حينما أخبرني أبي أن شابًا سيأتي لخطبتي الليلة، غرقتُ في تفكيرٍ عميق، مضطربة المشاعر مشتتة الأفكار كنت، لا يكف عقلي عن التفكير: "مين هو ده؟ وشافني فين أصلاً؟ وضعتُ رأسي بين كفيّ وجلستُ على طرف سريري، بينما طرقات والدي المتتالية تنهال على باب غرفتي كسيل غاضب، تلك الطرقات المتعجلة التي تطلب مني التأهب، وعقلي مازال يفكر: "معقولة يكون حسام؟ أكيد حسام... مش هو قال إنه بيحبني... واللي بيحب واحدة بيجوزها."
ارتديتُ ثوبي ووضعتُ حجابي على رأسي وتوقعتُ أن يكون الخاطب هو حسام. طرقتْ زوجة أبي الباب، ثم دلفتْ غرفتي وقالتْ بلهجة لا تخلو من الصرامة: "اطلعي يا سلمى على خطيبك... وتروحي المطبخ تجيبي العصير تقدميه ليهم. تقعدي معاهم خمس دقايق وتستأذني." قلتُ في نفسي: "خطيبي... انتي بسرعة كده خلتيه خطيبي... أيوه ما انتي عاوزة تخلصي مني في أقرب وقت."
حينما فتحتُ باب حجرتي وتوجهتُ إلى الصالة رأيتُ أبي يجلس مع شاب أسمر طويل القامة مجعد الشعر دقيق الملامح يرتدي بذلة دون ربطة عنق. وطبعًا هذه ليست صفات حسام: "هو ييجي إيه جنب حسام ووسامة حسام أصلاً." هكذا حدثت نفسي بعد أن انقبض قلبي وخيّم عليّ سكون كسكون أهل المقابر. لم ألقِ السلام عليهما من هول المفاجأة، أسرعتُ إلى المطبخ مما جعل والدي يتعجب ويتنحنح في حرجٍ وهو يقول للشاب: "نورتنا يا بني."
حملتُ العصير بعصبية وتوتر بعد أن نويتُ في نفسي أن أقدم العصير إليهما وانصرف مباشرة إلى غرفتي. سرتُ بخطوات مترددة مضطربة كمَنْ تُساق لتُباع في سوق الجواري. نظرتُ إليهما نظرة خاطفة لأحدد أين سأجلس ثم نظرتُ إلى العصير. وقفتُ أمامهما بالقرب من والدي ولم يفتح الله عليّ بكلمة واحدة، فقال والدي وهو ينظر نحوي نظرة عتاب: "مالك يا نورا مرتبكة كده... يالا سلمي على الباشمهندس." سمعتُ الشاب يقول مسرعًا:
"لا يا عمي سيبها براحتها.... خلينا السلام والكلام بحد بعد كتب الكتاب." ردّ والدي بعد ضحكةٍ قصيرة: "ما شاء الله على أخلاقك يا بشمهندس." جلستُ في غيظ وانتبهتُ لشيء. هل والدي قال له (يابشمهندس) اختلستُ النظر مرة أخرى إلى الشاب فرأيته ينظر إلى والدي وهو يتحدث ثم ينظر إلى الأرض متحاشيًا النظر نحوي. ويمكن لطفل متوسط الذكاء أن يعرف أن الشاب لم يكن إلا المهندس معتز (الميكانيكي)
هنا تذكرتُ مكة، وبدأ عقلي يعقد مقارنة بين معتز وحسام. حسام الذي تنطق كل دقة من دقات قلبي باسمه، فهو الوحيد القادر على زلزلة كياني وزعزعة قلبي. أرتعشُ فقط لمجرد سماع اسمه. كم أحب هذا الشعور! وتذكرته حينما كان يقول لي بابتسامته الجذابة: "سيبي قلبك هو اللي يتكلم." أخفيتُ ابتسامتي وعدتُ أفكر في المأزق الذي أنا فيه. كيفَ أخرج من هذه الورطة دون أن يغضب والدي؟ أعتقد أن مكة هي من حدثته عني، لكن كيف؟
كيف ومكة لا تتحدث مع الشباب كما أخبرتني؟ لكن هو رآني عند مكة، أنا واثقة من ذلك. هنا انتزعتني يد والدي وهو يهزني قائلًا: "ولا إيه يا نورا؟ قلتُ دون أن أعرف فيما كانا يتحدثان: "آه... فعلًا... أصلاً." كانتْ إجابتي بليغة كما ترون، لذلك سمعتُ معتز يقول في وقار: "يا عمي خلّي الآنسة نورا تستأذن... أنا كده كده مينفعش أقعد معاها ولا أتكلم معاها لوحدنا إلا بعد كتب الكتاب."
