الفصل 7 | من 29 فصل

رواية وعد في العتمة الفصل السابع 7 - بقلم اسماعيل موسى

المشاهدات
16
كلمة
1,166
وقت القراءة
6 د
التقدم في الرواية 24%
حجم الخط: 18

التمعت عين السائق وهو يستمع للمذياع. كانت إذاعة القرآن الكريم والشيخ البنا يرتل ما تيسر من سورة طه. والطريق كالعادة مزدحم بكتل من البشر متلاحمة مثل موج البحر. "عارف يا أخي، أيام زمان كانت كل حاجة حلوة." ارتفع صوت السائق وهو يترنح وسط الزحمة. "الله يكون في عونا، كل حاجة بقت باهتة وماسخة." استدار دكتور معاذ برأسه تجاه الطريق. آخر ما ينقصه حديث عن الحياة والعيشة وغلاء الأسعار.

لكن السائق صمت فجأة وكأنه أدرك أن زبونه لا يرغب في الكلام. وما كان يضره لو أومأ برأسه وأرضى خاطره. "فاضل كتير؟ " خاطب معاذ السائق بنبرة مستحثة. رفع السائق كتفه بوهن. "كله بأمر الله يا أستاذ، أنت شايف الطريق زحمة إزاي؟ "طيب شد شوية لو سمحت، أنا مستعجل جداً." تنهد السائق. "مستعجلش على حاجة متهفعاش يا ابني." "إلى هناك رضيو بحالهم ومش هيروحو أى مكان." نفذ صبر دكتور معاذ. استفزه حديث السائق الممل المتكرر.

"انت تعرف إيه عني أو عن الشخص اللي مستنيني عشان تصدر أحكام فوضوية؟ "انت رايح المقابر صح؟ "مقابر إيه؟ أنا رايح أقابل شخص في العنوان اللي أنا اديتهولك." "العنوان ده بيوصل لمقابر مصر القديمة." "بص هناك، قربنا نوصل، عشان كده كنت بقلك إلى هناك مش هيرحل أو يطير." تنهد معاذ بحسرة. "انت متأكد إن العنوان صحيح؟ "أنا شغال على التاكسي من أيام السبعينات يا أستاذ ومش ممكن أغلط في عنوان." "ماشي!

" وشعر معاذ بالحسرة. تأسف للسائق وأخرج هاتفه يتأكد من المكان. كانت السيارة تسير نحو المكان الموضح في العنوان. توقفت السيارة ونزل منها دكتور معاذ. اعتذر للسائق مرة ثانية. ومسح الطريق قدامه. مساحة كبيرة من المقابر. "مشى ورا تليفونه وتوغل وسط المقابر." "هو شغال تربى ولا إيه؟ "معقول يكون عامل وفيه أعمال حفر داخل المقابر؟ عندما توسط المقابر وصل المكان المحدد. تلفت يميناً وشمالاً. "مفيش أي إنسان هنا."

طلب رقم الهاتف ليتأكد. سمع الأزيز المؤذي الذي يجيبه كل مرة. حاول أن يسمع صوت رنة الهاتف وبحث تحت الأشجار ووسط الحشائش. "ممكن يكون شخص نسي تليفونه أو تركه هنا صدفة." "أنا قربت أتجنن! " صرخ معاذ بعلو صوته. "فيه حد هنا؟ تردد صداه وسط المقابر وفزعت هرة كانت نائمة وسط العشب. "فيه إيه يا أستاذ مالك بتصرخ كده؟ خاطبه صوت رجل يرتدي جلباباً قديماً ويضع فوق رأسه لثّة رمادية. لوح معاذ بيده. "تعالى هنا لو سمحت. انت حارس المقابر؟

