عند عودة زينة من عند أسرتها، تفاجأت بعدم وجود صديقتها، ولم تعلم من تسأله عنها. انتظرت عودة طارق من الخارج، وأسرعت تسأله بحذر: = ازيك يا أستاذ طارق؟ أنا آسفة بس كنت عايزة أسألك على حنين. بقالي أسبوع مش بشوفها هنا، هي في حاجة حصلت وأنا ما أعرفهاش؟ أصل أنا الفترة اللي فاتت كنت بزور أهلي.. حتى تليفونها مقفول وهي مش موجودة في الشقة. لما طلعت خبطت. تنهد طارق بضيق شديد، وهو يواجهها بحدة:
= هو إنتوا مش على طول قاعدين مع بعض ليل ونهار؟ عايزة تفهميني يعني إنك ما تعرفيش إنها قاعدة عند أهلها غضبانة؟ نظرت إليه بصدمة وهي تقول بحيرة: = إيه!! لا والله أبداً ما أعرفش. إمتى حصل الكلام ده؟ هي في حاجة حصلت؟ الموضوع كبير يعني لدرجة إنها تسيب البيت؟ أنا آسفة لو بتدخل في حاجة مش تخصني.. بس ليه حاسة من طريقة كلامك معايا كأنك فاكرني أنا اللي حرضتها على كده مثلاً؟ أنا والله لسه عارفة دلوقتي منك الكلام ده.
وقف يحرك يده على شعره بيأس، متمتماً بغيظ: = خلاص يا مدام زينة، ولا إنتِ اللي حرتيها ولا أنا جيت جنبها. هي شكلها كانت بتتلكك عشان تروح تقعد عند أهلها وتخلص مني. أنا آسف لو ضايقتك، بس أنا متضايق أصلاً شوية من الشغل كمان.. عن إذنك عشان راجع من الشغل تعبان وعايز أطلع شقتي. رحل في الآخر بضيق شديد، بينما عقدت حاجبيها الأخريين بدهشة وهي تردد بقلق:
= يخرب عقلك يا حنين. ده الراجل على آخره. هي عملت إيه بالظبط في فترة غيابي عنها؟ نظرت عبير إلى حنين بشك، فهي تشعر أن هناك خطب ما بها. فليست هذه ملامح عروس سعيدة بزواجها، وخاصة في أول أيامها معه… تشعر أن وجهها دائماً منطفيء، هناك حزن ما بعينيها، بصوتها، وبحركاتها. لكنها دائماً صامتة ولا تخبر أحداً بما فيها. لتسألها على أمل أن تخبرها بحقيقة الأمر: = عاملة إيه يا حبيبتي.. ليه قاعدة على طول لوحدك في الأوضة؟
ما تقومي تقعدي معانا، ولا إنتِ خلاص عشان اتجوزتي يعني هتتكبري علينا؟ أجابتها حنين بصوت خافت مليء بالحزن: = أنا والله أبداً، بس حابة أقعد لوحدي شوية. مع إني والله وحشتني، ووحشنا قعدنا سوا وكلامنا، بس مش عارفة ليه من ساعة لما اتجوزت بقيت أحس نفسي غريبة عن الكل.. ومش طايقة ولا أتكلم ولا أتساهل مع حد زي زمان. عايزة أفضل كده بس بعيدة ومهربة. هزت عبير رأسها بعدم رضا، وهي تقول بجدية:
= بس ده أكبر غلط بنعمله مع أي مشكلة تواجهنا يا حنين. لازم نواجه عشان نحل. حنين، هو إنتِ بجد جاية تقعدي معانا يومين ولا غضبانة ومتخانقة مع جوزك؟ مش عارفة ليه حاسة كده إن في مشاكل كتير وأنتِ مخبياها علينا، أو عليا أنا بالذات.. إنتِ كان سرك معايا ليه على طول، واخدة جنب مني؟ ردت حنين بضيق وهي تهز رأسها بالنفي:
= مش واخدة جنب ولا حاجة. أنا كويسة، ما تقلقيش عليا.. بس يمكن عشان مش عارفة أنا فيا إيه عشان أحكي أصلاً. غير إن كل واحد في اللي مكفيه، وكفاية دوشة ومشاكل عيالك الأربعة. ضمتها الأخري إلى صدرها بحنية، وهي تردد بحب صادق: = غلط. أنا عندي خمس عيال بمشاكلهم! فاكيد مش هعامل الأربعة معاملة ووحدة منهم معاملة تانية خالص. يعني هي جت عليها بمشاكلها.. عشان كده أنا عايزة أزاوجيني لمشاكلك، وما لكيش دعوة إنتِ.
