نزلت من العربية وأنا تايه، بحاول أرتب اللي مريت بيه. شيء صعب جدًا، لما تكون حياتك روتينية هادية ويحصل معاك في أسبوع واحد اللي عمرك ما حلمت تشوفه. تحت العمارة شعرت بخوف من طلوع الشقة. كنت حاسس إن أي مكان ليه باب هيظهر لي جواه حاجة مرعبة. "مالك يا دكتور، فيه إيه؟ سألني عوض، غفير العمارة، لما شافني تايه وعمال ألف وأدور قدام باب العمارة والسيجارة خلصانة في إيدي. "مفيش يا عم عوض، شوية مشاغل بس."
حاولت أعتذر لعوض عن غضبي معاه لما سألته عن الشخص اللي دخل شقتي، لكن لساني ما طاوعنيش. "أجيب لك كوباية مايه يا دكتور؟ "ياريت يا عوض، ياريت. زورى كان ناشف كأن ليه سنة مشربتش مايه." قعدت على الدكة قدام العمارة، وعوض جاب لي كوباية مياه شربتها كلها. "انت بتصدق في أمور الأشباح والعفاريت؟ ابتسم عوض. "انت عايز تسخر مني يا دكتور معاذ؟ "انت دكتور نفسى، يعني مش بتصدق في الحاجات دي."
"هصدق يا عوض، هصدق. أصل عندي مريض بيقول إنه لابسه عفريت، وأنا الصراحة مقبلتش حالات زي كده." "فيه يا دكتور عفاريت. في المطرح اللي أنا جيت منه كنت بسمع كتير عن الأشباح بتقابل ناس في الغيطان، في الحتت المقطوعة اللي فيها دم تحديدًا." "دم إزاي يا عوض؟ "يعني كان فيه واحد وقع من فوق نخلة ومات، وعفريته كان بيطلع هناك بالليل، لكن شخص يعدي قرب النخلة."
أومأت لعوض. "لو فيه شخص اتقتل في المكان اللي اتقتل فيه، بيكون فيه شبح. وغالبًا بيكون عفريت رخـم." "جارتنا رؤيا، كانوا بيطلعوا على نفسها." "هو ممكن العفريت يعمل إيه يا عوض؟ "أحيانًا بيتلبس الشخص يا دكتور، ولازم شيخ يطلعه." "زمان واحنا بنلم دودة القطن وكنا عيال صغيرة في الزرعة البحرية، واحد منا لقيناه بياكل طين. أيوه والله يا دكتور معاذ، كان نايم على الأرض وعمال يحفر وياكل طين."
"كانت أيام بدرية ومحدش يعرف حاجة عن الطب. مسكوه أربعة بالعافية، وفي البيت الشيخ فضل يضرب فيه بجريدة نخل ويصرخ: اطلع، اطلع. طبعًا مكناش حاضرين لأننا أطفال وأهلنا بعدونا عن المكان، لكن عرفنا إن جن تلبسه لأنه عمل حمام فوق عياله." "هو العفريت بيمتلك القدرة اللي تخليه يتحكم في تصرفات الشخص؟ "أيوه يا دكتور، بيتحكم وممكن يخليه يعمل أي حاجة."
كنت بسمع وأنا بسخر من نفسي، ما بين الثوابت العلمية اللي درستها والأمور الخيالية اللي بتحصل معايا، واللي لسه خارج منها حالًا. شكرت عوض الحارس وطلعت شقتي وأنا متخيل في كل ركن هلاقيه شبح. لكن الشقة كانت زي ما تركتها، مفيش أي حاجة غريبة، والكتابة على المراية اختفت. خدت حمام ودخلت على غرفتي، نمت. نمت رغم إني مكنتش معتقد أبدًا إن عنيا ممكن تنغلق بعد اللي شوفته من الرعب.
لما فتحت عنيا عرفت قد إيه أنا جعان. مر أكتر من يوم ونص وأنا على لحم بطني. عديت على مطعم وأنا رايح الشغل. فطرت وحبست بشاي وطلعت على الشغل. صبحت على دكتور سعيد وروحت على مكتبي، أخدت الملفات ومرّيت على المرضى بتوعي. بعدها رجعت مكتبي وأنا حاسس إن فيه حاجة في حياتي اتلخبطت. مقدرش أحكي لحد عن اللي شفته ومرّيت بيه. رقم بيرن من غير تليفون، مراية مكتوب عليها كلام غريب. وشخص ميت من سنتين بيزور شخص مات من أكتر من أسبوع.
