيتها وهو يردد باشتياق: = أحبك وأنتِ فاهماني. تعالي بقى معايا جوه.

لم تشعر إلا وهي غارقة في عالم يائست تستطيع التكيف معه، لكنها كانت مجبرة على الخضوع لذلك. ولأن كلمات إيمان، زوجة شقيقها، ما زالت تتردد في أذنيها، تذكرها بأمور كانت تعتقد أنها نسيتها وخلفيتها عن الممارسة الخاطئة في ذهنها، كل ذلك جعل تقبل الوضع هذه المرة صعباً للغاية، وكان واضحاً أنها كانت باردة وجامدة معه.

اعتدل طارق من نومه ودار بنظره في المكان بغضب واضح وفقدان أعصاب. هذه المرة لم يتجاهلها، بل نزع الملاءة بعنف وألقاها على الأرض، ثم نهض من جوارها وعيناه مشتعلة بالغضب. وضع يديه على رأسه كأنه يحاول إخماد النيران التي اشتعلت بداخله. تحرك في الغرفة ذهاباً وإياباً، والدماء تتصاعد في عروقه، وهو يردد بكلمات مليئة بالعصبية والانفعال: = أنا مش عارف هو أنا بعاشر لوح ثلج بقيلي خمس شهور؟ إمتى هيفك البرود اللي إنتِ فيه ويتزاحم؟

اتسعت عيناها بحده فشعرت بالصدمة من أسلوب زوجها القاسي تجاهها. لم تكن تقصد ما فعلته، وكل ما استطاعت استيعابه هو أنه مل منها وكانت تخشى أن يكتشف أمرها. فسألته باندهاش وهي تشعر بالإهانة: = برود ولوح ثلج إيه؟ أنا باردة يا طارق. اقترب طارق منها ثم جذبها بقسوة من ذراعيها فتآلمت بشدة، ثم صاح بها بحدة: = هو إنتِ مالك بجد يا شيخة؟ شوية إحساس مش كده؟

ما إنتِ لسانك بيفضل معايا قد كده وش لوش، وأول ما بتكوني بين إيديا تقلبي جماد وما بتحسيش وباردة. ردت عليه بنبرة غاضبة وبأعين تترقرق بها الدموع: = ما تحترم نفسك يا طارق، هو إنت عمال تغلط وتشتم فيا كل ده عشان إيه؟ مين دلوقتي اللي نكدي أنا ولا إنت؟ نظر إلى حنين بنظرات فاحصة قاسية باردة قبل أن يقول بخيبة وحسرة: = أنا بكلم فيه مين أصلاً؟

أقول لك على حاجة، أنا سيب لك الدنيا كلها وماشي، طالما هتفضلي طول عمرك عبيطة كده ومش قادرة تفهمي جوزك عايز إيه بالظبط. مرت عدة أيام بذلك الوضع وطارق يتجاهلها، وكان يعود من العمل متأخراً حتى لا يقابلها. بينما على الجانب الآخر، لاحظت حنين شرود زوجها كثيراً منذ تلك الليلة وهو يعيد حساباته في أشياء كثيرة. تعلم جيداً بأنها السبب في ذلك، لذا قررت أن تهون عليه قليلاً.

كان طارق يجلس على الأريكة وممسكاً بالريموت في يده، ورغم هذا هو لا يتابع شيئاً بعينه، فقط مجرد ضوضاء يصدرها التلفاز من حوله. اقتربت بتردد منه وهي تمسك بيديها طبقاً من الحلوى وابتسمت له قائلة: = أنا عملت لك رز بلبن هيعجبك أوي… اتفضل! نظر لها مطولاً بضيق وهو يقول بسخرية: = تعبتي نفسك على الفاضي، لأني ما بأكلش أي حاجة فيها لبن. فمن رأيي توفري حتى اهتمامك، اللي مش عارفة تعمليه ولا عارفة عن جوزك حاجة بيحب ويكره إيه.

أخفضت عينيها بحزن وهي تقول بنبرة يأس: = ليه يا طارق بتقول كده؟ ما أنا واحدة واحدة، أكيد هفهم إنت عايز إيه وأعمله. طب تحب أعمل لك إيه تاني غير الرز بلبن بتحبه؟ جز على أسنانه باقتضاب وهو يردد بجفاء: = عايزك تمشي من قدامي وتسيبيني في حالي، وبطلي تعملي فيها الزوجة اللي قلبها أوي على جوزها، عشان إنتِ عارفة كويس أنا عايز إيه ومع ذلك ما بتهتميش غير لمصلحتك. حاولت التحدث والتبرير هاتفه بتردد: = طب ممكن نتكلم شوية و…

قاطعها الآخر بنظرات وصوت حاد بجدية: = أنا عايزة أتفرج على التلفزيون، يا ريت تمشي من قدامي عشان مش فاضيلك ولا عايزة أسمع صوتك. صدمت حنين مما يفعله طارق معها. اعترضت في البداية على جفائه، ولكنه أوضح لها بنظرات حادة بأنه لا يرغب في رؤيتها أمامه ولا الحديث معها. بدأت الأمور تسير هكذا على ذلك النحو، فتجاهل وأحياناً يتشاجران لأتفه الأسباب، بدلاً من أن يتحاورون في الموضوع الأساسي، بدلاً من الهروب واختلاق أسباب وهمية.

