الفصل 7 | من 9 فصل

رواية نصف عذراء الفصل السابع 7 - بقلم خديجة السيد

المشاهدات
19
كلمة
9,557
وقت القراءة
48 د
التقدم في الرواية 78%
حجم الخط: 18

بعد أسبوعين منذ أن بدأت حنين للذهاب إلى الطبيبة، كل شيء تغير، أو بالأحرى أن يوصف الوضع بأنه لم يعد كما كان من قبل. حتى الوقت الذي كانت تقضيه بصحبة طارق تقلص للغاية وأصبح لبضعة دقائق، ولم يتناقشا بشيء عن العودة. كانت هذه تعليمات الطبيبة.

أما حنين، فكانت تذهب معه إلى الطبيبة بخاطرها. بدأت بالانسجام والفضول لمعرفة أكثر عن حالتها والشفاء أيضاً، حتى وإن لم تعود إليه. هكذا كانت تخبر نفسها عندما تشعر بالضعف تجاهه من جديد. رغم استغراب عائلتها بأنها ترفض العودة إليه، إلا أنها كل فترة تخرج معه للطبيبة ليتابعون صحة ابنهما كما كانوا يعتقدون. لم يتحدث أحد على أمل أن يعودون لبعض وتتوقف حنين عن عنادها.

في إحدى الزيارات المتكررة إلى الطبيبة، كانت حنين بمفردها هذه الجلسة. وزعت نظراتها القلقة عليها وهي تتساءل بتوترٍ متحير: = هو الختان سنة ولا فرض يا دكتورة؟ يعني حرام ولا حلال في الإسلام؟ أجابتها الدكتورة أمل نافية وهي ترسم على ثغرها ابتسامة هادئة: = لو سألتي رجال الدين هتلاقي في اللي هينصحك تعمليها لبناتك وفي اللي هيرفض.

يعني قال ابن باز: «الختان من سُنن الفطرة، وهو للذكور والإناث، إلا أنه واجبٌ في الذكور، وسُنَّة ومكرمة في حق النساء». بس أنا عن نفسي بحب أستشهد أوي بأفعال الرسول عليه الصلاة والسلام. يعني لما حاولوا يبحثوا عن الموضوع ده ويشوفوا الرسول عمل لبناته، كانت الإجابة أن الرسول نفسه لم يقم بختان بناته أبداً. نظرت إليها بنظرات مرتابة وقلقة، فسألتها مجدداً في صوتٍ خفيض حذر: = طب هو ختان البنات بيأثر على العلاقة الزوجية؟

سحبت الأخرى نفساً عميقاً ثم لفظته على مهلٍ وتكلمت في صوتٍ جاد رغم هدوئها: = أكيد خصوصاً لما يتعمل بطريقة غلط!

بيأثر على البنات بشكل كبير بعد الزواج، وفي ستات كتير بتعاني من مشاكل العلاقة الزوجية والحمل والولادة، والآلام الشديد أثناء العلاقة الزوجية. والبرود الجنسي لبعض البنات ونقص الإحساس بالمتعة والخوف من العلاقة الزوجية. غير اللي بيحصلها أصلاً وهي لسه بنت عندها 14 سنة وتتعرض للأمور دي. يعني في بنات لحد دلوقتي مش بتسامح والدتها على الموضوع ده ولا الست اللي علمتلها كده وبيفضل خوفها ورعبها منها كل ما تقابلها، رغم أنها بتكبر وتبقى فاهمة الموضوع ده اتعمل ليه!

لفظت دفعة من الهواء من رئتيها قبل أن تجيبها مجدداً: = بصي يا حنين، الموضوع ده مخاطره صحية بدنية ونفسية على النساء والبنات. وتتضمن المخاطر دي مضاعفات طبية في الوالدة وتشمل التبعات زي الألم الحاد والنزيف ومرض التيتانوس والإصابة بالعدوى والعقم والتكيسات وتكون الخراج وسلس البول، بالإضافة للمتاعب الجنسية والنفسية. تنفست حنين بعمق لتضبط انفعالاتها المشحونة أثر ذلك الحديث، ثم تحدثت بصوتٍ هامس مختنق: = يااه كل ده؟

بس أنا ما حصليش يعني كل ده بالحرف. صحيح في حاجات تانية فاكرة حسيت بيها، بس مش كلها. أكدت لها بإيماءة من رأسها وهي تردف: = الأضرار بتختلف حسب نوع الختان. يعني بعد إجراء عملية الختان مباشرة بيحصل ألم شديدة مستمرة في الأعضاء التناسلية وتورم الأنسجة. كمان الختان بيتسبب بإزالة الطبقة اللي بتقوم على حماية العضو التناسلي للمرأة من الميكروبات والجراثيم، وده ممكن يؤدي إلى التهابات حادة وسهولة انتقال للعدوى في بعض الحالات.

خفضت حنين من نبرتها بحرج، وتحدثت بصوت ساذج إلى حدٍ ما: = بس اسمع إنهم بيعملوا كده عشان يقللوا الرغبة أو الشهوة عند البنت وهي صغيرة. الكلام ده صح؟ نظرت لها أمل في استنكار وأجابتها دون التفكير باعتراض ضائق:

= غلط طبعاً. ختان الإناث أو قطع الأعضاء التناسلية الخارجية للمرأة مش بيقلل الرغبة الجنسية ولا يضبط السلوك الجنسي لأي بنت أو امرأة ناضجة. الحاجات دي بترجع للتربية الأساسية. إنما الرغبة الجنسية هي إحدى الغرائز الطبيعية بكل الكائنات وهي شعور وميل طبيعي عند المرأة والرجل على حد سواء للجنس. تصنعت الابتسام وهي تشعر بالقهر والظلم داخلها تعرضت له، فأجابتها في هدوء جاد:

= معاكي حق. يعني هم كل اللي عملوا ختان متربيين أوي. أنا مش عارفة كان بيدخلوا الكلام ده في دماغنا إزاي ولا حتى أهالينا كانوا بيصدقوا ويقتنعوا بيه. الله يسامحهم بقى على جهلهم. أنا لو ربنا رزقني ببنت مستحيل أعملها حتى لو هعادي أهلي كلها. أجابتها الدكتورة مؤكدة بثباتٍ وتوضيح جاد: = تعرفي أحلى حاجة ممكن تطلعي منها بفائدة مع أي مشكلة تحصل لك ولا أمور صعبة؟

هو اللي أنتِ لسه عاملة دلوقتي ده، إنك تتعلمي وتستفيدي. حتى لو خلاص مش هتقدري ترجعي الزمن عشان تنقذي نفسك، بس مستعدة تنقذي أولادك في المستقبل. خلينا ناخد الأمور كده هنحسها بسيطة. مش جايز ربنا بيحطونا في الموقف دي عشان ننقذ أطفالنا في المستقبل ونغير شوية من الأفكار دي. بس عشان تكوني في السليم أكتر، بنتك لما توصل للسن المناسب ده، اكشفي عليها عند دكتور ثقة الأول وهو اللي يقول لك محتاجة ولا لأ، لأن برضه في بنات بتكون محتاجة التسويه في الموضوع ده. مش يكونوا كويسين ومش محتاجين ونقول زيادة احتياط ونقطع من لحم بناتنا.

وضعت حنين كلتا يديها على بطنها بحنان تمسدها في رفقٍ وقالت باسمة: = أنا أول ما عرفت إني حامل خفت أوي أحسن تكون بنت وتواجه اللي أنا واجهته! بس يا رب فعلاً أكون قد قراري وما خلاهاش تعيش حاجة من اللي أنا عشتها. هزت رأسها بتفكير وهي تتحدث بأمل: = بس يعني أعتقد دلوقتي الموضوع قل عن زمان، رغم إنه أكيد في ناس بتصمم تعمل لبناتها. لكن دار الفتوى والقانون اتحرك شوية في المواضيع دي. وبقى محرم شرعاً ومجرم قانوناً!