نظرت حنين إليها بامتنان شديد، وقبل أن تتحدث، استمعت إلى أصوات عراك تأتي من منزل شقيقها محمود مع زوجته، لتسألها بدهشة: = هو في إيه؟ من ساعة ما جيت وإيمان غطسانة ومش بشوفها بتنزل هنا، يعني. ودلوقتي صوتها طالع مع جوزها. هم رجعوا يتخانقوا زي زمان؟ مش كان ربنا هداهم من آخر مرة كانوا هيطلقوا فيه؟ لوت شفتيها بتأفف، وهي تردد بعدم مبالاة:
= ما تشغليش بالك. البيوت ياما فيها. وبعدين يا حبيبتي، دول عاملين زي القط والفار، ما يقدروش يعيشوا من غير مشاكل. هو أنا برضه اللي هقول لك؟ لحقتي تنسيهم ولا إيه؟ ده حتى الجيران نفسهم لو قعدوا أسبوع ما سمعوش صوتهم.. يتخضوا ويجولوا يسألونا إيه اللي حصل. ابتسمت حنين رغم عنها، لتقول عبير بفرحة: = أيوه كده اضحكي، بلاش الهم اللي إنتِ شايلاه ده. كل حاجة هتتحل إن شاء الله يا حبيبتي…
نهض طارق ليفتح باب المنزل بعدما طرقه أحدهم، ليردد وهو يفتح قائلاً: = أيوه يا اللي بتخبط.. مدام زينة في حاجة؟! ضمت شفتاها للأمام بحرج، وهي تقول بتوتر: = أنا آسفة لو كنت صحيتك من النوم ولا حاجة، بس كنت بعمل الغداء وزاد مني. وأنا عارفة يعني إن حنين لسه ما رجعتش من عند أهلها، فقلت أعزم عليك بدل ما أرمي الأكل ولا يبوظ.. بما إنك قاعد لوحدك زي حالاتي. نظر لها مطولاً، ثم أخذ منها الطعام وهو يرد بنبرة هادئة:
= ما كانش في داعي. أنا بعرف أعمل أكل لنفسي على فكرة! على العموم شكراً. معلش، كان نفسي أقول لك اتفضلي، بس زي ما إنتِ لسه قايلة، أنا قاعد لوحدي وصاحبة البيت مش موجودة. زينة وقد فغرت شفتيها مندهشة بأنه يلقبها صاحبة المنزل، فزوجها دائماً كان يشعرها بأنها مجرد ضيفة ثقيلة على بيته: = هـــــاه! ثم هزت رأسها بالإيجاب بتفهم، وأجابت بصوت متردد:
= آه طبعاً، أنا فاهمة. ما فيش داعي. أنا أصلاً مش عايزة أدخل. أنا بس كنت عايزة أقول لك حاجة قبل ما أنزل. أنا والله ما أعرف إيه سبب الخناقة بينك وبين حنين، ولا عايزة أعرف أكيد. ومش أنا اللي حرضتها، ولا هي اتكلمت عن علاقتكم. ولو إنت واخد فكرة يعني إن أنا ممكن أكون سخنتها عليك ولا حاجة، أبداً والله. وليه هعمل كده أصلاً؟ أخذ نفس عميق قبل أن يرد بصوت مرهق: = خلاص يا مدام زينة، أنا فاهم وعارف كل ده من غير مبررات!
وعارف كمان إيه سبب التلاكيك اللي هي عملتها. أصلاً من قبل ما تيجي واحنا كده على طول في مشاكل. حتى لو ما اتخانقناش، مش جديد علينا النظام ده.. فما تحمليش نفسك الذنب ولا حاجة. زينة وهي تقول بنبرة جادة محاولة الصلح بينهما:
= صدقني حنين مفيش أطيب منها. أنا عارفاها كويس. جايز بس هي لسه مش فاهمة فكرة الجواز، أو مش متعودة إنها انفصلت عن أهلها. حاسة لسه إنها واحدة غريبة هنا. في ناس كتير كده كانت زيها. إنما دلوقتي مش بيقدروا يستغنوا عن البيت ثانية واحدة ولا يسيبوه.. اللي عايزة أوصله لك يعني إنها محتاجة شوية وقت مش أكتر. وده هيتحل مع العشرة وقربكم لبعض. لوى شفته بسخرية وهو يقول بصوت جاد:
= لا، أنا كده اتأكدت فعلاً إنك ما تعرفيش حاجة عن الموضوع. لأن الموضوع أكبر من كده بكتير. رغم إنه يبان في بعض الأحيان حاجة تافهة، أو مش فاهم لسه أصلاً لحد دلوقتي إيه السبب بالتحديد.. بس ولا سبب من إللي إنتِ ذكرتيه هي أصل المشكلة. يعني مش موضوع إنها مش متعودة ولا عارفة يعني إيه جواز ولا الكلام ده كله. نظرت زينة إليه بحيرة، ثم قالت بجدية:
= أنا فعلاً مش عارفة السبب بالتحديد. وعلى فكرة هي مش بتقولي حاجة عنكم. كلامنا كله بيكون على حكاياتنا زمان وصحبتنا. بس في النهاية أتمنى إن المشكلة تتحل. ومعلش، إنتِ برضه الراجل، اصبر عليها. وأنا والله لو فتحت تليفونها هحاول من ناحية أصلح أي حاجة. مع أني والله بحاول أنصحها كتير وبلفت نظرها عن أي حاجة في علاقتكم حصلت قدامي بالصدفة. هز طارق رأسه مردداً باختصار: = ربنا يقدم اللي فيه الخير. متشكر على الأكل مرة ثانية.
بالصباح في منزل أسرة حنين، كان الجميع يجلس ويتناول في صمت، بينما كانت إيمان تجلس فوق مقعد طاولة الطعام وهي تهز ساقها بعصبية. كانت ملامح الضيق تعلو وجهها، خاصة بعد المعاملة الجافة من زوجها. في حين الآخر طلب منها بلهجة أمر: = ناوليني كوباية الميه اللي جنبك يا إيمان، وبعدين قومي سخني العيش تاني عشان برد.. وبالمرة وانتِ راجعة هاتي حتة جبنة قديمة من جوه عشان نفسي رايحة لها. ما تيلا، انتِ هتفضلي قاعدة؟ ما سمعتنيش ولا إيه؟
لوت شفتاها باستخفاف وبرود، وهي تقول بنبرة استفزاز: = ابدأ، مستنياك لما تخلص طلبات وتدعك الفانوس السحري عشان يحققها لك. ما أصلي أنا مش ليا أكتر من إيد عشان أفضل كل شوية رايحة جاية أعمل لك طلباتك اللي من ساعة ما صحيت ما خلصتش منها.. لا أنا تعبت بقى من وجع الدماغ ده، واتفضل يا أخويا عندك المطبخ وهات مبادلك منه، إنما أنا خلاص شطبت، ولا هقوم ولا هاجي. نهض محمود عن طاولة الطعام، ثم وقف يتحدث مع زوجته بعصبية:
= آه يا بنت الكلب يا واطية، بقى بتردي عليا وتقولي أدبك؟ أنا هربيك النهارده… لم يتمالك أعصابه الآخر، ونهض أمام الجميع، ثم هجم عليها وأنهال بالضرب الوحشي على إيمان، وقبل أن يستوعب أحد ما حدث، بدأت زوجته تصرخ وهي تقاومه باستنجاد: = يا لهوي! الحقوني يا ناس! هيموتني في إيده… آآآه! أوعى أيدي هتكسرني.. الحقوني منه!
