عند محمد وسارة. عندما استفاقت سارة من الحالة التي استحوذت عليها، عندما اقترب منها محمد بهذا الشكل غير المعهود، وانتبهت على صوت هناء ووقع أقدامها على السلم وهي تصرخ. هناء: بت يا سارة، انت نسيتي باب الشقة مقفول، زمان القطط اللي على السلم دخلت بهدلت الدنيا جوه. كانت هي أول المنتبهين من الهالة التي أحاطتهما، وما كان منها إلا أنها أسرعت إلى غرفة هناء، وقامت بإغلاق باب الغرفة.
استندت بظهرها على الباب، واضعة راحة يدها على صدرها تهدئ من هدر خافقها الذي أصيب بحالة من النشاط غير المعهود يخفق بقوة، مما أدى إلى ارتفاع وتيرة تنفسها، واحتلت الحمرة وجنتيها. رفعت يدها تلقائياً إلى خديها تستشعر حرارتهما. ما حدث منذ قليل كان حلماً من أحلام اليقظة، أن تنعم بنظرة دافئة من عينيه. أن يتمنى ذلك القاسي قربها، ويطلب ودها، وهي تتدلل عليه. أي دلال بعد استلامها المخزي للمساته، كان يستوجب عليها صفعه.
وليس الاستسلام والخنوع لأول اقتراب بينهما دون رابط رسمي. هو حتى لم يقلها (أحبك سارة) سارة لنفسها بلوم: دلوقتي هيقول عليا إيه. حمدت ربها أن هناء جاءت بالوقت المناسب، فلو استكمل محمد ما شرع به وهي في هذه الحالة من الضعف، لن تستطيع النظر إليه مرة أخرى. ظلت على تلك الحالة تلوم نفسها وضعفها أمامه.
أما الذي كان في عالم آخر لم ينتبه على صوت أخته، ولا دخولها من باب الشقة، فهو ما زال على وضعيته في حالة من الهيام والنشوة، لم يتخيل أنه سيعيشها مع من يعتبرها أخته الصغرى، لقد كبرت وأصبحت دافئة أنثى مكتملة الأنوثة. هناء وهي تنظر إلى محمد باستغراب وهو يقف في منتصف الصالة صامتاً شارداً كأن على رأسه الطير، عينيه مثبتة على باب غرفة هناء، كأنه يشاهد عرضاً لأحد أفلام الخيال العلمي. هناء وهي تهزه: محمد مالك واقف كده ليه؟!!!
لم يجيبها وما زال على وضعيته. هناء تهزه مرة أخرى: محمد في إيه مالك؟!! متسمر مكانك كده ليه؟!! انتبه محمد أخيراً إلى حديث أخته، فتوجه بنظره إليها، ولا زال جسده متجمداً مكانه، وكأنه صعق بكابل كهرباء عمومي. أخذت هناء تتلمسه باندهاش من حالته تلك وهي تحادثه مستفسرة عن ما أصابه. كانت ردة فعله أنه أشاح بوجهه عنها، رامقاً باب الغرفة بنظرة مطولة. استدار مغادراً إلى غرفته دون كلمة كأنه في عالم آخر غالقاً الباب خلفه.
تعجبت هناء من حالة أخيها، وتسمرت عيناه على باب الغرفة. هناء وهي تحدث نفسها، وسارة خلف الباب تسترق السمع لما يحدث في الخارج. هناء وهي تضرب على صدرها بكفيها: ياااا لهوي ليكون اتخانق مع البت سارة، وقالت له كلمتين من الدبش بتاعها، فورت دمه، قام قاتلها. أما من بالباب فقد استدارت عيناها مما تسمعه من حديث هناء، وتحليلها للحالة التي كان عليها محمد. قد كانت تلصق أذنيها بالباب تتلصص عليهما.
ما إن سمعت وقع أقدام هناء يقترب من الباب، حتى أسرعت على أطراف أصابعها تندس تحت الغطاء على السرير، واضعة إحدى الوسائد على رأسها، تتصنع النوم متهربة من سيل الأسئلة التي ستنهال عليها من هناء عن ما أصاب محمد إذا علمت أنها مستيقظة. دخلت هناء غرفتها التي تتشاركها مع سارة، عندما تأتي الثانية للمبيت عندهم. جلست هناء على حافة السرير وهي تنغز سارة في كتفها بعد ادعاء الثانية النوم. هناء بإلحاح: سارة، أنت يا بت.
