رفع معاذ عيون مستفسرة وهمس لفريدة: "دا عوض حارس المقابر إلى كلمتك عليه زمان." سلم معاذ على عوض وسرت برودة في جسده. كانت يد عوض الحارس مثلجة كأنها خرجت للتو من فريزر ثلاجة. "انت سبت الجنازة وجاى تعمل ايه فى المقابر يا عوض؟ ابتسم عوض ابتسامة ساخرة خرجت من نفس محبطة. "هو انا سبت المقابر اصلا يا دكتور؟ "تقصد ايه سيد عوض؟ " همست فريدة بنبرة رقيقة ناعمة. ارتفع حاجب
عوض الحارس وتلفت حوله: "ابويا يا دكتور معاذ، من لحظة الدفنه بعد ما الناس ما مشيو وهو بيصرخ في قبرة طول الليل، مقدرتش اسيبه وامشى." "ميت بيصرخ؟ " استفهمت فريدة. "وميت بيحضر شنق مدحت؟ " أردف معاذ متذكر تلك الأيام التي فتحت عليه أبواب الجحيم، رابطًا بين الأحداث. "انا... انا لازم اخرج والدي من المقبره دي وادفنه في مقبرة تانيه." أطلق معاذ السؤال الذي تأخر يوم كامل وكان يدرسه في عقله: "انت ليه اصلا دفنته هنا؟
انا من امس وانا بفكر في كده." "معرفش يا دكتور معاذ عملت كده ازاى، لكن امبارح من ساعة ما والدي اتوفى وحاجه بتصرخ في عقلي ادفنه هنا، الغريبه اني استجبت من غير تفكير، حاجه أقوى مني اجبرتني اعمل كده." "وانت يا دكتور معاذ ايه إلى جابك المقابر؟ "عونى يا عوض، عونى طلب مني انزل المقابر، اخبرني ان الحقيقه موجوده هنا." "مفيش حقيقه للأسف يا دكتور، انا نفسى مش حقيقه وانت مش حقيقه والعالم كله مزيف."
تسحب الليل من خلفهم وأغرق المقابر في ظلام حالك. "هتساعدني يا دكتور معاذ؟ انا عايز والدي يستريح في تربته." "هساعدك يا عوض يلا بينا." ابتعدت فريدة عن مكان الحفر، أعصابها مكنتش تستحمل رؤية جثة ميتة تخرج من المقبرة وتجر لمقبرة أخرى. بينما فتح عوض باب المقبرة. من داخل القبر المظلم خرجت رائحة قاتمة، رطوبة متعفنة لأجساد أكلها الدود. "انزل معايا يا دكتور معاذ." نزع معاذ سترة زرقاء من الجينز وهبط إلى القبر: "هو ده."
"امسك معايا يا دكتور معاذ." رفع الكفن الذي كان بخفة ريشه!! "هو الكفن خفيف كده ليه انا حاسس انه فاضي، ابويا راح فين؟ فتح عوض الكفن ولم يكن به سوى عظام لجثة ماتت من سنين طويلة. "ابويا راح فين؟ " صرخ عوض بفزع، ثم انطلق بلا وعي يبحث داخل القبر. "عوض استنى اكيد فيه حاجه غلط." همس معاذ برعب. "مفيش حاجه غلط لازم اعثر عليه." سمع فحيح ثعبان لمعت عينيه في الظلام، ثعبان بدأ ضخم. "عوض! عوض لازم نخرج."
"مش هخرج لازم الاقي والدي." كان بصيص من الضوء يتسرب من فتحة المقبرة ثم فجأة تحول كل شيء لظلام وسد باب القبر. ارتفع صراخ معاذ: "فريدة! فريدة! لكن صوته لم يغادر جدران القبر ولم تسمعه فريدة ولا غيرها. ثم دوى صوت مفزع: "انت التالى، انت التالى! زحف عوض على الأرض حتى عثر على المعول الذي فتح به باب المقبرة. "هتسيب ابويا فى حاله هسيبك فى حالك، غير كده انا مستعد للموت." "انا ابوك يا عوض سيب المعول."
"انت مش ابويا، ابويا مات وشبع موت." صرخ عوض بنبرة متحدية. "انت فاكر انك تقدر تقتلني؟ انا الى عملتك ياعوض." "هو ابوك محكش ليك انت جيت ازاى؟ كان الرعب قد تملك معاذ تماما وغير قادر على التفكير أو أخذ أي قرار. باب القبر كان خلفه فراح ينبش بأظافره في التراب والطين الذي بدأ مثل سد ضخم وليس مجرد فتحة صغيرة. فقد عوض أعصابه
وارتفع صراخه كالمجنون: "قلتلك سيب ابويا فى حاله ابويا كان رجل طيب وميستاهلش كل إلى بيحصل معاه." وراح يضرب الهواء بشكل عشوائي. آخر ما يتذكره معاذ، صرخة عوض المستغيثة، الحشرات التي تزحف فوق جسده ويد فريدة التي تجذبه خارج القبر. "هو فيه ايه يا معاذ؟ " قالت فريدة بصراخ. "فين عوض وايه الصراخ ده؟
لمح معاذ التراب تحت قدميه يتحرك نحو باب المقبرة قبل أن يتجمع مع بعضه ويشكل كتلة طين سدت باب القبر. ارتسمت صورة مدحت على المقبرة هكذا لمحها معاذ في الظلام، صورة تحمل نظرة ساخرة تخبره أن لا فائدة من المقاومة. راحت فريدة تصرخ من الرعب: "معاذ خرجني من هنا." "انا قلبي هيقف من الخوف." ودوى صوته الساخر في كل المقابر: "انت التالى." مع صراخ عوض المفزع ونخراته المتقطعة. تحرك معاذ وهو يهرش جسده مهرولًا بعيدًا عن المقابر.