هنا فهمتُ أن والدي كان ينوي الاستئذان وتركنا لدقائق منفردين أنا ومعتز حينما قال (ولا إيه يا نورا؟ شعرتُ بأنهما يحددان مستقبلي وحياتي دون رأيي. نهضتُ ودلفتُ إلى غرفتي، خلعتُ حجابي وارتميتُ على سريري كشجرةٍ هوتْ بلا جذوع، وبدأتُ في البكاء. كان بكاءً حارًا مريرًا. ولم أعلم كمْ مرّ من الوقت، لكنني سمعتُ خطوات والدي الذي قال حينما رآني أبكي: "إنتي بتعيطي؟ ثم سمعتُ زوجة أبي التي دلفتْ الغرفة إثره تقول:
"دي أكيد دموع الفرحة يا قاسم." "الله يخربيتك يا مرات أبويا... انتي عاوزة مني إيه بس." قلتُها في نفسي وأنا أجفف دموعي ثم قلتُ: "أنا مش عاوزة أجوز دلوقتي أصلاً." أراد أبي أن يتكلم لكن لسان زوجة أبي كان أطول كعادته فقالتْ: "هي البنت آخرتها إيه إلا الجواز يا حبيبتي... ولا ناوية تسمعينا الاسطوانة المشروخة بتاعت أنا هكمل تعليمي ودراستي." استطاع أبي أن يوقف تيار كلامها الجارف فقال محاولًا إقناعي:
"يا نورا دا شكله محترم ومؤدب وابن ناس... دا رفض يقعد معاكي لوحدك إلا بعد كتب الكتاب... شيخ جامع بقا في الأوقاف ومتعلم في الأزهر.... كمان معاه صنعة ومحل... يعني هيعرف يعيشك ويصرف عليكي." قالتْ زوجة أبي في فرح: "وأمتى كتب الكتاب يا قاسم؟ قال أبي مبتسمًا: "هو قالي إن زيارته النهارده ربط كلام... ولمّا عروستنا توافق هيجيب الست والدته يتقدموا رسمي ونحدد كتب الكتاب." قلتُ ومازالتْ آثار الدموع في عينيّ:
"بس إحنا منفهموش أصلاً... إزاي هوافق عليه كده؟ أجاب أبي في هدوء وقد نجح أن يسبق زوجته في الإجابة: "ما أنا أكيد هسأل عنه قبل ما نوافق... ومتقلقيش مش هوافق عليه إلا بعد موافقتك." قالتْ زوجة أبي مسرعة كأنها تعترض: "موافقتها إيه يا راجل... طالما أبوها اللي يعرف مصلحتها موافق... يبقى هي توافق... ولا دماغك فيها حد تاني يا حبيبتي؟
جملتها الأخيرة كانتْ لا تخلو من تلميحٍ واتهام، فشعرتُ بالإهانة وتذكرتُ أمي وعم حسين، ثم تذكرتُ حسام. أنا لن أتزوج سوى حسام، ولن أكون إلا لحسام. وشعرتُ بدموعي تهطل. فقال أبي وهو يجذب زوجته ويهم بالخروج: "متعيطيش يا بنتي... فكري على مهلك وخدي وقتك... معتز ساب معايا ده تخليه معاكي."
قال جملته الأخيرة وهو يضع شيئًا ما بجواري على السرير. خرج ومن خلفه زوجته التي أوصدتْ الباب. وحين جففتُ دموعي ونظرتُ إلى ما تركه أبي، وجدتُ مصحفًا صغيرًا في حجم كف اليد. مرتْ الأيام وكنتُ أهرب من البيت وأبدد الوقت في الجامعة والمحاضرات والتجول. لم يظهر حسام ولا أحد من شلته ولا شيرين أيضًا: "طبعًا... أكيد قاعدة عنده في الفيلا... دي عاملة إقامة كاملة أصلاً."
وفي البيت كنا نجلس حول مائدة الطعام متحاشية النظر إلى أبي وزوجته لأفوتَ عليهما فرصة فتح موضوع خطبتي، لكنهما لم يكفا عن الإلحاح عليّ. كان أبي يلح إلحاح الناصح الحكيم الذي يعرف مستقبلي، بينما كانتْ زوجة أبي تلح إلحاح مَنْ يريد التخلص مني في أقرب محطة. وكنتُ في كل مرة أرفض. بعد أيام كنتُ في الجامعة، تلقيتُ اتصالًا من حسام فعادتْ رعشتي وارتباكي المحببان لدي. وسمعته يقول: "اطلعي دلوقتي قدام باب الجامعة." قلتُ
في غباء وفرحة: "ليه... فيه إيه؟ قال مسرعًا في نفاذ صبر: "اطلعي بقا يا نورا بسرعة." سرتُ كالمسحورة. وحين خرجتُ وجدته أمامي بسيارته الأنيقة. سرعان ما فتح لي الباب وأشار إليّ في حركة استعراضية فجلستُ في المقعد الأمامي في تردد. عادتْ تلك الأحاسيس تعمل في قلبي. أدار حسام محرك السيارة، وغبتُ أنا في هواجسي: "يا ترى أقوله على موضوع معتز ولا بلاش؟
كنتُ شاردة بينما تنطلق بنا السيارة بعيدًا بعيدًا غير عالمة إلى أين نحن ذاهبان. وعاد الرجلان اللذان بداخلي يتصارعان. قال الرجل الذي يشدّني إلى اليمين: "إيه اللي بتعمليه ده يا نورا؟ مش كده حرام... مش كده إنتي بتخوني نفسك وأبوكي وعمك حسين." بينما حدثني الرجل الذي يشدني لليسار: "عادي يابت... ما هو شيرين بتعمل كده وأكتر كمان." الرجل الذي يشدّني لليمين قال: "وإنتي مالك ومال شيرين... ليه متبقيشي زي مكة...