أزاحت سارة الوسادة، وهي تتمطى وتضع يدها على فمها بتثاؤب. سارة: في إيه البيت بيولع؟!!! هناء: أنت نايمة مع أهل الكهف، أنت شفتي محمد لما جه. سارة وهي تدعي الجهل: إيه ده، هو جه. هناء وقد يأست من الاستفادة بأي معلومة منها: طب قومي يا شملولة، عشان توحة زمانها جابت الفول والطعمية، وجاية ولو ما لقيناش حضرنا باقي الفطار مش هيعرفوا يلموا أشلائنا. ارتبكت سارة من كونها ستلتقي محمد بعدما حدث.
ماذا سيقول عنها إذا كان منذ قليل نعتها أنها قليلة الترباية، فماذا بعد ما كان سيحدث، لولا قدوم هناء. سارة: لا يختي أنا مليش نفس، هأقوم أروح أكمل نوم في بيتنا. وأسرعت تلتقط فستانها ترتديه على استعجال. هناء: كل ده عشان ما تحضريش معايا الفطار، واطية واطية يعني. خرجت سارة مسرعة من غرفة هناء. بعد ما قامت هناء بإلقائها بأحد الوسائد ولكنها أخطأت الهدف.
أما عنه بعد ما دخل غرفته، أوصد الباب خلفه، أخذ يلعن نفسه بسبب ما كان مقدماً عليه. منذ متى وهو بهذا الطيش والاندفاع؟!! دائماً ما كان مثالاً للشاب الملتزم هو وللأسف لا يداوم على الصلاة، ولكنه لم يجرأ على محادثة الفتيات والتقرب منهن.
حتى وعد التي أحبها منذ أن وقعت عينيه عليها أو هكذا كان يهيأ له لم يحاول لمجرد المحاولة أن يصارحها بمشاعره، ولم يخطر بباله أن يكون بهذا القرب منها كما كان منذ قليل مع سارة صغيرته المدللة، وعد كانت من وجهة نظره حباً طاهراً بريئاً، حتى ولم تبادله، فهو لا ينتظر منها شيئاً، وهي من الأساس لم توعده بشيء، وحينما يشعر بانجذاب رجل لامرأة يكون هذا الانجذاب لمن تربت في كنفه، وعاملها كأخته الصغيرة، لكن ما أحسه بقربها منذ قليل، لا يشعر به الأخ تجاه أخته.
إذًا ما هي بالنسبة له إن لم تكن أخته؟!! أكان ينقصه تخبطاً يكفيه ما هو عليه من ضياع. أقنع حاله أن ما حدث خطأ، لا بد وأن لا يتكرر هي أخته، وانتهى الأمر. طرقت هناء باب غرفته فأذن لها بالدخول: هناء إيه يا محمد من ساعة ما كنت متخشب في الصالة، وأنت قافل على نفسك الباب. محمد بغضب من حشريتها: وأنت مالك؟!! حشرة مناخيرك في اللي ليكي فيه واللي ما لكيش فيه. هناء: أنا غلطانة إني بطمن عليك، ويلا قوم، قبل الطعمية ما تبرد.
كان سينهض، ولكن عندما تذكر أنه سيلتقيها خجل من حاله. إذا كانت هي صغيرة فهو الأكبر والأرشد، هو الذي كان يضع نفسه بمكانة الأخ الأكبر المرشد والحامي، الآن ماذا ستقول عنه؟! استغل الحالة التي كانت عليها من الضعف والانهيار بسبب كلماته اللاذعة، لا، لن يخرج. محمد: ما تغلطيش تاني، وإيه اطمن عليك دي؟ أنا مش عيل صغير، وامشي يلا وخذي الباب في إيدك.
ما إن تذكر محمد ما حدث بينهم منذ قليل انتابته قشعريرة لذيذة، وهو يتخيل كأنه يستشعرها وهي ذائبة بين يديه. ماذا لو تأخرت هناء دقيقة واحدة، فقط واحدة. عند ريان ووعد. بعد ما أشار لها أن تتبعه إلى داخل الفيلا، وهي صارت خلفه مجبرة. حتى لو هي محتجزة هنا دون إرادتها، فهي لا تنكر إنه وسيم، نعم وسيم وله هالة خاصة به مزيجاً من القوة والصرامة، والكثير من الوسامة والجاذبية، وتلك العينين التي اقتحمت أسوارها العالية.
