الفصل 3 | من 29 فصل

رواية وعد في العتمة الفصل الثالث 3 - بقلم اسماعيل موسى

المشاهدات
19
كلمة
984
وقت القراءة
5 د
التقدم في الرواية 10%
حجم الخط: 18

ظل دكتور معاذ جالسًا في مكانه، متكئًا على جذع الشجرة التي تظلله. كان يطلق أنفاسًا متتابعة من الدخان، وسترتُه في حضنه. إنها من الحالات النادرة التي لا يسأل فيها المرء نفسه: "ماذا يمكنني أن أفعل؟ " "انهض جسدك يا معاذ، الحياة تستمر، دونه أو دونك...

غادر المقابر ولوّح لأول سيارة أجرة، ودعا من كل قلبه أن يكون السائق صامتًا. إنه لا يمانع في كتابة العنوان في ورقة، لكن سماع كلمة أو كلمات في تلك اللحظة يمكنها أن تدفعه لارتكاب جريمة. حسنًا فعل السائق. سأل عن الوجهة وحدد الأجرة، ثم أيقظ مذياعه وسرح مع نفسه، سامحًا لمعاذ أن يتمطى على راحته. على سلم المشفى، فتحت الممرضة ريهام عينيها الواسعتين أصلًا بنظرة متسائلة. "دكتور معاذ؟ أنت قلت إنك مش هتيجي المستشفى النهاردة؟

همس دكتور معاذ بنبرة رنانة وهو يرفع حاجبه كأنه يتذكر. "قلت إن هناك احتمالية لعدم حضوري يا ريهام." صفقت الممرضة ريهام الدفاتر على بعضها. "دي الحالات اللي حضرتك هتعاينها النهاردة! "سيبيها في المكتب لو سمحتي، أنا محتاج أغسل وشي." ثم استدار بسرعة. "ريهام؟ اعملي حسابي في السندوتشات اللي هتشتريها انتي والممرضات." جلس دكتور معاذ على المقعد يعاين الملفات. رَمَقَها بنظرة مطولة كأنه عدو.

"أول أمس كان يجلس هنا رجل محكوم عليه بالإعدام. رجل من المفترض أنني كنت أساعده، وأنا الذي وقعت قرار إحالته لحبل المشنقة. أتفهم أن ضميري يعمل بقوة وينبح مثل كلب. كان مصرًا على أقواله. جلس هنا في صمت وكان يطرق الطاولة بأصابعه اللعينة كأنه يلحن أغنية." وقعت عينه على البقعة التي كان مدحت يضربها بإصبعه. كان هناك خدش واضح في الطاولة. جرح في الخشب لم يلمحه دكتور معاذ من قبل. حاول أن يتذكر مدحت وكيف كانت أظافره وما يعنيه ذلك.

"حالات الخدش تأتي من الارتباك، أو يحاول المرء أن يجبر نفسه على قول أمر غير مقتنع به، أو أن يكون مرغمًا على الاعتراف بشيء يكرهه." ضيق معاذ حاجبيه بتركيز، محاولًا تذكر كم مرة طرق مدحت الطاولة. سبعة؟ عشرة؟ لم يكن الأمر واضحًا بالنسبة له.

أشعل سيجارة وعينه على الخدش. اقترب من الطاولة. برقت عيونه من الدهشة. كان يظنه خدشًا واحدًا. شكلت الخدوش مجموعات منفصلة، متباعدة لكنها متصلة. كل مجموعة بها خمسة خدوش غير واضحة. دقق أكثر حتى كادت عيناه أن تلتصقا بالخشب. في آخر مجموعة ست خدوش، محى آخر واحد فيها بعناية.

"كان مدحت يعني ما يفعله ولم يسمح بالخطأ. إن كان فعل ذلك، فإنه كان يأمل أن يلاحظ شخص ما الأمر وينتبه له، ليس هو بالطبع، إنما شخص يحب الألغاز. ثلاثة خمسات، ماذا يعني ذلك؟ فتش في كتب علم النفس التي قرأها، مدلولات الأرقام والإشارات. بارتوفيز؟ فلدونسى؟ ميكاربوتا؟ "لا لا لا... " وأطلق معاذ دفعة من الدخان الأزرق حلقت فوق رأسه مثل غيمة. طرق الباب وآطل منه وجه جميل. "السندوتشات وصلت يا دكتور معاذ." دون أن يرفع بصره همس.

"ليس الآن. اتركيني بمفردي. أغلقي الباب ولا تسمحي لذبابة أن تمر للداخل." امتعض وجه ريهام وصفعت الباب بقسوة لا متناهية تدل على الحنق والاستنكار. "ليس من المعقول أن يكون مدحت فعل كل ذلك في جلسة واحدة. كم مرة حضر مدحت للمعاينة داخل مكتبه؟ "مرة؟ مرتين؟

فتح سجل المعاينات. دخل مدحت المكتب مرتين فقط. واحدة كانت منذ أكثر من أسبوع، والأخرى أول أمس. مدحت لم يكن مريض معاذ. كان تحت ملاحظة دكتور سعيد ثم نقله مدير المستشفى تحت رعايته. نهض معاذ من مكانه وارتطم بلوحة جدراية فوق مكتبه. لوحة معلقة على الجدار يحرص دكتور معاذ على مرافقتها في كل مكان يعمل به. تصور إطارًا من الطبيعة بخلفية صفراء وسحب صفراء وشجرة بأفرع كثيفة تجلس تحتها على العشب طفلة تحمل دمية. "اللعنة!!