ندوات وصلاة وحجاب وقراءة وثقافة وكمان بتحفظ القرآن لبنات الجيران." ثم قال الذي يشدني لليسار: "إنتي مش بتعملي حاجة غلط يا نورا... كل البنات بتعمل كده... وهو بيحبك... وطالما بيحبك يبقى هيتجوزك." أفقتُ من هواجسي حينما سمعتُ حسام يقول: "ياه... كل ده سرحان! بس عاوزك تصدقيه." قلتُ مرتبكة: "أصدق مين؟ قال: "قلبك."
توقفتْ بنا السيارة أمام إحدى الحدائق. دلفنا للداخل وجلسنا على مقعدين حول منضدة. طلب لي حسام مشروبًا لم يكن إلا فراولة، فقلتُ: "هو أنت ليه بتحب الفراولة كده؟ قال وهو يشرب أول رشفة من مشروبه: "الفراولة أكتر ثمرة قريبة من شكل القلب." قلتُ في جهل: "إزاي يعني؟ أجاب في استمتاع من جهلي: "الفراولة بتفكرني بقلبي اللي ديمًا متعذب وهي مش حاسة بيه."
شعرتُ بتيار كهربي يسري في جسدي فنظرتُ إلى النيل والسماء ولم أتكلم. وبعد أن انتهينا من العصير جذبني من يدي وقال: "يلا بينا." قلتُ وهو يسحبني خلفه كطفلة: "هنروح فين؟ أجاب: "تعالى بس هنركب المرجيحة." ولم أدرِ بنفسي إلا وأنا بجواره في تلك (المرجيحة)
التي كانتْ تصعد بنا عاليًا فنرى الحديقة والنيل والأشجار من أعلى كأننا في الطابق العاشر أو كأننا طيور تحلق في السماء. ثم تهبط بنا فجأة إلى أسفل فتهتز أجسامنا وقلوبنا. وكنتُ كلما تأرجحتُ أو فقدتُ توازني كان يحوطني بذراعه. وحينما انتهينا كنتُ أشعر بالدوار. استرحنا قليلًا على عشبٍ أخضر. لم نتحدث كثيرًا لكن أعيننا كانتْ تقول كل شيء. وجذبني مرة فقلتُ مسرعة: "هنروح فين المرة دي؟ أجاب في مرح: "هنلعب لعبة."
لم يمهلني فرصة الاعتراض، لأنه اقتادني نحو حجرة محاطة بالستائر في وسطها سيدة تجلس على مقعد صغير وأمامها موقد نار. شعرتُ بالرهبة فملتُ نحوه سائلة: "إيه ده؟! أجاب وهو ينظر للسيدة: "متخافيش.. تعالي بس." قالها وهو يشدّني من يدي. أشارتْ لنا السيدة فجلسنا على سجادة أمامها. وهنا فهمتُ أنها عرافة، فهمستُ لحسام: "دا حرام أصلاً... محدش يعرف المستقبل غير ربنا." قال هامسًا: "دي مجرد لعبة... اسمها لعبة المستقبل."
وضعتْ السيدة كف حسام بين يديها، ألقتْ شيئًا ما إلى الموقد، فصعد دخان له رائحة محببة للنفس ومثيرة للمشاعر. قالتْ العرافة بعد أن ضيّقتْ عينيها لتوحي بالخطورة: "قدامك القمر... فاتحلك قلبه.. هتكون أسعد البشر.. لو مخلص في حبه."
تسارعتْ دقات قلبي إثر سماعي ما قالته العرافة، رغم أني لا أؤمن بالأبراج ولا أصدق تلك التنبؤات وأعتبر كل هذا مجرد تخاريف وسخف. سحبتْ السيدة كفي المرتعشة ونظرتْ في عينيّ نظرة أربكتني، ثم حرّكتْ نار الموقد بقطعة خشب ودققتْ النظر نحوي في ثبات وقالتْ: "قدامك كامين... ولازم تصدقي اللي على اليمين." لم تزدْ السيدة كلمة واحدة وأنقدها حسام مالًا وخرجنا، وكنتُ أفكر في كلامها (لازم تصدقي اللي على اليمين)
علمتُ مع مرور السنوات أنها كانتْ صادقة، لكن عملتُ ذلك بعد أن فات الأوان. لأن حياتي هتصبح كوابيس.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!