في إحدى الليالي، خرج طارق كعادته ليقضي الوقت مع أصدقائه حتى لا يراها. بينما كانت حنين تجلس تفكر في حديث إيمان، قررت أن تجرب طريقتها في التعامل معه وأن تظهر له أنها تستمتع حتى ولو كان ذلك على حساب مشاعرها، عسى أن تساعد نفسها في التخلص من المشاكل التي تواجهها. لذا قررت أن تجرب الأمر مرة واحدة، ربما تجد في ذلك حلاً يخلصها من الأعباء التي تثقل كاهلها.

وفي النهاية، قررت أن تفعل شيئاً لم تكن ترغب في القيام به في البداية، لكنها شعرت بأنها مضطرة لذلك لتتمكن من مواجهة حياتها والتخلص من مشكلاتها وحياتها التعيسة. عاد طارق من الخارج بوجه متعب ومحبط، وقبل أن يدخل إلى غرفته تفاجأ بحنين مازالت مستيقظة على غير العادة! والأمر لم يتوقف إلى هنا فقط؟

حيث تشدقت أمامه تلك التي تتهادى في ثوبها الأسود والذي يصل إلى كاحلها ذو فتحة ظهر واسعة أظهرت ظهرها كاملاً، وكذلك فتحة صدر أبرزت جمال نحرها وذراعيها المكشوفان ببذخ، وتركت خصلاتها حرة تداعبها نسمات الهواء. حاولت رسم ابتسامة حانية وهي تقول بصوت حانٍ: = اتأخرت أوي، أنا استنيتك كتير. هو إنت كنت فين كل ده؟ ظل طارق عدة دقائق يستوعب الأمر ولا يفهم ما الذي تريده من ذلك؟

فقبل أيام كانت لا تطيقه، وعندما يعود من الخارج يراها ترتدي ذلك الرداء المثير وبانتظاره؟ لكنه حاول رسم الصرامة مردداً بجمود: = والله فارق معاكي أوي، لا وكمان قاعدة مستنياني؟ إنجاز فظيع بجد منك لازم أسقفلك عليه، على الأقل ما دخلتيش عملتي نفسك نايمة عشان لما أرجع وأفكر أقرب منك تاني تلاقيها حجة. وقف أمامه مباشرةً وهي تتحدث بنبرة ناعمة: = إنت بتقول إيه؟

أنا مستنياك عشان قلقانة عليك وانت أول مرة تتأخر كده. على فكرة مش أول مرة أفضل مستنياك، أنا كل يوم بستناك، بس ساعات غصب عني آآ بنام. مسح على وجهه بعنف بالغ أدى إلى احمرار وجهه، ثم هتف بسخرية مريرة: = تعبتي نفسك على الفاضي، يلا بقى خشي كملي نوم وسيبيني في حالي. ولا تكونش الهانم مستنياني عشان تكمل وصلة النكد وتلاقي حاجة تغضب تاني عليها؟ امتعض وجه حنين وهي تجد تلك الردود الجافة منه، لتقول بنبرة باهتة:

= مالك يا طارق، من ساعة ما جيت عمال تعاملني كده ليه وتغلط فيا؟ أنا على فكرة مستنياك عشان أعتذر لك، إنت آآ معاك حق، أنا ما كنتش في المود يومها وفي مشاكل كده حصلت عندي في البيت أثرت عليا عشان كده كنت معاك كده. زم شفتيه بيأس وإحباط ليقول متهكماً:

= إنتِ كده على طول من أول يوم جواز، بس كنت بقعد أقول لنفسي معلش عروسة جديدة ومكسوفة وحقها تعمل كده وأكتر، خصوصاً إن كل حاجة جت بسرعة وما لحقناش ناخد على بعض. إنما أساليب كتير دايماً بتوصلني لحاجة واحدة، إنك مش طايقاني ولا عايزة قرب مني، مع إني مش فاهم ليه؟ فلو فيه سبب تعالي دغري وقولي عشان نوفر على بعض المناهضة دي كلها. أطرقت رأسها في خجل وهي تقول بنبرة كاذبة:

= لا طبعاً، أكيد عايزك زي ما عايزني. وببقى مبسوطة لما تقرب مني، بس أنا مشكلتي مش بعرف أعبر عن كده. كنت ببقى فاكرة إن هو ده الجواز.. أو علاقة بمعنى أوضح، لازم أكون معاك كده. فإنت فهمني الصح واللي عايزه وأنا هعمل لك كل اللي إنت عايزه. جز على أسنانه مغتاظاً وهو يزفر في ضيق: = الحاجات دي بالذات ما ينفعش أقول لك أنا عايز إيه، لازم تحسيها لوحدك. واللي تحسي بيه اعمليه، أو اطلبي كمان مني. إنما إنتِ بتحسسيني بعكس كده خالص.