ولعت سيجارة بقرف. الطريق اللي أنا ماشي فيه هيدمرني. بيسحق كل قناعاتي العلمية. هيتسبب في طردي من شغلي. ويمكن أدخل مستشفى المجانين. طلبت فنجان قهوة. كان لازم أفكر بتركيز لمخرج من الورطة اللي وقعت نفسي فيها. "مدحت مات. يعني مفيش فايدة من أي حاجة أنا بعملها." "سواء كان شبح أو هو قتل خطيبته مع سبق الإصرار والترصد." "كل حاجة انتهت. مفيش داعي أفتح صناديق قديمة." "وأخدت قراري. موضوع مدحت مات ومش هفتحه تاني."
ومضى أسبوع بحاول أقلم نفسي على الوضع الجديد. وقف عقلي عن التفكير وبضيع وقتي في الشغل أو لعب الطاولة على القهوة. كان لازم أغرق نفسي في التفاهة لأن الحقيقة صادمة، مرعبة. كان يوم ثلاثاء وكنت بدور على ملف ضايع مني في المكتب. فتشت المكتب كله وأنا ببحث، وقعت إيدي على الورقة اللي فيها تليفون دكتور عوني الورداني وعنوانه. معرفش ليه قلبي اتخض وقعدت دقيقة مبلم. "انت أخدت قرارك خلاص يا معاذ؟
"أحرق الورقة، متفتحش باب قفلته مهما كانت المغريات، لأن اللي هتشوفه مش هيعجبك." رميت الورقة في سلة المهملات. خلصت الشغل وركبت مواصلات عشان أروح. حطيت إيدي في جيبي أدفع الأجرة. طلعت مع الفلوس الورقة اللي فيها عنوان دكتور عوني الورداني ورقم تليفونه. اتصدمت. "الأجرة يا أستاذ؟ أيقظني صوت الكمسري وأنا ببحلق في الورقة. "إنتِ وصلتي جيبي إزاي؟ أنا تخلصت منك. رميتك في الزبالة."
دفعت الأجرة ونزلت في أول محطة. وقفت تحت يافطة كبيرة لمنتجات ديفاكاتو وإيدي بترتعش، طلبت رقم دكتور عوني الورداني. لحظة والتليفون رد عليه، كان صوت واحدة ست. "السلام عليكم، ممكن أكلم دكتور عوني لو سمحتي؟ "إنت مين؟ "أنا دكتور معاذ، طبيب شغال في المستشفى اللي كان شغال فيها دكتور عوني." "عونى مش موجود." وانهت المكالمة. قعدت باصص في التليفون واتصلت مرة تانية. "أرجوكي لو سمحتي، أنا لازم أقابل دكتور عوني أو أكلمه."
"عونى مش هنا. لو سمحت متتصلش هنا مرة تانية." "أرجوكي متقفليش الخط، أنا محتاج مساعدته." "عونى مش هيقدر يساعدك يا دكتور." بتردد سألت: "ليه؟ "لأن عونى في مستشفى العباسية." خبر وقع على دماغي زي الصخرة. "إزاي دا حصل؟ "لو سمحت أنا مش ناقصة، اقفلي بقى." "أرجوكي." قلت بتردد. "أنا... بمر بنفس اللي بيمر بيه دكتور عوني." حل صمت طويل. "وعايز إيه دلوقتي؟ "عايز أقابل دكتور عوني، يمكن يقدر يساعدني. عايز أعرف إيه حصل معاه."
بعد محاولات، قبلت فريدة، أخت الدكتور عوني، تقابلني. ضربت موعد في كافيه قريب من بيتها وطلبت إني أقابلها بعد نص ساعة. وصلت هناك بسرعة، كانت قاعدة على طاولة منعزلة. شابة في العشرينيات، رفيعة وأنيقة، شديدة العناية بتفاصيلها. بنطال أزرق من القماش وقميص وردي ووشاح لبني. وكان وجهها بلون اللبن وعينين بندقيتين تحوطهما رموش ناعسة. عينين باتساع غطاء زجاجة بيبسي. سلمت على بيد ثابتة وقعدت على المقعد.
"اعتذرت عن الإزعاج. عايز أعرف إيه حصل مع دكتور عوني بعد إذنك." طلبت بأدب أن تتحقق من هويتي. لما تأكدت إني دكتور نفسي، تنهدت وطلبت ليموناته. "عونى كان كويس جدًا. شخص ملتزم ومنعزل وملوش علاقة بأي حاجة ممكن تعكر صفو حياته." "لحد ما وقع تحت إيده ملف مريض متهم بقتل خطيبته."
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!