بتعرف تسوق يا معاذ؟ ونظرت فريدة تجاه الطريق المزدحم. اسوق العربية يعني؟ آه يا معاذ، همست فريدة بشرود وكأن هناك ما يشغلها. ماشي. استبدل المقاعد واستقر معاذ خلف عجلة القيادة، ولم يتمكن من فهم فريدة. للنساء آراء ومفاهيم ووجهات نظر واهتمامات أكثر تعقيدًا من امتحان مادة الفيزياء في الثانوية العامة. انطلق معاذ ببطء، فقد كانت مهاراته في القيادة مضمحلة، وكان متوجسًا أن يخدش سيارة فريدة.
وظل حذرًا في قيادته حتى وصل الطريق السريع وانفتحت الأسفلت أمامه. شد شوية يا معاذ، إحنا زي ما نكون راكبين قطر متعطل. كل تأخيرة وفيها خيرة يا فريدة. ثم شهق معاذ وبدأت السيارة الزاحفة تنطلق بسرعة. عبر عداد السرعة ١٢٠ كيلو. نظرت فريدة نحو معاذ. معاذ، هدي السرعة شوية. أنا ماشي بسرعة بطيئة جدًا يا فريدة، زي السلحفاة. وضغط البنزين. معاذ! صرخت فريدة، اضغط فرامل! اضغط فرامل!
لكن معاذ واصل الضغط على دواسة البنزين حتى كادت السيارة أن تحلق من سرعتها. إنت هتموتنا يا معاذ، وقف العربية! مش قادر يا فريدة، مش قادر. رجليه متكبّلة. ثم صرخ معاذ برعب. مش أنا اللي بسوق. قل بسم الله يا معاذ. أذكر الله. مش قادر يا فريدة، مش قادر. وسط اللخبطة، صفعت فريدة معاذ على خده. وبحركة مرنة، ضغطت فرامل إرادته سلس حتى لا تنقلب السيارة، لكن الفرامل لم تفعل وظلت السيارة تتماوج على الرصيف.
ثم ظهر طيف مبتسم على زجاج السيارة، طيف بوجه بشع ساخر، يهمس: إنت التالي!! هتقتلنا؟ صرخ معاذ بجنون. لو قتلتنا تبقى انهزمت، مش دي طريقتك. قلت لعوني إني هقتل فريدة. إنت مش قادر تسيطر صح؟ عايز تخلص الموضوع بأي طريقة. ابتعد الطيف وعاد مرة أخرى. إنت بتتحداني؟ أنا عارف إنت مين، وجيت من فين وعايز إيه. وعارف علاقتك بعوض، وعارف مدحت قتل خطيبته ليه. إنت بقيت مكشوف وأنا مش خايف منك.
قهقه الطيف، وهدأت حركة السيارة حتى توقفت على جانب الطريق. شهق معاذ من الرعب، وكانت فريدة تحت الصدمة. فريدة؟ شفتيه؟ تقيأت فريدة على الأرض. أنا غلطانة إني خليتك تسوق أصلًا يا معاذ، كنت هتموتنا. شوفتيه يا فريدة؟ شوفته يا معاذ. انطلق معاذ في الضحك. يعني أنا مش مجنون. هو ده كل اللي همك يا معاذ؟ فيه حاجة أكبر من كده إنت مش واخد بالك منها. رفع معاذ وجهه ينتظر، كطفل يتيم يتمنى مدح أمه. إنت قدرت تشتت انتباهه.
والله ما إنت سايق تاني، انزل! حاضر يا فريدة. أوقفت فريدة السيارة تحت منزل المرأة وتأكدت من حلاوة ملامحها في مرآة السيارة حيث أخفت شعرة متمرّدة مرقت من التحجيبة. تقدم معاذ السلم المظلم مثل فتى جريء، وهمس بامتنان: خلي بالك ليكون فيه درجة مكسورة ولا حاجة. بعد عدة طرقات استمرت أكثر من دقيقة، انفتح الباب. كان وجه المرأة متغضن، تشعر أنها أمضت عامين بلا نوم. إنت مين وعايز إيه؟ همست بنبرة مرتعشة وهي تعاين فريدة.