تعجبت زينة من الطرقات على باب منزلها، فهي دائماً ما تكون بمفردها، بالأخص منذ أن انتقلت إلى هنا. توجهت تجاه الباب لتفتح، لتتفاجئ به طارق أمامها، لتقول بسرعة بابتسامة عريضة: = أستاذ طارق، اتفضل. صباح الخير. أولاً، أنا كنت لسه بحط الفطار على السفرة زي ما إنت شايف.. اتفضل. هز رأسه برفض، وهو يقول بصوت هادئ:
= لا متشكر. بالهناء والشفاء. أنا مستعجل أصلي عشان رايح الشغل.. بس قلت أعدي عليكي الأول عشان أديكي دول.. اتفضلي، دي مواعين الغداء بتاع امبارح اللي طلعتيه، ومتشكر مرة ثانية. عقدت حاجبيها بدهشة، وهي تأخذها منه لتقول: = ومغسولين كمان؟ كثر خير اللي غسلهم. هي والدة حضرتك هي اللي غسلتهم على كده؟ أجابها طارق بنبرة هادئة بكل بساطة:
= لا خالص. والدتي ما تعرفش أصلاً إننا متخانقين، عشان كده ما رضيتش أعدي عليها ولا أبلغها بحاجة. أنا اللي غسلتهم عادي. أكيد يعني هحاول أصرف نفسي، مش هسيب البيت كده يقلب يضرب والهانم غضبانة عند أمها لحد ما ترجع. ثم إن أنا أصلاً متعود، حتى وهي موجودة، بعمل كده وبشارك في أي حاجة في البيت. إذا لقيت مواعين ولا عايز أتغدى وهي نايمة، عادي يعني مش مشكلة… ثم تابع حديثه قائلاً بامتنان وهو يتحرك للرحيل:
= وبعدين كثر خيرك إن إنتِ طلعتيلي الأكل. هنزل لك كمان المواعين مش نظيفة.. وأتعبك أكتر. أكيد ما يصحش… أنا مضطر بقى أمشي. عن إذنك. رحل من أمامها، بينما ظلت الأخري تنظر إلى فراغه بإعجاب شديد، وهي تتحدث مع نفسها هاتفة، وكأنها تندب حظها التعيس:
= بيغسل المواعين وبيعرف يعمل أكل لنفسه.. على كده ما كانش بيشتغلني بقى لما قالي أنا كنت هعرف أصرف نفسي وبطبخ. شكله ذوق أوي.. ما هانش عليه ينزل الأطباق إلا لما يغسلها، قال إيه عشان ما يتعبنيش. امبارح كمان ما رضيش يدخلني وقالي عشان صاحبة البيت مش موجودة. معقول في حد كده؟ رغم المشاكل اللي بينهم، لسه بيقول عليها صاحبة البيت ويحترم وجودها حتى وهي مش موجودة. شردت في حياتها السابقة المريرة، لتقول بحسرة:
= والله إنتِ بتتبطري على نعمة يا حنين، ومش حاسة بقيمة اللي معاكي! ده أنا الموكوس اللي كنت متجوزاه كان بيناديني من آخر الدنيا عشان أجيبله كوباية الميه اللي جنبه أصلاً! حظوظ صحيح. الحاجة اللي نكون محتاجينها تروح لغيرنا، وغيرنا كمان مش عايزها… هزت رأسها باعتراض عندما انتبهت إلى نفسها، لتقول بصوت مخنوق: = ربنا يهديهم لبعض وترجع لعقلها وتحس بقيمته..
في المساء، شعرت حنين بالعطش، فنهضت حتى تشرب. وعندما صارت تجاه المطبخ، شعرت بحركة داخل غرفة شقيقها محمود، حيث أجبرت والدتها إيمان أن تجلس هي فيها، وهو يصعد شقته حتى لا يتشاجران مجدداً. لكن عندما اقتربت خطوة، وكان الباب مفتوح قليلاً، تفاجأت بشقيقها بالداخل، وكانت إيمان تقف أمامه. اقتربت إيمان منه وهي تتعمد أن تتمايل بشدة في مشيتها لتثيره، وبالفعل نجحت مما تفعله، وسرعان ما نظرت إليه ببرود قائلة:
= أوعى إيدي، ولا عايز تكسرها تاني.. ابعد عني خالص، ولا تلمسني، ولا تفكر تيجي جنبي، فاهم ولا لأ.. أنا مش بحبك. مط شفتيه للأمام وهو يحتويها بين ذراعيه، ليردد بحنان عكس سابقاً: = كده برده يا ميمونة؟ ده أنا محمود حبيبك، تمنعيني عنك وتقوليلي مش بحبك؟ طب الكلام ده طالع من قلبك برده.. هاه؟ ده أنا حودة حبيب القلب. زمّت شفتيها بزعل، وهي تقول بصوت أنثوي مميز: = وهو حبيب القلب برده يكسرني كده ويضربني!
