الفصل 18 | من 29 فصل

رواية وعد في العتمة الفصل الثامن عشر 18 - بقلم اسماعيل موسى

المشاهدات
16
كلمة
848
وقت القراءة
5 د
التقدم في الرواية 62%
حجم الخط: 18

كانت الشقة ساكنة كأنها منزل مهجور على آخر حدود الأرض. كان معاذ يسمع وقع خطواته على البلاط البارد. خطوات بطيئة، كئيبة، مرتعشة. وتساءل معاذ: "هل اخترت المكان الملائم لمقابلتي؟ رغم أن الأثاث داخل الشقة كان يتحرك باستمرار بحركات عشوائية، إلا أن معاذ لم يشعر به. فتح باب الغرفة، الذي كان مستعصيًا، بالقوة. بقع سوداء بدأت تظهر على سقف وجدران الشقة. غرفة بسيطة تفوح منها رائحة الموت.

صور لشابة تنعى صاحبتها الميتة، تركت في مكانها على الجدار. حفر عليها رقم ٥٥٥. مقعد فقد أحد قوائمه. طاولة رصت عليها كتب وروايات. زجاجة عطر فارغة رسم عليها رمز القراصنة. دفتر يوميات غطاه التراب. مصباح في سقف الغرفة، ترك مكانه وتعلق بسلك الكهرباء العاري. بطانية مطبقة موضوعة فوق الوسادة. صورة طفلة جميلة علقت فوق السرير بقصة شعر "بيكي".

رفع معاذ غطاء السرير وحملق بالملل الخشبية المتعددة التي حفر فوق كل واحدة منها رمز الشيطان. اصطدم باب الغرفة خلف معاذ محدثًا صوتًا مدويًا. "الإنسان الذي عاش طول حياته بمفرده لا يثق بالآخرين بسرعة. عايزة تقولي إيه يا حنان؟ مش قادر أوصل ولا أفهم، عايزة توصلي إيه؟ ثم سمع معاذ صوت قهقهة ورأى والدته التي ماتت منذ كان طفلًا تجلس على السرير. "أوهام! وضع معاذ يده فوق وجهه. "حاجب الصورة! تجهم وجه المرآة.

"إنت مش عايز تشوفني يا معاذ؟ حاول معاذ أن يضع كل تركيزه على تفاصيل الغرفة. البقع السوداء التي ظهرت على جدران الشقة راح يتساقط منها دود أسود. دود زحف على الأرض ببطء واعتلى السرير. "الحقني! سمع معاذ صوت أمه يدوي في عقله. "إنت مش عايز تساعدني؟ بدأ الدود يأكل جسد الأم الصارخة. "أنا بلعنك في كل لحظة يا معاذ، إنت كنت سبب موتي! الدود الملتهم أزال الجلد واللحم، وتحول جسم الأم لهيكل عظمي.

"طول عمرك بتتخلى عن من اختارك، عشان كده هتعيش وحيد معذب بضميرك الواهي." هطلت الدموع من عيون معاذ الذي يعرف أن كل هذا تهيؤات من صنع الشيطان. رغم ذلك، أحس بالوجع. "كان يمكنني أن أحتضنها على الأقل." همس معاذ: "ما فيش جديد، في كل مكان بروحه بلاقي نفس العلامات." "لقد أحضرتك لعالمي، فإن تأثيرك محدود." وكان معاذ يعيش داخل تفاصيل العالم الذي خلقه قبل دخول الشقة. رغم اختراق الكيان له، لكنه حتى الآن يسيطر على عقله.

بعد أن يأس معاذ، أشعل سيجارة وجلس وسط الغرفة التي أصبحت مظلمة. "لما تكون بتتعرض لهجوم كيان كل ليلة، ممكن تضع أسرارك فين؟ لو كنت في وضعها، مرعوب! "ها يا معاذ، كمل! مسح معاذ الغرفة بعينه بحثًا عن مصحف. كانت الغرفة خالية من أي آية قرآنية. "عاشت معذبة وماتت معذبة، فلا تجعل موتها يذهب سدى." "كل الأمور ملقاة على عاتقك، حتى الذي لم يحدث منها بعد." رنت فريدة على معاذ بعد ما تأخر. كانت مرعوبة أن يكون الكيان عمل فيه حاجة.