أنا دكتور معاذ، صديق مدحت. اتقابلنا يوم الدفنة بتاعته. ضيقت المرأة حاجبيها مفكرة. أنا معرفكش. أزاح معاذ فريدة عن طريقه بحركة عشوائية. افتكري كويس يا حاجة، الوش ده مش ممكن يتنسى. ليه هو إنت محمود المليجي؟ لا فريد شوقي. إحنا هنزر يا حاجة، من فضلك ركزي. قلتلك معرفكش يا أستاذ. همست فريدة. طيب ممكن ندخل نتكلم جوه الشقة، ميصحش نقف على الباب. وتدخلوا شقتي تعملوا إيه؟ أنا شقتي طول عمرها محترمة.
أفكارك قذرة، خاطبها معاذ بصوت مسموع. وكانت المرأة تمسك الباب المورب بقوة كأنها أمام سطو مسلح. وكانت رائحة عفونة تخرج من داخل الشقة وتيار مثلج يشق طريقه نحو الخارج، ولاحظ معاذ أن قدمي المرأة تعاني تورم وأن عروق قدميها ظاهرة أسفل قدميها. مدحت خطيب بنتك يا والدتي. مدحت اللي اتشنق بريء. سقطت دمعة من عيون المرأة، دمعة ساخنة أحسها معاذ في يده. من فضلك يا ابني امشِ من هنا. أنا معرفكش ومعنديش استعداد أتكلم في الموضوع ده.
وضع معاذ رأسه داخل باب الشقة المعبقة بالحزن والفقد والتعاسة. يلا بينا يا معاذ، همست فريدة بخجل. سيبها على راحتها. في أثناء هبوط السلم، سبّ معاذ ولعن أكثر من ألف امرأة. اركب يا معاذ، خليني نمشي. كان معاذ يضع يده على السيارة بغضب. أنا عايز أبلع ريقي، هشترى حاجة ساقعة وأرجعلك.
قصد دكان البقالة تحت العمارة الذي يرسل له معاذ النقود مع شخص مجهول منذ وفاة مدحت لمساعدة المرأة، وكان صاحب الدكان يضع مشتريات داخل كيس لطفل صغير. انتظر معاذ دوره بصبر. اطلع للست تحية اديها الكيس ده، قال معاذ بلا مبالاة. الست تحية اللي ساكنة في الدور التاني؟ آه يا أستاذ، ربنا يكون في عونها. اللهم آمين يا رب العالمين، رددها معاذ بكل قلبه. وبفكرة سريعة سأل: هما لسه الدكاترة مش لاقيين لها علاج؟
رفع الرجل بصره باستنكار. هو المشلول بيتعالج يا أستاذ؟ تجاوب معاذ معه. هي الست تحية اتشلّت؟ من زمان أوي. بعد شهر من وفاة بنتها اتشلّت ومش بتقدر تتحرك من مكانها. ربنا يبارك في ابن الحلال اللي بيبعت لها الفلوس. دي مش بتقدر تتحرك من مكانها وأحيان مش بتقدر تتكلم، وطول الليل تصرخ كأن فيه شخص ماسك كرباج وعمال يعذبها وصوتها بيوصل العمارة كلها. كفاية حرمت، ارجوك سيبني في حالي.
ولما شكينا في الأمر وخفنا يكون حد بيضربها، دخلنا شقتها أكتر من مرة فجأة ملقيناش حد. فعرفنا إنها يا حفيظ اتجننت. يارب يشفيها أو يريحها. ارتطمت الصدمة بقلب معاذ، وركب السيارة بشرود. مالك ساكت ليه يا معاذ؟ رمى معاذ ابتسامة فاترة. عارفة الست اللي فتحتلنا الباب من شوية؟ مالها يا معاذ؟ عندها شلل ومش بتقدر تتحرك من مكانها.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!