الفصل 5 | من 40 فصل

رواية وعد ريان الفصل الخامس 5 - بقلم اسماء حميده

المشاهدات
27
كلمة
1,763
وقت القراءة
9 د
التقدم في الرواية 13%
حجم الخط: 18

بعد أن وصل محمد إلى العنوان الذي وصفته له وعد، وجدها هي وفتاة تشبهها تستند إلى سيدة كبيرة في السن. اقترب محمد منهم. محمد بقلق: فيه إيه يا وعد؟ إيه اللي حصل؟ وعد: بابا، يا محمد تعيش أنت. محمد بحزن: لا إله إلا الله، البقاء لله يا وعد. وتوجه ببصره إلى السيدة نجوى: البقاء لله يا هانم. نجوى: ونعم بالله يا إبني.

وعد: محمد، عوزاك تاخذ همس أختي وماما نجوى الشقة اللي قولتلي عليها، وأنا هشوف هعمل إيه في إجراءات الدفن والحاجات دي. محمد: أنا فعلًا هاخد آنسة همس ومدام نجوى أروحهم وهجيلك بسرعة. شكرته وعد، وكادت أن ترجوه ألا يترك أختها ونجوى لحالهما، ولكن تذكرت عندما اتصلت بطاهر صديق والدها وابنه زين، ولم يجيب أيًا منهم، كأنها وباء يخشون على أنفسهم منه. فردت وعد شاكرة: أنت حقيقي ونعم الأخ، ومش عارفة هقدر أردلك جميلك ده إزاي.

أحس محمد بحزن عميق بداخله، فهي لازالت تضعه في خانة الأخ، وليكن، هو لن يتخلى عنها وهي في تلك الظروف. محمد: أديكي قولتي ونعم الأخ، يعني ما فيش ما بينا جمايل.

أسرع محمد واستوقف سيارة أجرة ليقل كلا من همس ونجوى إلى حيث المنطقة التي يقطن بها ليقيموا بها. ومن خلال لجوء وعد إلى الابتعاد عن حياة الترف، وبعد ما تداولته وسائل الإعلام وبعض الصحف الصفراء من أخبار عن تورط والدهما مع الأموال العامة، علم محمد أن الزمن قد دار على هاتين اليتيمتين، فلم يزد على وعد كلمة واحدة حتى لا يسكب الملح على جرح لم يندمل بعد. فلقد أخذتهما الدنيا تحت رحاياها،

أو كما يقول البعض: لو دامت لغيرك ما أتت إليك. وصلت سيارة الأجرة إلى مقر سكن وعد وهمس الجديد في المنطقة التي تختلف كليًا عما عاشوه من قبل. خطت همس مع السيدة نجوى إلى العمارة السكنية المتواضعة التي قادهم إليها محمد. صعدت همس سلم العمارة وهي إلى الآن تشعر وكأنها تعاني من كابوس وسيأتي اليوم الذي تستيقظ منه.

طرق محمد أحد أبواب الشقق السكنية لهذه البناية، ففتحت لهم سيدة في نهاية عقدها الخامس، ولم تكن سوى والدة محمد. التي هاتفها أثناء ذهابه لملاقاة وعد وقص عليها ما حدث مع وعد وأختها، فهم أصبحوا أيتام الأم والأب وليس لهما سند، إلى جانب ما تداولته وسائل الإعلام عن تورط والدهما رجل الأعمال عزام، وأوصاها بحسن ضيافتهم، فهما حتى ولو كان ما أشيع على والدهما صحيح، فما ذنبهم في ذلك؟ وكما قال الله تعالى: (لا تزر وازرة وزر أخرى)

سابقًا، قد قص لوالدته ما يكنه لوعد من مشاعر حب بريئة، وحكى لها عن نقائها وبراءتها، وأنها لم تكن مثل قريناتها اللاتي يعلقن الشباب بحبال الهوى الذائبة ليثبتن جاذبيتهن ولهفة الشباب عليهن. في ذلك الوقت الذي أفصح فيه محمد عن مكنون قلبه، قدرت تلك السيدة البسيطة أخلاق وعد، وبالرغم من تعلق ابنها بها، لم تعطيه وعد أملًا كاذبًا. السيدة تحية (والدة محمد)

ببسمة حنون: اتفضلي يا همس يا بنتي، اتفضلي يا ست نجوى. عقبال ما محمد يشوف الشقة ناقصها إيه، ولو محتاجة نضيف نبعت حد ينضفها. إحنا عارفين إنها مش قد المقام، بس على عيني والله. همس بعرفان: معلش يا طنط، محتاجة أرتاح شوية، ميرسي لذوق حضرتك.

السيدة تحية جاذبة لها من ذراعيها، ضامة لها إلى صدرها مثلها كمثل أي سيدة مصرية أصيلة من أمهاتنا وأخواتنا الطيبات الحنونات اللاتي يتعاملن مع كل الناس بمحبة صادقة وقلوب نقية. وفقرهم وقلة إمكانياتهم لم تفقر قلوبهم، ولكن زادتهم محبة. السيدة تحية: أبدًا، ومن نبي النبي نبي ما يحصل، لازم تدخلوا تاخدوا واجبكم. السيدة تحية غامزة إلى محمد، واضعة مفتاح الشقة الشاغرة في يده: روح يا محمد، خلص وشوف هتعمل إيه.