قلت لك، أوعى بقى، ما تلمسنيش. أنا مخاصماك ومش هصالحك أبداً. غمز لها بطرف عينه، وهو يقول بابتسامة عريضة: = ما تقدريش تخاصمي حبيب القلب.. وأنا عندي الإثبات دلوقتي وهصالحك….. وعندما رأت حنين في تلك الوضعية، خاصة بعد ما حدث بينهما من قبل والشجار الذي شهدته جميع الأسرة وكيف أهانها وضربها بطريقة قاسية، تساءلت: كيف يمكن أن يكونوا هكذا الآن؟ تجهم وجهها بملامح مشمئزة، وهي تتحدث إلى نفسها بجنون: = مقرفين! طب إزاي؟
لأ لأ لأ. أكيد اللي بيحصل ده مش طبيعي. الأمور دي مش بيستخدموها لكده.. ولا بالشكل ده.. إلا لو كده يبقى ليا حق أكرهها وهفضل أكرهها طول حياتي….. لم تستطع تحمل ذلك المنظر الذي أعاد إليها ذكريات مؤلمة عن والدتها ووالدها، والتي كانت تعتقد أنها نسيتها. لكن عندما عادت تلك الذكريات، شعرت بالاشمئزاز الشديد وارتعش جسدها، مما دفعها للركض بسرعة إلى الحمام لتفريغ ما في جوفها من شدة اشمئزازها من تلك العلاقة وتخيلها.
في الماضي، قبل سنوات كثيرة، هتفت زينب بصوت حزين للغاية وهي تتألم من المرض ومن أسلوبه البغيض: = آآآه! حرام عليك يا إبراهيم، أنا ولا مستحملة قربك مني ولا ضربك ليا.. كفاية بقى بجد، أنا ما بقتش حمل الكلام ده. إنت مش شايف الأدوية اللي اشتريتها قد كده النهارده عشان التعب والقرف اللي أنا فيه يروح…… أجاب الآخر بكل قسوة وحجود: = هو أنا لسه عملت حاجة يا وليه؟ وبعدين إيه؟ كل ما أجيب جنبك هتقوليلي الكلمتين دول؟
ما تعملي بالفلوس اللي أنا لسه دافعها ليكي النهارده في كشف وعلاج… خلي بالك كده الملايكة هتلعنك، وأنا هكون جبت آخري كمان وهروح أشوف غيرك طالما مش عايزة تديني حقي.. بلا قرف. هزت رأسها بسرعة برفض، وهي تردد بضعف واستسلام: = لأ لأ خلاص يا أخويا، هستحمل زي كل مرة، وأمري لله. حقك عليا، ده حقك برده، ما أقدرش أعترض….
للأسف، كانت هذه الذكريات محفورة في عقلها رغم صغر سنها، مما جعلها تشعر بالذعر والقرف في تلك اللحظات. كان الفضول يقتلها حول ما الذي يجبر والدتها على ذلك؟ هل هو شيء قاسٍ ومؤلم إلى هذا الحد؟ والأهم من كل ذلك، لماذا والدتها مضطرة لفعل ذلك؟
وعندما كبرت قليلاً، بدأت تستوعب السبب وراء ترك والدها لهم وزواجه من أخرى، أدركت أن ذلك كان بسبب عدم قدرتها على تلبية رغباته بسبب مرضها، مما جعله قاسياً معهم وبحث عن امرأة أخرى لتحقيق رغباته، ومن هنا بدأت تشعر بالنفور والاشمئزاز تجاه هذه العلاقة حتى قبل أن تعرف تفاصيلها.
لم تنسَ تكرار هذه المواقف طوال حياتها، مما جعلها تعجز عن فهم هذه العلاقة وتكرهها، حيث كانت تصرفات الرجال توحي بأنهم هم من يتحكمون في كل شيء. كانوا يفعلون ما يريدون في أي وقت، حتى لو كان ذلك في أوقات غير مناسبة على الإطلاق. بدأ الأب يزيح كل شيء أمامه بقسوة، مستمراً في ضرب أولاده وزوجته بوحشية لأتفه الأسباب، بسبب ما اعتبره تقصيراً من زوجته في علاقتهما:
= عيال تجيب الهم والقرف، ادي اللي باخده منكم مشاكل وكل شوية هات طلبات وفلوس….. أدمعت زينب عينيها بألم، وهي تهتف بعصبية مفرطة: = منك لله يا شيخ، حتى اللقمة مش عارفين ناكلها من غير نكد. أمال مين إللي هيصرف على العيال دول؟ زعلان أوي عشان بطلب منك فلوس؟ مش دي مسؤوليتك برده.. حسبي الله ونعم الوكيل. هفضل ليل ونهار وفي صلاتي أدعي عليك…. وبعد فترة من بكاء الأم، هتف الأب من الداخل، هتف بصوت مرتفع: = زينب، تعالي عايزك…..
لاحظت حنين وجود آثار ضرب وأثر أصابع على وجه والدتها بسبب والدها. بدأت حنين تفهم جيداً متى يناديها لأجل هذا الأمر، لكنها لم تفهم سبب نهوض والدتها لتلبية طلبه، وكيف كان ذلك بسيطاً بالنسبة لها.
أخذت حنين تتنفس بصوت مرتفع، وأغمضت عينيها في رعب، وكأنها تخشى البوح بما تنوي والدتها فعله معه حتى وإن كان زوجها، فعقلها يرغب الفهم والاستيعاب…. كيف يكونون الأزواج بينهما مشاكل كبيرة قد تؤدي إلى الضرب والإهانة، وبعد قليل بمنتهى البساطة يفعلون ذلك الفعل…. لكن هذه المرة لم تستطع السيطرة على نفسها، فنظرت إلى أمها بنظرات صادمة، وهي مشدوهة وبتردد وبنظرات جاحظة سألتها بكل جرأة وعتاب: = هو إنتوا مش زعلانين من بعض المفروض!