كله بسبب قلة الدين والمفاهيم الخاطئة عن الصحة، باعتبار الختان وسيلة للحفاظ على العذرية وتهيئة البنت للزواج وزيادة المتعة الجنسية للذكور. وفي ناس بتعتبره في بعض الثقافات، طقساً للبلوغ وضرورة للزواج. أجابتها حنين بوجه ممتعض، ونظرات قاتمة: = مش بقول لك كل مصيبة بتحصل للبنت لازم يكون سببها الموضوع ده. بذمتك بقى ليا حق أكره وأقرف منه ولا لأ؟

يعني اهو بتهيئ البنت للموضوع ده من وهي صغيرة. طب الراجل ما فيش أي حاجة بتهيئة ليه؟ إنهم يعرفوهم إزاي يتعاملوا مع البنت في المواضيع دي مثلاً؟ نكست رأسها في أسفٍ ثم ردت بتأكيد على كلماتها:

= تصدقي معاكي حق. ليه صحيح زي ما بيفضلوا يدوا نصايح وطقوس يعملوها للبنت، يعملوا حاجات شبه كده من خلالها ينصحوا الراجل كمان. على فكرة في رجالة كتير أصلاً ما بتكونش فاهمة يعني إيه علاقة وزواج، زي البنت عادي، بحيث أول تجربة ليهم. بس في مجتمعنا بتكون فاهمين للأسف تهيئة الراجل للزواج بالفرجة على مقاطع مش كويسة؟

أو برشامة يديه له في الخباثة بالفرح مع سيجارتين ملفوفين. آه، ممكن توصل كمان إنهم يجيب له واحدة يجرب معاها عشان يشوف نفسه جامد وما فيش زيه ولي في الموضوع ده ولا لأ. وطبعاً دي كلها أمور غلط وحرام. وبعد كده بنسأل ربنا مش راضي علينا ليه وبنقع في مشاكل كتير في بداية جوازنا، ولا طول حياتنا بسبب المفاهيم دي. تصنعت الابتسام وهي تشعر بالقهر والظلم داخلها تعرضت له، فأجابتها في هدوء جاد:

= معاكي حق. يعني هم كل اللي عملوا ختان متربيين أوي. أنا مش عارفة كان بيدخلوا الكلام ده في دماغنا إزاي ولا حتى أهالينا كانوا بيصدقوا ويقتنعوا بيه. الله يسامحهم بقى على جهلهم. أنا لو ربنا رزقني ببنت مستحيل أعملها حتى لو هعادي أهلي كلها. أجابتها الدكتورة مؤكدة بثباتٍ وتوضيح جاد: = تعرفي أحلى حاجة ممكن تطلعي منها بفائدة مع أي مشكلة تحصل لك ولا أمور صعبة؟

هو اللي أنتِ لسه عاملة دلوقتي ده، إنك تتعلمي وتستفيدي. حتى لو خلاص مش هتقدري ترجعي الزمن عشان تنقذي نفسك، بس مستعدة تنقذي أولادك في المستقبل. خلينا ناخد الأمور كده هنحسها بسيطة. مش جايز ربنا بيحطونا في الموقف دي عشان ننقذ أطفالنا في المستقبل ونغير شوية من الأفكار دي. بس عشان تكوني في السليم أكتر، بنتك لما توصل للسن المناسب ده، اكشفي عليها عند دكتور ثقة الأول وهو اللي يقول لك محتاجة ولا لأ، لأن برضه في بنات بتكون محتاجة التسويه في الموضوع ده. مش يكونوا كويسين ومش محتاجين ونقول زيادة احتياط ونقطع من لحم بناتنا.

وضعت حنين كلتا يديها على بطنها بحنان تمسدها في رفقٍ وقالت باسمة: = أنا أول ما عرفت إني حامل خفت أوي أحسن تكون بنت وتواجه اللي أنا واجهته! بس يا رب فعلاً أكون قد قراري وما خلاهاش تعيش حاجة من اللي أنا عشتها. هزت رأسها بتفكير وهي تتحدث بأمل: = بس يعني أعتقد دلوقتي الموضوع قل عن زمان، رغم إنه أكيد في ناس بتصمم تعمل لبناتها. لكن دار الفتوى والقانون اتحرك شوية في المواضيع دي. وبقى محرم شرعاً ومجرم قانوناً!

كله بسبب قلة الدين والمفاهيم الخاطئة عن الصحة، باعتبار الختان وسيلة للحفاظ على العذرية وتهيئة البنت للزواج وزيادة المتعة الجنسية للذكور. وفي ناس بتعتبره في بعض الثقافات، طقساً للبلوغ وضرورة للزواج. أجابتها حنين بوجه ممتعض، ونظرات قاتمة: = مش بقول لك كل مصيبة بتحصل للبنت لازم يكون سببها الموضوع ده. بذمتك بقى ليا حق أكره وأقرف منه ولا لأ؟

يعني اهو بتهيئ البنت للموضوع ده من وهي صغيرة. طب الراجل ما فيش أي حاجة بتهيئة ليه؟ إنهم يعرفوهم إزاي يتعاملوا مع البنت في المواضيع دي مثلاً؟ نكست رأسها في أسفٍ ثم ردت بتأكيد على كلماتها:

= تصدقي معاكي حق. ليه صحيح زي ما بيفضلوا يدوا نصايح وطقوس يعملوها للبنت، يعملوا حاجات شبه كده من خلالها ينصحوا الراجل كمان. على فكرة في رجالة كتير أصلاً ما بتكونش فاهمة يعني إيه علاقة وزواج، زي البنت عادي، بحيث أول تجربة ليهم. بس في مجتمعنا بتكون فاهمين للأسف تهيئة الراجل للزواج بالفرجة على مقاطع مش كويسة؟

أو برشامة يديه له في الخباثة بالفرح مع سيجارتين ملفوفين. آه، ممكن توصل كمان إنهم يجيب له واحدة يجرب معاها عشان يشوف نفسه جامد وما فيش زيه ولي في الموضوع ده ولا لأ. وطبعاً دي كلها أمور غلط وحرام. وبعد كده بنسأل ربنا مش راضي علينا ليه وبنقع في مشاكل كتير في بداية جوازنا، ولا طول حياتنا بسبب المفاهيم دي. استدارت لتواجهها مبتسمة بمرار وهتفت بتحفزٍ:

= وطبعاً لما يعرفوا الحاجات دي رغم أنها حرام وغلط، ما حدش هيقول كده طالما الراجل إللي بيعملها. عشان كده بقت متكررة كتير ومنتشرة. إنما لو العكس القيامة تقوم وتوصل للقتل. استغلت أمل تلك النقطة لتوضح لها بمنطقيةٍ: = بصي يا حنين، كره أي ست للعلاقة الزوجية ما بتخرجش عن الاحتمالات دي؟

التنشئة الغلط ودي أكبر كارثة بيواجهها البنات. منا أول ما تبدأ تطلع الشارع وهي طفلة وترسيخ في عقلها الخوف والحذر وعدم الأمان، ودايماً عرضة للتحرش أو الاغتصاب، فلازم دايماً تكون حذرة. والتعليم بيكون بصيغة التانيب وليس الحماية. يعني لو حصلها فدا خطأها و هتنضرب أو هتنتقد، فبيترسخ عندها عقدة ذنب لكونها مجرد أنثى. من قبل ما حاجة حتى تحصل، فما بالك لو حصلت. التوعية بأن لازم تاخدي بالك وتيجي تقولي، ولو حاجة حصلت محدش يزعقلها بل يجيبلها حقها، فتبقى أقوى وأشجع في حياتها.