فهي لم تكن يوماً بهذا الاندفاع، كان العديد من شباب الجامعة يسعون إليها، يرجون نظرة من عينيها، يريدون لفت انتباهها، ومحمد على رأس تلك القائمة. لكنها أبت أن تبتذل مشاعرها في علاقات عابرة. كما أن شباب الجامعة في نظرها مجرد صبية حتى من كان يسبقها ببضعة أعوام، عندما رأته علمت لما لم ترى غيره في السابق، فرجل يعني ريان. ما إن وصلوا إلى داخل القصر، أصدرت معدتها صوتاً ينم عن الجوع وما كان منها
إلا أن قالت بصوت وصل إليه: وبعدين بقى، أنا معدتي ابتدت تصوصو من قلة الأكل، طب أقول له جعانة، ولا هتفضح، ويفضل بقى سين وجيم. عندما استمع إلى ما قالت آلمه قلبه على تلك الحمقاء، لمجرد إحساسها بالجوع، فماذا لو أرادت الابتعاد عنه. ريان مستدعياً إحدى العاملات التي يعملن بقصره، وبالطبع يجيدن الإنجليزية. ريان للخادمة: Get me lunch and ask her if she wants to eat. وعد متمتمة: ينصر دينك يا شيخ.
أما الخادمة فلم تهتم بسؤالها، ستحضر الطعام، وإذا أرادت مشاركته فلتفعل، فهي على علم بسيدها من توجيهات مدير أعماله إنه يجيد عدة لغات والعربية واحدة منها، حتى لا تزلق لسانها أو لسان إحدى الخادمات بكلمة خاطئة تثير غضبه ظناً منهن أنه لا يتحدث العربية، فتصبح في خبر كان. ريان لا يتهاون ولا يحب كثرة الحديث.
انصرفت الخادمة على عجالة تنفذ ما أمرها به، ولم تهتم بسؤالها فإذا كانت ضيفته فلا بد أنها تعرف الإنجليزية، وإن لم تجدها فلا بد أنه دعاها بالعربية لتناول الغذاء معه لذلك هي هنا، فالخادمة لم تعرف ما دار بينهما في الحديقة ولا تهتم لمعرفته. أحضرت الخادمة الطعام ووضعته على المائدة الفاخرة بقصر سيدها، وبعد ما انتهت أخبرته باحترام: Lunch is ready mister rian.
أشار ريان للخادمة بالانصراف واستقام من مجلسه، وهي لازالت تقف في مكانها. ابتعد عنها عدة خطوات. وعد: يا دي النيلة، هو مش هيعزم عليا عزومة مراكبية حتى. استدار برأسه لها وهو ما زال مولياً لها ظهره، وأشار إليها أن تتبعه. وعد: يااااه يا حاج، أنا افتكرتك نسيتني، أصيل يا أبو رحاب، فحين نفخ هو بغضب، وراك أهو يا كبير. هز رأسه يأساً من سليطة اللسان تلك ومن جنونها، ومن رحاب هذه، هو لم يتزوج لينجب. حاج، كبير؟
تلك الكلمتين اللتان استرعتان انتباهه. هي تبدو صغيرة بالفعل ولكن هل يبدو لها كهلاً، هرماً..؟! إذا انتظري وعد سأريك ماذا سيفعله ذلك الهرم. دخل ريان إلى غرفة الطعام وجلس على كرسيه بشموخ لا يليق إلا به. ماذا؟ لم يدعوها هو الآخر فإن جلست في حين أن الخادمة لم تسألها عن رغبتها بتناول الطعام، وهو لم يأذن لها بذلك، سوف تنكشف أمرها.
هو رغم ألمه لإحساسها بالجوع إلا أنه أراد معاقبتها على كلماتها التي فسرها هو بأنها تراه كبير بالسن. تناول الشوكة ودسها في طبق الاستيك يلتقط منه قطعة كبيرة، وضعها في الطبق الذي أمامه، وأخذ يقطعها قطعاً صغيرة. وعندما وضع قطعة منها بفمه أصدر صوت همهمة ينم عن استمتاعه بمذاق الطعام، إلى جانب رائحته الشهية التي التقطتها أنفها، فسالت لعابها، وبدأت تلعق شفتيها بلسانها في حركة تلقائية تنم عن شدة جوعها.
أما هو يراقبها باستمتاع وما إن قامت بتلك الحركة حتى ألقى الشوكة التي ب
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!