رايحة وراه ليه دلوقتي؟ وكنتي عمالة تدعي عليه من شوية.. مش كفاية وانتِ تعبانة بتعملي الحاجات دي غصب عنك. شهقت أمها بذهول من وقاحتها، وبدأت تعنفها بغضب شديد: = وإنتِ مالك يا قليلة الأدب يا اللي ما تربيتيش صحيح… مركزة معانا أوي كده بنعمل إيه؟ أنا مش عارفة جيل إيه المهبب ده إللي ما فيش حاجة بتعدي عليه.. حسابك معايا بعدين يا قليلة الرباية.
عودة إلى الوقت الحالي، لتتحرك حنين إلى غرفتها، وهي تجر أذيال الحزن والانكسار والذل والخيبة وراءها. وقفت تنتظر خلفها والدموع لا تفارقها، ثم هتفت بصوت مشمئز: = مقرفة… هو أنا بكرهك من شوية! بعد مرور أسبوعين، في منزل أسرة حنين، انتبهت أن هناك شيئاً ما يهتز من أسفلها ويحدث صوتاً مزعجاً. تململت في الفراش بتجاهل، فهي تعلم جيد من المتصل، ولكن ظل ذلك الصوت والاهتزاز يعلوان أكثر وأكثر.. فاضطرت تجيب على زوجها
الذي بدأ يعاتبها برجاء: = ازيك يا حنين؟ عاملة إيه؟ أخيراً عبرتيني ورديتي. داخلين كده على أسبوعين مش ناوية بقى ترجعي؟ وكفاية أنا سايبك براحتك أهو، رغم إن انتِ اللي ضايقتيني ومش فاهم أصلاً إيه سبب الخناقة عشان تسيبي البيت.. غير على فكرة، إنتِ وحشتيني أوي. اعتدلت في جلستها على الفراش، وأصغت لصوته الناعم، معتقدة بأنه يريد إرجاعها لسبب واحد فقط، لذا لم تستطع تمالك نفسها وهي تسأله بتهكم مرير: = وحشتك برده!
ولا وحشتك العلاقة؟ اعتلت الدهشة وجهه والضيق، ليقول مردداً بصوت حاد: = هنرجع تاني لنفس الغباء؟ هو إنتِ في إيه؟ مين بيدخل الكلام الأهبل ده في دماغك؟ أغمضت عينيها بتعب وضعف، ثم قالت بصوت باكي أقرب إلى الهمس: = طـ.. طيب خلاص، سيبني يومين كمان وهافكر أرجع.. سلام. في تلك اللحظة، دخلت إيمان عليها وهي تقول بنبرة ضائقة: = بنت يا حنين، لما إنتِ صاحية قاعدة لوحدك هنا بتعملي إيه؟
ما تطلعي تقعدي معايا بره بدل ما أنا قاعدة مع العيال اللي بره دول وجابوا لي صداع.. أمك راحت تعزي في واحدة صاحبتها، وعبير في شغلها. رغم إنها بتخنقني في قعدتها، بس أهي كانت بتسليني. لم ترد عليها، بينما أخذت إيمان الهاتف من يديها، لا تلاحظ عدة مكالمات من زوجها ورسائل يطلب منها العودة، لوت شفتاها وهي تقول باستفسار:
= كل دي مكالمات جوزك اتصل بيها وفاكرة تردي في الآخر غير الرسائل.. آه بقي، هي الحكاية كده زي ما توقعت. طب لما إنتوا متخانقين ما بتقوليش ليه؟ وبعدين ما الراجل عايز يجي ياخدك أهو.. إنتِ اللي تقلانة عليه ليه؟ مسحت حنين وجنتيها من الدموع العالقة بها بحركات حادة، وهي تغمغم بانفعال: = بس يا إيمان، ما تاخديش مني التليفون تاني مرة بالطريقة دي. وإياكي تقولي لحد منهم بره إني متخانقة مع جوزي وجاية هنا غضبانة، فاهمة!
مش ناقصة وجع دماغ وهيقعدوا يسألوا وأنا ما عنديش إجابة لحد، ومش عايزة كمان يوصلوا لطارق ويسألوه، مش عارفة هيقول لهم إيه. نفخت مستاءة منها، وهي تهتف على مضض: = يا بنت يا هبلة، هو أنا برده لما تقوليلي حاجة هروح أقول لهم؟ وبعدين مالك خايفة كده ليه؟ يسألوكي عن السبب، ولا يسألوا جوزك؟ هو الموضوع للدرجة دي كبير؟ ما تنطقي وتقولي فيكي إيه، يمكن ألاقي لك حل! همست بصوت مختنق باكي، وهي تنحني على نفسها أكثر وتضم ساقيها إلى صدرها:
= قلت لك ما فيش. وخليكي في حالك مع جوزك وسيبوني أنا كمان في حالي… نظرت إليها بشك، ثم أردفت بصوت جريء: = مممم، هو الموضوع له علاقة بالـ… العلاقة الـ…ـميمية اللي ما بينكم؟ مش عارفة تبسطي ولا إيه؟ اتسعت عينا حنين بذهول وصدمة، وهي تقول بنبرة حادة: = إنتِ عرفتي منين؟ أنا من ساعة ما جيت ما فتحتش بوقي حتى مع نفسي بالموضوع ده. انطقي يا إيمان، عرفتي منين؟ ابتسمت ابتسامة خبيثة، وهي تقول بثقة: = وهي محتاجة ذكاء؟
وخدة جنب عشان مكسوفة تتكلمي ومش عايزة حد مخلوق يعرف وقلقانة، ثم إن أنا كنت بضرب الكلمة وإنتِ أكدتي لي المعلومة. فيلا زي الشاطرة كده بقى، قولي لي عشان أنا الفضول كده هيبدأ يقتلني، ومش هسيبك إلا لما أفهم إيه المشكلة بالضبط. نظرت إليها بنظرات غامضة، ثم سألتها بتردد: = إيمان، هو أنا ممكن أسألك على حاجة وما تفهميش غلط؟ ولا تضايقي مني؟ وإياكي ثم إياكي تروحي تقولي لحد إني سألتك السؤال ده. اتفقنا. سألتها مستفسرة بغرابة وضيق:
= لا زمته إيه كل ده؟ ما تسألي على طول، في إيه؟ وبعدين أنا بسألك على أحوالك مع جوزك دلوقتي.. تسأليني أنا ليه؟ أجابتها حنين وهي ترمقها بنظرات مشمئزة: = هو إنتِ ومحمود بتعملوها إزاي؟ عقدت حاجبيها بعدم فهم، وهي تسألها بدهشة: = بنعمل إيه؟ الله يخرب بيتك! وإيه دخل أخوكي في الموضوع؟ ما تفهميني وخليكي دغري بدل جو الألغاز ده. ابتلعت ريقها بصعوبة، وهي تقول بسرعة بقلق:
= آآ أنا والله كنت قايمة أشرب وعرفت إن محمود نزل هنا ودخل لك الأوضة جوه بعد ما ماما بعدتكم عن بعض عشان ما تتخانقوش تاني، وللأسف شفت، أو مش شفت بالظبط، عرفت اللي حصل بينكم.. فبأسألك إزاي بتقدري تستحملي إن لسه ضربك ولا متخانقة معاكي وتستخدمه القرف ده في إنكم تتصالحوا، أو ليه مش بتربطوا الأمور ببعض؟ هي دي حاجة ودي حاجة؟ ولا إيه؟ ما هي برده لا.. بتتقبليها ولا بتقدرى تستحمليها إزاي؟ ولا هو كمان بيقابلها على نفسه كراجل؟
أنا هتجنن، إنتِ فهماني؟ سحبت إيمان مقعد لتجلس عليه، وهي تنظر لحنين نظرات قلق، لتردد بعدم مبالاة: = ما تهدّي على نفسك يا بنت، وإيه كل الأسئلة دي! ثم إنك إيه يعني، شفتيني مع حد غريب؟ ده جوزي وحلالي عادي ونزل يصالحني، وما هانش عليه أفضل زعلانة لحد تاني يوم.. عايزة بقى تيجي مني وأبقى ست نكدية ووحشة، وأرجعه مكسور الخاطر طالما رجله جابته، يا هبلة الست الذكية تستخدمها لصالحها. النقطة دي عشان تخليه زي العجينة في إيديها.
اتسعت عينا حنين باحتقار من ردها، ثم زفرت بانزعاج، وهي تفرك وجهها بغضب على ما يحدث معها، لا تعلم كيف تحل الأمر المعضلة أكثر، لتتحدث بصوت مضطرب: = إنتِ بتقولي إيه؟ إنتِ هبلة؟ يبقى لسه متخانق معاكي وضربك قدامنا كلنا، ويهين كرامتك ويطلبك بالليل عادي، وإنتِ توافقي؟
لا و مبسوطة وفرحانة أوي كمان… وبدل ما تعملي لنفسك كرامة ويتأسف لك بالبق، بتقلبيها من ناحية تانية عشان تعرفي تتحكمي فيه وتسيطري عليه. إنتوا بتبصوا لبعض إزاي بعد كده؟ تعرفي أول مرة أخد بالي إن محمود أخويا صورة تبقى الأصل من بابا، وإنتِ كمان زي ماما، بس الفرق إنك بتحاولي تقنعي نفسك إنك بالطريقة دي بتعرفي تخليه زي الخاتم في صباعك، وقد إيه فرحانة إن حتى في عز زعلك مرغوبة فيكي منه.
لاحظت إيمان اضطراب ندى وبكائها المتصل، فلم ترد أن تزيد الطين بلة، وقالت محاولة بث الثقة والطمأنينة فيها: = طب أنا مش هاخد الكلام منك بزعله عشان شكل حالتك صعبة ومولك موال. إيه لازمت كل العياط ده كمان وكلامك اللي مش مفهوم؟ هو أنا دلوقتي بسأل عليكي، ولا دخلتيني في أحوالي مع جوزي.. ولا بتحاولي تداري على الكلام عشان ما أسألكيش؟ هزت رأسها بالنفي قائلة بصوت مختنق: = بالعكس، أنا جاوبتك عشان هي دي نفس مشكلتي الأساسية أصلاً!
اللي إنتِ وجوزك بتعملوه في أي وقت، مهما كان متخانقين ولا بينكم إيه، الموضوع ده برضه بيحصل بينكم، وما بتقدروا تفرقوا بين ده وده.. اهو أنا بقى عشان كده بكره العلاقة دي. عقدت حاجبيها بدهشة، وقالت بنبرة قلقة: = إنتِ قصدك العلاقة الزوجية بتكرهيها… بتكرهيها بمعنى بتكرهيها؟ طب ليه؟ هزت رأسها بالإيجاب عدة مرات، ولم تستطع الإنكار هذه المرة. لقد انهارت تماماً وفقدت السيطرة على حالها، وبدأت تردد بصوت متألم بحرقة:
= أنا حقيقي نفسي أبطل أفهم، عشان الموضوع ده تعبني نفسياً. وكل مرة بفتكر اللي سمعته، بجد مش قادرة أتخطى الموضوع ده. نفسي أرجع مش فاهمة حاجة تاني، كأني عيلة صغيرة مخها ما فيهوش أي شيء إلا البراءة. يا ريتني ما اتجوزت، ولا عملت الموضوع ده مع جوزي عشان أفهمه بكل تفاصيله كده.. وأفضل كل شوية أتخيل، هو ده اللي كان بيحصل بينكم؟؟ وإيه دي العلاقة الجنسية اللي بتستمتعوا بيها وتبقوا فرحانين؟؟ ده أنا كرهتها وقرفت منها من أول يوم….