أسرع محمد إلى محل البقالة أسفل بنايتهم، وابتاع الضروريات على قدر إمكانياته، والتي قد تحتاجها الفتاتين وتكفيهم حتى يتدبروا أمرهما. وعاد إلى الشقة المتواجدة أمام شقته هو ووالدته وأخته هناء التي تبلغ من العمر 16 عامًا. وكانت أخته في هذا الوقت عند عمتها في إحدى البنايات المجاورة. فقد توفى والد محمد منذ أكثر من عشر سنوات، وقد أفنت تلك السيدة شبابها لرعاية أبنائها.

قام محمد بوضع ما جلبه في براد الشقة، ورتب ما معه من خزين قد وضعته والدته في مطبخ الشقة قبل مجيئه، من زيت وسكر وأرز وشاي مما لديها. فقد اقتسمت تموينها الشهري بينها هي وأبنائها وهاتين الفتاتين. وبعد انتهاء محمد من مهمته، دق باب شقته، وأعطى لوالدته المفتاح، وأسرع لمساندة وعد في محنتها.

في هذه الأثناء، كانت وعد تشعر بالتيه من أين تبدأ، حتى أتتها النجدة الإلهية، فقد وصل محمد، ووجدها تقف منزوية خلف نظاراتها الشمسية في أحد الأركان تختبئ من عدسات الكاميرات. فأسرع إليها محمد: وعد، إيه اللي موقفك كده؟ تعالي نخلص الإجراءات، إكرام الميت دفنه. وعد بأعين تحبس دمعها من شدة الحزن والتخبط: الحمد لله يا رب، محمد ما تسبنيش أرجوك، أنا تايهة ومش عارفة أعمل إيه. أخرج محمد هاتفه واتصل بأحد رفاقه في الحارة

الشعبية التي يقطنها محمد: السلام عليكم يا حسن، أنا قصدك في خدمة، على السخان أوصل لغاية الحاج رمضان شيخ الحارة، واستأذنه في عربية تكريم الموتى، وهات العربية بالسواق وتعال لي على مستشفى ...... اللي في شارع ...... ، وأول ما توصل اديني رنة. أغلق محمد مكالمته مع حسن. التفت محمد إلى وعد. محمد: بطاقتك يا وعد، واصْلُبي طولك كده، وما تخافيش، أنا معاكي.

أمسكت وعد حقيبتها، تفتحها باحثة عن هويتها الشخصية بأيدي مرتعشة. دست أصابعها الرقيقة في حقيبتها التي بدت وكأنها بئر عميق، تبحث عن البطاقة كإبرة في كومة قش، إلى أن استخرجتها وأعطتها لمحمد، وأسرعت خلفه. ذهب محمد إلى مكتب الاستعلامات وخلفه وعد. تحدث محمد إلى موظف الاستعلامات مستفسرًا عن الإجراءات التي يلزم عليه فعلها لاستلام الجثة ودفنها. ومحمد بلباقته وحسن تصرفه استطاع إنجاز تلك الإجراءات اللعينة.

وخلال ساعة، كان حسن يعطي رنة لمحمد كإشارة منه للاستعداد، فقد أتى حسن. أسرع محمد مهرولًا ناحية البوابة الخلفية للمشفى، مد يده يسلم على حسن الذي يعتبره بمثابة الأخ الذي لم تنجبه أمه. ورحب بسائق السيارة. محمد: إيدك معايا يا حسن، وانت يا أسطى رجب، اجرني، الثواب اللي هنعمله مع المرحوم هيقعد لنا في صحتنا، لأنه ما عندوش ولد، ما عندوش غير جوز ولايا، بينا نستره.

وكعادة أولاد البلد الجدعان، تكاتفوا في حمل الصندوق الذي به الجثمان لتوصيله لمثواه الأخير. استقلوا ثلاثتهم السيارة، السائق بمكانه وبجواره حسن. وأبى محمد أن يترك وعد بالخلف في السيارة وحدها، فذهب واستقل خلفًا حتى لا يتركها وحدها فريسة للأحزان. محمد: شدي حيلك يا وعد، ما فيش حد عاوزه تبلغيه عشان يحضر الدفنة. لاحت بسمة حزينة على وجه وعد. وعد باكية: لا يا محمد، إحنا ما لناش حد برغم الهيلمان ده كله.

أطرقت رأسها: ما بقاش لي غير همس، وهمس مش هتقدر تحضر موقف زي ده، دي أول ما الدكتور أكد خبر الوفاة وقعت من طولها. بعد الدفنة تبقى تيجي تزوره. حرك محمد رأسه مؤيدًا لرأيها. بعد أن أتم الثلاثة رجال المهمة حتى النهاية، جلست وعد بجانب قبر والدها تشكوه همها. فوضع محمد يده على كتفها بحنو يخلو من أي أحاسيس متدنية، كل ما يتمناه أن يراها سعيدة، ولا يحب أن يراها بهذا الضعف.

محمد: قومي يا وعد، لسه المشوار طويل، وانت قدها، أنا واثق من كده. التفتت له، وبعينيها نظرات شاكرة محبة لأخ ولد من رحم الشدة. وعد: مش عارفة من غيرك كنت هعمل إيه، اللي عملته معايا دين في رقبتي. محمد محاولًا التخفيف عنها: أقول لك تعملي إيه؟ قومي بينا نروح عند خالتك تحية تأكلنا لقمة، إلا عصافير بطني بتصوصو.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...