كلمة واحدة خرجت من بين شفتيها أنهت كل شيء، بل وجعلته يترك لها نفسه أرضاً لقلبه بكلمة تمني سماعها تردد بلهفة زائفة: = طب سهل الموضوع، اديكي عرفتني بطريقي غير مباشر عايز إيه وأنا كده فهمت. تعالي حتى نجرب، وبنفسك هتشوف إن إتغيرت. حدق بـ زيتون عيناها وقال بعدم تصديق: = معقولة كمان بتطلبي مني إنك عايزة كده؟

لا كده كتير عليا بصراحة، قاعدة مستنياني وما نمتيش عشان تصالحيني وكمان بتطلبي مني نعمل علاقة. متأكدة إنك كويسة يا حنين. نظرت له مباشرة في عينيه بنظرات راجية متوسلة وقالت بابتسامة عريضة زائفة: = شفت مين فينا اللي بيغلس بقى؟ طب أعمل إيه عشان تصدق إن أنا فعلاً مش عايزة أزعلك ونفسي أعمل كل اللي إنت عايزه وأبسطك، بس مش عارفة. بس هعرف لو اديتني فرصة أخيراً. ممكن!

قبلها بعمق على جبينها ثم ضمها بقوة إليه مبتسماً بشدة وهو يتذكر كل ما حدث للتو. فبعد أن رآها بتلك الهيئة وهي تطلبه أيضاً بنفسها لذلك الأمر، نسي غضبه ونسي حتى حزنه وأوجاعه منها. في البداية تعامل معها بمنتهى الهدوء، وانتظرت ردة فعلها التي جعلته يتفاجأ من أنها تبادله وبوضوح ظهر مدى تفاعلها معه ورغباتها به. لم يصدق نفسه حقاً. وهنا سقطت حصونها وحصونه، وبدأت تلك الليلة التي كان فيها هو المعلم وهي التلميذة.

وأخيراً شعر بأنها ترغب به كما يرغب. وسرعان ما عاملها برغبة واشتهاء. لكن لا يعرف بأن كل ذلك كان مجرد تمثيل لا أكثر. فتحت عيناها ببطء بعد أن شعرت بيده على كتفها العاري ثم أنفاسه الدافئة على عنقها. فضمها أكثر لأحضانها وهو إلى الآن لا يصدق ما حدث، فضحك من كل قلبه ورفع وجهها نحوه ليقول بنظرات عاشقة ونبرة حانية: = طب ما إنتِ حلوة أهو ويجي منك، كان فين الكلام ده من زمان. حرماني منه ليه من أول يوم جوازك، منشفة ريقي يا شيخة؟

كانت تسمعه بصمت، أما هو كان شارداً يعبث بخصلات شعرها، فنظرت إليه بأعين مرتبكة وإحساس الذنب يتغللها، لكنها لم تجد أي وسيلة لإرضائه إلا كذلك، حتى وإن كانت على حساب نفسها. فسألت بتشتت: = بجد اتبسطت! طب الحمد لله، قلت لك بس كنت مكسوفة شوية. وابعد عني بقي ما تكسفنيش أكتر. في ذلك الأثناء انحنى ليقبلها، ولكن لم يجد إلا الهواء، فقد تملصت من بين ذراعيه، فهتف بلهفة وهو مبتسماً بأستمتاع: = استني بس إنتِ رايحة فين؟

مش لازم يا ستي الحمام اللي بتاخديه على طول، خليكي شوية معايا. لكنها حاولت أن تدافع عنه لتذهب للمرحاض قبل أن يلاحظ حاله النفور والقرف الذي حلت بها بعدما ابتعد عنها، خرج صوت حنين ضعيفاً للغاية ومتحشرجاً: = طارق، مش كل حاجة بقى مرة واحدة عشان خاطري سيبني دلوقتي عشان مكسوفة أوي منك، وأوعدك مرة ثانية مش هستعجل على الحمام وهستناك ناخده سوا.

