لا تركض خلف الأطياف ولا تجعل فضولك يقودك، فكر دكتور معاذ قد يكون واحد من ساكني العمارة. أو أي شخص يؤدي خدمة وسبقني على السلم. عندما وصل الشارع لم يلمح أي شيء لافت. الطريق كله أطياف تسير أو تركض أو تمشي مترنحة أو زاحفة أو حتى تنبح وتموء. العودة بخيبة مؤلمة، ومعاذ كان يحمل داخل صدره لغزًا لا يعرف له حل. عنوان خاطئ وهاتف يصدر أزيزًا، أمر غير مبشر بالمرة. وخطر له أن الأمر كله مجرد مزحة.
وأن الاسم الذي يبحث عنه ربما غير موجود في بيانات وزارة الداخلية. فتش عن مساعدة ولم يجد أمامه سوى دكتور سعيد. هذه المرة لن ينتابه شك. منحه اسم الشخص وطلب منه أن يتقصى عنه عند أحد معارفه من ضباط الشرطة. لم يمضِ سوى نصف ساعة وجاءته الإجابة. الشخص صاحب الاسم متوفى منذ أكثر من عامين. آخر عنوان مسجل له كان نفس العنوان الذي قصده دكتور معاذ منذ ساعة. "انت ليه بتسأل عن الاسم ده بالذات يا دكتور معاذ؟
"ممكن توضحلي انت مخبي عني إيه؟ "ولا مخبي ولا حاجة يا دكتور سعيد، واحد قصدني في خدمة وملقتش قدامي غيرك وكاد أن ينهي المهاتفة." "الكلام ده مش مظبوط يا معاذ، بتكذب ليه؟ صرخ معاذ، "مش فاهم انت تقصد إيه يا دكتور سعيد." "بقصد إن سؤالك عن الاسم ده بالذات وراه سر ولازم أعرفه." فاض الكيل بدكتور معاذ، "ده الاسم اللي كان حاضر يوم وفاة المريض مدحت، انت اديتهولي بنفسك، ارتحت كده؟
"لا ما ارتحتش يا معاذ، ورغم اندهاشه لنسيانه الاسم، واصل سعيد كلامه." "ليه بتدور عن الشخص ده بالذات؟ "قلتلك يا أخي كل حاجة، هو تحقيق ولا إيه؟ شعر سعيد أن معاذ لا يخفي أي أسرار عنه، "آسف يا دكتور معاذ، لكن الأمر غريب شوية." "غريب إزاي يا سعيد؟ "الشاب اللي انت بتسأل عليه متوفى من أكتر من سنتين." همس معاذ، "خلاص عرفت، وإيه المشكلة يعني؟ "المشكلة إنه كان حاضر يوم شنق مدحت بشحمه ولحمه."
وشعر معاذ أن هناك أمرًا آخر خلف قلق سعيد، فصمت سامحًا له أن يواصل كلامه. "الشاب ده اتشنق من سنتين يا معاذ." ردد معاذ الكلمة بارتياب، "اتشنق؟ أردف سعيد، "عارف تهتمته كانت إيه يا معاذ؟ "إيه؟ "قتل خطيبته، خنقها حتى الموت واعترف إنه قتلها." "المريض ده كان في نفس المستشفى بتاعتنا قبل ما نوصل هناك." شعر دكتور معاذ بصدع داخل عقله، أحدهم قذف حجرًا وأصاب جمجمته. اتكأ على جدار أحد المنازل، "بتقول خنق خطيبته؟
"أيوة، خنقها. الضابط أكدلي المعلومات دي. طيب اقفل يا سعيد، اقفل هبقى أكلمك تاني." الساعة كانت عدت منتصف الليل، وأحس معاذ أنه لن يقدر ينام. لوح لسيارة أجرة وراح على المستشفى. ألقى التحية على الحارس المندهش وسبح داخل الرواق نحو غرفة الأرشيف. بحث بالتاريخ والاسم حتى عثر على ملف المريض. حمله إلى مكتبه وراح يعاينه. جرت معاينة المريض أيام السادس والتاسع والرابع عشر من شهر أكتوبر.
أبدى المريض إشارات طبيعية وكانت الأعضاء الحيوية تعمل بشكل جيد. كان منتبهًا للأسئلة وأجاب عليها بحزم وإصرار ودون تردد. لم تبدُ عليه آثار الشيزوفرينيا أو الانفصام أو الخلل الذهاني العقلي، ولم يكن تحت صدمة عصبية. أشار الطبيب المعالج في ملحوظة مريبة: "أن المريض قاد جلسات المعاينة بكل عناية نحو السلامة العقلية ونحو حبل المشنقة." "ولم يترك لي أي فرصة لمساعدته."
ملحوظة أخرى كتبت بعد يومين من شنق المريض، كتبها الدكتور لنفسه ويبدو أنه نسي محوها. "لاحظت على المريض طقطقة أصابع وتركيز بصري نحو خلفية مكتبي في فترات كثيرة." من خلال المطالعة عرف معاذ أن دكتور عوني الورداني قدم استقالته بعد نهاية علاج المريض ولم يعد يعمل داخل المشفى. غمر دكتور معاذ وجهه بكفتي يده وكاد يقطع وجهه من الفرك. شخص مشنوق متوفى من عامين يجلس مع شخص في يوم شنقه داخل السجن، بحيثيات مماثلة.
كل واحد منهم قتل خطيبته. عندما وجد دكتور معاذ نفسه يتحدث بصوت مرتفع عن شخص حكم عليه بالإعدام منذ عامين وكان حاضرًا يوم وفاة شخص محكوم عليه بالإعدام منذ أقل من أسبوع، أحس بالجنون. ضرب خده بالكف، إن كان خاضعًا تحت تأثير بارانويا، فعليه أن يفيق. المصباح يرعش في سقف غرفته. اللوحة الجدارية الخاصة به معلقة خلف ظهره. كل شيء يبدو حقيقيًا ولا مجال للمزاح.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!