كانت التي يظنها أمه توليه ظهرها تجلي ما في الحوض من أطباق. عندما لم تجيبه، ظن عدم ردها أنها غاضبة عليه، فأراد أن يزيد من تدليلها حتى تسامحه وتبادله الحديث. ضمها أكثر إلى صدره وهو يطبع قبلة على خدها. مصطفى: ما خلاص يا أماّه بقى، كان عندي مصلحة على السخان كده بخلصها، وبعت لك الواد جنش. همس وداخلها يرتجف، وخافقها تجمد، وعقلها توقف عن العمل. ولكن لا بد أن توقفه عند حده، فمن يظن نفسه.
لفت وجهها إليه ولازالت ذراعيه قابضة على خصرها. جحظت عيناها عندما كان يهم بطبع قبلة أخرى على خدها، فكادت شفتيه تلامس خاصتها عند استدارة وجهها إليه. تيقظ عقلها سريعًا وابتعدت برأسها عنه قبل أن يلثم شفتيها.
أما هو، عندما ضمها إلى صدره بقوة، لم يكن يضمها هي. هو عندما دخل خلسة إلى المطبخ ورأى التي تعطيه ظهرها بملابس والدته، بل وبأحد أغطية الرأس التي اعتادت والدته على ارتدائها في البيت، فطوق خصرها بذراعيه. ولكنه تعجب من طراوتها ونحافة جسدها، فلم يعلق، ظنًا منه أنها تجهد نفسها في العمل. فلابد أن يتحدث معها مرة أخرى، فهي تأبى ترك أمانة صديقتها. كما أن الجلباب فضفاض لا يرسم منحنيات تلك الأميرة عكس ما رآه عليها صباحًا.
لم يخطر بباله ولو لثانية أن من جاب المنطقة بأكملها وضواحيها، في منزله تقف في مطبخهم تجلي الأطباق. أي هزي هذا؟!! لابد وأن العامل بالمقهى وضع له شيئًا في الشاي، ربما حبوب هلوسة. ولكنه استبعد هذا، فهو لم يلتقيه من قبل، فلماذا عساه أن يقدم على فعلة كهذه؟!! إذا هو من كثرة انشغاله وتفكيره بها أصبح يراها في كل الوجوه، حتى وجه أمه.
أما التي كان قابضًا على خصرها، وبعد أن استدارت برأسها ورآها، خشي أن تتبخر من بين يديه كما كان في الصباح ولم يجدها، فأحكم قبضته عليها بعد أن أدارها إليه، فأصبح وجهه مقابلًا لوجهها يطالعها بحنين. كما وجد ضالته المنشودة، أو كعشق سلبت منه حبيبته فصال وجال حتى عادت إليه.
أيعقل أن يكون عشقها من أول نظرة. لا، هي جنيته التي عادت من أجل أن تأخذه إلى عالمها. إذًا، هي ليست أنسية كما اعتقد. وهو ظل يبحث عنها طيلة النهار والآن تشاكسه حتى يهيم بها، فمرة تظهر له في الظلام، ومرة تتشكل في زي أمه. أفاق من شروده اللحظي بعينيها وهي تضع كفيها على صدره كسد حائل بينه وبينها، وتبتعد برأسها عن وجهه. همس وهي بين يديه تدفعه بقوة: همس: أنت لو ما بعدتش عني أنا هصوت.
لازالت تدفعه عنها، ولكن لصلابة جسده لم تزحزحه إنشًا واحدًا عن موضعه. ومن كثرة مقاومتها له وتهديدها بالصراخ، تدافعت الأفكار إلى رأسه. لو كانت جنية من الجن العاشق، لكانت أكثر من مرحبة من هيمناتها عليه، وانجذابه لها. وإن أغضبها فلن يستعصى عليها شيء، تستطيع إيذاءه بسهولة، ولم تبقى هكذا في أحضانه تنتفض دافعة له وتهدده بالصراخ. إذا هي ليست جنية وهو لا يهلوس، وهي بالفعل بشر مثله، وهنا في بيته. لكن، من هي؟!!!
همت تفتح فمها لتصرخ، فدفعها للخلف، حتى ارتطمت بالحائط. فأصبح المشهد كالتالي: يد على فمها، ظهرها للحائط، ويده الأخرى يستند بها إلى جانب وجهها على الجدار محتجزًا إياها بينه وبين الحائط. مصطفى: وعندما استشعر ملمس شفتيها على باطن يده، سرت بجسده رجفة كالماس كهربائي مصدره هي. اقترب منها حتى كادت شفتيه تلامس شحمة أذنها. مصطفى: أنا هشيل إيدي بس لو صرختي، أنا مش مسؤول عن اللي هيحصل.
أومأت هي رأسها برعب حتى يبعد يده عنها. بالرغم من أن السيدة نجوى هي من عمدت على رعايتها وتربيتها هي ووعد، إلا أنها لم تره من قبل. من حديثه علمت أن هذا هو مصطفى، ابن السيدة نجوى ومن تدعوها "مامي".