تنهدت الأخري بيأس من عدم فهمها الأمر جيد، لتقول بتافف: = اهدي يا حنين عشان أفهم منك! إنتِ إيه أصلاً مشكلتك مع جوزك، ولا مع العلاقة، ليه بتكرهيها الكره ده.. ومالك أصلاً إذا كان إحنا بنمارسها غلط ولا صح؟ ما تخليكي في نفسك ومع جوزك، طالما يا ستي شايفانا إحنا غلط، اعملي إنتِ الصح. بتقارنيني ليه بمشاكلك وإحساسك دي؟ بدأت الدموع تتجمع في مقلتي حنين، وهي تستعيد ذكريات تلك التجارب المريرة في عقلها، مرددة بانكسار:
= هو أنا مبسوطة باللي أنا فيه؟ نفسي أبطل فعلاً أفتكر كل ده؟ نفسي كل ما جوزي يقرب مني أحس بنفس الاستمتاع اللي بيحس بيه وبتتكلموا عليه؟ نفسي أنسى كل حاجة، سواء صح ولا غلط، متخزنة جوه دماغي من الموضوع ده! عارفة، أنا امبارح فضلت أراجع كل اللي في بطني وأنا سامعاكم! وأنا بتخيلكم! وأنا بفتكر أمي! وأنا بفتكر نفسي مع جوزي…
هزت رأسها بعجز، وهي تبكي بحرقة، كان قلبها يعتصر من الألم، لقد ماتت روحها بعد ما بدأت تعاني بمفردها كعادتها وطول حياتها بمفردها طول فترة زواجها: = أنا بكرهها، لا بقرف منها.. ده كان تخيلي عنها، ما بالك لما بقيت أمارسها قرفت أكتر. أقول لك على حاجة مش هتصدقيها؟
أنا بعد ما طارق بيلمسني ويخلص، ما بطيقش نفسي دقيقة واحدة وبحاول بسرعة أقوم من جنبه عشان أنظف نفسي، كأني واحدة رخيصة بتبيع نفسها، مش ده حلالي والمفروض أعمله عادي وربنا محله.. أضافت حنين ببكاء حار، وهي تشعر بعدم قدرتها على فهم ذلك الشعور أو مقاومته: = أنا مش قادرة أقتنع أصلاً إن ربنا محلل حاجة زي كده بين الأزواج، وإني مطلوب مني أعمل كده، وإنه حق جوزي عليا.. عشان كده بهرب طول الوقت!
أيوه، بحاول لما يرجع أعمل نفسي تعبانة ولا نايمة، ولو اضطريت، بتبقى أسوأ لحظة في حياتي ونفسي تخلص بسرعة.. أنا بحس نفسي بتنفس براحة كبيرة لما بيبعد عني وينتهي! عارفة كمان إيه أسعد لحظة في حياتي، لما يجي ليا العذر الشرعي عشان لما يقرب مني أقف بكل ثقة أقول له لأ.. مش هتقرب مني ولا تلمسني! مش هتجبرني غصب عني أكون تحت طوعك عشان أرضيك وأرضي ربنا… وأسيبك تخنقني تحت إيدك عشان تمارس عليا العلاقة المقرفة دي.
حاولت إيمان تهدئة حنين، ولكنها كانت على وشك الانهيار أمامها، لتقول الأخرى بصدمة كبيرة: = يخرب عقلك! كل ده شايلة في قلبك من الموضوع ده؟ حرام عليكي نفسك كده يا حنين، وحرام عليكي جوزك وربنا.. هو أصلاً لحد دلوقتي مستحملك إزاي، ولا مش ملاحظ حاجة زي كده؟ تراجعت للخلف هامسة بصوت مختنق، وهي تشعر بأنها على وشك الانهيار، ولا ترغب الأخرى أن تراها بحالتها تلك:
= ما هي دي مشكلتي دلوقتي، إن ابتدا يلاحظ، ولما واجهني ما عرفتش أقول له إيه؟ ما هو أصلي هقول له كل الكلام اللي قلته لك دلوقتي، مش هيفهمني. ولو دخل أهلي في الموضوع، وده المتوقع، مش هيفهموني هم كمان، والله أعلم رد فعله هتكون إزاي، ولا رد فعلهم…. واللي زاد إنه بيشتكي كمان إن أنا ساكتة معاه ومش بحس باللي بيعمله ولا بتفاعل، وأنا مش قادرة أصلاً أتقبل العلاقة عشان أبادله. ظلت إيمان تنظر لها في ضيق وحنق، ثم قالت بحدة:
= لا لا، بلاش هبل، ولا تقولي له، ولا تقولي لأهلك. إحنا فعلاً مش متخيلين رد فعلهم هيكون إيه، وهتتطين أكتر عليكي، وهيكون كده لي حق يتجوز عليكي يا عبيطة. فتلمي ولمي ليلتك… وبصراحة مكبرة الموضوع أوي، مع إنه سهل خالص. حاجة بسيطة، مثلي إنك بتستمتعي معايا وبتحسي بيه، وحابة الموضوع زيه. برقت عينا حنين ونظرت إلى إيمان، فاغراً فمها، بينما بادلتها إيمان نظرات تحدي، لتقول هي بفزع بصدمة: = إنتِ بتقولي إيه؟ إنتِ مجنونة!
