كان عليه أن يبذل جهدًا هائلاً ليبدو طبيعيًا ويرسم تلك الابتسامة اللعينة التي تعني أنه بخير. نادرون جدًا أولئك الذين يمتلكون القدرة على قراءة الإيماءات والإشارات والحركات، وبذلك نحتفظ بقلوبنا المعذبة دون أن يشعر بنا أحد. أثناء رحيله، همس معاذ: "نهاية يوم لا يمكن أن تحلم بها". وكان عليه أن يجد مبررًا لتسلل مدحت إلى مكتبه. فأيًا كانت الرسالة التي رغب في توصيلها، فإنه فشل. من أجل ذلك، جثته تتعفن في القبر.
نحن نضيع الفرص ولا نشرح أنفسنا بقدر كافٍ حتى لا يتبعنا الندم حين الرحيل. إذًا، مدحت مات، شنق، فلا فائدة من وجع الدماغ. لكن كيف يتخلص من إحساس الذنب الذي يرافقه ويظهر له في كل خطوة؟ آه، لو كانت لديه القدرة على استبدال دماغه يومًا أو أسبوعًا حتى يهدأ ويعيده مرة أخرى، لكان تخلص من كل ذلك. وصل دكتور معاذ شقته. مكنش عارف هيعمل إيه بالضبط. أصابه خمول ورغبة في الاندساس في سريره.
لكن جسمه كان متعفنًا. فهو غير قادر على تحمل رائحة إبطه. قبل أن يغسل نفسه، ورد اتصال من دكتور سعيد. "إيه يا دكتور معاذ؟ هو أنت بقيت تقتحم مكاتب زمايلك من غير ما تدي مبررات؟ "إيه اللي بيحصل بالضبط؟ احكي." تنهد معاذ وقص على دكتور سعيد شكوكه. لم يسمع ردًا سوى الصمت، وتوقع بين لحظة والأخرى ضحكة ساخرة من دكتور سعيد. لكن دكتور سعيد قال: "انت بتتكلم جد يا معاذ؟
"أيوه بتكلم جد، واتأكدت من كاميرات المراقبة إن مدحت دخل مكتبي في غيابي وأحدث الخدوش على الطاولة. بل لم يكتفِ بذلك، خدش اللوحة كمان." "وإيه ناوي تعمل يا معاذ؟ مدحت مات ومفيش وسيلة تقدر توضح لك إيه كان بيحصل معاه. لكن هو مش مجنون يا معاذ، أنا متأكد من كده. نصيحة من أخوك، خلي ضميرك مرتاح، أنت مظلمتش مدحت. مدحت كان واخد قراره وأيًا كانت أسبابه، فخلاص مفيش فايدة." إسماعيل موسى.
"عارف المشكلة إن مالوش قرايب، الواحد كان سألهم كان بيحصل إيه مع مدحت؟ الولد مقطوع من شجرة." "إزاي؟ أمال مين اللي كان قاعد معاه قبل تنفيذ الحكم؟ "مصلحة السجون مش ممكن تسمح لأي شخص مش قريب للمتهم إنه يقعد معاه قبل تنفيذ الحكم." تذكر معاذ ما قاله سعيد أمس. شكره على السريع وتحجج بالإرهاق وأنهى المكالمة.
"عشان أتخلص من شكوكى وأنهى القصة دي لازم أقابل الشخص اللي كان قاعد مع مدحت قبل تنفيذ الحكم. يمكن يعرف حاجة. أو مدحت قاله حاجة قبل ما يموت." أجرى معاذ اتصالاته ونجح أخيرًا في الحصول على وعد بالنظر في دفتر الوقائع يوم شنق مدحت. لم يتأخر معاذ. وصل السجن وكان هناك من ينتظره وقاده إلى الأرشيف. "قدامك عشر دقايق يا دكتور، أكتر من كده هتعمل لي مشكلة." "متقلقش، أنا هسجل الاسم والعنوان وأخرج بسرعة."
دون معاذ اسم وعنوان الشخص الذي كان موجودًا مع مدحت. وكانت خانة القرابة ممحوة. مقدرش يعرف دكتور معاذ درجة قرابة الشخص ده من مدحت. وضع الورقة في جيبه وخرج يتسحب نحو الطريق. في الشارع، وقف تحت عمود إنارة، أخرج هاتفه واتصل بالرقم المدون في الأرشيف. انتظر دكتور معاذ الرد على أحر من الجمر. عندما ظننا أنها محاولة فاشلة. انفتح الخط. "آلو؟ دكتور معاذ مع حضرتك، أنا كنت الدكتور الخاص بمدحت وعايز أستفسر عن كام حاجة شغلاني."
لم يسمع معاذ ردًا. وبعد نصف دقيقة سمع أزيزًا صاخبًا كاد يفتك بطبلة أذنه. أبعد معاذ التليفون بسرعة عن أذنه. "إيه ده؟ آلوووو؟ "ممكن يكون في منطقة مفيش فيها شبكة؟ أعاد الاتصال ومثل المرة السابقة عرف نفسه. هذه المرة كان الأزيز أكثر صخبًا وارتفاعًا. في طريق العودة للشقة، لم يفقد دكتور معاذ الأمل. واصل الاتصال بالرقم ولم يسمع سوى أزيزًا صاخبًا مزعجًا. امتعض معاذ. طوح الهاتف على الأريكة بغضب.