ولكن ألم تكن السيدة نجوى دائمًا ما تشدو بأخلاق ابنها وتربيته وشهامته واحترام الناس إليه. فعندما توفت والدتها، كانت وعد بالثانية عشر من عمرها، وهمس بالعاشرة من عمرها، وكان مصطفى يكبرهما بعشرة أعوام، أي كان في العشرين من عمره. فقد كانت نجوى تعمل في بيت جدها لأمها، وكانت تكبر أمها بعامين. كانتا صديقتين، فلم تكن علاقتهما كابنة رب عملها والخادمة، بل مثل شقيقتين. وعندما خطبت نجوى، كانت ليلى والدة همس ووعد لازالت لم تتزوج
بعد. كانت ليلى تشتري لنجوى من مصروفها الخاص الكثير مما يلزمها للزواج، وعندما كانت تذهب لشراء أشياء خاصة بها كملابس أو غيرها، تحضر من كل شيء اثنين، واحدة لها والأخرى لنجوى. وعندما توفت ليلى وتركت بنتيها أمانة في عنق نجوى، وللحق كانت نجوى خير من يؤتمن.
وفي هذا الوقت، كان أشدها تأثرًا بوفاة الأم هي الرقيقة همس. قد كانت همس تخشى المبيت وحدها، فكانت تغفو كل ليلة في أحضان نجوى وهي تحكي لها عن مصطفى، وأخلاق مصطفى، وشهامة مصطفى، ومواقف مصطفى الكثيرة مع أهل منطقته منذ أن كان بالعشرين من عمره، حتى باتت همس تتخيله وترسم له صورة رائعة ليست كحبيب، ولكن كشخصية لأحد الأفلام الأسطورية. أما هذا الذي تراه أمامها لا يمت للصورة التي في خيالها بصلة.
سامحك الله يا مامي نجوى، هذا هو الشهم الجدع حامي الحمى، إنه وقح. ولكن حتى تكون منصفة، هو أوسم من الصورة بكثير، أطول قامة، أشد صلابة، وحسب. استكمل مصطفى بعد أن ابتعد برأسه قليلًا عنها وما زال ناظرًا إلى وجهها يتشرب ملامحها. مصطفى: أنت مين؟!! وإيه اللي جابك هنا؟!! في هذه الأثناء جاءه صوت أمه وهي تقول: نجوى: همس يا همس، خلصتي يا حبيبتي.
إذا هي همس ابنة السيدة ليلى رحمة الله عليها. ابتعد مصطفى عنها ببطء خارجًا من المطبخ متوجهًا إلى مصدر الصوت، وتركها تقف مكانها ولم تتحرك خطوة تستند إلى الحائط بوجه يكسوه حمرة الغضب من أفعاله، وكذب نجوى عليها. عندما رأته نجوى، أشاحت بوجهها عنه، لا تريد محادثته. مصطفى وقد تبدل حاله عن الصباح والبهجة تملأ مقلتيه: مصطفى: أنت لسه زعلانة مني يا نوجا. وأسرع يقبل رأسها ويديها.
مصطفى: خلاص بقى يا أماه، حقك على راسي، كان في مصلحة حلوة كانت هتطير مني، بس ربك رب قلوب. ادعي لي يا أماه يبقى ليا قسمة فيها. لأن قلب نجوى لفلذة كبدها، ابتسمت في وجهه داعية له. نجوى: ربنا ينولك اللي في بالك يا ابن بطني. أمن مصطفى على دعائها بلهفة. جذبته نوال من ذراعه ساحبة له خلفها. نجوى: تعالي أما أعرفك على همس، بنت إيه حكاية. أجابها في داخله: ومين قال حكاية. زغرطي يا أماه، ابن جه على بوزه. دخلا الاثنان إلى المطبخ.
نجوى لهمس: تعالي يا هموسة، هاعرفك على مصطفى. مصطفى وهو يناظرها بابتسامة لعوب: مصطفى: كده برده يا أماه مش تقولي إن عندنا ضيوف، عشان أعمل معهم الصح. وغمز لها بعينه وهو يلاعب حاجبيه في غفلة من والدته. أما هي، بادلته الابتسامة اللعوب بأخرى ساخرة. "هيعمل معهم الصح". عن أي صح يتحدث، وهو الخطأ بعينه. مدت يدها مرغمة تصافحه بأطراف أصابعها، فابتلع كف يدها في كفه العريض، يسلم عليها بحرارة كأنه التقاها للتو وكأنه يعرفها منذ زمن.