ولو افترض يعني نفذت كلامك، هو مش هيحس إن أنا بمثل! وبعدين كده يعني المشكلة اتحلت؟ ما في مشاكل تانية كتير زي اللي حكيتها لك، إني مش بطيق الموضوع ده خالص ولا عايزاه يقرب مني. مطت شفتاها باستخفاف، وهي تردد بنفاذ صبر:
= ما هي ما فيش حاجة اسمها ما ينفعش يقرب منك. ده جوزك، والموضوع ده لازم يحصل بين المتجوزين. ما هو يا حبيبتي ما فيش راجل يقدر يستغنى عن كده، إلا لو في عيب. وجوزك طالما اشتكى يبقى ما فيهوش عيب.. وارجع تاني وأقول لك، لو حد من أهله عرف الموضوع هيطلعها في دماغه يتجوز عليكي. ولو حد جي يشتكي هيقول لهم ساعتها اللي فيها، وقتها يا حبيبتي أهلك هم بنفسهم هيقولوا له دي ملهاش نافعة، وإحنا اللي بنقول لك اهو اتجوز، وهيفتكروكي بتدلعي.
هزت رأسها بيأس، وهي تجيب ببكاء مرير: = بس أنا مش بدلع، والله أنا فعلاً بحس بكده.. هو أنا يعني غاوية عذاب لنفسي وتعب أعصاب.. أنا فكرت كتير أقول له، بس بتراجع دايماً عشان فكرت برده بنفس كلامك، إن محدش هيفهمنا ولا هيحس إني في مشكلة فعلاً.. عادت إيمان تتحدث بإصرار وجدية: = عشان كده لازم تسمعي كلامي… اسمعيني كويس!
في نوعية رجالة كده يا حبيبتي، لازم يحسوا بالست وهي بين إيديهم إنه مشبعها ومهنيها، بالذات في الموضوع ده، وهيحس مش بالسؤال يا خيبة. بالفعل عشان كده هو فهم على طول واشتكى. إنتِ بقى تنسي خالص جو بكره العلاقة وبقرف منها، عشان مش هينفع.. وتركزي في حاجة واحدة بس، إنك لازم تتقبلي غصب عنك وتمثلي كمان إنك مستمتعة بكل لحظة، وإنك ملهوفة زيه. أيوه، تمثلي لحد ما إنتِ نفسك تصدقي التمثيلية دي وتعشيها، ومع الوقت هتنسي كل الكلام ده أصلاً.
شعرت حنين بالرهبة من كلماتها والصدمة. تطلعت نحوها بأعين غائمة بالدموع، بينما قلبها يؤلمها على حالها، لتقول بصوت مختنق: = أمثل! تفتكري هو ده الحل؟ أنا مش فاهمة حاجة. هي دي أصلاً طبيعة العلاقة اللي بتحصل بين الرجل والست.. طب لما أمثل إني مبسوطة معاه وأنا مش مبسوطة وصدقت ودخلت عليه، هحس إمتى إني مبسوطة من الموضوع ده! هو ده العادي كده؟ هي العلاقة دي معموله عشان إيه بالظبط؟
ربنا ليه خلاها تحصل ما بين الراجل والست، ما كان ممكن أي طريقة يخلفوا منها.. ولا هي معموله عشان الراجل يستمتع بس والست لأ. إيمان وهي تزفر في ضيق، وقالت بسخرية: = هي في ست بتستمتع الأيام دي يا أختي؟ بلا خيبة. كل راجل بيدور على مصلحته، حتى بالمواضيع دي. ولو اتكلمت وقالت أنا عاوزاها بالشكل ده، ولا مش عايزة النهاردة، ولا مش مستمتعة على رأيك.. هتشوفي أيام سودة وتلاكيك على أتفه الأسباب وخناقات بالكوم!
فالأحسن ناخدها من قصيرها ونعيش كده ونخليها تمشي بمزاجنا مبسوطين، حتى لو بنمثلش. حب لون وجهها وتجمدت أوصالها من مجرد تخيل المنظر في مخيلتها، جعلها تشمئز وتحتقر هذه العلاقة أكثر، مرددة بانفعال: = بس ده ظلم. ليه نمثل إن إحنا مبسوطين وإحنا مش كده! هو لو فعلاً الشيء ده معمول عشان مصلحة ومتعة الراجل، ف أنا ليا حق أكرهها وأقرف منها.
حاولت الأخري إدخال الأمر داخل عقلها، معتقدة بأن ذلك الحل بعلاقتها مع زوجها، ولكنها رفضت بكل عنف، ثم نظرت إليها بنظرات حادة قاسية ومميتة، وهي تقول بتفهم: = آه، أنا فهمت ليه دلوقتي بتقبلي جوزك بعد ما بيمد إيده عليكي عشان بتمثلي، ومش بعيد تكون ماما كانت كده زيك، إنما إنتوا في الحقيقة مش طايقينهم. إيمان وقد لوت شفتيها بضيق شديد متحدثة:
= خلاص، عيشي تكرهيها، بس ما ترجعيش بعد كده تندبي حظك.. ما تخليكي واقعية شوية. هو إنتِ عمرك في حياتك سمعتي ولا شفتي راجل بيسأل الست عن رغبتها، ولا هي مبسوطة وهي معاه.. إذا كانت في عشته، ولا في السرير؟! . فكري في كلامي مرة أخيرة، أو جربي يا ستي، حتى لو مرة، مش ممكن تستمتعي ويعجبك الموضوع وانتِ بتمثلي.. نظرت إليها مطولاً بتردد، وهي تفكر، لكنها بسرعة رفضت الاستسلام للأمر ذلك، وشعرت بالغضب والنفور، وهي تنظر لها بتقزز،
ثم قالت بصرامة حادة: = مستحيل أعمل كده طبعاً. أنا عندي أعيش حياتي كلها قرفانة وأنا واضحة أحسن ما أعيش وأنا بمثل إني مبسوطة وأنا من جوايا قرفانة وبتعذب أكتر… حتى وأنا بعبر عن إحساسي بالوجع، عايزين تقتلوا فينا.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!