" شعر معاذ بالألم في رأسه. وضع يده في مكان الوجع. في نهاية إطار اللوحة، لاحظ معاذ مجموعة من الخدوش تشبه شرطات بقلم رصاص. ثلاثة مجموعات، خمسة خدوش. الأمر لا يمكن أن يكون صدفة.

ركض دكتور معاذ في الرواق ذي الواجهة الزجاجية، وقد كرّمش قميصه الموف إلى الكوع، مغرقًا إياه في بنطال أزرق ضيق يضغط عليه حزام من الجلد. شعره الناعم المموج في طريق واحد وسيجارته في فمه. عبر مدير المشفى الذي يتمشى داخل الرواق بعيني بومة تدوران بحثًا عن صيد، وفتح مكتب دكتور سعيد وهو يلهث. انتبه دكتور سعيد الذي كان ينظر إلى كمبيوتِره. استدار بسرعة لمواجهته. "إيه يا معاذ؟ خضتني." "مش تخبط يا أخي على الباب؟

يمكن بعمل حاجة لا أخلاقية في مكان العمل؟ ضرب دكتور معاذ الطاولة براحة يده. "أنا عارف آخرك يا سعيد. أنت بتخاف من مراتك، وأي راجل بيخاف من مراته بيخونها." حاول دكتور سعيد أن يطلق ابتسامة تاهت وسط الصدمة. "مدحت زار مكتبك كام مرة؟ "مدحت مين يا معاذ؟ "مدحت، مدحت المريض اللي اتحكم عليه بالإعدام شنقًا." "أنت لسه الموضوع دا شاغل بالك؟ يا أخي وقعت قلبي." "كام مرة يا سعيد؟ "مرتين تلاتة، مش فاكر." "حاول تفتكر يا سعيد!

" وحدق معاذ بالطاولة، تاركًا دكتور سعيد يعبث بدفتر ملاحظاته. ابتسم لما شاف الخدوش على طاولة دكتور سعيد. ثلاثة مجموعات، تلت خمسات. "ها، كام مرة يا سعيد؟ "تلت مرات يا معاذ، ها ارتحت؟ ممكن تسيبني أكمل شغلي؟ "تكمل شغلك؟ "ولا تكمل اللي بتعمله؟ وضع سعيد عينيه في رأس معاذ. "هتفرق يعني؟ "أيوه هتفرق، لكن مش وقته دلوقتي. سلام." "مدحت خضع للمعاينه في مكتب دكتور سعيد تلت مرات، وأنا مرتين بس."

"الأمر عشوائي ولا يمكن الاعتماد عليه. في حالات الأوعي العقلية المنتقاة خارج البؤرة الذهنية، لازم الإشارات تكون متطابقة، وده محصلش هنا." في الرواق، تنهد معاذ بارتياح. اتكأ على الدرابزين ولقى نفسه قدام غرفة المراقبة. ابتلع معاذ ريقه، وفتح الباب. "هو أنا ممكن أغلس عليك دقيقة؟ "اتفضل يا دكتور، خير." "عايز أراجع الكاميرات مكتبى الخاصة بالمعاينات الطبية. يوم...

وأخرج معاذ دفتَره وذكر التواريخ. حدق بتركيز وتحقق أن مدحت خضع للمعاينة في مكتبه مرتين فقط. شكر الموظف وقصد مكتبه. داخل المكتب، خضع معاذ لجلسة من اللوم والتقريع على يد مديره. "سيجارة يا معاذ؟ وكمان قدام الموظفين والمرضى؟ دا أنت مفكرتش حتى تمسي عليه." اعتذر معاذ، كان في غاية الأسف فعلاً ووعد المدير أن لا يكرر فعلته النكراء مرة أخرى.

في نهاية نوبته، قرر أن يعرج على مطعم ويتناول وجبة فاخرة ترضي معدته الثائرة. قبل نهاية السلم، سمع صوتًا ينادي عليه. أها، تذكر معاذ عندما استدار موظف غرفة المراقبة ولوّح له. "أعتقد يا دكتور فيه حاجة هنا لازم تشوفها."

كان الفيديو يصور مكتبه. مدحت يتلفت في كل اتجاه قبل أن يفتح المكتب. كان المكتب خاليًا. قصد مدحت الطاولة، خدشها بأظافره خمس خدوش قبل أن يصل للوحة الجدارية ويفعل معها مثل ما فعل في السابق. كان ذلك في اليوم الذي تم فيه نقل مدحت للسجن. تصدع جسد معاذ، ترنح مثل ورقة شجرة هبت عليها عاصفة هوجاء. "الشيطان. تلت خمسات. 555. رمز الشيطان."

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...