احتفظت الأخرى بصمتها، بينما الطبيبة ما تزال تخبرها بجديةٍ:

= ثانياً: وهو الفهم الغلط الحرام للعلاقة الجنسية في الدين وتشويهها بحجة أنها كده حماية للأطفال، أني أكرههم فيها وأحتقرها عشان أحفظهم من الخطأ. دا بيكبر مع الطفل بالذات في البنات، وبتشوف إن الشهوة أو النشوة أو طلبها أو حضورها دي حاجة، كفر ورذيلة وذنب، وأنها إنسانة هيّاجة ومش متربية. فده اللي بيترسخ في ذهنها طول فترة حياتها. وده من أكبر الأسباب وأقواها على الإطلاق في تشويه الأمر ده عند البنات. فبيتخزن عندها في عقلها إن

العلاقة غلط وكثرتها حرام، وأنها كده إنسانة مش كويسة أو مش متربية. وده أساس الغلط، لأن الدين لو اتفهم صح هتعرف إنها بتاخد حسنات على العلاقة مع زوجها، وحسنات على اهتمامها بنفسها وتهيئتها، وحسنات على الحمل والخلفة والتكاثر. وأن إتيان الشيء ده في الحلال من أكبر الأشياء المحببة للخالق، لأنها بتكون تحصين للزوجين من الخطأ، وده خذلان للشيطان وكيده.

غامت ملامح وجه حنين بشكلٍ ملحوظ، وانعكست الصدمة وعدم الاستيعاب على نظراتها إليها، كونها لأول مرة تسمع هذه الأمور وتفهم الوضع بالشكل الصحيح، وليست كما كانت تتخيل ويصل إليها من تصرفات وحديث من حولها بجهل وأسلوب خاطئ. فحاولت أمل تلطيف ما نطق به لسانها بترديدها مضيفة: = إنما الرهبنة والانعزال دي مبادئ حرمها الإسلام. فتخيلي ربنا مديكي متعة وأنتِ بترفضها وتحتقريها!

فلازم لعلاج النقطة دي قراءة جيدة في الشرع وتعليم أساسها من الشرع وفضلها، ونبعد عن كلام المضللين وكلام الشيوخ التجار اللي بيدوا الرجال أكثر من حقهم. فلازم تفهمي حقك وواجبك صح. ومن الشرع ده واجب عليكي إنك تفهمي وتوعي بناتك. واتعلمي حتى لو عندك ستين سنة. لو ما استفدتيش هتفيدي بناتك وحفيداتك وأي بنت هتيجي تسألك أو تاخد بمشورتك. بالكاد حاولت الحفاظ على ثبات صوتها وهي تكمل:

= لازم ناخد بالنا أن التحرش ممكن يجي من أفراد الأسرة نفسها كمان، ومش بس من الجنس المقابل، ممكن يكون من نفس النوع. ودي بتبقى كارثة أكبر، لأنها ميكس ما بين الخجل والحزن والتشوه الجنسي، وللأسف كمان الذنب لو حصل استمتاع في الحادثة دي لأي سبب، سواء الصغر أو انعدام الخبرة أو عدم معرفة الحلال والحرام والصح والغلط. وقتها يكون أثرها دائم في ذاكرة الشخص، خاصة لو حصلت بشكل متكرر من نفس الشخص أو مواقف كتير، ومش بتتمحى غير بتعامل دكتور نفسي متخصص في الحوادث دي. ولازم يعرفوا أنهم الضحية في الأمر ده، فتخلوا عن الإحساس بالذنب وعالجوا أنفسهم، لأنهم يستحقوا العلاج والشفاء والمضي في حياتهم بسعادة.

مش أنا قلت لك أحسن حاجة اللي عملتيه لما قلتي: "أنا اتعلمت من تجربتي ومش هعمل ختان لبناتي". هو ده. اخلقوا من حادثتكم بطولة وساعدوا غيركم. ندهشت حنين من عقلانيتها الزائدة عن الحد، عن تلك الأمور ومعرفتها الجدية التي تصيبها بالدهشة وجهلها الخطير عن تلك المعلومات. إلى أن أتت تعليقاتها التي كانت صادمة لها:

= الأعراف والتقاليد خاصة لما بتكون خاوية ملهاش أي أساس من الصحة. مبتحترمش رغبة البنت إنها مش عايزة تتجوز أو مش جاهزة أو محتاجة تهيئة وتوعية قبل دخولها المرحلة دي. وده طبعاً تقصير وتخلف حياتنا وتوارث تشوهها عبر الأجيال. فبيبقى عيب تسأل وعيب حتى تدور وعيب كمان إنها تطلب تتجوز لو رغبتها عالية. والنقطة دي علاجها سهل، لأن التوعية دلوقتي ممكن أي حد يروح كورس أو دورة أو يروح لأخصائي أو طبيبة، أو حتى يبحث عن فيديوهات توعية مجانية على اليوتيوب. الموضوع أسهل من حال زمان. ودي في أيدينا للي عايز. ولازم نعرف أن فيه أشخاص منعدمة الرغبة في الجنس، وفيه ناس.. رغبتها عالية جداً.

ارتضت حنين بما ظفرت به منها بقليلٍ من الابتهاج والفهم الصحيح لتلك المفاهيم، فردت في دهشة كبيرة وحزن: = أنا حاسة إني أول مرة أسمع الكلام ده؟ وأول مرة أعرف إن العلاقة الزوجية عليها حسنات قصاد ما أعملها مع جوزي ولا أجهز نفسي ليها. هتفت تخبرها بملامح متجهمة، قبل أن تنهض من أمامها وتتقدم جوارها:

= ما ده للأسف برضه غلطة من أهالينا، إنهم مش مخلينا حتى نفهم ديننا صح في النقطة دي. الجنس غريزة ربنا جعلها في الإنسان لحكمة، مثل غريزة الطعام والشراب. هل يلام حد على غريزة الطعام أو الشراب؟ وكذلك ممكن يشبعها الإنسان من حلال أو من حرام. عاودت التحديق في وجه حنين وأخبرتها بنبرة ذات مغزى:

= أنتِ عندك زوج بيحبك ويشتاق ليكي، فدي نعمة احمدي ربنا عليها. في غيرك نفسها وتتمنى الزواج ومش عندها، وخايفة تعصي ربنا لدرجة تبكي بالدموع لأنها تحتاج للجنس وما عندهاش القدرة. وفي اللي عندها زوج ويشتاق لغيرها لأنها مش قادرة لمشاكل عندها خلقية أو غيره. وأنتِ بفضل الله عندك اللي يشتاق لحضنك. فبلاش تجحفي نعم ربنا اللي وحده هو اللي أنعمك بيها. صمتت أذنيها عن كلامها، فنفخت في سأمٍ واقتضبت في الرد وتكلمت بنبرة معاندة للغاية:

= بس هو راح لحضن غيري وما استحملش زي ما كنت فاكرة. وأول ما فكر يبعد عني اتجوز عليا، وكمان مين صاحبتي. أنا معترفة إني قصرت في حاجات كتير معاه وكنت بهرب قاصدة من العلاقة وأهمله عشان كنت ببقى خايفة لما يحصل تقرب ما بينا الموضوع يقلب لطلبه للعلاقة. بس يعني ما توصلش لكده. ما كان قدامه حلول كتير أو يستنى عليا شوية لو هو بيحبني زي ما قال فعلاً.

كانت الأخرى جيدة في قراءة تعبيرات الوجه، وعلمت من قسماتها أن استمرارها بالضغط عليها لن يؤتي بالنتائج المرجوة، لهذا ادعت تراجعها عن الأمر وقالت بتلميح دبلوماسيةٍ:

= ممكن ما كانش قدامه حل وقتها غير ده، وضعف زي أي حد. ما إحنا مش ملايكة برضه. لاقى نفسه بقيله خمس شهور متجوز من حب حياته واللي كان فاكرها برضه بتبادله نفس الإحساس، لكن طول الوقت في المقابل كانت بتبعد عنه وهو صابر وادي أعذار ممكن مكسوفة مش واخدة عليه، لحد ما زهق و واجهها مرتين. أول مرة فكرت إنها تهرب كعادتها وتغضب عند والدتها. وثاني مرة ما عرفتش تهرب لما لقيت نفسها غلطت غلطة كبيرة هي ما كانتش راضية عنها. بس عشان تطلع

من الاتهام اللي قاله إنها باردة، قالت الحقيقة وزودت عليها شوية بصراحة ووجعته كرجل أوي وخدها على كرامته وما قابلهاش. ومع أول واحدة قابلها في حياته أو الله أعلم كانت نواياها إيه واشتغلت على النقطة دي، حس أنه بالطريقة دي هينتقم لكرامته ومنها. أنا مش بدافع عنه، بس بحاول أفكر بنفس النظرية اللي فكر فيها.