وعند تلك الكلمات مال عليها ينظر لها بعمق بسعادة ومشاعر هائجة، ليتحدث بمرح بابتسامة مرسومة على شفتيه مع بعض مشاعره التي تغيرت بمراحل نحوها: = ده الظاهر أمي دعت لي النهارده بذمة، بجد يا حنين هتعملي كده؟ لا حلو التغيير ده اللي نط مرة واحدة. يعني كان لازم تطلعي عيني و وتخلينا نزعل وصوتنا يطلع. ماشي يا ستي اديني سبتك اهو، بس أوعي تكوني بتضحكي عليا، أنا خدت منك وعد. حاولت رسم ابتسامة عريضة لتكمل باقي التمثيلية وأنها سعيدة،

ولكنها كانت حزينة للغاية: = لا خالص مش بضحك عليك، طالما وصلت للي إنت عايزه وبيسعدك. صعدت في تلك اللحظة زينة إلى منزل طارق وهي تحمل بيديها كعادتها طعاماً إلى طارق، كونه يجلس بمفرده، فلا تعرف بعودة حنين. فكان بالها وفكرها مشغول بكل ما يقوله أو يفعله في أبسط الأمور تجذب إعجابها، لكنها قبل أن تطرق الباب استمعت إلى أصوات بالداخل. عقدت حاجبيها للأعلى قليلاً بتعجب ثم تحدثت مع نفسها بضيق دون مبرر: = فيه صوت جوه حد معاه؟

الظاهر حنين رجعت، معقول لما شفته من شوية نازل كان رايح يجيبها؟ رغم إنه كان زعلان منها أوي. ثم حاولت إقناع نفسها أنه ربما مل منها ولم يعد يحبها، وهي تردد بضيق: = أو جايز حد صالحهم على بعض، أنا مالي، ربنا يهديهم لبعض. أما أنزل بسرعة قبل ما حد يشوفني بالاكل ده ويسألني طالعة ليه. لوت ثغرها بتأفف والتفتت لترحل بالطعام بخيبة أمل وهي تردد بحسرة وزعل على حالها:

= يا رب، أوعدني بحد زي طارق كده، حتى لو أنا اللي زعلته يروح يصالحني ويهمه أوي كده زعلي. أوعدنا يا رب. كان طارق مشغولاً بالبحث على هاتفه، حينما دق هاتف زوجته المحمول عدة مرات دون توقف. أمسك به بيده ثم نظر إلى الشاشة ليظهر اسم إيمان. اعتلت الدهشة وجهه من اتصالاتها المتكررة ليقول بصوت عالٍ: = حنين، تليفونك عمال يرن برقم واحدة اسمها إيمان. يا حنين سمعاني؟ مش دي مرات أخوكي محمود؟ اتصلت كتير أوي، لايكون فيه حاجة عندك؟

لم يأتي صوتها ولم تسمع من الأساس، لذلك اضطر أن يجيب عليها خوفاً أن يكون هناك شيء خطير. وعندما فتح الخط أسرعت الأخرى تقول دون توقف بفضول: = فيه إيه يا بنت، عمالة أتصل بيكي مابترديش على طول ليه؟ شكله حصل مش كده؟

عشان تعرفي بس نصائحي آخرتها إيه، ما قلت لك يا حبيبتي مثلي زي ما كل الستات بتعمل إنك مبسوطة باللي جوزك بيعمله وحياتك هتمشي زي الفل، وإنتِ كمان هتصدقي نفسك مع الوقت إنك مبسوطة مش قرفانة زي زمان منه. هاه، طمنيني وبالتفصيل، عايز أعرف كل حاجة عشان أطمن على خطتي اللي نجحت وبجدارة. إنتِ ما بترديش عليا ليه؟ خرجت في تلك اللحظة حنين وهي تلف الفوطة حول شعرها المبلل، لتنظر له بغرابة وهي تقول: = إيه ده؟ هو تليفوني اللي معاك ده؟

إنت بتكلم حد منه ولا إيه؟ نظر لها بنظرات قاسية ونهض من مكانه ووقف أمامها في مواجهتها ثم هتف بحدة: = قلت لي من فترة إن فيه مشاكل في البيت عندكم، اتخضيت وقلت أرد لما فضلت تزن. بس رديت عليا إيمان مرات أخوكي وقالت كلام غريب أوي! يا ريتني ما فتحت عليها ولا سمعته. صدمت حينما أدركت أن زوجها علم جزء من حقيقتها. لم تعرف ماذا تفعل، كيف ستتصرف؟ لقد بات الآن أمامها صعب لتقول بصوت متوتر:

= إيمان دي دماغها ضربت، إحنا مش بناخد على كلامها أصلاً، بتقول كده حاجات ملهاش معنى. هو إنت سمعت إيه بالظبط منها؟ أسرع ناحية حنين وأمسكها من ذراعيها بيديه. انتفض جسدها على الفور، حاولت أن تفلت من قبضته ولكنه أصر على الإمساك بها بعصبية شديدة، قبل أن يصيح بنبرة ميتة:

= سمعت وعرفت إن اللي حصل بينا من شوية ما كانش إلا مجرد تمثيلية منك عشان تحسسيني إنك فعلاً بتكوني مبسوطة معايا. لا كمان عرفت إنك كل مرة كنت بقرب منك كنتي بتبقي قرفانة! طب بعيد إن إنتِ طلعتي أسرار بيتنا بره، يا ريتك حكيتي لواحدة نصحتك نصيحة كويسة مش تخرب عليكي! الكلام اللي قالته ده صح؟

شعر بتجمد جسدها بين ذراعيه عندما اكتشف سرها. هي بالفعل ضعيفة وهشة وعديمة الخبرة، ولا تعرف أين الصحيح والخطأ، لكن بالنهاية هدفها كان إسعاده لا أكثر وأن تزيح هذا الهم والثقل والشعور بالذنب من أعلى قلبها. ابتلعت ريقها بصعوبة تهتف بنبرة خائفة: = لا مش بالظبط، إنت فاهم غلط، اسمعني أنا. ابتعد هو عن مكانه ثم ضرب بقبضته بالحائط بكل ما أوتي من قوة بجنون، ليصرخ بشراسة: = إنتِ إيه وزفت إيه؟

هو إنتِ مين بجد حنين اللي حبيتها وكنت فاكر هي كمان بتحبني؟ عشان كده بسرعة اتخرجت ورحت دورت على شغل عشان أتقدملها و وقفت قدام أمي و قلتلها لا مش هتجوز غيرها. طب والنظرات ولمعة العيون اللي كانت ما بينا واللهفة والاشتياق اللي كنت بحس بيهم لما أجي عندك ده كله كان إيه؟ مش حب زي ما أنا كنت بقول لنفسي. هاه، رد عليا، هو إنتِ عمرك حبيبتيني بجد ولا أنا كنت عايش في وهم مع نفسي؟

كانت الأخرى تسمع وهي مطرقة الرأس بذنب. بينما شعر أنه يختنق، عاجز عن التنفس، وهو يشاهد كل شيء انهار في لحظة أمامه. فلقد هان عليها، لينظر لها بنظرات جافة باردة خالية من الروح مردداً بخذلان: = تصدقي إن سألت السؤال ده ليكي متأخر أوي، إنتِ بتحبيني زي ما أنا حبيتك؟

رد عليا وبلاش تعملي تمثيلية زي اللي عملتيها من شوية واحنا مع بعض. أحسن إنتِ في الحاجات دي إيه طلعتي ممثلة بارعة، ده أنا صدقت فعلاً إنك اتغيرتي في المدة اللي أنا سبتك وكنت بعيد عنك عشان تحسي قد إيه بتدمرى علاقتنا. وفرحت إنك مستمتعة بين إيديا.

ارتعش جسدها لتنظر له بنظرات نادمة، فهي بالفعل كانت لا تريد أن تفعل هذه التمثيلية، لكن ما باليد حيلة وليس هناك أمر غير ذلك أمامها، أرادت فعله لأجل سعادته دون التفكير بنفسها، فلما يحاسبها الآن وهي كانت تصارع نفسها وترهق نفسياً من هذا الأمر يكون جزائها بالنهاية هكذا. حاولت حنين أن تتحرر من قبضته، كانت تدفعه بكل قوة ولكنه كان محكماً قبضته عليها. فلم يستطع التحكم في أعصابه وهو يصيح بقسوة وقد نفذ صبره:

= إنتِ لسه هتسهمي وترجعي تسكتي تاني؟ وفري دموعك دي كمان عشان مش هتصدقها. أنا مش فاهم بتعملي كل ده ليه؟ ويعني إيه قرفانة مني؟ فيه حد تاني مثلاً ولا إنتِ بتكرهيني في العموم كده من غير أسباب؟ ولا حكايتك إيه بالظبط؟ أنا تعبت وطهقت منك. يا شيخة ملعون اليوم اللي حبيتك فيه على اليوم اللي اتجوزت واحدة باردة زيك في كل حاجة.