"بعد ساعة أو يوم أحاول أتصل تاني. يمكن يكون الشخص ده شغال في مكان خارج نطاق الخدمة أو نفق تحت الأرض." أخذ حمامه أخيرًا واستعاد نشاطه. ملقيش رغبة في الأكل. كل شوية يبص على تليفونه. للمرة الأخيرة، عاود الاتصال بالرقم وفشل. "بكرة الصبح يا معاذ تاخد بعضك وتروح تسأل عليه في العنوان." لكن فضوله وعقله مخليهوش يقدر يقعد ولا يرتاح. بص على الساعة. عشرة ونص!!
"الوقت لسه بدري. يلا يا معاذ، مفيش فايدة من التأخير." نزل بسرعة واستقل سيارة أجرة أوصلته إلى العنوان المدون في دفتر ملاحظاته. بناية قديمة من ثلاثة طوابق. مكنش فيه حارس ولا غفير. للأسف، عنوان الشقة مش مكتوب. يعني لازم يقتحم شقق الناس من غير إذن؟ وجدها فكرة بايخة وخايبة. جنب العمارة فيه دكان. وقف دكتور معاذ أمامه بتردد. "من فضلك عايز أسأل عن شاب ساكن في العمارة هنا." "اسمه...
"بصق البقال نظرة معتمة في وجه معاذ. معرفش حد بالاسم ده." "طيب أنا آسف يعني. فيه شباب ساكنين هنا؟ تنهد البقال. "على ما أعتقد فيه عائلتين عايشين هنا، وفيه عيلة فيهم فيها شاب ساكنين في الطابق الثاني." شكر دكتور معاذ البقال وتسلق درج السلم. تردد في إشعال سيجارة. لا يحب أن يطرق أحد باب شقته وفي فمه لفافة تبغ. تردد لحظة قبل أن يطلق تنهيدة صامتة. طرق الباب وانتظر.
سمع خطوات مسرعة تتقدم نحو الباب قبل أن تعود مرة أخرى. "الباب بيخبط يا بابا." حاول أن لا يبدو مجنونًا وهو يسأل الرجل عن الاسم. "لم أسمع به من قبل." "إذا كان هنا كنت سأعرفه." "يمكنك سؤال الشقة الأخرى، لكنى أؤكد لك أن هذا الاسم غير موجود في بنايتنا." شكر معاذ الرجل. على كل حال، سيطرق باب شقة العائلة الأخرى فلم يحضر كل هذه المسافة من أجل فرضيات مبهمة. أثناء صعوده السلم، رن هاتفه. بحلق دكتور معاذ بالرقم. وهمس: "آلووو؟
عاود الرقم المجهول الذي طلبه دكتور معاذ مائة مرة مهاتفته. "آلووووو." وباغته الأزيز فجأة للحد الذي أرعش جسده. أنهى معاذ المهاتفة وطرق الباب بقوة بعد أن شعر بضيق في صدره. من خلف الباب ردت امرأة. "بسرعة، اختصر معاذ القصة." عرف معاذ أن أكبر طفل يعيش داخل الشقة عمره عشرة أعوام ولا يوجد شخص بهذا الاسم. الشقة العلوية غير مأهولة. يصعد إليها درج مكسر والباب عتيق مدهون بلون بني باهت. أمام الباب هر أسود يحك الجدار بمؤخرته.
يعاني من رهاب الزحام مثله لأنه هرب فور رؤيته لمعاذ. "إزاي مش موجود في العنوان؟ "معقول مصلحة السجون ممكن تعدي عليها حركة زي دي؟ "أو شخص يقول إنها قريب المتهم يخلّوه يقعد معاه من غير إثبات شخصية؟ "مستحيل. المعلومات المسجلة أكيد من بطاقة شخصية أو باسبور." "طيب ليه الشخص ده هيزور عنوانه؟ أو يدلي بمعلومات مغلوطة؟ "إلا لو كان مش عايز حد يوصله." القصه بقلم إسماعيل موسى.
صمت معاذ يفكر دقيقة. استبعد فكرة أن يكون الشخص غريبًا عن مدحت أو لا يعرفه. لأن مدحت وافق يقعد معاه. ليه زور بياناته؟ وهل معقول إن مدحت متعاون معاه عشان محدش يقدر يوصل عنوانه؟ كان خايف من إيه؟ ليه بيحاول حمايته؟ وإزاي حماته متعرفش الشخص ده؟ أعاد معاذ شريط الأحداث في عقله. تذكر أنه لم يسأل حماة مدحت عن الشخص ده. من حسن حظه أنه يحتفظ بعنوان المرأة ويمكنه سؤالها. لكن الوقت تأخر.
في الغد سيقصد عنوانها. أجل. في الغد. أشعل سيجارة ونزل درجات السلم ببطء. قبل أن يصل الشارع وسط العتمة، تحرك طيف لمح ظهره من بعيد يتحرك ناحية الطريق.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!