لحظتها خفق قلبها وتجمدت في موضعها بقليلٍ من الكبرياء الجريح وهي ترمش بعينيها بسرعةٍ لتطرد ما علق من دموع في أهدابها، ثم خاطبتها وتساءلت بصوتٍ جاف: = طب لما هو كده، ليه ما فكرش يعرضنا على دكتورة من الأول أحسن ما يتجوز عليا ويقرب من غيري؟

ويختار أقرب واحدة ليا، أو هي كمان استغلت الفرصة ويجرحوني بالطريقة دي. أنا مش قادرة أتخيل اللي عمله فيا، حتى لو أنا غلطانة. لأ، هو ما يستاهلش أن أسامحه. ده اتجوز عليا ولمس غيري. مين عارف ممكن يعملها ثالث لو فكرت أسامحه ويرميني أنا وعياله. وعلى رأي ماما بعد كده ما يصرفش علينا لما الجديدة تاخد الجو كله وتتحكم فيه. مطت فمها وكأنها استغرقت في التفكير الزائف، لتردد بعدها بصراحة: = أقول لك على حاجة وما تزعليش مني؟

أنتِ لاقية لي أعذار كتير وممكن قد تكوني مسامحاه كمان من جواكي، لأن لاقية له مبررات كتير. بس مشكلة والدتك ووالدك هي اللي واقفة سد في طريقك، وبتحاولي تعاقبي بدل ما تعاقبي والدك على اللي عمله زمان فيكم. لكن أنا آسفة يا حنين، أنتِ بتنتقمي من الشخص الغلط. وأول ما عرفتي إنه اتجوز عليكي، طبيعي غيرتك اتحكمت فيكي شوية، بس اللي زاد وغطى أكتر إنه عمل نفس اللي عمله والدك، ومن وجهة نظرك إنه هيكمل بنفس الطريق.

تشتت حنين نظرتها عنها عندما خاطبتها الدكتورة بتحذيرٍ صريح:

= طبعاً ما حدش عالم الغيب وما حدش عارف ممكن فعلاً يعمل كده أو لا، بس الشخص اللي قدامي واللي لسه متمسك بيكي لحد دلوقتي واتلكك أول ما عرف إن فيه أسباب مخلياكي كنتي بتمنعي نفسك عنه غصب عنك ومش بتكرهيه، والعيب فيه زي ما فهمتيه واتهمتي آخر مرة، وطلق البنت اللي اتجوزها عشان عنده أمل إنك توافقي تسامحي وترجعي. وأول ما قابلني بالصدفة فكر على طول إن يعرضك عليا عشان يحل الموضوع ده وتتعالجي ويكمل حياته معاكي. يعني أعتقد حاجات

كلها تبين لك قد إيه هو بيحبك وشريكي ومش هيبيعك لو اديتيله الفرصة الثانية. بصي يا حنين، فكري أكتر في الواقع. نادراً ما بنلاقي راجل كويس ومتفهم في الأمور دي بالذات. فبلاش تضيعي من إيدك. غلط آه غلط، لكن أهو بيصلح غلطته. يبقى ليه ما تفكريش؟

زي ما هو كمان سامح وعدى كل اللي عملتيه في زمان برضه. مش كده؟ تأملتها بنظرات حزينة ملأت حدقتيها، فتشعر بأنها كانت قليلة الحظ فيما يخص شئون العائلة والزواج، وكأن الشقاء والهموم قد ترك بصمته على وجهها. فكانت محقة في الجزئية الأخيرة، الاثنين أخطأوا والاثنين أيضاً يبحثون عن تصليح الأمور ومن ينتظر النتيجة بالاخير للفرصة الثانية.

بالنسبة لها مر الوقت بطيئاً محملًا بالمشاق والتعب، فما إن تنتهي من إنجاز شيء حتى تنتقل لآخر، وهي بالكاد تحاول البحث عن قليل من الراحة وسط كم المهام التي ألقت فوق رأسها منذ الصغر. بينما صممت أمل على اقتراحها بجديةٍ صادقة: = حبي زوجك يا حنين. فكري تدي

فرصة ثانية وقولي لنفسك: "عيشي السعادة في الحلال مع زوج محب". عيشي أجمل ما في الحياة بحب، وعلى كل ذلك أنتِ مأجورة من رب العالمين. خير نسائكم الودود التي تتودد لزوجها. قربي من الله بطاعة زوجك بالحب. ابتلعت غصة مريرة في حلقها، ولم ترد، إنما ظلت شارده الذهن آملة أن يأتي اليوم الذي تشهد فيه ابتهاجها بالفعل، ورغم قدوم أحدهم خصيصاً لأجلها. لكنها ما زالت مترددة.

تولت الأيام مع حنين متابعة إنجاز كل الأعمال المطلوبة من قبل الطبيبة في التحسن بحالتها النفسية للأفضل، وترتيب حالتها لاحقاً بشأن اتفاقيات جديدة مع طارق. الذي قد اتفقوا عليها هو والطبيبة في السر. فحتى الآن لم تعطيه حنين إشارة واضحة في إكمال علاقتهم، وهو لم يضغط عليها بأمر من الدكتورة أمل، رغم أنه يشعر بالضيق وعدم الصبر ليعرف قرارها النهائي، خصوصاً بأن الشهر قد مضى.

ولكنها لم تستطع المضي بالكامل بسبب افتقادها لطارق، الذي لم يكف يوماً عن القدوم معها والاطمئنان على أحوالها. لكنها بكل تأكيد لم تظهر ذلك. لكن لم تستطع إنكار أنه كان رجلاً بحق. فرغم كل ما حدث، ما زال جانبها ويساعدها في التقدم والشفاء من تلك الحالة. في عيادة الطبيبة أمل، نهرها طارق بنظرة صارمة من عينيه:

= طب لما هو الحمد لله بقى في تحسن في حالتها كبير، ليه لحد دلوقتي منعاني أتكلم معاها عن موضوع رجوعنا لبعض أو هي حتى تلمح لحاجة زي كده؟ خلاص فات ثلاث أسابيع وما فاضلش غير أسبوع واحد. الخوف لبعد كل ده واللي عملته تطلب الطلاق وتصر عليه. ردت عليه الدكتورة أمل بهدوءٍ:

= عشان لو كنت كلمتها في الموضوع ده حالياً، كانت هتفكر إنك بتعمل كده مخصوص عشان بس مصلحتك مش مصلحتكم أنتم الاثنين. وعشان تثبت لها إنك أهو رغم إنك عارف عيوبها، جبتها عند دكتور نفساني ولسه جنبها. الحالة النفسية اللي كانت فيها، كانت هترجم أي فعل كده. ارتخت تعابيره المشدودة نوعاً ما وهو يقول بصدق:

= بس أنا والله ما أقصد كده. لو في نيتي كده، هكمل معاها ليه من الأول. أنا بعمل كده عشان بحبها فعلاً. أنا نفسي نكمل مع بعض وبحاول أكفر عن الذنب اللي عملته واتسرعت بدل ما فعلاً أحاول أركز بأسبابها إيه للموضوع ده. بس هي ما كانتش بتديني برضه الفرصة. أشارت الدكتورة بيدها مؤكدة وهي تقول:

= أنا فاهمة كل ده وبحاول أوصله لها على فكرة في كورسات علاجنا أوقات. على العموم، الفترة اللي جايه فعلاً لازم تبدأوا تتكلموا في موضوع علاقتكم عشان نبدأ ندخل على مرحلة علاج ثانية. زفر بتأففٍ وأصوات الهمهمات المتداخلة تحاصره من كل جانب وهو يردد بحذر:

= هو مش حضرتك قلت لي من ناحية العقد اللي كانت فاهمها غلط وهي صغيرة أو كبيرة والمواقف اللي كانت بتتعرضلها من أهلها، دي خلاص أقدر أقول إنها اتحلت وهي ابتدت تفهم الصح يبقى إيه اللي فاضل. منحته الدكتورة أمل نظرة داعمة وهي ترد بجدية:

= اللي فاضل أهم نقطة في حياتها بعد الجواز أو الجوز نفسه، هتبدأ تطبق عليه المفاهيم دي ولا هترجع لنقطة الصفر تاني. وده لسه لي كروس علاج تاني هندخله على حسب رغبتها هي. عشان كده حاول تفتح معاها الموضوع قريب وتشوف هي محددة إيه في علاقتكم بعد كل المشوار اللي إحنا مشيناه معاها فيه.