إلى هنا لم تستطيع الصبر والضغط على نفسها أكثر من ذلك، فشعرت بآلام دون أن تتمالك نفسها أكثر، لقد كانت تختنق بعبراتها وبدأت تعلو شهقاتها لتقول بصريخ بعناد: = إنت اللي تعبت والله، أمال أنا أعمل إيه؟ على الأقل حتى لو اتجوزتني غصب عنك زيي، على الأقل مش بتحس بنفس الإحساس لما بتهرب مني! وكمان بتتهمني أنا اللي باردة، وليه ما يكونش العيب فيك أصلاً مش فيا كل ده. عايز تعرف أنا بقرف من إيه بالظبط؟ بقرف من العلاقة لما بتقرب مني؟

لما تلمسني. لما بتمارس القرف ده معايا. عشان كده مش بطيق نفسي دقيقة وبجري على الحمام أستحمى، ولو لازم الأمر كمان بجيب اللي في بطني كله. وضعت كلتا يديها على وجهها وهي تشعر بالحنق والغضب مما قاله، قبل أن ترفع رأسها بحدة من إحساس الضغط الذي كانت تمارسه على نفسها خلال تلك الشهور لتضيف بغضب عارم وبشجاعة: = أنا مش فاهمة إنت بتلومني عشان إيه؟ عشان بمثل يعني؟

طب ما تسأل نفسك أنا بعمل كل ده ليه عشان أحاول أساعدك وأخليك مبسوط حتى على حسابي! يا أخي ده أنا حتى التمثيل لقيت نفسي بحس بنفس الإحساس اللي حسيته معاك أول يوم جواز وبرضه ضغطت على نفسي. أعمل لكم إيه تاني؟ أقول لك على حاجة؟ روح يا سيدي اتجوز واحدة تحس معاها الإحساس ده وتكون مبسوطة وانت بتنام معاها. صعق طارق بكل ما فيه وهو يستمع كلامها الجارح والحقيقة المرة مما أصابه بالصدمة والدهشة. فهل تزوجت به تحت ضغط من أسرتها؟

فمعنى ذلك بأنها لم تحبه مطلقاً. وقف مشدوهاً بما سمعه، وظهر على ملامحه متألماً من كلماتها الأخرى أنها تكرهه لدرجة تشمئز منه، لتكمل بوجع وهي تشير بإصبعها على نفسها بصوت ضعيف خائف: = لكن أنا مفيش مني رجاء ولا أمل! ولا هتبسط بالموضوع ده ولا هطيق لمستك ولا أستحمل عادي من غير ما أغسل جسمي من قرف قربك. أنا حتى الإحساس عن التعبير عن كده قتلته جوايا.

فاغراً فاه بعدم تصديق، فالمعنى الحقيقي إلى كلماتها لم يصل إليه جيداً، غير أنها لا تطيقه وليس لديها عقد تركت أثر لذلك داخلها. ليهتف بقسوة وبنظرات حادة: = هو اللي أنا بسمعه منك دي حقيقة؟ إنتِ ما كنتيش بتمثلي عليا بس من شوية؟ لا طول حياتك بقى على كده. وزعلانة عشان بقول عليكي باردة وجمادة وما بتحسيش ولا عندك دم ولا مشاعر. إنتِ ملعونة بأيه؟ حاولت أن تستجمع قدر قليل من شجاعتها أكثر ليكف عما يفعله، حيث غضبت بشدة

لتصرخ بنبرة عالية باتهام: = زيك زي أي راجل على طول جبتها في الست! مش جايز إنت اللي مش قادر تخليني أحس بالمتعة والعيب فيك مش فيا؟ مش جايز إنت اللي مش كامل! ومش مالي عيني ومش قادر تخليني أحس كل الإحاسيس دي. كان طارق في تلك اللحظة كالمجنون، لم يرد أن يقترب منها مرة أخرى لأنه يعلم جيداً سيقتلها حتماً ليسكتها، ولكن يقتله أمر خداعها له. وظلت آلاف من الأسئلة تدور في رأسه يريد أن يعرف إجاباتها. لكن ماذا سيفعل؟

هو لم يعد يتحمل البقاء إلى جوارها، يشعر أنه يختنق ويريد تعنيفها بشدة عتاب على ذلك الحديث المهين له.

حيث تحولت خلال لحظات ملامحه من الحنية إلى البرودة والقسوة، ومن السعادة إلى الشقاء، من الود إلى الجفاء. نظر لها مطولاً باحتقار شديد وهو يشعر بالإهانة والحذلان منها، فلقد استفزت رجولته بجرأتها عندما صارحته بكل ذلك، بالإضافة إلى أنها أيضاً اعترفت للتو أنها كانت مجبرة على الزواج منه بسبب ضغط عائلتها لا أكثر، فبالتأكيد بعد كل ذلك سيكون في موقف صعب للغاية ضدها ليصيح باحتقار شديد:

= تصدقي بالله إنتِ حتى خسارة فيكي إني أمد إيدي عليكي ولا أعاتبك. أنا مش راجل كامل ماشي! اللي مش مالي عينك ده هيدفعك دم قلبك وزمن الطبطبة بتاع زمان خلاص خلص، حتى لو بحبك. كل كلمة قلتيها دلوقتي ولا كدبة كذبتيها عليا ووهمتيني هدفعك ثمنها غالي. ولو عايزة تسيبي البيت في داهية، أنا إللي بقولها لك اهو، خلي عندك كرامة ولما أرجع ملاقيكيش.