مشي الرجل بترنح. كانت هناك إصابة في ساقه. "أنا ابن الحارس. والدي مريض شوية. انت بتصرخ ليه؟ "دكتور معاذ." عرف معاذ نفسه. "بص أنا بتتبع تليفون شخص والبرنامج وصلني هنا." "قدام المقبرة دي." أخرج معاذ هاتفه وطلب الرقم قدام عينين الحارس. "سامع؟ سمع الرجل أزيزاً صاخباً يصدر من السماعة. "ده التليفون اللي أنا عايز صاحبه. لكن مفيش حد هنا." "أنا معرفش بتتكلم عن إيه يا أستاذ. ميت إيه اللي هياخد تليفون معاه؟

صمت عوني مفكراً لحظة. "معقول يكون التليفون داخل المقبرة؟ "اتنسى مع الكفن؟ طلب الرقم ووضع أذنه على جدار المقبرة. ثم صرخ بفزع. "هنا أهو، تعالى اسمع! بخوف تقدم الحارس نحو جدار المقبرة وسمع صوت الهاتف. "أيوه، ده حقيقي داخل المقبرة." تنهد معاذ بارتياح. "يعني مش وهم، أنا مش مجنون؟ "عايزين نفتح المقبرة لو سمحت؟ "انت اتجننت يا جدع انت؟ مقبرة إيه اللي نفتحها؟ ركن معاذ للصمت وولع سيجارة. "لازم نخرج التليفون."

"مستحيل أفتح المقبرة إلا بأمر الشرطة." همس معاذ. "بص أنا ممكن أبلغ الشرطة ونفتح المقبرة، لكن شوف الشوشرة اللي هتحصل لما الناس تعرف إنك بتدفن الناس بالمتعلقات الشخصية بتاعتها." "الموضوع ده هيفتح مشكلة كبيرة عليك وعلى والدك." "إلا إذا كان الميت محتاج التليفون عشان يتصل بأهله من العالم الآخر." ارتبك الحارس. "والدي اللي كان بيدفن مش أنا. عايزين نحل المشكلة بسرعة من غير ضجة وشوشرة، إيه رأيك؟

"إحنا في عز النهار يا أستاذ. مش هينفع أعمل حاجة زي كده دلوقتي." لأن الحارس هكذا فكر معاذ. "بص أنا هبقى كويس معاك." "النهاردة بالليل هاجي مرة ثانية ونفتح المقبرة من غير ما حد يشعر. قلت إيه؟ "ده موضوع خطير يا دكتور." "لا خطير ولا حاجة. دي عشر دقايق وخلاص. محدش هيحس بحاجة." في منتصف الليل وصل معاذ المقابر. كان الحارس في انتظاره يحمل مصباحاً ومعولاً. فتح باب المقبرة وهمس. "ذاكر اسم الله. هتدخل معايا؟

تردد معاذ. لكنه دخل معه إلى جوف المقبرة. استعمل هاتفه ورد عليه الهاتف الآخر برنة متقطعة. "هنا أهو." فتح الكفن وكان بداخله عظام بشرية، لكن مفيش أثر لهاتف. "مش معقول." "لازم فيه حاجة غلط." صوب معاذ المصباح على الكفن ووضع يده بين العظام. حركها ببطء وخوف. كان هناك هاتف مسحوق مدمر لم يتبقى منه سوى خط صغير لشركة هاتف. "سبحان الله! " صرخ الحارس داخل المقبرة. "دي معجزة يا دكتور." لكن عقل معاذ كان في حتة تانية.

"إزاي خط بيرن من غير تليفون؟ " وشعر في تلك اللحظة بكل رعب العالم. انطفأ المصباح وأظلمت المقبرة. سمع أزيزاً صاخباً داخل المقبرة أعقبه صوت محشرج. "انت التالي." لم يتمالك الحارس أعصابه. إصابته فوبيا الظلام وارتعش جسده. ورغم الظلام برقت عيونه ولمعت. انفتح فم وبانت أسنان مصبوغة بالدخان وأطلق ابتسامة ساخرة لكنها مرعبة. "انت التالي. انت التالي!