في أحد المطاعم الصغيرة صارت حنين شاردة، واجمة كأنها ترسم التعاسة علامتها على وجهها الحزينة وهي تستحضر في ذاكرتها الأوقات الأخيرة التي جمعتها مع طارق قبل أن تقرر الانفصال. أحضرها من تفكيرها المشحون نبرة زوجها المتسائلا: = عجبك المكان؟

لو مش فاكرة، أول مرة خرجنا مع بعض كان هنا بعد ما اتخطبنا وكان معانا أخوكي ومراته. كنتي طول الوقت ساكتة ومكسوفة، بس أنا كان نفسي أوي أتكلم معاكي وأعترف لك بحاجات كتير. كنت مستني اللحظة دي قد إيه. بس أخوكي الله يسامحه ما كانش مديني الفرصة دي. تفتكري ساعتها لو كنا اتكلمنا، كانت حاجات كتير هتتغير. استنشقت الهواء بعمقٍ، وردت باقتضابٍ: = قصدك يعني لما تعترف بإللي جوالك وإنك بتحبني!

ما أعتقدش إن حاجة كانت هتتغير، لأن محدش كان عارف اللي هيحصل قدام، وإنك هتتجوز عليا، ولا إن ممكن صاحبتي عمري تخوني. حتى لو كانت اتجوزتك وما عملتش حاجة غلط، فده هيفضل بالنسبة لي حاجة كبيرة أوي. ابتلع ريقه بصعوبة وأجاب بصوت هاديء وعاشق:

= حنين، أنا بحبك. أنا آسف عن تسرعي وإني ما لقيتش غير صاحبتك عشان أوجعك أكتر مرة بجوازي ومرة تانية لما اخترت هي بالذات. أنا مش هدافع عن نفسي لأني مش هقول حاجة زيادة عن اللي قلتها باللي فات. بس أنا آسف عن ظلمي ليكي. أنا آسف إني سمحت لنفسي أضعف لواحدة زي دي أو لوسوسة شيطان في لحظة وأروح أعمل غلطة زي دي من غير ما أفكر في عواقبها. أو فيكي. بس أنتِ أكيد متأكدة إن دلوقتي بصلح أهو. أرجوكي سامحيني. أنا عايز أعيش معاكي ومع ابني أو بنتي اللي جاي، مش عايز أبعد عنك لحظة واحدة. أنا بعشقك يا حنين ومش عايز أبعد عنك.

صمتت لم تعرف بماذا تجيب، هي تخشاه أن تخوض تلك التجربة مرة أخرى وربما يكسر قلبها من جديد. ليقول بإلحاح: = بلاش سكوتك يا حنين. أنا سبتك أهو أكتر من شهر براحتك تفكري وتشوفي إيه اللي يناسبك، وحتى كمان اقترحت موضوع الدكتورة لينا إحنا الاثنين. فاظن أنا عملت كل حاجة ممكن تأكد لك إن أنا فعلاً ندمان ولسه شريكي. وحياة أغلى حاجة عندك، سامحيني. أنا مش قادر أكمل من غيرك.

مسحت دمعة نافرة من طرفها، وسحبت نفساً عميقاً لتطفئ به لهيب شوقها إليها، أثناء استماعها لما قاله. فحَرَّرت أنفاسها المختنقة هاتفه: = مقدرش أنسى اللي عملته فيا بصراحة. كل ما أفكر أسامح أخاف تعملها تاني وتقول لحظة ضعف، ومين عالم مين اللي جاية هتكون قريبة مني قد إيه. شوفت أنت حتى وصلتني لإيه، إن أنا مش عايزة أدخل حد جديد في حياتي. أنت كسرت قلبي وسبت جوايا جرح مقدرش أنساه بسهولة، أو صحيت فيا جرح قديم بعملتك دي. تحدث وهو

ينظر إليها برجاء وبتوسل: = وحياة ابننا اللي جاي، اديني فرصة أعوضك بيها عن اللي فات. ساد التجهم على تعابير حنين وقالت بصوتٍ مال للانكسار: = صعب أسامحك بسهولة. أخاف تعمل فيا اللي عملته. أنت.. أنت خلتني أخاف حتى إني أثق في نفسي، مش فيك. استدار بجسده نصف استدارة، وهو يقول في تحفزٍ يشوبه الضيق:

= آسف يا حنين، صدقيني أنا ضعفت مش أكتر. أنا محبتهاش. زينة كانت بالنسبالي انتقام لكرامتي. كانت قربت مني في الوقت اللي أنتِ بعدتي عني فيه في كل مشكلة بينا، وأنتِ بتهربي قاصدة وما تنكريش ده. وهي كانت بتسمعني وتتجاوب معايا في الكلام بطريقة خلتني أحس إنها فاهماني أكتر من نفسي. ضحكت بوجع وأجابت على طارق رد جعلته يتصدم ويدرك أشياء كثيرة هم الاثنان لم يلتفتوا إليها في شخصية زينة إلا متأخراً، فقالت بثقة:

= أنت ليه اتجوزتها يا طارق؟ عشان شوفت فيها اللي أنا كنت طول الوقت بمنعه عنك وبحكيه ليها؟ فشفتك الملاك اللي أنا رسمته ليها بكلامي وووصفي؟ كنت فاكرة إنك مش شايف ولا هتشوف غيري يا طارق، بس للأسف في أقرب خلاف بينا وهي استغلت الفرصة من غير تفكير. بذمتك في حقارة أكتر من كده ومهما كانت أسبابكم؟ بدأ ما تفصح عنه كالنكبات التي تحدث المزيد من التصدعات في علاقتهما معاً، وكأن الفجوة بينهما تزداد اتساعاً. تنهد بعمقٍ وقال في صوتٍ

شبه لائم: = أنا مش عايزة أجبرك على حاجة، بس أنا عايزك تتأكدي إني بحبك وهفضل أحبك. رغم شعور الضيق الذي اجتاحها لحظتها إلا أنها تغلبت على مشاعر الضعف هذه وقالت بإصرارٍ معاند تخفي به حزنها: = أنا مش عارفة بجد مطلوب مني أسامح ولا أدي أعذار لمين ولا لمين؟ لأمي اللي كانت هتضيعني بس عشان كانت بتقلد كلام جاهل ملوش لازمة! ولا أبويا اللي مش بيفكر غير في مصلحته وبس. هز رأسه بعدم معرفة وهو يقول بتبرير:

= يمكن هي معذورة بتدور على مصلحة بنتها، خايفة زيها زي ستات كتير بتعمل كده ومش عارفة الخطر اللي بيتعرضوا له ولادها. وفاكرة بالطريقة دي بتحوط وتحافظ على بنتها. تطلعت نحوه ونظرات القهر في عينها ظاهرة، فقالت بصوتٍ شبه مختنق: = مصلحة بناتنا في إننا نواعيهم بالكلام والنصيحة، وتبقى الأم صاحبتها مش عدوتها. تعرف مش المفروض دايماً

بيقوله أهالينا: "لما تبقوا عندكم ولاد هتعرفوا قد إيه إحنا بنحبكم وبنعمل كل ده عشان مصلحتكم". اهو أنا بقى الأمور حصلت معايا بالعكس. أول ما حملت حسيت إني هكون أم، عرفت قيمة اللي كانت بتعمله معايا. وللأسف ما عذرتهاش هي ولا أبويا. لأن أول حاجة حسيتها ناحية ابني أو بنتي اللي جايين، الخوف إني أعمل كل حاجة عشان أساعدهم مش أضرهم باسم الحب. لاحقها بحديثه، بطريقة أوحت برغبته في التودد إليها بتفكير بصوت عالٍ:

= مش ملاحظة إنك بتبلغي شوية يا حنين؟ طبعاً معاكي حق، ولو اللي أنتِ بتحكي فيه ده ما كانش ضرك بالطريقة دي من زمان ودلوقتي مش عارفين نحل مشاكلنا من تحت رأس عمايلهم فيكي. بس صدقيني لو جيتي تواجهيها مش هتعرف تستوعب إنه غلط. هي اتربت في الزمن ده كان بيحلل وكله بيعمل كده، يمكن لو إحنا مكانها برضه كنا هنعمل كده في ولادنا. أنا مش بحلل طبعاً، بس مش عايزك توصلي للمرحلة إنك تكرهينا عشان حاجة فعلاً عملناها وإحنا مش مدركين.