ترك معاذ الهاتف يرن ونهض قاصدًا باب الشقة. ثم التفت فجأة ونظر تحت السرير، يمكن يشوف حاجة. لكن الشرطة كانت أخذت كل الأدلة، حتى غير المفيدة لها. ركب معاذ السيارة في صمت وحيرة. "ملقتش حاجة، صح؟ "نفس العلامات يا فريدة، كلها متشابهة." "الكيان هاجمك؟ "آه هاجمني، لكن كنت في عالم خلقته جوه دماغي. أنا جبته عالمي مش بتاعه، عشان كده تأثيره كان ضعيف." "طيب، إنت بتعيط ليه؟ وكانت دموعه تنزل دون أن يدري.

"شفت أمي يا فريدة، الكيان كان بيلاعبني ومقدرتش أحضنها حتى." ربتت تحية على كتف معاذ من مقعدها الخلفي. "متزعلش يا ابني، أنا عمل فيا حاجات كتير جدًا." انطلقت فريدة بالسيارة. وعندما وصلوا الشقة، نظفت المرآة وغسلتها، وألبستها ملابس نظيفة، وأعدت لها الطعام. "وبعدين يا معاذ، إحنا كده بندور في حلقة مفرغة." "كان عندي أمل ألاقي حاجة في غرفة البنت، لكنها كانت فاضية من كل حاجة." تحية كانت تأكل وتسمع الكلام، لكن صامتة.

فجأة، نظر معاذ تجاه تحية. "هي بنتك كانت بترسم يا حاجة؟ "أيوه، كانت بترسم. أنا جمعت كل حاجة تخصها في الشنطة اللي هناك دي." مشي معاذ تجاه الحقيبة وأفرغ محتوياتها على الأرض. أمسك كراسة الرسم وبدأ يعاينها. انصدم لما شاف الرسومات اللي داخل الكراسة. عينيه برقت وراح يفتش الرسومات، ومع كل رسمة دهشته تزداد أكتر. في البداية، رسمت حنان طيفًا أغبش، مجموعة خطوط قاتمة.

ومع كل صفحة، كانت الرسومات تزداد وضوحًا، تقريبًا مع استمرار ظهور الكيان عندها في الغرفة. تأمل معاذ ملامح الكيان بدقة. الصفحة قبل الأخيرة كان الكيان تقريبًا مكتملًا. وآخر صفحة في الكراسة مقطوعة. راجع معاذ الرسومات مرة ثانية مع سيجارة وكوباية شاي. كان نسق الرسم موحدًا. لكن الرسمة ما قبل النهاية فيها شيء غريب. حدق معاذ بالرسمة بتركيز، لأنها كانت مختلفة، كأنها توجه رسالة. ثم أبعد الرسمة عن وجهه وقربها، قبل أن يصرخ.

"شريخ! "اسمه شريخ! اسم الكيان شريخ! عندما ذكر اسم الكيان، شهقت تحية وتقيأت كتل سوداء لزجة مقرفة على الطاولة، داخلها دود يسعى. "ومالك مبسوط كده أوي يا معاذ؟ " همست فريدة بانزعاج. ابتسم معاذ بارتياح. "لأنك عشان تستدعي كيان أو تتغلب عليه، لازم تكون تعرف اسمه." "اسمه بيوضح لك نوعه وعشيرته وأصله ونسبه." "الأمر مش بالسهولة دي يا معاذ، إنت محسسني إننا اتغلبنا عليه."

"من حقي أفرح يا فريدة، أنا كنت في متاهة ملهاش أول من آخر، وفجأة ظهر لي قنديل مضيء يدلني على الطريق." نظفت الطاولة من العفونة، وسرت سكينة داخل الشقة. وارتفع صوت قرآن فعلته فريدة من أجل الحماية والتجسس. "لكل أمير علوي من الجان أعوان وخدم ومريدين. تصنيفهم بين الجان مثل تصنيفهم بين البشر، ولكل واحد منهم سر قوته الذي يعتمد عليه." فاح عطر فريدة داخل الرواق المؤدي لغرفة عوني. أصرت أن ترافق معاذ تلك المرة.

وكان عوني في ركن الغرفة المظلم، لا تظهر منه سوى عينيه اللامعة. وكان جسده نحل لدرجة مروعة، ويعاني من أزمة اكتئاب حادة، ومنذ يومين يرفض تناول الطعام. قابلهم عوني بعدائية وصرخ بصوت مجنون: "مش عايز حد هنا! غمز معاذ للحارس بعينه أن يلتزم الطناش والصمت.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...