ما لم يدرك الاثنين أن زينة كانت تقف خلف باب المنزل ولم تمشِ بعدما سمعت أصواتهم العالية. ولقد استمعت تقريباً إلى كل ما قاله الاثنين، اعتلت الصدمة وجهها فلم تتوقع هذا أبداً، صحيح كانت تشك أن هناك خطب ما بين الاثنين، لكن لم يأتِ في عقلها بأن الأمر يخص ذلك. وعندما شعرت باقتراب أحدهم من باب المنزل تحركت بسرعة للأسفل.

تحرك طارق للخارج وكل الغضب الدنيا يمتلكه بعد أن كشفها وعلم الحقيقة أو نصفها والنصف الآخر كان يتخيله يبني ضد حقائق غير صحيحة داخل عقله. بينما تسمرت حنين في مكانها لا تدري ماذا تفعل، فا الوضع صعب الآن مع زوجها، هي مصرة على أنها لم تخطئ وهو ظن السوء بها. بل إنها تؤكد له بحديثها عندما لم تمتلك أعصابها، ارتكبت خطأ كبيراً وكيف ستحل تلك المعضلة الخطيرة؟

توجهت زينة إلى خلف طارق وهي تركض وراءه بالشوارع تهتف باسمه، حيث وجدته يقف وعلى وجهه علامات الضيق والحزن. وقفت هي الأخرى أمامه وقالت بتوتر: = أستاذ طارق.. يا أستاذ طارق لو سمحت أقف واسمعني بلاش تمشي وانت متعصب كده بدل ما تعمل حاجة في نفسك. نظر لها مطولاً لتقول بسرعة بأسف وارتباك:

= آآ أنا آسفة والله غصب عني سمعتكم أصل الصوت كان عالي أوي. كويس إن والدتك مش موجودة أصلاً، لا إلا هي كمان كانت سمعت. ممكن بس تهدى وبلاش العصبية، أنا صحيح سمعت صوتكم العالي بس برضه ما عرفتش سبب الخناقة إيه والظاهر إنها حاجة كبيرة. لم يتمالك طارق أعصابه وهو يقول بصوت متعباً متألماً:

= الموضوع فعلاً طلع كبير وأنا اللي كنت فاكر حاجة تافهة. أنا تعبت ومش عارف أعمل إيه أكتر من كده عشان بس تحن شوية على جوزها وتعبره وتديله شوية اهتمام! هو في حد يستحمل اللي أنا استحملته ده أصلاً وهي بـ… آآ دي مجنونة قالت لي في وشي روح اتجوز! للدرجة دي مش فارق معاها؟ لا وكمان طلعت ماكنتش موافقة تتجوزني وتقريباً أهلها أجبروها. أنا هتجنن كل ده يحصل وأنا ولا واخد بالي.

يأخذ نفساً عميقاً محاولاً التحكم في أعصابه، لكنه لم يستطع إخماد الآلام بداخله، ليضيف باقتضاب: = بس كويس إن ده حصل عشان أعرف حاجة كنت بحاول أهرب منها من أول يوم جواز ومش راضي أعترف بيها. أنا اللي أستاهل إني استحملت كل ده من البداية أصلاً على ولا حاجة. عقدت حاجبيها بفضول وهي تتساءل بقلق: = حاجة إيه اللي عرفتها؟ أجاب بمرارة وهو يعلو وجهه علامات الضيق والغضب:

= إنها عمرها ما حبتني زي ما كنت فاكر وإنها بتبادلني نفس شعوري ونظرتنا وابتسامتنا الحب الصامت زي ما كنت بقول ومسميه بينا كان بالنسبة لها مجرد إعجاب يمكن يكون راح أصلاً، إنما أنا طلعت بحب من طرف واحد. عشان كده هي ولا حاسة بيا ولا حتى عايزة تعافر عشان تصلح علاقتنا والقرف اللي إحنا فيه ده بسببها أصلاً. مسح على وجهه بإرهاق وهو يشعر بالألم في حلقه، ثم تحدث بنبرة مقهورة: = بس هو أنا إيه اللي غصبني على كده؟

بجد إيه اللي يخليني أتذلل وأفضل صابر عشان الهانم تعبرني ولا أحس إن متجوز ست! ولا حاسة بيا ولا أنا عارف أحس بيها. وفي الآخر بتتهمني إن العيب فيا ومش راضية حتى تعترف بأخطائها. حاولت زينة أن تهدئ من روعه ولكنها عجزت عن هذا وردت بحزن عليه: = طب معلش انتوا الاتنين كنتم متعصبين أوي عشان كده كل واحد طلع اللي جواه من غير ما يحس وجرح التاني. عشان كده ما تاخدش على الكلام ده!