بدأت تدمع وتبكي وهي تسمع كلامه، لكن بكائها زاد وهي تشعر بأن ذلك الحديث جاء متأخراً. ظلت قليلاً هكذا حتى توقفت عن البكاء بهدوء، وبدأت تفكر في حديث الطبيبة الذي بقى داخلها. أنها تريد أن تسامح وتعطي فرصة ثانية؟

لكن دائماً تضع طارق في مقارنة بينه وبين والدها، لذلك تريد أن تنفصل عنه حتى تفعل ما رغبت أن تفعله والدتها. لتخرجه من حياتها بلا عودة. لكن يجب أن تعلم شيئاً مهماً للغاية، بأن طارق ليس والدها، وهي تنتقم هنا من الشخص الغلط. نظرت له من بين دموعها المنسابة وقالت بنبرة مؤلمة للغاية:

= يمكن، مش عارفة. أنا بدأت أفكر في كلام الدكتورة، اللي أنا بعاقبك ومصرة ما أرجعلكش عشان شايفه فيك صورة بابا، وكان نفسي ماما تعمل ذيي من زمان. معقدة بقى، طلقني أحسن يا طارق وابعد عني. قلب طارق اتقبض وهو ينظر إليها وعينيه بتلمع، لكنه رد عليها بحنية وهو يمسح دموعها بيده:

= حنين، أنا بحبك أوي، وأوعدك أعيش مخلص ليكي طول عمري لحد ما أموت. عشان كده عمري ما أيأس أو أزهق وهفضل دايماً عندي أمل إنك تسامحيني. الإنسان بيغلط، وأنا غلطت واعترفت بغلطي وطلقتها وندمان، وأنا عايز منك فرصة واحدة بس أثبت لك فيها إني بجد بحبك وإني مقدرش أعيش من غيرك، وإنك أجمل حاجة حصلت لي في حياتي. وحقيقي لو الزمن رجع بيا، عمري ما هفكر أكرر غلطتي تاني. كانت تنظر إليه بحيرة، هل توافق أم ترفض؟

لكن قلبها رغم عنه بدأ يحن له من جديد، وأنها ما زالت تحبه. ومن بداية اهتمامه الذي عاد من جديد وبهذه السرعة، وبدأ يساعدها رغم كل ما فعلته من أخطاء تجاهه، إلا أنه لم يتركها بل ساعدها في مرحلة الشفاء لتغير قيم ومفاهيم كانت تتشكل داخلها عقد كثيرة تمنعها من ممارسة حياتها بالشكل الصحيح. لكنها هل ستستطيع النسيان؟ وهنا تذكرت حديث الطبيبة من جديد عندما شجعتها قائلة:

= مش عيب إنك تديله فرصة ثانية، يمكن الفرصة دي هي اللي تخلي بينكم الحياة أحلى وأجمل بكتير، والفرصة دي هي اللي تخلي طارق يعمل المستحيل عشان يسعدك ويبذل أقصى جهد عنده عشان يحافظ عليكي وعلى الفرصة اللي اديتهاله، وخصوصاً بعد ما عرف قيمتك. فكري كويس يا حنين، انتوا الاثنين غلطتوا وأنتم الاثنين لازم تبدأوا الصلح، مش واحد بس والثاني يقف يتفرج، زي ما اتعودتي طول الوقت بسبب الأفكار اللي كانت في دماغك غلط.

راحت حنين تنظر إلى من حولها بشيءٍ من الخوف الممزوج بالحزن. كم تمنت أن تجد عائلتها إلى جوارها تشد من نفسها في اللحظات العصيبة. لكن ما تذكرته قبل وقوعها هنا كان سبب كافي لبعد أسرتها عنها. ألقت وراء ظهرها هذه المشاعر المحبطة ونفضت عنها تفكيرها وما يعيق تلك اللحظة، وراحت تخاطب نفسها بعزيمة: = مش هخليك تتحكم في حياتي حتى وأنت مش موجود. أنت عمرك ما كنت ليك وجود في حياتي أصلاً يا بابا عشان تتحكم في حياتي حتى وأنت مش فيها.

جاهدت لإخفاء عِظمة لوعة اشتياقها؛ لكنها لم تستطع، فمشاعرها طغت عليها فقالت ببحة من أثر البكاء: = أنا موافقة على الفرصة الثانية يا طارق. امتلعت عينيه بسعادة غير مصدق ردها، ليقول بصوت رومانسي ناعم: = وحشتيني يا حنون. حاولت حنين الابتسام وهي تجيب بصوت خافت: = وأنت كمان. نهض من مكانه واقترب منها وهو يتلمس بطنها بأصابع يده ليرد بنظرات عشق: = حبيبي، أنت كمان وحشتني أوي أوي يا عمري كله. أنا مشتاق أوي أشوف ابننا. تنهدت

قبل أن تجاوبه مبتسمة: = أو بنتنا، مين عارف. الحمدلله إن ربنا أكرمنا بنعمته. زفر دفعة من الهواء وهو يبتسم بنشوة عارمة، ثم عاد لينظر ملء عينيه لحبيبته وخاطبها في سعادة أكبر: = الحمدلله طبعاً. عارفة يا حنين، أنا بحبه أوي من قبل حتى ما يجي الدنيا وألمسه بإيدي. أضاف وهو يقبل يدها بحنان:

= لأنه قربني تاني ليكي ورجعنا بعض. أنا مش قادرة أصدق إن أنتِ خلاص سامحتيني وهنفتح صفحة جديدة كلنا مع بعض. إيه رأيك نروح نطمن عليه أنا وأنتِ مع بعض عند الدكتورة؟ كانت في تلك اللحظة خائفة لكنها سعيدة من داخلها من تمسكه بها حتى آخر الوقت وقلبها طاير من الفرحة. لذلك قررت أن تعطيه فرصة. هزت رأسها بالايجاب ثم أطرقت رأسها في خجل، بينما ظل طارق يربت على يدها ويلمس بيده الأخرى بطنها، ثم انحنى برأسه على وجهها

يقبلها من رأسها ويهمس: = ربنا يخليكو ليا انتو الاثنين وما يحرمنيش منكم أبداً. استقام طارق فجأة واقف وتلفت حوله بنظراتٍ حائرة، قبل أن تثبت عينيه على الدكتورة أمل ليسألها بانزعاج قوي: = نعم!! لا أفهم بقى معلش يعني إيه ما ترجعش البيت ونفضل كده بعاد عن بعض رغم إنها وافقت تديني فرصة تاني وسامحتني؟ جري إيه يا دكتورة؟ هو انتِ معايا ولا عليا؟ لم تبدُ الدكتورة أمل مكترثة بحالته الغاضبة وهي تؤكد عليه بتوضيح:

= يا سيدي معاك وعايزة مصلحتكم أنتم الاثنين. افهمني بس كويس زي ما أنا شرحت الموضوع لحنين وهي وافقتني جداً. صدقني لو رجعتوا لبعض بسرعة احتمال كبير ترجعوا زي الأول وما فيش حاجة تتصلح. لازم الأمور تتاخد بالتدريج. ظل على حيطته وهو يسألها باستنكارٍ محسوسٍ في نبرته: = طب هو أنا اعترضت ما ناخد الأمور دي بالتدريج في بيتنا! هو حد قال لك إن أنا شخص راجعي؟

ما أنا اللي جايبها هنا من الأول وعارف كل الكلام ده وإنها بفترة صعبة والأمور مش هتيجي بسرعة ومحتاجة هدوء وصبر مني، ودلوقتي هتعامل كده لأني فهمت اللي فيها. إنما عكس زمان ما كنتش فاهم ولا مستوعب هي بتعمل كده ليه وكانت بتسيبني لدماغي تمشيني بحاجات غلط. حاولت الحفاظ على جديتها وهي تجيب مقتضبة:

= يا أستاذ طارق، أنا عايزكم تعيشوا مرحلة كأنكم لسه مخطوبين وبتتعرفوا على بعض وتعرفوا تشوفوا عيوب بعض الوحش والحلو، طالما ما جاتلكوش الفرصة تعملوا كده من الأول. وحتى بعد ما تخلصوا من المرحلة دي، واحدة واحدة هتبدأ كمان ترجع البيت عشان ندخل في المرحلة الثالثة. وده لما يحصل بالطريقة اللي أنا مرتباها، صدقني مش هتقدروا تستغنوا عن بعض وهتعرفوا قيمة بعض فعلاً. اتسعت عينا وارتبك قليلاً، ثم حمحم مرددًا بغيظ:

= كمان حتى البيت لسه فيه موال تاني! أنا اللي جبته لنفسي الظاهر وأنا اللي كنت فاكر أول ما تخلص العلاج هنا خلاص كل حاجة تمام كده وهترجع معايا البيت. غامت ملامح وجه طارق بشكلٍ ملحوظ، وانعكس الضيق على نظراته. فحاولت حنين تلطيف ما نطق به لسانه وهي تقول حديثها المتحمس إليه: = وبعدين يا طارق، أنت رافض ليه الفكرة؟

بالعكس أنا فاهمة وجهة نظر الدكتورة وشايفة إنها معاها حق. ولا أنت بقى عايزنا نكروت علاقتنا وبعد كده نرجع نشتكي ونقول العيب في مين ونجيب الحق على بعض ويا عالم بالمرة الجاية إيه اللي هيحصل؟ مش قادر يعني تستنى شوية كمان صغيرين. بالكاد انزاح الضيق على ملامحه ليغمغم في صوت مسموع ومصحوب بتنهيدة متحسرة: = شوية صغيرين! حاضر. هو أنا عندي حاجة غير الصبر. يعني إحنا دلوقتي بقينا في حكم المخطوبين وأنتِ حامل مني، مش كده؟

بدأت الجلسات الأخرى بالفعل وحاولت حنين أن تواظب على الحضور، ولقد تحسنت العلاقات كثيراً بينهما وحاول طارق أن يبذل ما في وسعه لتعويضها عما فات. وبالفعل شعرت حنين باختلاف الحال معها وبما يحاول فعله من أجلها. لذلك حاولت هي الأخرى عدم التفكير في الماضي والانتصار على خجلها وتلك المفاهيم الخاطئة التي تربت عليها منذ الصغر للأسف.

ولم تكن الأمور لدى طارق في مرحلة الخطوبة كما كان يسميها سيئة، فكانت أسعد لحظاتهما معاً حينما يخرجون للتنزه سوياً ويتعرفون على بعضهم من جديد، أو يتابعان نمو طفلهما في أحشائها. فكان يحتسب طارق الشهور الباقية لكي يراه أمام عينيه ويحمله بين ذراعيه.

بينما الأمر لم يختلف عن حنين كثيراً، وأصبحت تبادله وتصرح في كل شيء. مثلاً في الحب وفي العشق وفي رغبة وصول ابنهما إلى عالمهما الذي يحاول بكل جهدهما الإصلاح ليأتي وينشأ في بيئة جيدة وصالحة له.

بدأت حنين تتعلم طبيعة العلاقة الجنسية من الكتب التي استلفتها من الدكتورة أمل، وبعضها كان يشرح أصول العلاقة الجنسية في الإسلام. بعد أن ناقشت الطبيبة مشكلتها معها، واكتشفت أن عدم التجاوب ناتج عن التربية السيئة والأفكار الخاطئة والخوف والقلق، بالإضافة إلى ختان الإناث الذي يسبب صدمة للمرأة في صغرها، وأيضاً أنانية الزوج أحياناً في الاستمتاع بمفرده دون مراعاة رغبات زوجته.

لكن طارق لم يكن من هذا النوع، رغم زواجه من امرأة أخرى، فقد خضع للعلاج معها وصارح الدكتورة بكل تفاصيل حياته قبل وبعد الزواج، ونصحته الدكتورة أمل بالتريث وعدم الاندفاع والعمل على استحضار مشاعرهما معاً، حتى تكتمل العلاقة ويتوافقان في تلبية رغباتهما معاً لتحقيق نجاح علاقتهما.

وبالفعل بدأت حنين تحب وتستمتع بتعليم هذه الأمور بالطريقة الصحيحة من الكتب التي اقترحتها عليها الطبيبة، ومن جلسات العلاج التي كانت تحضرها بانتظام. ليتهم كانوا يعرفون كل ذلك بدلاً من الشجار لأتفه الأسباب، ومما جعل طارق يتهمها بالبرود الجنسي ودفع حنين لترك منزل الزوجية والعودة إلى منزل والدتها، دون أن تصارح أحدًا بحقيقة زعلها مع زوجها، وحتى عندما علموا بالحقيقة لم يفهمها أحد جيداً.

كانت حنين مندمجة في القراءة حتى أنها لم تشعر بوالدتها التي دخلت لتتحدث معها بشأن عودتها لزوجها، فهي حتى الآن لا تفهم ماذا تريد. وإذا كانت لا تريد زوجها، فلماذا تخرج معه كل فترة وتعود من جديد هنا؟ لم تعد تفهم هذا الأمر، هل ستنفصل أم ستكمل معه؟ وقبل أن تتحدث زينب لمحت اسم الكتاب الذي تقرأه، مما أصابها بصدمة كبيرة: = يا نهارك أبيض! إيه الكتاب اللي أنتِ ماسكه فيه إيدك ده وعماله تقري فيه؟ إيه قلة الأدب والسفالة دي!

انتفضت حنين بذعر وسرعان ما أخفت الكتاب عنها وقالت بخوفٍ: = و آآ.. و.. لا حاجة. أمسكت بها والدتها من ذراعها تضغط عليه بقبضتها وهي تسألها في نبرة لائمة: = هو إيه اللي ولا حاجة؟ هو أنتِ مفكرة إني مش واخدة بالي من الاسم؟ هو ده يا أختي اللي منعك ترجعي لجوزك؟ هو في إيه بالظبط؟ أنتِ مالك يا بنت؟ حالك ما بقاش عاجبني كده ليه؟

وحتى جوزك رافضه ترجعيله ومن ناحية تانية بتخرجي معاه، وفي الآخر أدخل ألاقيِك بتقري في كتاب عن الجنس. اخص الله يكسفك. نفضت يدها عنها وهي تجيبها بشجاعة: = آآآه، حاسبي دراعي. قلت لك مش بعمل حاجة غلط. وبعدين فيها إيه يعني؟ هو أنا صغيرة لما أقرأ حاجة زي كده وأتعلم؟ طالما ما جتش منك زمان. وكنتي فاكرة لما تعمليلي ختان كده بتعلميني ولا بتمنعيني من التفكير في الحاجات دي وتخليني آخد عنها فكرة غلط؟

صاحت بها زينب بصوتٍ حانق، ووجهها قد اشتعل غضباً: = غلط وصح إيه؟ ده أنتِ فجرتي على الآخر وعايزة اللي يربيكي. وأنتِ مالك بالحاجات دي أصلاً حتى لو متجوزة! يا قليلة التربية وكمان عايزاني أعلمك الكلام ده. ما القرف ده هو اللي مخليكي جايبة الخراب لنفسك ولبيتك. تأوهت حنين من الألم، ونظرت إلى أمها بحزن قبل أن تهدر منفعلة:

= أنا مش قليلة التربية لما أطلب منك تعلميني حاجة زي كده، ولا أتعلمها من الكتب الكويسة أحسن ما أسأل حد غريب ويعالم هيقولي إيه. يا ريتك كنتي فهمتيني أحسن ما ربيتولي عقد بسبب مشاكلكم وبقيت معقدة وبتعالج بسببك وبسبب بابا! اتسعت عينا زينب بصدمة كبيرة وهي تردد كلماتها على سمعها بانتباه…!!!!