همست فريدة بخجل: "عوض مات يا معاذ ولا ايه؟ هنبلغ الشرطه؟ رفع معاذ مع أول ضوء كم قميصه ولمح لسعات الحشرات التي كانت تزحف فوق جسده. "معاذ رد عليه، احنا سبنا عوض داخل القبر؟ "انتي سمعتي بنفسك صوت عوض، تتوقعي لسه حي؟ صرخ معاذ بيأس: "كل إنسان بيواجه مصيره بمفرده في لحظة من العمر من غير مساندة." "وبعدين عوض كده كده كان نازل القبر وهينفذ إلى في دماغه." "طيب عونى طلب منك تروح المقابر ليه؟ "فين السر إلى هنكتشفه؟
"فين الحقيقه يا معاذ؟ "مفيش حقيقه يا فريدة احنا عايشين في الوهم ولا نستحق الحقيقه، قدرنا ان نلهث خلف الأوهام ونعيشها." "الحقيقه تحتاج رجال شرفاء لا وجود لهم الآن." "انتى مين وواخدانى على فين؟ " سأل محمد إسماعيل الفتاة التي تقود السيارة بلا مبالاة. "انا فاعلة خير يا دكتور واول ما اوصلك وجهتك مش هتشوف وشي تاني." "دوري في قصتك صغير جدا، مع ان لو كان سمح لي كنت هعمل دور أكبر من كده."
"اصل لكل واحد في الحياه دور محدد يا دكتور وللأسف مقدرش يحيد عنه." "عايز اعرف واخداني على فين؟ "انا بنقذك من سرنجه وداغو لأنك مش قدّهم وبنصحك تبعد عن كل ده وبلاش تفتش في الماضي." "لازم اعثر على والدتي لازم." "والدتك هي إلى طلبت مني ابلغك الرساله، متدورش عليها متحاولش تقابلها." "اتفضل انزل." توقفت السيارة على جانب الطريق العام في وسط القاهرة. باستسلام نزل دكتور محمد إسماعيل. وسجل في ذاكرته رقم لوحة السيارة وهي راحلة.
ثم أشعل سيجارة دخنها بغضب: "طول عمري بدور عليها ببحث عنها واول ما أقرب تبعدني عنها." ثم رن صوت الكيان في عقله: "انت مستعد للغفران يا دكتور؟ "والدتي ماشيه مشي بطال." ثار الغضب بداخله، لم يتحمل فكرة أن والدته تبعده عنها بالقوة، تتبراء منه. "ليه بتعملي كده؟ انا عشت حياتي كلها مستني اللحظه دي." "يا ريتني فضلت أعمى ولا عرفت انك حية."
"الكيان هو اللي وصلك ليها يا دكتور محمد، واكيد الكيان مش بيفكر غير في مصلحته." همس صوت المنطق بداخله. لكنه غير مستعد بعد أن وصل لتلك المرحلة أن يدير ظهره ويترك كل شيء خلفه ويعود لحياته السابقة. "انها تعيش في العار في الخزي كيف ترضى ذلك؟ كيف تخلت عنه؟ أخذ محمد إسماعيل بعضه بعد أن نظر إلى هاتفه الذي أوشكت بطاريته على النفاذ. كانت هناك عدة مكالمات فائتة من معاذ، لم يجد رغبة في الرد عليها.
وصل شارع البناية وبدأ يمشي بحذر متحسس سلاحه المخفي تحت سترته. كان مدخل العماره هادئًا إلا من حارسها الذي يتملق المارين في الشارع. "سرنجه وداغو انهم أعدائه الحقيقيين، داغو بالذات يتذكر أنه رآه من قبل، نعم كان ذلك وجهه الذي أطل تلك الليلة، الصوت الذي همس في أذنه أجري يلا." احتمى بسترته من دفعات الريح التي تلسع جسده أكثر من ساعتين.
ثم رآها تدلف من مدخل العمارة. كانت والدته تبدو مثلما تركته لكنها أكثر أناقة. يسير جوارها شخص مسن تبدو صحته جيدة، حياهم الحارس بحماس ووجه مبتسم. ضغط محمد إسماعيل على سلاحه تلفت في كل اتجاه حتى وجد طفل صغير منحه عشرة جنيهات وطلب منه أن يخبر الحارس أن هناك امرأة تنتظره على ناصية الشارع. كان يعرف أن ما من رجل يرفض امرأة تأتيه بالمجان. عندما غادر الحارس البناية عبر الشارع ثم تسلق السلم شهرًا سلاحه.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!