مصطفى: نورتينا يا آنسة همس. همس وهي تجذب يدها من كفه بقوة: همس: هاي. نجوى لمصطفى وهي تلتفت خارجة من المطبخ: نجوى: تعالي ورايا يا مصطفى، عشان تلم حاجاتك من الأوضة تنزلها الشقة اللي تحت. مصطفى وهو يجز على أسنانه فقد أراد أن يجاور القمر، أما الآن، تحطمت كل أحلامه، فهو سيسكن شقة البدروم. مصطفى: جاي وراك يا أماه.
واقترب منها، فأخذت تتلفت حولها تلتقط أحد السكاكين بيدها، فأسرع يقبض على معصمها مقربًا السكين نحو صدره من جهة اليسار في إشارة منه إلى قلبه. مصطفى وهو يناظرها بنظرة هائمة: مصطفى: اعتبريها غرزت هنا. وعادت الابتسامة اللعوب على وجهه قائلًا: مصطفى: وبعدين ما تخافيش، كفاية عليك حضنين النهارده. وتركها تسبه في سرها، خرج من المطبخ، وما إن خرج حتى رمت السكين من يدها. وبصوت عالٍ نسبيًا: همس: وقح.
قفز برأسه لها من خلف جدار المطبخ وهو يشير على خده غامزًا. مصطفى: حضنين وبوسة، وبعدين لمي لسانك شوية. دخل مصطفى إلى غرفته يلملم متعلقاته، فوجد ملابسها معلقة على مشجبه. أخذ قطعة منها يستنشق عطرها كأنه إكسير الحياة. وهبط بنظره لجوار السرير، وجد حذاءها على الأرض. جلس على عقبيه ينظر إلى فردتي الحذاء يحدثهما: مصطفى: إمتى هتركني جنب جزمتي بالحلال، هاتها جمايل يا رب.
جمع أشياءه وهبط إلى شقة البدروم، بالرغم من حزنه لأنه لن يبيت في نفس الشقة. فهو سيد من يعرف الأصول. بعد ما وضع أشياءه في الشقة بالأسفل، خرج من البناية مسرعًا ليغلق المحل مع والده الذي سيسكن معه شقة البدروم حتى يتركوا الفتيات على راحتهن. أراد أن يغلق معه المحل ويعودا للمنزل سويًا لتناول الطعام في الأعلى مع زوجة المستقبل. نعم، فسيجعلها تحبه، سيفعل المستحيل، هي له وحسم الأمر.
وأثناء توجهه إلى المحل، اقترب منه أحد جيرانه في المنطقة ويدعى عبد الرحمن. عبد الرحمن: مسا مسايا درش. مصطفى وهو يشع بهجة: مصطفى: أحلى مساء يا عبود. عبد الرحمن: بأقول لك يا زميلي، هي مين الحتة اللي كانت مع خالتي نوجه الصبح؟ مصطفى قد تبادلت ملامحه إلى الغضب وعيناه تحاكي الجحيم، قابضًا على عنقه من الخلف جاذبًا إياه إليه. مصطفى: ماتحسن ملافظك يا زفت، وبعدين يخصك في إيه؟!! عبد الرحمن: في إيه يا زعامة؟!!!!
ما لك، أنا قصدي شريف. مصطفى بغضب: مصطفى: بلا شريف بلا خفيف، ومالكش دعوة بيها لأنها تخصني. عبد الرحمن رافعًا يديه باستسلام: عبد الرحمن: أسفين يا ديشة، وعلى العموم مبروك يا غالي. انصرف مصطفى من أمامه متوجهًا إلى والده في المحل. مصطفى: السلام عليكم يا حج. الحاج زكري: وعليكم السلام يا ابني. مصطفى: يلا بينا يا حاج عشان هنتغدوا مع أمي والضيوف. الحاج زكري وهو يحك ذقنه بيده:
الحاج زكري: بأقول لك يا مصطفى، هو الولد جنش راح عندنا البيت النهارده. مصطفى متذكرًا أنه هو من أرسله هناك لتركيب السرير. ماذا؟!! هل رآها هو الآخر؟ مصطفى مستفسرًا وهيئة والده تدل على أن هناك خطبًا ما ويعرف أن هذا الأمر يخصها. مصطفى: أيوه يا حاج، ليه في حاجة. الحاج زكري: أصلو جاي بيسألني عن الضيفة، وقال عايزني أكلم أمك عشان تجسس له النبض.
هو وقد هم خارجًا من المحل وغضب العالم يستحوذ عليه من كلام أبيه، عن كون جنش يريد خطبتها. الحج ذكري: رايح فين يا مصطفى. مصطفى: هاوقف له النبض اللي عاوز يجسه، وهاقطع له الحرارة. خرج محادثًا نفسه: إحنا هنبتديها عبد الرحمن طلبها، وجنش عاوز يجس النبض، ده بينه هيبقى مرار طافح. وعندما عاد مصطفى إلى المنزل، دون أن يرجع إلى والده للعودة سويًا. وبمجرد وصوله إلى المنزل كانت المفاجأة.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!