في وقت لاحق، أسرع طارق نحو منزل حنين وهو يشعر بالقلق، فقد اتصلت به زوجته لتستنجد به وأخبرته أن يأتي بسرعة لأنها بحاجة إليه. وصل إلى منزلها ودخل غرفتها بسرعة ليجدها في حالة لا تُحسد عليها. فرد لها ذراعه في دعوة منه لتأتي لحضنه، وعيناه تمتلئ بهما اللهفة عليها. وعندما اقتربت منه احتضنها ثم همس متسائلاً بحيرة: = في إيه مالك يا حنين؟

صوتك كان بيعيط ليه أول ما كلمتني في التليفون، ومال والدتك واخده جنب كده وقاعدة بره وشكلها غريب. زمت حنين شفتيها بين دموعها وغمغمت في يأسٍ: = اتخانقنا مع بعض وضربتني عشان شافتني بقرا في الكتاب اللي الدكتورة أمل ادتهلي وفهمت غلط، وزي عادتها حاولت تمنعني إني أفهم أمور زي دي حتى وأنا في السن ده و متجوزة. وغصب عني قلتلها الحقيقة إني بتعالج بسببهم. تلمس ظهرها بأصابعه قائلاً محاولاً التخفيف عنها:

= طب اهدي يا حبيبتي، معلش ما حصلش حاجة. وبعدين مش أنا قلت لك حتى لو كلمتيها في المواضيع دي مش هتفهمك. خلاص يا حنين لازم نكون راضيين بالامر الواقع. هم اتربوا على كده ومش هنغير تفكيرهم. رفعت وجهها مسلطة نظراتها على زوجها مع ملامحها التي غرق فيها الحزن، وابتلعت غصة مريرة في حلقها وهي تردد بنبرة تشبه البكاء:

= أنا ولا عايزة أغير حد ولا نيلة، هي اللي ضايقتني بكلامها وخلتني غصب عني افتكر كل حاجة عملتها فيا زمان هي وبابا واتضايقت أكتر إني أصلاً بتعالج بسببهم، ويا ريت عاجب وما حدش منهم دريان بحاجة، وفي الآخر جايبة الحق عليا وبتقولي انتِ اللي بتجيبي الخراب لنفسك ولبيتك. نظر طارق للخلف ليجد الكتاب ممزقاً ليقول بتردد: = خلاص معلش، حقك عليا أنا. هي قطعتلك الكتاب. أجابته بعبوس بائن على تعبيرات وجهها:

= أيوه، كان فايدني كتير وفي حاجات كنت بقراها وأفهمها أكتر منه عشان كده الدكتورة أمل رشحته لي. بس خلاص راح، وحتى لو جبت غيره قالت لي هقطعه لك وأولع فيه. مش راضية تقتنع أصلاً إن ده علاج. مد طارق يده ليربت على جانب ذراعها، وأكد لها بلمحةٍ من الحنان: = طب خلاص اهدي، ما تعيطيش. أنا هجيب لك غيره وهجلده عشان ما يبانش من الاسم اللي فيه، ولو سألتك عليه قولي لها أنا اللي جايبته لك ودي قصة عادية هتقتنع ساعتها وتصدق.

ابتهجت ملامح حنين وكأنها طفلة صغيرة: = بتتكلم بجد؟ هتجيب لي غيره؟ نظرت له بعيون دامعة فرد بإبتسامة دافئة وهو يتحدث إليها بتأكيد: = أيوه، طالما كان عاجبك وزعلانة أوي عليه. وأنتِ برضه حاولي لما تقري حاجة زي كده تقفلي على نفسك كويس. ولا ما تيجي نرجع بيتنا وخلاص وهناك اعملي اللي أنتِ عايزاه. سحبت نفساً عميقاً حبسته لثانية في رئتيها قبل أن تلفظه هاتفه بتردد:

= لا، مش دلوقتي. الدكتورة أمل قالت لسه شوية، بلاش نتصرف من دماغنا ونمشي زي ما اتفقنا معاها عشان أكمل كروس العلاج وما تضيعش الفرصة وأخف بسرعة. مط فمه في إعجاب، وتساءل بنبرة تخللها مزيج من المشاعر: = بجد! هو أنتِ نفسك أوي كده تكملي العلاج بسرعة وما تضيعيش الفرصة عشان ترجعي البيت؟ هزت رأسها بتوتر وهي تردد بحرج: = آآ أكيد. أمال أنا بعمل كل ده ليه؟ مش عشانك وعشاني.

توهجت عيناه وهو ينظر إليها بعشق، وقد ضاعت الكلمات منه. ثم عاد يغمرها بحضنه وبحبه، فدفن وجهه في عنقها وقال بحب: = حبيبتي، أنا بحبك أوي يا حنين، وفرحت إنك لما حسيتي نفسك متضايقة اتصلتي بيا، أنا أول واحد تستنجدي به. ما تقلقيش، كل حاجة هتتصلح وأنا هطلع بره أفهمها إن انتِ مش بتعملي حاجة غلط وما تجيش جنبك تاني، ماشي. ضغطت على شفتيها بخجل وهي تردد بابتسامة عابثة: = ماشي. بس أنا كمان بحبك على فكرة.

أحنى رأسه على جبينها يقبلها بحب ثم ضمنها إلى صدره ليهدأ من روعها، فاستكنت في أحضانها، فقد أغدق عليها بحنان إنساني ما كنت فيه، منحها حبه الصادق فتجاوزت إساءة والدتها وحزنها. وفي يوم من الأيام تفاجأت حنين منذ الصباح بطرق باب منزل عائلتها وتقدمت لتفتح هي!

وقد تفاجأت بزينة أمامها، ومن هول الصدمة لم تستطيع التحدث، فلم تتوقع أن تراها مرة أخرى بعد كل ما فعلته بها. ظلت تتطلع إليها لحظات بصمت، لتحاول زينة رسم ابتسامة بسيطة وهي تقول بإيجازٍ غامض: = ازيك يا حنين؟ عاملة إيه؟ و آآ طارق كمان أخباره إيه؟ تجمدت حنين في مكانها، تناظر التي كانت صديقتها بيوم بعينين مشتعلتين وبشرتها كذلك تشع وهجًا. فرمقتها بنظرة حادة ولم تستطيع الرد.

تقدمت في تلك اللحظة من الخلف إيمان وشعرت بالصدمة عندما رأتها جاءت إلى هنا بعد كل ما فعلته بهذه البساطة! لتفكر فهل يوجد بشر بهذه البجاحة أم هناك شيء آخر قد جعلها تأتي بهذه الجرأة إلى هنا وتعود من جديد تقتحم حياة حنين وطارق! وعندما فكرت بشيء ما لم تستطيع الصمت وهتفت إيمان في استهجانٍ ويدها تلطم على صدرها: = هي البنت دي بتعمل إيه هنا؟ وجاية بكل بجاحتك كده عادي؟ يا نهار أبيض! لا تكون حامل!

لم تنفِ زينة حديث إيمان، إنما أخفضت رأسها بحزن شديد بصمت عجيب. ورد الفعل هذا جعل حنين تشعر بالبرودة في جسدها بتلك اللحظة وسرعان ما شهقت مرددة بعينين ذاهلتين: = حامل.. أنتِ حامل من جوزي يا زينة….!!!!

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...