وتفضل تفكر فيه وتجرح نفسك أكتر. جايز على فكرة هي كمان دلوقتي حالتها صعبة وندمت على اللي قالته ويمكن إنت فاهم غلط وهي بتحبك. كان فقط البرود والجمود يسوده، فقد صار روحاً معذبة تكتوي بجرحها له، بصوت متهكم: = بتحبني!

أصلك ما شفتهاش ولا تعرفي من أول يوم جواز القرف اللي أنا عايش فيه بالظبط، ولا سمعتي كلامها اللي قالته فوق ولا عمايلها المتهورة اللي ما فيش حد عاقل يعملها. دي ولا بتحس ولا بتحب ولا ندمانة حتى، دي تلاقيها كالعادة دلوقتي بتلم شنطة هدومها عشان تغضب عند أهلها. طبعاً وأنا الحمار اللي أجري وراها وأفضل أطبطب وأدادي. مش أنا في الأول كنت بجري وأتأسف حتى لو غلطان وأقول معلش ما أنا بحبها وما أقدرش استغنى عنها لازم اتنازل وما فيش كرامة بين اتنين بيحبوا بعض، بس اديني اكتشفت دلوقتي إن أنا أكبر مغفل وعمايلي دي كانت بتخليها تتمادى أكتر في أذيتي.

حاولت ادعاء عدم الفهم حتى لا يسئ الظن بها، لكنها نظرت إليه بعطف وحسرة بأن شخص مثله مناسب لتلك الفرص وبالأخير يعشق فتاة لا تشعر به وهي تتمنى ولو جزء بسيط من تلك الحياة، فحقا ترى حنين فتاة مستهترة لا تشعر بقيمة ما بيدها. ابتلعت ريقها بتأثر وهي تردف بنبرة حزينة: = هي للدرجة دي المشكلة كبيرة وهي آذيتك؟

أنا ما أعرفش إيه اللي جري لحنين بالضبط زمان واحنا عيال صغيرين في المدرسة كنا بنتمنى حد يحبنا ويهتم بينا ويعوضنا عن أي حاجة شفناها وحشة في حياتنا. وأنا للأسف وقعت مع واحد خلاني أكره حياتي كلها وفي الآخر اتجوز عليا وما لقيتش الشخص ده لحد دلوقتي. إنما لما شفتك وشفت معاملتك لحنين قلت يابختها أمنيتها اتحققت وأنا لا. لامست يده بحنان لتخفيف عنه لا إرادياً بيديها ثم وجهت بصرها إليه بأعين دامعة وهي تردف بحسرة:

= هي بجد مش عارفة قيمتك، أنا كانت أقصى حتى أحلامي إن حد يشاركني في أجواء بيتي مش يفضل يأمرني ويشخط ولما بعمل كمان ما بيشكرش. وحد يهتم بيا ويكون قلبه عليا حتى لو أنا اللي غلطانة ويتنازل ويتأسف وما يفكرش في كرامته ولا يفضل يعند. صحيح الدنيا دي غريبة! والأمنيات والأحلام الجميلة اللي بنتمناها بتروح لغيرنا. وحتى غيرنا لما بتروح لي بيكون مش مقدرها.

نظرت زينة له برجاء وكأنها تتوسل له أن يكون بجانبها ويحميها دون قول. لكنها سرعان ما انتبهت على نفسها لتهتف بحرج وحزن: = أنا آسفة والله ما قصدي أزود عليك ولا أكرهك فيها، حقك عليا. إنت في إيه ولا في إيه أصلاً عشان تسمع كمان مشاكلي و…

لم يستمع إلى حديثها الأخير، فكان شارداً في حنين، كم بات الآن يبغضها يريد الانتقام منها، هي خدعته وأوهمته أنها تحبه وتبادله نفس الإعجاب وسعيدة معه، ولكنها لم تكن كذلك. لكن يقسم أن كم أضنى هذا قلبه بحبها سيكون الجحيم الذي بحياتها الآن. ليهتف فجأة قائلاً بجمود: = زينة، تتجوزيني! صدمت زينة مما قاله طارق لها، ولم يبدو عليها أي تلميح للقبول أو الرفض أيضاً. ليكمل الآخر بإصرار كانتقام لكرامته التي هدرت على يد زوجته وحبيبته:

= وقبل ما تفكري ترفضي عشان صاحبتك، فهي اللي طلبتها مني أصلاً وأنا لسه دلوقتي اعترفت لك، وماتأكد إنها مش بتحبني ولا هيفرق معاها الخطوة دي ولو عملناها بجد ولا هتهتم بيا. صحيح ما بنحبش بعض! بس يمكن الحاجة اللي مش لاقيينها في حياتنا نلاقيها لما نقدم على الخطوة دي؟ ** ** **

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...