" وعلا صوت قهقهة مفزع. صوت ملأ كل أرجاء الكون الصامت. زحف دكتور معاذ نحو باب المقبرة. والرعب ينفخ داخل صدره. وكان يبذل مجهوداً خرافياً لكل خطوة يتحركها كأنه يسير في الوحل أو أن قدمه مربوطة بحبل. ألقى برأسه خارج المقبرة غير قادر على النظر خلفه. "متسبنيش هنا! " صرخ الحارس. "متتخلاش عني زي ما تخليت عن مدحت." لكن اليد الباردة التي لمست قدم معاذ السنهوري جعلته يدفع نفسه خارج المقبرة وهو يصرخ.

كان الرعب حوله في كل مكان. وظل أشجار المقبرة أشباح تصرخ في عقله: "انت التالي! ألقى معاذ جسمه على الأرض وتنشق نفساً من التراب. أغمض عينيه وتنهد. "ستمر هذه اللحظة. تمالك نفسك يا معاذ." تحرك شيء بين أغصان الشجرة الراقد تحتها معاذ. لكن معاذ لم يكن مستعداً لرؤيته أو تبين كنهته. وسط محاولاته البائسة للبحث عن الطمأنينة قفز هر فوق وجهه وركض لبعيد تاركاً معاذ يصرخ: "ابتعد عني!

"الحقني يا دكتور أنا مش شايف حاجة. مش عارف أطلع من جوه المقبرة. وحاسس فيه حاجات غريبة بتزحف تحت رجلي." "باب المقبرة مفتوح. بص على النور." همسها معاذ بصعوبة. "مش شايف نور. كل حاجة ضلمة." "أرجوك مد إيدك واسحبني. أنا قلبي هيوقف." ما كان لشيء أن يدفع دكتور معاذ أن يضع يده داخل المقبرة. رغم ذلك نهض وقال: "اتبع صوتي. امشي ورا صوتي. أنا هنا." خرج الحارس من المقبرة ولم يشك معاذ للحظة أنه تعرض لمس شيطاني.

لأنه مشى تجاه بوابة المقابر دون أن يفتح فمه. "انت رايح فين؟ إحنا هنسيب باب المقبرة مفتوح؟ لم يستدر الحارس. راح يهمس: "كل ده بسببك انت. انت اللي تعديت على حرمة المقابر. داري جريمتك يا دكتور." دفع معاذ بآخر قواه كتل التراب نحو باب المقبرة وطمسها بالطين. وأشعل سيجارة يستمد منها الأمان وهو يمشي بسرعة لخارج المقابر. وجد الحارس متكوم خارج المقابر بجسد مرتعش. همس دكتور معاذ. "كل حاجة خلصت خلاص. انت في أمان هنا."

كان الحارس واضع رأسه بين ركبتيه. "قدرت توصل للي انت عايزه؟ "أرضيت فضولك يا دكتور؟ "ده مكنش فضول." قال معاذ وهو يحرق السيجارة. "ده كان بحث عن الحقيقة." "لكن الحقيقة هتدمرك يا معاذ يا سنهوري." تشبثت عين معاذ بالحارس. أدرك أن من يحدثه ليس الحارس بل شخص آخر بداخله. "انت ليه كنت بتصرخ متتخلاش عني زي مدحت؟ "أنا تعرف مدحت من فين؟ "أنا لا أعرف مدحت ولا بخيت. أنا لقيت نفسي بقول كلام معرفوش." "بخيت؟

" كان نفس الشخص الآخر الذي شنق قبل مدحت. "طيب تعالى أوصلك بيتك." أسند عليه. استطاع معاذ أن يوصل الحارس لمنزله. تركه تحت مدخل العمارة حتى لا يتعرض لسين وجيم. وكان لا يزال غير قادر على إمساك أعصابه. استقل سيارة أجرة نحو منزله. رقد في المقعد الخلفي مثل جثة هامدة. رن هاتفه مما جعله يرتعش من الخضة. "انت عايز مني إيه؟ صرخ معاذ وهو يحلق برقم الهاتف. "عايز مني إيه؟ " بصراخ مما دفع السائق للنظر نحوه.

فتح معاذ سماعة الهاتف باستسلام. لم يكن هناك أزيز صاخب. بل صمت. تبعه. "انت التالي."

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...